النص المفهرس

صفحات 521-540

داود السجستاني لما امتحن، وتشمر في استنقاذه من القتل، وذلك أن أبا بكر بن
أبي داود قدم أصبهان وكان من المتبحرين في العلم والحفظ والذكاء والفهم،
فيحسده جماعة من الناس، وأجرى يوماً في مذاكرته ما قالت الناصبة في أمير
المؤمنين علي رضي الله عنه، فإن الخوارج والنواصب نسبوه إلى أن أظافيره قد
حفيت من كثرة تسلقه على أم سلمة زوج النبي ◌َّه ؛ ونسبوا الحكاية إليه وتقولوا
عليه وحرضوا عليه جعفر بن محمد بن شريك وأقاموا بعض العلوية خصماً له،
فأحضر مجلس أبي ليلى الحارث بن عبد العزيز وأقاموا عليه الشهادة فيما ذكر محمد
ابن يحيى بن منده وأحمد بن علي بن الجارود ومحمد بن العباس الأخرم، فأمر الوالي
أبو ليلى بضرب عنقه، واتصل الخبر بمحمد بن عبد الله بن الحسن فحضر الوالي أبا
ليلى، وجرح الشهود فنسب محمد بن يحيى إلى العقوق وأنه كان عاقاً لوالده، ونسب
ابن الجارود إلى أنه مُربي يأكل الربا ويؤكل الناس، ونسب الأخرم إلى أنه مفتري
غير صدوق، وأخذ بيد عبد الله بن أبي داود فأخرجه وخلصه من القتل، فكان
عبد الله بن أبي داود يدعو لمحمد بن عبد الله طول حياته ويدعو على الذين شهدوا
عليه فاستجيب له فيهم وأصابت كل واحد منهم دعوته، فمنهم من احترف، (!)
ومنهم من خلط وفقد عقله)).
فهذان حافظان جليلان من أهل البلد الذي جرت القضية فيه، وهما أعرف
بالقصة والشهود، وبعد أن قضى الحاكم ببراءة ابن أبي داود فلم يبق وجه للطعن فيه
بما برأه منه الحكم، وقد شهد ثلاثة خير من هؤلاء على المغيرة بن شعبة وتلكأ الرابع
فحد الصحابة الشهود ونجا المغيرة (١) ثم اتفق أهل السنة على أنه ليس لأحد أن
يطعن في المغيرة بما برأه منه الحكم، فإن كان أهل العلم بعد ذلك عدلوا الثلاثة
الذين شهدوا على ابن أبي داود فليس في ذلك ما ينفي أن يكونوا كانوا حين
الشهادة مجروحين بما جرحوا به في مجلس الحكم، بل يقال: تابوا مما جرحوا به
(١) قد ثبتت هذه القصة من طرق ذكرت أكثرها في ((إرواء الغليل في تخريج أحاديث
منار السبيل)) رقم (٢٦٧٩) وقد تم طبعه في المكتب الاسلامي بثمان مجلدات، ومعه
فهر س صنعهزهير الشاويش. ن.
٥٢١

فلذلك عدلهم أهل العلم.
وبعد فقد كانت أم سلمة رضي الله عنها أتم أمهات المؤمنين ولاءً لفاطمة عليها
السلام والحسن والحسين وأبيهما ، وكان علي رضي الله عنه يثق بعظم ولائها وبعقلها
ورأيها ودينها فكان يستنصحها ويستشيرها، فقد يكون بعض الناس روى أن علياً
كان يتردد عليها لذلك فأخذ بعض أعداء الله تلك الحكاية وغيرها ذاك التغيير
الفاجر، كما غير بعضهم حديث: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى)) فجعل بدل
هارون قارون كما تراه في ترجمة حريز بن عثمان؛ وكان من عادة المحدثين التباهي
بالإغراب يحرص كل منهم على أن يكون عنده من الروايات ما ليس عند الآخرين
لتظهر مزيته عليهم وكانوا يتعنون شديداً لتحصيل الغرائب ويحرصون على التفرد
بها كما ترى في ترجمة الحسن بن علي المعمري من (لسان الميزان) وغيره، وكانوا
إذا اجتمعوا تذاكروا فيحرص كل واحد منهم على أن يذكر شيئاً يغرب به على
أصحابه بأن يكون عنده دونهم، فإذا ظفر بذلك افتخر به عليهم واشتد سروره
وإعجابه وانكسارهم.
وقد حكى ابن فارس عن الوزير أبي الفضل ابن العميد قال: ((ما كنت أظن في
الدنيا كحلاوة الوزارة والرياسة التي أنا فيها حتى شاهدت مذاكرة الطبراني وأبي
بكر الجعابي ..... )) فذكر القصة وفيها غلبة الطبراني قال ابن العميد (( فخجل
الجعابي، فوددت أن الوزارة لم تكن وكنت أنا الطبراني وفرحت كفرحه)) راجع
(تذكرة الحفاظ) (ج ٣ ص ١٢١)؛ ولم يكونوا يبالغون في سبيل إظهار المزية
والغلبة أكان الخبر عن ثقة أو غيره، صحيحاً أو غير صحيح؟ وقد كان عند زكريا
الساجي حديث عن رجل واه ومع ذلك لما لم يوجد ذاك الحديث إلا عند الساجي
صار له به شأن؛ وفي (لسان الميزان): ((قال الساجي: كتب عني هذا الحديث البزار
وعبدان وأبو داود وغيرهم من المحدثين، قال القراب: هذا حديث الساجي الذي
کان یُسأل عنه)).
وكانت طريقتهم في المذاكرة أن يشير أحدهم إلى الخبر الذي يرجو أنه ليس
٥٢٢

عند صاحبه ثم يطالبه بما يدل على أنه قد عرفه، كأن يقول الأول: مالك عن نافع
قال ... ، فإن عرفه الآخر قال: حدثناه فلان عن فلان عن مالك، وقد یذکر ما
يعلم أنه لا يصح أو أنه باطل كأن يقول: المقبري عن أبي هريرة مرفوعاً: ((أبغض
الكلام إلى الله الفارسية)). أو يقول: أبو هريرة مرفوعاً: ((خلق الله الفرس)) الخ.
وقد تقدم في ترجمة حماد بن سلمة.
وكان ابن أبي داود صلفا تياهاً حريصاً على الغلبة فكأنه سمع بعض النواصب
يروي بسند فيه واحد أو أكثر من الدجالين إلى الزهري أنه قال: قال عروة ...
فحفظ ابن أبي داود الحكاية مع علمه واعتقاده بطلانها لكن كان يعدها للاغراب
عند المذاكرة ولما دخل أصبهان ضايق محدثيها في بلدهم فتجمعوا عليه وذاكروه
فأعوزه أن يغرب عليهم ففزع إلى تلك الحكاية فقال: الزهري عن عروة ....
فاستفظع الجماعة الحكاية ثم بدا لهم أن يتخذوها ذريعة إلى التخلص من ذلك التياه
الذي ضايقهم في بلدهم، فاستقر رأيهم على أن يرفعوا ذلك إلى الوالي ليأمر بنفي
ابن أبي داود فيستريحوا منه، إذ لا يرون في القضية ما يوجب القتل فلما أمر أبو
ليلى بما أمر سقط في أيديهم، ورأوا أنهم إن راجعوه عاد الشر عليهم فقيظ (١) الله
تبارك وتعالى ذلك السَّري الفاضل محمد بن عبد الله بن الحسن فخلصهم جميعاً، ومن
الجائز أن يكون ابن أبي داود قبل نفيه من بغداد وقعت له مثل هذه الواقعة ولكن
كان أهل بغداد أعقل من أهل أصبهان فاقتصروا على نسبته إلى النصب ونفيه من
بغداد، وعلى كل حال فقد أساء جد الإساءة بتعرضه لهذه الحكاية من دون أن
يقرنها بما يصرح ببطلانها، ولا يكفيه من العذر أن يقال قد جرت عادتهم في
المذاكرة بأن يذكر أحدهم ما يرجو أن يغرب به على الآخرين بدون التزام أن
يكون حقاً أم باطلاً؛ لكن الرجل قد تاب وأناب كما تقدم والتائب من الذئب
كمن لا ذنب له، ولو كان الذنب كفراً صريحاً، وبعد التوبة لا يجوز أن يطعن في
الرجل بما قد تاب منه ولو كان كفراً، والذين كانوا يشنعون على أبي حنيفة بأنه
(١) كذا الأصل، وهو لغة في جعل الضاد ظاء وخاصة في الشعر. ن.
-
٥٢٣

استتيب من الكفر مرتين إنما كانوا يستروحون إلى أن عوده إلى ما استتيب منه حتى
استتيب ثانياً كأنه يريب في صحة توبته الأولى، وأنه بقي عنده ما يناسب ما
استتيب منه وإن لم يكن كفرا، وهذا تعنت سوغه عندهم أنهم احتاجوا إليه للتنفير
عن اتباع أبي حنيفة فيما لم يرجع عنه مما يرونه أخطأ فيه.
وبعد فقد أطبق أهل العلم على السماع من ابن أبي داود وتوثيقه والإحتجاج به
ولم يبق معنى للطعن فيه بتلك الحكاية وغيرها مما مر، فروى عنه الحاكم أبو أحمد
والدارقطني وابن المظفر وابن شاهين وعبد الباقي بن قانع حافظ الحنفية وأبو بكر
ابن مجاهد المقري، وخلق لا يحصون، وتقدم قول أبي الفضل صالح بن أحمد
التميمي الهمذاني الحافظ فيه («إمام العراق وعلم العلم في الأمصار ... )) وتقدم أيضاً
ثناء الشيخ وأبي نعيم، وذكر السلمي أنه سأل الدارقطني عنه؟ فقال: ((ثقة إلا أنه
كثير الخطأ في الكلام على الحديث)) وقال الخليلي ((حافظ إمام وقته عالم متفق عليه
واحتج به من صنف الصحيح أبو علي النيسابوري وابن حمزة الأصبهاني؛ وكان
يقال: أئمة ثلاثة في زمن واحد ابن أبي داود وابن خزيمة وابن أبي حاتم )) وقد طعن
الأستاذ في هؤلاء الثلاثة كلهم وعدهم مجسمين يعني أنهم على عقيدة أئمة الحديث،
وقد ذكرت ما يتعلق بذلك في قسم الاعتقاديات، وقال محمد بن عبد الله بن الشخير
في ابن أبي داود ((كان زاهداً عالماً ناسكاً رضي الله عنه وأسكنه الجنة برحمته)».
١٢٤ - عبد الله بن صالح؛ مرت الإشارة إلى حكايته في ترجمة الصقر، قال
الأستاذ (ص ٢٩): ((كاتب الليث المختلط)).
أقول: لم يتبين لي أهو هو أم عبد الله بن صالح العجلي أحد الثقات أم غيرهما؟
وكاتب الليث لم يختلط، ولكن أدخلت عليه أحاديث وترى شرح ذلك والفصل فيه
في (مقدمة فتح الباري)(١) .
١٢٥ - عبد الله بن عدي أبو أحمد الجرجاني الحافظ مؤلف (الكامل) وغيره.
(١) عبدالله بن عثمان. الصواب عبدالله بن عمر. يأتي .
٥٢٤

تعرض له الأستاذ ( ص ١٦٩) قال: كان ابن عدي على بعده من الفقه والنظر
والعلوم العربية طويل اللسان في أبي حنيفة وأصحابه)).
أقول: أبو أحمد إمام في الحديث ورجاله وعلله، واشتغاله بذلك عن التبسيط في
الفقه والنظر، لا يدل على بعده عن التأهل لذلك، وكان عنده من معرفة اللسان ما
يكفيه، وأما طول لسانه فذلك مقتضى مقامه وله في ذلك أسوة بأكابر أئمة
السنة (٢) .
١٢٦ - عبد الله بن عمر بن الرماح. راجع (الطليعة) (ص ٦٠ - ٦١). وفي
(تهذيب التهذيب) (ج ٧ ص ٤٤٧ وص ١٦٠): أنه يقال لعمر بن ميمون بن
حبر بن الرماح والد عبد الله هذا ((عمر بن الرماح)) ينسب إلى جده الأعلى،
وهكذا وقع في (سنن الترمذي) في ((باب ما جاء في الصلاة على الدابة في الطين
والمطر)) ومن لازم هذا أن يقال لعبد الله هذا: ((عبد الله بن عمر بن الرماح)) فزعم
الأستاذ في (الترحيب) (ص ٤٤ - ٤٥) أنني أنا تزيدت في نسبه ما شئت من
الأسماء تهمة باطلة، إنما بينت ما قام عليه الدليل، فأما تصحيف ((عمر)) إلى عثمان
كعكسه فكثير في الكتب، وقد ذكرت في (الطليعة) شاهده من كلام الأستاذ
نفسه، وإذا ذكر صاحب العلم أنه وقع في العبارة تصحيف أو نسبة للرجل إلى جده
أو غير ذلك، فالمدار على الدليل فإن كان معه دليل فحقه أن يشكر، وإلا فحقه
أن يعاب ويزجر، ولا سيما إذا كان الدليل يدفع ما ذكره، فلا يكفي الأستاذ في
دفع ما انتقدته عليه من هذا القبيل مما يخالف الدليل أن ينتقد على ما وقع مني من
ذاك القبيل حيث يقتضيه الدليل؛.
بقي أن الاستاذ زعم أن عبد الله بن عمر بن ميمون بن بحر بن الرماح مجهول
الصفة، فأقول: قال ابن حبان في (الثقات): ((عبد الله بن عمر بن ميمون بن
الرماح السعدي أبو عبد الرحمن البلخي قاضي نيسابور روى عن مالك ووكيع وأهل
(٢) عبدالله بن علي بن المديني. راجع (الطليعة) (ص ٤٤).
٥٢٥

العراق، حدثنا عنه الحسين بن إدريس الأنصاري وعبد الله بن محمد الأزدي: مستقيم
الحديث إذا حدث عن الثقات، وقد قيل: كنيته أبو محمد، وكان مرجئاً، مات سنة
أربع وثلاثين ومائتين)). وهذا من ابن حبان توثيق مقبول كما يأتي في ترجمته.
قال الاستاذ: ((فلا يناهض ما تواتر .... ))
أقول: أجل، لا يناهض ما صح تواتره، بل لا يناهض ما هو أثبت منه وإن لم
يتواتر، فإن كان الذي يناقض خبر عبد الله هذا متواتراً حقاً أو أثبت من خبر
عبد الله على الأقل، اندفع خبر عبد الله، وليس هذا موضع النظر في ذلك، وقد
عرفنا الأستاذ ودعاويه. والله الموفق.
١٢٧ - عبد الله بن عمرو أبو معمر المِنْقَري. في (تاريخ بغداد) (٣٨٢/١٣)
من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: (( حدثني أبو معمر قال: قيل
لشريك .... )) قال الأستاذ (ص ٦٤): ((فإن كان عبد الله بن عمرو المنقري
البصري فهو قدري لا تقبل روايته في حق مخالفه في المذهب، وإن كان الهروي
فقد سبق، على أن لفظ أبي معمر لفظ انقطاع)).
أقول: هو الهروي حتماً واسمه إسماعيل بن ابراهيم بن معمر تقدمت ترجمته، وفي
نزيل بغداد روى عن ... شريك ... وعنه
ترجمته من ( تهذيب التهذيب):
البخاري ومسلم ... وعبد الله بن أحمد ... قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبا معمر
يقول: من زعم أن الله لا يتكلم ولا يسمع ولا يبصر - وذكر أشياء من الصفات -
فهو كافر بالله .... مات ... سنة ٢٣٦)) فأما المنقري فبصري مقعد توفي سنة ٢٢٤
وعبد الله بن أحمد ولد ببغداد سنة ٢١٣ وليس في ترجمته من (التهذيب) ذكر
روايته عن شريك ولا رواية لعبد الله بن أحمد عنه، وهو مع ذلك ثقة جليل، وما
ذكر به من القدر لا يقدح فيه، وقول الأستاذ: ((لا تقبل روايته في حق مخالفه))
قد تقدم النظر في ذلك في القواعد، وكذلك النظر فيما يتعلق بقوله: ((لفظ
انقطاع)). وكلا الرجلين أعني: المنقري، والهروي غير مدلس. والله الموفق.
٥٢٦

١٢٨ - عبد الله بن محمد بن حميد أبو بكر بن أبي الأسود في (تاريخ بغداد)
(٣٨٧/١٣ -) عنه ((عن بشر بن مفضل قال: قلت لأبي حنيفة ... )) قال الأستاذ
(ص ٧٨): قال ابن أبي خيثمة: كان ابن معين سيء الرأي في أبي بكر بن أبي
الأسود )).
أقول: هذا مجمل وقد جاء عن ابن معين أنه قال: ((ما أرى به بأساً)) ((وجاء عنه
أيضاً أنه قال: ((لا بأس به ولكنه سمع من أبي عوانة وهو صغير وقد كان يطلب
الحديث)) فهذا يفسر رواية ابن أبي خيثمة. وقال ابن المديني: (( بيني وبين ابن أبي
الأسود ستة أشهر ومات أبو عوانة وأنا في الكتاب)) ومولد ابن المديني سنة ١٦١
وذكر هو أن وفاة أبي عوانة سنة ١٧٥ وقال غيره سنة ١٧٦ . فعلى ذلك يكون سن
ابن ابي الأسود حين وفاة أبي عوانة خمسة عشرة سنة أو أكثر، وكان ابن أخت عبد
الرحمن بن مهدي فقد يكون ساعده هو أو غيره في الضبط، وقد صحح الجمهور
السماع في مثل تلك السن وفيما دونها؛ نعم يؤخذ من كلام بعضهم أن أبا عوانة توفي
سنة ٢٧٠ ووقع في (تاريخ جرجان) لحمزة السهمي حكاية ذلك عن بعض الحفاظ
كما يأتي في ترجمة أبي عوانة، فعلى هذا يكون سن ابن ابي الأسود نحو تسع سنين
لكن ذاك القول شاذ ومع ذلك فابن تسع سنين قد يصح سماعه عندهم؛ والذي يرفع
النزاع من أصله أنه ليس في سماع الرجل وهو صغير ما يوجب سماعه عندهم؛
والذي يرفع النزاع من أصله أنه ليس في سماع الرجل وهو صغير ما يوجب الطعن
فيه، وإنما يتوجه الطعن إذا كان السماع غير صحيح، ومع ذلك كان الرجل يبني
عليه ويروي بدون أن يبين وهذا مُنْتَفٍ ها هنا، أما أوَّلاً فلأن احتمال صحة سماعه
من أبي عوانة ظاهر ولا سيما على المعروف من أن وفاة أبي عوانة كانت سنة خمس
أو ست وسبعين ومائة، وأما ثانياً فلأن البخاري وأبا داود والترمذي أخرجوا لابن
أبي الأسود ولم يذكروا شيئاً من روايته عن أبي عوانة وذلك يدل على أحد أمرين:
إما أن يكون ابن أبي الأسود لم يرو عن أبي عوانة شيئاً، وإما أن يكون ربما روى
عنه مع بيان الواقع؛ وعلى هذا فيكون كلام ابن معين وابن المديني إنما هو على
٥٢٧

سبيل الاحتياط علماً أنه سمع من أبي عوانة وهو صغير فخشيا أن يعتمد على ذلك
فیروي من غیر بیان.
فأما حاله في نفسه وفي روايته عن غير أبي عوانة فلا مطعن فيه، وقد روى عنه
البخاري في (صحيحه) وروى عنه أبو داود وهو لا يروي إلا عن ثقة عنده كما في
ترجمة أحمد بن سعد بن أبي مريم، وقال الخطيب: ((كان حافظاً متقناً)). وحكايته
المتقدمة أول الترجمة من روايته عن بشر بن مفضل المتوفى سنة ١٨٧، أي حين كان
سن ابن أبي الأسود ستا وعشرين سنة أو أزيد؛ والله الموفق.
١٢٩ - عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيَّان أبو الشيخ الأصبهاني الحافظ؛ قال
الأستاذ ( ص ٤٩): ((صاحب (كتاب العظمة) و ( كتاب السنة) وفيهما من
الأخبار التالفة ما لا آخر له، وقد ضعفه بلديه الحافظ العسال بحق)).
أقول: أما ما في كتبه من الأخبار الواهية فهو كغيره من حفاظ عصره وغيرهم
قال ابن حجر في (لسان الميزان) (ج ٣ ص ٧٥) في ترجمة الطبراني: ((عاب عليه
إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي جمعه الأحاديث بالأفراد مع ما فيها من النكارة
الشديدة والموضوعات ... وهذا أمر لا يختص به الطبراني ... بل أكثر المحدثين في
الأعصار الماضية من سنة مائتين وعلم جرا إذا ساقوا الحديث بإسناده اعتقدوا أنهم
برئوا من عهدته)) وقد مر النظر في ذلك في ترجمة أبي نعيم أحمد بن عبد الله
الأصبهاني.
فأما العسال فهو أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان الأصبهاني، له
أيضاً كما في ترجمته من (تذكرة الحفاظ) (ج ٣ ص ٩٧) ( كتاب العظمة)،
و( كتاب المعرفة في السنة)، و( كتاب الرؤية) وغيرها ولعل فيها نحو ما في كتب
أبي الشيخ؛ وما زعم الأستاذ أن العسال ضعف أبا الشيخ فلم أظفر بذلك، إلا أني
أذكر أنني قبل مدة وقفت على قصته في كتاب لا أذكر الآن أي كتاب هو؟
جرت بين عالمين، فإن كانا هما العسال وأبا الشيخ فحاصل القصة على ما أذكر أن
٥٢٨

أبا الشيخ كان عنده حكاية يرى العسال أنها خطأ من بعض الرواة أو أن فيها مقالة
رجع عنها صاحبها، وذكر العسال أنه سيهجر أبا الشيخ حتى يخرج الحكاية من
كتابه، وليس في هذا تضعيف، ولا أذكر في القصة ما يصح أن يعد تضعيفاً، وعلى
العالم أن لا يُعمي مصدره فيتعب الناس ويرتابوا فيه. بل ينبغي له أن ينص على
مصدره اللهم إلا أن يكون على طرف التمام كأن يقول في راوٍ: ضعفه فلان، وذلك
موجود في ترجمة الرجل من (الميزان) مثلاً فهذا لا حرج فيه، فأما من يعمي
مصدره ولا سيما في عصرنا هذا، فإنما يدل على أنه لأمر ما يكره أن يعرفه الناس،
والكتب التي بأيدينا ليس فيها إلا الثناء على أبي الشيخ وتوثيقه وإطراؤه فلم يذكره
الذهبي في (الميزان) ولا ابن حجر في (اللسان) ولا أشار الذهبي إلى تليين له في
(تذكرة الحفاظ) وهكذا عدة كتب أخرى توجد فيها ترجمته وذلك مع تعمية
الأستاذ لمصدره كافٍ في الدلالة على أن ما زعمه الأستاذ غير صحيح، إما لعدم
صحة إسناده، وإما لأنه ليس ما وقع بتضعيف، وإما لغير ذلك.
هذا وقد كنت كتبت إلى بعض أهل العلم أسألهم، فلم أحصل على خبر إلا أن
أحدهم أخبرني أنه اجتمع بالأستاذ الكوثري نفسه (١).
١٣٠ - عبد الله بن محمد بن جعفر القزويني في (تاريخ بغداد) (٤٠٤/١٣):
أخبرني أبو نصر أحمد بن الحسين القاضي بالدينور أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن
إسحاق السني الحافظ قال: حدثني عبد الله بن محمد بن جعفر حدثنا هارون بن
إسحاق سمعت محمد بن عبد الوهاب القناد يقول: حضرت مجلس أبي حنيفة فرأيت
مجلس لغو لاوقار فيه، وحضرت مجلس سفيان الثوري فكان الوقار والسكينة والعلم
فلزمته)). قال الأستاذ (ص ١٢٥): ((ليس أبا الشيخ ابن حيان لأنه لم يدرك
هارون بن إسحاق الهمداني المتوفي سنة ٢٥٨ بل هو القاضي القزويني الكذاب
(١) كذا الأصل، والظاهر أن المصنف لم يتذكر جيداً نتيجة الاجتماع، فأحب التأكد منها
بسؤال المخبر فلم يتيسر له ذلك، حتى جاءه الموت. رحمه اللّه تعالى.
٥٢٩

المشهور الذي وضع على لسان الشافعي نحو مائتي حديث ولم يرو الشافعي شيئاً من
ذلك أصلا، لكن لخطيب لا يتورع أن يروى بطريقه في مثالب أبي حنيفة كما لا
يتحرج أن يروي بطريقه في مناقب الشافعي ..... ولولا مثل هذه الأمور المكشوفة
لما كانت السهام المصوبة إلى نحر الخطيب لتصيب المقتل منه)).
أقول: أما الجزم بأنه ليس أبا الشيخ ففي محله، وأما الجزم بأنه القزويني فليس
بجيد لأنهم لم ينصوا على أنه يروي عن هارون ولا على أن ابن السني يروي عنه،
وكتب الرجال التي بين أيدينا لم تستوعب الرواة، نعم يظهر من كلام الذهبي في
خطبة (الميزان) أنه استوعب المتكلم فيهم، وأن من لم يذكره فهو إما ثقة وإما
مستور، ومعلوم أن ذلك بحسب ما وقف عليه ولم يغفل عنه، وقد استدرك عليه
من بعده جماعة وقفت أنا في الكتب الأخرى على أفراد مضعفين لم يذكروا في
(لسان الميزان)، وحاول جماعة استيعاب الثقات، والموجود بين أيدينا من كتاب
ابن حبان وهو مختص بالقدماء هارون بن إسحاق وطبقته ومن قبلهم، وكثيراً ما
يوجد في أسانيد كتب الحديث التي لم يعتن أهل العلم باستيعاب رواتها وكتب
التاريخ وغيرها مما تذكر فيه الأخبار بأسانيدها أسماء رواة لا نجدهم في الكتب التي
بأيدينا ومنها أسماء تشبه الموجودين في الكتب ولكن تقوم القرائن على أن المذكور
في السند رجل آخر، فإن فرضنا أن الخطيب التزم أن لا يروي في (تاريخه) شيئاً
عن مثل القزويني فهذه قرينة على أنه كان يرى أن هذا الرجل غير القزويني، وإن
كان الخطيب لم يلتزم ذلك وفرضنا أن هذا الرجل هو القزويني وأن الخطيب عرف
ذلك فعذر الخطيب واضح وهو أنه لم يلتزم أن لا يروي عن مثله مثل تينك
الحكايتين .
أما الحكاية التي في (مناقب الشافعي) فإنما هي رؤيا لا تضع حكماً ولا ترفعه،
والمناقب مما يتسامح فيها، وقد تسامح الحنفية في رواية الأكاذيب المكشوفة
والأحاديث الموضوعة في مناقب إمامهم كما يأتي في ترجمة محمد بن سعيد البورقي مع
أمثلة أخرى لا تحصى، وتبعهم الخطيب نفسه فروى في مناقب أبي حنيفة كثيراً من
٥٣٠

ذلك، بل تسامح الحنفية في الكتب التي يسميها الأستاذ ((المسانيد السبعة عشرة))،
وزاد عليهم الأستاذ فاحتج بأشياء من ذلك.
وأما الحكاية التي في صدر هذه الترجمة فما يتعلق منها بالثوري ثابت من غير
وجه كما يعلم من مراجعة ترجمته في (تقدمة الجرح والتعديل) لكتاب ابن أبي حاتم
و(تاريخ بغداد) وغيرهما ((حتى كان الرجل يجيء إلى المكان الذي فيه الثوري
وأصحابه فيقرب من المكان فيحسبه خالياً فإذا فتح الباب وجده غاصاً بالناس)).
وما يتعلق بأبي حنيفة إنما المراد باللغو رفع الأصوات في المناظرة بالرأي والمراد
بالوقار خفض الأصوات، وعلى هذا فمعنى ذلك ثابت أيضاً بروايات أخرى، ومع
هذا فالقزويني إنما خلط في آخر عمره فإن كان هو الواقع في السند وعرف الخطيب
ذلك فلعله علم أن سماع ابن السني من القزويني قديم، قال مسلمة بن قاسم في
القزويني: « کان کثیر الحدیث والرواية، و کان فیه بأو (١) شدید وإعجاب، و کان لا
يرضى إذ عورض في الحديث أن يخرج لهم أصوله ويقول: هم أهون من ذلك؛
قال: فحدثني أبو بكر المأمون وهو من أهل العلم العارفين بوجوهه قال: ناظرته يوماً
وقلت له: ما عليك لو خرجت لهم أصلاً من أصولك؟ فقال: لا ولا كرامة؛ ثم قام
فأخرجها، وعرض عليَّ كل حديث اتهموه فيه مثبتاً في أصوله)) وقال ابن يونس:
((كان محموداً في القضاء وكانت له حلقة بمصر وكان يظهر عبادة ، وثقل سمعه
جداً ، وكان يفهم الحديث ويحفظ ويُملي ويجتمع إليه الخلق فخلط في الآخر ووضع
أحاديثُ ... )) ثم قال: ((مات بعد أن افتضح بيسير)).
١٣١ - عبد الله بن محمد بن جعفر المعروف بصاحب الخان بأرمية، في (تاريخ
بغداد) (٣٩٨/١٣) ((أخبرنا أبو نصر أحمد بن إبراهيم المقدسي بسادة حدثنا
عبد الله ( كذا) محمد بن جعفر المعروف بصاحب الخان بأرمية قال: حدثنا محمد بن
إبراهيم الديبلي ..... )) قال الأستاذ (ص ١١١): ((والله أعلم بحال من لا يعرف إلا
بصاحب الخان بأرمية)).
(١) أي تكبر وتفاخر - زهير .
٥٣١

أقول: وأنا لم أعرفه ولا أدري ما الساقط أكلمة ((بن)) بعد عبد الله أم كلمة
((أبو)) قبلها؟
١٣٢ - عبد الله بن محمد بن سيار الفَرْهَياني ويقال الفَرْهَاذاني؛ في (تاريخ
بغداد) (٤١٢/١٣) من طريقه: «سمعت القاسم بن عبد الملك أبا عثمان يقول
سمعت أبا مسهر يقول: كانت الأئمة تلعن أبا فلان على هذا المنبر - وأشار إلى
منبر دمشق؛ قال الفرهياني: وهو أبو حنيفة)) قال الأستاذ (ص ١٤٥): ((من
شيوخ ابن عدي ومحمد بن الحسن النقاش ومن طرازهما في المعتقد فلا يوثقه إلا
مثله)) وقال قبل ذلك: ((لعن شخص معين لا يكون فيه نص في الشرع على أنه من
أهل النار يعد ذنباً عظيماً في هذا الدين الحنيف ... على أن ... في رواية أبي
مسهر .... كانت الأئمة تلعن أبا فلان .... فجعل الفراهيناني(١) الخبيث أبا فلان
أبا حنيفة من غير دليل ... )).
أقول: قال الذهبي في (تذكرة الحفاظ) (ج ٢ ص ٢٥٥): ((الحافظ الإمام
الثقة ... روى عنه محمد بن الحسن النقاش المقريء وأبو أحمد بن عدي وأبو بكر
الإسماعيلي وبشر بن أحمد الاسفرائني وأبو عمرو بن حمدان وغيرهم قال ابن عدي:
كان رفيق النسائي وكان ذا بصر بالرجال وكان من الأثبات، سألته أن يملي عليّ
عن حرملة فقال: حرملة ضعيف. ثم أملي عليّ ثلاثة أحاديث ولم يزدني)) وقد حاول
الأستاذ (ص ٦٦) أن يجعل ابن أبي العوام من الثقات الأثبات لأنه روى عن
النسائي، مع أن الرواية عن مثل النسائي أو من هو خير منه لا تدل على إسلام
الراوي فكيف عدالته؟ فكيف أن يكون من الثقات الأثبات؟ فأما مرافقة مثل
النسائي في العلم وطلبه فدلالتها على حسن حال المرافق ظاهرة؛ وابن عدي من أجلة
(١) كذا قال الاستاذ، وقال: ((وقع في الطبعات الثلاث بدل (الفراهيناني) (الفرهياني)
وهو غلط)). كذا قال، وفراهينان من قرى مرو ليس منها هذا الرجل، وانما هو من
فرهاذان فيقال له: ((الفرهاذاني)) على الأصل و((الفرهياني)) على التغيير كما في (معجم
البلدان). (المؤلف) قلت: ونحوه في ((اللباب)) وذلك مما يؤكد غلط الكوثرين.
٥٣٢

أئمة الفن وإن كره الأستاذ، ومعتقده هو السنة بل هو الإسلام وإن رغم الجهمية!
وقد تقدم الاشارة إلى هذا في قسم القواعد وبسطت الكلام في العقائد في قسم
الاعتقاديات.
وأما لعن المعين فالخلاف فيه مشهور، ولعل من شدد في المنع منه إنما ذهب إلى
سد الذريعة لئلا يتوصل إلى لعن بعض الصحابة، على أنه قد كان يبلغ علماء دمشق
عن أبي حنيفة كلمات يرونها كفراً وبعضها مسطر في (التأنيب) نفسه، وظاهر
أسانيدها الصحة، فلا مانع أن يبنوا على ظاهر ذلك ومن بنى على الظاهر فأخطأ
فهو معذور، وقول الفرهياني: ((وهو أبو حنيفة)) لم يقلها بغير دليل وقد مر في
(الترجمة) نفسها من (تاريخ بغداد) (٣٧٨/١٣) من طريق أبي مسهر نفسه ((قال
سلمة بن عمرو القاضي على المنبر: لا رحم الله أبا حنيفة فإنه أول من زعم أن
القرآن مخلوق)) والدعاء بعدم الرحمة هو معنى الدعاء بالإبعاد عنها وهو معنى
اللعن، فأما قول الأستاذ: ((الخبيث)) فأدع حسابها إلى الله عز وجل.
١٣٣ - عبد الله بن محمد بن عبد العزيز أبو القاسم البغوي ابن بنت أحمد بن
منيع. و: ابن منيع. و: المنيعي. في (تاريخ بغداد) (٣٧٨/١٣): ((أخبرنا العتيقي
أخبرنا جعفر بن محمد بن الطاهري حدثنا أبو القاسم البغوي حدثنا زياد بن أيوب
حدثني حسن بن أبي مالك وكان من خيار عباد الله قال: قلت لأبي يوسف القاضي:
ما كان أبو حنيفة يقول في القرآن؟ قال فقال: كان يقول: القرآن مخلوق. قال
قلت: فأنت يا أبا يوسف؟ فقال: لا. قال أبو القاسم: فحدثت بهذا الحديث
القاضي البِرتي، فقال لي: وأي حسن كان، وأي حسن كان؟ يعني: الحسن بن أبي
مالك؛ قال أبو القاسم: فقلت للبرتي: هذا قول أبي حنيفة؟ قال: نعم المشئوم، قال
جعل يقول: أحدث بخلقي)) قال الأستاذ (ص ٥٤): ((هذه كذبة متراكبة على
ألسنة أبي يوسف وابن أبي مالك وأحمد بن القاسم البرتي وثلاثتهم من أغير أهل العلم
على مذهب أبي حنيفة، وأرطبهم لساناً في الثناء على أبي حنيفة، ولا أتهم بهذه
الرواية السخيفة سوى أبي القاسم البغوي - إن كان الخطيب سمعها من العتيقي،
٥٣٣

وقد قال ابن عدي عن حاله عند أهل بغداد: وجدت الناس أهل العلم والمشايخ
مجمعين على ضعفه، وتجد بعد هذا الإجماع من يروى عنه، وكم أوقع الرواة تطلبُ
العلو في الرواية عن الضعفاء والهلكي، لولا أن البغوي الحنبلي عاش وعلت سنه لما
كان يروي عنه أحد ممن له شأن لظهور مبدأ أمره كما سبق)).
أقول: أما غيرة أولئك الثلاثة على مذهب أبي حنيفة وثناؤهم عليه فما يصح من
ذلك لا يمنع أن يخالفوه في تلك المقالة كما خالفه أبو يوسف في مسائل لا تحصى،
ولا مانع من أن يخبر بعضهم بعضاً بها، ولا أن يخبرها الحسن زياداً ليعلمه براءة أبي
يوسف من تلك المقالة، ولا سيما إذا علم أنها مستفيضة عن أبي حنيفة، وكان حفيده
إسماعيل بن حماد يصرخ بها صراخاً أيام المحنة وأنها دين أبيه وجده، وجاء عن
الحِمَّاني أنه حدثه عشرة كلهم ثقات أنهم سمعوا أبا حنيفة يقول هذه المقالة؛
والأستاذ وإن تكلم في الرواة فهو يعترف بل يتبجح بأن أبا حنيفة كان يقول ذلك،
وكذلك لا مانع أن يخبر البرتي البغوي لعلمه بأنه قد علم ذلك وليعلمه براءته، مع
أن الحسن والبرتي كانا من الاعتدال والاستقامة وحب السنة بمكان، ولذلك أطاب
أهل الحديث أنفسهم الثناء عليهما .
وأما البغوي فإن أهل العلم بعده أجمعوا على توثيقه، هذا ابن عدي بعد أن حط
عليه بما لا يوجب جرحاً لم ينكر عليه إلا حديثاً واحداً أشار إلى أنه غلط في إسناده
فأثبت ابن حجر في (لسان الميزان) أن الغلط من شيخ البغوي، وأن البغوي بعد
اطلاعه على أنه غلط كف عن روايته ثم عاد ابن عدي فأنصف وقال: ((ولولا أني
شرطت أن كل من تُكُلِّم فيه (يعني ولو بكلام يسير لا يقدح) أذكره وإلا كنت
لا أذكره)). وأعرض الخطيب عن كلام ابن عدي رأساً، وذكره ابن الجوزي في
(المنتظم) (ج٦ ص٢٢٩) وذكر بعض كلام ابن عدي وأجاب عنه وقال: ((هذا
كلام لا يخفى أنه صادر عن تعصب)) وقال الذهبي في (الميزان): ((تكلم فيه ابن
عدي بكلام فيه تحامل ثم في أثناء الترجمة أنصف ورجع عن الخط عليه)).
وإنما كان البغوي عالي الاسناد حديد اللسان يفتخر على المحدثين في عهده في
٥٣٤

بلده ويتكلم فيهم فيتكلمون فيه بما ليس بموجب جرحاً، وروى الخطيب أن أبي
حاتم سئل عن البغوي يدخل في الصحيح؟ قال: نعم. وعن أبي بكر أحمد بن عبدان
أنه سئل عن البغوي فقال: ((لا شك أنه يدخل في الصحيح)) وعن الدارقطني أنه
سئل عن البغوي فقال: ((ثقة جبل إمام من الأئمة ثبت أقل المشايخ خطأ)) وعن
موسى بن هارون أنه سئل عن البغوي، فقال: (( ثقة صدوق لو جاز أن يقال الإنسان
إنه فوق الثقة لقيل له))؛ وقال الخطيب في أول الترجمة: ((كان ثقة ثبتاً مكثراً فهماً
عارفاً))؛ وقال الذهبي في (التذكرة): ((واحتج به عامة من خرج الصحيح
كالإسماعيلي والدارقطني والبرقاني .... وقال أبو يعلى الخليلي: البغوي شيخ معمر ...
حافظ عارف صنف مسند عمه وقد حسدوه في آخر عمره فتكلموا فيه بشيء لا
يقدح فيه)). ووثقه أيضاً مسلمة بن قاسم كما في (لسان الميزان) فهذا هو الإجماع يا
أستاذ! وهل يضر البغوي بعد ذلك أن يتهمه مثلك؟.
وأما الخطيب فقد تقدمت ترجمته وأنت تعرف صدقه وثبته حق المعرفة وإن
أظهرت التشكك. والله المستعان. (١)
١٣٤ - عبد الله بن محمد العتكي. في (تاريخ بغداد) (٣٢٥/١٣) من طريق
((الأبّار حدثنا عبد الله بن محمد العتكي البصري حدثنا محمد بن أيوب الذارع قال:
سمعت يزيد بن زُرَيع ... )) قال الأستاذ (ص١٦): ((العتكي والذارع مجهولان)).
أقول: لم أعرفهما بعد وفي الرواة حسين بن محمد بن أيوب الذارع يروي عن يزيد
ابن زريع وغيره كما في ترجمته من (التهذيب) وهو بصري ثقة؛ فالله أعلم.
١٣٥ - عبد الله بن محمود. راجع (الطليعة) (ص ٨٦ - ٨٧). زعم الأستاذ في
(الترحيب) أنه لم يوثقه أحد من أهل عصره(٢) وأن الحاكم متأخر عنه، مع أن الحاكم
(١) عبدالله بن محمد بن عثمان المزني الحافظ المعروف بابن السقاء راجع (الطليعة) (ص
٣٢) وراجع (تذكرة الحفاظ) (ج ٣ ص ٢٣١).
(٢) انظر ما يأتي في ترجمة عبيدالله بن عبدالكريم.
٥٣٥

لا يعتد به، فأما الذهبي فمتابع للحاكم، ثم أومأ الأستاذ الى أن بعض أهل عصره
وثقه، وأنني إذا فتشت وجدته.
فأقول: لا حاجة الى التفتيش، والحاكم أقرب الى عبد الله بن محمود من ابن معين
الى أبي حنيفة! فضلاً عن التابعين وأتباعهم الذين يوثقهم ابن معين ويعمل أهل العلم
بتوثيقه لهم، والحاكم إمام مقبول القول في الجرح والتعديل ما لم يخالفه من يرجح
عليه وستأتي ترجمته؛ ولم يقتصر الذهبي على حكاية كلمة الحاكم بل قال من عنده:
((الحافظ الثقة))، وفوق ذلك فعبد الله من شيوخ ابن خزيمة كما في (تذكرة الحفاظ)
ولعله روى عنه في صحيحه، ومن شيوخ ابن حبان كما في معجم البلدان (بُسْت)
وذكره في (ثقاته) وذكر تاريخ وفاته، وتوثيق ابن حبان لمن عرفه حق المعرفة من
أثبت التوثيق كما يأتي في ترجمته.
١٣٦ - عبد الله بن معمر. في (تاريخ بغداد) (٣٨٢/١٣) من طريق «أحمد
ابن مهدي حدثنا عبد الله بن معمر حدثنا مؤمَّل بن إسماعيل ... )) قال الأستاذ
(ص ٦٥): ((متروك كما في (الميزان))).
أقول: الذي في (الميزان) لا يتبين أهذا هو أم غيره؛ والحكاية التي ساقها
الخطيب لها عنده عدة طرق أخرى.
١٣٧ - عبد الأعلى بن مسهر أبو مسهر الدمشقي. في (تاريخ بغداد)
(٣٧٢/١٣) من طريق « يعقوب بن سفيان حدثني علي بن عثمان بن نفیل حدثنا
أبو مسهر حدثني يحيى بن حمزة ... )) قال الأستاذ (ص٣٩): ((ممن أجاب في
المحنة، فترد روايته مطلقاً عند من يرد رواية من أجاب في المحنة)).
أقول: هذا إمام جليل من الشهداء في سبيل السنة ومن فرائس الحنفية الجهمية
لمخالفته لهم في الفقه والعقيدة ولم يجب بحمد الله تعالى، ومن زعم أنه أجاب فقد
صرح بأن ذلك بعد تحقق الإِكراء، قال ابن سعد: ((أشخص من دمشق الى المأمون
في المحنة فسئل عن القرآن فقال: كلام الله، فدعي له بالسيف ليضرب عنقه، فلما
٥٣٦

رأى ذلك فقال: مخلوق. فأمر بإشخاصه الى بغداد فحبس بها فلم يلبث إلا يسيراً
حتى مات)) وقال أبو داود: ((كان من ثقات الناس، لقد كان من الإسلام بمكان
حمل على المحنة فأبى، وحمل على السيف فمد رأسه وجرد السيف فأبى أن يجيب،
فلما رأوا ذلك منه حمل الى السجن فمات))؛ وأبو داود أثبت من عدد مثل ابن
سعد، والظاهر أنه لم يحضر الواقعة واحد منهما ولكن بعض الحاضرين لها من
الجهمية أخبر بما ذكر ابن سعد، وبعض الحاضرين من اهل السنة أخبر بما ذكر أبو
داود؛ والمشدَّد على الذين أجابوا في المحنة هو الإمام أحمد ومع ذلك لم يقل لا تقبل
روايتهم، وإنما كره الكتابة عنهم؛ وقد سلف بيان الوجه في ذلك في ترجمة إسماعيل
ابن ابراهيم بن معمر، ثم الظاهر أن ذاك خاص بمن أجاب قبل تحقق الإكراه، فأما
أبو مسهر فإن كان أجاب فبعد تحقق الإكراه وقد أثنى عليه بعد موته الإمام أحمد
نفسه قال أبو داود: ((سمعت أحمد يقول: رحم الله أبا مسهر ما كان أثبته)).
١٣٨ - عبد الرحمن بن الحكم بن بشير بن سلمان. في (تاريخ بغداد)
(١٨١/١٣) من طريق ((علي بن ياسر حدثني عبد الرحمن بن الحكم بن شتر (؟
بشير) بن سلمان عن أبيه أو غيره وأكبر ظني أنه عن غير أبيه قال: كنت عند حماد
ابن أبي سليمان .... )) قال الأستاذ (ص ٦١): ((ولم أر من وثقه)).
أقول: ذكر بن أبي حاتم في جملة من روى عن عبد الرحمن هذا أبا زرعة ومن
عادة أبي زرعة أن لا يروي إلا عن ثقة كما في (لسان الميزان) (ج ٢ ص ٤١٦)؛
وذكر ابن أبي حاتم عن ابراهيم بن موسى قال: ((ما رأيت أحداً أفهم لمشيخة أبي
إسحاق الهمداني من عبد الرحمن بن الحكم)) قال ابن أبي حاتم: ((سمعت محمد بن
مسلم (بن وارة) يقول: كان عبد الرحمن بن الحكم أعلم الناس بشيوخ الكوفيين))؛
ورأيت ابن أبي حاتم ينقل أشياء من كلامه جرحاً وتعديلاً وهذا يقتضي أنه عنده
ممن يقبل منه ذلك (١).
(١) عبدالرحمن بن داود بن منصور. راجع الطليعة (ص ٥٦).
عبدالرحمن بن عبدالله بن راشد ابو الميمون البجلي تقدم في ترجمة تمام.
٥٣٧

١٣٩ - عبد الرحمن بن عمر الزهري أبو الحسن الأصبهاني الأزرق المعروف
برسته، في (تاريخ بغداد) (٤١٠/١٣) عنه عن جَبَّر وهو عصام بن يزيد
الأصبهاني ((سمعت سفيان الثوري يقول: أبو حنيفة ضال مضل)) قال الأستاذ
(ص١٣٦): ((رسته أصبهاني ميلاده سنة ١٨٨ في رواية ابن أخيه قبل وفاة ابن
مهدي بعشر سنين فقط ويستبعد أن يجهل ابن أخيه ميلاده، ومع هذا يقال: إنه
روى عن ابن مهدي ثلاثين ألف حديث فلا يتصور هذا الإكثار لابن عشر وقد
انفرد ابن ماجه من أصحاب الأصول الستة بالرواية عنه؛ قال أبو موسى المديني:
تكلم فيه أبو مسعود - وهو الحافظ البارع أحمد بن الفرات الرازي - كتب الى
أهل الري ينهاهم عن الرواية عنه، ويكثر الغريب في حديثه، وقال أبو محمد بن
حيان غرائب حديثه تكثر )).
أقول: في (تهذيب التهذيب): ((قال محمد بن عبد الله بن عمر بن مزيد: ولد
عمي عبد الرحمن سنة ١٨٨ ومات سنة ٢٥٥ وقال أبو الشيخ: مات سنة ٢٤٦
ويقال سنة ٢٥٠)) قال ابن حجر ((في صحة ما ذكر من مولده نظر. فإن أبا نعيم في
(تاريخ أصبهان) وصفه بأنه كان راوية يحيى القطان وابن مهدي .... وابن مهدي
مات سنة ١٩٨ ... ويحيى القطان مات أيضاً في أوائل سنة ٩٨)) أقول: وقفت على
نسخة قلمية من ( كتاب أبي الشيخ) ونسخة قلمية من (تاريخ أبي نعيم) وفي كل
منهما أنه مات سنة ٣٤٦ ويقال سنة ٥٠(١) ولم يذكرا خلاف ذلك ولا ذكرا مولده
ولم أجد فيهما ترجمة لابن أخيه؛ وذكرا أخاه عبد الله وأنه أيضاً راوية لابن مهدي
والقطان وأنه توفي سنة ٢٥٢ زاد أبو نعيم: ((ولد سنة سبع وثمانين ومائتين)) كذا،
وفي المطبوعة: سبع وثمانين ومائة. وذكر أبو نعيم أخاهما محمد بن عمر وقال: ((توفي
سنة ثلاث وستين ومائتين وله اثنان وتسعون سنة وكان أصغر الأخوة))! وكنت
أخشى أن يكون في العبارة تصحيفاً، لكن في النسخة المطبوعة (١٨٧/١) ما
يوافقها، ولفظه: (( توفي سنة ثلاث وستين ومائتين في الوباء وله اثنان وتسعون
(١) قلت: وكذلك في مخطوطة الظاهرية من ((طبقات المحدثين بأصبهان)) (ق ٢/٧٣).
٥٣٨

سنة))؛ فعلى هذا يكون مولده نحو سنة ١٧١ فعلى أقل تقدير يكون مولد عبد
الرحمن سنة ١٧٠؛ وذكر أبو الشيخ وأبو نعيم ترجمة لابن عبد الرحمن وهو الحسن
ابن عبد الرحمن بن عمر وأنه سمع من عثمان بن الهيثم، وعثمان بن الهيثم توفي سنة
٢٢٠؛ وروى أبو نعيم من طريق الحسن: ((نا العلاء بن عبد الجبار)) والعلاء توفي
سنة ٢١٢ وهو بصري نزل مكة، ومن البعيد أن يكون عبد الرحمن تزوج وولد له
ورحل بابنه من أصبهان الى مكة فسمع الحديث، كل هذا وعمر عبد الرحمن نحو
أربع وعشرين سنة، وروى أبو الشيخ عن ابراهيم بن محمد بن الحارث عن أحمد بن
حنبل قال: ((ما ذهبت يوماً إلى عبد الرحمن بن مهدي إلا وجدت الأخوين
الأزرقين عنده، يعني عبد الرحمن وأخاه)) ولابراهيم هذا عند أبي الشيخ وأبي نعيم
ترجمة حسنة وإن لم يصرحا بتوثيقه.
وفي (التهذيب) في ترجمة عبد الرحمن هذا: ((قال أحمد: ما ذهبت الى ابن
مهدي إلا وجدته عنده)) وابن مهدي قدم بغداد سنة ثمانين ومائة وفي التي تليها
وأخذ أحمد يتردد إليه من حينئذ، وربما كان الصواب في عمر محمد ((اثنتان
وسبعون سنة)) فلا يلزم أن يكون مولد عبد الرحمن على أقل تقدير سنة ١٧٠ كما
مر، ومع ذلك فكلمة الامام أحمد وما تقدم من رواية الحسن بن عبد الرحمن:
حدثنا العلاء بن عبد الجبار. يدفع أن يكون مولد عبد الرحمن سنة ١٨٨ ولولا
ذلك لقلت: لعله ولد أول سنة ١٨٨ وكان أخوه عبد الله أكبر منه بسنة فوردا
بغداد في سنة ١٩٦ وأحدهما في التاسعة والآخر في العاشرة وكان الوارد بها رجل
أثقة ثبت ذو جاه فحظى عند ابن مهدي والقطان فأقبلا على الاملاء على الغلامين
بحضرة كل منهما وضبط لهما سماعهما في أصول محققة، فاطلع أبو زرعة وأبو حاتم
وابن وارة على تلك الأصول فوجدوها مثبتة محققة فاعتمدوا عبد الرحمن؛ والله
أعلم بحقيقة الحال.
وقال أبو موسى المديني: ((تكلم فيه أبو مسعود، وخرج الى الري فكتب إليهم
فيه فلم يبالوا بكتابه، وحضر مجلسه أبو حاتم وأبو زرعة وابن وارة))؛ وقال ابن أبي
٥٣٩

حاتم: ((روى عن عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان ... روى عنه أبي
وأبو زرعة ... سئل أبي عنه فقال: صدوق)). ومن عادة أبي زرعة أن لا يروي إلا
عن ثقة كما في (لسان الميزان) (ج ٢ ص ٤١٦)؛ وكل من أبي زرعة وأبي حاتم
وابن وارة أجل من أبي مسعود وأثبت وأيقظ وأعرف، فما رووا عن هذا الرجل عن
ابن مهدي والقطان إلا وقد عرفوا صحة سماعه منهما.
وأما الغرائب، فمن كثر حديثه كثرت غرائبه، وليس ذلك بقدح ما لم تكن
مناكير الحمل فيها عليه، وليس الأمر هنا كذلك، وقد قال أبو الشيخ في أبي
مسعود: ((وغرائب حديثه وما ينفرد به كثير)) ويقول نحو هذا في تراجم آخرين
وثقهم هو وغيره؛ وذكر ابن حبان عبد الرحمن هذا في (الثقات)؛ وفي ترجمة جبّر
من ( كتاب أبي الشيخ) من طريق سفيان صالح بن مهران عن جبر عن الثوري
كلمة أخرى أشد مما رواه عبد الرحمن فهي في معنى المتابعة له. والله أعلم (١) .
١٤٠ - عبد الرحمن بن محمد بن إدريس أبو محمد بن أبي حاتم الرازي. في
(تاريخ بغداد) (٤٠٠/١٣) عنه ((حدثنا أبي حدثنا ابن أبي سريج قال: سمعت
الشافعي يقول: سمعت مالك بن أنس، وقيل له تعرف أبا حنيفة؟ فقال: نعم، ما
ظنكم برجل لو قال هذه السارية ذهب لقام دونها حتى يجعلها من ذهب أو فضة
وهي من خشب أو حجارة !. قال أبو محمد: يعني أنه كان يثبت على الخطأ ولا
يرجع إلى الصواب إذا بان له))؛ تكلم الأستاذ في هذا (ص ١١٤ - ١١٦) وهو
كلام طويل، فلنلخص مقاصده:
الأول: أن المعروف في الحكاية ((لقام بحجته)) بدل ((لقام دونها ... )) كذلك في
(تاريخ بغداد) (٣٣٥/١٣) و (المنتظم) لابن الجوزي وكذلك في رواية أبي الشيخ
عن أبي العباس الجمال عن أبي سريج ومثلها في (طبقات الفقهاء) للشيرازي.
الثاني: أن مقصود مالك مدح أبي حنيفة بقوة العارضة، وقد روى ابن عبد البر
(١) عبدالرحمن بن مالك بن مغول. تقدم في ترجمة الصقر.
٥٤٠