النص المفهرس
صفحات 641-660
في رمي الجمار يجب البدء بما بدأ به صلى الله عليه وسلم. فهذه حجته، فكيف يتوهم أنه إنما بنى قوله على زعم أن الواو بمنزلة الفاء وثم؟! وأما الباء فإنه قال في مسح الرأس (( كان معقولا في الآية أن من مسح من رأسه شيئاً فقد مسح برأسه ... ودلت السنة على أنه ليس على المرء مسح الرأس كله ... )) (١) وهذا قد يكون بناء على معنى الإلصاق فقد ذكروا من أمثلته ((امسكت بزيد)) مع أن يدك إنما تلاصق بعضه، وعلى هذا يكون الفرق بين الباء و((من)) أن ((من)) نص على التبعيض، وباء الالصاق مطلقة تصدق بالبعض وتصدق بالكل، ولعل هذا مراد من أطلق أنها تجيء للتبعيض. وراجع لكلام الحنفية في الحكم والآية واضطرابهم في ذلك (روح المعاني) (ج ٢ ص ٢٥٧ - ٢٥٨). وهنا انتهت المطاعن في فصاحة الشافعي، ولقد سعى الكوثري في تثبيت فصاحة الشافعي جهده، فإن أهل المعرفة يعلمون أن في الكلام الفصيح مواضع يعسر توجيهها حتى لو كان كلام من يجوز عليه اللحن لجزموا بأنها لحن، فإذا رأوا هذا المجلب بخيله ورجله لم يجد فيما ثبتت نسبته إلى الشافعي موضعاً واحداً بهذه الصفة، فاضطر إلى الاتيان بما تقدم مع الكلام عليه، فأي ريبة تبقى في فصاحة الشافعي ؟ ومما ذكره ابن حجر في (توالي التأسيس) ومن عادته أن لا يجزم إلا بما صح عنده قال: ((قال ابن أبي حاتم عن الربيع قال: قال ابن هشام: الشافعي ممن يؤخذ عنه اللغة. قال ابن أبي حاتم وحدثت عن أبي عبيد القاسم بن سلام نحوه. وقال أيضاً سمعت الربيع يقول: كان الشافعي عربي النفس واللسان، قال: وكتب إليّ عبد الله ابن أحمد قال: قال أبي: كان الشافعي من أفصح الناس. وقال الساجي: سمعت جعفر بن محمد الخوارزمي يحدث عن أبي عثمان المازني عن الأصمعي قال: قرأت شعر الشنفرى على الشافعي بمكة. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا عبدالرحمن بن أخي الأصمعي: قلت لعمي: عل من قرأت شعر هذيل؟ قال: على رجل من آل المطلب (١) لم نجد في السنة ما يدل على ذلك، بل الثابت فيها مسح الرأس كله، فاذا اقتصر على بعضه اتم المسح على العمامة. راجع لذلك ((زاد المعاد)) لابن القيم ن. ٦٤١ يقال له: محمد بن إدريس)). وقال أيضاً: ((قال الحاكم سمعت محمد بن عبدالله الفقيه: سألت أبا عمر غلام ثعلب عن حروف أخذت على الشافعي مثل قوله: ماء مالح. وقوله: أنبغى أن يكون كذا وكذا، فقال لي: كلام الشافعي صحيح، وقد سمعت أبا العباس ثعلباً يقول: يأخذون على الشافعي، وهو من بيت اللغة يجب أن يؤخذ عنه)). وقال: ((قال الأبُري أخبرنا أبو نعيم الإسْتَراباذي سمعت الربيع بن سليمان يقول مراراً: لو رأيتَ الشافعي وحسن بيانه وفصاحته لعجبت منه، ولو أنه ألف هذه الكتب على عربيته التي كان يتكلم بها معناً في المناظرة لم يُقدّر على قراءة كتبه لفصاحته وغرائب ألفاظه غير انه كان في تأليفه يجتهد أن يوضح للعوام))(١). فصل وكما حاول الكوثري الطعن في نسب الشافعي وفي فصاحته حاول القدح في ثقته (١) قلت: ومن اجمع ما رأيت في الثناء على الأمام الشافعي رحمه اللّه تعالى قول ابن عبدالحكيم: ((ما رأينا مثل الشافعي، كان أصحاب الحديث ونقاده يجيئون اليه، فيعرضون عليه، فربما أعل نقد النقاد منهم، ويوقفهم على غوامض من علم الحديث لم يقفوا عليها، فيقدمون وهم متعجبون منه. ويأتيه اصحاب الفقه المخالفون والموافقون، فلا يقومون الا وهم مذعنون له بالحذق والديانة، ويجيئه اصحاب الادب، فيقرؤن عليه الشعر، فيفسره، ولقد كان يحفظ عشرة الاف بيت شعر من اشعار هذيل، باعرابها وغريبها ومعانيها، وكان من اضبط الناس لتاريخ، وكان يعينه على ذلك شيئان: وفور عقل، وصحة دين، وكان ملاك أمره اخلاص العمل لله عز وجل)). اخرجه الخطيب في ((جزء مسألة الاحتجاج بالشافعي فيا اسند اليه، والرد على الطاعنين بعظم جهلهم عليه)). وفيه فوائد هامة في ترجمة الشافعي وغيره من الأئمة لا توجد في ترجمة الامام في ((تاريخ بغداد)) وهو جزء صغير في (١٣) ورقة، وقد عملت الارضة في كثير منها حتى اتت على بعض كلماتها، فعسى ان يسخر الله له من ينشره، قبل ان تقضي الارضة عليها . ٦٤٢ فقال: (ص ١٦٥): ((ومن الغريب أنه إذا روى ألف راوٍ عن ابن معين أن الشافعي ليس بثقة مثلاً، تعد هذه الرواية عنه كاذبة، بخلاف ما إذا كانت الرواية عنه في أبي حنيفة أو أحد أصحابه)). أقول: لا تطالب الكوثري بألف ولا بمائة ولا بعشرة، وإنما نطالبه بواحد سالم، ولن يجد إلى ذلك سبيلاً، إنما حكى هذه الكلمة عن ابن معين محمد بن وضاح الاندلسي، وابن وضاح قال فيه الحافظ أبو الوليد ابن الفرضي الأندلسي وهو بلديُّه وموافق له في المذهب: (( له خطأ كثير يحفظ عنه، وأشياء كان يغلط فيها، وكان لا علم عنده بالفقه، ولا بالعربية)). وكان الأمير عبدالله بن الناصر ينكر عليه هذه الحكاية ويذكر أنه رأى أصل ابن وضاح الذي كتبه بالشرق وفيه: سألت يحيى بن معين عن الشافعي فقال: هو ثقة. كما حكاه ابن عبدالبر في ( کتاب العلم). ولم ينقل أحد غيره عن ابن معين أنه قال في الشافعي: ((ليس بثقة)) أو ما يؤدي معناها أو ما يقرب منها، ولابن معين أصحاب كثيرون أعرف به وألزم له وأحرص على النقل عنه من هذا المغربي، وكان في بغداد وكثيرون يسرهم أن يسمعوا طعناً في الشافعي فيشيعوه. فأما قول ابن عبدالبر: ((قد صح عن ابن معين من طرق أنه كان يتكلم في الشافعي على ما قدمت لك حتى نهاه أحمد بن حنبل وقال له: لم تر عيناك مثل الشافعي)) فالذي قدمه هو قوله: ((ومما نقم على ابن معين وعيب به أيضاً قوله في الشافعي أنه ليس بثقة، وقيل لأحمد بن حنبل: ان يحيى بن معين يتكلم في الشافعي، فقال أحمد: من أين يعرف يحيى الشافعي؟ هو لا يعرف الشافعي ولا يعرف ما يقول الشافعي - أو نحو هذا، ومن جهل شيئاً عاداه! قال أبو عمر: صدق أحمد بن حنبل رحمه الله،ابن معين كان لا يعرف ما يقول الشافعي، وقد حكى عن ابن معين أنه سئل عن مسألة من التيمم فلم يعرفها ، ولقد أحسن أكثم بن صيفي في قوله: ويل لعالم أمرٍ من جاهله، من جهل شيئاً عاداه ومن أحب شيئاً استعبده))؛ والتكلم في الرجل قد يكون بما ليس بجرح، فلا يصلح قولهم: (( كان يتكلم فيه)) متابعة لكلمة: ٦٤٣ ((ليس بثقة)). وقدم ابن عبدالبر أيضاً أن ابن معين سئل عن الشافعي فقال: ما أحب حديثه ولا ذكره. وهذا تكلم ولا يعطي معنى: (( ليس بثقة)) ولا ما يقرب منها، وقد جاء أن ابن معين رأى في كتاب للشافعي تسميته لمقاتلي علي رضي الله عنه بغاة، فأنكر ذلك، وعرضه على أحمد فقال أحمد: فماذا يقول؟ أو كما قال - يعني أن هذا الوصف هو الذي وصف به الكتاب والسنة الطائفة التي تقاتل أهل الحق مطلقاً - : فقد يكون ابن معين عد ذلك ميلاً إلى التشيع فأوحشه ذلك، وقد تواتر أن أحمد وابن معين كانا يكثران الاجتماع والمذاكرة، فلما ورد الشافعي بغداد لزمه أحمد وقصر في مجالسة ابن معين، وهذا أيضاً مما يوحش ابن معين، وقد كان ابن معين اعتاد من أصحاب الحديث أن يهابوه ويحترموه ويلاطفوه كما ترى شواهده في ترجمته من (التهذيب) وفي ترجمة موسى بن اسماعيل ، فكأن الشافعي لما ورد بغداد قصر في ذلك، وهذا أيضاً مما يورث الوحشة، وقد كان الشافعي حسن الظن بابراهيم بن أبي يحيى يكثر الرواية عنه، وابن معين والجمهور یکذبون ابن أبي یحی، فلا بدع أن تجتمع هذه الامور في نفس ابن معين فيقول في الشافعي: ((لا أحب حديثه ولا ذكره)) ولا يعطي ذلك معنى: ((ليس بثقة)) ولا تقارب. وقد روى الزعفراني وغيره عن ابن معين ثناء على الشافعي في الرواية كما تراه في (التهذيب) و(تذكرة الحفاظ) وراجع ترجمة الزبير بن عبد الواحد الأسد ابادي في (التذكرة)(١). وقد كان الرواة الذين هم أثبت من ابن وضاح يخطئون على ابن معين، يتكلم ابن معين في رجل فيروون ذاك الكلام في رجل آخر كما قدمت أمثلة من ذلك في القاعدة السادسة من قسم القواعد ولعل هذا منه كما أوضحته هناك؛ وإذا اختلف النقل عن إمام، أو اشتبه أو ارتيب فينظر في كلام غيره من الأئمة، وقضي فيما روى عنه بما ثبت عنهم، فإذا نظرنا كلام الأئمة في الشافعي لا نجد إلا الثناء البالغ ممن هو أكبر من ابن معين كابن مهدي ويحيى القطان، ومن أقران ابن (٣) قلت: وتجد توثيق ابن معين للامام من غير رواية الزعفراني عند الخطيب في الجزء السابق (ق ١١ / ٢). ٦٤٤ معين كالإمام أحمد وابن المديني، وممن هو بعده حتى قال أبو زرعة الرازي: (( ما عند الشافعي حديث غلط فيه)): وقال أبو داود: ((ليس للشافعي حديث غلط فيه)) وقال النسائي: ((كان الشافعي عندنا أحد العلماء، ثقة مأموناً)) وأمثال هؤلاء كثير. فتدبر ما تقدم ثم تصفح ما قيل في أبي حنيفة وأصحابه مما يثبت إسناده، ثم انظر كلمة الأستاذ هل تجد لها مسوغ، افرض أن لمحدثي الشافعية كلهم هوى في توثيق الشافعي وتليين مخالفيه فهل يسوغ رد الحق لموافقته هواهم؟ أم هل يسوغ رد الحق لمخالفته هوى الكوثري ؟! فصل وكما حاول الكوثري الطعن في نسب الشافعي وفي فصاحته وفي ثقته، حاول الطعن في فقهه، قال الاستاذ (ص ١٣٩) بعد أن ذكر ما روي عن الشافعي أنه قال: ((أبو حنيفة يضع أول المسألة خطأ ثم يقيس الكتاب كله عليها)) قال الأستاذ: (لأبي حنيفة بعض أبواب في الفقه من هذا القبيل، ففي كتاب الوقف أخذ بقول شريح القاضي وجعله أصلاً ففرع عليه المسائل، فأصبحت فروع هذا الباب غير مقبولة حتى ردها صاحباه، وهكذا فعل في كتاب (المزارعة) حيث أخذ بقول إبراهيم النخعي فجعله أصلاً ففرع عليه الفروع، ولكن ما هو من هذا القبيل من مسائل (؟) أبي حنيفة ربما لا يبلغ في العدِّ(١) عدد أصابع اليد الواحدة، في حين أن ما عند ذلك الغائب من هذا القبيل (؟) بحيث يحار فيه كبار الفقهاء من أهل مذهبه فتجدهم مضطربين فيما يختارون في المذهب بين قديم المسائل وجديدها، وبين الأجوبة الشفعية المروية عن الإمام التي يقال فيها: فيها قولان، فيشكون من عدم مشي الفروع على الأصول، وعدم الاطراد في التأصيل والتفريع، مما ليس هذا موضع شرحه، وله محل آخر)). (١) الأصل (العدد) فصححته من (التأنيب) . ن . ٦٤٥ وذكر (ص ١٣٧) (١) قول ابن أبي حاتم عن ابن عبد الحكم: (( قال لي محمد بن إدريس الشافعي : نظرت في كتب لأصحاب أبي حنيفة فإذا فيها مائة وثلاثون ورقة، فعددت فيها ثمانين ورقة خلاف الكتاب والسنة)). قال الأستاذ: (( ... بل أفرض أن متن الرواية مما أسرَّ به الشافعي إلى محمد بن عبدالحكم على خلال ما تواتر (؟) عن الشافعي أنه قال: الناس كلهم عيال في الفقه على أبي حنيفة، وأنه حمل عن محمد بن الحسن حمل جمل من علمه، وأنه أمنَّ الناس عليه في الفقه ... )) وعلى فرض أن أحد أصحاب أبي حنيفة أخطأ في غالب مسائل كُتَيْب فماذا عن أبي حنيفة من ذلك؟ والشافعي نفسه رجع عما حواه كتاب (الحجة) كله المعروف بالقديم وأمر بغسله والإعراض عنه ... ولولا أن الشافعي رأى قديمه كان مخالفاً للكتاب والسنة لمارجع هذا الرجوع ولا شدد هذا التشدد ... وذلك العالم المفروض خطؤه. لم يعترف بعد بالخطأ اعتراف الشافعي بخطئه في القديم ... وها هو محمد بن عبد الله بن عبدالحكم ... ألف كتاباً سماه: ( ما خالف فيه الشافعي كتاب الله وسنة ورسوله) ... فهل نصدقه فيما يقول بالنظر إلى مبالغة ابن خزيمة في الثناء عليه حيث يقول: ليس تحت قبة السماء أحد أعلم باختلاف الصحابة والتابعين واتفاقهم من محمد ابن عبدالله بن الحكم ... )). وقال (ص ١١٩): ((يوجد بين الأئمة من يروى عنه عدة أجوبة في مسألة واحدة كالروايات الست عن مالك في المسح على الخفين وكالأجوبة المشفّعة (٢) في (الأم) للشافعي ... وأما مذهب أبي حنيفة فلا تجد في مسائل ظاهر الرواية إلا قولاً واحداً منه في كل مسألة، وأما كتب النوادر فحكم مسائلها في جنب مسائل ظاهر الرواية كحكم القراءات الشاذة ... على أن قيمة روايات النوادر تقدر بأحوال رواتها)). أقول: أما كلمة الشافعي الأولى فقد اعترف الأستاذ بما يوافقها وزيادة، فدل (١) الأصل (١٣٢) وعليه آثار المحو والتصليح، والتصحيح من (التأنيب). ن. (٢) يعني المسائل التي للامام الشافعي فيها قولان. ن . ٦٤٦ مجموع كلامه على أن لأبي حنيفة كتباً من كتب الفقه وهي الأبواب العظيمة فيه ككتاب الوقف وكتاب المزارعة يرى الاستاذ أنها لا تزيد على خمسة كتب بناها أبو حنيفة على ما ليس بحجة وهو مع ذلك مخالف للحجة ثم فرع فروع تلك الكتب كلها على ذلك، فأصبحت فروع تلك الكتب كلها غير مقبولة، ولم يرجع عنها أبو حنيفة، وإنما ردها صاحباه من بعده، وأما كلمة الشافعي الثانية فقد وقع في لفظها اختلال ما، كما ذكره الاستاذ وحاصلها أن الشافعي رأى لأصحاب أبي حنيفة كتاباً عدد أوراقه مائة وثلاثون، ثمانون منها مخالف للكتاب والسنة. واعتراف الأستاذ بالأولى اعتراف بإمكان هذه كأن يكون في ذلك الكتاب بعض تلك الكتب المردودة ككتاب الوقف وكتاب المزارعة مع كتاب آخر أو أكثر. وأما مطاعنه في فقه الشافعي فيتخلص في أمور: الأول: أنه رجع عن قديمه وأمر بغسله. الثاني: أنه يذكر في المسألة قوانين ولا يرجع. الثالث: أن فروع مذهبه يكثر فيها عدم الجريان على أصوله. فأما الأول فالاستاذ يعلم قبل غيره أنه يركب فيه المجازفة الفاحشة والكذب المفضوح، فإنه يعلم أنه لا بد أن يكون في القديم كثير من المسائل الإجماعية التي لم يخالفها الشافعي أولاً ولا آخر أو كثير من المسائل التي لم يزل الشافعي موافقاً فيها المالك لأن عامة المسائل التي رجع عنها في الجديد كان في القديم موافقاً فيها لمالك، وكثير من المسائل التي كان في القديم موافقاً فيه للحنفية واستمر على ذلك في الجديد، فبأي دين أم بأي عقل يقول الأستاذ: ((رجع عما حواه كتاب (الحجة) كله)»؟ !!! أما أمر الشافعي بغسل كتاب (الحجة) وأن لا روى عنه إن صح ذلك فإنما هو - كما يعلم الأستاذ - لأنه كان فيه مسائل رجع عنها الشافعي، ولأنه لم يكن تهيأ له إتقان تهذيبه وترتيبه واستيفاء الحجج وإيضاح البيان فيه، وعلم أن جميع ما فيه عدا المسائل التي رجع عنها قد ضمنه كتبه الجديدة مع سلامتها من تلك النقائص ٦٤٧ وزيادتها لحجاجٍ وأصول وفروع لا تحصى، فلم ير لبقائه وروايته عنه فائدة بل فيه مضرة ما، كأن يغتر بعض أتباعه ببعض المسائل التي رجع عنها أو يغتر مخالفه بما فيه من تقصير في الاحتجاج في بعض مسائل الخلاف فيتوهم أنه لا حجة للشافعي إلا ما في ذلك الكتاب. وهذا أمر بغاية الوضوح يخجل صاحب العلم من شرحه ولكن ماذا نصنع بالاستاذ؟ يحاول التلبيس على الجهال فيضطرنا إلى أن نشرح القضية كأننا نشرحها لأجهل الناس، ويضيع وقته ووقت غيره، كأنه لا يوقن أنه مسؤول عن عمره فيم أفناه؟ وأما الأمر الثاني، فقد ذكر محققو الشافعية أن ذلك إنما وقع للشافعي في ستة عشر أو سبعة عشر موضعاً فقد يكون الشافعي يرى رجحان أحد القولين وإنما لم ينص على ذلك ليلجىء أصحابه إلى النظر والتدبر ليكون ذلك أعون لهم على تحصيل ملكة الاجتهاد التي يتمكنون بها من النظر لأنفسهم فيما ذكره الشافعي وفيما لم يذكره، وهذا كان مقصوده الأعظم من تأليف الكتب. قال المزني أول مختصره: ((اختصرت هذا الكتاب من علم محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى لأقربه على من أراده مع إعلاميه نهيه عن تقليده وتقليد غيره لينظر فيه لدينه ويحتاط لنفسه))، ويقرب من هذا ما تراه في كتب التعليم من إيراد عدة اسئلة بدون حلها تمريناً للطالب ليعمل فكره في حلها، وقد لا يكون تمكن في الوقت من استيفاء النظر ولم تكن القضية واقعة حتى يلزمه وقف نفسه عليها حتى يستوفي النظر فتركها واشتغل بغيرها ، ولم يستخلّ أن يقول شيئاً قبل استيفاء النظر فيقع في مثل ما ذكره الاستاذ في (التأنيب) (ص ١٢٣) عن حفص بن غياث قال: ((كنت أجلس إلى أبي حنيفة فأسمعه يسأل عن مسألة في اليوم الواحد فيفتي فيها بخمسة أقاويل))! وأما الأمر الثالث، فلا ريب أن في مذهب الشافعي فروعاً يتعسر تطبيقها على أصوله ولكن ما فيه من هذا القبيل لا يكاد يذكر في جانب ما في مذهب أبي حنيفة، وكل عارف بفقه المذهبين وأصولهما يعرف الحقيقة وليس هذا موضع بسطها، ومن اطلع على قسم الفقهيات من كتابنا هذا اتضح له الأمر؛ وكذلك ما ٦٤٨ زعمه الكوثري من حيرة فقهاء الشافعية واضطرابهم ليس بشيء بالنسبة إلى ما وقع لفقهاء الحنفية، ومن شاء فليطالع كتب الفقه في المذهبين بل يكفيه أن ينظر أول مسألة من قسم الفقهيات وهي مسألة ضرورية من مبادىء الطهارة ارتبك فيها الحنفية أشد الارتباك، وما ذكره من كتب ظاهر الرواية عندهم ليس بشيء، لأن كتب ظاهر الرواية يقع فيها الإختلاف. وأما كتاب ابن عبدالحكم فلم يعترف الشافعية بصدقه كما اعترف الكوثري وغيره بصدق كلمة الشافعي كما مر، والعلم باتفاق الصحابة والتابعين واختلافهم لا يستلزم جودة النظر وصحة الفهم للترجيح فيما اختلفوا فيه، واستنباط حكم ما لم ينقل عنهم فيه شيء، والأستاذ وكل ذي معرفة يتحقق أن البون في هذا بين الشافعي وابن عبدالحكم بعيد جداً، وإن كان الشافعي غير معصوم عن الخطأ، وابن عبدالحكم غير محجوب البتة عن الإصابة. وأما ما نقل عن الشافعي أنه قال: ((الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة)) فلم يتواتر كما زعم الاستاذ. ولو شئنا لقلنا ولكننا نقتصر هنا على ما يعترف به الاستاذ وهو أن أبا حنيفة إذا عرف الأصل أحسن في التفريع وأجاد، وإذا لم يعرف الأصل أو لم يأخذ به وقع في التخليط كما وقع له في الكتب التي تقدم ذكرها، ويقول الأستاذ: إنها لا تجاوز الخمسة فثناء الشافعي بحسب الضرب الأول وانتقاده بحسب الضرب الثاني. وأما ما يتعلق بمحمد بن الحسن فيعلم فيه مما يأتي. فصل عرف الأستاذ أن مطاعنه في الشافعي لا تؤثر الأمر الذي يهواه أو لا تؤثر البتة، فحاول تحصيل بعض مقصوده من جهة أخرى، وهي زعمه أن علم الشافعي مستفاد من محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة، وسأشرح ملخصاً مبدأ الشافعي إلى اجتماعه بمحمد بن الحسن وما جرى له معه فأقول: ٦٤٩ ثبت بالروايات الجيدة أن الشافعي شرع في طلب العلم وسِنَّه نحو عشر سنين فأخذ عن علماء مكة والمدينة، وخرج غير مرة إلى اليمن، وأقام بالبادية مدة، وكان فيمن أخذ عنه من الفقهاء بمكة من كان يشارك في طريقة أهل العراق كسعيد بن سالم القداح، وكان الشافعي يبحث مع من يقدم مكة من علماء الآفاق. وفي (توالي التأسيس) (ص ٥٨): ((قال زكريا الساجي: حدثنا الزعفراني قال: حج بشر المريسي [ الحنفي ] إلى مكة، ثم قدم فقال: لقد رأيت بالحجاز رجلاً ما رأيت مثله سائلاً ولا مجيباً، يعني الشافعي(١)، قال: فقدم الشافعي علينا بعد ذلك فاجتمع إليه الناس فجئت إلى بشر فسألته فقال: إنه قد تغير عما كان عليه ... )) وفيها (ص ٥٦) ((وأخرج الآبري من طريق الزعفراني قال: كنا نحضر مجلس بشر المريسي فكنا لا نقدر على مناظرته، فقدم الشافعي فأعطانا كتاب الشاهد واليمين فدرسته في ليلتين ثم تقدمت إلى حلقة بشر فناظرته فيه فقطعته، فقال ليس هذا من كيسك، هذا من كلام رجل رأيته بمكة معه نصف عقل أهل الدنيا)). بقي الشافعي نحو عشرين سنة بالحجاز ثم ولي بعض الولايات باليمن، وفي (توالي التأسيس) (ص ٧٨) ((قال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن إدريس وراق الحميدي حدثنا الحميدي قال: قال الشافعي ... ثم وليت نجران وبها بنو الحارث بن عبدالمدان وموالى ثقيف ... وتظلم عندي أناس كثير فجمعتهم وقلت: اجمعوا لي سبعة يكون من عدلوه عدلاً ومن جرحوه مجروحاً، ففعلوا ... حتى أتيت على جميع الظلامات، فلما انتهيت جعلت أحكم وأسجل ... حتى حملت إلى العراق، وكان محمد بن الحسن جيد المنزلة عند الخليفة فاختلفت إليه، وقلت هو أولى من جهة الفقه، فلزمته، وكتبت عنه وعرفت أقاويلهم، وكان إذا قام ناظرت أصحابه، فقال لي: بلغني أنك تناظر فناظرني في الشاهد واليمين، فامتنعت، فألح علي، فتكلمت معه، فرُفع ذلك إلى الرشيد، فأعجبه ووصلني)) وقد ذكر الاستاذ (ص ٨١٤) طرفاً من هذه (١) قلت: الى هنا رواه الخطيب في ((جزء ... الاحتجاج بالشافعي ... )) (ق ١/١٠) من طريق الحسن بن سعيد بن جعفر النصري. قال أبو نعيم: (( في حديثة وفي روايته لين))، وترجمته في ((الميزان)) و((اللسان)). ن. ٦٥٠ الحكاية ثم حملها ما لا تطيق، فمن جملة ما قاله: ((وبها يعلم أن محمد بن الحسن بعد أن درب (؟) الشافعي على الأخذ والرد هكذا رفع حديثه إلى الرشيد)). أقول: الشافعي مدرب من بيته كما تقدم ورافع الحديث الى الرشيد غير محمد كما تعينه عدة روايات أخرى، والشافعي انما جالس محمداً ليأخذ عنه كتبهم سماعا ليعرف اقوالهم، ومغزاه في ذلك أمران: أحدهما : ما صرح به في بعض الروايات انه احب أن يعرف أقاويلهم وما يحتجون به، ليتمكن من الرد عليهم فيما يراه خطأ ومناظرتهم فيه، فان عماد المناظرة ان يحتج على المخالف باقواله لانه قد يحتج بما ليس بحجة فيقال له: إن كانت هذه حجة فلم خالفتها في موضع كذا وموضع كذا؟ وقد يرد الحجة فيقال له: فقد احتججت بها او بمثلها في موضع كذا وموضع كذا. ولا تكاد تخلو مناظرة من مناظرات الشافعى من هذه الطريقة. المغزى الآخر مغزى كل عالم متدين، وهو ان يعرف ما يحتجون به فربما وقف على حجة لم یکن قد عرفها او على ما يدل على خلل في دلیل قد کان يستدل به، او نظر قد كان يعتمده وهذا لا يأنف منه المجتهد المتدين، فان غالب حجج الفقه ظنية لا يأمن المجتهد ان يخطىء وان يكون عند غيره ما ليس عنده، فالحق ان الشافعي سمع بعض الكتب من محمد على سبيل الرواية، والعالم قد يسمع ممن هو فوقه وممن هو مثله وممن هو دونه، وقد يكون حضر بعض دروس محمد للمغزى المتقدم، كل ذلك والشافعي باق على مذهبه لم يقلد محمداً ولا تابعه متابعة التلميذ المطلق لاستاذه، بل كان محمد اذا قام ناظر الشافعي اصحاب محمد يقرر لهم مذهبه ويحتج عليه ويفند ما استدل به محمد وغيره، اما تأبيه اولا من مناظرة محمد فمن كمال عقله ووفور أدبه، لانه كان محتاجاً إلى سماع تلك الكتب ومعرفة أقاويل القوم، فخشي ان يتكدر محمد فيتعسر عليه، وقد جاء انه تعسر عليه في كتاب فكتب اليه ابياتاً أثنى عليه فيها وقال فيها : ٦٥١ أن يمنعوه أهله العلم ينهى أهله لأهله لعله لعله يبذله قال الشافعي: ((فحمل محمد الكتاب في كمه وجاء به معتذراً من حينه)). ومن الاثقال التي حملها الاستاذ تلك الرواية قوله ((فبهذه الرواية يعلم ان ما في (الأم) من محادثات للشافعي مع بعض الناس ليس مناظرة للشافعي مع محمد بن الحسن بل مع بعض اصحابه على خلاف ما توهمه بعضهم)). اقول: من مكارم أخلاق الشافعي وكمال عقله وصدق إخلاصه ان غالب ما يسوقه من المناظرات لا يسمي من ناظره، لأن مقصوده إنما هو تقرير الحق ودفع الشبهات وتعليم طرق النظر. وتسمية المناظر يتوهم فيها حظ النفس كأنه يقول: ناظرت فلاناً المشهور فقطعته، وفيها غض من المناظر بما يبين من خطئه. والواقع ان المناظرات التي في (الأم) وغيرها من كتب الشافعي منها ما هو مع محمد بن الحسن، ومنها ما هو مع بعض أصحابه في حياته او بعد وفاته، وربما صرح الشافعي باسم محمد بن الحسن لفائدة فقد صرح باسمه وبان المناظرة التي كانت معه في مواضع من كتابه ((الرد على محمد بن الحسن)) كما تراه في (الأم) ( ج ٧ ص ٢٧٨ السطر الاول) و (ص ٢٨٣ السطر ٢٤) و (ص ٣٠٠ السطر ١٥) وساق (ج ٣ ص ١٠٦) المناظرة مع غير مسمى ثم قال في اثنائها آخر الصفحة: ((وقلت لمحمد بن الحسن انت أخبرتني عن أبي يوسف عن عطاء بن السائب ... )) وانما صرح به لئلا يكون رواية عن مجهول، ثم صرح به في الصفحة الثانية السطر (١٦) لانه قد عرف سابقا فلم يبق معنى لإبهامه وانظر (ج ٧ ص ٨٢). وربما لم یسمه ولکن یکني عنه بما يعلم انه محمد بن الحسن کما في(ج١ ص٢٣١) و(ج٤ ص ٥) و(ج ٧ ص ٧٩) وربما يكون في السياق ما يدل انه محمد بن الحسن كما في (ج ١ ص٥٦) و(ج ٣ ص ١٨٩) و(ج ٤ ص١٧) و(ج٩ ص ١١٩)، هذا ومناظرته لمحمد في الشاهد واليمين مشهورة في تلك الرواية وغيرها ومع ذلك ساقها الشافعي في (الأم) ولم يسم مناظره، ومن المناظرات ما يدل السياق انها مع غير محمد كما في ٦٥٢ (ج ٣ ص ١٩٥ و٢٧٥) ومنها ما هو على الاحتمال، وانما تأبىّ الشافعي اولا لما سبق، فلما عرف انصاف محمد واغتبط محمد بمناظرته كثرت المناظرات بينهما. وفي (توالي التأسيس) ص ٧١ من طريق ((ابي حسان الحسن بن عثمان الزيادي قال: كنت في دهاليز محمد بن الحسن فخرج محمد راكبا فنظر فرأى الشافعي قد جاء فثنى رجله ونزل وقال لغلامه: اذهب فاعتذر، فقال له الشافعي: لنا وقت غير هذا، قال: لا، واخذ بيده فدخلا الدار، قال ابو حسان: وما رأيت محمداً يعظم احداً إعظام الشافعي )». ومن تدبر مناظرات الشافعي لمحمد وجدها مناظرة الاكفاء، وعلم منها ان الشافعي كان حينئذ مجتهداً كاملا، وأن محمداً كان مع مكانته من الفقه والسن والمنزلة من الدولة وكثرة الاتباع على غاية من الإنصاف في البحث والنظر. والإنصاف انه كان لتلك المناظرات اثر في الرجلين فاتفاق على مسائل رجع فيها الشافعي عما كان يتابع فيه مالكاً، او رجع محمد عما كان يتابع فيه أبا حنيفة، ومن تصفح كتب الحنفية التي يذكر فيها قول الشافعي ظهر له صحة ما قلنا، وواضح انه لا يلزم من هذا ان يتفقا في جميع المسائل التي تناظرا فيها. ومن براعة الشافعي الفائفة ومهارته الخارقة انه يجمع في مناظرته بين لطف الادب وحسن العشرة واستيفاء الحق حتى في التشنيع، ساق في كتاب (اختلاف الحديث) بابا تراه في هامش (الأم) ( ج ٧ ص ١٠٥ - ١٢٥) في احكام الماء وفيه ذكر القلتين وغير ذلك وذكر الأحاديث ومناظرة مع من لم يسمه، لكن يتبين بالسياق أنها مع محمد بن الحسن إلى ان قال (ص ١١٥): ((وقلت له: ما علمتكم اتبعتم في الماء سنة ولا إجماعاً ولا قياسا، ولقد قلتم فيه أقاويل لعله لو قيل لعاقل: تخاطأ، فقال ما قلتم لكان قد احسن التخاطؤ))! ثم ذكر الأحاديث وسأله: أثابتة هي؟ فاعترف بثبوتها فقال (ص ١١٦): ((فقلت له: لقد خالفتها كلها وقلت قولا اخترعته مخالفاً للأخبار خارجا من القياس، وما هو؟ قلت: اذكر القدر ... قال: الذي اذا حرك ادناه لم يضطرب اقصاه)) فأجابه، ثم ساق الكلام الى أن قال ( ص ١٢٠): ٦٥٣ (( قلت ... إني لأحسبكم لو قال هذا غيركم لبلغتم به ان تقولوا : القلم عنه مرفوع! فقال: لقد سمعت ابا يوسف يقول: قول الحجازيين في الماء احسن من قولنا، وقولنا هو خطأ، ثم ساق الى ان قال (ص ١٢١ - ١٢٢) فقال: ((ما احسن قولكم في الماء ؟ قلت: افترجع الى الحسن؟ فما علمته رجع ... )) ومن لطائفه ما تراه في (الأم) (ج ٦ ص ١٦٠) ذكر مناظرته مع بعضهم الى أن قال: ((وكانت حجته في ان لا يقتل المرأة على الردة شيئاً رواه عن عاصم عن ابي رزين عن ابن عباس ... وكلمني بعض من يذهب هذا المذهب وبحضرتنا جماعة من اهل العلم بالحديث، فسألناهم عن هذا الحديث فما علمت واحداً منهم سكت عن ان قال: هذا خطأ، والذي روى هذا ليس ممن يثبت اهل العلم حديثه، فقلت له: قد سمعت ما قال هؤلاء الذين لا شك في علمهم بحديثك ... قال: اني انما ذهبت في ترك قتل النساء الى القياس ... فكأن الشافعي كان متوقعا البحث في ذاك المجلس عن هذه المسألة، وان يستدل مناظره بحديث أبي حنيفة عن عاصم، وكره الشافعي ان يقول هو في ابي حنيفة شيئاً يسوء صاحبه، وكان لا بد له من بيان ان الحديث لا يصلح للحجة، فتلطف في الجمع بين المصلحتين بأن اوعز الى جماعة من العلماء بالحديث ان يحضروا المجلس ليكون الكلام في أبي حنيفة منهم، ولعله اتم اللطف بأن اظهر انه لم يتواطأ معهم على الحضور! وألطف من هذا انه حافظ على هذا الخلق الكريم في حكايته المناظرة في كتابه وهو بمصر بعيداً عن الحنفية فقال: ((رواه عن عاصم)) وترك تسمية الراوي عن عاصم وهو ابو حنيفة، وقال في حكاية قوله الجماعة: ((والذي روى هذا)) ولم يقل: ((وأبو حنيفة)). وقد حاول التركماني استغلال هذا الادب فقال في (الجوهر النقي) ((ابو رزين صحابي، وعاصم وان تكلم فيه بعضهم، قال الدارقطني: في حفظه شيء. وقال ابن سعد: ثقة، إلا انه كثير الخطأ في حديثه، فإن ضعفوا هذا الأمر لأجله فالأمر فيه قريب فقد وثقه جماعة ... وان ضعف لأجل ابي حنيفة فهو وان تكلم فيه بعضهم فقد وثقة کثیرون ٦٥٤ واخرج له ابن حبان في (صحيحه) ... )). اطنب في مدح ابي حنيفة إلى أن قال: ((وذكر أبو عمر في (التمهيد) ان ابا حنيفة والثوري رويا هذا الاثر عن عاصم، وكذا أخرجه الدارقطني بسند جيد عنهما عن عاصم وأخرجه عبد الرزاق في (مصنفه) عنه فقد تابع الثوري ابا حنيفة ... )) كذا قال، وسعى جهده في قلب الحقائق فذكر اولاً احتمال ان يكونوا أرادوا عاصمًاً ومهد لذلك بأن ذكر غمز الدارقطني وابن سعد له، ولما ذكر أبا حنيفة لم يذكر شيئاً من كلامهم فيه. وإنما اكتفى بخطفه مجملة ثم راح يطنب في إطرائه. وذكر إخراج ابن حبان في (صحيحه) ونسي كلام ابن حبان في ابي حنيفة في ( كتاب الضعفاء) كما يأتي في ترجمة ابن حبان وغرضه ان يوقع في نفس القارىء ترجيح انهم أرادوا عاصاً وهو يعلم حق العلم انهم انما ارادوا أبا حنيفة واعرض عما رواه البيهقي نفسه في ذاك الموضع( ... احمد بن حنبل ثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: سألت سفيان عن حدث عاصم في المرتدة فقال: اما من ثقة فلا)). وحكى عن (التمهيد) ولا اشك ان صاحب (التمهيد) قد أوضح أن الثوري انما سمعه من ابي حنيفة ثم حكى عن الدارقطني، والذي في (سنن الدارقطني) المطبوع ص ٣٣٨ (( ... عبد الرزاق عن سفيان عن أبي حنيفة عن عاصم ... )) نعم ذكروا ان عبدالرزاق رواه في (مصنفه) ((عن سفيان عن عاصم)) ولا يبعد ان يكون سفيان انما قال: ((يحكى عن عاصم)) او نحو ذلك فأطلق بعضهم ((سفيان عن عاصم)) اتكالا على انه لا مفسدة في هذا لاشتهار سفيان بالتدليس فلا يحمل على السماع كما قدمت شرحه في ترجمة حجاج بن محمد، وقد ساق الخطيب في ((تاريخه)) بعض ما يتعلق بهذا الحديث فاكتفى الأستاذ بالتبجح بأن سفيان قد روى عن أبي حنيفة! وقد روى ابن أبي حاتم في ترجمة الثوري من (تقدمة الجرح والتعديل) عن صالح بن احمد بن حنبل عن علي ابن المديني عن يحيى بن سعيد القطان قال: (( وقد أعلَّ ابن التركماني بعض الاحاديث بأن سفيان الثوري مدلس، وتغافل عن ذلك هنا مصراً على ان الثوري قد تابع أبا حنيفة. وإذا تسامح العالم نفسه مثل هذه المسامحة، فالجاهل خير منه بألف درجة! والمقصود هنا بيان كرم اخلاق الشافعي رحمه الله. ٦٥٥ ومع مراعاة الشافعي للحنفية إلى الحد الذي رأيت واطلاقه الكلمة التي تكاد تكون رأس مالهم ((الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة)) ومجاملة اصحابه لهم حتى الف جماعة منهم في مناقب الحنفية، كان جزاؤه من الاستاذ ما تقدم. فأما الخطيب فانما سرد اقوال الناس في الغض كما ساق ما روي في المناقب وذلك واجبه من جهة انه مؤرخ ومحدث، ومع ذلك فأعرض سائر الشافعية عما نقله الخطيب بل منهم من عارضه ومنهم من رد عليه كما حكاه الاستاذ، ولما تعرض للرد عليه الملك عيسى ومأجوره السبط وفي ردهما ما فيه من التهافت، لم يعرض لهما احد من الشافعية بل استمروا على المجاملة، وكذلك لما عُثر على كتاب (التعليم) المنسوب إلى من لم يخلق، كما تقدم، وفيه من الكذب والزور من الطعن في مالك والشافعي ما فيه، لم يلتفت اليه الشافعية خلا أن واحداً منهم ذكر ان مسعود بن شيبة مجهول، وبالجملة فان مجاملة الشافعية للحنفية بلغت حد الادهان، فحسبها الاستاذ استكانة لا حراك بعدها، فصنع ما صنع، ولم يدر ان للصبر حداً وان للحق انصاراً، وأن وراء الاكمة رجالا ، وقد جريت في كتابي هذا على المجاملة ما امكن،واعددت لاستيفاء الحق عدته إن الجئت اليه، والله المستعان. ١٩٠ - محمد بن ابي الأزهر، تقدمت الاشارة الى حكايته في ترجمة اسحاق بن ابراهيم قال الاستاذ (ص ١٧٦٠): ((يقول عنه الخطيب نفسه (ج ٣ ص ٢٨٨): ((كان كذابا قبيح الكذب ظاهره. إهـ. فظهر ان الخطيب فيما عزاه الى ابي يوسف من الاحتيال بهات شنيع البهت ظاهره)). اقول: قد يعرف صدق بعض اخبار الكذاب بدلالة، واشهر الرواة بالكذب محمد بن السائب الكلبي ومع ذلك روى عنه ابن جريج والسفيانان وابن المبارك وغيرهم من الأجلة، وكان الثوري يحذر منه ويروي عنه فقيل له في ذلك؟ فقال: أنا اعرف صدقه من كذبه. ورووا عنه في التفسير وغيره فما بالك بالتاريخ الذي تدعو الحاجة الى تزيينه بالحكايات المستظرفة. وراجع ما تقدم في ترجمة إسحاق. ٦٥٦ ١٩١ - محمد بن اسحاق بن خزيمة. تعرض له الاستاذ (ص ١٩) ولا دخل له هناك وانما جرت الاستاذ عقليته الجبارة وعداؤه للحق واهله الى ان تطرق من الكلام في الحافظ احمد بن علي الأبار الى الكلام في الحافظ دَعْلَج مع انه لا دخل لدعجل هنا ثم قال: ((ودعلج كان على مذهب ابن خزيمة في الاعتقاد والفقه، واعتقاد ابن خزيمة يظهر من كتاب (التوحيد) ... وعنه يقول صاحب (التفسير) ... انه كتاب الشرك فلا حب ولا كرامة)). أقول: نفسك ظلمت، واياها حرمت، اما صاحب التفسير وهو الفخر الرازي فقد ظهر منه بأخَرَةِ التوبة والإنابة، كما ذكرناه في (الاعتقاديات) ومنها يعرف حال الامام ابن خزيمة وكتابه، وحال مبغضيه. ١٩٢ - محمد بن اسماعيل ابو عبداللّه البخاري صاحب (الصحيح). قال الاستاذ (ص ٤٨): ((واما قوله في (تاريخه الكبير): كان [ ابو حنيفة] مرجئاً سكتوا عنه وعن رأيه وعن حديثه ... فبيان لسبب اعراض من اعرض عنه، على ان ارجاءه هو محض السنة غرم تقولات جهلة النقلة ... فالمعرض عنه، اما خارجي يزكي مثل عمران بن حطان وحريز ابن عثمان، او معتزلي قائل بالمنزلة بين المنزلتين)). اقول: قد تقدم مراد البخاري بقوله في بعض الرواة: ((سكتوا عنه)) في ترجمة اسحاق الحنيني، فاما ارجاء أبي حنيفة فقد نظرنا فيه في (الاعتقاديات) وبذلك تنكشف مغالطة الاستاذ. على اني سلكت هناك سبيل المجاملة وليس هذا موضع استيفاء الحق. واما عمران وحريز فقد اتفق أهل العلم على انهما من اصدق الناس في الرواية، وقد جاء انهما رجعا عن بدعيتها، وذكر البخاري رجوع حريز في ترجمته من (التاريخ) ولم يحتج البخاري بعمران انما ذكره في المتابعات في حديث واحد. ولعمري إن محاولة الاستاذ في دفاعه عن أبي حنيفة الطعن في أئمة الاسلام كسفيان الثوري وأبي إسحاق ابراهيم بن محمد الفزاري وعبدالله بن الزبير الحميدي والامام احمد بن حنبل والامام ابي عبدالله البخاري وغيرهم من الأئمة لأضر على أبي حنيفة من ٦٥٧ كلام هؤلاء الائمة فيه، ولو قال قائل: لا يتأنى تثبيت ابي حنيفة الا بازالة الجبال الرواسي لكان اخف على أبي حنيفة ممن يقول لا يتأنى محاولة ذلك إلا بالطعن في هؤلاء الأئمة، وإن صنيع الكوثري لأضر على ابي حنيفة من هذا كله، لأن الناس يقولون: الكوثري عالم مطلع، كاتب بارع، إن أمكن أحداً الدفاع عن أبي حنيفة فهو، ولو أمكنه ذلك بدون الطعن في هؤلاء الأئمة ودون ارتكاب المغالطات الشنيعة لكان من أبعد الناس عن ذلك. هذا وفضائل البخاري معروفة حتى قال أبو عمرو الخفاف وهو من الحفاظ كما في (أنساب ابن السمعاني): ((حدثنا التقي النقي العالم الذي لم أر مثله محمد بن إسماعيل وهو أعلم بالحديث من إسحاق وأحمد وغيرهما بعشرين درجة من قال فيه شيئاً فعليه مني ألف ألف لعنة)). ١٩٣ - محمد بن إسماعيل أبو إسماعيل الترمذي. في (تاريخ بغداد) (٣٩٨/١٣) من طريق جماعة عنه ((حدثنا أبو توبة حدثنا الفزاري قال: سمعت الأوزاعي وسفيان يقولان ما ولد في الإسلام مولود أشأم عليهم - وفي رواية شر عليهم - من أبي حنيفة)) قال الأستاذ (ص ١١١): ((تكلم فيه أبو حاتم)) وفي (تاريخ بغداد) (٤٠٣/١٣) من طريقه ((حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع حدثنا عبد الله بن المبارك قال: من نظر في كتاب (الحيل) لأبي حنيفة أحل ما حرم الله، وحرم ما أحل الله)) قال الأستاذ (ص ١٢١): ((قال ابن أبي حاتم: تكلموا فيه)). أقول: لم يتكلم فيه أبو حاتم وإنما قال ابنه: ((تكلموا فيه))، ولا يدري من المتكلم ولا الكلام، وقد وثقه النسائي ومسلمة والدارقطني وغيرهم، فهو ثقة حتما (١). ١٩٤ - محمد بن أعْيَن أبو الوزير راجع (الطليعة) (ص ٣١ - ٣٤). روى (١) قلت: بل هو من الحفاظ الكبار، اورده الذهبي في (التذكرة) ١٦٣/٢ ووصفه بـ(( الحافظ الكبير الثقة)). وقال الخطيب كان متقناً مشهوراً بمذهب السنة ... )). وقال الحافظ في (التقريب): ((ثقة حافظ، لم يتضح كلام ابن أبي حاتم)). ن. ٦٥٨ الخطيب في (التاريخ) من طريق أبي الوزير عن ابن المبارك فزعم الأستاذ في (التأنيب) أن أبا الوزير- هو عمر بن مطرف فكشفت مغالطته في (الطليعة) وأوضحت أنه محمد بن أعين، فرأى الأستاذ أنه لا فائدة في المكابرة فعدل في (الترحيب) إلى محاولة توهين بن أعين فقال: ((توثيق ابن حبان على قاعدته ... وكان المرء خادماً أو كاتباً أو وصياً أو معتمداً عنده في شيء ليس بمعنى توثيقه في الرواية عندهم، وقول الناقد: أحمد بن حنبل لا يروي إلا عن ثقة. رأي مبتكر، وروايته عن مثل عامر بن صالح معروفة. أقول: قاعدة ابن حبان يأتي تحقيقها في ترجمته وبذلك يعرف أن توثيقه لابن أعين من التوثيق المقبول، وابن أعْيَن قالوا: ((أوصى إليه ابن المبارك وكان من ثقاته)) وابن المبارك كان رجلاً في الدين، رجلاً في الدنيا، فلم يكن ليعتمد بثقته في حياته وإيصائه بعد وفاته إلا إلى عدل أمين يقظ لا يخشى منه الخطأ في حفظ وصاياه وتنفيذها، فهذا توثيق فعلي قد يكون أبلغ من التوثيق القولي، غاية الأمر أنه قد يقال: ليس من الممتنع أن يكون ابن أعين ممن ربما أخطأ في المواضع الملتبسة من الأسانيد، وهذا لا يضر هنا، لأن روايته في (تاريخ بغداد) إنما هي واقعة لابن المبارك، على أن ذاك الاحتمال يندفع برواية أحمد وتوثيق ابن حبان، وأنه لم يتعرض أحد بغمز لابن أعين في روايته؛ وكون أحمد لا يروي إلا عن ثقة لم أقله، وإنما قلت: ((ورواية الامام أحمد عنه توثيق لما عرف من توقي أحمد)) ومع ذلك فقد نص ابن تيمية والسبكي في (شفاء السقام) على أحمد لا يروي إلا عن ثقة. وفي (تعجيل المنفعة) ص ١٥ و ١٩ وغيرهما ما حاصله أن عبد الله بن أحمد كان لا يكتب في حياة أبيه إلا عمن أذن له أبوه، وكان أبوه لا يأذن له بالكتابة إلا من الثقات؛ ولم يكن أحمد ليترخص لنفسه ويشدد على ابنه، وفي (فتح المغيث) (ص ١٣٤): ((تتمة ممن كان لا يروي إلا عن ثقة إلا في النادر الامام أحمد وبقي بن مخلد .... )) وقوله: ((إلا في النادر)) لا يضرنا، إنما احترز بها لأن بعض أولئك المحتاطين قد يخطيء في التوثيق فيروي عمن يراه ثقة وهو غير ثقة، وقد يضطر إلى ٦٥٩ حكاية شيء عمن ليس بثقة فيحكيه ويبين أنه ليس بثقة؛ والحكم فيمن روى عنه أحد أولئك المحتاطین أن يبحث عنه فإن وجد أن الذي روى عنه قد جرحه تبين أن روايته عنه كانت على وجه الحكاية فلا تكون توثيقاً، وإن وجد أن غيره قد جرحه جرحاً أقوى مما تقتضيه روايته عنه ترجح الجرح؛ وإلا فظاهر روايته عنه التوثيق، وابن أعْيَن لم يغمزه أحد، لا أحمد ولا غيره، بل وثقه ابن المبارك توثيقاً فعلياً كما سلف، ووثقه ابن حبان. فأما عامر بن صالح بن عبد الله بن عروة بن الزبير فلم يقتصر أحمد على الرواية عنه، بل وثقه بالقول كما في ترجمته من (التهذيب) وغيره، فإن ترجح توثيق أحمد فذاك، وإن ترجح جرح غيره لم يضرنا لأن من كان شأنه الإصابة ثم أخطأ في النادر ثم جاء عنه ما لا يعلم أنه أخطأ فيه، فهو محمول على الغالب، وهو الإصابة، سواء أكان محدثاً أم ناقداً أم قاضياً أم مفتياً كما هو معروف، وقد جاء عن ابن معين الذي جرح عامراً هذا أنه قيل له: إن أحمد يحدث عنه، فقال ابن معين: ((ماله، جُنَّ؟!)) وهذا يدل أوضح دلالة على أن ابن معين يعرف من أحمد أنه لا يروي إلا عن ثقة. فإن كنت لما كتبت ما كتبت في (الطليعة) استحضرت هذه النقول أو بعضها فذاك، وإن كنت بنيت على ما عرفته بالمارسة من حال الامام أحمد فذاك أكمل، وعلى كلا الحالين فقد تبين أنه ليس برأي مبتكر، كما زعم الكوثري. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات (١) (٢). ١٩٥ - محمد بن بشار بندار. في (تاريخ بغداد) (٤٠٧/١٣) من طريقه: (( سمعت عبد الرحمن [ بن مهدي ] يقول: كان بين أبي حنيفة وبين الحق حجاب)). قال الأستاذ (ص ٣٢): ((تكلم فيه الأقدمون إلى أن اتهموه بالكذب وسرقة الحديث، ثم استقر عمل المتأخرين على الانتقاء من رواياته)). (١) محمد بن أيوب بن هشام، راجع (الطليعة) (ص. ١١ - ١٧). (٢) محمد بن ايوب الذارع تقدم في ترجمة عبدالله العتكي. ٦٦٠