النص المفهرس

صفحات 441-460

أنهم كانوا يحضرونه مع أخيه ولم يكتبوا إسماعه لصغره فرأى أنه كان مميزاً وأن له
حق الرواية بذلك، فإن كان كتب بخطه العادي أنه سمع فلعله صادق، وإن كان
قلد خط كاتب السماع الأول إيهاماً أنه كتب سماعه في المجلس فهذا تدليس قبيح
قد يكون استجازه بناءً على ما يقوله الفقهاء في مسألة الظفر ونحوها بعلة أنه لا
يصل الى حقه إلا بذلك. وعلى كل حال فكما أن الخطيب لم يرو عنه من الجزء
الذي ذكره من حديث أبي بكر الشافعي فكذلك لم يرو عنه الخطيب شيئاً إلا مما
ثبت عنده صحة سماعه له مع الوثوق بالنسخة .
٧٥ - الحسن بن الربيع أبو علي البجلي الكوفي . في (تاريخ بغداد)
(٤١٤/١٣) من طريق ((أبي بكر الأعين عن الحسن بن الربيع قال: ضرب ابن
المبارك على حديث أبي حنيفة قبل أن يموت بأيام يسيرة)) قال الأستاذ
(ص١٥١): ((يقول فيه ابن معين: لو كان يتقي الله لم يكن يحدث بالمغازي، ما
كان يحسن يقرؤها . ومع ذلك لفظه لفظ انقطاع)) .
أقول: لم تصح هذه الكلمة عن ابن معين، راجع (الطليعة) (ص ٧٨)، ولذلك
لم تذكر في (التهذيب) ولا ذكر الحسن في (الميزان) ولا ذكر ابن حجر في
(مقدمة الفتح) فيمن فيه كلام من رجال البخاري، ومع ذلك فقد أجاب عنها
الخطيب. وفي (التهذيب): ((قال ابن شاهين في (الثقات): قال عثمان بن أبي شيبة:
الحسن بن الربيع صدوق وليس بحجة)) وهذه الحكاية منقطعة لأن ابن شاهين إنما
ولد بعد وفاة عثمان بنحو ستين سنة، ولا نعلمه التزم الصحة فيما يحكيه في (ثقاته)
عمن لم يدركه، وعثمان على قلة كلامه في الرجال يتعنت وكلمة ((ليس بحجة))
لا تنافي الثقة فقد قال عثمان نفسه في أحمد بن
عبد الله بن يونس الثقة المأمون: ((ثقة وليس بحجة))
وراجع (فتح المغيث) (ص ١٥٧). والحسن قد وثقه الناس، قال أبو حاتم مع
تشدده: ((كان من أوثق أصحاب ابن إدريس)) وقال العجلي: ((كوفي ثقة صالح
متعبد)) وقال ابن خراش: ((كوفي ثقة)) وروى عنه البخاري ومسلم في
(الصحيحين) وأبو داود في (السنن) وهو لا يروي إلا ثقة كما مر في ترجمة أحمد
٤٤١

ابن سعد بن أبي مريم، وروى عنه أبو زرعة ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما
في (لسان الميزان) (ج ٢ ص٤١٦) وأخرج له بقية الستة بواسطة، وقال ابن
حبان في (الثقات): ((هو الذي غَمَّضَ ابن المبارك ودفنه)) وليس بمدلس، فقوله:
((ضرب ابن المبارك)) محكوم له بالاتصال كما سلف في القواعد .(١)
٧٦ - الحسن بن الصباح أبو علي البزار الواسطي. في (تاريخ بغداد)
(٣٩٦/١٣) من طريق ((يعقوب بن سفيان حدثني الحسن بن الصباح حدثنا
اسحاق بن ابراهيم الحنيني ... )) قال الاستاذ (ص١٠٥): ((ليس بقوي عند
النسائي)) .
أقول: عبارة النسائي: ((ليس بالقوي)) وبين العبارتين فرق لا أراه يخفى على
الأستاذ ولا على عارف بالعربية، فكلمة ((ليس بقوي)) تنفي القوة مطلقاً وإن لم
تثبت الضعف مطلقاً، وكلمة: ((ليس بالقوي)) إنما تنفي الدرجة الكاملة من القوة،
والنسائي يراعي هذا الفرق فقد قال هذه الكلمة في جماعة أقوياء منهم عبد ربه بن
نافع وعبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل فبين ابن حجر في ترجمتيهما من (مقدمة
الفتح) أن المقصود بذلك أنهما ليسا في درجة الأكابر من أقرانهما، وقال في ترجمة
الحسن بن الصباح: (( وثقه أحمد وأبو حاتم، وقال النسائي: صالح، وقال في الكنى:
ليس بالقوي. قلت: هذا تليين هين، وقد روى عنه البخاري وأصحاب (السنن)
إلا ابن ماجه ولم يكثر عنه البخاري )) .
٧٧ - الحسن بن علي بن محمد الحلواني نزيل مكة. في (تاريخ بغداد)
(٣٩٨/١٣) من طريق ((الأبار حدثنا الحسن بن علي حدثنا أبو توبة ... )) قال
الأستاذ (ص ١٠٩): ((لم يكن أحمد يحمده كما ذكره الخطيب)).
أقول: إنما لم يحمده أحمد لأنه بلغه عنه أنه مع قوله: ((القرآن كلام الله مخلوق
ما نعرف غير هذا)» امتنع من إطلاق الكفر على القائلين بخلق القرآن فكأن أحمد
(١) الحسن بن زياد اللؤلؤي، يأتي في ترجمة محمد بن سعد العوفي.
٤٤٢

رأى أن امتناع العالم في ذاك العصر من إطلاق الكفر عليهم يكون ذريعة لانتشار
تلك البدعة التي جَدَّ أهلها والدولة معهم في نشرها وحمل الناس عليها، ولعل
الحلواني لم ينتبه لهذا، وعارض ذلك عنده ما يراه مفسدة أعظم. فأما قول أحمد :
(( لا أعرفه بطلب الحديث ولا رأيته يطلبه)) فحق وصدق، أحمد في بلد والحلواني
في بلد آخر، وقد قال يحيى القطان في عبد الواحد بن زياد: ((ما رأيته طلب حديثاً
قط)) ولم يعدوا هذا تضعيفاً، والحلواني قال فيه يعقوب بن شيبة: ((كان ثقة ثبتاً))
وقال النسائي: ((ثقة)) وقال الترمذي: ((كان حافظاً)) وقال الخليلي: ((كان يشبه
أحمد في سمعته وديانته)) وقال الخطيب: ((كان ثقة حافظاً)). وروى عنه البخاري
ومسلم في (صحيحهما) وأبو داود مع أنه لا يروي إلا عن ثقة ومع شدة متابعته
لأحمد .(١)
٧٨ - الحسن بن علي بن محمد أبو على ابن المذهب التميمي. له ذكر في ترجمة
الخطيب وتكلم فيه الاستاذ في موضع آخر، وحاصل الكلام أن الخطيب قال في
(التاريخ) (ج ٧ ص ٣٩٠): ((كان يروى عن ابن مالك القطيعي (مسند أحمد بن
حنبل) بأسره، وكان سماعه صحيحاً إلا لأجزاء منه فانه ألحق اسمه فيها وكذلك
فعل في أجزاء من (فوائد ابن مالك). وكان يروي عن ابن مالك أيضاً كتاب
(الزهد) لأحمد بن حنبل ولم يكن له به أصل عتيق وإنما كانت النسخة بخطه كتبها
بأخَرَةٍ. وليس بمحل للحجة. حدثنا ابن المذهب ... ثنا ابن مالك وأبو سعيد
الحرقي قالا ثنا أبو شعيب الحراني ثنا البابلتي .... وجميع ما كان عند ابن مالك
عن أبي شعيب جزء واحد وليس هذا الحديث فيه، حدثني ابن المذهب حدثنا محمد
ابن إسماعيل الوراق وعلي بن عمر الحافظ وأبو عمر بن مهدي قالوا حدثنا الحسين
ابن إسماعيل ... فأنكرته عليه واعلمته أن هذا الحديث لم يكن عند أبي عمر بن
(١) قلت: وأورده الذهبي في (تذكرة الحفاظ) ٩٤/٢ ووصفه بـ((الامام محدث مكة ..
ورحل إلى عبدالرزاق فأكثر وصنف وتعب في هذا العلم، قال ابراهيم بن أرومة: بقي
اليوم في الدنيا ثلاثة: الدهلى بخراسان، وابن الفرات بأصبهان، والحلواني بمكة)). ن.
٤٤٣

مهدي فأخذ القلم وضرب على اسم ابن مهدي؛ وكان كثيراً يعرض عليّ أحاديث في
أسانيدها أسماء قوم غير منسوبين ويسألني عنهم فأذكر له أنسابهم، فيلحقها في تلك
الأحاديث ويزيدها في أصوله موصولة بالأسماء، وكنت أنكر عليه هذا الفعل فلا
ینثني عنه )».
أقول: أما الأمر الأول، وهو إلحاق السماع فأجاب ابن الجوزي في (المنتظم)
(ج٨ ص ١٥٥) بقوله: ((هذا لا يوجب القدح لأنه إذا تبين سماعه للكتاب جاز
أن يكتب سماعه بخطه؛ والعجب من عوام المحدثين كيف يجيزون قول الرجل
أخبرني فلان ويمنعون أن يكتب سماعه بخط نفسه أو إلحاق سماعه فيها بما يتقنه».
أقول: جرت عادتهم بكتابة السماع وأسماء السامعين في كل مجلس فمن لم يسمع
له في بعض المجالس دل ذلك على أنه فاته فلم يسمعه، فإذا ادعى بعد ذلك أنه سمعه
ارتابوا فيه لأنه خلاف الظاهر فإذا زاد فألحق اسمه أو تسمعيه بخط يحكى به خط
كاتب التسميع الأول قالوا: زوَّر. والظاهر أن هذا لم يقع من ابن المذهب، ولو
كان وقع لبالغ الخطيب في التشنيع، وإنما ألحق ما ألحق بخطه الواضح، ولا ريب أن
من استيقن أنه سمع جاز له أن يخبر أو يكتب أنه سمع، وأن من تثبت عدالته
وأمانته ثم ادعى سماعاً ولا معارض له، أو يعارضه ما مر ولكن له عذر قريب كأن
يقول فاتني أوّلاً ذلك المجلس وكان الشيخ يعتني بي فأعاده لي وحدي ولم يحضر
كاتب التسميع، فإنه يقبل منه، ولعل هذا هو الواقع، فقد دل اعتماد الخطيب عليه
في كتاب (الزهد) كما يأتي واقتصاره في الحكم على قوله: ((ليس بمحل للحجة))
انه كان عنده صدوقاً، وذكر ابن نقطة كما في (الميزان) أن مسندي فضالة بن
عبيد وعوف بن مالك وأحاديث من مسند جابر لم تكن في كتاب ابن المذهب وهي
ثابتة في رواية غيره عن شيخه قال: ((ولو كان يلحق اسمه كما زعم الخطيب لألحق
ما ذكرناه)) يعني لو كان يلحق اسمه فيما لم يسمع، والخطيب لم يقل ذلك، وإنما
أطلق أنه ألحق اسمه لأن ثبوت السماع بمجرد الدعوى مع الصدق ليس في درجة
ثبوته بالبينة، وقد قال الخطيب في (الكفاية) (ص١٠٩): ((ومذاهب النقاد
٤٤٤

للرجال غامضة دقيقة وربما سمع بعضهم في الراوي أدني مغمز فتوقف عن
الاحتجاج بخبره .... رجاء إن كان الراوي حيا أن يحمله ذلك على التحفظ ....
وإن كان ميتاً أن ينزله من ينقل عنه منزلته فلا يلحقه بطبقة السالمين من ذلك
المغمز ... )) وقال شجاع الذهلي: ((كان شيخاً عسراً في الرواية وسمع الكثير ولم
يكن ممن يعتمد عليه في الرواية كأنه خلط في شيء من سماعه)) وقال السّلَفِي: (( كان
مع عسره متكلماً فيه .... )) والعَسِر في الرواية هو الذي يمتنع من تحديث الناس إلا
بعد الجهد وهذه الصفة تنافي التزيد ودعوى سماع ما لم يسمع، إنما يدعي سماع ما لم
يسمع من له شهوة شديدة في ازدحام الناس عليه وتكاثرهم حوله، ومن كان هكذا
كان من شأنه أن يتعرض للناس يدعوهم إلى السماع منه ويرغبهم في ذلك، فأما من
يأبى التحديث بما سمع إلا بعد جهد فأي داع له الى التزيّد؟.
وأما الأمر الثاني وهو قضية كتاب (الزهد) فقد قال السلفي عقب ما مر عنه:
((حدث بكتاب الزهد بعد ما عدم أصله من غير أصلِه)) فدل هذا على أنه كان
لابن المذهب أصل بكتاب (الزهد) ولكن عدمه وبقيت عنده نسخة بخطه فلعله
كان قد عارضها بأصله أو أصل آخر علم مطابقته لأصله؛ ويقوي ذلك أن الخطيب
نفسه سمع منه كتاب (الزهد) وروى منه أشياء .
وأما الأمر الثالث وهو قول الخطيب: (( وليس بمحل للحجة)) فحاصله انها لا
تقوم الحجة بما يتفرد به، وهذا لا يدفع أن يعتمد عليه في الرواية عنه من مصنف
معروف كـ (المسند) و(الزهد) وسيأتي في ترجمة عبد العزيز بن الحارث طعنهم فيه
وتشنيعهم عليه وتشهيرهم به بسبب حديثين نسبهما الى (المسند) وهم يرون أنهما ليسا
منه، ولم يغمزوا ابن المذهب بشيء ما من هذا القبيل، وذلك يدل أوضح دلالة على
علمهم بمطابقة نسختيه اللتين كان يروى منهما (المسند) و(الزهد) لسائر النسخ
الصحيحة فالكلام فيه وفي شيخه لا يقتضي أدنى خدش في صحة (المسند)
و (الزهد)، فليخسأ أعداء السنة .
٤٤٥

وأما الخبران اللذان ذكرهما الخطيب، فالذي يظهر لي أن ابن المذهب كان
يتعاطى التخريج من أصول بعض الأحاديث فيكتب الحديث من طريق شيخ من
شيوخه ثم يتصفح أصوله فإذا وجد ذاك الحديث قد سمعه من شيخ آخر بذاك
السند كتب اسم ذاك الشيخ مع اسم الشيخ الأول في تخريجه وهكذا، وهذا الصنيع
مظنة للغلط كأن يريد أن يكتب اسم الشيخ على حديث فيخطىء فيكتبه على حديث
آخر، أو يرى السند متفقاً فيتوهم أن المتن متفق، وإنما هو متن آخر، وأشباه
ذلك، وقد قال ابن معين: (( من سمع من حماد بن سلمة الأصناف ففيها اختلاف
ومن سمع منه نسخاً فهو صحيح)) وقال يعقوب بن سفيان في سليمان بن عبد الرحمن
الدمشقي: ((كان صحيح الكتاب إلا أنه كان يحول، فإن وقع فيه شيء فمن النقل
وسليمان ثقة)) والمراد بأصناف حماد وتحويل سليمان نحو ما ذكرت من التخريج،
وكأن ابن المذهب شعر بهذا من نفسه ولذلك ضرب على الاسم.
وأما إلحاقه ما كان يذكر له الخطيب من أنساب غير المنسوبين فتساهل لا
يوجب الجرح ولكنه يدل على أن ابن المذهب لم يكن بمتقن وأنه كان فيه سلامة
وحسن ظن بالخطيب ومعرفته، ولا نشك أن الخطيب لم يكن يذكر له من الأنساب
إلا ما يستيقنه فالخطب إن شاء الله تعالى سهل؛ وعلى كل حال فلم ينصف ابن
الجوزي إذ ينقم على الخطيب ما ذكره في ابن المذهب، ويزعم أن هذه الأمور كلها
ليس فيها ما يستحق الذكر في ترجمة الراوي وأن الخطيب إنما جرى على عادة عوام
المحدثين يجرحون بما ليس بجرح مع ميل من الخطيب على الحنابلة؛ كذا قال! فهو
لا يتهم الخطيب فيما حكاه، وإنما يتهمه في اعتداده بهذه الامور. ومن عرف
وأنصف علم أن الخطيب لم يخرج عن طريق أئمة النقاد، وأنه مع ذلك لم يعتد بهذه
الأمور مسقطاً للرواية البتة، وإنما قال: ((ليس بمحل للحجة)) وقد قدمت ما يبين
ذلك ويهونه . والله المستعان .
٧٩ - الحسن بن الفضل البُوصَرائي. في (تاريخ بغداد) (١٣ /٤١٧):
(( أخبرنا البَرْقاني أخبرنا محمد بن الحسن السراجي أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم
٤٤٦

الرازي حدثني أبي قال: سمعت محمد بن كثير العبدي يقول .... )) فذكر حكاية ثم
أردف ذلك بقوله: ((أخبرنا محمد بن الحسين بن محمد المتَّوثي أخبرنا اسماعيل بن
محمد الصفار حدثنا الحسن بن الفضل البوصرائي قال: حدثنا محمد بن كثير
العبدي .... )) فذكر نحوه. قال الأستاذ (ص ١٦١): ((قال ابن المنادي: أكثر
الناس عنه ثم انكشف أمره فتركوه وخرقوا حديثه؛ قاله الذهبي، ومثله في كتاب
الخطيب نفسه، وهكذا المحفوظ عنده)) .
أقول: قد روى عن البوصرائي جماعة من الأكابر كابن صاعد والصفار، وكلام
ابن المنادي غير مفسر، وقد كانوا ربما يغضبون على المحدث، ويخرقون حديثه
لغير موجب كما مر في (الطليعة) (ص٤٩) وكما تراه في ترجمة محمد بن الزَنبري
من (لسان الميزان). والحكاية ثابتة بالسند الأول عن ابن أبي حاتم، وقد أثبتها في
كتابه (الجرح والتعديل)، وفي المعنى المقصود منها روايات أخرى كثيرة وبذلك
يثبت أنه هو المحفوظ، فأما رواية البوصرائي فان لم تؤكد ذلك لم توهنه، فلا وجه
لقول الأستاذ: ((وهكذا المحفوظ عنده)).
٨٠ - الحسين بن أحمد الهروي الصفار. في (تاريخ بغداد) (٤٢٣/١٣):
((أخبرنا محمد بن عمير بن بكير المقرىء أخبرنا الحسين بن أحمد الهروي
الصفار .... )) قال الأستاذ (ص ١٧٠): ((قال البرقاني ... عندي عنه رزمة ولا
أخرج عنه في الصحيح حرفاً واحداً، سمع من أبي القاسم البغوي ثلاثة أحاديث أو
أربعة أحاديث، ثم حدث عنه بشيء كثير، كتبت عنه ثم بان لي أنه ليس بحجة .
وقال الحاكم: كذاب لا يشتغل به، فبرئت بذلك ذمة الثوري من مثل تلك الكلمة
الساقطة وركبت على أكتاف الخطيب الذي يعلم كل ذلك)).
أقول: الهروي هذا له مستخرج على (صحيح مسلم) وروايته عن البغوي ما لم
يسمعه منه قد تكون عملاً بالإجازة أو إعلام الشيخ، وعبارة البرقاني إنما فيها أن
الرجل ليس بحجة ولا يخرج عنه في الصحيح وهذا يشعر بأنه يروى عنه في غير
الصحيح للاعتبار، فأما قول الحاكم: ((كذاب)) فبناها على ظاهر روايته عن البغوي
٤٤٧

ما لم يسمعه منه وقد مر ما في ذلك، ثم قال الحاكم: (( ... انصرف الرجل من الحج
ورفض الحشمة وحدث بالمناكير)» والتحديث بالمناكير إنما يضره إذا كانت النكارة
من جهته، والمقصود هنا أنه لا يثبت بما ذكر تعمد الهروي للكذب المسقط وهو
على ما اقتضاه كلام البرقاني ممن يكتب حديثه ويروى عنه للاعتبار، وتلك الكلمة
التي في حكايته توجد لها في الترجمة عند الخطيب عدة أخوات عن الثوري توافقها
في المعنى الذي ادعاه الخطيب بقوله: ((والمحفوظ ... )) أقربها إليها حكايتان قبلها
عن أبي عاصم عن الثوري، وأبو عاصم هذا هو النبيل الثقة المأمون، حاول الأستاذ
أن يجعله العباداني المجروح كما شرحته في (الطليعة) (ص ٢٩ - ٣٠).
٨١ - الحسين بن إدريس الهروي. في (تاريخ بغداد) (٤٠٨/١٣): ((أخبرنا
البرقاني أخبرنا محمد بن عبد الله بن خميرويه أخبرنا الحسين بن إدريس قال: قال ابن
عمار .... )) قال الأستاذ (ص ١٣٣): ((يقول عنه ابن أبي حاتم بعد أن ذكر له
أحاديث باطلة: لا أدري البلاء منه أم من خالد بن هياج. والهروي وخالد
مذكوران في (ثقات ابن حبان) جهلاً منه بحالهما وتساهله في التوثيق مردود عند
أهل النقد )).
أقول: الحسين بن إدريس يروي عن سعيد بن منصور وعثمان بن أبي شيبة وداود
ابن رُشَيد وهشام بن عمار - وابن عمار وهو محمد بن عبد الله بن عمار - وخلق
منهم خالد ابن هياج .
وخالد بن هياج يروي عن جماعة منهم أبوه هياج بن بسطام، وهياج قال فيه
الامام أحمد ((متروك الحديث)) وقال يحيى بن معين: ((ضعيف الحديث ليس بشيء))
وقال أبو داود: ((تركوا حديثه)) وألان أبو حاتم القول فيه قال: ((يكتب حديثه
ولا يحتج به)). وخالد ابن هياج يروي عن أبيه مناكير كثيرة روى عنه الحسين بن
إدريس عدة منها، فتلك الأحاديث التي أنكرها ابن أبي حاتم يجوز أن يكون البلاء
فيها من هياج ويبرأ منها خالد والحسين، ويجوز أن تكون من خالد ويبرأ منها
هياج والحسين، ويجوز أن تكون من الحسين ويبرأ منها هياج وخالد، فأما ابن أبي
٤٤٨

حاتم فكان عنده عن أبيه أن هياجاً ((يكتب حديثه ولا يحتج به)) وهذه الكلمة
يقولها أبو حاتم فيمن هو عنده صدوق ليس بحافظ يحدث بما لا يتقن حفظه فيغلط
ويضطرب كما صرح بذلك في ترجمة ابراهيم بن مهاجر، فرأي ابن أبي حاتم أن
تلك المناكير التي رآها فيما كتب به إليه الحسين لا يحتملها هياج، ولم يكن
يعرف خالداً ولا الحسين فجعل الامر دائراً بينهما، ومقتضى كلام الامام أحمد
ويحيى بن معين وأبي داود في هياج أن تبرئته منها ليست في محلها . والطريق العلمي
في هذا اعتبار ما رواه غير خالد من الثقات عن هياج، وما رواه خالد عن الثقات
غير هياج، وما رواه الحسين عن الثقات غير خالد، وبذلك يتبين الحال، فإذا وجدنا
غير خالد من الثقات قد رووا عن هياج مناكير يتجه الحمل فيها عليه، ووجدنا
خالداً قد روى عن غير هياج من الثقات أحاديث عديدة كلها مستقيمة، ووجدنا
الحسين قد روى عن الثقات غير خالد أحاديث كثيرة كلها مستقيمة، سقط هياج
وبرىء خالد والحسين، وهذا هو الذي تبين لابن حبان فذكر هياجاً في (الضعفاء)
وقال: ((كان مرجئاً يروي الموضوعات عن الثقات))، وذكر خالداً في (الثقات)
وكذلك ذكر الحسين وقال: ((كان ركناً من أركان السنة في بلده)) وأخرج له في
(صحيحه) وقد عرفه حق المعرفة، وتوثيق ابن حبان لمن عرفه حق المعرفة من
أثبت التوثيق كما يأتي في ترجمة ابن حبان(١) وقد وافقه غيره على توثيق الحسين
فوثقه الدارقطني. وقال ابن ماكولا: ((كان من الحفاظ المكثرين))، وقال ابن
عساكر عقب كلمة ابن أبي حاتم: ((البلاء في الأحاديث المذكورة من خالد بلا
شك)) فإما أن يكون ابن عساكر يبرىء هياجاً أيضاً ويجعل الحمل على خالد كما
فعل الحاكم ويحيى بن أحمد بن زياد الهروي، وإما أن يكون مراده تبرئة الحسين
ويكون الأمر دائراً بين خالد وهياج، فالحسين ثقة اتفاقاً، وأما خالد والهياج
فالأشبه صنيع ابن حبان فإن كبار الأئمة طعنوا في هياج كما مر، وفي ترجمته من
(الميزان) أحاديث انتقدت عليه رواها غير خالد عنه ولم يذكروا لخالد شيئاً من
(١) انظر ترجمة ((محمد بن حبان)).
٤٤٩

المناكير رواه عن غير هياج؛ والمقصود هنا بيان حال الحسين وقد اتضح بحمد الله
تعالى أنه ثقة .
٨٢ - الحسين بن حميد بن الربيع. ذكر الأستاذ (ص ١٢٢): محمداً ولد الحسين
- هذا فقال: ((الكذاب ابن الكذاب ... وقد قال مطين أن محمد بن الحسين هذا
كذاب ابن كذاب، وأقره ابن عقدة، ثم أقر ابن عدي وأبو أحمد الحاكم ابن عقدة
في ذلك)).
أقول: الحكاية عن مطين تفرد بها أحمد بن سعيد بن عقدة، وقد تقدم في ترجمته
أنه ليس بعمدة، لكن ابن عدي قوى الحكاية فيما يتعلق بالحسين بقوله: ((سمعت
عبدان يقول سمعت حسين بن حميد بن الربيع يقول: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة
يتكلم في يحيى بن معين يقول: من أين له حديث حفص بن غياث عن الأعمش عن
أبي صالح عن أبي هريرة رفعه: من أقال نادماً عثرته. هو ذا كتب حفص بن غياث
عندنا، وكتب ابنه عمر بن حفص ليس فيها من ذا شيء)) وقال ابن عدي: (( هذه
الحكاية لم يحكها عن أبي بكر غير حسين هذا، وهو متهم فيها، ويحيى أجل من أن
يقال فيه مثل هذا، ... وهذا الحديث قد رواه زكريا بن عدي عن حفص بن
غياث ... )) ثم ذكر أنه قد رواه عن الأعمش أيضاً مالك بن سعير (١) ثم قال:
(( الحسين متهم عندي كما قال مطین)) .
أقول: كلمة مطين لم تثبت، وقد كان يحيى بن معين ينتقد على الرواة ما يراهم
تفردوا به، وربما شدد فلعله بلغ أبا بكر بعض ذلك فرآه تشديداً في غير محله فذكر
ما حكاه الحسين عنه يريد أنه كما تفرد يحيى بهذا وليس في كتب حفص ولا ابنه
ومع ذلك نقبله من يحيى لثقته وأمانته، فكذلك ليس ليحيى أن يشدد في مثل ذلك
على من عرفت ثقته وأمانته، وعلى هذا لا يكون المقصود الطعن في يحيى كما فهمه
الحسين وابن عدي، وبنى عليه ابن عدي استنكار الحكاية واتهام الحسين، لكن ابن
(١) في (اللسان) ((قد رواه الأعمش ايضاً عن مالك بن سعير)) خطأ.
٤٥٠

عدي علم أن يحيى تكلم في حميد بن الربيع كلاماً شديداً، قال مرة: ((أخزى الله
ذاك ومن يسأل عنه)) وقال أخرى: ((أو يكتب عن ذاك؟! خبيث غير ثقة ولا
مأمون يشرب الخمر ويأخذ دراهم الناس ويكابرهم عليها حتى يصالحوه)» فوقع في
نفس ابن عدي أن الحسين أراد الانتقام لأبيه من يحيى. وأقول: هذا وحده لا
يوجب اتهام الحسين باختلاق الحكاية، بل يكفي اتهامه بأنه أبرزها في ذاك المعرض
((يتكلم في يحيى بن معين)) وليس هذا بالكذب المسقط على أنه قد يكون فهم ذلك
ولم يتنبه لمقصود أبي بكر، والحسين مكثر، عارف قال الخطيب: ((روى عن أبي نعيم
ومسلم بن ابراهيم ومحمد بن طريف البجلي وأحمد بن يونس وغيرهم .... وكان فهماً
عارفاً له كتاب مصنف في التاريخ)). فإذا كانت هذه حاله ولم ينكر عليه شيء إلا
تلك الحكاية، فلا أرى اتهامه بالكذب لأجلها إلا ظلماً . والله أعلم .
٨٣ - الحسين بن عبد الأول. في (تاريخ بغداد) (٣٧٩/١٣) من طريقه
((أخبرني إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة قال: هو قول أبي حنيفة: القرآن مخلوق)).
قال الأستاذ (ص٥٦): ((قال أبو زرعة: لا أحدث عنه. وقال أبو حاتم: تكلم
الناس فيه . وقال الذهبي: کذبه ابن معين )) .
أقول: ذكر الخطيب هذه الحكاية في أثناء الروايات عن أبي حنيفة في تلك
المسألة فذكر أولاً روايات تبريء أبا حنيفة عن تلك المقالة ثم قال: ((ذكر الروايات
عمن حكى عن أبي حنيفة القول بخلق القرآن ... )) فساق روايات هذه واحدة منها
فلم يعتمد الخطيب على رواية الحسين هذه، ولا جزم بما تضمنته هي والروايات
القوية التي معها، بل قدم الروايات في نفي ذلك على أن نسبة إسماعيل هذه المقالة
إلى جده مشهورة انظر ترجمته في (تاريخ بغداد) و(لسان الميزان)، والأستاذ وإن
طعن في الراوي فإنه يثبت المروي ویتبجح به .
٨٤ - الحسين بن علي بن يزيد الكرابيسي. قال الأستاذ (ص ١٨٤): (( متكلم
فیه )) .
٤٥١

أقول: تكلموا فيه لخوضه في طرف من الكلام واستخفافه بالامام أحمد بن
حنبل كما مر في ترجمة الخطيب، أما الرواية فلم أر من غمزه فيها بل قال ابن حبان
في (الثقات): ((كان ممن جمع وصنف ممن يحسن الفقه والحديث، أفسده قلة
(١) (٢)
عقله)). (١) (٢) .
٨٥ - حماد بن سلمة بن دينار. في (تاريخ بغداد) (٣٩٠/١٣) عنه (( أبو
حنيفة هذا يستقبل السنة يردها برأيه)) وفيه (١٣ / ٤٠٦) من طريق فهد بن عوف
(( سمعت حماد بن سلمة يكني أبا حنيفة أبا جيفة)) قال الأستاذ (ص ٩١): ((حماد
ابن سلمة ليس ممن يفرق بين من يأخذ بالسنة ومن يردها، وهو راوي تلك الطامات
في الصفات منها رؤية الله في صورة شاب. ومثله يجب أن يسكت عن الأئمة حتى
يسكت الناس عن تخليطه، وقال (ص ١٣٩): ((يروي تلك الطامات المدونة في
كتب (الموضوعات) وقد أدخل في كتبه ربيباه ما شاءا من المخازي كما قال ابن
الجوزي، وتحاماه البخاري ولم يذكر مسلم من أحاديثه إلا ما سلم من التخليط من
رواياته قبل أن يختلط، وكان المسكين على براعته في العربية وصيته الطيب مبدأ
أمره، ساءت سمعته وأصبح أداة صماء بأيدي الحشوية في أواخر عمره .... )).
أقول: الكلام في حماد يعود إلى أربعة أوجه:
الأول: أنه كان سيء الحفظ يغلط. وهذا قد ذكره الأئمة، إلا أنهم خصوه بما
يرويه عن غير ثابت وحميد واتفق أئمة عصرهم على أنه أثبت الناس في ثابت، قال
أحمد: ((أثبتهم في ثابت حماد بن سلمة)) وقال أيضاً: ((حماد بن سلمة أعلم الناس
بحديث حميد وأصح حديثاً)). وقال في موضع آخر: ((هو أثبت الناس في حميد
الطويل .... )) وقال ابن معين: ((من خالف حماد بن سلمة في ثابت فالقول قول
حماد))، وقال أيضاً: من سمع من حماد بن سلمة الأصناف ففيها اختلاف، ومن
(١) حسين بن محمد بن أيوب الذارع. أنظر ترجمة عبد الله بن محمد العتكي.
(٢) حماد بن اسحاق بن ابراهيم الموصلي. مر في ترجمة أبيه.
٤٥٢

سمع منه نسخاً فهو صحيح)) يعني أن الخطأ كان يعرض له عندما يحول من أصوله
إلى مصنفاته التي يجمع فيها من هنا وهنا، فأما النسخ فصحاح ، وقال علي ابن
المديني: ((لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة، ثم بعده سليمان بن
المغيرة، ثم بعده حماد بن زيد وهي صحاح)).
الوجه الثاني: أنه تغير بأخرة. وهذا لم يذكره إلا البيهقي، والبيهقي أرعبته
شقاشق أستاذه ابن فُورَك المتجهم الذي حذا حذو ابن الثلجي في كتابه الذي صنفه
في تحريف أحاديث الصفات والطعن فيها، وإنما قال البيهقي: «هو أحد أئمة
المسلمين إلا أنه لما كبر ساء حفظه فلذا تركه البخاري، وأما مسلم فاجتهد وأخرج
من حديثه عن ثابت ما سمع منه قبل تغیره، وما سوی حدیثه عن ثابت لا يبلغ اثني
عشر حديثاً أخرجها في الشواهد)».
أقول: أما التغير فلا مستند له ونصوص الأئمة تبين أن حماداً أثبت الناس في
ثابت وحميد مطلقاً، وكأنه كان قد أتقن حفظ حديثهما، فأما حديثه عن غيرهما فلم
يكن يحفظه، فكان يقع له فيه الخطأ إذا حدث من حفظه أو حين يحول إلى
الأصناف التي جمعها كما مر، ولم يتركه البخاري بل استشهد به في مواضع من
(الصحيح) فأما عدم إخراجه له في الأصول فلا يوجب أن يكون عنده غير أهل
لذلك، ولذلك نظائر، هذا سليمان بن المغيرة الذي تقدم أنه من أثبت الناس في
ثابت وأنه أثبت فيه من حماد بن زيد وقد ثبته الأئمة جداً، قال أحمد: (( ثبت ثبت)»
وقال ابن معين: ((ثقة ثقة)) والثناء عليه كثير ولم يغمزه أحد، ومع ذلك ذكروا أن
البخاري لم يحتج به ولم يخرج له إلا حديثاً واحداً مقروناً بغيره.
وقد عتب ابن حبان على البخاري في شأن حماد بن سلمة وذكر أنه قد أخرج في
غير الشواهد لمن هو دون حماد بكثير كأبي بكر بن عياش وفليح وعبد الرحمن بن
عبد الله بن دينار، واعتذر أبو الفضل بن طاهر عن ذلك بكلام شريف قال: ((حماد
ابن سلمة إمام كبير مدحه الأئمة وأطنبوا، لما تكلم بعض منتحلي الصنعة (كما يأتي)
٤٥٣

أن بعض الكذبة أدخل في حديثه ما ليس منه لم يخرج عنه البخاري معتمداً عليه،
بل استشهد به في مواضع ليبين أنه ثقة، وأخرج أحاديثه التي يرويها من حديث
أقرانه كشعبة وحماد بن زيد وأبي عوانة وغيرهم، ومسلم اعتمد عليه لأنه رأى
جماعة من أصحابه القدماء والمتأخرين ولم يختلفوا وشاهد مسلم منهم جماعة وأخذ
عنهم، ثم عدالة الرجل في نفسه وإجماع أئمة أهل النقل على ثقته وأمانته)).
الوجه الثالث: زعم بعضهم أنه كان له ربيب يدخل في کتبه وقيل ربيبان
وصحف بعضهم ((ربيب حماد)) إلى ((زيد بن حماد)) راجع (لسان الميزان) (ج ٢
ص ٥٠٦)؛ ومدار هذه التهمة الفاجرة على ما يأتي، قال الذهبي في (الميزان):
(( الدولابي حدثنا محمد بن شجاع ابن الثلجي حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي
قال: كان حماد بن سلمة لا يعرف بهذه الأحاديث - يعني التي في الصفات - حتى
خرج مرة إلى (عَبّادان) فجاء وهو يرويها، فلا أحسب إلا شيطاناً خرج إليه من
البحر فألقاها إليه؛ قال ابن الثلجي: فسمعت عباد بن صهيب يقول إن حماداً كان
لا يحفظ، وكانوا يقولون إنها دست في كتبه، وقد قيل: إن ابن أبي العوجاء كان
ربيبه فكان يدس في كتبه)) قال الذهبي: (( قلت: ابن الثلجي لیس بمصدق على حماد
وأمثاله وقد اتهم؛ نسأل الله السلامة)) .
٢
أقول: الدولابي حافظ حنفي له ترجمة في (لسان الميزان) (ج ٥ ص ٤١) وهو
بريء من هذه الحكاية إن شاء الله إلا في قبوله لها من ابن الثلجي وروايتها عنه؛
كان ابن الثلجي من أتباع بشر المريسي جهمياً داعية عدواً للسنة وأهلها، قال مرة:
(( عند أحمد بن حنبل كتب الزندقة، وأوصى أن لا يعطى من وصيته إلا من يقول:
القرآن مخلوق. ولم أر من وثقه، بل اتهموه وكذبوه قال ابن عدي: ((كان يضع
أحاديث في التشبيه وينسبها إلى أصحاب الحديث يثلبهم بذلك)» وذكر ما رواه عن
"حبان بن هلال، وحبان ثقة، عن حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة
مرفوعاً: ((إن الله خلق الفرس فأجراها فعرقت ثم خلق نفسه منها)) وكذّبه أيضاً
الساجي والأزدي وموسى بن القاسم الأشيب؛ فأما ما نسب إليه من التوسع في الفقه
٤٥٤

وإظهار التعبد فلا يدفع ما تقدم. وحكايته هذه يلوح عليها الكذب، ابراهيم بن
عبد الرحمن ابن مهدي ولد أبوه سنة ١٣٥ فمتى ترى ولد ابراهيم؟ ومولد ابن
الثلجي كما ذكر عن نفسه سنة ١٨١ فمتى تراه سمع من ابراهيم؟ وفي ترجمة قيس
ابن الربيع من (التهذيب) شيء من رواية ابن المديني عن إبراهيم عن أبيه وهذا يشعر
بأنه عاش بعد أبيه، وأبوه مات سنة ١٩٨ فإذا كان إبراهيم مات سنة ٢٠٠ فمتى
تراه ولد؟ وقد قال الخليلي: ((مات وهو شاب لا يعرف له إلا أحاديث دون العشرة
يروي عنه الهاشمي جعفر بن عبد الواحد أحاديث أنكروها على الهاشمي وهو من
الضعفاء)) وحماد بن سلمة توفي سنة ١٦٧ .
ومقتضى ما تقدم أن يكون ابراهيم حينئذ إما صبياً صغيراً وإما لم يولد فمتى
صحب حماد بن سلمة حتى عرف حديثه وعرف أنه لم يكن يروي تلك الأحاديث
حتى خرج إلى ((عبادان)) وكيف عرف هذا الأمر العظيم ولم يعرفه أبوه وكبار الأئمة
من أقران حماد وأصحابه؟ وكلهم أبلغوا في الثناء على حماد كما يأتي، ولا داعي إلى
الحمل على إبراهيم لأنه لم يوثقه أحد، وذكر ابن حبان له في (الثقات) لا يجدي
لأنه لم يثبت عنه أحاديث كثيرة يعرف باعتبارها أثقة هو أم لا؟ ولا إلى أن يقال
لعل ابراهيم سمع ذلك من بعض الهلكى بل الحمل على ابن الثلجي كما ذكر
الذهبي، وكذلك ما ذكره عن عباد بن صهيب مع أن عباداً متروك، وقال عبدان:
(( لم يكذبه الناس وإنما لقنه صهيب بن محمد بن صهيب أحاديث في آخر الأمر)) فعلى
هذا فعباد وهو المبتلى بابن أخيه يدخل عليه في حديثه، وفي (الميزان) أحاديث من
مناكيره .
الوجه الرابع: أن حماداً روى أحاديث سماها الكوثري: طامات، وأشار إلى أن
أشدها حديث رؤية الله في صورة شاب .
والجواب: أن لهذا الحديث طرقاً معروفة في بعضها ما يشعر بأنها رؤيا منام،
وفي بعضها ما يصرح بذلك، فإن كان كذلك اندفع الاستنكار رأساً، وإلا فلأهل
العلم في تلك الأحاديث كلام معروف، وفي (اللآليء المصنوعة) أن محقق الحنفية
٤٥٥

ابن الهمام سئل عن الحديث فأجاب بأن ذلك حجاب الصورة، وبقية الأحاديث إذا
كانت من رواية حماد عن ثابت أو حميد أو مما حدث به من أصوله فهي كما قال الله
تبارك وتعالى: ﴿فإن يكفر بها هؤلاء فَقَدْ وكلنا بما قَوْماً ليسُوا بها بكافرين﴾
الانعام - ٨٩ .
ولنختم بطرف من ثناء الأئمة على حماد في حياته وبعد وفاته ليتبين هل ساءت
سمعته في أواخر عمره كما زعم الأستاذ؟ !:
قال ابن المبارك: ((دخلت البصرة فما رأيت أحداً أشبه بمسالك الأول من حماد
ابن سلمة)) وقال عفان: ((قد رأيت من هو أعبد من حماد بن سلمة، ولكن ما رأيت
أشد مواظبة على الخير وقراءة القرآن والعمل لله من حماد بن سلمة)) وقال رجل
لعفان: أحدثك عن حماد؟ قال: من حماد ويلك؟ قال: ابن سلمة. قال: ألا تقول:
أمير المؤمنين؟. وقال عبد الرحمن بن مهدي - والد ابراهيم الذي نسب إليه ابن
الثلجي ما نسب -: ((لو قيل لحماد بن سلمة: إنك تموت غداً، ما قدر أن يزيد في
العمل شيئاً)) وقال أيضاً: ((حماد بن سلمة صحيح السماع، حسن اللقي، أدرك
الناس، لم يتهم بلون من الألوان، ولم يلتبس بشيء، أحسن ملكة نفسه ولسانه ولم
يطلقه على أحد فسلم حتى مات)) وقال حماد بن زيد: (( ما كنا نرى أحداً يتعلم بنية
غير حماد ابن سلمة، وما نرى اليوم من يعلم بنية غيره)) وقال اسحاق بن الطباع: قال
لي ابن عيينة: العلماء ثلاثة، عالم بالله وبالعلم، وعالم بالله ليس بعالم بالعلم، وعالم بالعلم
ليس بعالم بالله. قال ابن الطباع: ((الأول كحماد بن سلمة ... )) وقال علي بن
المديني: ((من تكلم في حماد بن سلمة فاتهموه في الدين).
٨٦ - حنبل بن إسحاق. في (تاريخ بغداد) (٣٧١/١٣) من طريقه:
(( حدثنا الحميدي حدثنا حمزة بن الحارث بن عمير عن أبيه قال: سمعت رجلاً
يسأل أبا حنيفة في المسجد الحرام عن رجل قال: أشهد أن الكعبة حق، ولكن لا
أدري هي هذه التي بمكة أم لا؟ فقال: مؤمن حقاً. وسأله عن رجل قال: أشهد أن
٤٥٦

محمد بن عبدلله نبي، ولكن لا أدري هو الذي قبره بالمدينة أم؟ فقال: مؤمن
حقاً ... )
وفيه (٣٨٩/١٣) من طريقه: ((حدثنا الحميدي قال: سمعت سفيان قال:
كنت في جنازة أم خصيب بالكوفة فسأل رجل أبا حنيفة عن مسألة من الصرف؟
فأفتاه، فقلت: يا أبا حنيفة إن أصحاب محمد عَ لّه قد اختلفوا في هذه، فغضب
وقال الذي استفتاه: إذهب فاعمل بها، فما كان فيها من إثم فهو علي)) قال الأستاذ
(ص ٣٦): ((يتكلم فيه بعض أهل مذهبه ويرميه ابن شاقلا بالغلط في روايته كما
ذكره ابن تيمية في تفسير سورة القلم، لكن لا نلتفت إلى كلامهم ونعده ثقة مأموناً
كما يقول ابن نقطة في (التقييد))) وقال (ص ٨٤): ((غالط غير مرضي عند بعض
أهل مذهبه)).
أقول: قال الدارقطني: ((كان صودقاً)) وقال الخطيب: ((كان ثقة ثبتاً)) وتخطئته
في حكاية انما تدل على اعتقاد أنه لم يكن معصوماً من الخطأ وليس هذا مما يوهن
الثقة المكثر كحنبل، وقد خطأ أهل العلم جماعة من أجلة الصحابة بل قالوا : إن
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد يخطئون في أمور الدنيا، بل قال بعضهم: قد
يعرض لهم الخطأ في شيء من أمر الدين ولكن ينبهون في الحال لمكان العصمة في
التبليغ، وقد تعرضت لذلك في قسم الاعتقاديات. والمقرر عند أهل العلم جميعاً أن
الثقة الثبت قد يخطيء فإن ثبت خطؤه في شيء فإنما يترك ذاك الشيء، فأما بقية.
روايته فهي على الصواب، ومن أدعى الخطأ في شيء فعليه البيان، والاستاذ يعلم
ذلك كله ولكن ... والله المستعان .
٨٧ - خالد بن عبد الله القسري. في (تاريخ بغداد) (٣٨١/١٣) من طريق
(( محمد بن فليح المدني عن أخيه سليمان وكان علامة بالناس أن الذي استتاب أبا
حنيفة خالد القسري .. )) قال الأستاذ (ص ٦٢): ((هو الذي بنى كنيسة لأمه
تتعبد فيها، وهو الذي يقال عنه أنه ذبح الجعد بن درهم يوم عيد الأضحى أضحية
عنه ... ما كان العلماء ليسكتوا في ذلك العهد أمام استخفافه لشعيرة من شعائر
٤٥٧

الدين .. ، وسفك دم من وجب قتله شيء، وذبحه على أن يكون أضحية شيء آخر،
وكانت سيرة خالد وصمة عار في تاريخ الاسلام)).
أقول: كان خالد أميراً مسلماً خلط عملاً صالحاً كإقامة الحدود، وآخر سيئاً الله
أعلم ما يصح عنه منه . وقد جاء عن جماعة من الأئمة كما في (التأنيب) نفسه أن أبا
حنيفة استتيب في الكفر مرتين، فإن كان خالد هو الذي استتابه في إحداهما ، وقد
شهد أولئك الأئمة أنها استتابة عن الكفر فأي معنى للطعن في خالد؟ هبه كان
كافراً! أيجوز أن يحنق عليه مسلم لأنه رفع إليه إنسان يقول قولاً شهد علماء
المسلمين أنه كفر فاستتابه منه؟ وكان خالد يماني النسب وكان له منافسون على
الإمارة من المصريين وأعداء كثيرون يحرصون على إساءة سمعته، وكان القصاصون
ولا سيما بعد أن نكب خالد يتقربون إلى أعدائه بوضع الحكايات الشنيعة في ثلبه،
ولا ندري ما يصح من ذلك؟ وقضية الكنيسة إن صح فيها شيء فقد يكون بر أمه
بمال فبنى له وكيلها كنيسة فإنها كانت نصرانية وليس في هذا ما يعاب به خالد ،
فقد أحل الله عز وجل نكاح الكتابيات والتسري بهن ونهى عن إكراههن على
الاسلام وأمر باقرارهن على دينهن وأمر ببر الأمهات .
فأما قضية الجعد، فإن أهل العلم والدين شكروا خالداً عليها، ولا يزالون
شاكرين له إلى يوم القيامة، ومغالطة الأستاذ في قضية التضحية مما يضحك ويبكي،
يضحك لتعجرفه، ويبكي لوقوعه من رجال ينعته أصحابه أو نعت نفسه ((الإمام
الفقيه المحدث، والحجة الثقة المحقق العلامة الكبير ... )) لا يخفى على أحد أن
الأضحية الشرعية هي ذبح شاة أو بقرة أو بدنة بصفة مخصوصة في أيام الأضحى
تقرباً إلى الله تعالى باراقة دمها، وليأكل منها المضحي وأهله ويهدي من لحمها إلى
أصحابه ويتصدق منه على المساكين، وأن خالداً لم يذبح الجعد ليأكل من لحمه
ويهدي ويتصدق، وإنما سماه تضحية لأنه إراقة دم يوم الأضحى تقرباً إلى الله تعالى
فشبه بالأضحية المشروعة من هذا الوجه كما سمى بعض الصحابة وغيرهم قتل
عثمان رضي الله عنه تضحية لأنه وقع في أيام الأضحى .
٤٥٨

فقال حسان:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا
وقال أيمن بن خريم:
وأي ذبح حرام ويلهم ذبجوا . .
ضحوا بعثمان في الشهر الحرام ضحى
وقال القاسم بن أمية :
لعمري لبئس الذبح ضحيتم به وختم رسول الله في قتل صاحبه
فإن قيل: لكن يظهر من القصة أن خالداً لم يضحّ، بل اجتزأ بذبح الجعد .
قلت: ليس ذلك بواضح، وكان خالد يذبح كل يوم عدة ذبائح وهب أنه لم يضحّ
ذاك اليوم، فغاية الامر أن يكون اجتزأ بإقامة ذلك الحد من جهة كونه قربة إلى
الله عز وجل وإقامة حد من حدوده، والأضحية عند جمهور أهل العلم ليست
بواجبة، فلا إثم على من تركها، فإن كان مع تركه لها قد قام بقربة عظيمة ورأى
أن ما يفوته من أجر الأضحية وإقامة الشعائر بما يجبره ما يرجوه على تلك القربة
الأخرى فهو أبعد عن الإثم، ولو ضحى الرجل ألف أضحية لما بلغ من أجرها
وإقامة الشعائر بها أن توازن إقامة الحد على الجعد، وإماتة فتنته .
٨٨ - خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك. في (تاريخ بغداد)
(٤١٢/١٣) عنه قال: ((أحل أبو حنيفة ... )) قال الأستاذ (ص ١٤٥) ((يقول
عنه ابن معین: بالشام کتاب ينبغي أن يدفن،(کتابالدیات) خالد بن يزيد بن أبي
مالك، لم يرض أن يكذب على أبيه حتى كُذُب على الصحابة. قال ابن أبي
الحواري: سمعت هذا الكتاب من خالد ثم أعطيته للعطار فأعطى الناس فيه
حوائج. قال النسائي، غير ثقة. وقال أحمد: ليس بشيء)).
أقول: إنما ذكر خالد في هذه الحكاية مسائل فقهية انتقدت على أبي حنيفة قد
نظرت فيها في قسم الفقهيات. ومع ذلك فقد وثقه أحمد بن صالح المصري والعجلي
٤٥٩

وبلدية أبو زرعة الدمشقي وقال ابن عدي: ((لم أر من أحاديث خالد هذا إلا كل ما
يحتمل في الرواية أو يرويه ضعيف عنه فيكون البلاء من الضعيف لا منه، وكتاب
الديات قد يكون ما فيه مما استنكره ابن معين مما أخذه خالد عن الضعفاء فأرسله .
(١)
والله أعلم(١).
٨٩ - داود بن المحبر. في (تاريخ بغداد) (٣٩٢/١٣ - ٣٩٣) عدة روايات
تتعلق بالمحرم إذا لم يجد إزاراً فلبس سراويل، أو لم يجد نعلاً فلبس خفين - وقد
ذكرت المسألة في الفقهيات - تكلم الأستاذ (ص ٩٤) في الروايات إلى أن قال:
((وأما ما رواه ابن عبد البر في (الانتقاء) (ص ١٤٠) من أنه لما قيل لأبي
حنيفة .... قال: لم يصح في هذا عندي .... وينتهي كل امريء إلى ما سمع.
فغير ثابت عنه، لأن في سنده داود بن المحبر متروك باتفاق .. بل حديث إباحة
لبس الخفين ... مخرج في (مسانيد أبي حنيفة)، ففي (مسند أبي محمد البخاري
الحارثي) عن أبي سعيد بن جعفر عن أحمد بن سعيد الثقفي عن المغيرة بن عبد الله
عن أبي حنيفة بن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس .... ، فهذا
الحديث بهذا السند يرد على من يقول انه لم يبلغه حديث في هذا الباب ... فينهار
بهذا البيان جميع تلك المزاعم ... هكذا يفضح الله الأفاكين)).
أقول: داود وثقه ابن معين وقال أبو داود: ((ثقة شبه الضعيف، بلغني عن يحي
فيه كلام أنه يوثقه)) وبهذا يعلم ما في قول الأستاذ ((متروك باتفاق)) وإن كان
الصواب ما عليه الجمهور أن داود ساقط، ومع رد الأستاذ ذاك الخبر هنا فقد
احتج به ص ٧٤ إذ قال: ((وأبو حنيفة الذي يقول: لعن الله من يخالف رسول الله
عَ له .... ، كما في (الانتقاء) لابن عبد البر (ص ١٤١) كيف يخالف حديثاً صح
عن الرسول عليه الصلاة والسلام؟ ومن زعم ذلك فقد أبعد في البهت نسأل الله
(١) خلف بن بيان يأتي في ترجمة محمد بن الحسين بن حميد.
٤٦٠