النص المفهرس

صفحات 601-620

عليه ابن وارة ويثبته أبو داود، ويستشهد به البخاري، ويوثقه ابن حبان(١).
١٧٧ - فهد بن عوف أبو ربيعة، اسمه زيد ولقبه فهد. في (تاريخ بغداد)
(٤٠٦/١٣) من طريق ((إبراهيم بن راشد الأدمي قال: سمعت أبا ربيعة محمد (؟)
ابن عوف يقول: سمعت حماد بن سلمة .... )). قال الأستاذ (ص ١٢٩): ((وأبو
ربيعة فهد بن عوف، وقد كذبه ابن المديني)).
أقول: قال بن ابى حاتم: (( سمعت أبي يقول: ما رأيت بالبصرة أكيس ولا أحلى
من أبي ربيعة فهد بن عوف وكان ابن المديني يتكلم فيه ... قيل لأبي: ما تقول فيه؟
فقال: تعرف وتنكر، وحرك يده)). ثم ذكر عن أبي زرعة قصة حاصلها: أن أبا
اسحاق الطالقاني ورد البصرة فحدث من حديث ابن المبارك بحدیثین غریبین أحدهما
عن وهيب بسنده، والآخر عن حماد بن سلمة بسنده؛ فبعد مدة يسيرة حدث فيها
بالحديث الأول عن وهيب بن خالد بذاك السند ، والثاني عن حماد بن سلمة بسنده،
فرموا فهدا بسرقة الحديثين وأنه إنما سمعهما من الطالقاني عن ابن المبارك عن وهيب
وعن حماد فحدث بها عن وهیب وعن حماد، وغلط مع ذلك فروی الأول عن وهیب
ابن خالد، وإنما وهيب شيخ ابن المبارك وهيب بن الورد ؛ والحجة في رميه بسرقة
الحديث الثاني أنه حديث غريب لم يكن في كتب حماد بن سلمة ولا رواه عنه غير ابن
المبارك حتى حدث به الطالقاني عن ابن المبارك فوثب عليه فهد؛ وقد يحتمل في هذا
أن يكون فهد قد سمعه من حماد بن سلمة ثم غفل عنه فلما حدث به الطالقاني
واستفاده الناس وأعجبوا به فتش فهد في کتبه فوجده عنده عن حماد بن سلمة ولكن
في هذا الاحتمال بعد .
فأما الحديث الأول فالتهمة فيه أشد لأنه ليس من حديث وهيب بن خالد أصلاً
وإنما هو من حديث وهيب ابن الورد؛ ولا يخفى أنه ليس من الممتنع أن يكون
الحديث عند وهيب بن خالد أيضاً ولم يسمعه منه إلا فهد، لكن في هذا من البعد ما
فيه؛ فالظاهر أن هذين الحديثين هما، ولا سيما الأول بلية هذا الرجل ولأجل ذلك
(١) عيسى بن عامر. يأتي في ترجمة محمد بن الفضل.
٦٠١

/
كذبه ابن المديني وتكلم فيه غيره، لكن يظهر من كلمة أبي حاتم أنه متوقف، وقال ابن
أبي حاتم: ((قلت لأبي زرعة: يكتب حديثه؟ فقال: أصحاب الحديث ربما أراهم
يكتبونه)) وأسند إلى ابن معين أنه سئل عنه فقال: ((ليس لي به علم، لا أعرفه، لم
أكتب عنه)) وقد يبعد ان لا تكون القصة بلغت ابن
معين، ومع ذلك توقف؟ وقال العجلي: ((لا بأس به))؛ وذكره
ابن حبان في (الثقات) وقال: ((مات يوم الاثنين لأربع خلون
من المحرم سنة تسع عشرة ومائتين))، والذي يتجه أنه إن كان صرح في الحديث
الأول بسماعه من وهيب بن خالد فقد لزمته التهمة وإن لم يصرح وإنما رواه بصيغة
تحتمل التدليس، فقد يقال: لعله دلسه، ولكن يبقى أنهم لم يذكروه بالتدليس،
والمدلس إنما يسلم من الجرح بالتدليس إذا كان قد عرف عنه أنه یدلس، فإن ذلك
يكون قرينة تخلصه من أن يكون تدليسه كذباً، وقد يقال: كان جازماً بصحة
الخبرين عن وهيب وحماد فاستجاز تدليسهما وإن لم يكن قد عرف بالتدليس، وفي
هذا نظر. والله أعلم.
١٧٨ - القاسم بن حبيب. في (تاريخ بغداد) (٣٧٣/١٣) من طريق ((ابن
فضيل عن القاسم بن حبيب قال: وضعت نعلي في الحصى ثم قلت لأبي حنيفة : أرأيت
رجلاً صلى لهذه النعل حتى مات إلا انه يعرف الله بقلبه؟ فقال: مؤمن)) قال الأستاذ
(ص ٣٩): ((هو راوي حديث ذم القدرية والمرجئة عند الترمذي، وقال ابن معين:
ليس بشيء، ولفظ ابن أبي حاتم: ذكر أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين
أنه قال: القاسم بن حبيب الذي يحدث عن نزار بن حبان لا شيء له يعني حديث
المرجئة والقدرية عند الترمذي، وتوثيق ابن حيان لا يناهضه، بل الجرح مقدم)).
أقول: أفاد الاستاذ أن كلمة ابن معين مدارها على حديث المرجئة والقدرية،
وكلمة ابن معين تحتمل أوجهاً :
الأول: أن يكون قوله: ((الذي ... )) قصد به تمييز هذا الرجل عن آخر يقال له:
القاسم بن حبيب أيضاً. وهذا بعيد لأننا لا نعرف آخر يقال له: ((القاسم بن
حبیب )).
٦٠٢

الثاني: أن يكون أراد بقوله: ((الذي)) الحديث كأنه قال: ((حديثه الذي يحدث
به ... )) وهذا كأن فيه بعداً عن الظاهر.
الثالث: أن يكون ذلك إيجاء إلى العلة كأنه قال: ((لا شيء لأجل حديثه الذي
حدث به عن نزار)).
وقول الأستاذ: (( يعني حديث المرجئة والقدرية عند الترمذي)).
ظاهره أنه يحمل كلمة ابن معين على الوجه الثاني، وأياً ما كان فالمدار على ذاك
الحديث فإذا تبين أن القاسم بريء من عهدته، أو معذور فيه تبين أنه لا مطعن فيه،
فإنه يروي عن جماعة منهم عكرمة ومحمد بن كعب القرظي وسلمة بن كهيل وغيرهم،
ولم ينكر عليه خبر واحد إلا ذاك الخبر الذي رواه عن نزار، وحينئذ يصفو له توثيق
ابن حبان فلننظر في ذلك، نزار بن حبان لم يوثقه أحد وذكره ابن حبان في
(الضعفاء) وقال: (( يأتي عن عكرمة بما ليس من حديثه حتى يسبق إلى القلب أنه
المعتمد لذلك))؛ والقاسم إنما روى هذا الحديث عن نزار عن عكرمة فكأن ابن حبان
يشير إليه، والقاسم قد روى عن عكرمة كما مر فلو أراد الكذب لروى ذاك الحديث
عن عكرمة رأساً وربح العلو وشهادة نزار له، وقد تابع القاسم على رواية هذا الحديث
عن نزار ابنه علي بن نزار، وقال ابن معين في علي بن نزار: ((ليس حديثه بشيء))
لعله أراد هذا الحديث، وعلي بن نزار قد روى عن عكرمة فلو أراد الكذب لروى
هذا الحديث عن عكرمة رأساً ويربح العلو والشهادة لأبيه، وقال ابن عدي في ترجمة
علي في هذا الحديث ((أنكروه على علي وعلى والده))، ويؤخذ من (الميزان) أن
بعضهم رواه عن فضيل عن نزار وابنه عن عكرمة ولكن أشار الذهبي الى أن
المحفوظ: ((عن ابن فضيل عن القاسم بن حبيب وعلي بن نزار)) يعني كلاهما عن نزار
عن عكرمة كما في (سنن الترمذي) فالذي يتجه اتجاهاً واضحاً أن الحمل في هذا
الحديث على نزار له غنمه وعليه غرمه، وقد قال الترمذي بعد أن رواه من طريق
القاسم بن حبيب وعلي بن نزار عن نزار عن عكرمة: (( وفي الباب عن عمر وابن عمر
ورافع بن خديج وهذا حديث غريب حسن صحيح))، ثم قال عقبه: ((حدثنا محمود
٦٠٣

ابن رافع حدثنا محمد بن بشر حدثنا سلام بن أبي عمرة عن عكرمة عن ابن عباس عن
النبي عَّه ونحوه))، فهذا سلام بن أبي عمرة قد تابع نزاراً لكن تكلموا في سلام
فقال ابن معين: ((ليس بشيء))، وقال ابن حبان: ((يروي عن الثقات المقلوبات لا
يجوز الاحتجاج بخبره وهو الذي روى عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً: صنفان
من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية)) والترمذي يقول: إن الحديث
((حسن صحيح)) كما مر.
والذي يهمنا هنا شأن القاسم بن حبيب وقد تبين براءته من تبعة هذا الحديث
فارتفعت عنه كلمة ابن معين وصفا له توثيق ابن حبان، ومع هذا فحكايته التي
حكاها عن أبي حنيفة قد روى نحوها يحيى بن حمزة وهو ثقة وستأتي ترجمته، ولفظه:
((إن أبا حنيفة قال: لو أن رجلاً عبد هذه النعل يتقرب بها إلى الله لم أرَ بذلك بأساً))
ذكره الأستاذ (ص ٣٩) أيضاً، وهناك كلمات أخرى تلاقي هذا في المعنى، وقد
أشرت إلى الجواب الذي يرفع معرة تلك الكلمات عن أبي حنيفة في موضع آخر. والله
المستعان (١).
١٧٩ - القاسم بن عثمان. في (تاريخ بغداد) (٣٧٣/١٣): ((حدثنا أبو طالب
يحيى بن علي بن الطيب الدسكري لفظاً بحلوان أخبرنا أبو يعقوب يوسف بن ابراهيم
ابن موسى بن ابراهيم السھمي مجرجان حدثنا أبو شافع معبد بن جمعة الرویاتي حدثنا
أحمد بن هشام بن طويل قال: سمعت القاسم بن عثمان يقول: مر أبو حنيفة بسكران
يبول قائماً، فقال أبو حنيفة: لو بلت جالساً. قال: فنظر في وجهه وقال: ألا تمر یا
مرجىء؟ قال أبو حنيفة: هذا جزائي منك صيرت إيمانك كإيمان جبريل)). قال
الأستاذ (ص ٤١): ((صيغة القاسم بن عثمان الرحال صيغة انقطاع، وعنه يقول
العقيلي: لا يتابع [على] (٣) حديثه، ومعبد بن جمعة كذبه أبو زرعة الكشي، وفي
(١) القاسم بن أبي صالح راجع (الطليعة) (ص ١٣ - ١٤).
(٢) سقطت من الكوثري لا المصنف، واستدركتها من (الضعفاء) للعقيلي (٣٦٣)
و كذلك هو في (اللسان). ن .
٦٠٤

السند رجال مجاهيل، هكذا يكون المحفوظ عند الخطيب! والذي أخرجه الحافظ
أبو بشر الدولابي عن ابراهيم بن جنيد عن داود بن أمية المروزي قال: سمعت
عبدالمجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد يقول: جاء رجل إلى أبي حنيفة وهو سكران
فقال له: يامرجىء، فقال له أبو حنيفة: لولا أني أثبت لمثلك الايمان ما نسبتني إلى
الارجاء، ولولا أن الارجاء بدعة ما باليت أن أنسب إليه. إهـ. رواه ابن أبي العوام
عن الدولابي ... )).
أقول: قوله ((الرحال)) تبع فيه ابن حجر في (اللسان)، والمعروف أن القاسم
الرحال آخر اسم أبيه يزيد له ترجمة في (اللسان) أيضاً، وكلاهما يروي عن أنس،
وذكرهما ابن حبان في (الثقات) والقاسم بن عثمان الذي في (اللسان) تكلم فيه
البخاري والدارقطني ولم يتبين أنه هو الواقع في سند الحكاية، ومعبد بن جمعة لم يكذبه
الكشي بل وثقه كما يأتي في ترجمته، ويوسف بن ابراهيم السهمي موثق، والحكاية التي
ذكرها الأستاذ في كتاب ابن أبي العوام قد نظرت في بعض رجالها في (الطليعة)
(ص ٢٧ - ٢٨)، وعبد المجيد مرجىء متكلم فيه، ومع ذلك لا تنافي بين
الحكايتين، وقد جاء عن أبي حنيفة أشد من ذلك، والحنفية والاستاذ في آخرهم
يعترفون بأن أبا حنيفة يقول: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فإذا أثبت لذاك
السكران الإيمان فقد أثبت له أن إيمانه كإيمان جبريل وهم لا ينكرون هذا، فأي
وجه لإنكار الحكاية ؟
١٨٠ - القاسم بن محمد بن حميد المعمري. ذكر الأستاذ (ص ٦٢) ما روي في
ذبح الجعد بن درهم، ثم قال: ((والخبر على شيوعه وانتشاره وذيوعه غير ثابت لانفراد
القاسم بن محمد بن حميد المعمري بروايته ويقول عنه ابن معين: كذاب خبيث كما في
(ميزان الذهبي))».
أقول: عبارة (الميزان): ((وثقة قتيبة وقال يحيى بن معين: كذاب خبيث. قال
عثمان الدارمي: ليس هو كما قال يحيى، وأنا أدركته ببغداد))، وفي (التهذيب):
(( قال عثمان بن سعيد: سمعت ابن معين يقول: قاسم العمري کذاب خبيث. قال
٦٠٥

عثمان: وليس كما قال يحيى. ثم ذكر توثيق قتيبة له ثم قال: ((وذكره ابن حبان في
(الثقات)))، وذكره ابن أبي حاتم في كتابه (ج ٣ قسم ٢ ص ١١٩) وذكر مقاله
عثمان: (( سمعت يحيى بن معين يقول: قاسم المعمري خبيث كذاب. قال عثمان: وقد
أدركت قاساً المعمري، وليس كما قال يحيى)) وذكره البخاري في (تاريخه) (ج ٤
قسم ١ ص ١٥٨) فقال: ((سمع عبدالرحمن بن محمد بن حبيب روى عنه قتيبة))
وأخرج القصة من طريقه في كتاب (خلق أفعال العباد) ورواية البخاري من طريقه
تقويه كما مر في ترجمة أحمد بن عبدالله أبو عبدالرحمن، وأحسن ابن معين لم يتكلّ في
هذا وإنما تكلم في قاسم المعمري ولكن الدارمي خَطْرَفَ الكتابة أولاً ثم صحف ثم
رجع يخالف كما تقدمت الاشارة إليه في القاعدة السادسة.
ولعل الأستاذ يحرص على أن لا تصح قصة الجعد لتتوفر عليه الأولية مع أنه لا
منافاة! والله المستعان.
١٨١ - قطن بن ابراهيم. في (تاريخ بغداد) (٣٧٩/١٣) من طريق ((مسدد بن
قطن يقول: سمعت أبي يقول: سمعت يحيى بن عبدالحميد ... )) قال الأستاذ
(ص ٥٦): (( حدث بحديث إبراهيم بن طَهمان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر في
الدباغ فطالبوه بالأصل فأخرجه وقد كتبه على الحاشية فتركه مسلم بعد أن صار إليه
وكتب عنه جملة، وهو متهم بسرقة حديث حفص عن محمد بن عقيل)).
أقول: هو حديث واحد رواه محمد بن عقيل عن حفص عن عبدالله السلمي عن
ابراهيم بن طَهمان. وكان قطن قد سمع من حفص كثيراً، ثم ذكر محمد بن عقيل أن
قطناً سأله: أي حديث عندك من حديث إبراهيم بن طهمان أغرب؟ فذكر له هذا
الحديث؛ فذهب قطن فحدث به بالعراق عن حفص، فبلغ محمد بن عقيل فأنكر
ذلك وقال: ((لم يكن حفظ هذا الحديث - يعني عن حفص - إلا أنا ومحمود أخو
خشتام )) واتهم قطناً أنه سرقه منه. ثم حدث به قطن بنيسابور فطالبوه بالأصل
فدافعهم ثم أخرجه فرأوا الحديث مكتوباً على الحاشية فأنكروا ذلك، هذا حاصل
٦٠٦

القصة، وقطن مكثر عن حفص وغيره وقد قال الحاكم أبو أحمد: ((حدث بحديثين لم
يتابع عليهما، ويقال: دخل له حديث في حديث، وكان أحد الثقات النبلاء)) وذكره
ابن حبان في (الثقات) وقال: ((يخطىء أحياناً، يعتبر حديثه إذا حدث من كتابه))
وروى عنه أبو حاتم وأبو زرعة ومن عادة أبي زرعة أن لا يروي إلا عن ثقة كما في
(لسان الميزان) (ج ٢ ص ٤١٦)، وقال النسائي: ((فيه نظر)) ثم روى عنه في
(السنن). وقال الذهبي في (الميزان): ((صدوق)). فإذا كانت هذه حاله ولم ينقم
عليه مع إكثاره إلا ذاك الحديث فلعل الأولى أن يحمل على الغدر فلا يمتنع أن يكون
قد سمع الحديث من حفص ثم نسیه أو خفي عليه أنه يرغب أو طمع ان يدله محمد بن
عقیل علی حدیث غریب آخر ثم ذكره وتنبه لفردیته فرواه، وقد يكون کتبه بعد أن
سمعه في الحاشية، أو لا يكون أوّلاً ثم لما ذكر أنه سمعه أو عرف أنه غريب ألحقه في
الحاشية، وكان مع حفص في بلد واحد فلا مانع أن يكون سمع منه الحديث في غير
المجلس الذي سمع فيه محمد بن عقيل وصاحبه. وأهل الحديث جزاهم الله خيراً ربما
يشددون على الرجل وهم يرون أن له عذراً خشية أن يتساهل غيره طمعاً في أن
يعذروه كما عذروا ذاك. والله أعلم.
١٨٢ - قيس بن الربيع. في (تاريخ بغداد) (٤٠٥/١٣) (( ... سئل قيس بن
الربيع عن أبي حنيفة فقال: من أجهل الناس بما كان وأعلمه بما لم يكن )) ومن وجه
آخر: ((أنا مِن أعلم الناس به، كان أعلم الناس بما لم يكن وأجهلهم بما كان)) قال
الأستاذ (ص ١٢٦): ((تركه غير واحد وكان ابنه يأخذ أحاديث الناس فيدخلها
في كتابه فيرويها أبوه قيس بسلامة باطن )).
أقول: وثقه جماعة منهم سفيان الثوري وشعبة وأثنوا عليه بالعلم والفضل وتكلموا
في روايته، وليس ما هنا من روايته حتى ننظر فيها .
١٨٣ - مالك بن أنس الأصبحي الإمام. قال الأستاذ (ص ١٠٠) عند ذكر
الموالي: ((حتى إن مالكاً منهم عند الزهري ومحمد بن إسحاق)) وفي الحاشية (( حيث
قال البخاري ... بسنده إلى ابن شهاب الزهري: حدثني ابن أبي أنس مولى التيميين.
٦٠٧

وابن أبي أنس مالك هذا عم مالك بن أنس رضي الله عنه)).
أقول: كلمة ((مولى)» تطلق في لسان العرب على معاني مختلفة منها الحليف وذلك
معروف مشهور في كلامهم وأشعارهم وهو المراد هنا كما بينه مالك وغيره، وابن أبي
أنس الذي روى عنه الزهري هو نافع بن مالك بن أبي عامر وقال البخاري في
(تاريخه) في ترجمة نافع هذا: ((الأصبحي حليف بني تيم من قريش)) وقال في ترجمة
أبيه مالك بن أبي عامر: ((الأصبحي حليف عثمان بن عبيدالله التيمي)) وهكذا قال في
ترجمة مالك الإِمام، فأما ابن إسحاق فيظهر أنه إنما كان يطلق أن مالكاً مولى، يريد
أنه حليف ولكن يجب أن يوهم خلاف ذلك لكدورة كانت بينه وبين مالك.
ولا نلوم الأستاذ في التشبث بالشبهات فإنه أقام نفسه مقاماً يضطره إلى ذلك،
ولكننا كنا نودّ لو أعرض عن الشبهات التي قد سُبقَ اليها فحُلَّت والنحلَّت
واضمحلّت ، واقتصر على الشبهات الأبكار التي يجد لذة في اختراعها ، ويجد أهل
العلم لذة في اقتراعها !
وذكر الأستاذ (ص ١١٦) ما روي عن مالك أنه ذكر أبا حنيفة فقال: ((كاد
الدين كاد الدين)) قال الأستاذ: (( لست أدري كيف يرميه من يرميه بكيد الدين مع
أنه لم يكن متساهلاً في أمر الطهور، ولا متبرئاً من المسح على الخفين في رواية من
الروايات، ولا منقطعاً عن الجمعة والجماعات ... )) ذكر الأستاذ أموراً تنسب الى
مالك ليس فيها ما يداني ما عيب به غيره، بل ليس فيما يصح منها بحمد الله عز وجل
ما يسوغ لذي علم أن يذكره في معرض العيب وأشفها لزوم البيت وترك حضور
الجماعة، وقد روي عن مالك أنه قيل له في ذلك فقال: (( ليس كل الناس يقدر أن
يتكلم بعذره)) فعرف الناس أن له عذراً وعلموا أنه مؤتمن على دينه، كان ليمنعه من
ذلك إلا عذر شديد ، وقد يكون ذلك كراهية الصلاة خلف أمراء الجور ومثل هذا
العذر لو باح به بطشوا به وأفقدوا الأمة علمه وإمامته، وفي ذلك من الضرر على
الدين والأمة ما فيه.
٦٠٨

وقال الأستاذ (ص ٦٧): ((ذكر المبرد في كتاب (اللحنة) عن محمد بن القاسم
التمائمي عن الأصمعي قال: دخلت المدينة على مالك بن أنس فما هبت أحداً هيبتي له
فتكلم فلحن فقال: مطرنا البارحة مطراً أي مطراً. فخف في عيني فقلت ... فقال:
فكيف لو رأيتم ربيعة كنا نقول له: كيف أصبحت؟ فيقول: بخيراً، بخيراً.
أقول: هذه الحكاية منكرة عن الأصمعي فينظر من حكاها عن كتاب المبرد ،
وعلى فرض ثبوتها عن المبرد ففيه كلام معروف، ومحمد بن القاسم التمائمي لم أعرفه،
ولعله محمد بن القاسم اليمامي وهو أبو العيناء ، أصله من اليمامة ، وليس بثقة قد اعترف
بوضع الحديث، فما بالك بالحكايات. ومما يدل على بطلان هذه الحكاية أمور:
الأول: أن الأصمعي كان من أشد الناس توقيراً لأئمة السنة.
الثاني : أنه کان مبجلاً لمالك حتى روي عنه أنه کان یفتخر بأن مالكاً روى عنه.
الثالث: أن فيها قرن مالك بشيخه ربيعة وهذا يدل على تحري الطعن في علماء
المدينة، وليس ذلك دأب الأصمعي، إنما هو دأب أصحاب الرأي.
الرابع: أن اللحن الذي تضمنته الحكاية خارج عن المعتاد ، فإن العامة فضلاً عن
العلماء يقفون بالسكون. وهذا كله يدل على أن هذه الحكاية فرية قصد بها الغض من
علماء المدينة .
وقال الاستاذ (ص ١٠٦): (( ومالك هو القائل في أبي حنيفة ... عرقت مع أبي
حنيفة إنه لفقيه يا مصري، ... وهو الذي كان عنده عن أبي حنيفة فقط نحو ستين
ألف مسألة، كما رواه الطحاوي بسنده عن عبد العزيز الدراوردي ونقله مسعود بن
شيبة في ( كتاب التعليم) وكان يستفيد من كتب أبي حنيفة كما ذكره أبو العباس بن
أبي العوام بسنده ... وكان يذاكره العلم في المسجد النبوي كلما قدم كما ذكره الموفق
الخوارزمي وغيره)» ..
أقول: الحكاية الاولى لم يذكر سندها، والثانية منكرة، ولم يذكر سند الطحاوي،
ثم إن لم توجد إِلا في ( كتاب التعليم) فكتاب التعليم حديث خرافة كما بينته في
٦٠٩

(الطليعة) وغيرها ، والثالثة يعلم حالها من حال ابن أبي العوام وسنده، والرابعة يراجع
ما قد يفيدها في (مناقب أبي حنيفة) للموفق (ج ٢ ص ٣٣) - ليعرف ما في تلك
الأسانيد المظلمة، وليت الأستاذ جاء بخبر واحد قوي يمكنه أن يثبت قليلاً أمام
الأخبار التي يضج منها الأستاذ!
وقال الأستاذ (ص ١٠٥): ((وكان مالك صاحب القدح المعلى في الرأي ... وما
رده من الاحاديث التي رواها هو بأصح الاسانيد عنده في (الموطأ) ولم يعمل هو به
يزيد على سبعين حديثاً ... عن الليث بن سعد قال: أحصيت على مالك بن أنس
سبعين مسألة كلها مخالفة لسنة النبي عَظّ مما قال فيها مالك برأيه ... وما دونه أبو
العباس محمد بن إسحاق السراج الثقفي من مسائله البالغة سبعين ألفاً كما في (طبقات
الحفاظ) للذهبي (ج ٢ ص ٢٦٩) صريح في أنه كان من أهل الرأي ... )).
أقول: أما الأحاديث فقد توقف مالك عن الأخذ ببعضها، وليس ما توقف عنه
وقد رواه بأصح الأسانيد عنده في (الموطأ) بكثير كما زعم الأستاذ بدون أن يذكر
مستنداً، ومع ذلك فلم يرد مالك حديثاً واحدا بمحض الرأي، ولا ذكر له حديث
فقال: هذا سجع. أو: هذا رجز. أو: حك هذا بذنب خنزير، أو نحو ذلك من
الكلمات المروية عن غيره، بل اشتهر عنه قوله: (( ما من أحد إلا ويؤخذ من كلامه
ويترك إلا صاحب هذا القبر)) يعني النبي ◌َّه. وقوله: ((إنما أنا بشر أخطىء.
واصيب فانظروا في رأيي فما وافق السنة فخذوا به))(١). وكان يأخذ بالرأي عند
الضرورة، وجاء عنه من وجوه أنه كان يسأل عن مسائل فيجيب عن بعضها ويدع
سائرها، ولو جاءه رجل فقال: جئتك بمائة مسألة لبادر إلى الأمر بإخراجه فكيف
يقاس إلى من قيل له: ((جئتك بمائة ألف مسألة)) فقال: (( هاتها)) فأما ما حكي عن
الليث فالأفهام في السنة تختلف، يختلف العالمان في فهم الحديث أو في ترجيح أحد
الحديثين على الآخر، فيرى كل منهما أن قول صاحبه مخالف للسنة، وقصة سبعين ألف
(١) انظر تخريج هذين الاثرين عن مالك وما في معناه عن سائر الأئمة في مقدمة كتابنا
(( صفة صلاة النبي ێ )). ن.
٦١٠

مسألة حكاها الذهبي بقوله: ((وعن السراج ... )) ولا ندري كيف سندها إلى
السراج، ومع ذلك فقول الأستاذ ((صريح في أنه كان من أهل الرأي)) مجازفة
وهذه كتب الظاهرية موجودة فليتصفحها الأستاذ وليحصل المسائل التي فيها ليعلم
بطلان ما زعمه من الصراحة، وأوضح من هذا أن الظاهرية وأهل الحديث يجيبون
عن كل مسألة حدثت أو تحدث وذلك يزيد عن سبعين ألفاً مضروبة في مثلها بدون
أن يكونوا من أهل الرأي، وخاصةُ أهل الرأي هي الرغبة عن العناية بالسنة استغناء
الرأي، ورد السنن الصحيحة بمحض الرأي، ومالك رحمه الله تعالى بريء من هذا.
قال أبو مصعب عن مالك: ((ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك،
وقال حرملة عن الشافعي: ((مالك حجة الله على خلقه بعد التابعين)) واتفق الشافعي
ومحمد بن الحسن على أن مالكاً أعلم من أبي حنيفة بالكتاب والسنة وآثار الصحابة،
وقال ابن عيينة وعبد الرزاق في حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((يوشك أن يضرب
الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أعلم من عالم المدينة))(١). هو مالك. وما
روي عن ابن عيينة أنه قال مرة: هو العمري العابد لا وجه له لأن العمري العابد
وهو عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر - لم يشتهر بالعلم -
بالمعنى المعروف، بل لم يعرف به، بل قال ابن حبان: ((لعل كل شيء حدَّثَ في
الدنيا لا يكون أربعة أحاديث))، وليس له في الأمهات الست ولا في الكتب
الأخرى لأصحابها التي أخذ رجالها في (التهذيب) إلا حديث واحد مرسل في
(مراسيل أبي داود) ولم تضرب إليه أكباد الإبل، بل لعله لم يرحل إليه بعير
واحد، وإنما كان هو رحمه الله يخرج إلى البراري لتعليم الأعراب ضروريات الدين
فكيف ينطبق عليه هذا الحديث؟ فأما انطباقه على مالك فكالشمس وضوحاً، ولم
يثبت في فضل غيره من الأئمة ما يظهر انطباقه مثل هذا الظهور ولا قريباً منه.
والله الموفق.
(١) قلت: هذا الحديث أخرجه الترمذي وابن حبان والحاكم وصححوه، وفيه نظر بينته في
تعليقي على ((الأحكام الكبرى)) لعبد الحق الاشبيلي رقم الحديث (٧٦) وذكرت له
هناك شاهداً .
٦١١

١٨٤ - محبوب بن موسى أبو صالح الفراء، جاءت من طريقة روايات تقدم
بعضها في ترجمة عبدالله بن الزبير الحميدي وبعضها في ترجمة عثمان بن سعيد
الدارمي. قال الأستاذ (ص ١٧)؛ ((صاحب تلك الحكايات التالفة الذي يقول عنه
أبو داود: لا تقبل حكاياته إلا من كتاب)).
أقول لفظ أبي داود ((ثقة لا يلتفت إلى حكاياته إلا من كتاب)) كما تقدم في
(الطليعة) (ص ٧٣). فقوله: ((ثقة)) يدفع عنه الكذب والمجازفة والتساهل الفادح
ويعين أن المقصود أنه كان لا يتقن حفظ الحكايات كما يحفظ الحديث فكان إذا
حكاها من حفظه يخطىء، فلا يحتج من حكاياته إلا بما رواه من كتابه أو توبع عليه
أوْ ليس بمظنة للخطأ. وقد قال العجلي: ((ثقة صاحب سنة)) وقال ابن حبان في
(الثقات): ((متقن فاضل)) وقال أبو حاتم ((هو أحب إلي من المسيب بن واضح).
١٨٥ - محمد بن إبراهيم بن جناد المنقري. في (تاريخ بغداد) (٤١٤/١٣) من
طريقه قال: ((حدثنا أبو بكر الأعين حدثنا إبراهيم بن شماس قال: سمعت ابن
المبارك يقول: اضربوا على حديث أبي حنيفة)) قال الأستاذ (ص ١٥٠)
(( لم يوثقه غير ابن خراش ولعله كان على مذهبه)).
أقول: قد روى عنه موسى بن هارون الحمال الحافظ الجليل وغيره ولم يغمزه
أحد، وقال ابن خراش ((ثقة مأمون)) وقد توبع على هذه الحكاية وجاء معناها من
وجوه، وقال ابن حبان في ترجمة إبراهيم بن شماس من (الثقات): ((سمعت عمر بن
محمد البحيري يقول: سمعت محمد بن سهل بن عسكر يقول: سمعت إبراهيم بن
شماس يقول: رأيت ابن المبارك يقرأ كتاباً على الناس في الثغر، وكلما مر على ذلك
أبي حنيفة قال: اضربوا عليه، وهو آخر كتاب قرأ على الناس، ثم مات))، وقال أبو
حاتم في ترجمة النعمان: ((تركه ابن المبارك بأخرة)) ومع تضافر الروايات بذلك
حاول الاستاذ (ص ١٢٤ وص ١٥٠) أن يدفعه فذكر أوجهاً:
أحدها أن ابن مهدي لما أنشد مرئية أبي تميلة لابن المبارك فبلغ المنشد قوله:
٦١٢
.

حين يؤتى مقايس النعمان
وبراي النعمان كنت بصيراً
قاطعه قائلاً: ((اسكت فقد أفسدت الشعر، وليس لابن المبارك ذنب بالعراق
غير روايته عن أبي حنيفة)) قال الاستاذ: ((ولو كان ابن مهدي يعلم أنه رجع عن
الرواية عن أبي حنيفة لصارحه بذلك، ومثله في انحرافه عن أبي حنيفة واهتمامه بابن
المبارك جدير بان يعلم رجوعه لو كان رجع؛ وكذلك لو صح رجوع ابن المبارك
عن الأخذ والرواية عن أبي حنيفة ما صح لأبي تميلة أن يمدحه في مرثيته بكونه
بصيراً برأي النعمان، وأهل بلدة الرجل أعرف بأحواله)).
الثاني: أن في (مسانيد أبي حنيفة) أحاديث كثيرة من طريق ابن المبارك عنه.
الثالث: كثرة ما يروى من ثناء ابن المبارك على أبي حنيفة.
أقول: أما الوجه الأول فلا يخفى وهنه، فإن ترك ابن المبارك الرواية عن أبي
حنيفة كان في أواخر عمره كما صرحت به الروايات فقد لا يكون ذلك بلغ ابن
مهدي حين أنشد المرئية، وقد يكون بلغه، ولكنه رأي أن الرواية قد وقعت، ووقع
ما يترتب عليها من المفسدة، وتركها بأخرة لا يمحو تلك المفسدة، ولم يكن المنشد
في مقام الاحتجاج بأن ابن المبارك كان يروي عن أبي حنيفة حتى يحتاج ابن مهدي
إلى أن يقول له: قد تركه بأخرة، وإنما سمع شعراً فأنشده. وأبو تُميلة لم يثن على
ابن المبارك بأنه كان يروي عن أبي حنيفة، وإِنما أثنى عليه بأنه كان بصيراً برأيه،
والبصر بالرأي فضيلة على كل حال لا يعاب بها أحد، وإنما يعاب الرغبة عن السنة
وردها بالرأي، وكان ابن المبارك بحمد الله عز وجل بريئاً من ذلك أولاً وآخراً،
وأما أن أهل بلدة الرجل أعرف بأحواله فلا يجدي شيئاً لأن أبا تميلة لم يشر أدنى
إشارة إلى نفي الترك، ولو أشار أو صرح لم يكن في ذلك ما يدفع رواية المثبتين
ومنهم من كان أخص بابن المبارك من أبي تُميلة كالحسن بن الربيع الذي غمَّض
ابن المبارك عند موته؛ وأما مسانيد (أبي حنيفة) فقد تقدم الكلام فيها في ترجمة
الجراح بن منهال، فان صح عن ابن المبارك شيء من روايته عن أبي حنيفة فهو مما
٦١٣

رواه سابقاً، فإنه لا يلزم من تركه الرواية عنه بأخرة أن يمحي ما رواه سابقاً من
الصدور والدفاتر، ولا يتحتم على من بلغه الترك بأخرة أن لا يروي ما سمعه سابقاً،
وأما ما يروى عن ابن المبارك من الثناء فحاله تعرف بالنظر في أسانيده ومتونه
كتلك الأ بيات السخيفة التي يلهج بها الحنفية ومنهم الأستاذ، وقت لم يتورعوا عن
الكذب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مناقب إمامهم كيف يستبعد منهم
الكذب على ابن المبارك؟ فإن قوي شيء من تلك الروايات فليوازن بينه وبين
روايات الذم، على أنه لا مانع من أن يثنى على رجل لمعنى، ويذم لمعنى آخر، بل
هذا موجود بكثرة(١) .
١٨٦ - محمد بن أحمد بن الحسن بن القاسم بن الغطريف أبو أحمد الجرجاني
الغطريفي الحافظ، في (تاريخ بغداد) (٣٢٥/١٣) ((أخبرنا أبو نعيم الحافظ حدثنا
أبو أحمد الغطريفي قال سمعت الساجي ... )) قال الأستاذ (ص ١٨): ((صاحب مناكير
وقد أنكروا عليه حديثه في إهداء الرسول عَ لَّه جملاً لأبي جهل، وكان يزعم
أن فلاناً وفلاناً أفاداه من غير أن يخرج أصله، وأنكروا عليه أيضاً تحديثه
بـ (مسند ابن راهويه) من غير أصله، وقد تفرد عن أبي العباس بن سريج
بأحاديث لم يروها عنه غيره، وقد ذكره ابن الصلاح في عداد المختلطين ومع ذلك
يبقى هو وأبو نعيم والخطيب مقبولين مرضيين عند أهل مذهبهم)).
أقول: قوله: ((صاحب مناكير)) لم يقلها أحد، ولا في كلامهم ما يعطي ذلك
كما سترى. أما حديث الجمل ففي (الموطأ) في ((المناسك)) ((باب ما يجوز من
الهدي)): ((مالك(٢) عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن رسول
الله عَ المِ أهدى جملاً كان لأبي جهل ابن هشام في حج أو عمره)) وهكذا رواه
(١) محمد بن احمد بن ابراهيم الحكيمي راجع (الطليعة) (ص: ٤٤).
(٢) زاد في ((المنتقى)) للباجي و(الموطأ) المطبوع على حاشيته: ((عن نافع))، والحديث في
( سنن البيهقي) (ج ٥ ص ٢٣٠) وعدة كتب اخرى بدون هذه الزيادة .
٦١٤

الناس عن مالك حتى رواه سويد بن سعيد عن مالك فقال: ((عن الزهري عن أنس
عن أبي بكر أن النبي مَ له ... )) فأنكر على سويد حتى قال ابن معين لما ذكر له
هذا: ((لو أن عندي فرساً خرجت أغزوه)) وممن رواه عن سويد أحمد بن الحسن
ابن عبد الجبار الصوفي، فاستنكره الناس فأبرز الصوفي أصله العتيق، ثم تبين أن جماعة
رووه عن سويد كذلك. ثم رواه الغِطريفي، إما عن الصوفي كما يظهر من بعض
العبارات، وإما عن ابن صاعد وابن مظاهر عن الصوفي كما يظهر من بعضها. قال
حمزة السهمي في ترجمة الغطريفي من (تاريخ جرجان) (ص ٣٨٧): ((وقد أنكروا
على أبي أحمد الغطريفي رحمه الله حيث روى حديث مالك ... وكان يذكر أن ابن
صاعد وابن مظاهر أفاداه عن الصوفي هذا الحديث ولا يبعد ان يكون قد سمع،
إلا أنه لم يخرج أصله، وقد حدث غير واحد من المتقدمين والمتأخرين هذا الحديث
عن الصوفي ... )) وفي (تاريخ بغداد) (ج ٤ ص ٨٣): ((أخبرنا البرقاني قال:
سألت أبا بكر الإسماعيلي عن حديث الصوفي ... أهدى رسول الله عَ لِ جملاً لأبي
جهل؟ فقال لي: حدثناه بحضرة ابن صاعد وابن مظاهر فاختلفا فيه ... فأخرج
الصوفي أصله العتيق فكان كما قال. قال البرقاني: وحدثناه عن الصوفي أيضاً أبو
أحمد الغطريفي كذلك وذكر القصة نحو هذا)). والإسماعيلي إمام، وكذلك
البرقاني، وكان الغطريفي رفيق الإسماعيلي في الطلب ثم كان نازلاً في بيته، وروى
عنه الإسماعيلي في (الصحيح) أحاديث كثيرة، وسئل عنه فقال: (( ما علمته إلا
صواماً قواماً)). وكأن الذين أنكروا عليه الحديث توهموا أنه تفرد به، وقد اتضح
خطأهم في ذلك. فأما عدم إبرازه أصله فلا يضره، إذ قد يكون قصر فلم يكتبه،
أو كتبه وغاب عنه أصله، أو لم يعثر عليه حينئذ فإنه كان مكثراً جداً وأما تحديثه
بـ (مسند إسحاق) من غير أصله، فمسند إسحاق كتاب مصنف محفوظ مرويّ،
فإذا لم يصل إلى أصله الذي سمع فيه ووصل إلى نسخة أخرى يثق بمطابقتها لأصله
لم يكن عليه حرج في ذلك، وإنما المحذور أن يحدث الرجل من كتاب لا يثق
بمطابقته لأصله. وأما أحاديثه عن ابن سريج فإنما قال حمزة: ((لا أعلم روى عنه
غيره)) يعني تلك الأحاديث، لم يستنكر حمزة شيئاً منها وابن سريج كان بابه الفقه،
٦١٥

ولم يكن يبذل نفسه لإملاء الحديث، وكان الغطريفي مولعاً بالإكثار واستيعاب ما
عند الشيخ كما في ترجمته من (تذكرة الحفاظ): (( سمع أبا خليفة حتى استوعب ما
عنده)) فكأنه ألح على ابن سريج حتى أخذ ما عنده ولم يكن غيره يحرص على السماع
من ابن سريج لأنه لم يكن مكثراً من الحديث ولا متجرداً له ولا عالي الاسناد ، فإنه
مات وعمره بضع وخمسون سنة، على أنه يحتمل أن يكون غير الغطريفي قد روى
عن ابن سريج تلك الأحاديث ولم يعلم حمزة. وأما حكاية الاختلاط فقد ردها
العراقي وذكر أن المختلط رجل آخر غير الغطريفي. ولو كان هناك اختلاط أو
شبهة لتعرض له حمزة في (تاريخ جرجان) فإنه بلدي الغطريفي وصاحبه وقد جمع
كلَّ ما قيل فيه. وقد اتضح أنه ليس فيما تجنوه على الغطريفي ما يضره، وقال
الذهبي في (الميزان) بعد حكاية ما قيل: ((قلت: ثقة ثبت من كبار حفاظ زمانه)).
وقال في (تذكرة الحفاظ): ((الحافظ المتقن الإِمام ... من علماء المحدثين ومتقنيهم،
صوَّاماً قوَّاماً صالحاً ثقة))(١)(٢).
١٨٧ - محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رزق، یعرف بابن رزق وبأبي رزقوية،
قال الأستاذ (ص ٣٢): ((إنما لازمه الخطيب بعد أن هرم وكف بصره، والكفيف لا
يؤخذ عنه إلا ما يحفظه عن ظهر القلب ... والإكثار عن مثل هذا الضرير لا يصدر
إلا من المتساهلين ... )).
أقول: قد حقق الخطيب نفسه هذه القضية في (الكفاية) (ص ٢٢٦ - ٢٢٩
وص ٢٥٨ - ٢٥٩) وذكر هنالك من كان يروي من كتبه بعدما عمي، ومنهم
يزيد بن هارون، وأبو معاوية محمد بن خازم، وعبد الرزاق، والذين حكى عنهم المنع
من ذلك اعتلوا بخشية أن يزاد في كتاب الأعمى وهو لا يدري. وغيرهم يقول:
(١) هذه ترجمة العطريفي وقد مرت ترجمة أبي نعيم والخطيب فوازن بين ما صح من
احوالهم وما قيل في غيرهم من المرضيين عند الحنفية
(٢) محمد بن احمد بن سهل. راجع (الطليعة) (ص ٢٤).
٦١٦

المدار في هذا الأمر على الوثوق، فإِذا كان الضرير واثقاً بحفظ كتابه ثم قرأ عليه منه
ثقة مأمون متيقظ فقد حصل الوثوق، وقد استغنى أهل العلم منذ قرون بالوثوق
بصحة النسخة، فمن وثق بصحة نسخة كان له أن يحتج بما فيها كما يحتج به لو
سمعه من مؤلف الكتاب.
والخطيب كما يعلم من (تاريخه) غاية في المعرفة والتيقظ والاحتياط، فإِذا وثق
بأن كتب ابن رزق محفوظة ثم دفع إليه ابن رزق كتاباً منها فرأى سماعه فيه
صحيحاً وعلم أنه قد رواه مراراً قبل عماه فقد حق له أن يحتج بما يجد فيه وإن لم
يقرأه هو أو غيره بحضرته على ابن رزق، فكيف إذا وفى الحجة بقراءته عليه؟ بل
إذا تدبرت علمت أن الوثوق بهذا أمتن من الوثوق بما يرويه الرجل من حفظه فإن
الحفظ خوان. وقد رأيت في (تاريخه) (ج ٩ ص ٣٠٩): ((دفع إلي ابن رزق
أصل كتابه الذي سمعه من مكرم بن أحمد القاضي فنقلت منه، ثم أخبرنا الأزهري
أخبرنا عبدالله بن عثمان أخبرنا مكرم ... )) فذكر خبراً؛ وهذا مما يبين تحري
الخطيب وتثبته. وفوق ذلك فعامة ما رواه الخطيب عن ابن رزق في ترجمة أبي
حنيفة إنما هو من كتاب مصنف للأبار، وجل الاعتماد في مثل هذا على صحة
النسخة كما تقدم في ترجمة الحسن بن الحسين.
١٨٨ - محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر الأدمي. في (تاريخ بغداد)
(٤٠٥/١٣): أخبرنا البرقاني حدثني محمد بن أحمد بن محمد الأدمي حدثنا محمد بن
علي الإِبادي حدثنا زكريا بن يحيى الساجي حدثنا بعض أصحابنا قال: قال ابن
إدريس: إني لأشتهى من الدنيا أن يخرج من الكوفة قول أبي حنيفة وشرب المسكر
وقراءة حمزة)). قال الأستاذ (ص ١٢٧): ((ترى البَرْقَاني يصف نفسه في صف
هؤلاء فيروي عن مثل الأدمي ... راوي (العلل) للساجي، وهو لم يكن صدوقاً، يسمع
لنفسه في كتب لم يسمعها، وكان بذيء اللسان كما سبق من الخطيب ... وواضع
الحكاية على لسان ابن إدريس، وقح قليل الدين يجمع بين شرب المسكر وبين الفقه
والقراءة المتواترة)).
٦١٧

أقول: لفظ الخطيب في ترجمة الأدمي (ج ١ ص ٣٤٩): ((قال لي أبو طاهر
حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق: لم يكن الأدمي هذا صدوقاً في الحديث، كان يسمع
لنفسه في كتب لم يسمعها؛ فسألت البرقاني عن الأدمي فقال لي: ما علمت إلا
خيراً، وكان شيخاً قديماً ... غير أنه كان يطلق لسانه في الناس ويتكلم في ابن مظفر
والدارقطني)). فعدم التفات البرقاني إلى كلام حمزة يدل على أنه لم يعتد به لأن حمزة
لم يبين أي كتاب ألحق الأدمي سماعه فيه ولم يسمعه، ومن أين علم حمزة أنه لم
يسمعه؟ وقول البرقاني: ((غير أنه كان يطلق لسانه ... )) كأنه قصد بها أن الأدمي
كان يتكلم في الناس فتكلم بعضهم فيه ومثل هذا يقع فيه التجوز والتسامح فلا يعتد
به إلا مفسراً محققاً مثبتاً. ومع هذا فالخبر في كتاب (العلل) للساجي ولم يكن
البرقاني ليسمع الكتاب من الأدمي حتى يثق بصحة سماعه له وبصحة النسخة، فهب
أن البرقاني أو الخطيب قال: ((قال الساجي في (العلل) ... )) ألا يكفي هذا للحجة؟
وقد كان يكفي الأستاذ أن يقول: شيخ الساجي لا يُدرى من هو. ولكنه يأبى إلا
التطويل والتهويل، وزعمه أن الحكاية موضوعة مجازفة منه، وكلام أئمة السنة في
ذلك العصر في قول أبي حنيفة متواتر حق التواتر، وكلام جماعة منهم في قراءة
حمزة مشهور، والقرآن متواتر حقاً، فأما وجوه الادا التي تفرد بها حمزة فالائمة
الذين أنكروها لا يعلمون صحتها فكيف تواترها؟ وراجع ترجمة حمزة في
الميزان) (١) .
١٨٩ - محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن
عبد يزيد بن هشام بن المطلب بن عبد مناف القرشي المطّلبي الشافعي أبو عبدالله.
هكذا نسبه صاحبه الربيع كما في صدر كتابه (الرسالة)، وأسنده إليه الخطيب في
(تاريخ بغداد) والسند إليه بغاية الصحة. وهكذا نسبه صاحبه الزعفراني كما تراه
عنه من وجهين في (توالي التأسيس) (ص ٤٤)؛ وهكذا نسب الإمام أبو محمد
(١) محمد بن احمد التميمي. يأتي في ترجمة محمد بن علي البلخي ان شاء الله تعالى.
٦١٨

عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في ( كتابه) (ج ٣ ص٢٠١)؛ وهكذا نسبه أحمد
ابن محمد بن عبيدالعدوي النسابة رواه عنه زكريا الساجي في (مناقب الشافعي) كما
في (توالي التأسيس) أيضاً و(تاريخ بغداد). وقال ابن النديم في (الفهرست)
(ص ٢٩٤): ((قرأت بخط أبي القاسم الحجازي في كتاب (الأخبار الداخلة في
التاريخ) أنه أبو عبدالله محمد بن إدريس من ولد شافع بن السائب بن عبيد ... ))،
كما مر.
وقال أبو عمر بن عبد البر في (الانتقاء) (ص ٦٦): لا خلاف علمته بين أهل
العلم والمعرفة بأيام الناس من أهل السير والعلم بالخبر والمعرفة بأنساب قريش وغيرها
من العرب وأهل الحديث والفقه أن الفقيه الشافعي رضي الله عنه هو محمد بن
إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد ... )) كما مر؛ وقال ابن
أبي حاتم في (كتابه): ((حدثني أبو بشر بن أحمد بن حماد الدولابي نا أبو بكر بن
إدريس قال: سمعت الحميدي يقول: كان أحمد بن حنبل قد أقام عندنا بمكة على
سفيان بن عيينة فقال لي ذات يوم: ههنا رجل من قريش له بيان ومعرفة، قلت:
ومن هو؟ قال: محمد بن إدريس الشافعي، - وكان أحمد بن حنبل قد جالسه
بالعراق - فلم يزل بي حتى اجتَرَّني إليه، فجلسنا إليه ودارت مسائل، فلما قمنا قال
لي أحمد بن حنبل: كيف رأيت؟ ألا ترضى أن يكون رجل من قريش له هذه
المعرفة وهذا البيان؟ ... )). الدولابي حافظ حنفي فيه مقال، ومثله لا يتهم في هذا،
وشيخه هو وراق الحميدي ثقة، والحميدي قرشي إمام.
وفي أوائل (سنن الشافعي) التي رواها الطحاوي عن المزني صاحب الشافعي
بسندين إلى الطحاوي قال: ((حدثنا ... المزني في ذي القعدة من سنة ٢٥٢ قراءة منه
علينا قال: حدثنا الإمام أبو عبدالله محمد بن إدريس المطّلبي الشافعي ... )) والذين
ذكروا الشافعي وأثنوا عليه بأنه قرشي أو مطلبي من أقرانه والذين يلونهم كثير،
وقد جاء عنه أنه لما حمل إلى بغداد ناظر محمد بن الحسن فاستعلى عليه فبلغ ذلك
هارون الرشيد فأعجبه وقال: ((صدق الله ورسوله، قال رسول الله مَ له : تعلَّموا من
٦١٩

قريش ولا تُعلِموها، وقدموا قريشاً ولا تؤخروها ... ))(١) كما في (توالي التأسيس)
(ص ٧٠)؛ وفيها (ص ٤٧) من وجه آخر عن الربيع بن سليمان صاحب
الشافعي: ((ناظر الشافعي محمد بن الحسن فبلغ الرشيد فقال: أما علم محمد أن النبي
عَ لِّ قال: قدموا قريشاً فإن علم العالم منهم يسع طباق الأرض)). وفيها
(ص ٦٠): ((وقال أبو عبدالله محمد بن إبراهيم البوشنجي وهو من كبار الأئمة:
تصفحنا أخبار الناس فلم نجد بعد الصدر الأول من هذه الأمة أوضح شأناً، ولا
أبين بياناً، ولا أفصح لساناً من الشافعي مع قرابته من رسول الله مَّهِ)) وقال بعد
قليل: ((وقال داود بن علي الاصبهاني فيما أخرجه البيهقي من طريقه قال: اجتمع
للشافعي من الفضائل ما لم يجتمع لغيره، فأول ذلك شرف نسبه ومنصبه وأنه من
رهط النبي ◌َ ◌ِّ)). وفيها (ص ٦١): ((وأخرج الحاكم من طريق داود بن علي قال
في مسألة ذكرها: هذا قول مطلبينا الشافعي الذي علاهم بنكته، وقهرهم بأدلته،
وباينهم بشهامته، وظهر عليهم بحمازته، التقي في دينه، النقي في حسبه، الفاضل في
نفسه، المتمسك بكتاب ربه، المقتدي قدوة رسوله، الماحي لآثار أهل البدع،
الذاهب بجمرتهم، الطامس لسنتهم، فأصبحوا كما قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ هَشياً
تَذْروُهُ الرِّيَاحِ وكان اللهُ على كلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ (٢) ومثل هذا من الثناء عليه بأنه
قرشي أو مُطَّلبي، أو من رهط النبي صلى الله عليه وآله وسلم کثیر، وهذا ابن دريد
يقول في مرثيته:
لرأى ابن إدريس ابن عم محمد ضياء إذا ما أظلم الخطب صادع
وفي (تاريخ البخاري) (ج ١ قسم ١ ص ٢٤٢): ((محمد بن مسافع بن
مساور ... وقال سعيد بن سليمان: محمد بن شافع بن السائب بن عبد يزيد بن هاشم
ابن المطلب بن عبد مناف)) وذكروا في الصحابة عبدالله بن السائب بن عبيد بن
عبد يزيد بن هشام بن المطلب. وفي (توالي التأسيس) (ص ٥): ((أخرج الحاكم
(١) قلت: هو حديث صحيح بمجموع طرقه، وقد خرجتها في (الارواء) (٥١٢). ن.
(٢) الكهف (٤٥).
٦٢٠