النص المفهرس

صفحات 621-640

من طريق أبي الفضل أحمد بن سلمة سمعت مسلم بن الحجاج يقول: عبدالله بن
السائب كان والي مكة وهو أخو شافع بن السائب جد محمد بن إدريس
الشافعي ... )).
وقال الشافعي في (الأم) (ج ٧ ص ٢٥٠): ((قال لي قائل ينسب إلى العلم
بمذهب أصحابه: أنت عربي والقرآن نزل بلسان من أنت منهم ... )) وقال في وصيته
المثبتة في (الأم) (ج ٤ ص ٤٩): ((وأوصي لفقراء آل شافع بن السائب بأربعة
أسهم ... )).
وقال في (الأم)(ج ٤ ص ٣٨) ونحوه في (مختصر المزنى) بهامش الأم (ج ٣
ص ١٩٣) ... فإذا كان المعروف عند العامة أن من قال من قريش: لقرابتي - لا
يريد جميع قريش ... فينظر إلى القبيلة التي ينسب إليها فيقال: من بني عبد مناف، ثم
يقال: قد يتفرق بنو عبد مناف فمن أيهم؟ فيقال: من بني المطلب، فيقال: أفيتميز
هؤلاء؟ قيل: نعم، هم قبائل، قيل فمن أيهم؟ قيل: نعم هم بنو السائب بن عبيد
ابن عبد يزيد ، قيل: وبنو شافع وبنو علي وبنو عباس، وكل هؤلاء من بني السائب،
فإن قيل: أفيتميز هؤلاء؟ قيل: نعم، كل بطن من هؤلاء يتميز عن صاحبه، فإذا
كان من آل شافع فقال: لقرابته، فهو لآل شافع دون آل علي وآل عباس ... )).
فالشافعي ومن أدركه وأقرانه وأصحابه ومن جاء بعدهم إلى نحو مائتي سنة بعد
الشافعي - ما بين ناسب له ولمن عرف من أهل بيته بالعلم كعمه محمد بن علي بن
شافع، ومحمد بن العباس بن عثمان بن شافع وابنه إبراهيم وغيرهم هذا النسب
تفصيلاً أو إجمالاً، وبين سامع له غير منكر. ولو كان الإنتساب إلى قوم من
الأعاجم لقد كان يجوز أن يقال: يمكن أن يكون الرجل - إن كان أهلاً أن يتوهم
فيه الكذب - نسب نفسه بدون تحقيق فاتفق أن تغافل أهل المعرفة عن الانكار
عليه، أما العجم فلعدم اعتداد مسلميهم بأنسابهم وإنما كانوا ينتسبون إلى مواليهم
من العرب، وأما العرب فلا يهمهم أن ينتسب الأعجمي إلى من شاء من العجم،
وقريب من هذا لو انتسب إلى قبيلة خاملة من العرب، ولم يكن له هو من النباهة ما
٦٢١

يحمل كثيراً من الناس على حسده ومنافسته فيدعوهم إلى مناقشته، فهل يُسوِّغ ذو
عقل مثل هذا في رجل يقوم في القرن الثاني فيدعي لعشيرته كاملة أنها من العرب ثم
من قريش ثم من بني عبد مناف ثم من بني المطلب فيثبت لها بذلك حقاً في الخلافة،
وحقاً في الفيء، وحقاً في خمس الخمس، والكفاءة لبني هاشم، والخلفاء منهم، فلا
يبقى بينها وبين بني هاشم فرق إلا في الفضل مع أنها تشاركهم في نصيب منه لما في
(الصحيحين) وغيرها عن النبي عَ ◌ّله أنه قال: ((إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء
واحد )»، وثبت عن فاطمة عليها السلام أنها لما وقفت صدقتها جعلتها لبني هاشم
وبني المطلب، وكذلك فعل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، يقوم هذا الرجل في
القرن الثاني فيدعي هذا ويعلنه ويلهج به عارفوه وأصحابه وجماعة من عشيرته ثم لا
يثور عليه التكذيب والعقوبة من كثير من الجهات؟ بل ولا ينكر عليه أحد، هذا
مع أن الرجل بغاية من النباهة ولم يكن له ولا لأحد من أقاربه ما يهاب لأجله ويتقى
من منصب في الدولة أو نحو ذلك، وقد كان في مبدأ أمره ولي بعض الولايات
وطار له صيت بالعدل والجود والقبول فنسب إليه ترشيح نفسه للخلافة فحمل إلى
الخليفة العباسي هارون الرشيد، وجاء من غير وجه أنه خاطبه بقوله: نحن إخوتكم
من بني المطلب فأنتم تروننا إخوة. هذا والعارفون بالأنساب ولا سيما نسب قريش في
ذاك العصر كثير، وللرجل حساد يحرقون عليه الأرم، ومع ذلك قبل الناس دعواه
ووافقوه عليها واستمر الأمر على ذلك، تسمع موافقته من كل جهة ولا يحس
وجس بمخالفته إلى نحو مائتي عام.
ثم إذا كان بعد ذلك؟ ذاك متفقه حنفي ملأه غيظاً تبجح الشافعية بأن إمامهم
ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسولت له نفسه أن يحاول المكابرة في
ذلك فلم يجد إلى ذلك سبيلاً، فلجأ الى غير ملجأ فقال: إن أصحاب مالك لا
يسلمون ان الشافعي من قريش بل يدعون أن شافعاً كان مولى لأبي لهب فطلب من
عمر رضي الله عنه أن يجعله من موالي قريش فامتنع فطلب من عثمان رضي الله عنه
ففعل)) فافتضح هذا القائل الظالم لنفسه، فان أصحاب مالك - وإن كان فيهم من
٦٢٢

هو حنق على الشافعي وأصحابه لا يعرفون قائلاً منهم بهذه المقالة، وهذا صاحبهم
ابن عبدالبر أعرف الناس بهم وبأحوالهم ومقالاتهم نقل الإجماع على نسب الشافعي
كما سلف. ولو أن ذلك الحنفي نسب تلك المقالة إلى إنسان معروف من المالكية
لساغ احتمال أنه لم يكذب على ذلك المالكي وإن كذّبه، وإنما رأي في بعض
الروايات أن الشافعي لما حمل إلى الرشيد كان معه رجل من آل أبي لهب، ثم حاول
أن يروج مقالته بما نسب إلى عمر فزادها فضيحة، فهل كان عمر ينكر أن يكون
بنو هاشم من قريش؟ أم كان ظالماً جائراً يمنع المولى حقه الواضح؟ تذهب هذه
الأضحوكة ذهاب ضرطة عير بالفلاة، وتمر على ذلك ثلثمائة سنة أخرى تقريباً،
وإذا بجنفي آخر محترق يكتب كتيباً يضمنه أشياء في فضل أبي حنيفة وعيب سائر
الأئمة ولا سيما الشافعي، وخوفاً من الفضيحة نحل الكتاب من لا وجود له فكتب
عنوانه (( ( كتاب التعليم) لشيخ الاسلام عماد الدين مسعود بن شيبة بن الحسين
السندي)) ثم رمى بالكتاب في بعض الخزائن فعثر الناس عليه بعد مدة فتساءل
العارفون: من مسعود بن شيبة؟ لا يجدون له خبراً ولا أثراً إلا في عنوان ذاك
الكتيب. القضية مكشوفة إلا أنها صادفت هوى في نفوس بعض الحنفية فصار
بعض مؤرخيهم وجامعي طبقاتهم ومناقبهم يذكرون مسعود بن شيبة وينقلون
من ذاك الكتيب، فاضطر الحافظ ابن حجر إلى أن يقيم لذلك وزناً ما،
فقال في (لسان الميزان): ((مسعود بن شيبة ... مجهول لا يعرف عمن أخذ العلم ولا
من أخذ عنه، له مختصر سماه التعليم كذب فيه على مالك وعلى الشافعي كذباً
قبيحاً ... )) فيجيء الأستاذ الذي يصف نفسه كما في لوح كتابه الذي طبع
بتصحيحه ومراجعته بانه ((الامام الفقيه المحدث، والحجة الثقة المحقق، العلامة
الكبير صاحب الفضيلة مولانا الشيخ محمد زاهد بن الحسن الكوثري وكيل المشيخة
الإسلامية في الخلافة العثمانية سابقاً)) فيحتج بذلك الكتيب المسمى بـ (التعليم)
ويذكر مسعود بن شيبة كعالم حقيقي، ويزيد على ذلك فيقول في حاشية ص ٣ من
التأنيب ((وابن شيبة هذا جهله ابن حجر فيما جهل مع أنه معروف عند
الحافظ (؟) عبد القادر القرشي، وابن دقاق المؤرخ والتقي المقريزي، والبدر
٦٢٣

:
العيني، والشمس ابن طولون الحافظ، وغيرهم فَتَعُدُّ صنيع ابن حجر هذا من
تجاهلاته المعروفة - لحاجة في النفس - وقانا الله اتباع الهوى)) كذا يقول هذا الظالم
لنفسه وهو يعلم حق العلم أن هؤلاء الذين سماهم وكلهم متأخرون لم يعرفوا إلا ذاك
الكتيب فتجاهلوا حاله وذكروا مسعود بن شيبة بما أخذوه من ذاك الكتيب، فان
كانت هذه معرفة فالحافظ ابن حجر لم ينكرها بل أثبتها في تلك الترجمة، والداهية
الدهياء أن يختم الأستاذ عبارته بقوله: ((وقلنا الله أتباع الهوى)) أفليس هذا أشنع
وأفظع وأدل على المكروه من قول شارب الخمر حين يشربها: باسم الله؟!
يقع في ذلك الكتيب ما نقله عنه الاستاذ كما يأتي، تناسى الناس ذاك الكتيب
إلا أماني كما سبق ومضت بعد ذلك قرابة سبمعائة سنة فينشأ الاستاذ الكوثري
فيبعثر فظائع أصحابه، علق على (انتقاء ابن عبد البر) حيث حكى ابن عبدالبر
الإجماع على نسب الشافعي قوله:
((ومن زعم أن شافعاً كان مولى لأبي لهب فطلب من عمر أن يجعله من موالي
قريش فامتنع فطلب من عثمان ذلك ففعل، فقد بعد عن الصواب وشذ عن الجماعة،
والتعويل عليه من بعض الحنفية والمالكية تعصب بارد ، ولهم أن يناقشوه في علمه لا
في نسبه)).
وغرضه هنالك انما هو محاولة الخدش في الاجماع الذي ذكره ابن عبدالبر ولكن
حاول المواربة، وزعمه أن بعض الحنفية والمالكية عولوا على تلك الفرية فرية
أخرى، انما رمى بها ذاك الحنفي المحترق على المالكية، والمالكية براء منها، فإن
هناك من يسوغ أن يُقال إنه عول عليها فهو الكوثري، فقد قضى على نفسه
بالتعصب البارد اخف ما ينبغي ان يقضى عليه به!
وقال في (التأنيب) (ص ١٠٠) فما بعدها عند ذكر الموالي: ((حتى ان الشافعي
منهم عند أهل العلم (؟) وعلق عليه في الحاشية مقالة ذاك الحنفي ثم قال: ((ومنهم
٦٢٤

من يعده في عداد موالي عثمان كما في (التعليم) لمسعود بن شيبة)) وقد علمت حال
هذين ثم قال: ((وكان الشافعي بعضه فقر مدقع في نشأته كما في كتب المناقب،
والصليب في قريش كان يتناول من الديوان في ذلك العصر ما يقيم به اوده)).
أقول: الذي يقوي سنده من تلك الحكايات ما روي عن الشافعي انه قال: كنت
يتيماً في حجر أمي، ولم يكن لها مال وكان المعلم يرضى من أمي ان اخلفه اذا قام،
فلما جمعت القرآن دخلت المسجد فكنت اجالس العلماء فأحفظ الحديث أو المسألة،
وكانت دارنا في شعب الخيف فكنت اكتب في العظم فإذا كثر طرحته في جرة
عظيمة، والحكايات الاخرى في أسانيدها مقال وهي مع ذلك لا تزيد على هذا،
وهذا لا يصدق عليه كلمة ((بعضه فقر مدقع)) فقد كانت له دار وكفاف في
المطعم والملبس، والا لما تركته امه يطلب العلم بل كانت تسلمه في حرفة، فإن كان
يصل اليه من الديوان شيء فلا ندري ما قدره وقد لا يكون يصل إليه شيء . لأن
الأمراء كانوا ظلمة يصرفون بيت المال في أغراضهم وشهواتهم، وكان والد الشافعي
كما تشير اليه بعض الروايات ممن خرج مع العلوية على العباسيين ولذلك اضطر الى
الفرار بأهله من الحجاز إلى فلسطين حيث ولد الشافعي، وكان الامراء يتتبعون من
كان كذلك بالقتل والسجن فضلا عن حرمان حقهم في بيت المال، وقد نال ذلك
ذرية فاطمة عليها السلام، قال دعبل:
أرى فيأهم في غيرهم متقسما وأيديهم من فيئهم صفرات
وقال الكوثري فيما كتبه على (مغيث الخلق): ((لم أر أحداً قبل زكريا الساجي
رفع نسب شافع إلى عبد مناف)). أقول قد اريناك. قال: ((والساجي متكلم فيه))
أقول: ((بما لا يعتد به وهو احد الاثبات كما مر في ترجمته. قال: ((اختلاف
الروايات في مسقط رأس الامام الشافعي ... وعدم ذكر ترجمة لوالديه ولا تاريخ
لوفاتهما في ( كتاب الثقات) مما يدعو الى التثبت في الأمر))!
أقول: ((اما الاختلاف في موضع ولادته فليس مما يدعو الى التشكك وهؤلاء
ابناء فاطمة وابناء العباس لم تتعرض التواريخ لمواضع ولادة كثير منهم اذ ليس ذلك
٦٢٥

-'
مما يهتم به فيحفظ، والناس إلى الآن مختلفون في تاريخ وفاة النبي عَّ
ومولده، وكان والد الشافعي مشرداً مطرداً بسبب خروجه مع العلويين فكان مختفياً
بأهله في فلسطين حيث ولد له الشافعي، والذين ذكروا موضع ولادة الشافعي انما
استندوا الى إخباره، فأقوى الروايات عنه انه قال: ((بعسقلان)) وفي رواية عنه انه
قال ((بغزة)) فان تثبت هذه ايضا تبين انه ولد باحداهما، واطلق عليها في الرواية
الاخرى اسم الأخرى، لأنها من مضافاتها أو ولد بقرية صغيرة بينهما اطلق عليها في
إحدى الروايتين اسم هذه وفي الاخرى اسم الأخرى لأنها لا تعرف الا بإضافتها
إلى احداهما. فأما ما روي عن احمد بن عبدالرحمن بن وهب من ذكر اليمن فلذلك
أسوة بالأحاديث الكثيرة التي غلط فيها احمد هذا الغلط الفاحش حتى اضطر اخيراً
الى الرجوع عنها، ومع ذلك فقد تكلف بعضهم تأويل روايته المذكورة بما لا حاجة
إلى ذكره.
واما انهم لم يذكروا ترجمة لوالدي الشافعي فلم يعرف ابوه بالعلم، وما كل قرشي
حفظت له ترجمة ولعل الذين حفظت تراجمهم لا يبلغون عشر معشار الذين كانوا
موجودين. وأما تاريخ الوفاة فالمحدثون انما عنوا بتقييد وفيات الرواة لمعرفة اتصال
الرواية عنهم وانقطاعها، وما اكثر الرواة المشاهير الذين لم تقيد وفياتهم، والذين
ذكرت وفياتهم منهم وقع في كثير منها الاختلاف المتباين، فاما والدا الشافعي فلم
يتعانيا الرواية أصلاً. والاستاذ نفسه يتحقق هذا كله ولكنه يأبى الا الشعبذة على
الجهال. وقد عرف الناس تاريخ ولادة الشافعي وان اباه توفي عقب ذلك بسنة أو
نحوها، فأما امه فعاشت الى ان بلغ ابنها مبلغ العلماء وجهزته حيث خرج الى اليمن
فولي فيها ما ولي. قال الكوثري: ((وعد شافع صحابياً أول من ذكره هو ابو الطيب
الطبري)) اقول: (( لم ار في المنقول ما يصرح بصحبته فهو على الاحتمال فان كان ولد
قبل وفاة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فهو صحابي والا كفتنا صحبة ابيه. قال:
(( أول من عد السائب صحابياً من مسلمة بدر هو الخطيب في (تاريخه) بدون
سند)).
اقول: في (الإصابة) ((قال الزبير في ( كتاب النسب): ولد عبيد بن عبد يزيد
٦٢٦

السائب وكان يشبه بالنبي ◌َّةٍ وأسر يوم بدر، وذكر ابن الكبي أنه كان يشبه
بالنبِ مَّ له، وأخرج الحاكم في (مناقب الشافعي) من طريق أبي محمد أحمد بن
عبدالله بن العباس بن عثمان بن نافع بن السائب قال: سمعت ابى يقول: اشتكى
السائب بن عبيد فقال عمر: اذهبوا بنا نعود السائب بن عبيد فإنه من مصاصة
قريش قال النبي عَِّ حين أتى به وبعمه العباس: هذا أخي)).
وذكر في ترجمة شافع ما رواه الحاكم من طريق اياس بن معاوية عن انس بن
مالك قال: كان النبي عَ ◌ّمِ ذات يوم في فسطاط اذ جاء السائب بن عبيد ومعه ابنه
فقال: من سعادة المرء أن يشبه أباه. وذكروا في الصحابة عبدالله بن السائب كما
تقدم، فالسائب صحابي حتماً ولا يهمنا أتقدم إسلامه أم تأخر، وقد عدوا في
الصحابة عبيداً والد السائب وعبد يزيد جده. وعلى كل حال ففي أجداد الشافعي
صحابي حتماً، وقيل: اثنان في نسق، وقيل: ثلاثة، وقيل: اربعة، وقد قال الأستاذ
(ص ١٦٥): ((على أن النبي عَ ◌ّه توفي عمن يزيد عددهم على مائة الف من
الصحابة ولم تحتو الكتب المؤلفة في الصحابة عشر معشار ذلك)) فإذا لم ينص المتقدم
على صحبة رجل فاستدركه من بعده لم يكن في ذلك ما يريب في صحبته.
ثم قال الاستاذ: ((وربما يعذرنا اخواننا الشافعية ... ))
أقول: لا ريب أنهم اذا عرفوا الأستاذ وما يقاسيه من ذات نفسه يعذرونه في
انفسهم ويرحمونه، وان كان ذلك لا ينفعه عند اللّه عز وجل. وقد ضج الأستاذ
(ص ١٨) مما روي عن يزيد بن زُرَيع: ((كان أبو حنيفة نبطياً)) فقال الاستاذ:
((ومن ساق هذا الخبر الكاذب ليطعن في نسبه فهو لم يزل على خلال الجاهلية)) مع
ان الأستاذ يعرف من مذهبه ان العجم اكفاء بعضهم لبعض من جهة النسب،
وليسوا أكفاء للعرب، وان سائر العرب ليسوا أكفاء لقريش، ولعل النبط أقرب الى
الشرف الديني من الفرس!
وقال الكوثري (ص ٤) من (التأنيب): ((ومن تابع الشافعي قائلا : انه قرشي،
٦٢٧

فله ذلك، لكن هذه الميزة لا توجب الرجحان في العلم. وفي (صحيح المسلم): ((من
أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه))، على أن هناك من العلماء من هو قرشي باتفاق
فيفضل على من في قرشيته خلاف، لو كان هذا الامر بالنسب)).
أقول: قد علمت الاجماع على نسب الشافعي مع الحجج الاخرى. فأما ان هذه
الميزة لا توجب الرجحان في العلم، فإن اراد انه لا يجب ان يكون كل قرشي اعلم
من كل أعجمي مثلا فهذا حق لا يشتبه على أحد ، وكذلك لا يجب ان يكون كل
تابعي أعلم من كل من يأتي بعده ولا كل من كثر اتباعه اعلم من كل من كان اقل
منه أتباعاً، وكذلك كل من أبطأ به عمله لا تسرع به تابعيته ولا
كثرة اتباعه بل ذلك اضر عليه. وقد وضع الحديث في غير موضعه، فإن الشافعي لم
يبطىء به علمه ولا عمله وانما ينبغي ان يذكر هنا حديث (الصحيحين) وغيرهما
وفيه قوله عَ لّه: ((افعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم، قال: فخياركم في
الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا)).
ومن ذكر من أهل العلم في مزايا الشافعي انه عربي قرشي مطلبي فلم يحتج بفضيلة
النسب من حيث هو نسب، ولكن من حيث ما هو مظنة، فإن ذلك يقتضي فضل
معرفة بالدين الذي أنزله الله تعالى على النبي العربي بلسان عربي روعي فيه عقول
العرب وافهامهم وطباعهم، ويقتضي فضل محبة الدين وغيره عليه وحرص على عدم
الشذوذ عنه، فإن من اجتمع له الحق والهوى اشد لزوماً للحق ممن جاء الحق على
خلاف هواه، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿وإذْ يَرْفَع إبراهيم الْقواعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإسماعيلَ
رَبَنَّا تَقَبَّل مِنَا إنَّك انتَ السَّميع العليم. رَبَّنا واجعلنا مُسْلِمِيْنَ لَكَ وَمِنَّ ذُرِّيتنا أمة
مُسْلِمة لَكَ وأرنا مناسِكَنا وتُبْ عَلَينا إنَّك أنت الثَّوابُ الرَّحيم. ربَّنا وابْعثْ فيهم
رَسُوْلاَ مِنْهُمْ يَتَلُو عَلَيْهِمِ آياتِكَ وَيُعَلِّمهم الْكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَيُزَكِيهم إِنَّك انتَ الْعزيزُ
الحكيم﴾ البقرة - ١٢٧ - ١٢٩.
وقال عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي بَعَثَ في الامِِّيِّن رَسُوُلاَ مِنْهُمْ يَتْلو عَلَيهِم آياتِه
ويُزَكِّيهِم وَيَعْلُمهم الْكِتَابَ والحِكْمَةَ وإن كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبين. وآخرين
٦٢٨

مِنْهُم لما يلحقوا بِهِم وَهُوَ العزيز الحكيم. ذلك فَضْلُ اللّهِ يُتِيهِ مَنْ يَشاء واللّهُ ذُو
الْفَضلِ العَظيم﴾. الجمعة: ٢ - ٤. فالأميون الذين بعث فيهم الرسول فتلا عليهم آيات
اللّه وزكاهم وعلمهم الكتاب والحكمة وكانوا من قبل في ضلال مبين هم العرب
الذين ادركوا نبوته، علمهم مباشرة او قريباً منها بأن أرسل اليهم رسولا ، وهو
عَ ◌ّه حي ينزل عليه الوحي، والآخرون الذين لم يلحقوا بهم قد نص القرآن انهم
((منهم)) فهم ذريتهم، فأما ما روي ان رجلاً سأل النبي صَلّم عن الآخرين فسكت
عنه ثلاثا ثم وضع يده على سلمان الفارسي وقال: ((لو كان الاسلام بالثريا لتناوله
رجال من هؤلاء)). فهذا لا يخالف الدلالة الواضحة من القرآن، وانما سكت النبي
عَ لّم عن جواب السؤال لأن القرآن واضح بنفسه لمن تدبره ثم وضع يده على سلمان
وقال ما قال علي سبيل أسلوب الحكيم كأنه قال: الاولى ان يسأل السائل هل يختص
الدين بالأميين الذين بعث فيهم الرسول مباشرة ومن يلحق بهم منهم؟ فأجاب سَ طّه
عن هذا السؤال المقدر. فأما ما وقع في رواية ((رجال أو رجل)) فشك من الراوي
وأکثر الروايات ((رجال)» بلا شكلکن جاء حدیث اخر (( لو كان الدين عند الثريا
لذهب به رجل من فارس - أو قال من ابناء فارس - حتى يتناوله)) ولم يذكر في
هذا الحديث قصة الآية لكن كلا الحديثين من رواية ابي هريرة فان كان اصل
الحديثين واحداً، واللفظ ((رجل)) فلا شبهة انه كناية عن سلمان كما تعينه القرينة.
وان كانا حديثين فالرجل سلمان والرجال هو وآخرون، هذا هو المعنى الواضح لمن
اراد ان يفهم المراد من الكتاب والسنة. وأما من يريد أن يجرهما الى هواه فلا كلام
معه .
والمقصود هنا ان الشافعي ممن نالته المزية التي دعا بها ابراهيم واسماعيل وذكرت
في الآيات، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وقال تبارك
وتعالى: ﴿إِنَّ اللّه اصْطفى آدَمَ وَنوحاً وآل إبراهيم وآلَ عمْران على العالمين. ذَرِّية
بعضُها مِنْ بَعْض واللّهُ سَمِيعَ عليمٍ﴾ آل عمران ٣٣ - ٣٤، وجاء في كتاب الله عز
وجل عدة آيات تدل على انقطاع الاصطفاء عن ذرية آل عمران وبقي في غيرهم من
٦٢٩

آل ابراهيم، وفي (الاصحاح الثاني) من (سفرأرميا) في صدد توبيخه على اليهود
على ارتدادهم وعبادتهم الاصنام ما يدل على أن بني قيدار كانوا في عهده ثابتين على
ملة ابراهيم، قال: ((لذلك اخاصمكم يقول الرب وبني بنيكم اخاصم فاعبروا جزائر
كتيم وانظروا وأرسلوا الى قيدار وانتبهوا جداً(١) وانظروا هل صار مثل هذا هل
بدلت امة آلهة وهي ليست آلهة، اما شعبي فقد بدل مجده بما لا ينفع)). هكذا في
النسخة المطبوعة بنيويورك سنة ١٨٦٧م.
وبنو قيدار هم بنو اسماعيل ومنهم عدنان ابو قريش وجاء في (الصحيحين)
وغيرهما ( كالمستدرك) (ج ٤ ص ٦٠٥) وغيره كما ترى تفصيل ذلك في (فتح
الباري) ((باب قصة خزاعة)) وفي (الاصابة) ترجمة اكتم بن الجون ما يعلم منه ان
عمرو بن لحي اول من بدل دين ابراهيم اي والله اعلم في مكة ونواحيها، وعمرو
هذا من اليمن على الراجح وليس من ذرية اسماعيل على الراجح، وكان في عصر
كنانة، وفي (صحيح مسلم) وغيره من حديث واثلة بن الاسقع عن النبي عَ لّه إن
الله اصطفى كنانة من ولد اسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من
قريش بني هاشم، واصطفاني من بين هاشم، فهذا يدل ان عمرو بن لحي استغوى
بعض بني اسماعيل وثبت كنانة، ثم سرى التبديل الى بعض ذرية كنانة، وثبت
قريش فانفرد بالاحتراز عن التبديل او عن الاغراق فيه، ثم سرى الفساد في ذرية
قريش وانفرد هاشم بنحو ما انفرد به قريش، فكان بنو هاشم اقرب الناس الى
الحق حتى اصطفى اللّه تعالى رسوله منهم، وقد تقدم قوله معَ له: (( بنو هاشم وبنو
المطلب شيء واحد)). افترق بنو عبد مناف فانضم بنو نوفل الى بني عبد شمس
وانضم بنو المطلب الى بني هاشم فكانوا معه ودخلوا معهم شعب ابي طالب لما
قاطعت قريش بني هاشم بسبب النبي عَ ◌ّه ، ثم بقوا مع بني هاشم في الاسلام، وبقوا
(١) كأنه اشارة الى أن بني قيدار بنو عمكم ولم يبعث فيهم نبي بعد اسماعيل وبعث فيكم
عدد كثير من الأنبياء وبعضهم بين ظهرانيكم ومع ذلك هم ثابتون على الذين الحق
وانتم خرجتم منه .
٦٣٠

معهم بعد النبي ◌َ ◌ٍّ، ولما افترق بنو هاشم، انضم بنو المطلب الى الصق الفريقين
بالنبي ◌َّ وهم بنو ابنته وكان والد الشافعي معهم فلما اصيبوا فر الى فلسطين
حيث ولد له الشافعي، فالشافعي من آل ابراهيم ثم من كنانة ثم من قريش، ثم من
بني المطلب الذين هم وبنو هاشم شيء واحد ثم ظهر في الاسلام انهم ألصق بالنبي
عَ الم من بعض بني هاشم، ثم فقه:
وهل ينبت الخِطيّ إلا وشيجه
وتغرس إلا في منابتها النخل
بل قد يقال: إن اللّه تعالى اختص رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وعشيرته
بخصائص كثيرة فلا يكاد يوجد لغيرهم فضيلة إلا ولهم من جنسها ما هو افضل،
وهذه الامة قد كادت تطبق على اتباع اربعة علماء فيهم رجل واحد من عشيرة النبي
صلى الله عليه وآله وسلم، فقضية ما تقدم ان يكون أكمل من بقية الاربعة. وقد
ذكر بعضهم أن مذهب الشافعي هو مذهب أهل البيت لانه من بني المطلب الذين
كانوا وبني هاشم شيئاً واحداً، ثم لما افترق بنو هاشم انضموا الى الصق الفريقين
بالنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وكان بنو فاطمة في عصر تأسيس المذاهب
مضطهدين مروعين لا يكاد احد يتصل بهم الا وهو خائف على نفسه فلم يتمكنوا
من نشر علمهم كما ينبغي، وكان من ابناء الاعاجم قوم لهم منازع سياسية ضد
الاسلام كانوا يتذرعون باظهار التشيع للعلويين إلى أغراضهم فكذبوا على أئمة
العلويين كذبا كثيراً، فاشتبه الامر على كثير من اهل العلم، اما الشافعي فإنه تلقف
العلم من اصحاب جعفر بن محمد بن علي بن الحسين وغيرهم، ثم تجرد للعلم واعرض
عن السياسة فصفا له الجو فأسس مذهبه فساغ ان يقال إن مذهبه هو مذهب اهل
البيت. والذي لا ريب فيه إن صح ان يسمى واحد من المذاهب الأربعة: مذهب
أهل البيت فهو مذهب الشافعي، وأهل البيت ادرى بما فيه.
فصل
كما حاول الاستاذ أن يشكك في عربية الشافعي في نسبه كذلك حاول ان يتكلم
٦٣١

في عربيته في لسانه، فذكر حكايتين عن ( كتاب التعليم) وقد عرفت حاله وذكر
قضايا اخرى.
الاولى: ان الشافعي فسر قوله تعالى ﴿أَنْ لا تعولوا﴾ بقوله: تكثر عيالكم.
اقول: نص الكسائي على أن من العرب الفصحاء من يقول: عال فلان - بمعنى
كثر عياله. وكذلك جاء عن الأصمعي وغيره من الأئمة، ومع ذلك فعال يعول يأتي
اتفاقا بمعنى الزيادة والكثرة كالعول في الفرائض، والآية تحتمل هذا الوجه أي ان
لا تكثروا، ويكون المراد بدلالة السياق: يكثر عيالكم. اما الاعتراض بأن اكثر
المفسرين فسروها بقولهم: ان لا تميلوا، فليس الكلام هنا في رجحان وجه على
آخر، وانما الكلام في قول الشافعي اخطأ هو في العربية ام صواب؟ وقد ثبت بما
تقدم انه ليس بخطأ في العربية، فغاية الامر ان يقال هو خطأ في التفسير، وذلك لا
يضرنا هنا لان جماعة من الصحابة قد اخطأوا في بعض التفسير ولم يعد ذلك قادحا
في فصاحتهم. ومع هذا فقد يرجح تفسير الشافعي بوجهين.
الأول: أن طاوس قرأ ﴿أَنْ لا تعيلوا﴾ والمعنى هذا حتماً تكثر عيالكم،
واتحاد المعنى على القراءتين أولى من اختلافه.
الوجه الثاني: أن سياق الآية ﴿فَإِن خِفْتُم أنْ لا تَعْدِلوا فَواحدة أوْ ما ملَكَتْ
أيْمانُكُمْ ذَلك ادنَى انْ لا تعولوا﴾(١) ومعنى قولهم ذلك ادنی ان لا تميلوا، هو ذلك
ادنى ان تعدلوا ، وهذا قد علم من اول الآية فيكون تأكيداً، فاذا احتملت الآية ما
قال الشافعي فهو اولى، لأن التأسيس أولى من التأكيد، وقد صح نحو تفسير
الشافعي عن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم رواه ابن جرير، ونسبه بعضهم إلى زيد بن
اسلم نفسه .
الثانية: قال الاستاذ: ((قوله: حارة في تفسير [موصدة] ... مع انها بمعنى محيطة
(١) النساء (٣).
٦٣٢

بلا خلاف)».
أقول: لم أجد هذا التفسير عن الشافعي. وقول الكوثري: ((بمعنى محيطة بلا
خلاف )). غلط بل منهم من قال: مطبقة، ومنهم من قال: مغلقة. فان صح ما نسب
الى الشافعي فهو من التفسير باللازم المقصود لانها انما تطبق أو تغلق ليشتد حرها .
الثالثة: قال: ((وقوله: معلمي الكلاب - في تفسير [ مُكَلَّبين] مع انه بمعنى
مرسلي الكلاب»!
اقول: المعروف في اللغة والتفسير ما قال الشافعي.
الرابعة: قال: ((وقوله: فحل الإبل والبقر - في تفسير الفحل في قول عمر رضي
اللّه عنه: لا شفعة في البئر ولا في الفحل. مع انه فحل النخل)).
اقول: يرد على هذا أمور:
الاول: انه مطالب بتصحيح النسبة إلى الشافعي.
الثاني، أن الأثر مروي عن عثمان لا عن عمر.
الثالث: انه لو صح ذلك عن الشافعي لكان دليلا على فصاحته لان لفظ
(فحل) يطلق على الابل والبقر بلا خلاف، فاما في النخل فالمعروف ان يقال
((فحّال)) بل قال بعضهم لا يقال فيه إلا فحال كما في (النهاية).
الخامسة: قال: ((وقوله في التصرية انها من الربط مع انها من جمع الماء في
الحوض ... )
أقول: عبارة الشافعي كما في (مختصر المزني) بهامش (الام) (ج ٢ ص ١٨٤)
وغيره (« التصرية ان تربط اخلاف الناقة او الشاة ثم تترك من الحلاب اليوم واليومين
والثلاثة حتى يجتمع بها لبن ... )). وهذه العبارة انما تعطي أن حقيقة التصرية هي ما
يحصل من مجموع تلك الامور: الربط، وترك الحلاب مدة، واجتماع اللبن. فأما
٦٣٣

اشتقاق الكلمة أمن الصر وهو الربط، ام من الصري وهو الاجتماع، فهذا لا علاقة
له بكلام الشافعي، اولاً: لانه في مقام بيان المعنى لا الاشتقاق، ثانيا : لانه قد ذكر
الاجتماع كما ذكر الربط. وربط الاخلاف لازم التصرية في عادة العرب وذلك انها
إذا لم تربط رضعها ولدها، أو حلبها محتاج، وكان العرب يتسامحون في حلب إبل
غيرهم إذا لم تكن مصراة، يعدون عدم تصريتها بمنزلة الإذن لمن يحتاج في حلبها
قال الشاعر:
بعام خصب فعاش الناس والنَّعَم
قد غاث ربك هذا الخلق كلهم
ولا ذيار ومات الفقر والعدم
وأبهلوا سرحهم من غير تودية
يعني ارسلوها غير مصراة لاستغنائهم عن اللبن فلا يبالون ان ترضعها اولادها
او يحلبها من شاء وفي الحديث ((لا يحلبن احد ماشية امريء بغير اذنه، ايجب أحدكم
ان تؤتى مشربته فتكسر خزانته ... )) وجاءت أحاديث اخرى بالإذن، منها حديث
ابي سعيد مرفوعاً: ((اذا أتيت على راع فناده ثلاثا فإن
أجابك وإلا فاشرب من غير أن تفسد)) وجمع بعض أهل
العلم بين الاحاديث بأن النهي محمول على المصرَّة لأن
تصريتها علامة على عدم الإذن، والاذن في غيرها لأن ترك التصرية دليل على
الاذن، وهذا أقوى ما تحمل عليه الأحاديث، وفيها إشارة إليه لقوله في الاول
(فتكسر خزانته)) والكسر إنما يكون إذا كانت مغلقة واغلاق ضرع الناقة هو
تصريته، فاما غير المصراة فهي شبيهة بالخزانة المفتوحة، ولقوله في الحديث الآخر
((من غير أن تفسد )) وحل الرباط افساد.
والمقصود هنا ان الربط كان من لازم التصرية في عادتهم فكانت حقيقة التصرية
انما تحصل بالربط والترك مدة واجتماع اللبن كما قال الشافعي، وذكر بعض أئمة اللغة
انه يجوز أن تكون المصراة اصلها المصررة أي المربوطة إلى آخر ما قال، ولا حاجة
بعبارة الشافعي إلى هذا كما علمت.
السادسة: قال: ((وقوله في تفسير الفهر في قول عمر: كانهم اليهود قد خرجوا
من فهرهم - البيت المبنى بالحجارة اكبار، مع انه موضع عبادتهم او اجتماعهم
٦٣٤

ودرسهم مطلقا سواء كان في بنيان أو صحراء)).
أقول عليه في هذا أمور:
الاول: انه مطالب بتثبيت النسبة إلى الشافعي.
الثاني: ان الاثر منسوب إلى علي كما في (نهاية ابن الأثير) لا إلى عمر، ولفظه
في النهاية ((خرجوا من فهورهم)).
الثالث: قوله: ((مطلقا ... )) لم اجدها في كتب اللغة والغريب، وراجع مفردات
الراغب ليتبين لك كثرة الكلمات التي يطلق تفسيرها في كتب اللغة وحقها التقييد .
الرابع: كلمة (( خرجوا من)) ظاهرة في التقييد بالبنيان.
الخامس: أنه قد اختلف في تفسير الفهر فقيل: مدراس اليهود يجتمعون اليه في
عيدهم. وقيل يوم يأكلون فيه ويشربون، فقول القائل: البيت المبني بالحجارة
الكبار. حقه ان يعد قولاً آخر إن كان قائله ممن يعتد به كالشافعي، فإن بان ان
الصواب غيره دل ذلك على انه لم يعرف معنى الكلمة وانما قال باجتهاده وهذا لا
يدل على عدم فصاحته، فانه ليس من شرط الفصيح أن يعرف معاني جميع الألفاظ
العربية فقد كانت تخفى على بعض الصحابة معاني بعض الكلمات من القرآن
فيجتهدون ويقول كل منهم ما ظنه فيختلفون ويخطىء بعضهم وليس ذلك من عدم
الفصاحة في شيء، ويتأكد هذا اذا كانت الكلمة أصلها من غير لغة العرب كهذه،
فإنها نبطية أو عبرانية. ولا لوم على العربي الفصيح ان يخطىء في معرفة معنى كلمة
غير عربية، وقد قال بعض الفصحاء: ((لم تدر ما نسج البرندج بالضحى)) فزعم أن
البرندج ثوب ينسج، وقال آخر: ((ولم تذق من البقول الفستقا)) فزعم ان الفستق
بقل، ولذلك نظائر معروفة.
السابعة: قال: (( وصف الماء بالمالح مع ان الماء لا يوصف به وفي القرآن ﴿ ملح
أجاج﴾ وأما المالح فيوصف به نحو السمك)).
٦٣٥

أقول: المعروف عن الأصمعي ومن تبعه انه لا يقال لا في الماء ولا في السمك،
وذكر ابن السيد في (الاقتصاب) (ص ١١٦) ذلك، ثم نقضه بعدة حجج ثم قال:
((وحكى علي ابن حمزة عن بعض اللغويين انه يقال: ماء ملح فإذا وصف الشيء بما
فيه من الملوحة قلت: سمك مالح، وبقلة مالحة، قال ولا يقال: ماء مالح، لان الماء
هو المالح بعينه، وهذا قول غير معروف، وهو مع ذلك مخالف للقياس، لان صفة
الماء بانه مالح اقرب الى القياس من وصف السمك، لانهم قالوا: ملح الماء
وأملح، فأسندوا إليه الفعل كما يسند الى الفاعل ولم يقل أحد: ملح السمك. انما
قالوا: ملحتُ السمك إذا جعلت فيها الملح)). ثم قال: ((وانشد ابو زياد الأعرابي
قال أنشدني أعرابي فصيح:
وماء قوّ مالح وناقع)»
صبحن قوّا والحمام واقع
وفي (لسان العرب) عن ابن الاعرابي ((ماء أجاج ... وهو الماء المالح)) وعن
الجوهري (( ولا يقال: مالح، قال وقال ابو الدقيش: ماء مالح وملح)) ثم قال: ((قال
ابن بري: قد جاء المالح في اشعار الفصحاء ... وقال عمر بن أبي ربيعة:
ولو تفلَتْ في البحر والبحر مالح لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا
قال ابن بري: وجدت هذا البيت المنسوب إلى عمر بن أبي ربيعة في شعر الي
عيينة محمد ابن أبي صفرة ... ))
والحاصل ان قولهم: ماء مالح ـ ثابت عن العرب الفصحاء نصا، وثابت قياسا،
لكن اكثر ما يقولون: ملح - ولما غلب على السنة الناس في عصر الشافعي: مالح.
أتى بها الشافعي في كتبه لانه كان يتحرى التقريب الى افهام الناس كما يأتي عن
صاحبه الربيع، ومع هذا فقد شهد جماعة للشافعي بانه من الفصحاء الذين يحتج
بقولهم فيكون قوله حجة على صحة الكلمة، فان تنازلنا وسلمنا ان الشافعي مختلف
في فصاحته قلنا فالكلمة مختلف في صحتها، فحقها إن لم يقم دليل على صحتها ان
٦٣٦

لا يحتج على صحتها باستعمال الشافعي لها، ولا يطعن في فصاحته لاستعماله لها
للاختلاف في الامرين، فكيف اذ قام الدليل على صحة الكلمة من غير قوله، وقام
الدليل على فصاحته ؟!
الثامنة: قال: ((وقوله ثوب نسوي لفظة عامية)).
اقول: هذا أيضاً لم يذكر ما يثبته عن الشافعي، ثم إن كان نسبة الى النساء فهو
الصواب كما قال سيبويه وغيره، وإن كان نسبة إلى (نسا) وهي البلدة المعروفة فهو
القياس، وقول ياقوت: ((والنسبة الصحيحة اليها نسائي وقيل نسوي ايضاً وكان من
الواجب کسر النون)» فيه ما فيه.
التاسعة قال: ((وقوله: العَفريت - بالفتح - مما لم يقله احد)).
اقول: ولا قاله الشافعي فيما نعلم، ولو قاله لعددناها لغة لبعض العرب.
العاشرة: قال: ((وقوله: أَسْليت الكلب - بمعنى زجرته، خطأ صوابه أن ذلك
بمعنى أغريته كما قال ثعلب وغيره)).
أقول: لم يكف هذا الأنوك(١) أن كذب على الشافعي حتى كذب على ثعلب
وغيره، والموجود في كتب الشافعي استعماله بمعنى الإغراء، وثعلب إنما زعم أنه
بمعنى أن تدعوه إليك، قال: فأما الإغراء فإنما يقال: آسدته)). وصحح غيره مجيئه
من المعنيين.
العاشرة: قال: ((وقوله في ( مختصر المزني): وليست الأذنان من الوجه فيغسلان
- والصواب فيغسلا )).
أقول: عليه في هذا أمور:
الأول: أن النصب في مثل هذا مرجوع أو ممتنع وفي (الهمع)، (ج ٢
(١) أي الأحمق . ن.
٦٣٧

ص ١٢): ((وإن تقدمت جملة اسمية نحو: ما زيد قائم فيحدثنا - فأكثر النحويين
على أنه لا يجوز النصب لأن الإسمية لا تدل على المصدر)) وذهب طائفة إلى
جوازه، وقال أبو حيان: الصحيح الجواز بشرط أن يقوم مقام الفعل ظرف أو
مجرور ... فإن قيل: فإن ((ليس)) فعل، قلت: جامد لا يدل على المصدر، فأما
دلالتها على النفي فكدلالة ((ما)). بل قال جماعة: إن النصب بعد الفاء لا يجب بحال
قال الرضي في (شرح الكافية) (ج ٢ ص ٢٤٥): ((وقد يبقى ما بعد فاء السببية
على رفعه قليلاً كقوله تعالى: ﴿ولا يؤذن لهم يعتذرون) وقوله - ألم تسأل الربع
القِواء فينطق - وقوله - لم تدر ما جزع عليك فتجزع - جاء جميع هذا على الاصل
ومعنى الرفع فيه كمعنى النصب لو نصب ... جاز لك أن لا تصرف في المواضع
المذكورة إلى النصب اعتماداً على ظهور المعنى)). ومع هذا فقد جاء إهمال ((أن))
مضمرة وظاهرة، وعد ابن هشام من الأول قول الله عز وجل: ﴿أَفَغَيْرِ الله تأمُرُونّي
أَعْبُدُ﴾ (١) وقوله: ﴿وَمِن آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْق﴾(٢) ومن الثاني قراءة ابن محيصن:
﴿لمن أراد أَنْ يُّ الرّضاعة﴾ (٣) برفع الميم. وفي (الهمع) (ج ٢ ص ٣) ((قال
الرؤاسي من الكوفيين: فصحاء العرب ينصبون (بأن) وأخواتها الفعل، ودونهم قوم
يرفعون بها، ودونهم قوم يجزمون بها)).
الثاني: أن المزني لم يسبق عبارات الشافعي بنصها، فقد قال أول (المختصر )
((اختصرت هذا الكتاب من علم محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله ومن معنى
قوله لأقربه على من أراده)) وربما صرح بنسبة بعض ما ينقله عن الشافعي إلى بعض
كتبه المطبوعة في (الأم) فإذا قوبلت العبارتان وجدتا مختلفتين في اللفظ. فقول
المعترض ((وقوله ... )) يعني الشافعي - مجازفة.
الثالث: أن النساخ لم يزالوا من قديم الزمان يخطئون ويزيدون وينقصون
(١) الزمر (٦٤).
(٢) الروم (٢٤).
(٣) البقرة (٢٣٣).
٦٣٨

ويغيرون فنسبة عدم حذف النون إلى المزني يتوقف على وجودها في النسخة التي
بخطه أو على نص ثقة سمع منه أنه قالها.
الرابع: قول المعترض ((والصواب: فيغسلا)) لحن، والصواب ((فتغسلا)) وقد
قالوا في قول الشاعر ((ولا أرض أبقل إبقالها)) وقول الآخر: ((إن السماحة والشجاعة
ضمنا)) أنه ضرورة شعرية مع تأويل الأرض بالمكان، والسماحة والشجاعة بالجود
والبأس مثلاً، ولا ضرورة في النثر، ولا يسوغ بعد النص على التأنيث في قوله:
((ليست)) تأويل، ولا حمل على مذهب الكوفيين. ثم قال الكوثري: ((ولفظ الشافعي
إثبات النون، وحذفها من تصرف الطابع، وأمانته في العلم كأمانته ... )).
أقول: جزمه بأنه لفظ الشافعي مجازفة كما مر. وقوله: ((من تصرف الطابع ))
مجازفة أيضاً فهل وقف على الأصول المطبوع عنها، وهل علم أن حذفها من فعل
الطابع نفسه لا من اصلاح المصححين على ما ظهر لهم، والذي في خاتمة طبع (الأم)
و(المختصر) أن القائمين بالتصحيح مصححو دار الطباعة نصري بن محمد العادلي
ومحمد البلبيسي ومحمود حسن زناتي. ولم يذكر لصاحب العزة أحمد بك الحسيني إلا
أن الطبع على نفقته. ومع هذا فلم يزل المصححون ومنهم الاستاذ يصلحون ما
يجدونه في الأصول القلمية مما يرونه خطأ، والغالب في ما يطبع بمصر أن لا ينبه على
ما كان في الأصل، بناء على أن الخطأ من النساخ كما جرت عادتهم حتى في كتابة
القرآن. وقد وقفت على (منية الألمعي) للعلامة قاسم بن قطلوبغا الحنفي ومقدمة
الكوثري عليها وتصفحت ما فصله قاسم من الأغلاط الكثيرة التي كانت في نسخة
الزيلعي من كتابه (نصب الراية)، ومع ذلك أصلح الكوثري وأحبابه كثيراً منها في
الطبع بدون تنبيه، فعد الكوثري صنيعهم منقبة لهم قال: ((وفي عداد تعقبات العلامة
الحافظ قاسم أمور قد ينتبه إليه الفطن بنفسه لظهور أنها من قبيل سبق القلم فيوجد
بعض ما هو من هذا القبيل على الصحة في النسخة المطبوعة لأن الانتباه إلى الصواب
من فضل الله سبحانه؛ وفضل الله لا يكون وقفاً على أحد)) لكن عذر الأستاذ
واضح وهو أنه راض عن نفسه وأحبابه! ولذلك رأى التصرف في طبع (نصب
٦٣٩

الراية) من فضل الله سبحانه، وساخط على الحسيني لسعيه في طبع بعض كتب
الشافعي فهو مضطر إلى أن يتجنى عليه، ولعلنا لو لم ننبه على هذا لعدنا الأستاذ
من الأغبياء الذين لا يفرقون بين السخط والرضا. والله المستعان.
الحادية عشرة، والثانية عشرة - قال: ((وقوله: الواو للترتيب، والباء للتبعيض،
مما لا يعرفه أحد من أئمة اللسان بل الاولى للجمع مطلقاً، والثانية للإلصاق)).
أقول: جازف في النفي والإثبات، أما النفي فقد نقل القول بان الواو للترتيب
عن قطرب والربعي والفراء وثعلب وأبي عمر الزاهي كما في (المغني). ونقل القول
بأن الباء تجيء للتبعيض عن الأصمعي والفارسي والقتبي وابن مالك وعن الكوفيين
كما في (المغني) أيضاً. وأما الإثبات فلم يقل الشافعي قط أن الواو للترتيب ولا أن
الباء للتبعيض، ولا ما هو بين في هذا، وإنما بنى في الواو على قاعدة التقديم
والتأخير المتفق عليها وهي أن ما يسوغ في أصل التركيب تقديمه وتأخيره لا يقدم في
الكلام البليغ إلا لنكتة فإذا قال البليغ: ((ادع زيداً وبكراً))، فلم يقدم زيداً إلا
لنكتة فقد يقال الاصل تقديم ما حقه أن يقدم في الحكم وإنما يصح تقديم غيره
بشرطين: النكتة والقرينة، فمن قدم ولا نكتة ولا قرينة فقد أخطأ من وجهين، ومن
قدم مع وجود احداها فقط فقد أخطأ من ذلك الوجه، وهذا والله أعلم هو مراد
القائلين بأن الواو للترتيب، والفرق بينها وبين الفاء و(ثم) أن الواو وإن كانت
بمقتضى قاعدة التقديم والتأخير يقتضي الترتيب فذلك ظاهر يجوز خروجها عنه
النكتة بقرينة، والفاء و(ثم) للترتيب حتماً. وقد يقال بل التقديم في الحكم نكتة من
النكت فحيث كانت هناك نكتة أوضح منها مثل ((جاء الملك وكاتبه)) لم يفهم من
الواو إلا مطلق الجمع، وإلا فالظاهر الترتيب في الحكم، والشافعي رحمه الله إنما
تعرض لهذا في ترتيب الوضوء فنزع بالآية، ثم ذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
بدأ بما بدأ الله به، وأنه في السعي بدأ بالصفا وقال: ((نبدأ بما بدأ الله به))(١) وأنه
(١) أخرجه مسلم وغيره، واما لفظ ((ابدؤا ... )) فشاذ كما بينته في غير هذا الموضع. ن.
٦٤٠