النص المفهرس

صفحات 661-680

أقول: هذا ثقة جليل وثقه أبو حاتم مع تشدده والنسائي والذهلي ومسلمة وابن
خزيمة وكان يسميه: ((إمام زمانه)) وآخرون، واحتج به الشيخان في (الصحيحين)
وبقية الستة. وفي (التهذيب) عن (الزهرة): ((روى عنه البخاري مائتي حديث
وخمسة أحاديث، ومسلم أربعمائة وستين)). ولم يتهمه أحد بالكذب بالمعنى المتبادر
ولا بسرقة الحديث، وفي ترجمة محمد بن المثنى أبي موسى الزَّمِن من (التهذيب)
وغيره عن السلمي عن الدارقطني أن عمرو بن علي الصيرفي سئل عنه وعن بندار
هذا فقال: ((ثقتان يقبل منهم كل شيء إلا ما تكلم به أحدهما في الآخر))، يعني
لأنه كانت بينهما منافسة. والدارقطني لم يدرك عمرو بن علي ولكن الاستشهاد بمثل
هذا مقبول. وقال عبد الله بن محمد بن سيار: سمعت عمرو بن علي يحلف أن بنداراً
يكذب فيما يروي عن یحیی، قال ابن سيار: وبندار وأبو موسى ثقتان، وأبو موسى
أصح)) وإنما أراد عمرو بن علي بالكذب الوهم والخطأ بدليل أنه قد جاء عنه توثيق
بندار كما مر، وأن الراوي عنه وهو ابن سيار وثق بنداراً، وإنما رجح أبا موسى
عليه، وقد كانت بين عمرو بن علي وبندار مخاشنة، ففي ترجمة عمرو من
(التهذيب): ((حدث عمرو بن علي عن يحيى القطان فبلغه أن بنداراً قال: ما نعرف
هذا من حديث يحيى، فقال أبو حفص [عمرو بن علي]: وبلغ بندار إلى أن
يقول: ما نعرف؟!)) فإذا قضى عمرو بن علي على بندار وأبي موسى أن لا يقبل
كلام كل منهما في الآخر فقد قضى على نفسه، والحق أنه إنما أراد الوهم والخطأ.
وقد قال الأستاذ (ص١٦٣): ((الإخبار بخلاف الواقع هو الكذب، والكذب بهذا
المعنى يشمل الغالط والواهم .. فلا يعتد بقول من يقول: فلان يكذب ما لم يفسر
وجه كذبه ... )) وفي (التهذيب): ((قال عبد الله بن علي ابن المديني: سمعت أبي
وسألته عن حديث رواه بندار عن ابن مهدي عن أبي بكر بن عياش عن عاصم عن
زُر عن عبد الله عن النبي ◌ِ ◌ّم قال: ((تسخَّروا فإن في السحور بركة)»؟ فقال: هذا
كذب، وأنكره أشد الإنكار، وقال: حدثني أبو داود: ((موقوفاً))، يعني ليس فيه:
((عن النبي عَ ◌ّله))، وقد رواه النسائي عن بندار مرفوعاً، ثم قال: ((وقفه عبيد الله
ابن سعيد)) ثم رواه من طريقه: موقوفاً، والمتن ثابت عن النبي صَ لّم من حديث أنس
٦٦١

وهو في (الصحيحين) وقد روي من حديث أبي هريرة، والخطأ في مثل هذا يقع
كثيراً من الثقات، فإنما أراد ابن المديني أن رفعه من تلك الطريق غير واقع، لا أن
بنداراً تعمد الكذب، وهذا واضح، فبندار قد يقع له الخطأ في مظانه كالحديث
المذكور.
وأما سرقة الحديث فإنما أخذها الأستاذ مما روي عن أبي موسى أنه سبق بنداراً
إلى تصنيف حديث داود بن أبي هند ثم قال: هنا قوم لو قدروا أن يسرقوا حديث
داود لسرقوه - يعني بنداراً - وإنما كانت بين الرجلين منافسة فأراد أبو موسى أن
بنداراً يحسده على السبق إلى تصنيف حديث داود حتى لو أمكنه أن يسرق ذاكِ
الكتاب ليفقده أبا موسى لفعل. وليس هذا من سرقة الحديث في شيء، ولم يقع من
بندار لا هذا ولا ذاك، ولا هو ممن يقع منه ذلك، وإنما بالغ أبو موسى كما لا
يخفى. ومع هذا لم يكن بين الرجلين بحمد الله ما يسمى عداوة، وقد توفي بندار قبل
أبي موسى فجاء بعض الجهلة إلى أبي موسى فقال له: البشرى، مات بندار. يعني
وخلا لك الجو. فقال له أبو موسى: « جئت تبشرني بموته؟! عليَّ ثلاثون حجة إن
حدثت أبداً)). فعاش بعد ذلك تسعين يوماً لم يحدث بحديث ثم مات رحمهما الله
تعالى، وإنما حلف أبو موسى أن لا يحدث ندامة على ما سبق منه من المنافسة
وإظهاراً لأنها لم تبلغ به أن يسرَّ بموت صاحبه، فامتنع من التحديث الذي كانت
المنافسة فيه. وأما استقرار العمل على الانتقاء من رواياته فهذا يقال على وجهين.
الأول: أن يتقى ما تبين أنه أخطأ فيه ويؤخذ غيره.
الثاني: أن لا يؤخذ من رواياته إلا ما توبع عليه، فإن أراد الأستاذ هنا الأول
فليس فيه ما ينفعه، وإن أراد الثاني فهو مردود عليه، ومع ذلك فقد توبع بندار في
المقصود من هذه الحكاية كما ذكره الأستاذ نفسه في غير موضع، وليست من مظان
الخطأ والوهم. والله أعلم (١).
(١) محمد بن بشر الرقي. يأتي مع محمد بن الحسن بن حميد.
٦٦٢

١٩٦ - محمد بن جابر اليمامي. ذكر الأستاذ (ص ١١٥) قول ابن أبي حاتم:
((أخبرنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني فيما كتب إلي حدثني إسحاق بن راهويه قال:
سمعت جريراً يقول قال محمد بن جابر اليمامي: سرق أبو حنيفة كتب حماد مني))
قال الأستاذ: ص (١١٦) ((الأعمى قد قال فيه أحمد: لا يحدث عنه إلا من هو
شر منه. وقد ضعفه ابن معين)).
أقول: أما كلمة ((لا يحدث عنه إلا من هو شر منه)) ففي (التهذيب): ((قال
ابن حبان كان أعمى ... قال أحمد بن حنبل لا يحدث عنه إلا من هو شر منه))،
فناسب الكلمة إلى أحمد هو ابن حبان، وبين ابن حبان وأحمد مفازة ولا يدرى ممن
سمع تلك الكلمة، ولو صحت عن أحمد لكانت الكلمة أقرب إلى الاطراء البالغ
منها إلى الذم، فقد روى عن محمد بن جابر من يعتقد أحمد وغيره أنهم أفاضل
عصرهم وخيار أهل زمانهم مثل أيوب ابن أبي تميمة السختياني، وعبد الله بن عون،
وسفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك وآخرين، فلا معنى لأن يقال إن هؤلاء شر
منه إلا اطراؤه بأنه خير منهم. وعلى كل حال فالحكاية منقطعة منكرة، فأما
تضعیف ابن معين وغيره له فلأمور.
الأول: أنه كان سيء الحفظ يتعاطى الرواية من حفظه فيغلط.
الثاني: أنه اختلط عليه حديثه، قال ابن معين، وكأنه كان في كتبه أحاديث
سمعها من رجل وأحاديث سمعها من آخر فاختلط عليه بعض كتبه، فدخلت
أحاديث من حديث بعض شيوخه في حديث شيخ آخر.
الثالث: أن كتابه ذهب بأخرة فتأكد احتياجه إلى أن يروي ما علق منه بحفظه
وهو سيء الحفظ.
الرابع: أن إسحاق ابن الطباع قال ((حدثت محمداً يوماً بحديث، قال: فرأيت في
كتابه ملحقاً بين سطرين بخط طري)) والرجل كان أعمى فالملحق غيره حتماً، ورواية
(١) وأكد كذلك الحافظ ابن حجر في التقريب)) ١٤٩/٢. زهير.
٦٦٣

الاجلة عنه وشهادة جماعة منهم له بأنه صدوق تدل أن الإلحاف لم يكن بعلمه. فأما
قول ابن حبان (( كان أعمى يلحق في كتبه ما ليس من حديثه وبسرق ما ذوكر به
فيحدث به)) فإنما أخذه من هذه القضية، وقد بان أن الإلحاق من غيره، وإذا كان
بغير علمه كما يدل عليه ما سبق فليس ذلك بسرقة. فالحكم فيه أن ما رواه الثقات
عنه ونصوا على أنه من كتابه الذي عرفوا صحته فهو صالح ويتوقف فيما عدا ذلك.
فأما هذه الحكاية وهي قوله: ((سرق أبو حنيفة كتاب حماد مني)) فليست بمظنة
الإختلاط ولا الإلحاق، ثم إن أراد بسرقة الكتاب سرقة الحديث أي أن أبا حنيفة
سمع منه عن حماد أحاديث فرواها أبو حنيفة عن حماد، فهذا ظن منه لا تقوم به
حجة، فان أبا حنيفة قد صحب حماداً واختص به فلعل ما سمعه من محمد بن جابر
كان عنده من حماد ، وإن أراد سرقة الكتاب نفسه فلم يبين كيف عرف ذلك ؟ وقد
یکون كان في مجلس فيه أبو حنيفة وغيره ففقد کتابه ثم بلغه أن أبا حنيفة يحدث عن
حماد فتوهم ما توهم وليس في هذا حجة. وقد جاء عنه ما لو صح لكان تفسيراً لهذا
حكاه الأستاذ بحاشية (ص ١١٥) (١) وهو أن العقيلي أخرج بسند فيه محمد بن حميد
عن محمد بن جابر قال: ((جاءني أبو حنيفة يسألني كتاباً من كتب حماد فلم أعطه،
فدس إلى ابنه فدفعت كتبي إليه فدفعها إلى أبيه فرواها أبو حنيفة من كتبي عن
حماد)). قال الأستاذ ((والرواية عن الخط مخالفة لمذهب أبي حنيفة ثم في سند الخبر
إبراهيم بن سعيد ومحمد بن حميد)).
أقول: أما مخالفة المذهب إن صحت فلا تكفي هنا كما لا يخفى، وابراهيم بن
سعيد ثقة كما تقدم في ترجمته، وإنما الوهن من محمد بن حميد فإنه ليس بعمدة(٢).
١٩٧ - محمد بن جعفر الأدمي. تقدمت الإشارة إلى روايته في ترجمة أحمد بن
عبيد قال الأستاذ (ص ٤٢): ((قال عنه محمد بن أبي الفوارس كان قد خلط فيما
حدث )).
(١) الأصل (١٥).
(٢) محمد بن حيويه. راجع (الطليعة) (ص ١١ - ١٧).
٦٦٤
ز

أقول: ذكروا انه كان شاهداً فقد كان معدّلاً عند القضاة لكن لم أر من وثقه،
فأما التخليط فلم يبين ما هو (١).
١٩٨ - محمد بن جعفر الأنباري. في (تاريخ بغداد) (٣٩٧/١٣): ((أخبرنا ابن
رزق والبرقاني قالا : أخبرنا محمد بن جعفر بن الهيثم الأنباري حدثنا جعفر بن محمد بن
شاكر ... )) قال الأستاذ (ص ١٠٩) ((فيه بعض الشيء كما قال الخطيب)).
أقول: ترجمته في (التاريخ) (ج ٢ ص ١٥١) وفيها: ((سألت البرقاني عن ابن
الهيثم فقلت: هل تكلم فيه أحد؟ قال: لا، وكان سماعه صحيحاً بخط أبيه)) ثم حكى
عن ابن أبي الفوارس: ((كان قريب الأمر فيه بعض الشيء وكانت له أصول بخط أبيه
جياد )). والظاهر أن بعض الشيء إنما هو فيما يتعلق بالسيرة لا بالرواية ولم يفسر،
فلعله تقصير خفيف لا يعد جرحاً، ومع ذلك فحكايته هذه رواها عنه البرقاني وهو
إمام مثبت فهي من تلك الأصول التي اتفقوا على صحتها)) (٢).
١٩٩ - محمد بنلجعفر الراشدي في (تاريخ بغداد) (٤١١/١٣) من طريقه
((حدثنا أبو بكر الأثرم ... )) قال الاستاذ (ص ١٤١) ((راوي (العلل) للأثرم
ورواياه القطيعي واحمد بن نصر الذراع غير صالحين للرواية)).
أقول: الراوي عنه هنا القطيعي وهو أحمد بن جعفر بن حمدان تقدمت ترجمته
وأنه ثقة والراشدي وثقه غير واحد، ومع ذلك فالحكاية مأخوذة من ذاك الكتاب
المصنف المقطوع بنسبته، فلا يضرها لو كان في بعض الوسائط كلام.
٢٠٠ - محمد بن حبان أبو حاتم البُستي الحافظ. نقل الأستاذ (ص ٩٠) قوله في
أبي حنيفة ((كان أجل في نفسه من أن يكذب ولكن لم يكن الحديث شأنه، فكان
يروي فيخطىء من حيث لا يعلم ويقلب الإسناد من حيث لا يفهم، حدث بمقدار
(١) محمد بن جعفر الأسامي. يأتي في ترجمة محمد بين علي البلخي.
(٢) ذكره الاستاذ (ص ٢٩) في الحاشية استطراداً.
٦٦٥

مائتي حديث أصاب منها في أربعة أحاديث، والباقية إما قلب إسنادها أو غير
متنها)). أجاب الاستاذ بوجهين:
الأول: حاصله أن أبا حنيفة مشهور بالحفظ والفهم، واشتهر عنه أنه لا يبيح
الرواية إلا لمن استمر حفظه من الأخذ إلى الاداء، ولا يبيح الرواية مما يجده الراوي
بخط يده ما لم يذكر أخذه له، وتواتر (؟) عنه ختمه القرآن في ركعة - ونحو هذا .
الثاني: التنديد بابن حبان.
أقول: أما الوجه الأول فلم ينفرد ابن حبان بنسبة الخطأ والغلط في الرواية إلى أبي
حنيفة بل وافقه على ذلك كثيرون حتى من المائلين إلى أبي حنيفة، نعم انفرد بذاك
التحديد ، لأنه اعتنى بذلك وألف كتابين: أحدهما كتاب (علل ما استند إليه أبو
حنيفة)، والثاني كتاب (علل مناقب أبي حنيفة ومثالبه). واشتهار أبي حنيفة بالحفظ
غير مسلم، وحفظ القرآن لا يستلزم حفظ الأحاديث، والفهم لا يستلزم الحفظ، وفهم
المعاني والعلل غير فهم وجوه الرواية. وقد اشتهر ابن أبي ليلى بالفقه حتى كان الثوري
إذا سئل قيل: فقهاؤنا ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وكان ابن أبي ليلى رديء الحفظ
للروايات كثير الغلط. وما اشتهر عن أبي حنيفة من اشتراط استمرار الحفظ إن صح
فمراده التذكر في الجملة وإلا لزم ما هو أشد، والتذكر في الجملة لا يدفع احتمال
التوهم والخطأ، وكان على الأستاذ أن ينقل نصوصاً صحيحة صريحة عن الأئمة
المعتمد عليهم ترد قول ابن حبان كما جاء في الشافعي قول أبي زرعة الرازي: (( ما
عند الشافعي حديث غلط فيه)) وقول أبي داود: ((ليس للشافعي حديث أخطأ فيه))،
أو يتجشم جمع الأحاديث التي يثبت أن أبا حنيفة رواها وبيان ما يثبت من موافقة
الثقات له ومخالفتهم.
وأما التنديد بابن حبان. فذكر الاستاذ أموراً:
منها أن ابن الصلاح وصفه بأنه غلط الغلط الفاحش في تصرفه.
أقول: ابن الصلاح ليس منزلته أن يقبل كلامه في مثل ابن حبان بلا تفسير،
٦٦٦

والمعروف مما ينسب ابن حبان فيه إلى الغلط أنه يذكر بعض الرواة في (الثقات) ثم
يذكرهم في (الضعفاء)، أو يذكر الرجل مرتين أو يذكره في طبقتين ونحو ذلك.
وليس ذلك بالكثير وهو معذور في عامة ذلك وكثير من ذلك أو ما يشبهه قد وقع
لغيره كابن معين والبخاري.
ومنها أن الذهبي وصفه بالتشغيّب والتشنيع.
أقول: إنما ذلك في مواضع غير كثيرة يرى ما يستنكره للراوي فيبالغ في الخط
عليه، وهذا أمر هين، لأنه إن كان فيمن قد جرحه غيره فكما يقول العامة (( لا يضر
المقتول طعنة)) وإن كان فيمن وثقه غيره لم يلتفت إلى تشنيعه وإنما ينظر في تفسيره
وما يحتج به.
ومنها أن يوثق المجاهيل الذين لم يسبر أحوالهم.
أقول: قد بين ابن حبان اصطلاحه وهو أنه يذكر في (الثقات) كل من روى عنه
ثقة ولم يرو منكراً، وأن المسلمين على العدالة حتى يثبت الجرح، وقد ذهب غيره من
الاكابر إلى قريب من هذا كما قدمته في (قسم القواعد) في القاعدة السادسة. نعم إنه
ربما يظهر أنه يذكر الرجل ولم يعلم ما روى ولا عمن روى ولا من روى عنه، وعذره
في هذا أنه بنى على رأيه أن المسلمين على العدالة واستأنس بصنيع بعض من تقدمه من
الأئمة من ذكر ذلك الرجل بدون إشارة إلى ضعف فيه، وأهل العلم من الحنفية
وغيرهم كثيراً ما يقرون الراوي بقولهم: ((ذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا
فيه جرحاً))(١) ومع ذلك يبين ابن حبان بعدم ذكر شيخ للرجل ولا راو عنه أنه لم
(١) قلت: وقد جرى على هذا بعض المحققين من أهل الحديث المعاصرين، وكنت استنكر
ذلك في نفسي دون ان يكون لدي نقل يؤيدني، حتى رأيت ابن أبي حاتم يقول في
كتابه ٣٨/١: ((على أنا قد ذكرنا أسامي كثيرة مهملة من الجرح والتعديل، كتبناها
ليشتمل الكتاب على كل من روي عنه العلم، رجاء وجود الجرح والتعديل فيهم. فنحن
ملحقوهابهم من بعد ان شاء اللّه تعالى)). قلت: فرأيت أن أثبت هذاهنا تنبيهاوتذكيراً. ن.
٦٦٧

یعرفه(١).
ومنها أنه عريق في التعصب.
أقول: أئمة الحديث كلهم في رأي الاستاذ متعصبون ولا أعرف ابن حبان
بتعصب .
ومنها أنه حكي عنه أنه قال في النبوة أنها العلم والعمل.
أقول: إن صح هذا عنه فهو قول مجمل وابن حبان معروف عنه في جميع تصانيفه
أنه يعظم النبوة حق تعظيمها ولعله أراد أن المقصود من إيحاء الله عز وجل إلى النبي
عَّ طله أن يعلم هو ويعمل، ثم يبين للناس فيعلموا ويعملوا. وقد نسب إليه أنه أنكر الحد
لله ، ولعله امتنع عن التصريح بإثبات الحد باللفظ الذي اقترح عليه، أو أتى بعبارة
حملها المشنعون على إنكار الحد كما اتفق للبخاري في القرآن، وغير ذلك ، و کتب ابن
حبان من أولها إلى آخرها جارية على التمسك بالسنة والثناء على أصحابها وذم من
يخالفها، وهو من أخص أصحاب ابن خزيمة أحد أئمة السنة. ثم أحال الاستاذ على ما
في (معجم البلدان): (بُسْت).
وأقول: هناك عبارة طويلة زعم ياقوت أنه نقلها من خط ابن النفيس أنه نقلها
من خط السليماني في ( معجم شيوخه)، وياقوت ليس بعمدة والأئمة الذين ذكروا
ترجمة ابن حبان قد وقفوا على كتب السليماني ونقلوا عنها ثم لم يحكوا في ترجمة ابن
حبان حرفاً من تلك العبارة، وفيها ذكر أحوال لابن حبان تتعلق بسمرقند ونيسابور
وبخاری، ولکل من هذه البلدان ( تاریخ) ذکر فیه ابن حبان، ونقل ياقوت وغيره
من تلك التواريخ فلم يقع في ذلك شيء مما في تلك العبارة وإنما نقلوا عن تلك
التواريخ تعظيمه والثناء البالغ عليه، على أن ما وصف به في تلك البعارة منه ما ليس
(١) قلت: بل انه ليقول احياناً في بعض ثقاته ((لا اعرفه)) او ((لا اعرفه ولا اعرف اباه))
كما اثبتناه بالتقول عنه في غير هذا الموضع، وسبقت الاشارة الى هذا في التعليق على
الصفحة (٢٥٦) الجزء الأول.
٦٦٨

بجرح، ومنه ما هو جرح غير مفسر أو مفسر بما لايقدح، أو غير مثبت، ضرورة ان
قائل ذلك لم يكن ملازماً لابن حبان في جميع تنقلاته في تلك البلدان، وإنما لفقت إن
صحت عن السليماني من قيل، وقالوا، وزعموا، فعلى كل حال لا وجه للتعويل
عليها، ولا الإلتفات إليها. والله المستعان.
هذا وقد أكثر الاستاذ من رد توثيق ابن حبان، والتحقيق أن توثيقه على
درجات :
الأولى: أن يصرح به كأن يقول ((كان متقناً)) أو ((مستقيم الحديث)) أو نحو
ذلك .
الثانية: ان يكون الرجل من شيوخه الذين جالسهم وخبرهم.
الثالثة: أن يكون من المعروفين بكثرة الحديث بحيث يُعلم أن ابن حبان وقف له
على أحاديث كثيرة.
الرابعة: أن يظهر من سياق كلامه أنه قد عرف ذلك الرجل معرفة جيدة.
الخامسة: ما دون ذلك.
فالأولى لا تقل عن توثيق غيره من الأئمة بل لعلها أثبت من توثيق كثير منهم،
والثانية قريب منها ، والثالثة مقبولة، والرابعة صالحة، والخامسة لا يؤمن فيها الخلل.
والله أعلم (١) .
(١) قلت: هذا تفصيل دقيق، يدل على معرفة المؤلف رحمه اللّه تعالى، وتمكنه من علم
الجرح والتعديل، وهو مما لم اره لغيره، فجزاه الله خيراً، غير انه قد ثبت لدي
بالممارسة ان من كان منهم من الدرجة الخامسة فهو على الغالب مجهول لا يعرف،
ويشهد بذلك صنيع الحفاظ كالذهبي والعسقلاني وغيرهما من المحققين، فانهم نادراً ما
يعتمدون على توثيق ابن حبان وحده ممن كان في هذه الدرجة، بل والتي قبلها احيانا .
ولقد أجريت لطلاب الجامعة الاسلامية في المدينة المنورة يوم كنت أستاذ الحديث
فيها سنة (١٣٨٢) تجربة عملية في هذا الشأن في بعض دروس (الاسانيد) فقلت =
٦٦٩

٢٠١ - محمد بن الحسن بن محمد بن زياد النقاش في (تاريخ بغداد) (٣٨٦/١٣)
حكاية من طريقه. قال الأستاذ (ص ٧٤): ((كذاب زائغ من أسقط خلق الله،
ولولا أن الداني المقرىء بعيد الدار عن الشرق لما خفيت عليه مخازيه)).
أقول: كان هذا الرجل مقرئاً مفسراً تعب في الطلب وجمع فأكثر لكنهم نقموا
عليه في أحاديث، فأما الدارقطني فكان يجمل القول فيه ويحمله على الوهم والتساهل
في الأخذ، وأما البرقاني وغيره فحطوا عليه وتبعهم الخطيب، وإنما روى عنه هنا لأنه
لم ينفرد بمعنى ما روى، وكان الأولى به ترك الرواية عنه. والله المستعان.
٢٠٢ - محمد بن الحسين بن حميد بن الربيع. ساق الخطيب في (التاريخ)
(٤٠٣/١٣) عدة روايات جيدة في تشديد ابن المبارك في شأن كتاب أطلق عليه
((كتاب الحيل لأبي حنيفة)) وروايته عن النضر بن شميل ليس فيها ذكر أبي حنيفة ،
وأشار الاستاذ إلى ما ذكره الذهبي في جزء (مناقب أبي حنيفة وصاحبه)، ولفظ
الذهبي في ذاك الجزء (ص ٥٢ - ٥٣): ((الطحاوي سمعت محمد بن أبي عمران
يقول: قال محمد بن سُماعة: سمعت محمد بن الحسن يقول: هذا الكتاب - يعني كتاب
(الحيل) - ليس من كتبنا، إنما أُلقي فيها. قال ابن أبي عمران: إنما وضعه إسماعيل
ابن حماد بن أبي حنيفة)). وقال الأستاذ (ص ١٢٢) في الحاشية: ((قال أبو سليمان
= لهم: لنفتح على أي راو في كتاب (خلاصة تذهيب الكمال) تفرد بتوثيقه ابن حبان، ثم
لنفتح عليه في ((الميزان)) للذهبي، و((التقريب)) للعسقلاني، فسنجدهما يقولان فيه
((مجهول)) او ((لا يعرف)) وقد يقول العسقلاني فيه ((مقبول)) يعني لين الحديث،
ففتحنا على بضعة من الرواة تفرد بتوثيقهم ابن حبان فوجدناهم عندهما كما قلت: اما
مجهول، أو لا يعرف، أو مقبول .
الا أن ما ذكر المؤلف من رد الكوثري لتوثيق ابن حبان. فانما ذلك حين يكون هواه
في ذلك، وإلا فهو يعتمد عليه ويتقبله حين يكون الحديث الذي فيه راو وثقه ابن
حبان، يوافق هواه، كبعض الأحاديث التي رويت في ((التوسل)) وقد كشفت عن
صنيعه هذا في كتابي (الأحاديث الضعيفة) رقم (٢٣).
٦٧٠

الجوزجاني: من قال إن محمداً رحمه الله صنف كتاباً سماه: (الحيل) فلا تصدقه، وما
في أيدي الناس إنما جمعه وراقو بغداد كما في (مبسوط السرخسي) ... )). وفي (فتح
الباري) ذكر لكتاب (الحيل) لأبي يوسف، وأطال في دفع نسبة ذاك الكتاب إلى أبي
حنيفة، أو أصحابه.
والذي تضافرت عليه الروايات الجيدة أنه كان في عصرابن المبارك فما بعده كتاب
يسمى ( كتاب الحيل لأبي حنيفة) أو ( كتاب حيل أبي حنيفة)، وهناك قرائن تدفع
أن يكون من تصنيف أبي حنيفة نفسه؛ وهذه القرائن لا تدفع التسمية فقد يكون
مصنفه نسبه إليه أو يكون الناس لما رأوه مبنياً على قواعد أبي حنيفة أطلقوا عليه هذا
الاسم، فأطلق عليه ابن المبارك اسمه المعروف به بين الناس غير قاصد الجزم بأنه
تصنيف أبي حنيفة نفسه، ولا ريب أنه لا يستنبط الحيل من قواعد أبي حنيفة إلا
رجل عارف بتلك القواعد ، له يد في الاستنباط وليس هو بأبي يوسف، ولا بمحمد بن
الحسن، وقد مر عن ابن أبي عمران وهو من أجلتهم قوله: ((إنما وضعه إسماعيل بن
حماد بن أبي حنيفة)).
والمقصود هنا أنه من المقطوع به وجود ذلك الکتاب وأنه كان متداولاً بین الناس
في تلك الأزمنة، وتضافرت الروايات على أنه كان معروفاً بذاك الاسم.
ثم قال الاستاذ (ص ١٢٢): ((وقد حاول بعض الكذابين رواية كتاب في الحيل
عن أبي حنيفة في زمن متأخر بسند مركب فافتضح، وهو أبو الطيب محمد بن الحسين
ابن حميد بن الربيع الكذاب ابن الكذاب حيث زعم بعد سنة ثلثمائة أنه كان سمع
( كتاب الحيل) سنة ٢٨ بـ (سر من رأى) من أبي عبدالله محمد بن بشر الرقي عن
خلف بن بيان. وقد قال مطّيَّن: إن محمد بن الحسين هذا كذاب ابن كذاب، وأقره ابن
عقدة، ثم أقر ابن عدي وأبو أحمد الحاكم ابن عقدة في ذلك. وقد قوى ابن عدي أمر
ابن عقدة. ورد على الذين تكلموا فيه بل قال السيوطي في (التعقبات) ص ٥٧ : ابن
عقدة من كبار الحفاظ وثقة الناس، وما ضعفه إلا عصري متعصب إهـ، ثم شيخ
محمد بن الحسين مجهول الصفة، بل مجهول العين، وشيخ شيخه مجهول أيضاً بل لا
٦٧١

وجود له )).
أقول: أما رواية أبي الطيب هذا الكتاب فليس فيها ما يريب في صدقه، فقد
تحقق أن الكتاب كان موجوداً بأيدي الناس يسمى بذاك الاسم، فأي ريبة أم أي
بعد في أن يجده أبو الطيب عند بعض الوراقين فيزعم الوراق انه يرويه بالسماع فيسمعه
منه أبو الطيب، وقد يكون ذلك الوراق كذاباً زعم ما زعم ليروج له الكتاب، ولم
يفتش أبو الطيب عن حاله على عادتهم في ذلك العصر من الأخذ عن كل أحد وترك
التحقيق لأهله أو لوقته. ثم إن صح قول الأستاذ (( بعد سنة ثلثمائة)) فليس يلزم من
ذلك أن لا يكون أبو الطيب ذكر قبل ذلك أن الكتاب عنده یرویه، و كثيراً ما يروي
الرجل بعد أن يسمع بستين أو سبعين سنة أو أكثر وقد كان للأستاذ في جهالة شيخ
أبي الطيب وشيخ شيخه ما يكفيه في دفع النسبة إلى أبي حنيفة عن محاولة الطعن في أبي
الطيب الموثق كما يأتي، ومحاولة الدفاع عن ابن عقدة المجروح كما تقدم في ترجمته
وهو أحمد بن محمد بن سعيد ابن عقدة، مع دعوى تقوية ابن عدي له، وفي ذلك ما
فيه. فأما ما نسب إلى مطين فدونك شرحه:
زعم ابن عقدة أنه كان عند مطيّن فمر أبو الطيب فقال مطين هذا كذاب ابن
كذاب. وفي بعض المواضع زيادة ((ابن كذاب)) أخرى، فحكى ابن عدي عن ابن
عقدة هذا وقواه بالنسبة إلى حسين بن حميد والد أبي الطيب كما تقدم في ترجمته مع
النظر فيه، فأما أبو أحمد الحاكم فإنما قال في أبي الطيب: ((كان ابن عقدة سيء الرأي
فيه))، وهذا يشعر بأنه لم يعتمد على رواية ابن عقدة عن مطين وإلا لقال: ((كان
مطين سيء الرأي فيه))، وابن عقدة ليس بعمدة كما تقدم في ترجمته. وقد تعقب
الخطيب حكايته هذه في التاريخ (ج ٢ ص ٢٣٧) فقال: ((في الجرح بما يحكيه أبو
العباس بن سعيد [ ابن عقدة ] نظر، حدثني علي بن محمد بن نصر قال: سمعت حمزة
السهمي يقول: سألت أبا بكر ابن عبدان عن ابن عقدة إذا حكى حكاية عن غيره من
الشيوخ في الجرح فهل يقبل قوله أم لا؟ قال: لا يقبل)). وهذه الرواية مأخوذة عن
كتاب معروف لحمزة. ثم روى الخطيب عن أبي يعلى الطوسي توثيق أبي الطيب قال:
٦٧٢

((كان ثقة صاحب مذهب حسن وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وكان ممن يطلب
للشهادة فيأبى)) وقال ابن الجوزي في (المنتظم) (ج ٦ ص ٢٣٥): ((كان ثقة يفهم،
وقد روى ابن عقدة عن الخضرمي (مطين) أنه قال: هو كذاب - وهذا ليس
بصحيح)) وقال ابن حجر في (اللسان): ((الظاهر أن جرح ابن عقدة لا يؤثر فيه لما
بينهما من المباينة في الاعتقاد )).
أقول: أما جرحه من قبل نفسه بلا حجة فنعم، وأما روايته عن غيره فلو كان ثقة
لم ترد بالمباينة في الاعتقاد ولكنه في نفسه على يدي عدل، فالمباينة في الاعتقاد تزيده
وهنا على وهن. والله الموفق.
٢٠٣ - محمد بن حماد. في (تاريخ بغداد) (٤٠٢/١٣) من طريق ((عبدالله بن
أَبِيّ القاضي يقول: سمعت محمد بن حماد يقول: رأيت النبي عَ ◌ّه في المنام ... )) قال
الأستاذ (ص ١٤١) ((وضاع معروف من أصحاب مقاتل)).
أقول: صاحب مقاتل قديم ففي ترجمته من (اللسان) أنه قال: ((أشخصني هشام
ابن عبدالملك من الحجاز إلى الشام ... )) وقد مر في ترجمة عبدالله بن أبي القاضي أن
أعلى شيخ له أحمد بن عبد الله بن يونس المتوفى سنة ٢٢٧، وهشام مات سنة ١٢٥
فأنى يدرك عبدالله بن أبي من كان في زمن هشام رجلاً؟ فهذا رجل آخر. والله
المستعان.
٢٠٤ - محمد بن حمدويه أبو رجاء المروزي. ذكروا أنه ذكر في (تاريخ مرو) وأن
محمود بن غيلان توفي سنة ٢٢٩ وأن البخاري وغيره قالوا: إن محموداً توفي سنة ٢٣٩
فذكر الأستاذ هذا (ص ٦٤) وأطلق على أبي رجاء ((رواية الغرائب)).
ولا يخفى أن هذا الخطأ الواحد لا يبرر هذه الكلمة وراجع (الطليعة) (ص ٢٢
- ٢٩) لتعرف حال الكوثري في تلك القضية.
٢٠٥ - محمد بن روح - في (تاريخ بغداد) (٤١٢/١٣) من طريق ((زكريا بن
٦٧٣

يحي الساجي حدثني محمد بن روح قال: سمعت أحمد بن حنبل ... )) قال الأستاذ
(ص ١٤٣): ((مجهول)).
أقول: في (تاريخ بغداد) (ج ٥ ص ٢٧٧) ((محمد بن روح العكبري ... )) ثم
روى من طريق «عثمان بن إسماعيل بن بكر السكري ثنا محمد بن روح العكبري
بعكبرا وكان صديقاً لأحمد بن حنبل وكان أحمد بن حنبل إذا خرج إلى عكبرا ينزل
عليه)) وعثمان هذ توفي سنة ٣٢٣ كما في (التاريخ) (ج ١١ ص ٢٩٦) والساجي
توفي سنة ٣٠٧ ولم يكن أحمد ليصادق رجلاً وينزل عليه إلا وهو خير فاضل.
٢٠٦ - محمد بن سعد العوفي - في ترجمة الحسن بن زياد اللؤلؤي من (لسان
الميزان) تكذيب الأئمة له وطعنهم فيه، ساق كثيراً من ذلك ثم قال: (( ومع ذلك كله
أخرج له أبو عوانة في (صحيحه) والحاكم في (مستدركه) وقال مسلمة بن قاسم:
كان ثقة)) ذكر هذا استنكاراً له، فجاء الكوثري فقال (ص ١٨٧) في ترجمة
للؤلؤي: ((مجتهد عظيم القدر ومحدث جليل الشأن ... أخرج عنه الحافظ أبو عوانة ...
في (الصحيح المسند المستخرج) وهذا توثيق منه، والحاكم في (مستدركه) ... وهذا
أيضاً توثيق منه ووثقه مسلمة بن قاسم .... وكان يأبى الخوض في القياس في مورد
النص كما فعل مع بعض المشاغبين في مسألة القهقهة في الصلاة. ومن يحتج بالمرسل لا
يمكنه رد حديث القهقهة في الصلاة كما ذكره ابن حزم .... ومع هذا كله تجد ترجمته
عند الخطيب من أسوأ التراجم ... )) وهكذا قدم الكوثري المؤخر وعرف المنكر
واحتج ببعض الروايات الزائفة ورد بعض الروايات الثابتة التي تقدمت الاشارة الى
بعضها في ترجمة الخطيب وفي ترجمة صالح بن محمد الحافظ، وحاول هدم أركان
الاسلام لينصب هذا التالف. ثم قال ((وقد روى - يعني الخطيب - في كتابه أيضاً
عن الساجي وابن معين وابن المديني ويعقوب بن سفيان وغيرهم تضعيف الحسن بن
زياد أو تكذيبه إلا أن في أسانيد تلك الروايات أمثال محمد بن [عثمان بن ] أبي شيبة
ومحمد بن سعد العوفي، والأدمي، وعبد الله [ بن محمد بن عبد العزيز] البغوي،
ودَعْلج، والآجري، والعقيلي وأضرابهم، وأمرهم يدور بين كذاب، وضعيف،
٦٧٤

ومتعصب مردود القول، ومغفل، ومجسم متعصب، لا يقبل قوله في أهل السنة)).
ترى الأستاذ يطعن في بضعة عشر رجلاً شرهم خير من ألف مثل اللؤلؤي ، وأنا
أسوق أسماءهم ليقابل العاقل تراجمهم في هذا الكتاب وغيره بترجمة اللؤلؤي في (لسان
الميزان) وغيره، الحافظ أحمد علي الأبار، إدريس بن عبد الكريم، إسحاق بن
اسماعيل، الحافظ الحسن بن علي الحلواني، الحافظ دعلج بن أحمد السجزي، الحافظ
صالح بن محمد جزرة، عبد الله بن جعفر بن درستويه، الحافظ عبد الله بن سليمان أبو
بكر ابن أبي داود، الحافظ عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، الحافظ عبد
المؤمن بن خلف، محمد بن أحمد بن رزق، محمد بن جعفر الأدمي، محمد بن سعد
العوفي، محمد بن العباس الخزاز، الحافظ محمد بن عثمان ابن أبي شيبة، الحافظ محمد بن
علي بن عثمان الآجري، الحافظ محمد بن عمرو العقيلي.
ولم أطلق كلمة ((الحافظ)) إلا على من أطلقها عليه أهل العلم - لا كالكوثري
يطلقها على من دب ودرج من أصحابه(١)!
لي:
ولا بأس بأن نناقش الكوثري هنا فأقول: أما أبو عوانة فقد ذكر الأستاذ
ص ١٧ عبد الله بن محمد البلوي فقال فيه وفي آخر: ((كذابان معروفان)). وقد قرأ
الأستاذ في (الميزان) و (اللسان) في ترجمة البلوي ((روى عنه أبو عوانة في
(صحيحه) في الإستسقاء خبرا موضوعاً)) وروى أبو عوانة في (صحيحه) (ج١
ص ٢٣٦ - ٢٣٧) حديثاً في سنده عبد الله بن عمرو الواقفي وجابر بن يزيد
الجعفي وكلاهما متهم. وفي (فتح الباري) في شرح ((باب القصد والمداومة على
العمل)) من كتاب ((الرقاق)) (( .... وهذا من الأمثلة لما تعقبته على ابن الصلاح في
جزمه بأن الزيادات التي تقع في المستخرجات يحكم بصحتها ... ووجه التعقب أن
الذين استخرجوا لم يصرحوا بالتزام ذلك، سلمنا أنهم التزموا ذلك، لكن لم يفوا
به )).
(١) وكان يطلق عليه تلامذته الآن من الألقاب التي لا مقود لها ولا خطام ولا رسن ولا
لجام - زهير .
٦٧٥

يستخرجون عليها فأبو عوانة جعل كتابه مستخرجاً على (صحيح مسلم) ومعنى ذلك
أنه التزم أن يخرج بسند نفسه كل حديث أخرجه مسلم، فقد لا يقع له بسند نفسه
الحديث إلا من طريق رجل ضعيف فيتساهل في ذلك، لأن أصل الحديث صحيح
من غير طريقه، ومع ذلك زاد أبو عوانة أحاديث ضعيفة لم يحكم هو بصحتها فإنما
يسمى كتابه (صحيحاً) لأنه مستخرج على (الصحيح) ولأن معظم أحاديثه وهي
المستخرجة صحاح، فإخراجه لرجل لا يستلزم توثيقه ولا تصديقه بل صاحب
(الصحيح) نفسه قد يخرج في المتابعات والشواهد لمن لا يوثقه وهذا أمر معروف
عند أهل الفن لا يخفى على الكوثري! فأما ( مستدرك الحاكم) فحدث عنه ولا حرج،
فان في (مستدركه) كثيراً من الرواة التالفين، وجماعة منهم قد قطع هو نفسه
بضعفهم الشديد ، وسيأتي بسط ذلك في ترجمته فإن الأستاذ حط عليه حيث خالفه، ثم
عاد يحتج به هنا. وأما مسلمة بن قاسم فقد جعل الله لكل شيء قدراً، حده أن يقبل
منه توثيق من لم يجرحه من هو أجل منه ونحو ذلك، فأما أن يعارض بقوله نصوص
جمهور الأئمة فهذا لا يقوله عاقل.
وأما قضية القهقهة فتراها في ترجمة اللؤلؤي من (لسان الميزان) ولا يرتاب مطلع
أن اللؤلؤي إنما ولى دبره خشية أن يرد عليه ما لا قبل له به (١) إذ قد كان يمكنه أن
(١) يشير المصنف رحمه اللّه تعالى الى القصة التي وقعت للؤلؤي مع بعض اصحاب الشافعي
في مسألة القهقهة في الصلاة التي اشار اليها الكوثري الذي حاول ستر انهزام اللؤلؤي
امام الحجة القاطعة بما سمعت من التأويل الباطل، واليك القصة كما في ((اللسان)):
((البويطي: سمعت الشافعي يقول: ((قال لي الفضل بن الربيع: انا اشتهي مناظرتك
واللؤلؤي، فقلت: انه ليس هناك، فقال: انا اشتهي ذلك، قال: فأحضرنا وأتينا
بطعام فأكلنا، فقال رجل معي له: ما تقول في رجل قهقه في الصلاة؟ قال: بطلت
صلاته، قال: فطهارته؟ قال: فطهارته، قال: فما تقول في رجل قذف محصنة في
الصلاة؟ قال: بطلت صلاته، قال: فطهارته؟ قال: بحالها! فقال له: قذف المحصنات
اشد من الضحك في الصلاة! قال: فأخذ اللؤلؤي نعليه، وقام، فقلت للفضل: قد
قلت لك: انه ليس هناك».
٦٧٦

يجيب بهذا العذر الذي ذكره الكوثري ثم ينظر ما يرد عليه، على أنه يعلم أن هذا
العذر باطل فإن أهل الرأي يردون بالقياس النصوص الصحيحة الثابتة فكيف يتقون
أن يخوضوا فيه في مقابل مثل هذا الحديث؟! وجاء أن اللؤلؤي لما ولي القضاء لم يدر
كيف يقضي! وذكر الحنفية أنه كان يثقل على أبي يوسف بالمناظرة، فقال أبو يوسف
لأصحابه إذا جاء فابدروه بالمسألة فجاء فلم يستتم السلام حتى قال: ما تقول في كذا ؟
خاف أن يبدروه بالمسألة فبدرهم! يؤخذ من هذا أنه كان ضعيف البديهة، بطيء
الإدراك، فكان يطيل الفكر في بيته في بعض المسائل وما يمكن أن يقال فيها أو يورد
عليها وما يمكن أن يدفع به ذلك الإيراد ويمعن في ذلك ويتحفظ، ثم يجىء الى أبي
يوسف أو غيره ويناظر في تلك المسألة، وعرف أبو يوسف هذا فأمر أصحابه أن
يبدروه فيسألوه عن مسئلة لأنه يغلب أنه لم يكن استعد لها فينقطع، وعرف هو من
نفسه هذا فبدرهم، فكأنه لما سأله رفيق الشافعي عن مسألة القهقهة وأورد عليه ما
أورد اجتمع عليه حرج الموقف وعدم استعداده فاعتصم بالفرار.
وأما من يحتج بالمرسل فذلك إذا كان الإرسال ممن لا يرسل إلا عن ثقة، وليس
حديث القهقهة من ذاك،فقد وُصِف الذي أرسله بأنه كان ممن يصدق كل أحد .
وأما الجماعة الذين طعن فيهم الأستاذ فتراجمهم في مواضعها، فأما محمد بن سعد
العوفي فقد ذكروا أن الحاكم حكى عن الدارقطني أنه لا بأس به. وقال الخطيب:
(( كان ليناً في الحديث)) وعلق الأستاذ على (مناقب أبي حنيفة) للذهبي (ص ٢٨ -
٢٩) ((قال الخطيب أخبرنا ابن رزق حدثنا أحمد بن علي بن عمرو بن حبيش
الرازي سمعت محمد بن أحمد بن عصام يقول: سمعت محمد بن سعد العوفي يقول:
سمعت يحيى بن معين يقول: كان أبو حنيفة ثقة لا يحدث إلا ما يحفظه ولا يحدث
بما لا يحفظه)) قال الأستاذ: ((وهذا يقضي على من يرميه بقلة الضبط)) وقد تكلم
الأستاذ في رواية الخطيب عن محمد بن أحمد بن رزق. وأشار إلى ذلك هنا كما مر،
ولا أدري ما يقول في محمد بن عصام، فجعل الأستاذ هذه الرواية مع أنها من طريق
محمد بن سعد العوفي وقد انفرد بها هذا الإسناد قاضية على إجماع الأئمة ومعهم ابن
٦٧٧

معين من عدة أوجه عنه ثم تراه هنا يرد رواية محمد بن سعد ومعه جماعة عن ابن
معين ومعه جميع الأئمة إلا ما شذ! أما الحسن بن زياد فقد روى تكذيبه ثلاثة عن
ابن معين وقال ابن أبي حاتم في كتابه ((قريء على العباس بن محمد الدوري عن يحيى
بن معين أنه قال: حسن اللؤلؤي كذاب)) ولعل الأستاذ قد وقف على ذلك في
(تاريخ عباس)، ثم قال ابن أبي حاتم: ((سألت أبي عنه فقال: ضعيف الحديث ليس
بثقة ولا مأمون)) وفي كتاب (الضعفاء والمتروكين) للنسائي المطبوع في الهند ((حسن
ابن زياد اللؤلؤي ليس بثقة ولا مأمون)) وفي الجزء الملحق به وهو من كلام النسائي
(( أبو حنيفة ليس بالقوي في الحديث وهو كثير الغلط والخطأ على قلة روايته،
والضعفاء من أصحابه يوسف بن خالد السمتي، كذاب، والحسن بن زياد اللؤلؤي،
كذاب خبيث، ومحمد بن الحسن، ضعيف، والثقات من أصحابه أبو يوسف القاضي
ثقة .... )) وفي ترجمة اللؤلؤي من (لسان الميزان): ((قال محمد بن عبد الله بن نُمَيْر:
يكذب على ابن جريج، وكذا كذبه أبو داود فقال: كذاب غير ثقة، وقال ابن
المديني: لا يكتب حديثه ... وقال أبو ثور: ما رأيت أكذب من اللؤلؤي وقيل
ليزيد بن هارون: ما تقول في اللؤلؤي؟ قال: أو مسلم هو؟ وقال يعلى بن عبيد:
اتق اللؤلؤي، وقال ابن أبي شيبة: كان أبو اسامة يسميه الخبيث، وقال يعقوب بن
سفيان والعقيلي والساجي: كذاب .... »
فأما قضية التقبيل وقرص الخد في الصلاة فقد تقدمت الإشارة إليها في ترجمة
الخطيب ثم في ترجمة صالح بن محمد وهي بغاية الثبوت. فهذا هو الذي يصفه
الكوثري بأنه ((مجتهد عظيم القدر ومحدث جليل الشأن ... )) استخفافاً بالدين وأهله
وسخرية من عقول الناس وعقله!(١) .
٢٠٧ - محمد بن سعيد البورقي. في (تاريخ بغداد) (٣٣٥/١٣) من
(١) محمد بن سعيد الباهلي راجع (الطليعة) (ص ٢٥ - ٢٦) وانظر ما يأتي في ترجمة الهيثم
ابن خلف .
٦٧٨

طريقه (١): ((حدثنا سليمان بن جابر بن سليمان بن ياسر بن جابر حدثنا بشر بن يحيى
قال: أخبرنا الفضل بن موسى السيناني عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي
هريرة عن رسول الله عَ ◌ّه قال: إن في أمتي رجلاً اسمه النعمان وكنيته أبو حنيفة
هو سراج أمتي، هو سراج أمتي، هو سراج أمتي)) قال الخطيب:
(( قلت: وهو حديث موضوع تفرد بروايته البورقي وقد شرحنا فيما تقدم أمره
وبينا حاله)) يعني في ترجمته وهي في (التاريخ) (ج ٥ ص ٣٠٨ - ٣٠٩) وفيها
عن حمزة السهمي (( محمد بن سعيد البورقي كذاب حدث بغير حدیث وضعه)) وعن
الحاكم ((هذا البورقي قد وضع من المناكير على الثقات ما لا يحصى وأفحشها
روايته ... سيكون في أمتي رجل يقال له: أبو حنيفة هو سراج أمتي. هكذا
حدث به في بلاد خراسان ثم حدث به بالعراق بإسناده وزاد فيه أنه قال: وسيكون
في أمتي رجل يقال له: محمد بن إدريس فتنته على أمتي أضر من إبليس)) وذكر
الخطيب غير هذا من مناكيره. قال الأستاذ (ص ٣٠): ((استوفى طرقه البدر العيني
في (تاريخه الكبير) واستصعب الحكم عليه بالوضع مع وروده بتلك الطرق
الكثيرة وقد قال: (( .... فهذا الحديث كما ترى قد روي بطرق مختلفة ومتون
متباينة ورواة متعددة عن النبي عليه الصلاة والسلام فهذا يدل على أنه له أصلاً،
وإن كان بعض المحدثين بل أكثرهم ينكرونه وبعضهم يدعون أنه موضوع وربما
كان هذا من أثر التعصب، ورواة الحديث أكثرهم علماء وهم من خير الأمم فلا
يليق بحالهم الاختلاق على النبي عليه الصلاة والسلام متعمداً ))! ذيل عليه الكوثري
بقوله: (( وعالم مضطهد طول حياته يموت وهو محبوس ثم يعم علمه البلاد من
أقصاها إلى أقصاها شرقاً وغرباً ويتابعه في فقهه شطر الأمة المحمدية بل ثلثاها على
توالي القرون، رغم مواصلة الخصوم من فقيه ومحدث ومؤرخ مناصبة العداء له، نبأ
جلل لا يستبعد أن يخبر به النبي صلى الله .... )) !.
(١) وقع هناك ((الدورقي)) خطأ .
٦٧٩

أقول: لا أدري أعلم هؤلاء القوم أحرى أن يؤسف عليه أم دينهم أم عقولهم؟!
قد تأملت روايات هذا الحديث في (مناقب أبي حنيفة) وغيرها فرأيته يدور على
جماعة :
أولهم البورقي وقد عرفت حاله رواه عن مجهول عن مثله عن السيناني بذاك
السند، وقد صح عن السيناني أنه قال: (( سمعت أبا حنيفة يقول: من أصحابي من
يبول قلتين. يرد على النبي عَ له: إذا كان الماء قلتين لم ينجس)) ذكره الأستاذ ص
٨٣).
الثاني: أبو علي أحمد بن عبد الله بن خالد الجويباري الهروي وهو مشهور
بالوضع مکشوف الأمر جداً وله فيه أربع طرق:
الأولى : عن السيناني بذاك السند .
الثانية: عن أبي يحيى المعلم عن حميد عن أنس .
الثالثة: عن أبي يحيى عن أبان عن أنس .
الرابعة: عن عبد الله بن معدان عن أنس، والراوي عنه في بعض هذه مأمون بن
أحمد السلمي وهو شبيهه في الشهرة بالوضع الفاحش .
الثالث: أبو المعلى بن مهاجر، إن كان له ذنب، وهو مجهول رواه محمد بن یزید
المستملي وهو متهم عن مجهول عن مثله عن أبي المعلى عن أبان عن أنس . ورواه
النضري بثلاثة أسانيد أخرى كلهم مجاهيل عن أبي المعلى عن أبان عن أنس .
الرابع: أبو علي الحسن بن محمد الرازي، وهو متهم قد تقدم بعض ما يتعلق به
في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت رقم (٣٤) رواه النضري من طريقه بسند كلهم
مجاهيل إلى عبد الله بن مغفل (؟) عن علي بن أبي طالب قوله .
الخامس: النضري قال فيه ابن السمعاني في (الأنساب) (الخِيُّوِي) باسم ((أبي
٦٨٠
: