النص المفهرس

صفحات 541-560

من طريق ((أحمد بن خالد الخلال: سمعت الشافعي يقول: سئل مالك ... قيل له:
فأبو حنيفة؟ قال: لو جاء الى أساطينكم هذه - يعني السواري - فقايسكم على
أنها من خشب لظننتم أنها خشب)).
الثالث: أن ابن أبي حاتم مع اعترافه بأنه يجهل علم الكلام كما في (الأسماء
والصفات) (ص ٢٩٦) يدخل في مضايق علم أصول الدين مباعداً التفويض والتنزيه
كما يعلم من كتابه (الرد على الجهمية) ويقول: بأن قول ((لفظي بالقرآن مخلوق))
كفر مخرج عن الملة.
الرابع: أنه روى عن ابراهيم بن يعقوب الجوزجاني ما فيه غض من أبي حنيفة مع
علمه بانحراف الجوزجاني عن أهل الكوفة.
الخامس: قال الأستاذ: ((لو كشفنا الستار عما ينطوي ابن أبي حاتم عليه من
الإعتقاد الردي. الحامل له على عِداء اهل الحق لطال بنا الكلام فلنكتف بهذه
الإشارة، ليعلم أنه لا يؤخذ منه إلا فنه فيما لا يكون مثار تعصبه)).
أقول: أما حكاية ابن أبي سريج عن الشافعي عن مالك فرواية ابن أبي حاتم
أثبت إسناداً فإنه حافظ ثقة ثبت قيدها في كتاب مصنف وأبوه إمام، فأما رواية
الخطيب التي أشار إليها الأستاذ فرواها عن البَرْقاني عن أبي العباس أحمد بن محمد
ابن حمدان عن محمد بن أيوب عن ابن أبي سريج وشيخ البرقاني هو على اصطلاح
الأستاذ مجهول الصفة إنما ذكروا أن البرقاني سمع منه في أول أمره، ومحمد بن أيوب
في تلك الطبقة وذاك البلد اثنان أحدهما: محمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس
الحافظ الثقة، والثاني محمد بن أيوب بن هشام، كذبه أبو حاتم ولا تعرف لواحدٍ
منهما رواية عن ابن أبي سريج ولا عن واحد منهما رواية لابن حمدان.
وقد روى الخطيب (٣٩٤/١٣) من طريق القاسم بن أبي صالح حدثنا محمد بن
أيوب أخبرنا ابراهيم بن بشار ... )) فقال الأستاذ (ص ٩٧): ((محمد بن أيوب بن
هشام الرازي كذبه أبو حاتم)) هذا مع أن ابن هشام هذا لا تعرف له رواية عن
٥٤١

ابراهيم، وإنما الذي يروي عن إبراهيم هو محمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس كما
في ترجمة إبراهيم من (تهذيب المزي) فإن أحب الأستاذ فليعترف بأن محمد بن
أيوب هناك هو ابن يحيى بن الضريس فنعترف له بأن الظاهر هنا أنه هو أيضاً،
وإن لم نعرف له رواية عن ابن أبي سريج، لكن هو المشهور في تلك الطبقة والمتبادر
عند الاطلاق ويبقى النظر في ابن حمدان؛ فأما رواية أبي الشيخ فلم أقف عليها، فإن
ثبتت عنه بقي النظر في حال أبي العباس الجمال، وقد ذكره أبو الشيخ وأبو نعيم
فوصفاه بالعلم، ولم يوثقاه؛ فأما ما في (المنتظم) فمأخوذ من رواية الخطيب وكذلك
ما في (طبقات الفقهاء) مأخوذ من رواية أبي الشيخ، فابن حمدان والجمال على
اصطلاح الأستاذ مجهول الصفة فأين هما من ابن أبي حاتم؟ ومحمد بن أيوب بن يحيى
ابن الضريس وإن كان ثقة ثبتاً إلا أنه دون أبي حاتم، مع أن هناك احتمالاً أن محمد
ابن أيوب هو ابن هشام وهذا الاحتمال وإن کان خلاف الظاهر لکنه لا يهدر عند
الحاجة الى الترجيح؟ فأما رواية ابن عبد البر ففي سندها احمد بن الفضل وهو كما
قال الأستاذ ((الدَيْنَوَري)) له ترجمة في (لسان الميزان) (ج ١ ص ٢٤٦) وفيها عن
الحافظ ابن الفرضي (( ... وكان عنده مناكير وقد تسهل فيه الناس وسمعوا منه
كثيراً وقال أبو عبد الله محمد بن يحيى: لقد كان بمصر يلعب به الأحداث ويسرقون
كتبه وما كان ممن يكتب عنه)) وفيها عن أبي عمرو الداني أنه بلغه أن أبا سعيد ابن
الأعرابي كان يضعف أحمد بن الفضل هذا ويتهمه، ومع ذلك فليست هذه الرواية
من طريق ابن أبي سريج.
فقد اتضح أن رواية ابن أبي حاتم هي الثابتة.
وأما ما هو مقصود مالك فالله أعلم، فقوله في رواية ابن أبي حاتم: (( حتى يجعلها
ذهباً )) يحتمل معاني.
الأول: أن تكون ((حتى)) بمعنى إلى، و((يجعل)) على حقيقته. أي لقام دونها
وبقي على دعواه ومناظرته الى أن يصير السارية ذهبا، وذلك ما لا يكون فالمعنى:
أنه لا يرجع عن دعواه ومجادلته أبدا، كما قال الله عز وجل: ﴿حتّى يَلِجَ الْجَمَلُ
٥٤٢

في سمِّ الْخِياط﴾ (١).
المعنى الثاني: أن تكون حتى بمعنى الى أيضاً، و((يجعل ... )) بمعنى يجعل في ظن
السامع أي لا يزال يورد الشبهات الى ان يخيل للسامع أن السارية ذهب.
المعنى الثالث: أن تكون ((حتى)) بمعنى كي، و((يجعل ... )) بمعنى يجعل في ظن
السامع أي لقام يستدل على أنها ذهب لكي يخيل الى السامع ذلك؛ والمعنى الأول هو
الذي فهمه ابن أبي حاتم وهو ذم؛ والمعنى الثاني وصف بقوة العارضة والقدرة على
الجدل؛ والمعنى الثالث وصف باستمرار الموصوف على ما سبق ان قاله، ومحاولة ان
يخيل للسامع صحته.
وقوله في الرواية الأخرى ((لقام بحجته)) ظاهر في المعنى الثاني فإنه لا يمكن أن
تكون هناك حجة حقيقة على أن الحجر أو الخشب ذهب وإنما قد يمكن أن تورد
شبهة يتوهم السامع انها حجة؛ وهذا المعنى كما تقدم وصف بقوة العارضة والقدرة
على الجدل، وهو فيما بين الناس مدح، فأما بالنظر الى الأحكام الشرعية فيحتمل
المدح بأن يكون المقصود أن أبا حنيفة كان من القدرة على بيان الحق وإقامة الحجة
عليه غاية بحيث لو فرض انه ادعى الباطل لأمكنه أن يخيل للسامع أنه حق فما بالك
بالحق؟ ويحتمل الذم بأن يكون المقصود أنه كان ماهراً في الجدل والمخاصمة بحيث
يُري الباطل حقاً والحق باطلاً.
وَزَعْمُ الأستاذ أن ابن أبي حاتم إنما سمع الحكاية بلفظ ((لقام بحجته)) فغيرها الى
ما وقع في روايته ليصرفها الى الذم، تهمة باطلة وفرية كاذبة وبهتان عظيم.
أولاً: لما ثبت من ديانة ابن أبي حاتم وأمانته وصدقه وورعه.
ثانياً: لأن اللفظ الواقع في روايته يحتمل أن يكون مدحاً كما مر فلو كان ممن
يستحل التغيير لغير الى لفظ صريح في الذم واستغنى عن التفسير الذي يمكن أن
(١) الاعراف (٤٠).
٥٤٣

ینازع فيه.
ثالثاً: لفظ ((لقام بحجته)) يحتمل أن يكون ذماً أيضاً كما مر فلو كان ابن أبي
حاتم حريصاً على ان يحمل الحكاية على الذم لأمكنه أن يفسر هذا اللفظ بما يقتضي
الذم ويحتج بقول الله عز وجل ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خِصَمُون﴾ (١) وبعدة أحاديث
معروفة، فما الذي يلجىء ابن أبي حاتم الى أن يضحي بأمانته في النقل وهي رأس
مال مثله لأجل غرض يمكنه تحصيله بدون تلك التضحية؟
ولو فرضنا أن الحكاية رويت عن ابن أبي سريج من عدة أوجه صحيحة وثيقة
يجب ترجيحها على رواية ابن أبي حاتم لما ساغ أن يتهم، بل يحمل على أنه سمع
الحكاية، ففهم منها المعنى الذي يظهر من اللفظ الذي عبر به ولم يكتبها ، ثم مضت
عليها مدة فاحتاج الى أن يذكر الحكاية فلم يتذكر لفظها فعبر عنها بما يراه يؤدي
ذلك المعنى الذي فهمه، واحتاط فلم يأت بلفظ صريح، بل أتى بلفظ محتمل، ثم
فسره بالمعنى الذي فهمه؛ ومثل هذا أو أشد منه قد يتفق في الأحاديث النبوية لمن
هو أجل من أبي حاتم ثم لا يكون موجباً وهناً ما في الراوي.
وأما الأمر الثالث فقد أجبت عنه في قسم الاعتقاديات وإن صح عن ابن أبي
حاتم إطلاق أن قول ((لفظي بالقرآن مخلوق)) كفر مخرج عن الملة، فمراده بذلك،
قول تلك الكلمة معنياً بها أن القرآن مخلوق، وأهل العلم قد يحكمون على الأمر بأنه
كفر ولا يحكمون بان كل من وقع منه خارج عن الملة، لأن شرط ذلك أن لا
يكون له عذر مقبول؛ ويأتي مثل هذا في الزنا والربا وغيرهما، وقد جاء في الحديث
تعريف الغيبة بأنها ذكرك أخاك بما يكره، (٢) وقد يذكر المؤمن أخاه بما يكره غير
شاعر بأنه يكرهه بل ظاناً أنه يحبه، فلا يلحقه الإثم وإن صح أن يسمى ما وقع منه
غيبة، وصح أن يقال: الغيبة حرام يأثم صاحبها، وقد قال الله تبارك وتعالى ﴿مَنْ
(١) الزخرف (٥٨).
(٢) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) من حديث أبي هريرة مرفوعا . ن.
٥٤٤

كَفَر بالله مِنْ بَعْد إيمانِهِ إِلا مَنْ أَكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطَمِئِنٌّ بالإِيمانِ ولكن مَن شرح
بالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِم غَضَبٌ مِنَ الله وَلَهُم عذابٌ عظيم﴾ النحل - ١٠٦.
المختار في معنى الآية أن التقدير: (( من كفر بالله من بعد إيمانه فعليهم غضب
من الله ولهم عذاب عظيم إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان))، فحذف هذا
الجواب وهو قولنا ((فعليهم غضب ... )) لدلالة ما بعد ذلك عليه، فدل الإستثناء
على أن من أكره فأظهر الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان قد كفر من بعد إيمانه وإن
كان لا غضب عليه ولا عذاب؛ ومع هذا فقد اطلق في القرآن في مواضع كثيرة
ترتب العقوبة على الكفر، فعلم بذلك جواز ذاك الاطلاق وان كان الحكم مختصاً
بغير المكره لأنه قد قام الدليل على اخراج المكره فلا محذور في الاطلاق، فكذلك
هنا لا حرج في إطلاق أن قول تلك الكلمة كفر مخرج عن الملة، وإن كان هذا
الحكم مختصاً بمن ذکرنا.
وأما الأمر الرابع فقد سلف الجواب عنه في ترجمة الجوزجاني.
وأما الأمر الخامس فجوابه في قسم الاعتقاديات وفي القاعدة الثالثة من قسم
القواعد .
اما قوله: «لا یؤخذ منه إلا فنه فيما لا یکون مثار تعصبه» إن أراد به رد ما
يرويه ابن أبي حاتم مما فيه غض من أبي حنيفة وأصحابه فقد أبطل، وأتى بما لا
يستحق أن يذكر، فكيف أن يقبل؟! وإن أراد رد رأي ابن أبي حاتم كقوله في
تفسير تلك الكلمة: (( يعني أنه كان يثبت على الخطأ ... )) فلا وجه للرد ولكن ينبغي
التثبت والتدبر، فإن تبين خطأ ابن أبي حاتم رد عليه خطأه كما يرد على غيره، وإن
تبين صوابه وجب القبول، وإن لم يظهر ذا ولا ذا نظرنا فإن كان ذاك حكماً منه في
جرح أو تعديل كقوله: ((فلان ثقة)) أو ((فلان ضعيف)) وجب قبوله إلا أن
يعارضه ما هو أولى بالقبول منه، وراجع ترجمة ابن أبي حاتم في (تذكرة الحفاظ)
٥٤٥

(ج٣ ص ٤٦). وفي مقدمتي لكتابه ((الجرح والتعديل)) (١).
١٤١ - عبد الرزاق بن عمر البزيعي؛ في ترجمة أبي يوسف من (تاريخ بغداد)
(٢٥٦/١٤) حكاية من طريقه عن ابن المبارك. قال الأستاذ (ص ١٧٨): ((ليس
في ترجمة أبى يوسف عند الخطيب كلمة تُعْزى الى ابن المبارك إلا في سندها من لا
يجوز الاحتجاج به ومن هو غير ثقة مثل ... وعبد الرزاق بن عمر)).
أقول: قال الراوي عنه محمد بن عبيد بن عتبة الكندي: ((كان من خيار الناس))
وذكره ابن حبان في (الثقات).
١٤٢ - عبد السلام بن عبد الرحمن الوابصي. في (تاريخ بغداد) (٣٨٧/١٣)
من طريقه ((حدثني إسماعيل بن عيسى بن علي الهاشمي قال: حدثني أبو إسحاق
الفزاري قال: كنت آتي أبا حنيفة أسأله عن الشيء من أمر الغزو، فسألته عن مسألة
فأجاب فيها ... )) قال الأستاذ (ص ٧٧): ((عزله يحيى بن أكثم لسبب لا بد أن
يكون غير ضعفه في الفقه ثم أعاده الحشوية الى القضاء حينما قامت لهم سوق)).
أقول: روى عنه مسلم في مقدمة (صحيحه) وأبو داود في (سننه)، وأبو داود
لا يروي إلا عن ثقة كما تقدم في ترجمة أحمد بن سعد، وذكره ابن حبان في
(الثقات)، وفي (التهذيب): (( قال أبو علي بن خاقان أحسن أحمد القول فيه قال:
ما بلغني إلا خير، وقال أحمد بن كامل: كان عفيفاً، قال: وبلغني أن المتوكل قال
ليحبى: لم عزلته؟ قال: أراه ضعيفاً في الفقه، قال: فكتب المتوكل الى أهل بغداد
كتاباً وكتب عهداً ولم يسم القاضي وأمر أن يسأل عن الوابصي فإن رضوا به وقع
اسمه في العهد فأجمعوا على الرضا به، وقال طلحة بن محمد بن جعفر: ((كان جميل
الطريقة))، كان الوابصي سنياً فكأن الجهمية ألحوا على يحيى بن أكثم في عزله فعزله
اتقاءً لشرهم فلما كان في خلافة المتوكل بعد ارتفاع المحنة كانوا ربما يسألون الإمام
أحمد عمن يريدون توليته القضاء فسألوه عن محمد بن شجاع ابن الثلجي الجهمي
(١) عبد الرحمن بن هانىء أبو نعيم البجلي. في ترجمة ضرار بن صرد.
٥٤٦

الذي تقدم شيء من حاله في ترجمة حماد بن سلمة، فقال أحمد : لا ولا على حارس؛
وكأنه سئل عن الوابصي فقال: ما علمت إلا خيراً، فقال المتوكل ليحيى بن أكثم: لم
عزلته؟ فكأنه خاف أن يقول: إرضاء للجهمية، فأجاب بما تقدم، فكأن الأستاذ
أشار الى هذا، كأنه أراد أن الوابصي - كما يقول - من الحشوية، وأراد
بالحشوية أهل السنة الامام أحمد وأصحابه وموافقيه، ولا أُجازي الأستاذ على هذا
ولكني أقول: الموفق حقاً من وفق لمعرفة الحق واتباعه ومحبته، والمحروم من حرم
ذلك كله، فما بالك بمن وقع في التنفير من الحق وعيب أهله؟!
١٤٣ - عبد السلام بن محمد الحضرمي. مرت الاشارة إلى روايته في ترجمة بقية،
قال الأستاذ (ص ١٨٦): ((يقول عنه أبو حاتم: صدوق، إلا ان هذا اللفظ مصطلح
عنده فيمن يجب النظر في أمره، فيكون مردود الرواية إذا لم يتابع، ولم يتابع)).
أقول: أبو حاتم رحمه الله معروف بالتشدد، قلما وجدته يقول في رجل ((هو
صدوق)) إلا وقد وثقه غيره، وعبد السلام هذا ذكره ابن حبان في (الثقات) وتفرده
بتلك الحكاية لا يضره، والله الموفق.
١٤٤ - عبد العزيز بن الحارث أبو الحسن التميمي. مر في ترجمة الخطيب أحمد بن
علي بن ثابت، تجني ابن الجوزي على الخطیب أنه مال على أبيالحسن ،ووعدت أن أفرد له
ترجمة أوضح فيها ما ظهر لي أن الخطيب إما مصيب مشكور وإما مخطيء معذور.
ترجمة أبي الحسن في (تاريخ بغداد) (٤٦١/١٠) وذكر فيها أمرين وذكر في
ترجمة ابنه عبد الوهاب (٣٣/١١) ثالثاً، وهي هذه.
الأول: قال: ((حدثني الأزهري قال: قال لي أبو الحسن بن رزقويه: وضع أبو
الحسن التميمي في مسند أحمد بن حنبل حديثين فأنكر أصحاب الحديث عليه ذلك
وكتبوا محضراً أثبتوا فيه خطوطهم بشرح حاله. قال الأزهري: ورأيت المحضر عند
ابن رزقويه، وفيه خط الدارقطني وابن شاهين وغيرهما )).
٥٤٧

الثاني : قال الخطيب : حدثني أبو القاسم عبد الواحد بن علي العكبري قال: حدثني
الحسن بن شهاب عن عمر بن المسلم قال: حضرت مع عبد العزيز بن الحارث الحنبلي
بعض المجالس فسئل عن فتح مكة أكان صلحاً أو عنوة؟ فقال: عنوة. فقيل: ما
الحجة في ذلك؟ فقال: ثنا أبو علي محمد بن أحمد بن الصواف حدثنا عبد الله بن أحمد
ابن حنبل حدثني أبي حدثنا عبد الرزاق عن مالك - أو معمر: قال عبد الواحد : أنا
أشك - عن الزهري عن أنس أن أصحاب رسول الله عَ لِّ اختلفوا في فتح مكة أكان
صلحاً أو عنوة؟ فسألوا عن ذلك رسول الله عَ لّه فقال: عنوة؛ قال ابن المسلم: فلما
خرجنا من المجلس قلت له: ما هذا الحديث؟ قال: ليس بشيء وإنما صنعته في الحال
لأدفع به الخصم)).
الثالث: قال الخطيب في ترجمة عبد الوهاب: (( حدثنا عبد الوهاب بن عبد العزيز
ابن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن يزيد بن أكينة بن
عبد الله التميمي قال سمعت أبي يقول .... )) فساق السند مسلسلاً بالآباء إلى أكينة
((يقول: سمعت علياً وسئل عن الحنان المنان .... )) وساق الذهبي في ترجمة أبي الحسن
من (الميزان) بالسند إليه قال: ((سمعت أبي ... )) بسلسلة الآباء إلى ((أكينة يقول
سمعت أبي الهيثم يقول سمعت أبي عبد الله يقول سمعت رسول الله عَ الم يقول: ما
اجتمع قوم على ذكر إلا حفتهم الملكة وغشيتهم الرحمة)) قال الذهبي: ((المتهم به أبو
الحسن وأكثر أجداده لا ذكر لهم في تاريخ ولا في أسماء رجال)).
فأما الأمر الأول، فأجاب عنه ابن الجوزي في (المنتظم) (ج ٧ ص ١١٠) بقوله:
(( يجوز أن يكون قد كتب في بعض المسانيد من مسند آخر، ومن مسموعاته من غير
ذلك المسند ، متى كان الشيء محتملاً لم يجز أن يقطع على صاحبه بالكذب، نعود بالله
من الأغراض الفاسدة على أنها تحول على صاحبها)).
أقول: يقع في بعض مسانيد الصحابة من (المسند) أحاديث لصحابي آخر ففي
مسند ابن عباس من (المسند) (ج ١ ص ٢٥٨) حديث من رواية أبي هريرة مرفوعاً
وفي الصفحة التي تليها حديث من رواية أنس مرفوعاً ، ولذلك نظائر فكأن مقصود
٥٤٨

ابن الجوزي أنه يجوز أن يكون أبو الحسن حول الحديثين المذكورين مثلاً فألحق الأول
في مسند أبي هريرة والثاني في مسند أنس. ولا يخفى بُعد هذا الاحتمال إذ لو كان هذا
هو الواقع لما كان هناك ما يدعو الحفاظ الأثبات كالدارقطني وابن شاهين إلى شدة
الإنكار وكتابة المحضر، ولما عبر ابن رزقويه بقوله: ((وضع أبو الحسن)) فأما قول ابن
الجوزي ((ومن مسموعاته)) فكأنه أراد به أنه إن لم يكن ذانك الحديثان من (المسند)
فيجوز أن يكون سمعها أبو الحسن خارج (المسند) بسند (المسند) كأن يكون
(المسند) عنده من روايته عن ابن الصواف عن عبد الله بن أحمد عن أبيه، وسمع بهذا
السند نفسه حديثين مفردين فألحقهما في (المسند)؛ وهذا الاحتمال أقرب من الأول،
وعليه فلم يكن من أبي الحسن وضع ولا افتراء ؛ ويبقى النظر في صورة إلحاقه، فإن كان
إنما علقهما في الحاشية على سبيل الفائدة الزائدة لا على إيهام أنهما من (المسند) فهذا لا
محذور فيه أصلاً؛ وإن كان أدرجهما في (المسند) موهماً أنهما منه، فقد أساء ، إلا أنه لا
يكون ذلك وضعاً للحديث وافتراءاً له؛ وإنكار الحفاظ وكتابة المحضر وقول ابن
رزقويه «وضع ... في (مسند أحمد))) يدل أن الواقع لم يقتصر على الكتابة في الحاشية
بدون إيهام.
وقد وقع التقصير من الجانبين، قصر الأزهري عن تفصيل القضية فلم يذكر ما هما
الحديثان وما قال الحفاظ، وقصر محدثوا الحنابلة فلم يراجعوا عند كتابة المحضر ولم
ينقلوا بيان الحال إن كان الواقع على وجه لا يضر صاحبهم أبا الحسن؛ فلو ساغلا بن
الجوزي أن يتهم الخطيب بالميل لساغ لمن يدافع عن الخطيب أن يقول: لو كان هناك
ميل لتداركه محدثوا الحنابلة في عصر الخطيب عندما سمعوا ما ذكره الخطيب في
(تاريخه)، ولعلهم كانوا قد علموا بالقضية او سألوا عنها فعرفوها ورأوا أن السكوت
عنها أولى، لأن ذكرها مفصلة لا ينفع صاحبهم بل لعله يكون أضر عليه، وقد كان
ابن الجوزي قريباً من عصر الواقعة فإن لم يعتن بالبحث عنها والسؤال فقد قصر، وإن
بحث وسأل فعرفها فما باله اقتصر على التجويزات البعيدة والتجني على الخطيب؟ ولا
يظن به أنه بحث وسأل فلم يجد خبراً ولا أثراً إلا ما ذكره الخطيب ، لأنه لو كان الأمر
٥٤٩

هكذا لكان الظاهر أن يذكره ابن الجوزي فإنه أقوى للدفاع مما اقتصر عليه، وبعد
فالأسلام للجانبين والأحقن لدم الأخوين أن يقال: لعل أبا الحسن سمع ذينك
الحديثين مفردين ليسا من (المسند) ولكنهما بسنده فألحقهما في الحاشية أو بين السطور
غير قاصد الايهامَ، ولكن كانت صورة الالحاق موهمة فأبو الحسن معذور لعدم
قصده، والمنكرون معذورون لبنائهم على الظاهر، والله أعلم.
وأما الأمر الثاني، فأجاب عنه بأن عبد الواحد ((لا يعول على قوله .... )) وستأتي
ترجمة عبد الواحد ، فلا هو بالذي تقوم الحجة بما ينفرد به ولا هو بمن يظن به أن
يختلق مثل هذه القصة اختلاقً، وإذ كان الأمر كذلك فلا مانع من ابداء احتمال يخف
به الاستبعاد كأن يقال لعل صاحب القصة رجل آخر غير أبي الحسن ويكون ابن المسلم
لم يسمه بل قال مثلاً ((بعض الفقهاء)) أو ((بعض الشيوخ)) ولعله ذكر مذهبه، فظن
عبد الواحد أنه أبو الحسن فسماه.
وأما الأمر الثالث، فلم يذكره الخطيب في ترجمة عبد العزيز، وإنما الذي اتهم به
عبد العزيز هو الذهبي، ولا حجة للذهبي على ذلك إلا أن عبد الوهاب موثق وعبد
العزيز قد قيل فيه ما تقدم في الأمرين السابقين، وقد علمت أن الأمر الثاني لم يثبت
ولا قارب، وأن الأمر الأول لا يخلو عن احتمال، فالأولى في هذا الأمر الثالث الحمل
على أحد الآباء المجاهيل.
ومع أن ابن الجوزي دافع عن أبي الحسن فلم يذكر أن احداً من حفاظ الحنابلة أو
غيرهم وثقه، ولا وثقه هو، بل اقتصر على أنه لا يجوز القطع عليه بالكذب، وإنما ذكر
قول أبي يعلى ابن الفراء الحنبلي ((رجل جليل القدر وله كلام في مسائل الخلاف
وتصنيف في الأصول والفرائض )).
والذي يتحصل هنا أنه لم يثبت ما يقطع به على أبي الحسن أنه وضع الحديث لكنه
مع ذلك لم يثبت على قواعد الرواية ما يقتضي أن تجب الحجة برواية ينفرد بها، فأما
الخطيب فمن أنصف علم بأنه لم يتعد ما يوجبه عليه فنه ومقامه، والله أعلم.
٥٥٠

١٤٥ - عبد الله بن حبيب القرطبي أحد مشاهير المالكية؛ ذكر الأستاذ (ص ٦)
عن الباجي: ((روى عبد الملك بن حبيب أخبرني مطرف أنهم سألوا مالكاً عن تفسير
الداء العضال .... )) وفيه قول الباجي ((وعندي أن هذه الرواية غير صحيحة ... )) قال
الأستاذ (ص ٨): ((ووجه حكمه يظهر من ترجمة مطرف .... وعبد الملك في كتب
الضعفاء )).
أقول: كان ابن حبيب فقهياً جليلاً نبيلاً صالحاً في نفسه لكن لم تكن الرواية من
شأنه، كان يتساهل في الأخذ ويروي على التوهم، هذا محصل ما ذكروه في ترجمته،
وقد توبع في هذه الحكاية كما يأتي في ترجمة مطرف.
١٤٦ - عبد الملك بن قريب الأصمعي. ذكر الأستاذ (ص ٢٤) ما حكي عن
الأصمعي في قول الشعبي ((لا تعقل العاقلة .... )) وأن الأصمعي قال: (( كلمت أبا
یوسف بحضرة الرشيد فلم يفرق بين عقلته وعقلت عنه حتى فهمته)) فقال الأستاذ (ص
٢٥): ((لا نقيم لكلامه وزناً، فإن كنت لا تكتفي بما في الكتب المؤلفة في الضعفاء من
قول مثل أبي زيد الأنصاري فيه: فعليك بكتاب التنبيهات على أغاليط الرواة لأبي
القاسم علي بن حمزة البصري لتطلع على أغلاط هذا المتقعر وكلام الناس في أمانته في
النقل)) وذكر الأستاذ (ص ٥٤) عن (تاريخ بغداد) حكاية من طريق الأصمعي،
فقال: ((كذبه أبو زيد الأنصاري وذكر علي بن حمزة .... ورماه بأمور تؤيد رأي أبي
زيدفيه، وليس بقليل ما ذكره الخطيب من نوادره،ومن جملة نوادره أن الأصمعي لما
توفي سنة ٢١٥ قال أبو قلابة الجرمي في جنازته :... )) فذكر البيتين.
أقول: أما الحكاية الأولى فمسألة لغوية قد ذكرتها في الفقهيات، والحكاية الثانية لم
ينفرد بها الأصمعي، ومعناها مشهور إن لم يكن متواتراً.
وأما ما روى عن أبي زيد فلم يصح. كما أوضحته في (الطليعة) (ص ٨٢ - ٨٣)؛
ولو صح لما أوجب جرحاً لأنه لم يفسر ، ويحتمل أن يراد به النسبة إلى الخطأ والغلط كما
ذكره الأستاذ (ص ١٦٣) ويؤيده أنه كان بين أبي زيد والأصمعي منافسة دنيوية
٥٥١

واختلاف في الاعتقاد ، مع أن بعض أئمة الحديث تكلم في أبي زيد كما تراه في ترجمته
من (التهذيب)، والأصمعي وثقه الأئمة كما يأتي. وقال الأستاذ في (الترحيب):
(( وأما الأصمعي فقد وثقه غير واحد في الحديث، وأما أخباره ونوادره المدونة في
الكتب ففيها كثير مما يرفض وقد قال ابن أخي الأصمعي عبد الرحمن بن عبد الله وقد
سئل عن عمه: هو جالس يكذب على العرب؛ وقال أبو رياش: كان الأصمعي مع
نصبه كذاباً؛ وقال: سأله الرشيد: لم قطع علي يد جدك أصمع؟ فقال: ظلماً يا أمير
المؤمنين. وكذب عدو الله. إنما قطعه في سرقة؛ وأطال أبو القاسم علي بن حمزة ....
و مما قال فيه : کان مجبراً شديد البغض لعلي كرم الله وجهه، وتكذيبه ليس بمنحصر فيما
يروى عن أبي زيد الأنصاري)».
أقول: كأن الأستاذ يحسب الكلام في الأصمعي كما قالت الأعراب:
فجاءت الزغب من الوباره
قد هدم اليربوع بيت الفاره
وكلها يشتد بالحجارة
من عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي يا أستاذ؟! وهل عرفه الناس إلا بكلمات
يروبها عن الأصمعي؟! ومن جعله بحيث تعارض بما حكي عنه نصوص أئمة الإسلام
في توثيق الأصمعي؟ ولعلها إن صحت الكلمة عنه كلمة قالها في صباه وهو يلعب مع
الأطفال، فاستظرفت من ذاك الصبي فنقلت؛ وأما أبو رياش فمن أبو رياش؟
أذكروه بأكثر من أنه كان حفظة للأشعار؟ أو أنه كان يتشيع، أو أنه كان وسخاً دنساً
إلى الغاية، وهل يحتج بكلامه في الأصمعي عاقل ؟ ولمعرفتنا بحاله لا نطالبك بتصحيح
النقل عنه وكان بعد الأصمعي بزمان طويل. أما علي بن حمزة فمعدود من علماء اللغة
بينه وبين الأصمعي زمان طويل حدّه أن يقبل منه تخطئة من قبله إذا أقام الحجة.
وقوله: ((إن الأصمعي كان مجبراً))، دليل على أنه هو كان قدرياً، والقدرية تسمي أهل
السنة ((مجبرة)) وقوله: ((شديد البغض لعلي كرم الله وجهه)) قول لا حجة عليه ولا نعلم
عن الأصمعي شيئاً يثبت عنه يسوغ أن ينسب لأجله إلى النصب.
ودونك ثناء الأئمة على الأصمعي، قال الامام الشافعي بعد أن فارق بغداد: (( ما
٥٥٢

رأيت بذلك العسكر أصدق لهجة من الأصمعي)) فتدبر هذه الكلمة وانظر من كان
بغداد من الأكابر الذين رآهم الشافعي بها، وقال أبو أمية الطرطوسي: ((سمعت أحمد
ويحيى يثنيان على الأصمعي في السنة. قال: وسمعت علي بن المديني يثني عليه)) وقال
عباس الدوري: ((قلت لابن معين: أريد الخروج إلى البصرة فعمن أكتب؟ قال: عن
الأصمعي فهو صدوق)) وقال أبو داود: ((صدوق)) وقال نصر بن علي: ((كان
الأصمعي يقول لعفان: اتق الله ولا تغیر حديث رسول الله ګلم بقولي)) قال نصر بن
علي: ((كان الأصمعي يتقي أن يفسر حديث رسول الله عَ لّه كما يتقي أن يفسر
القرآن)) وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: ((ليس فيما يروي عن الثقات تخليط إذا
كان دونه ثقة )).
أقول: وتجد في كتب اللغة ومعاني الشعر مواضع كثيرة يتوقف عنها الأصمعي
وذلك يدل على توقيه وتثبته، كأن ابن جني أشار إلى كلام علي بن حمزة إذ قال في
(الخصائص): ((وهذا الأصمعي وهو صناجة الرواة والنقلة وإليه محطّ الأعباء والثقلة،
ومنه تجنى الفقر والملح، وهو ريحان كل مغتبق ومصطبح، كانت مشيخة القراء
وأماثلهم تحضره وهو حَدَثٌ لأخذ قراءة نافع عنه، ومعلوم قدر ما حذق من اللغة فلم
يثبته لأنه لم يقو عنده إذ لم يسمعه ... فأما إسفاف من لا علم له وقول من تمسك به أن
الأصمعي كان يزيد في كلام العرب ويفعل كذا ويقول كذا، فكلام معفو عنه غير
معبوء به ولا متقدم في مثله حتى كأنه لم يتأدّ إليه توقفه عن تفسير القرآن وحديث
الرسول عَ ◌ّلّهِ وتحرُّره من الكلام في الأنواء)).
وأما ما يحكى عن الأصمعي من النوادر فقد نحله الناس حكايات كثيرة جداً وكل
من أراد أن يضع حكاية نسبها إلى الأصمعي فلا يلتفت من ذلك إلا إلى ما صح سنده
ولن يوجد في ذلك إلا ما هو حق وصدق، أو يكون الحمل منه على من فوق
الأصمعي؛ ومحاولة الأستاذ التفرقة بين الحديث والحكايات محاولة فاشلة، والصدق
الذي يثنى به على الراوي شيء واحد إما أن يثبت للأصمعي كله، وهو الواقع كما
صرحت به كلمة الشافعي السابقة، واقتضته كلمات غيره، وإما أن يسقط كله. وقد
٥٥٣

تقدم شرح ذلك في القواعد .
وأما قول الأستاذ: (( ومن جملة نوادره أن الأصمعي لما توفي ... )) فهذا من العجائب
كيف تكون من نوادره وقد مات؟! أو لم يستطع الأستاذ تخلصاً إلى ذينك البيتين
اللذين هجي بها الأصمعي بعد موته لتعطش الأستاذ إلى ذكرهما؟ والحكاية من رواية
أبي العيناء وحاله معروف يأتي له ذكر في ترجمة الامام مالك مع أن تمام الحكاية: ((قال
أبو العيناء: وجذبني من الجانب الآخر أبو العالية الشامي فأنشدني.
بالأصمعي لقد أبقت لنا أسفا
لله در بنات الدهر إذ فجعت
في الناس منه ولا من علمه خلقا)»
عش ما بدا لك في الدنيا فلست ترى
لم أورد هذه التتمة منكراً على الأستاذ إعراضه عنها ، ولكن كان الأجدر به وهو
يعلم أن هذه تمام الحكاية أن يعرض عن أولها لئلا يكون - أو لئلا يقال أنه - ممن يرضيه
القول الزور الفاجر ويسخطه القول الصادق البار؛ هذا وقد كان الأصمعي أوائل أمره
يخالط الخلفاء والأمراء ثم انقطع عن ذلك ولزم بيته ومسجده حتى أن المأمون الخليفة
حرص جهده على أن يصير الأصمعي إليه فأبى، فكان المأمون يجمع المسائل ثم يبعث
بها إلى الأصمعي بالبصرة ليجيب عنها ، وليس للأصمعي ذنب إلا أنه من أهل السنة،
والله المستعان.
١٤٧ - عبد الملك بن محمد أبو قلابة الرقاشي. في (تاريخ بغداد) (٤٢٣/١٣)
من طريق الأصم ((حدثنا أبو قلابة الرقاشي حدثنا أبو عاصم قال: سمعت سفيان
الثوري بمكة وقيل له: مات أبو حنيفة. فقال: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيراً
من الناس)) ومن طريق الأصم أيضاً: (( حدثنا محمد بن علي الوراق حدثنا مسدد قال:
سمعت أبا عاصم يقول: ذكر عند سفيان موت أبي حنيفة فما سمعته يقول: رحمه الله،
ولا شيئاً، قال: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاه به))؛ قال الأستاذ (ص ١٦٩): ((أبو
قلابة الرقاشي كثير الخطأ في الأسانيد والمتون على ما نقله الخطيب عن الدارقطني)).
أقول: قال الدارقطني: ((لا يحتج بما تفرد به، بلغني عن شيخنا أبي القاسم ابن بنت
٥٥٤

منيع ( هو عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي تقدمت ترجمته) أنه قال: عندي عن
أبي قلابة عشرة أجزاء ما منها حديث مسلَّم، إما في الإسناد وإما في المتن، كان يحدث
من حفظه فكثرت الأوهام فيه)) ولا حاجة بنا ولله الحمد إلى مضايقة الأستاذ بأن
نقول: أنت لا تثق بالبغوي فليس لك أن تعول عليه هنا. بل نقول: قال ابن جرير:
(( ما رأيت أحفظ منه))، وقال مسلمة بن قاسم عن ابن الأعرابي: (( ... ما رأيت أحفظ
منه وكان من الثقات ... )) قال مسلمة: ((وكان راوية للحديث متقناً ثقة ... )) وقال أبو
داود: ((رجل صدق أمين مأمون كتبت عنه بالبصرة)) وقال ابن خزيمة: (( ثنا أبو قلابة
بالبصرة قبل أن يختلط ويخرج إلى بغداد )).
فاتضح أن أبا قلابة كان ثقة متقناً إلا أنه تغير بعد أن تحول إلى بغداد ، وفيها سمع
منه البغوي. فإن كان سماع الأصم منه بالبصرة ثبتت الحكاية، وإلا فقد تابعه عليها
جبل من الجبال كما رأيت (١)، قال البخاري في (صحيحه) في ((باب من أين يخرج من
مكة )): ((كان يقال: هو مسدد كاسمه ... سمعت يحيى بن معين يقول: سمعت يحيى بن
سعيد يقول: لو أن مسدداً أتيته في بيته لاستحق ذلك، وما أبالي كتبي كانت عندي أو
عند مسدد )).
١٤٨ - عبد المؤمن بن خلف أبو يعلى التميمي النسقي الحافظ، ذكر الأستاذ
(ص ١٨٧) أن الخطيب روى من طريقه عن صالح بن محمد بن جزرة الحافظ
كلاماً في الحسن بن زياد اللؤلؤي فقال الأستاذ: ((عبد المؤمن ليس ممن يصدق فيه
لأنه كان ظاهرياً طويل اللسان على أهل القياس)).
أقول: قد سلف في القواعد أن المخالفة في المذهب لا ترد بها الرواية،
كالشهادة، وهذا ما لا أرى عالماً يشك فيه؛ ومن حكم له أهل العلم بالصدق
والأمانة والثقة فقد اندفع عنه أن يقال: ((لا يصدّق في كذا)) اللهم إلا أن تقام
الحجة الواضحة على أن تعمد كذباً صريحاً فيزول عنه اسم الصدق والأمانة البتة ،
(١) يعني مسدداً وهو ابن مسرهد. ن.
٥٥٥

والأستاذ يمر بالجبال الرواسي فينفخ ويخيل لنفسه وللجهال أنه قد أزالها أو جعلها
هباء، والذي جرأه على ذلك كثرة الأتباع وغربة العلم وما لا أحب ذكره. والله
المستعان.
١٤٩ - عبد الواحد بن علي بن برهان العكبري، هذا الرجل روى عن الخطيب اشياء
تتعلق برواة الحديث، ومن جملة ذلك ما تقدم في ترجمة عبد العزيز بن الحارث أبي
الحسن التميمي وما يأتي في ترجمة عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري، فاعترضه ابن،
الجوزي فقال في ترجمة أبي الحسن: ((هذا العكبري لا يعول على قوله فإنه لم يكن
من أهل الحديث والعلم، إنما كان يعرف شيئاً من الحديث. كذلك ذكر عنه
الخطيب، وكان أيضاً معتزلياً يقول: إن الكفار لا يخلدون في النار)) وذكر نحو
ذلك في ترجمة ابن بطة ثم قال: فمن كان اعتقاده يخالف إجماع المسلمين فهو خارج
عن الاسلام فكيف يقبل جرحه؟ وقال محمد بن عبد الملك الهمذاني كان ابن برهان
يميل إلى المرد ويقبلهم)) وقال في ترجمة عبد الواحد من (المنتظم) (ج ٨ ص
٢٣٦): ((كان مجوداً في النحو، وكان له أخلاق شرسة، ولم يلبس سراويل قط،
ولا قبل عطاء أحد، وكان لا يغطي رأسه، وذكر محمد بن عبد الملك: كان ابن
برهان يميل إلى المرد الصباح ويقبلهم من غير ريبة. وقوله: من غير ريبة. أقبح من
التقبيل، لأن النظر إليهم ممنوع منه إذا كان بشهوة فهل يكون التقبيل بغير
شهوة؟ ... )). وفي (لسان الميزان) (ج ٤ ص ٨٢): ((قال ابن ماكولا : كان فقيهاً
حنفياً قرأ اللغة وأخذ الكلام من أبي الحسين البصري. قلت: وقد بالغ محمد بن عبد
الملك الهمذاني في (تاريخه) فقال: كان يمشي مكشوف الرأس وكان يميل إلى
المردان من غير ريبة، ووقف مرة على مكتب عند خروجهم فاستدعى واحداً واحداً
فيقبله ويدعو له ويسبح الله فرآه ابن الصباغ فدس له واحداً قبيح الوجه فأعرض
عنه وقال: يا أبا نصر لو غيرك فعل بنا هذا)) وفي ترجمة عبد الواحد من (تاريخ
بغداد) (ج ١١ ص ١٧): ((كان يذكر أنه سمع من أبي عبد الله ابن بَطَّة وغيره
إلا أنه لم يرو شيئاً وكان مضطلعاً بعلوم كثيرة منها النحو واللغة ومعرفة النسب
٥٥٦

والحفظ لأيام العرب وأخبار المتقدمين وله إنس شديد بعلم الحديث)).
أقول: فقد كان ابن برهان على بدعته من أهل العلم والزهد والمنزلة بين العلماء
ومحمد بن عبد الملك الهمذاني لا أعرف ما حاله؟ وقد ذكر ابن حجر أنه بالغ. وقد
تصرف ابن الجوزي في عبارة الهمذاني ففي موضع زاد فيها (( ويقبلهم)) وحذف
((من غير ريبة)) وفي موضع زاد ((الصباح فيقبلهم)) وإنما أخذ الصباحة والتقبيل من
قصة المكتب، وقد كان ببغداد في ذاك العصر عدد كثير من مشاهير العلماء ما منهم
إلا من يخالف عبد الواحد في العقيدة والمذهب أو أحدهما ، وكان عبد الواحد على
غاية الصيانة ذكروا أنه ((لما ورد الوزير عميد الدين إلى بغداد استحضره فأعجبه
كلامه فعرض عليه مالاً فلم يقبله فأعطاه مصحفاً بخط ابن البواب وعكازة حملت
إليه من الروم مليحة فأخذهما فقال له أبو علي ابن الوليد المتكلم: أنت تحفظ القرآن
وبيدك عصا تتوكأ عليها فلم تأخذ شيئاً فيه شبهة؟ فنهض ابن برهان في الحال إلى
قاضي القضاة ابن الدامغاني وقال له: لقد كدت أهلك حتى نبهني أبو علي ابن
الوليد وهو أصغر سناً مني وأريد أن تيعد هذه العكازة والمصحف على عميد الدين
فما يصحباني. فأخذهما وأعادهما إليه))؛ أفما كان في ذاك الجم الغفير من أهل العلم
من ينكر على ابن برهان ما نسبه ابن الجوزي إليه؟! وما كان فيهم من يعيبه بذلك
على الأقل؟ مع مخالفتهم له كما سلف فما بالنا لا نعرف عنهم كلمة واحدة في ذلك
إلا تلك الشاذة من ذاك الهمذاني؟ وليس المقصود رد كلمة الهمذاني وإنما المقصود
تجريدها عما فيها من المبالغة التي أشار إليها ابن حجر.
فأقول: كانت المكاتب في ذاك العصر خاصة بالأطفال إنما هي لتعليم القراءة
والكتابة فأما ما زاد عن ذلك من العلم فكان محله الجوامع والمساجد ومجالس العلماء
في بيوتهم والمدارس الكبيرة، فمر على ما يقول الهمذاني ابن برهان مع جماعة من
أهل العلم وغيرهم فيهم الإمام أبو نصر ابن الصباغ الشافعي بمكتب من مكاتب
الأطفال فصادف وقت خروجهم، فأخذ ابن برهان يقبلهم ويدعو لهم تنشيطاً لهم
ورجاء أن يصيروا رجالاً صالحين، فمازحه ابن الصباغ بأن قدم إليه واحداً منهم قبيح
٥٥٧

الصورة فأعرض عنه ابن برهان علماً بأنه لا مجال هناك لأدنى ريبة ولو كان هناك
مجال لريبة. لكان الظاهر أن يقبل ذاك القبيح كغيره؛ وأي عقل يميز أن يكون فيما
جرى شيء من الريبة ويقره الحاضرون من أهل العلم وغيرهم ويقتصر ابن الصباغ
على تلك الملاطفة؟ فأما أهل بغداد المخالفون لابن برهان في العقيدة أو المذهب أو
كليهما فلم يروا فيما جرى ما يسوغ أن يعاب به ابن برهان، وأما ذلك الهمذاني
فدعته نفرته عن ابن برهان لمخالفته في العقيدة والمذهب إلى أن عبر بقوله: ((يميل
إلى المردان)) فنازعه واعظ الله تعالى في قلبه فدافعه بقوله: (( من غير ريبة)) وذكروا
قصة المكتب فجاء ابن الجوزي فصنع ما تقدم، ولا أدري ما صنع سبطه، فإنه كثير.
التصرف في مثل هذا، فوقع التزيد في الحكاية كما تراه في (بغية الوعاة) وغيرها .
أما العقيدة فذكروا ان ابن برهان كان معتزلياً ولا أدري ما الذي كان يوافق
فيه المعتزلة، فأما قوله بأن الكفار لا يخلدون في العذاب، فهي مسألة مشهورة ولو
رأى علماء بغداد أن قول ابن برهان فيها مخرج عن الإسلام لسعوا في إقامة الحد
عليه فما بالهم أعرضوا عن ذلك وكانوا يجلون ابن برهان ويحترمونه؟
نعم. ابن برهان لم يوثقه أحد فيما نعلم، ومن المحتمل أنه كان يهم فيما يرويه من
الحكايات أو يبني على الظن، فحقه أن لا تقوم الحجة بما ينفرد به ولكنه يذكر في
المتابعات والشواهد كما صنع الخطيب؛ والله الموفق.
١٥٠ - عبد الوارث بن سعيد أبو عبيدة التنوري. في (تاريخ بغداد)
(٣٨٨/١٣) عنه حكايتان في رد أبي حنيفة حديث ((أفطر الحاجم والمحجوم))
بقوله: ((هذا سجع)) ورده قولاً لعمر بن الخطاب في الولاء بقوله: ((هذا قول
شيطان)) قال الأستاذ في حاشية (ص ٨١): ((قدري كما ذكره الخطيب في
(الكفاية) وقدرية البصرة في غاية من الإنحراف عن أبي حنيفة لكثرة هبوطه البصرة
للرد عليهم في مبدأ أمره))؛ أقول: هبوط أبي حنيفة البصرة للمخاصمة في القدر لم
يثبت، وقول عبد الوارث بالقدر في ثبوته نظر، قال ابنه عبد الصمد وهو من
٥٥٨

الثقات الأثبات: ((إنه لمكذوب على أبي، وما سمعت منه يقول قط في القدر وكلام
عمرو بن عبيد)). فإن كان في نفسه منه شيء فلم يكن يرى خلافه ضلالة فيعادي
مخالفيه وإلا لكان أهم شيء عنده أن يدعو ولده. وقد شهد له ابن المبارك أنه لم
يكن داعية ذكره الذهبي في ترجمته من (تذكرة الحفاظ) (ج ١ ص٢٣٧)؛ فليس
هنا ما يتشبث به في دفع رواية عبد الوارث وهو مجمع على ثقته وجلالته.
١٥١ - عبد بن أحمد أبوذر الهروي(١). تأتي له حكاية في ترجمة عبيد الله بن
محمد ابن بطة، فقال ابن الجوزي في (المنتظم) (ج ٧ ص ١٩٤): ((كان من
الأشاعرة المبغضين، وهو أول من أدخل الحرم مذهب الأشعري ولا يقبل جرحه
لحنبلي يعتقد كفره)).
أقول: قال ابن الجوزي نفسه في ترجمة أبي ذر من (المنتظم) نفسه (ج ٨ ص
١١٥): ((كان ثقة ضابطاً فاضلاً .... وقيل: إنه كان يميل إلى مذهب الأشعري))
ويظهر من هذه العبارة الأخيرة أن الميل لم يثبت، فإن ثبت فما مقداره؟ وقد كان
ابن الجوزي نفسه مائلاً بل يوجد في كلامه وكلام كثير من الحنابلة ما هو أبعد عن
قول أحمد والأئمة من كلام الأشعري وأصحابه؛ هكذا قاله أعرف الناس بهم وهو
رجل منهم (٢) كما تقدم في ترجمة الخطيب؛ هب أن أبا ذر كان أشعرياً فما تفصيل
ذلك؟ والنقل عن الأشعري مختلف وأصحابه مختلفون، وعلى كل حال فلا يكفرون
الحنابلة، نعم قد يبدعونهم، ولكن عقلاءهم ولا سيما العارفين بالرواية منهم
كالبيهقي لا يرون ذلك موهناً للرواية ولا مسوغاً للبغض والعدواة وقد مرت
الإشارة إلى ذلك في القواعد، وأشبعت القول في قسم الاعتقاديات، فالحق الذي لا
معدل عنه أن أبا ذر ثقة تقبل روايته ويرد عليه من قوله ورأيه ما أخطأ فيه
الحق (٣).
(١) كان ينتسب إلى الامام الاشعري ويتفاخر بتكفير الحنابلة. زهير.
(٢) هو شيخ الاسلام ابن تيمية راجع ص ٣٢٥١.
(٣) عبدة بن عبدالله الخراساني. يأتي في ((عبيدة)).
٥٥٩
-

١٥٢ - عبيد الله بن عبد الكريم أبو زرعة الرازي، حكى الأستاذ (ص ٤٢)
عن كتاب ابن أبي العوام (( حدثني ابراهيم بن أحمد بن سهل الترمذي قال: حدثنا
عبد الواحد بن أحمد الرازي بمكة قال: أنبأنا بشار بن قيراط عن أبي حنيفة .... ))
وعلق الأستاذ في الحاشية على بشار بن قيراط: ((مقبول عند الحنفية بنيسابور كما
قال الخليلي في الإرشاد وإن طال لسان أبي زرعة فيه لكونه من أهل الرأي)).
أقول: ابن أبي العوام قد تعرضت له في (الطليعة) (ص ٢٧ - ٢٨)؛ فأعرض
الأستاذ في (الترحيب) عن ذلك، ولنا أن نسأله: من إبراهيم بن أحمد في السند ؟
ومن شيخه؟ فما بال الأستاذ أعرض عن ذلك كله وتناول بشاراً؟ أَلِيُوهم أن بقية
السند ثقات إجماعاً؟ أم ليتوصل إلى الغض من أبي زرعة؟
بشار قديم سمع من أبي حنيفة المتوفى سنة ١٥٠، كذبه أبو زرعة الذي ولد سنة
٢٠٠ وقال أبو حاتم الذي ولد سنة ١٩٥: ((هو نيسابوري قدم الري مضطرب
الحديث يكتب حديثه ولا يحتج به)) وقال ابن عدي المولود سنة ٢٧٧ : ((روى
أحاديث غير محفوظة وهو الى الضعف أقرب منه الى الصدق)) وقال الخليلي المولود
بعد ذلك بزمان فإنه توفي سنة ٤٤٦: ((كان يتفقه على رأي أبي حنيفة رضيته
الحنفية بخراسان، ولم يتفق عليه حفاظ خراسان)).
وقد سبق في ترجمة عبد الله بن محمود، ذكر ما زعمه الأستاذ من أن من لم يوثقه
أهل عصره يكون مجهول الصفة، وتراه هنا يرد جرح المتقدمين لبشار ويتشبث
بقول المتأخر عنه بقريب من مائتي سنة (( رضيته الحنفية بخراسان)) ويزيد الأستاذ
فيزعم أن أبا زرعة إنما كذبه لأنه مخالف له في المذهب، وقد علم مما سلف في
القواعد أن من شهد له أهل العلم أنه ((صدوق)) لا يقبل من أحد أن يقول: إنه
تعمد الكذب أو الحكم بالباطل إلا أن يقيم على ذلك حجة صارمة، فما بالك بمن
شهدوا له بأنه ثقه؟ فما بالك بمثل أبي زرعة في إمامته وجلالته وتثبته؟ والخليلي
متأخر جداً عن زمن بشار كما مر، ولا ندري الى ماذا استند في قوله: (( رضيته
الحنفية بخراسان)) وهبه ثبت الرضا، فمن حنفية خراسان في ذلك الزمان؟ وقد
٥٦٠