النص المفهرس

صفحات 481-500

١٠٥ - سليمان بن عبد الحميد البَهْراني. ذكر الخطيب من طريقه حكاية في
ترجمة محمد بن الحسن فقال الأستاذ (ص ١٨٦): ((مختلف
فيه يقول النسائي عنه: كذاب ليس بثقة)).
أقول: قد أحسن الاستاذ بقوله: ((مختلف فيه)) فإن سليمان هذا وثّقه
مسلمة وقال ابن أبي حاتم: ((هو صديق أبي كتب عنه، وسمعت منه بحمص وهو
صدوق)) وروى عنه أبو داود وهو لا يروي إلا عن ثقة عنده كما مر في ترجمة
أحمد بن سعد بن أبي مريم؛ وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: ((كان ممن يحفظ
الحديث ويتنصب))؛ والنسائي رحمه الله نسب إلى طرف من التشيع وهو ضد
التنصب فلعله سمع سليمان يحكي بعض الكلمات الباطلة التي كان يتناقلها أهل الشام
في تلك البدعة التي كانت رائجة عندهم وهي النصب. وقد قال الأستاذ
(ص١٦٣): ((فلا يعتد بقول من يقول: فلان يكذب. ما لم يفسر وجه
کذبه . .. ))!
١٠٦ - سليمان بن فليح. تقدمت من طريقه حكاية في ترجمة خالد القسري .
وفي (تاريخ بغداد) (٢٥٦/١٤)، من طريق ((هارون بن موسى الفروي حدثني
أخي عمران بن موسى قال: حدثني عمي سليمان بن فليح قال حضرت مجلس هارون
الرشيد ... )) قال الأستاذ (ص ٦٢): ((قال أبو زرعة: لا أعرفه ولا أعرف لفليح
ولداً غير محمد ويحيى)) وذكر نحو ذلك (ص ١٧٥) وزاد: ((قلت وله أيضاً موسى
إلا أنه في عداد المجاهيل، وأما ما يقوله ابن حجر في (اللسان) من احتمال كون
الاسم مقلوباً عن فليح بن سليمان فبعيد عن القبول والاحتمال .... فسليمان بن فليح
مجهول على كل حال فمجرد تصور شخص يغشى مجلس الرشيد ويرد على مثل أبي
يوسف ولا تكون شخصيته معلومة عند أهل العلم سلفاً وخلفاً كاف في معرفة أن
الخبر مختلق، والسند مركب)).
أقول: في (الأغاني) (ج١٨ ص٧٣) من طريق (( أبي محمد اليزيدي قال كان
الرشيد جالساً في مجلسه فأتي بأسير من الروم فقال لذفافة العبسي: قم فاضرب عنقه
٤٨١

فضربه فنبا سيفه، فقال لابن فليح المدني: قم فاضرب عنقه، فضربه فنبا سيفه
أيضاً، فقال: أصلح الله أمير المؤمنين تقدمتني ضربة عبسية ... )) وفيها (ج ١٤
ص٥٩): ((أخبرني الحرمي بن أبي العلاء ثنا الزبير بن بكار عن عمه عن فليح بن
سليمان قال مررنا يوماً مع خالصة (جارية للرشيد) في موكبها .... )) وفليح بن
سليمان المشهور توفى سنة ١٦٨ قبل ولاية الرشيد الخلافة، ولا أحسبه دخل بغداد،
ولو دخلها لما كان له شأن بمروره مع خالصة في موكبها؛ ومع ذلك فليس هو من
آل أبي فروة وهارون وعمران ابنا موسى لم أعرفهما؛ والأشبه والله أعلم أنه كان
الفليح بن سليمان المعروف أربعة أبناء محمد ويحيى وموسى وسليمان وجهل أبو زرعة
سليمان كما جهل موسى، ثم كان لموسى ابنان هارون وعمران المذكوران في السند ،
فسليمان أخو محمد كما قال محمد وعم عمران كما قال عمران، وهو ابن فليح الذي
ذكره اليزيدي وهو الواقع في رواية (الأغاني) الثانية باسم ((فليح بن سليمان)) اما
أن يكون انقلب، وإما أن يكون الأصل ((ابن فليح بن سليمان)) فسقطت كلمة
((ابن)). ولم يكن لسليمان هذا اعتناء برواية الحديث فيعرفه أهل الحديث وإنما كان
كما قال أخوه: ((علامة بالناس)) يعني بأخبارهم، ويشهد لذلك قوله في رواية
اليزيدي: ((تقدمتني ضربة عبسية)) يشير الى قصة ورقاء بن زهير العبسي التي ذكرها
الفرزذق في قوله :
فسيف بني عبس وقد ضربوا به نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
وكان منقطعاً الى خدمة الرشيد وآله، وكثير من هذا الضرب وممن هو أولى
بالاشتهار منه لا نكاد نعرف عنهم شيئاً كما يأتي في ترجمة أبي جزي، ومثل هذا لا
مانع أن تكون له دالة تجرئه على الكلام في مجلس الرشيد . وعلى كل حال فليس هو
ممن يثبت بروايته خبر فإن كان هناك ما يدفع صحة خبره كما يقول الأستاذ
فالحمل عليه، ولا مسوغ للحكم على السند بأنه مركب، كما زعم الأستاذ. وراجع
( الطليعة) ( ص ٢٧ - ٢٨ و ٩٣ - ٦٤).
١٠٧ - سُنَيْد بن داود. مرت حكايته وكلام الأستاذ فيه والجواب عن بعضه
٤٨٢

في ترجمة حجاج بن محمد وبقي قول النسائي: ((غير ثقة)) وقول أبي داود: ((لم يكن
بذلك)) وقول أبي حاتم: ((ضعيف)) كذا في كتاب ابنه، وقد ذكره ابن حبان في
(الثقات) وروى عنه أبو زرعة ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما في (لسان
الميزان) (ج ٢ ص٤١٦) وقال الخطيب: ((كان له معرفة بالحديث، وما أدري أي
شيء غمصوا عليه، وقد ذكره أبو حاتم في شيوخه الذين يروي عنهم فقال : بغدادي
صدوق)). قال الخطيب: ((كان له معرفة بالحديث وضبط)).
أقول: ما أراهم غمصوا عليه إلا ما تقدم في ترجمة حجاج، ولعل من شدد لم
يتدبر القصة وقد تقدم الجواب الواضح عنها وكفى بقول حاكيها نفسه وهو الامام
أحمد: ((كان سنيد لزم حجاجاً قديماً، وقد رأيت حجاجاً يملي عليه، وأرجو أن لا
یکون حدث إلا بالصدق)».
١٠٨ - شريك بن عبد الله النخعي القاضي. في (تاريخ بغداد) (١٣ /٣٧٢)
عنه: ((كفر أبو حنيفة بآيتين من كتاب الله تعالى ... )) وفيه (٣٨١/١٣) عن
أحمد بن ابراهيم قال: ((قيل لشريك استتيب أبو حنيفة؟ قال: قد علم ذلك العواتق
في خدورهن))، وعن يحيى بن آدم: (( سمعت شريكاً يقول: استتبتُ أبا حنيفة
مرتين)) وعن يحيى بن حمزة: ((حدثني شريك بن عبد الله قاضي الكوفة أن أبا حنيفة
استتيب من الزندقة مرتين)) وعن أبي معمر (إسماعيل بن إبراهيم بن معمر) قال:
((قيل لشريك: مم استتبتم أبا حنيفة؟ قال: من الكفر))، وفيه (١٣/ ٣٩٧) عن
شريك: ((لو كان في كل ربع من أرباع الكوفة خمار يبيع الخمر كان خيراً من أن
يكون فيه من يقول بقول أبي حنيفة)) قال الأستاذ (ص ٤٠): ((معروف أن
شريكاً كان له لسان ذلق لا واخذه الله وتشنيعه هذا تشنيع من لا يفرق بين مدلولي
الدين والإيمان، ولا يهتدي الى وجه الجمع بين الظواهر المتضاربة في ذلك، وتابع
الخوارج أو المعتزلة من حيث لا يعلم)) وقال (ص ٦١): ((والتحقيق أن شريكاً ثقة
في الحديث لكنه طويل اللسان في الناس)) وقال (ص ٦٤): ((الخبر كذب ملفق
وخاصة بهذا اللفظ ( استتبتُ أبا حنيفة) لأن شريكاً إنما ولي القضاء بعد وفاة أبي
٤٨٣

حنيفة بخمس سنين)) وقال بعد ذلك: (( وشريك كان يكون ممن لا يعرف ما هي
الزندقة؟)) وقال (ص ١٠٨): ((ولو فرضنا أن شريكاً قال هذا لكان آذى
نفسه ... لأن أبا حنيفة وأصحابه على قولهم المعروف في الأشربة غير الخمر كانوا
يمنعون الناس من احتسائها بخلاف شريك .... فيكون شريك كأنه ما كان يعجبه
منع أصحاب أبي حنيفة من احتساء النبيذ حتى تمنى أن يكون في كل حي من
الأحياء خمار لينتشي كما يشاء ... وشريك ممن عرف بطول اللسان وقد اضطربت
أقواله في أبي حنيفة بين مدح وقدح، وقول أهل النقد فيه معروف، وحسابه على
الله)).
أقول: أما القضية الأولى وهي في الارجاء فقد ذكرت المسألة في قسم
الاعتقاديات. وأما حال شريك في نفسه فمن أجلة العلماء وأكابر النبلاء، فأما في
الرواية فكثير الخطأ والغلط والاضطراب فلا يحتج بما ينفرد به أو يخالف، ونسبه
الدارقطني وابن القطان وعبد الحق الى التدليس. وأما قوله: ((استتبتُ أبا حنيفة))
وقولهم له: ((استتبتم أبا حنيفة؟)) فلا مانع من صحته، وقد جاء نحو ذلك عن
سفيان الثوري. وحقيقة الاستتابة أن يقال للرجل ((تب)) فقد يقول العالم وإن لم
يكن قاضياً ولا أميراً ذلك لغيره، وقد يجتمع عالمان أو أكثر على واحد فيقولون
له: ((تب)) وقد يهددونه بأنه إذا لم يتب رفعوه الى الحاكم، وقد يحضر الحاكم بعض
العلماء ويتساورهم في رجل فيستتيبونه بحضرته. وهذا واضح جداً .
وأما ما قاله الأستاذ في قضية الأشربة فعبث ومقصود شريك واحد والنبيذ عند
أهل العراق الذين يرخصون فيه ليس بخمر عندهم، وشريك إنما ذكر الخمار لا
النباذ، ولو ذكر الأستاذ ما عنده عن شريك في المدح كما أشار إليه لكان أولى من
ما ذكره هنا، بشرط أن يكون في روايته بعض القوة، ولكن الأستاذ يعرف
بضاعته!
١٠٩ - صالح بن أحمد. راجع (الطليعة) (ص ١٢ - ١٨). ووقع في آخر
٤٨٤

السطر السابع من (صفحة ١٣): ((أن)) والصواب ((ألاَ)) ويزاد بعد السطر الثالث
عشر هذه العبارة (( والظاهر أنه جيء به الى بغداد طفلاً أو ولد بها فإن في ترجمته
من (تاريخ بغداد) ذكر جماعة من شيوخه وكلهم عراقيون من أهل بغداد والبصرة
ونواحيها أو ممن ورد على بغداد، وسماعه منهم قديم فمن شيوخه البغداديين يعقوب
الدورقي المتوفى سنة ٢٠٢ ويوسف بن موسى القطان المتوفى سنة ٢٥٣، ومن
البصريين محمد بن يحيى بن أبي حزم القِطّعي المتوفى سنة ٢٥٣، وصرح الخطيب في
ترجمة فضلك الرازي بأن ابن أبي مقاتل بغدادي، فلا شأن له من جهة السماع بهمذان
ولا بهراة)) ويبدل السطر السادس عشر بلفظ ((بمائة وأربع عشرة سنةً. وتبدل كلمة
((بنيف وثلاثين)) في السطر الرابع من (صفحة ١٥) بكلمة ((بست وأربعين)) فان
محمد بن عيسى بن عبد العزيز قتل سنة ٤٣٠ كما في ترجمته من (تاريخ بغداد)
(ج ٢ ص ٤٠٦) وسقط هناك لفظ ((عبد)) خطأ كما لا يخفى وإن حاول الأستاذ
أن يشكك فيه لافلاسه، وفي (تاريخ بغداد) (٢١٤/١): ((أخبرنا أبو منصور
محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزار بهمذان قال سمعت أبا الفضل صالح بن أحمد
ابن محمد التميمي الحافظ يقول ... )). ووقعت في الترجمة من (الطليعة) أخطاء
مطبعية لا بأس بأن أشير إليها هنا .
(ص١٢ س ٤: ١، و٢٠. س ١٠: أبي مقاتل). (س ١٤: بصره كما
قاله). (س١٦ : بمثل السند).
(ص١٣ س ٤ : همذاني - همذانيان). (س ٧ : العادة إلا. س ١٢ :
همذاني) .
(ص١٤ س ١١ : أبو الفضل. س ١٤ عنها) ... (وكان. س ١٥ : ثبتا ... )
ص ١٥ س ١ ٥٩٢ . س ٣ : بست وأربعين).
(ص١٦ س ٥: الحذاء .. روى عنه. س ٦: الحافظ .. قال).
(ص١٧ س ١١ : باثنتين).
٤٨٥
٤

هذا ولما كانت قضية صالح بن أحمد وما معها أول انتقاد أتى في (الطليعة)
رأى الأستاذ أنه لا يجدر به السكوت عليها مهما كلفه الكلام من التعسف
والتعجرف، وكنت ذكرت في (الطليعة) سبعة أوجه تبين أن صالح بن أحمد في
السند هو أبو الفضل التميمي الهمذاني الحافظ الثقة المأمون لا ابن أبي مقاتل
القيراطي المطعون فيه، فحاول الأستاذ في (الترحيب) الاعتراض على الثلاثة الأوجه
الأولى بما حاصله أن كلاً منها لا يقتضي البت .
فأقول: ما منها إلا ما لو بنيت الحكم عليه وحده لصح، راجع (فتح المغيث)
للسخاوي (ص ٤٤٩) (طبعة الهند) فكيف بسبعة أوجه لعل تلك الثلاثة أضعفها ،
وقد قدمت هنا ما يؤيد تلك الأوجه. هذا وشيوخ القيراطي قدماء كما مر، وهو
مرميّ بسرقة الحديث، والباعث على سرقة الحديث هو الغرام بدعوى العلو، فمن
حمله غرامه بالعلو على الكذب فكيف بعد سماعه من الذين توفوا سنة ٢٥٢ ينزل
الى الرواية عمن كان في تلك السنة طفلاً أو لم يولد؟ وهو القاسم بن أبي صالح
المتوفى سنة ٣٣٨ فانّ أقدم من سمي من شيوخ القاسم أبو حاتم الرازي المتوفى
سنة ٢٧٧، بل لو روى القيراطي عن محمد بن أيوب شيخ القاسم في تلك الحكاية
لكان نزولاً فإن محمد بن أيوب توفى سنة ٢٩٤ .
ثم ذكر الأستاذ في (الترحيب) (ص ٢٦) أنه قد سبقه الى القول بأن صالح بن
أحمد الواقع في السند هو القيراطي، الملك عيسى واللجنة الأزهرية التي علقت على
الطبعة الثانية للمجلد الثالث عشر من (تاريخ بغداد).
فأقول أما أنا فلم أكن وقفت على ذلك. وليس للأستاذ في ذلك عذر، إذ ليس
هو ممن يقلد مثل من ذكره في هذه المواضع، وكلامه يدل على أنه لم يقلد، بل
بحث ونظر، فغاية الأمر، أن يكون جرأة الغلط على التغالط، فيلحق ذلك بنظائره
في (الطليعة) (ص ٥٢ - ٦٦) وقد رد على عيسى واللجنة حيث لم يكن له هوى
في الموافقة وذلك قوله (ص ٥٦) من (التأنيب): ((وأبو مسدد قطن بن
٤٨٦

إبراهيم .... وليس المراد قطن بن نسير كما ظن ذلك الملك المعظم، وما وقع في
كتاب الملك المعظم المطبوع من ذكر ( بشير) بدل (نسير ) تصحيف وكذلك ما وقع
في تعليق الطبعة الثانية من ذكر (بشير) بدل (نسير) تصحيف آخر ومتابعة للواهم
في (قطن) )) .
ثم قال الأستاذ في (الترحيب) (ص٢٨): ((ومع هذا لا مانع من قبول تحقيق
الأستاذ اليماني في عد صالح بن أحمد في السند هو الموثق مقدراً بحثه ... )) ثم عاد
فأقام الحجة على أن في نفسه مانعاً أيَّ مانع فقال: ((على أن صالح بن أحمد
المضعف ... )) وذكر في (ص ٢٩) أنه لا يبعد أن يكون بين محمد بن عيسى وبين
صالح بن أحمد اسم راوٍ سقط من الأصل. يعني فيكون محمد بن عيسى روى عن
رجل عن صالح بن أحمد وسقط اسم الرجل .
أقول: هذا التجويز يدل علي مبلغ اضطرار الأستاذ. وإنني لأعجب من عقليته
الجبارة كيف يجمع بين هذا وأمثاله وبين التألم مما فهمه من (الطليعة) من نسبته الى
تعمد المغالطة؟! على أن هذا التجويز الذي استروح إليه لا يقتصر الحال على أنه لا
دليل عليه، بل الدلائل قائمة على خلافه كما يعلم بتدبر ما في (الطليعة) وما هنا .
وتعرض الأستاذ لما ذكرته في (الطليعة) (ص١٩ - ٢٠) من أن الحكاية
ثابتة أيضاً من وجه آخر عن ابراهيم بن بشار يعرفه الأستاذ، فقال (ص ٢٥) من
(الترحيب): ((ولم يدر المسكين أن ذلك الخبر في السقوط بحيث لا يمكن أن يقوم
على قدم فضلاً عن قدمين لاستحالة المتن)). كأن القيام على قدم أيسر عند الأستاذ
من القيام على قدمين، وثبوت الخبر بسند أقوى من ثبوته بسندين !!! أما الاستحالة
فقد مَرَّ الكلام عليها في الفصل الثاني من المقدمة، وتقدم الاشارة إليها قريباً في
ترجمة سليمان بن عبد الله .
ثم ذكر أن ابن أبي خيثمة نُسب الى القدر وكان مختصاً بعلي بن عيسى، وأن
ابراهيم بن بشار متكلم فيه، وأن سفيان بن عيينة اختلط بأخَرَةٍ .
٤٨٧

فأقول: أما ابراهيم وسفيان فقد تقدمت ترجمتاهما، وأما ابن أبي خيثمة فقال
الدارقطني ((ثقة مأمون)) وقال الخطيب: ((كان ثقة عالماً متقناً حافظاً)) هكذا في
(تذكرة الحفاظ) و(لسان الميزان) ووقع في (تاريخ بغداد): ((متفنناً)) بدل
((متقناً)) وقال الذهبي في (تذكرة الحفاظ): ((الحافظ الحجة الامام)) فأما القدر فلو
ثبت عنه لم يضره كما سلف في القواعد فكيف وهو غير ثابت إذ لا يدرى من
الناس الذين نسبوه إليه؟ وما مستندهم في تلك النسبة؟ وقد قال الأستاذ (ص ٥٦)
في قول الحِمَّاني: سمعت عشرة كلهم ثقات يقولون: سمعنا أبا حنيفة يقول: القرآن
مخلوق. فقال الأستاذ: ((قول الراوي: سمعت الثقة يعد كرواية عن مجهول وكذا
الثقات))(١) .
وأما اختصاصه بعلي بن عيسى فالظاهر أن الفرغاني لم يذكرها على جهة الذم إذ
ليس فيها ما يقتضيه فإن علي بن عيسى الوزير كان من خيار الوزراء مع مشاركته
في العلم وعنايته بالعلماء واختصاص ابن أبي خيثمة به إنما كان لعلقة العلم .
بعونه تعالى وتوفيقه
تمّ الجزء الأول من
((التنكيل»
ويليه الجزء الثاني، وأوله ١١٠
(١) قلت: في هذا العطف نظر، وأظنه من عنديات الكوثري ككثير غيره مما سبق! فقد
قال الحافظ السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (ص ٩٣٢ رقم الحديث ١٠٤٤) وقد
ساقه من طريق عدة من أبناء أصحاب رسول الله عن آبائهم دنية عن رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم قال: ((ألا من ظلم معاهداً أو انتقصه أو ... فأنا خصمه يوم القيامة)).
قال الحافظ: (( وسنده لا بأس به، ولا يضره جهالة من لم يسمع من أبناء الصحابة،
فانهم عدد ينجبر به جهالتهم، ومع ذلك فلا يزال اعتراض المؤلف على الكوثري قائما
في قوله: ((وما مستندهم في تلك النسبة؟)). ن.
٤٨٨

٧
ء
التَكَيِ
بِمَ في تأْنِيبِ لْكَكُوْثَرِي مِنَ الأَبَاطِيل
روى
تَألِيفُ
العلامة الشيخ عَبدالرحمنُ بن يحيى المعَلمِ العتيمِ اليمانى
رَحِمَه الله تعَالى
١٣١٣ - ١٣٨٦
الطبْعَة الثّانِيَّة
مَع تخريجَات وَتعليقات
محمد ناصر الدين الألباني زهَيْ الشَّاوَشْ عَبْ الرزّاق حمزة
الجزء الثاني
المكتب الإسلامي

حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الثانية
١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦م
المكتب الاسلامي
بيروت: ص.ب ١١/٣٧٧١ - هاتف ٤٥٠٦٣٨ - برقياً: اسلاميًا
دمشق: ص.ب ٨٠٠ - هاتف ١١١٦٣٧ - برقياً: اسلامي

بسمالله الرحمن الرحيم
١١٠ - صالح بن محمد التميمي الحافظ الملقب: ((جزرة)) ذكر الأستاذ
(ص ١٨٧) قول صالح في الحسن بن زياد اللؤلؤي: ((ليس بشيء لا هو محمود عند
أصحابنا ولا عندهم يتهم بداء سوء وليس هو في الحديث بشيء)) فقال الاستاذ:
((جزرة على سعة علمه في الحديث كان بذيء اللسان مداعباً أسوأ مداعبة وهو
القائل لمن رأى سوأته قد انكشفت: لا ترمد عيناك أبداً. بدل أن يخجل ويستتر .
وقد قال مرة لمن سأله عن الثوري: كذاب. فكتب السائل قوله، فخاطبه أحد
جلسائه مستنكراً صنيعه: لا يحل لك هذا فالرجل يأخذه على الحقيقة فيحكيه
عنك. فقال: أما أعجبك من يسأل مثلي عن مثل سفيان الثوري يفكر فيه انه يحكي
أو لا يحكي، كما في (تاريخ الخطيب) (٣٢٦/٩ و٣٢٧). فيفيد جوابه هذا
أنه ممن لا يقبل قوله في الأئمة لضياع كلامه بين الهزل والجد . والعجب من هؤلاء
الأتقياء الأطهار استهانتهم بأمر القذف الشنيع هكذا فيما لا يتصور قيام الحجة فيه
مع علمهم بحكم الله في القذفة، ولا يكون ذلك إلا من قلة الدين واختلال العقل)).
أقول: قوله ((بذيء اللسان)) كلمة شنيعة لا مبرر لها. وقوله ((مداعباً أسوأ
مداعبة)) إسراف لا مسوغ له، وقد ذكر أشهر ما يحكى من مداعبة صالح فليزنها
القارى، وليحكم أهي مما يسوغ لمثل الكوثري أن يقول في هذا الرجل الجليل
(( بذيء اللسان مداعباً أسوأ مداعبة))؟ ولفظ القصة ((كنا نقرأ على صالح جزرة
وهو عليل فتحرك فبدت عورته فأشار إليه بعض أهل المجلس بأن يجمع عليه
ثيابه، فقال: رأيته؟ لا ترمد عيناك أبداً)) فلا يشك عاقل أنه بادر فاستتر،
٤٩١

ولوضوح ذلك لم يحتج الراوي الى ذكره، فأما الخجل فهو حال نفسية ليس في
القصة دليل على عدمه، على أن الذين حضروا وثقلوا عليه في مرضه بطلب السماع
أولى بأن يخجلوا، فأما هو فمريض معذور.
وأما قوله لمن سأله عن الثوري فكان السائل كما في القصة ((من أهل الرَستاق))
وفي ذلك مع جواب صالح ما يعلم منه أن السائل كان جاهلاً مغفلا وثقل على
صالح بالسؤال عن المحدثين حتى بلغ من جهله أن يسأل عن سفيان الثوري المجمع
على إمامته وجلالته إجماعاً صادقاً لا يخفى عن طالب العلم في تلك الأزمنة، وكان
الحاضرون غير ذاك الجاهل يعرفون عادة صالح في التنکیت، ویشاهدون جهل
السائل وتثقيله، ويعرفون اعتقاد صالح في الثوري، فتجوز صالح في تلك الكلمة
عالماً بأن الحاضرين سينبهون السائل على الحقيقة، ولو لم ينبهوه لنبهه صالح في
المجلس، وما وقع في القصة ((أما أعجبك)) صوابه ((ما أعجبك!)) كما يوضحه
السياق وقوله ((من يسأل مثلي ... )) يريد به أن الرجل مغفل فلو فرض أنه لم ينبه
في المجلس وذهب يحكي عن صالح أنه قال لما سأله عن الثوري ((كذاب)) لما قبل
منه ذلك أحد ولا التفتوا إليه لظهور تغفيله فضلاً عن العلم بحال الثوري وعقيدة
صالح فيه .
قول الأستاذ: ((فيفيد جوابه هذا أنه ممن لا يقبل قوله في الأئمة)).
إن أراد به أنه إذا حكى بعض المغفلين عن صالح مثل تلك الكلمة انه قالها في
مثل الثوري فيما تقدم لم يلتفت الى تلك الحكاية فحق، وإن كنا لا نعلم من هذا
القبيل غير ما تضمنته تلك الحكاية .
قوله: (( لضياع قوله بين الهزل ولجد)) باطل وأي شيء له من الهزل في هذا الباب
غير تلك الحكاية الفذة التي مر توجيهها ؟ أما جده في هذا الباب أعنى كلامه في
٤٩٢

الرواة جرحاً وتعديلاً فأكثر من أن يحصى وهو في قبول ذلك منه كغيره من أئمة
الحديث بإجماع أهل العلم .
قوله: ((والعجب من هؤلاء الأتقياء الأطهار ... )) إن أراد به قول صالح في
الحسن بن زياد ((يتهم بداء سوء)) فليس بقذف كما لا يخفى على ذي فقه .
أولاً: لأن صالحاً لم يثبت، وإنما ذكر أن الحسن يتهم، أي يتهمه بعض الناس،
وفي كتب الحنفية أنفسهم ((إن قال قد أخبرت بأنك زان لم يكن فيه حد)).
ثانياً: لأنه لم يثبت الفعل وإنما أثبت اتهام بعض الناس .
ثالثا: لم يذكر صريح الزنا، وإنما قال ((بداء سوء)) وأدواء السوء كثيرة بل لعل
تلك الكلمة لا تعريض فيها بموجب الحد، وإنما المراد بداء السوء ما دون الفاحشة
ولم يقتصر حال اللؤلؤي على التهمة بما دون الفاحشة بل شهد عليه الأئمة الأثبات
بفعله في الصلاة كما سلف في ترجمة الخطيب، وتراه في ترجمة اللؤلؤي من (لسان
الميزان) وغيره. وصالح مكلف شرعاً بإخبار سائله عن اللؤلؤي بحاله في ما يقتضي
عدالته أو جرحه، وقد نص جماعة من أهل العلم على أن قاصد الجرح إذا قال في
المسئول عنه ((هو زان)) لم يكن قذفاً محرماً وإنما هو شهادة وجب عليه أداؤها
فأداها . فتدبر ما تقدم ثم انظر هل هناك كلمة يؤدي بها صالح ما وجب عليه أعف
وأطهر من قوله ((يتهم بداء سوء))؟ وقد حكى الحنفية أنفسهم عن إسماعيل بن حماد
ابن أبي حنيفة كلمة شنيعة قالها وليس في صدد جرح بل في صدد مدح نفسه وذم
من كان ينازعه في ولاية القضاء، وسبق في ترجمة الخطيب كلمات الكوثري في
حقه، فالأستاذ يستحل لنفسه ولأصحابه ما لا يكاد يحل لمن رفع عنه القلم، ويحاول
التشنيع على هذا الحافظ المجمع على ثقته وأمانته بكلمة هي أعف وأطهر ما يمكنه
أن يؤدي بها ما أوجب الله تعالى عليه، ثم يضج ويعج من مخالفيه إذا نسبوه الى
تعمد المغالطة. وسيأتي شيء من حال اللؤلؤي في الرواية في ترجمة محمد بن سعد
العوفي .
٤٩٣

١١١ - الصقر بن عبد الرحمن بن مالك بن مِغْوَل. في (تاريخ بغداد)
(٣٣٢/١٣) أخبرني البرقاني أخبرنا محمد بن العباس الخزاز حدثنا عمر بن سعد
حدثنا عبد الله بن محمد حدثني أبومالك بن أبي بهز البجلي عن عبد الله بن صالح عن
أبي يوسف ... )) قال الأستاذ (ص ٢٩): ((أبو مالك هو محمد بن الصقر بن عبد
الرحمن ابن بنت مالك بن مغول المعروف بابن مالك بن مغول فالصقر وعبد الرحمن
من الكذابين المعروفين .... ))
أقول الصقر وعبد الرحمن لا شأن لهما بهذه الحكاية، ولا تزروازرة وزر أخرى،
والصقر ذكره أبو حاتم فقال ((صدوق)) وذكره ابن حبان في (الثقات) في موضعين
سماه في الأول ((سقر)) وقال ((يخطيء ويخالف)) وسماه في الثاني ((صقر)) وقال ((في
قلبي من حديثه ما حدثنا أبو يعلى ثنا الصقر .... )) فذكر حديثاً قد أنكره غيره
على الصقر حتى رماه بعضهم لأجله بالكذب ووضع الحديث، وذاك الحديث رواه
الصقر عن عبد الله بن إدريس أحد الثقات الأثبات عن المختار بن فلفل. قال ابن
حجر في (لسان الميزان): ((لم ينفرد الصقر بهذا فقد رواه إبراهيم بن زياد السكوني
عن بكر بن المختار بن فلفل عن أبيه، وتقدم في ترجمة بكر ورواه ابن أبي خيثمة
في (تاريخه) عن عبد الأعلى بن أبي المساور عن المختار بن فلفل - مثله، لكن ابن
أبي المساور واهٍ فالظاهر أن الصقر سمعه من عبد الأعلى أو بكر فجعله عن عبد الله
ابن إدريس ليروج له، أو سها)) أقول قد بان بصنيع ابي حاتم الرازي وأبي حاتم ابن
حيان أنه لم ينكر على الصقر إلا هذا الحديث، وأن بقية أحاديثه مستقيمة، فالحمل
على السهو والغلط هو الأقرب، وكم من رجل وثقوه وقد وقع له ما يشبه هذا، فأما
عبد الرحمن بن مالك بن مغول فتالف. والله أعلم .
١١٢ - ضرار بن صرد. في (تاريخ بغداد) (٣٨٠/١٣) من طريق «محمد
ابن يونس ثنا ضرار بن صرد قال حدثني سليم .... )) فذكر الحكاية، ومن طريق
(( عبد الأعلى بن واصل: ثنا أبو نعيم بن صرد قال سمعت سليم بن عيسى .... ))
٤٩٤

فذكرها. وقال البخاري في ترجمة سليم من (التاريخ الكبير) ((قال لي ضرار بن
صرد: حدثنا سليم سمع سفيان: قال لي حماد بن أبي سليمان أبلغ أبا حنيفة المشرك
أني بريء منه. قال: وكان يقول: القرآن مخلوق)) وفي رواية الخطيب الثانية ((قال
سليم كان يزعم أن القرآن مخلوق)) وفي الرواية الأولى (( ... إني بريء منه حتى
يرجع عن قوله في القرآن)) وكأن ذلك من تخليط محمد بن يونس الكديمي. قال
الأستاذ (ص ٦٠): ((ضرار بن صرد هو أبو نعيم الطحان الذي يقول عنه ابن
معین: كذاب .... )).
أقول: قال علي بن الحسن الهسنجاني عن ابن معين: (( بالكوفة كذابان أبو نعيم
النخعي وأبو نعيم ضرار بن صرد)) وظاهر هذا تعمد الكذب لكن قال الأستاذ (ص
١٦٣): ((الإخبار بخلاف الواقع هو الكذب، والكذب بهذا المعنى يشمل الغالط
والواهم فمن غلط أو وهم في شيء يمكن عده كاذباً على هذا الرأي .... فلا يعتد
بقول من يقول: فلان يكذب .. ما لم يفسر وجه كذبه ولذا عد عند كثير من أهل
النقد قول القائل: كذب فلان. من الجرح غير المفسر ... )) أقول: وقد قال ابن
معين لشجاع بن الوليد أبي بدر السكوني: يا كذاب وقد قال ابن أبي خيثمة عن ابن
معين (( شجاع بن الوليد ثقة)) ووثقه غيره ولكنه يهم ويغلط. فلننظر كلام غير ابن
معين في أبي نعيم النخعي واسمه عبد الرحمن بن هانيء. ثم في أبي نعيم ضرار بن
صرد. فأما النخعي فقد قال العجلي: ((ثقة)) وقال أبو حاتم: ((لا بأس به يكتب
حديثه)) وروى عنه أبو زرعة ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما في (لسان
الميزان) (ج ٢ ص ٤١٦). وقال البخاري: ((فيه نظر وهو في الأصل صدوق))
وكلمة ((فيه نظر)) معدودة من أشد الجرح في اصطلاح البخاري لكن تعقيبه هنا
بقوله: ((وهو في الأصل صدوق)) يخفف من وطأتها، وأما ضرار فروى عنه أبو
زرعة أيضاً، وقال البخاري والنسائي: ((متروك الحديث)) لكن البخاري روى عنه
وهو لا يروي إلا عن ثقة كما صرح به الشيخ تقي الدين ابن تيمية ومر النظر في
ذلك في ترجمة أحمد بن عبد الله أبو عبد الرحمن. والظاهر التوسط وهو أن البخاري
٤٩٥

لا يروي إلا عمن هو صدوق في الأصل يتميز صحيح حديثه من سقيمه كما صرح
به في رواية الترمذي عنه كما تقدم في تلك الترجمة؛ فقوله في ضرار: ((متروك
الحديث)) محمول على أنه كثير الخطأ والوهم ولا ينافي ذلك أن يكون صدوقاً في
الأصل يمكن لمثل البخاري تمييز بعض حديثه. وقال أبو حاتم في ضرار: ((صدوق
صاحب قرآن وفرائض يكتب حديثه ولا يحتج به، روى حديثاً عن معتمر عن أبيه
عن الحسن عن أنس عن النبي ◌َّةٍ في فضيلة بعض الصحابة ينكره أهل المعرفة
بالحدیث)» .
أقول: متنه: ((قال لعلي: أنت تبين لأمتي ما اختلفوا فيه بعدي)) أخرجه الحاكم
في (المستدرك) (ج ٣ ص١٢٢) وقال: ((صحيح على شرط الشيخين)) قال
الذهبي: ((بل هو فيما أعتقده من وضع ضرار، قال ابن معين: كذاب)).
أقول: لا ذا ولا ذاك، والصواب ما أشار إليه أبو حاتم، فإنه أعرف بضرار
وبالحديث وعلله، فكأن ضراراً لقن أو أدخل عليه الحديث أو وهم، فالذي يظهر
أن ضراراً صدوق في الأصل لكنه ليس بعمدة فلا يحتج بما رواه عنه من لم يعرف
بالاتقان ويبقى النظر فيما رواه عنه مثل أبي زرعة أو أبي حاتم أو البخاري، والله
أعلم. ولضرار رواية في (مناقب أبي حنيفة) كما في (تاريخ بغداد)(١) .
١١٣ - طريف بن عبيد الله .. في (تاريخ بغداد) (٤١٣/١٣) عنه:
((سمعت ابن أبي شيبة ... )) قال الأستاذ (ص ١٤٧): ((ضعيف عنده منا کیر ، قال
الدارقطني: ضعيف: وقال أبو زكريا يزيد بن محمد بن إياس الموصلي في (تاريخه):
لم يكن من أهل الحديث، توفي سنة ٣٠٤)).
أقول: لم يتهموه بتعمد الكذب، ولكن يظهر أنه كان مغفلاً يحدث على التوهم.
والله أعلم.
(١) طاهر بن محمد، راجع (الطليعة) (ص ٥٥).
٤٩٦

١١٤ - طلق بن حبيب. في (تاريخ بغداد) (٣٧٤/١٣) من طريقين عن
((سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد قال: جلست إلى أبي حنيفة فذكر سعيد
ابن جبير فانتحله في الإرجاء، فقلت: يا أبا حنيفة من حدثك؟ قال: سالم الأفطس .
قال: قلت: سالم الأفطس كان مرجئاً، ولكن حدثني أيوب قال: رآني سعيد بن
جبير جلست إلى طلق فقال: ألم أرك جلست إلى طلق؟ لا تجالسه. قال حماد: وكان
طلق يرى الإرجاء. قال: فقال رجل لأبي حينفة: ما كان رأي طلق؟ فأعرض
عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم قال: ويحك كان يرى العدل)) قال الأستاذ (ص
٤٣): ((وقع في الطبعات الثلاث: العدل. وهو مصحف من: القدر. وتصويبه من
( الجواهر المضيئة) ... ولفظ ابن أبي العوام: حدثني أبو بكر محمد بن جعفر الإمام
قال: حدثنا هارون بن عبد الله بن مروان الحمال قال: حدثنا سليمان بن حرب عن
حماد بن زيد قال: جلست إلى أبي حنيفة بمكة فقلت له: حدثنا أيوب قال: رآني
سعيد بن جبير قد جلست إلى طلق بن حبيب فقال لي: ألم أرك جلست إلى طلق؟
لا تجالسه. قال أبو حنيفة: كان طلق يرى القدر ... وطلق بن حبيب بصري من
أصحاب ابن عباس ... والإرجاء الذي يقول هو به بالمعنى الذي قال به جمهور
أهل الحق، وقد أحسن أبو حنيفة صنعاً في تّرَوّيه في نسبته إلى شيء من البدع
الممقوتة على تقدير صحة المحادثة لأن الواجب على مثله في مثله عدم التسرع، ولما
اضطر إلى الجواب بتكرير السؤال أجاب بأنه بصري كان ينسب إلى القدر كغالب
أهل البصرة، فيكون هذا هو السبب لقول سعيد بن جبير السابق لا الارجاء الذي
كان يقول به فإنه رأي مشترك بينهم، وأبو حنيفة أعرف بمذهب سعيد بن جبير
لأنه من أهل الكوفة وقد أدركه بخلاف حماد بن زيد فإنه بصري متأخر)) .
٢
أقول: (تاریخ بغداد) مطبوع عن أصلین عتیقین جیدین بتصحيح جيد وقد دل
اتفاق الثلاث الطبع (!) على أن الكلمة فيها ((العدل))، ومن عرف حرص الأستاذ
على تقوية ما يقوله يكاد يجزم بأنه قد راجع الأصلين أو روجعا له. واقتصار
الاستاذ على قوله: ((وتصويبه من (الجواهر المضيئة))» يجعلنا نشك في الواقع في
٤٩٧

أصل كتاب ابن أبي العوام، فإن كان وقع فيه ((القدر)) كما قال الأستاذ فالواقع
في (تاريخ بغداد) أثبت، وحال ابن أبي العوام قد أشرت إليها في (الطليعة) (ص
٢٧ - ٢٨). ومؤلف (الجواهر المضيئة) من أهل القرن الثامن ولم يشتهر بالضبط
والإتقان، ولا بيّن مأخذه، إنما ذكر أن أبا حنيفة قد تكلم في الجرح والتعديل
فأورد كلمات منها أنه قال: ((كان طلق يرى القدر)) وقد يكون أخذ من كتاب ابن
أبي العوام وأصل كتاب (الجواهر المضيئة) وتصحيحه لا يوازي أصلي (تاريخ
بغداد) وتصحيحه. وتحريف كلمة ((العدل)) إلى ((القدر)) هو الجاري على طريقة
التصحيف والتحريف فإن القاريء أو الناسخ إنما يعدل عما لا يعرفه إلى ما يعرفه
وقد شرحت طرفاً من ذلك في قسم الفقهيات في مسألة سهمان الخيل من الغنيمة وقد
يفهم بعضهم من قول أبي حنيفة: ((كان يرى العدل)) أنه أراد بالعدل القدر لأن
القدرية يسمون أنفسهم أهل العدل فأبدلها ذاك الفاهم بكلمة ((القدر)) لأنه يرى
المعنى واحداً وكلمة ((القدر)) أوضح. وإنما أراد: القول العدل، أي: الحق في
زعمه يعني الارجاء. ومن عرف أبا حنيفة وقوة عارضته جزم أو كاد بأنه لو كان
عنده أن طلقاً كان قدرياً وأن سعيد بن جبير إنما نهى عن مجالسته لذلك لبادر إلى
ذکر ذلك دفعاً لحجة خصمه، والتروي الذي ذكره الأستاذ لا وجه له، بل ربما
يقال: لو كان أبو حنيفة إنما قال بعد أن ألجيء إلى الجواب ((كان يرى القدر))
لكان هذا أطلق للسان من يعيبه فإن طلقاً لم يصفه أحد بالقدر وقد وصفوه
بالارجاء وهو كالمضاد للقدر. وصف طلقاً بالارجاء حماد بن زيد، وأبو حاتم ، وابن
سعد وقال البخاري في (تاريخه الكبير) (ج ٢ قسم ٢) (ص ٣٦٠): ( حدثنا
مسدد ثنا حماد بن زيد عن أيوب: ((ما رأيت أحد أعبد من طلق بن حبيب، فرآني
سعيد بن جبير جالساً معه، فقال: ألم أرك مع طلق؟ لا تجالس طلقاً، وكان يرى
الارجاء))، وهذا السند بغاية الصحة، ويبعد أن لا يبين سعيد لأيوب سبب المنع إلاّ
وهو يرى أنه لا يعرفه، وكذلك الحال في أيوب وحماد. والذي كان يعرفه حماد أن
السبب هو الارجاء وشدة أيوب على المرجئة معروفة، وفي (تذكرة الحفاظ) (ج ٢
٤٩٨

ص ٧٦) من طريق: ((عبد الرحمن بن مهدي عن سلام بن أبي مطيع سمعت أيوب
وعنده رجل من المرجئة، فقال الرجل: أرأيت قوله عز وجل ﴿وآخرون مُرَجَوْن
لِأَمْرِ الله إمَّا يعذبهم وإما يَتُوب عَلَيْهم﴾ (١)، أمؤمنون أم كفار؟ قال: اذهب
فاقرأ القرآن، فكل آية فيها ذكر النفاق، فإني أخاف على نفسي)).
قول الأستاذ: ((قال به جمهور أهل الحق)).
قد كشفت حاله في الاعتقاديات وقد هجر سعيد بن جبير ذر بن عبد الله
المرهبي لأجل الإرجاء كما في ترجمة ذر. (التهذيب).
قوله: (( بصري كان ينسب إلى القدر كغالب أهل البصرة))، مردود عليه فإن
القدر إنما فشا في البصرة بعد سعيد بن جبير بمدة ومع ذلك، فلم يبلغ أن یکون هو
الغالب، وقد ذكر إبراهيم الحربي أبا قطن عمرو بن الهيثم ثم قال: ((ثنا عنه أحمد
يوماً فقال له رجل إن هذا تكلم بعدكم في القدر. فقال أحمد إن ثلث أهل البصرة
قدرية)) هكذا في ترجمة أبي قطن من (التهذيب) مع أن كلمة أحمد محتملة للمبالغة
لأن المقام يقتضيها .
قوله: ((أبو حنيفة أعرف بمذهب سعيد بن جبير .... )) مردود عليه أيضاً فان
سعيد أخرج من الكوفة عقب وقعة ابن الأشعث، وعمر أبي حنيفة سنتان أو
ثلاث، وأيوب صحب سعيداً مدة فكيف لا يكون أعرف به؟ وحماد أعرف الناس
بأيوب، وهما أعرف بطلق، فإنه بصري مثلهما وقد جالسه أيوب .
هذا وقد عرف من القصة أنه لم يكن لأبي حنيفة حجة على نسبة الارجاء إلى
سعيد بن جبير، إلا ما ذكر أن سالماً الأفطس حدثه، ولا ندري ما قال سالم عن
سعيد، وما الذي سمعه من سعيد فظنه إرجاء، والمرجئة يتمسكون بآيات وأحاديث
(١) التوبة (١٠٦).
٤٩٩

يحملونها على معاني يخالفهم أهل السنة فيها، فلعل سالماً وثقه جماعة ونسبوه إلى
الإرجاء، وقال بعضهم إنه كان داعية، وقال ابن حبان: ((كان ممن يرى الإرجاء،
ويقلب الأخبار، وينفرد بالمعضلات اتهم بأمر سوء، فقتل صبراً)). قيل اتهم بالممالأة
على قتل إبراهيم الإمام.
١١٥ - عامر بن إسماعيل أبو معاذ البغدادي. في (تاريخ بغداد)
(٣٧١/١٣) من طريقه عن مؤمل بن إسماعيل عن سفيان الثوري عن عباد بن
كثير حكاية قال الأستاذ (ص ٣٨): ((مجهول الحال، ولم يخرج له أحد من
أصحاب الأصول الستة)).
أقول: هو مقل واغترب عن بغداد، وقد أدرك الأئمة الستة شيوخه ومن هو
أكبر منهم، وقد روى الخطيب نحو حكايته من وجه آخر)) وراجع ترجمة إبراهيم
ابن شماس .
١١٦ - عباد بن كثير. تقدم قريباً الاشارة إلى حكايته. قال الأستاذ (ص
٣٨): ((هو الثقفي البصري كان الثوري يكذبه ويحذر الناس من الرواية عنه
فكيف يتصور أن يروي الثوري عن مثله؟!)).
أقول هناك عباد بن كثير آخر، هو الرملي وثقه ابن معين وغيره ووهنه
الأكثرون ولم يتبين لي أيهما الواقع في السند؟ وتحذير الثوري من الثقفي معروف،
فأما تكذيبه له، فإنما حكاه الحاكم وأبو نعيم الأصبهاني، ولا أدري من أين أخذاه،
فإن صح فإنما أراد الوهم والغلط، وقد أثنى على الثقفي بالصلاح جماعة منهم ابن
المبارك وأحمد وابن معين وأبو زرعة والعجلي ووصفوه مع ذلك بأنه ليس بشيء في
الحديث، وأنه يحدث بما لم يسمع لبلهه وغفلته، فانظر هل يتناول ذلك حكايته
المذكور، وهي قوله: ((قلت لأبي حنيفة ... )) فذكر سؤالاً وجواباً، وقد تقدم أن
الخطيب روى نحوها من وجه آخر. وعلى كل حال فلا مانع أن يحكي الثوري عن
٥