النص المفهرس
صفحات 421-440
((يقول عنه الحميدي جهمي لا يحل أن يكتب عنه)). أقول: ثبَّته عبد الرحمن بن مهدي جداً، وقال أحمد: ((حدثنا بشر السري وكان متقناً للحديث عجباً)) ووثقه ابن معين وغيره، واحتج به الشيخان في (الصحيحين) وبقية الستة. فأما التجهم فقال ابن معين في بشر: (( رأيته يستقبل البيت يدعو على قوم يرمونه برأي جهم ويقول: معاذ الله أن أكون جهمياً)) وقال أحمد: ((سمعنا منه ثم ذكر حديث: ﴿ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ (١) فقال: ما أدري ما هذا، إيش هذا؟. فوثب به الحميدي وأهل مكة، فاعتذر فلم يقبل منه وزهد الناس فيه، فلما قدمت المرة الثانية كان يجيء إلينا فلم نكتب عنه)). أقول: لم ينصفوه فلعله إنما كان سمع ما صح عن مجاهد من تفسيره [ ناظرة ] في الآية بقوله: ((تنتظر الثواب)) فلما سمع الوجه الآخر استنكره من جهة كونه . تفسيراً للآية لا من جهة إنكار الرؤية، أما ما زاده محمد بن حميد في الحكاية عن مجاهد: ((لا يراه من خلقه شيء)) فمحمد بن حميد متهم؛ فإن كان بشراً استنكر الرؤية فقد كان حقهم أن يبينوا له النصوص في إثباتها، فإذا أقر تبين أنه كان معذوراً فيما فرط منه، وإن أصر هجروه عن بينة؛ على أن الإجماع انعقد بعد ذلك على عذره والاحتجاج بروايته . ٥٩ - بقية بن الوليد. في (تاريخ بغداد) (١٧٩/٢) من طريق ((بقية يقول: قيل لاسماعيل بن عياش .... )) قال الأستاذ (ص ١٨٦): ((حاله إذا لم يقل سمعت رد روايته عند الجميع )). ٣ أقول: بقية يدلس عن الضعفاء، فإذا لم يصرح بالسماع وجب التوقف لاحتمال أنه إنما سمع من ضعيف. ٦٠ - تمام بن محمد بن عبد الله الأُذَني. في (تاريخ بغداد) (٤١٩/١٣) (١) القيامة (٢٢). ٤٢١٠ ((أخبرنا العتيقي حدثنا تمام بن محمد بن عبد الله الأذّني بدمشق أخبرنا أبو الميمون عبد الرحمن بن عبد الله البجلي ... )) ذكر الأستاذ (ص ١٦٤) بلفظ ((تمام بن محمد ابن عبد الله الرازي)) وكتب في الحاشية: ((وقع بدله (الأذني) في الطبعات الثلاث وهو تحريف، ومبلغ تعصب تمام وشيخه معلوم عند من عرف أحوالهما)). أقول ترجمتاهما في (تاريخ دمشق) ولتمام ترجمة في (تذكرة الحفاظ) (ج ٣ ص٢٤٣)، ولم أر من نسبهما ولا أحدهما الى تعصب، ولا عرفت من أحوالهما ما يدل على ذلك؛ والمخالفة للمذهب لا تستلزم التعصب. وقد تقدم الكلام في التعصب في القواعد . ٦١ - ثعلبة بن سهيل التميمي الطّهَوِي. راجع (الطليعة) (ص ٧٨ - ٨١)، وما ذكرته هناك من أن ابن معين قد يطلق كلمة ((ليس بشيء)) لا يريد بها التضعيف وإنما يريد قلة الحديث ترى مستنده في ترجمة عبد العزيز بن المختار من (مقدمة الفتح) وترجمة كثير بن شنظير من (تهذيب التهذيب). ويعترف به الأستاذ، كما ستراه في الترجمة الآتية . ٦٢ - جراح بن منهال أبو العطوف. في (تاريخ بغداد) (١٣ /٤٠٦) من طريق ((سلمة بن سليمان يقول قال رجل لابن المبارك .... سلمة بن سليمان يقول: قال: رجل لابن المبارك: أكان أبو حنيفة عالماً؟ قال: لا، ما كان بخليق لذاك، ترك عطاء وأقبل على أبي العطوف)) قال الأستاذ (ص١٢٨): ((فيه انقطاع ومجهول لأنه لم يبين أنه سمع الرجل يقول وأنه حضر القصة كما لم يبين من هو هذا الرجل ... ثم من الغريب أن يزعم زاعم ... مع أنه ما من مسند من المسانيد السبعة عشر المؤلفة في أحاديث أبي حنيفة إلا وفيه روايته عن عطاء بكثرة، وأما أبو العطوف ... فهو متأخر الوفاة عن أبي حنيفة بنحو ثماني عشر سنة وقد قلَّت رواية أبي حنيفة عنه جداً ولا مانع من الرواية عنه قبل طُرُوءِ الغفلة، وقد ذكره أحمد بالغفلة فقط، وقال ابن معين: ليس بشيء وهو كثيراً ما يقول هذا فيمن قل ٤٢٢ حديثه، ومن ظن بأبي حنيفة أنه لا يميز بين من به غفلة أو تهمة فقد ظن باطلاً، وأبو حنيفة يكثر جداً عن عطاء .... بل ليس بين شيوخه بعد حماد بن أبي سليمان من يكثر عنه قدر إِكثاره عن عطاء، وأما أبو العطوف فرواياته عنه كلها لا تزيد على نحو خمس روايات ... )) أقول: أما الانقطاع والمجهول فقد تقدم النظر فيه في القواعد، وأما قوله: (( ما من مسند من المسانيد السبعة عشر ... إلا وفيه روايته عن عطاء بكثرة))، وقوله: ((وأبو حنيفة يكثر جداً عن عطاء)) ففيه نظر ظاهر لأن غالب الجامعين لتلك المسانيد متأخرون، وجماعة منهم متهمون بالكذب، ومن لم يكن منهم متهماً يكثر أن يكون في أسانيده الى أبي حنيفة من لا يعتد بروايته، ومع ذلك فقد تصفحت ( جامع المسانيد) فلم أجد فيه عن أبي حنيفة عن عطاء إلا نحو ثلاثين رواية لعله لا يصح منها عن أبي حنيفة خمس أو ست فأين الكثرة؟ فضلاً عن الإكثار جداً؛ على أن الحميدي قد قال: ((حدثنا وكيع قال حدثنا أبو حنيفة أنه سمع عطاء، إن كان سمعه)) أخرجه الخطيب ورواه ابن أبي حاتم في كتابه (تقدمة الجرح والتعديل) في باب: ((ما ذكر من معرفة وكيع بن الجراح بناقلة الأخبار ورواة الآثار وكلامه فيهم)) رواه عن أبيه عن الحميدي وذكره الأستاذ (ص ١٣٠) فزعم أن كلمة: ((إن كان سمعه)) من قول الحميدي، ولم يصنع الأستاذ شيئاً، هي من قول وكيع لكن ليس المقصود بها كما ذكر الأستاذ الشك في سماع أبي حنيفة مطلقا، وإنما المقصود الشك في سماع خبر معين ذكره وكيع ولم يذكره الحميدي إذ كان قصد الحميدي إنما هو حكاية تلك الكلمة عن وكيع، وقد يحتمل أن الشك ليس من وكيع وإنما هو من أبي حنيفة نفسه كأن يكون قال في ذاك الخبر: سمعت عطاء - إن كنت سمعته .. فعبر وكيع بما تقدم فإن كان هذا هو الواقع فليس فيه طعن من وكيع في أبي حنيفة كما فهموه؛ والله أعلم . قوله: ((ولا مانع من الرواية عنه قبل طُرُوءِ الغفلة)) هذه دعوى مجردة فلم يذكر أحد قبل الأستاذ أن أبا العطوف طرأت عليه الغفلة، بل قدحوا فيه على الإطلاق ٤٢٣ كما ترى بعض ذلك في (الطليعة) (ص ٨٠) ولو كان إنما بليته الغفلة وكانت طرأت عليه بعد أن سمع أبو حنيفة او غيره لما طعنوا فيه بل كانوا يعدونه في جملة المختلطين الذين يوثقهم أهل العلم ويحتجون بما سمع منهم قبل الاختلاط . فأما قوله: ((ذكره أحمد بالغفلة فقط)) فأحمد إمام ورع إذا كفاه غيره الكلام في رجل ورأى الناس قد تركوا حديثه لم يستحسن أن يشيع الكلام فيه، ومع ذلك فلم يشر أحمد الى أن الغفلة طرأت كما زعم الأستاذ بل قضية كلامه أن الرجل لم يزل كذلك، وأما قول ابن معين: ((ليس بشيء)) فلا ريب أنه قد يقولها في الراوي بمعنى قلة ما رواه جداً، يعني أنه لم يسند من الحديث ما يشتغل به كما مرت الاشارة إليه في ترجمة ثعلبة، فأما انه كثيراً ما يقول هذا فيمن قل حديثه)) فهذه مبالغة الأستاذ! وعلى ذلك فقد مضى تحقيق ذلك في ترجمة ثعلبة من (الطليعة). وحاصله أن الظاهر المتبادر من هذه الكلمة الجرح فلا يعدل عنه إلا بحجة فلما كان ابن معين قد وثق ثعلبة ولم يقدح فيه غيره وثعلبة قليل الحديث جداً تبين أن مراد ابن معين بتلك الكلمة لو ثبتت قلة الحديث، وأبو العطوف لم يوثقه ابن معين ولا غيره بل أوسعوه جرحاً، وحديثه غير قليل فقد ذكر له الأستاذ خسة، وفي (لسان الميزان) ثلاثة أخرى لو لم يكن له غيرها لما كانت من القلة بحيث يصح أن يقال: إنها ليست بشيء ولولا أنهم تركوه ولم يكتبوا حديثه لوجدنا له غير ما ذكر، ولعله لولا أن جامعي المسانيد السبعة عشر علموا أن أبا العطوف تالف لوجدنا له في تلك المسانيد عشرات الأحاديث، فمن الواضح أن قول ابن معين في أبي العطوف: ((ليس بشيء)) إنما محملها الجرح الشديد، فمحاولة الأستاذ أن يعكس القضية قلب للحقائق . ٦٣ - جرير بن عبد الحميد. راجع (الطليعة) (ص ٤٣ - ٤٦ وص ٨٣)، واقتصر الأستاذ في (الترحيب) (ص ٤٠) على أنه ليس فيما ذكرته ما يجدر التحدث عنه، كذا قال! ٤٢٤ وقال في (التأنيب) (ص ١١٠): ((مضطرب الحديث ... وكان سيء الحفظ انفرد برواية حديث الأخرس الموضوع، والكلام فيه طويل الذيل وليس هو ممن يساق خبره في صدد سرد المحفوظ عند النقلة إلا في مذهب الخطيب)). أقول: أما قوله ((مضطرب الحديث)) فكلمة لم يقلها أحد قبل الأستاذ، وليس هو ممن يقبل منه مثل هذا، غاية الأمر أن تُعَدَّ دعوى، فما البينة؟ ليس بيده إلا قصة طلاق الأخرس وعليه في ذلك أمران: الأول: أن القصة تفرد بها سليمان بن داود الشاذكوني وليس بثقة، قال البخاري: ((فيه نظر، وهذه من أشد كلمات الجرح في اصطلاح البخاري كما مر في ترجمة إسحاق بن ابراهيم الحُنَيْني، وقال أبو حاتم: ((متروك الحديث)) وقال النسائي: (((ليس بثقة)) وقال صالح بن محمد الحافظ: ((كان يكذب في الحديث)) والكلام فيه كثير، وفي القصة ما ينكر؛ فان الشاذكوني قال: ((قدمت على جرير فأعجب بحفظي وكان لي مكرماً فقدم يحيى بن معين والبغداديون الذين معه وأنا ثَمَّ، فرأوا موضعي منه، فقال بعضهم: إن هذا بعثه ابن القطان وعبد الرحمن ليفسد حديثك .... )) وابن القطان وعبد الرحمن هما إماما عصرهما يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ومن الممتنع أن يكذب يحيى بن معين ورفقته عليهما هذا الكذب الفاحش . الأمر الثاني: أن القصة لا تفيد اضطراباً وإنما تفيد تدليساً، زعم الشاذكوني أن جريراً ذكر أولاً عن مغيرة عن ابراهيم في طلاق الأخرس، ثم ذكره ثانياً عن سفيان عن مغيرة، ثم ثالثاً عن ابن المبارك عن سفيان، ثم قال: (( حدثنيه رجل خراساني عن ابن المبارك)) فلو صحت القصة لما كان فيها إلا التدليس، بإسقاط ثلاثة، ثم بإسقاط اثنين، ثم بإسقاط واحد، ثم ذكره على وجهه، ولهذا قال ابن حجر في (تهذيب التهذيب): ((إن صحت حكاية الشاذكوني فجرير كان يدلس)) ولم يذكره في طبقات المدلسين لأن القصة لم تصح، وقد ذكر أبو خيثمة جريراً فقال: ((لم یکن یدلس )». ٤٢٥ وقول الأستاذ: ((كان سيء الحفظ)) لم يقلها أحد قبله أيضاً، وإنما المعروف أن جريراً كان لا يحدث من حفظه إلا نادراً، وإنما يحدث من كتبه، ولم ينکروا عليه شيئاً حدث به من حفظه، وأثنوا على كتبه بالصحة، فأما ما حكاه العقيلي عن أحمد أنه قال: ((لم يكن بالذكي اختلط عليه حديث أشعث وعاصم الأحول حتى قدم عليه بَهْز فعرفه)) فقد ذكر هذا لابن معين فقال: ((ألا تراه قد بينها)) يعني أن جريراً بین لمن یروي عنه أن حدیث أشعث وعاصم اختلط علیه حتی میز له بهز ذلك، وعلى هذا فلم يحدث عنهما حتى ميز له بهز فكان يحدث عنهما ويبين الحال، وهذا هو محض الصدق والنصيحة والضبط والاتقان، فإنه لا يطلب من المحدث أن لا يشك في شيء وإنما المطلوب منه أن لا يحدث إلا بما يتقنه فإن حدث بما لا يتقنه بيّن الحال، فإذا فعل ذلك فقد أمنا من غلطه وحصل بذلك المقصود من الضبط . فإن قيل فإنه يؤخذ من كلامهم أنه لم يكن يحفظ وإنما اعتماده على كتبه . قلت: هذا لا يعطى ما زعمه الأستاذ ((أنه كان سيء الحفظ)) فإن هذه الكلمة إنما تطلق في صدد القدح فيمن لا يكون جيد الحفظ ومع ذلك يحدث من حفظه فيخطيء، فأما من لا يحدث من حفظه إلا بما أجاد حفظه كجرير فلا معنى للقدح فيه بأنه لم يكن جيد الحفظ . وأما قول الأستاذ: ((انفرد برواية حديث الأخرس الموضوع)) فهذا تقليد من الأستاذ للشاذكوني فإنه هو الذي حكم على ذلك الخبر بأنه موضوع، والشاذكوني قد عرفت حاله، فأما الخبر فإنما حدث به جرير عن مغيرة قوله كما في (الميزان) عن عثمان بن أبي شيبة، وليس بموضوع ولا ضعيف، سواء أتوبع عليه جرير أم لم يتابع، فإنه لا ينكر لمثل جرير أن يتفرد بحديث مرفوع، فضلاً عن شيء من قول مغيرة بن مقسم . وأما قول الأستاذ: ((والكلام فيه طويل الذيل))، فلم يبق إلا كلام الموثقين! قال الإمام أحمد: ((جرير أقل سقطاً من شريك، وشريك كان يخطىء)) وقال ابن معين ٤٢٦ نحوه. وقال العجلي والنسائي: ((ثقة)) وقال ابن أبي حاتم: ((سألت أبي عن أبي الأحوص وجرير في حديث حصين، فقال: كان جرير أكيس الرجلين، جرير أحب إليّ، قلت: يحتج بحديثه؟ قال: نعم، جرير ثقة، وهو أحب إليّ في هشام بن عروة من يونس بن بكير)) وقال ابن عمار: ((حجة كانت كتبه صحاحا)) وقال أبو أحمد الحاكم: ((هو عندهم ثقة)) وقال الخليلي: ((ثقة متفق عليه)) وقال اللالكائي: ((مجمع على ثقته)) وقال قتيبة: ((ثنا جرير الحافظ المقدم لكني سمعته يشتم معاوية علانية)). أقول: لم يبين ما هو الشتم؟ ولم يضره ذلك في روايته، بل أجمعوا على توثيقه كما رأيت واحتج به صاحبا (الصحيحين) وبقية الستة والناس. قول الاستاذ: (( وليس هو ممن يساق خبره في صدد سرد المحفوظ عند النقلة إلا في مذهب الخطيب)) . أقول: ومذهب أهل العلم كافة كما رأيت !. ٦٤ - جعفر بن محمد بن شاكر. راجع (الطليعة) (ص ١٠٩)؛ قال الأستاذ في (الترحيب): ((لا أريد التكلم عن ابن المنادي، وحاله معروف)). أقول: نعم بالثقة والأمانة ومعه إمام عصره أبو بكر الخطيب. ٦٥ - جعفر بن محمد الصندلي. راجع (الطليعة) (ص ٩١ - ٩٣) ذكر الأستاذ في (الترحيب) أن الخطيب لا يحتج به فيما هو متهم فيه . أقول: الخطيب ثقة مأمون إمام قد تقدمت ترجمته، وذكر ابن السمعاني أنه من نظراء يحيى بن معين وعلي بن المديني وأبي خيثمة وطبقتهم، كما تراه في ترجمته من (معجم الأدباء) لياقوت، والكلام في التهمة قد تقدم في القواعد، ومع الخطيب جماعة كما في ( الطليعة) . ٤٢٧ ٦٦ - جعفر بن محمد الفريابي. في (تاريخ بغداد) (٤١٨/١٣) من طريق العقيلي (( ثنا سليمان بن داود العقيلي قال: سمعت أحمد بن الحسن الترمذي يقول (قال الخطيب ح) وأخبرنا عبيد الله بن عمر الواعظ حدثنا عثمان بن جعفر بن محمد السبيعي حدثنا الفريابي جعفر بن محمد حدثني أحمد بن الحسن الترمذي قال: سمعت أحمد بن حنبل ... )) قال الأستاذ (ص ١٦٣): ((جعفر بن محمد الفريابي كان يجتمع عليه في مجلس تحديثه ثلاثون ألف رجل بينهم نحو عشرة آلاف أصحاب محابر، فإذا روى مثله شيئاً يسير به الركبان، وهو الذي أذّن على أذن مجنون على ملأ الأشهاد فنادى الجني هارباً بحيث يسمع الجماعة: من بشوم محمد مكو. على لسان المجنون بمعنى: أنا أنصرف ولا تقل محمد. كما في (تاريخ الخطيب)، ومثل هذا الراوي لا نستطيع أن نقول فيه شيئاً، والله من ورائهم محيط)). أقول: هذا الرجل من كبار الحفاظ الأثبات، فأما قصة التأذين في أذن المصاب فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرقي ويأمر بالرقية، وكثيراً ما تظهر فائدة ذلك حالاً، ومن المعروف بين الناس سلفاً وخلفاً أن المصاب يتكلم بكلام كأنه كلام شخص آخر، فيقول الناس إن ذاك كلام الجني على لسان المصاب. هذا وذاك الكلام إنما سمع من المصاب والقائل إنه كلام الجني هو راوي القصة، ولم يقع من الفريابي إلا التأذين في أذن المصاب اتباعاً لما ورد في الأثر، فأي شيء في ذلك؟ ٦٧ - حاجب بن أحمد الطوسي. في (تاريخ بغداد) (٤٠١/١٣) ((أنبأنا القاضي أحمد بن الحسن الحرشي أخبرنا أبو محمد حاجب بن أحمد الطوسي حدثنا عبد الرحيم بن منيب قال: قال عفان .... )) قال الأستاذ (ص ١٧): ((قال الحاكم: لم يسمع حديثاً قط لكنه كان له عم قد سمع فجاء البلاذري إليه فقال: هل كنت تحضر مع عمك في المجلس؟ قال: بلى، فانتخب له من كتب عمه. ويقال: إنه كان ابن مائة وثماني سنين كما ذكره الذهبي، ولفظ عبد الرحيم لفظ انقطاع)). أقول: تتمة الترجمة في (الميزان) بعد قوله ((من كتب عمه)): ((تلك الأجزاء الخمسة، قال الحاكم في (تاريخه): بلغني أن شيخنا أبا محمد البَلاَذُري كان يشهد له ٤٢٨ بلقى هؤلاء وكان يزعم أنه ابن مائة وثماني سنين، سمعت منه ولم يصل إلي ما سمعت منه .... )) فظهر بهذا أن قوله أولاً: ((لم يسمع حديثاً قط)) إنما أراد به أنه لم يتصد للسماع بنفسه وإنما كان عمه يحضره معه مجالس السماع والبَلاَذُري حافظ أثنى عليه الحاكم، انظر ترجمته في (تذكرة الحفاظ) (ج ٣ ص ١٠١)، ولم يغمزوا حاجباً في عدالته ولا أنكروا عليه شيئاً من مروياته، ويؤخذ مما تقدم أنه إنما كان يروي تلك الأجزاء التي انتخبها له البلاذري من أصول عمه لم يتعدها وأحاديثه في (سنن البيهقي) أحاديث معروفة تدل على صدقه وأمانته، وقد روى عنه ابن منده والقاضي أحمد بن الحسن الحرشي راوي هذه الحكاية وهما من الثقات الأثبات، وعبد الرحيم ثقة غير مدلس فقوله: ((قال عفان)) حكمه الاتصال كما سلف في القواعد . ٦٨ - الحارث بن عمير البصري نزيل مكة في (تاريخ بغداد) (٣٧٠/١٣) من طريق (( الحميدي حدثنا حمزة بن الحارث بن عمير عن أبيه قال: سمعت رجلاً يسأل أبا حنيفة في المسجد الحرام .... )) قال الأستاذ (ص ٣٦): ((مختلف فيه والجرح مقدم، قال الذهبي في (الميزان): وما أراه إلّ بين الضعف، فإن ابن حبان قال في (الضعفاء): روى عن الأثبات الموضوعات، وقال الحاكم: روى عن حميد وجعفر الصادق أحاديث موضوعة؛ وفي (تهذيب التهذيب): قال الأزدي: منكر الحديث. ونقل ابن الجوزي عن ابن خزيمة أنه قال: الحارث بن عمير كذاب)). أقول: الحارث بن عمير وثقه أهل عصره والكبار، قال أبو حاتم عن سليمان بن حرب: ((كان حماد بن زيد يقدم الحارث بن عمير ويثني عليه)) زاد غيره (( ونظر إليه مرة فقال: هذا من ثقات أصحاب أيوب)) وروى عنه عبد الرحمن بن مهدي، وقد قال الأكرم عن أحمد: ((إذا حدث عبد الرحمن عن رجل فهو حجة)) وقال ابن معين والعجلي وأبو حاتم وأبو زرعة والنسائي والدارقطني: ((ثقة)) زاد أبو زرعة: ((رجل صالح)) وفي (اللآليء المصنوعة) (ص ١١٨ - ١١٩) عن الحافظ بن حجر في ذكر الحارث: ((استشهد به البخاري في (صحيحه) وروى عنه من الأئمة عبد الرحمن بن مهدي وسفيان بن عيينة واحتج به أصحاب السنن)) وفيها بعد ذلك: ٤٢٩ (( قال الحافظ ابن حجر في أماليه ... أثنى عليه حماد بن زيد ... وأخرج له البخاري تعليقاً ... )) ولم يتكلم فيه أحد من المتقدمين، والعدالة تثبت بأقل من هذا، ومن ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح إلا بحجة وبينة واضحة كما سلف في القواعد، فلننظر في المتكلمين فيه وكلامهم . أما الأزدي: فقد تكلموا فيه حتى اتهموه بالوضع راجع ترجمته في (لسان الميزان) (ج ٥ رقم ٤٦٤) مع الرقم الذي يليه من ((قال الخطيب)) إلى آخر الترجمة فإنه كان متعلق بالأزدي، وقال ابن حجر في ترجمة أحمد بن شبيب في الفصل التاسع من (مقدمة الفتح): ((لا عبرة بقول الأزدي لأنه هو ضعيف فكيف يعتمد في تضعيف الثقات)) وذكر نحو ذلك في ترجمة خثيم بن عراك وغيرها وقال في ترجمة علي بن أبي هاشم: ((قدمت غير مرة أن الأزدي لا يعتبر تجريحه لضعفه هو )) على أن الأزدي استند إلى ما استند إليه ابن حبان وسيأتي ما فيه . وأما ابن خزيمة فلا تثبت تلك الكلمة عنه بحكاية ابن الجوزي المعضلة، ولا نعلم ابن الجوزي التزم الصحة فيما يحكيه بغير سند، ولو التزم لكان في صحة الاعتماد على نقله نظر لأنه كثير الأوهام، وقد أثنى عليه الذهبي في (تذكرة الحفاظ) كثيراً ثم حكى عن بعض أهل العلم أنه قال في ابن الجوزي: ((كان كثير الغلط فيما يصنفه فإنه كان يفرغ من الكتاب ولا يعتبره)). قال الذهبي: ((نعم له وهم كثير في تواليفه يدخل عليه الداخل من العجلة والتحويل إلى مصنف آخر ومن أجل أن علمه من كتب صحف ما مارس فيها أرباب العلم كما ينبغي)) وذكر ابن حجر في (لسان الميزان) (ج ٣ ص ٨٤) حكاية عن ابن الجوزي ثم قال: (( دلت هذه القصة على أن ابن الجوزي حاطب ليل لا ينقد ما يحدث به)). وقد وقفت أنا على جملة من أوهامه منها أنه حكى عن أبي زرعة وأبي حاتم أنهما قالا في داود بن عمرو بن زهير: ((منكر الحديث)) وإنما قالا ذلك في داود بن عطاء المدني، راجع التعليق على (تاريخ البخاري) (ج ٢ قسم ١ ص ٢١٥)؛ ومنها أنه حكى في إسحاق بن ناصح عن الإمام أحمد كلاماً إنما قاله أحمد في إسحاق بن ٤٣٠ نحيح راجع (لسان الميزان) (ج ١ ص ٣٧٦)؛ ومنها أنه قال في الربيع بن عبد الله بن خطاف: ((كان يحيى بن سعيد يثني عليه، وقال ابن مهدي: لا ترو عنه شيئاً)) وهذا مقلوب كما في ترجمة الربيع من (التهذيب)؛ ومنها أنه حكى في سوار ابن عبد الله بن سوار أن الثوري قال فيه: ((ليس بشيء)) مع أن سواراً هذا إنما ولد بعد موت الثوري وإنما قال الثوري تلك الكلمة في جده سوار بن عبد الله كما في (التهذيب)؛ ومنها أنه حكى في صخر بن عبد الله بن حرملة الحجازي أن ابن عدي وابن حبان اتهماه بالوضع، وإنما اتهما صخر بن محمد، ويقال ابن عبد الله الحاجبي المروزي، راجع (التهذيب) و (واللسان)؛ ومنها أنه حكى في جعفر بن حيان أبي الأشهب البصري كلاماً عن الأئمة إنما قالوه في جعفر بن الحارث أبي الأشهب الواسطي، راجع (التهذيب)؛ ومنها أنه ذكر معاوية بن هشام فقال: وقيل هو معاوية بن أبي العباس روى ما ليس من سماعه فتركوه، كذا قال، ومعاوية بن هشام من الثقات لم يرو ما ليس من سماعه ولم . يتركه أحد، وإنما روى مروان بن معاوية الفزاري عن معاوية بن أبي العباس أحاديث عن شيوخ الثوري، وهي معروفة من حديث الثوري فقال ابن نمير، وأخذه عنه أبو زرعة وغيره: إن معاوية بن أبي العباس رجل متروك كان جاراً للثوري فلما مات الثوري أخذ معاوية كتبه فرواها عن شيوخه فسمعوا منه، ثم فطنوا لصنيعه فافتضح وتركوه، وبقي مروان يروي عنه؛ ورأى بعض الحفاظ أن معاوية بن هشام روى تلك الأحاديث عن الثوري، فسمعها منه مروان ثم دلس مروان اسمه وأسقط الثوري من السند فدلس مروان [ تدليس] تسوية بعد تدليسه الاسم، وهذا القول على وهنه كما بينته في تعليقي على (الموضح) لا يفيد أن معاوية بن هشام روى ما لم يسمع، ولا أنهم تركوه، ولكن ابن الجوزي جمع بين القولين، فإن القائل أن ابن أبي العباس روى ما لم يسمع وتركوه بنى على أنه غير معاوية بن هشام، والقائل أنه هو لم يقل أنه روى ما لم يسمع ولا أنهم تركوه؛ ومنها أنه ذكر في موضوعاته حديثاً رواه الطبراني قال: ((حدثنا أحمد حدثنا إسحاق بن وهب العلاف حدثنا بشر بن عبيد الفارسي ... )) ثم قال ابن ٤٣١ الجوزي: ((إسحاق كذاب ... )) قال السيوطي في (اللآلي) (٢٠٦/١): ((إنما الكذاب إسحاق بن وهب الطهرمسي فالتبس على المؤلف .... )) يعني ابن الجوزي وصدق السيوطي، العلاف موثق وهو من شيوخ البخاري في (صحيحه)؛ والطهرمسي كذبوه إلى غير ذلك من أوهامه . وأما الحاكم فأحسبه تبع ابن حبان، فإن ابن حبان ذكر الحارث في (الضعفاء) وذكر ما أنكره من حديثه، والذي يستنكر من حديث الحارث حديثان: الأول رواه محمد بن زنبور المكي عن الحارث عن حميد، والثاني رواه ابن زنبور أيضاً عن الحارث عن جعفر بن محمد، فاستنكرها ابن حبان وكان عنده أن ابن زنبور ثقة فجعل الحمل على الحارث، وخالفه آخرون فجعلوا الحمل على ابن زنبور، قال مسلمة في ابن زنبور: ((تكلم فيه لأنه روى عن الحارث بن عمير مناكير لا أصول لها وهو ثقة)) وقال الحاكم أبو أحمد في ابن زنبور: ( لیس بالمتین عندهم تر که محمد ابن إسحاق بن خزيمة)) وهذا مما يدل علي وهم ابن الجوزي . وساق الخطيب في (الموضح) فصلاً في ابن زنبور فذكر أن الرواة عنه غيروا اسمه على سبعة أوجه وهذا يشعر بأن الناس كانوا يستضعفونه لذلك كان الرواة عنه يدلسونه؛ وقال ابن حجر في ترجمة الحارث من (التهذيب): ((قال ابن حبان كان ممن يروي عن الاثبات الأشياء الموضوعات، وساق له عن جعفر بن محمد ... )) فذكر الحديث الثاني وقول ابن حبان: ((هذا موضوع لا أصل له)) ثم ساقه ابن حجر بسنده إلى محمد بن أبي الأزهر عن الحارث؛ وكذلك ذكره السيوطي في (اللآلي المصنوعة) (ج ١ ص ١١٨) وابن أبي الأزهر هو ابن زنبور وأسند الخطيب في (الموضح) هذا الحديث في ترجمة ابن زنبور. ثم قال ابن حجر: ((والذي يظهر لي أن العلة فيه ممن دون الحارث)) يعني من ابن زنبور، وخالفهم جميعاً النسائي فوثق الحارث، ووثق ابن زنبور أيضاً وقال مرة: ((ليس به بأس)). قال المعلمي: لو كان لا بد من جرح أحد الرجلين لكان ابن زنبور أحق بالجرح، لأن عدالة الحارث أثبت جداً وأقدم، لكن التحقيق ما اقتضاه صنيع ٤٣٢ النسائي من توثيق الرجلين، ويحمل الإنكار في بعض حديث ابن زنبور عن الحارث على خطأ ابن زنبور، وقد قال فيه ابن حبان نفسه في (الثقات): ((ربما أخطأ)). والظاهر أنه كان صغيراً عند سماعه من الحارث كما يعلم من تأمل ترجمتها، وقد تقدم في ترجمة جرير بن عبد الحميد أنه اختلط عليه حديث أشعث بحديث عاصم الأحول، فكأنه اختلط على ابن زنبور بما سمعه من الحارث أحاديث سمعها من بعض الضعفاء، ولم ينتبه لذلك كما تنبه جرير، فكأن ابن زنبور في أوائل طلبه كتب أحاديث عن الحارث ثم سمع من رجل آخر أحاديث كتبها في تلك الورقة ولم يسم الشيخ، ثقة بأنه لن يلتبس عليه، ثم غفل عن ذاك الكتاب مدة ثم نظر فيه فظن أن تلك الأحاديث كلها مما سمعه من الحارث. وقد وثق الأئمة جماعة من الرواة ومع ذلك ضعفوهم فيما يروونه عن شيوخ معينين منهم عبد الكريم الجزري فيما يرويه عن عطاء، ومنهم عثمان بن غياث وعمرو بن أبي عمرو وداود ابن الحصين فيما يروونه عن عكرمة، ومنهم عمرو بن أبي سلمة فيما يرويه عن زهير بن محمد، ومنهم هشيم فيما يرويه عن الزهري، ومنهم ورقاء فيما يرويه عن منصور بن المعتمر، ومنهم الوليد بن مسلم فيما يرويه عن مالك؛ فهكذا ينبغي مع توثيق ابن زنبور تضعيفه فيما يرويه عن الحارث بن عمير . فإن قيل: فأين أنت عما في (الميزان) ((ابن حبان ثنا الحسن بن سفيان ثنا محمود ابن غيلان أنبأنا أبو أسامة ثنا الحارث بن عمير عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس. قال العباس: لأعلمن ما بقاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فينا، فأتاه فقال: يا رسول الله لو اتخذنا لك مكاناً تكلم الناس منه، قال: بل أصبر عليهم ينازعوني ردائي ويطأون عقبى ويصيبني غبارهم حتى يكون الله هو يريحني منهم. رواه حماد ابن زيد عن أيوب فأرسله: أو أن ابن عباس قاله - شك)) فهذا الحديث لا شأن لابن زنبور فيه وليس في سنده من يتجه الحمل عليه غير الحارث. قلت: ليس في هذا الحديث ما ينكر وقد رواه حماد بن زيد غير أنه شك في إسناده وقد قال يعقوب بن شيبة: ((حماد بن زيد أثبت من ابن سلمة وكلّ ثقة غير أن ابن زيد ٤٣٣ معروف بأنه يقصر في الأسانيد ويوقف المرفوع، كثير الشك بتوَقِّيه وكان جليلاً لم يكن له كتاب يرجع إليه، فكان أحياناً يذكر فيرفع الحديث، وأحياناً يهاب الحديث ولا يرفعه)) فأي مانع من أن يكون هذا مما قصر فيه حماد، وحفظه الحارث، وقد كان حماد نفسه يثني على الحارث ويقدمه كما مر؛ فإن شدد مشدد فغاية الأمر أن يكون الخطأ في وصله، وهل الخطأ من الحارث أو ممن بعده؟ وعلى فرض أنه من الحارث فليس ذلك مما يوجب الجرح، ومثل هذا الخطأ وأظهر منه قد يقع للأكابر كمالك والثوري، والحكم المجمع عليه في ذلك أن من وقع منه ذلك قليلاً لم يضره بل يحتج به مطلقاً إلا فيما قامت الحجة على أنه أخطأ فيه، فالحارث بن عمير ثقة حتماً؛ والحمد لله رب العالمين . ٦٩ - حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك، في (تاريخ بغداد) (٣٩٦/١٣) من طريق ((الأبّار حدثنا أبو الأزهر النيسابوري حدثنا حبيب كاتب مالك بن أنس عن مالك .. )) قال الأستاذ (ص ١٠٦) يقول عنه أبو داود: من أكذب الناس، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها موضوعة، وقال أحمد: ليس بثقة، وقال ابن حبان: يروي عن الثقات الموضوعات)) أقول: اتفقوا على جرحه فلا معنى للرواية عنه ولو في المتابعات . ٧٠ - الحجاج بن أرطاة. في (تاريخ بغداد) (٤١٥/١٣) من طريق ((حماد ابن زيد يقول: سمعت الحجاج بن أرطاة يقول: ومن أبو حنيفة؟ !.... )) قال الأستاذ (ص ١٥٥): ((من فقهاء الكوفة ومحدثيها ويتكلم النقاد في حديثه)). أقول: ليس له هنا رواية وإنما هو شيء من قوله، وحاصل كلامهم في حديثه أنه صدوق مدلس يروي بالمعنى، وقد لخص ذلك محمد بن نصر المروزي قال: ((والغالب على حديثه الارسال والتدليس وتغيير الألفاظ)) فإذا صرح بالسماع فقد أمنا تدليسه وهو فقيه عارف لا يخشى من روايته بالمعنى تغيير المعنى لكن إذا خالفه اللفظ ثقة يتحرى الرواية باللفظ، وكان بين اللفظين اختلاف ما في المعنى قدم فيما اختلفا فيه لفظ الثقة الآخر؛ فأما محل الحجاج في علمه فقال ابن عيينة: (( سمعت ٤٣٤ ابن أبي نجيح يقول: (( ما جاءنا منكم (يعني أهل الكوفة) مثله - يعني الحجاج بن أرطاة))، وقال سفيان الثوري: ((عليكم به فإنه ما بقي أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه)) وقال حماد بن زيد: ((قدم علينا جرير بن حازم من المدينة فكان يقول: حدثنا قيس بن سعد عن الحجاج بن أرطاة، فلبثنا ما شاء الله ثم قدم علينا الحجاج ابن ثلاثين أو إحدى وثلاثين فرأيت عليه من الزحام ما لم أر على حماد بن أبي سليمان، رأيت عنده داود بن أبي هند ويونس بن عبيد ومطر الوراق جثاة على أرجلهم يقولون: يا أبا أرطاة ما تقول في كذا؟)). ٧١ - الحجاج بن محمد الأعور. في (تاريخ بغداد) (١٣ /٤٠٥) من طريق سُنَيْد بن داود حدثنا حجاج قال: سألت قيس بن الربيع عن أبي حنيفة، قال: أنا أعلم الناس به ... )) قال الأستاذ (ص ١٢٦): (( سنيد إنما روى عن الحجاج بعد أن اختلط اختلاطً شديداً، وقد رآه أهل العلم يلقن الحجاج فيتلقن منه، والملقن كالمتلقن في السقوط عند أهل الفقه، وقال النسائي (في سنيد): غير ثقة)). أقول: أما سنيد فستأتي ترجمته، وأما الحجاج فمدار الكلام فيه على الاختلاط والتلقن وههنا مباحث: الأول: هل اختلط حجاج؟ وإن كان اختلط فهل حدث بعد اختلاطه ؟ قال ابن سعد: ((كان قد تغير في آخر عمره حين رجع إلى بغداد)) وقال إبراهيم الحربي: أخبرني صديق لي قال: لما قدم حجاج الأعور آخر قدمة إلى بغداد خلط فرأيت يحيى بن معين عنده فرآه يحيى خلط فقال لابنه: لا تدخل عليه أحداً، قال: فلما كان بالعشي دخل الناس فأعطوه كتاب شعبة فقال: حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عيسى بن مريم عن خيثمة! فقال يحيى لابنه: قد قلت لك)) فكلمة ابن سعد ليست بصريحة في الاختلاط لأن التغيير أعم من الاختلاط، وحكاية ابراهيم الحربي صريحة في الاختلاط لكن لا ندري من هو صديقه؟ وسكوت الحفاظ الأيقاظ كابن معين وأحمد وأبي خيثمة وكلهم بغداديون عن نقل اختلاط حجاج وبيان ٤٣٥ تاريخه وبیان من سمع منه فیه مع إطلاقھم توثیق حجاج وتوثيق کثیرین ممن روی عن حجاج يدل حتماً على أحد أمرين: إما أن لا يكون حجاج اختلط، وإنما تغير تغيراً يسيراً لا يضر، وإما أن لا يكون سمع منه أحد في مدة اختلاطه؛ والثاني أقرب، فكأن يحيى بن معين ذهب إلى حجاج عقب قدومه فأحس بتغيره فقال لابنه لا تدخل عليه أحداً، ثم عاد يحيى عشي ذاك اليوم في الوقت الذي جرت العادة بالدخول فيه على القادم للسماع منه خشية أن لا يعمل ابن حجاج بما أمره به، فوجد الأمر كذلك أذن لهم الابن فدخلوا ويحيى معهم فسكت أولاً، فلما أخذ حجاج الكتاب فخلط قال يحيى للإبن: ألم أقل لك؟ فكأنهم قطعوا المجلس وحجبوا حجاباً حتى مات فلم يسمع منه أحد في الاختلاط؛ فلما وثق يحيى وبقية أهل العلم بذلك لم يروا ضرورة إلى أن يشيعوا اختلاط حجاج وبيان تاريخه، بل كانوا يوثقونه ويوثقون كثيراً من الذين سمعوا منه مطلقاً، لعلمهم أن ما بأيدي الناس من روايته كله كان في حال تمام ضبطه. وفي ترجمة حجاج من (مقدمة الفتح): ((أجمعوا على توثيقه وذكره أبو العرب الصقلي في (الضعفاء) بسبب أنه تغير في آخر عمره واختلط، لكن ما ضره الاختلاط فإن إبراهيم الحربي حكى أن يحيى بن معين منع ابنه أن يدخل عليه بعد اختلاطه أحداً)) فأما قوله في (التهذيب): ((وسيأتي في ترجمة سنيد بن داود عن الخلال .... )) فستعلم ما فيه قريباً . المبحث الثاني متى سمع سنيد من الحجاج؟ روى الأثرم وهو ثقة عن الإمام أحمد أنه قال: (( سنيد لزم حجاجاً قديماً، قد رأيت حجاجاً يملي عليه، وأرجو أن لا يكون حدث إلا بالصدق)) وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ((رأيت سنيداً عند حجاج بن محمد وهو يسمع منه كتاب (الجامع لابن جريج) [وفيه] أخبرت عن الزهري. وأخبرت عن صفوان بن سليم، وغير ذلك، قال: فجعل سنيد يقول لحجاج: يا أبا محمد قل: ابن جريج عن الزهري، وابن جريج عن صفوان بن سليم، قال: فكان يقول له هكذا)) قال عبد الله: ((ولم ٤٣٦ يحمده أبي فيما رآه يصنع بحجاج وذمه على ذلك قال أبي: وبعض تلك الأحاديث التي كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة، كان ابن جريج لا يبالي ممن أخذها)) حكى هذا في (تهذيب التهذيب) ثم قال: ((وحكى الخلال عن الأثرم نحو ذلك ثم قال الخلال وروى (؟ ونُرى) أن حجاجاً كان هذا منه في وقت تغيره، ویری (؟ ونُرى) أن أحاديث الناس عن حجاج صحاح إلا ما روى سنيد)). أقول: هذا حدس يرده نص الإمام أحمد كما تقدم، ومبنى هذا الحدس على توهم أن في القصة ما يخدش في تثبيت حجاج، وإنما يكون الأمر كذلك لو كان إذا قيل: ابن جريج عن فلان. يحمل على سماع ابن جريج من فلان، وليس الأمر كذلك لأن ابن جريج مشهور بالتدليس، فإذا قيل: ابن جريج عن الزهري. ولم يجيء بيان السماع من وجه آخر، فإنه لا يحكم بالاتصال، بل يبنى على أوهن الاحتمالين وهو أن بين ابن جريج وبين الزهري واسطة، وذلك لاشتهار ابن جريج بالتدليس، وعلى هذا فسيان قيل: ابن جريج أخبرتُ عن الزهري. و: ابن جريج عن الزهري. ولهذا قال الإمام أحمد: أرجو أن لا يكون حدث إلا بالصدق. وإنما ذكر في رواية عبد الله كراهيته لذلك لأنه رآه خلاف الكمال في الأمانة، وفي (الكفاية) عن ١٨٧ من طريق: ((عبد الله بن أحمد قال: كان إذا مر بأبي لحن فاحش غيره، وإذا كان لحناً سهلاً تركه، وقال: كذا قال الشيخ)) فأنت ترى أحمد يمتنع من تغيير اللحن فما ظنك بما تقدم ؟ . فإن قيل فما الحامل لسنيد على التماس ذلك من حجاج؟ قلت: طلب الاختصار والتزيين الصوري . فتدبر ما تقدم يتبين لك أنه ليس في الحكاية ما يشعر بوهن في تثبيت حجاج حتى يقوى الحدس بأنها كانت في وقت تغيره، ويتضح لك أن ما تقدم من الدليل على أن حجاجاً لم يحدث في وقت تغيره هو على اطلاقه . المبحث الثالث في التلقين: ٤٣٧ التلقين القادح في الملقَّن هو أن يوقع الشيخ في الكذب ولا يبين، فإن كان إنما فعل ذلك امتحاناً للشيخ وبين ذلك في المجلس لم يضره، وأما الشيخ فإن قبل التلقين وكثر ذلك منه فإنه يسقط؛ دخل حفص بن غياث ويحيى بن سعيد القطان على موسى بن دينار المكي فوجدا عنده أبا شيخ جارية بن هرم الفقيمي فجعل حفص يقول لموسى امتحاناً : حدثتك عائشة بنت طلحة عن عائشة بكذا؟ وحدثك القاسم بن محمد عن عائشة بكذا؟ وحدثك سعيد بن جبير عن ابن عباس بكذا؟ ويذكر أحاديث قد علم أن موسى لم يسمعها ممن ذكر فأجابه موسى بالإثبات، وكان أبو شيخ مغفلاً فكتبها فلما فرغ حقص مد يده إلى ما كتبه أبو شیخ فمحاه وبین له الواقع. راجع ترجمة موسى وجارية في (لسان الميزان). وما وقع من سنيد ليس بتلقين الكذب وإنما غايته أن يكون تلقيناً لتدليس التسوية، وتدليس التسوية أن يترك الراوي واسطةً بعد شيخه كما يحكى عن الوليد ابن مسلم أنه كان عنده أحاديث سمعها من الأوزاعي عن رجل عن الزهري، وأحاديث سمعها من الأوزاعي عن رجل عن نافع، فكان يقول فيها: حدثني الأوزاعي عن الزهري، وحدثني الأوزاعي عن نافع! وهذا تلدیس قبيح، لكنه في قصة سنید وحجاج لا محذور فيه لاشتهار ابن جريج بالتدليس كما مر. وبذلك يتبين أن حجاجاً لم يتلقن غفلة ولا خيانة وإنما أجاب سنيداً الى ما التمسه لعلمه أنه لا محذور فيه، وكره أحمد ذلك لما تقدم. ومن ثناء الأئمة على الحجاج: قال الإمام أحمد: (( ما كان أضبطه وأشد تعاهده للحروف)) وقال المعلى الرازي: ((قد رأيت أصحاب ابن جريج ما رأيت فيهم أثبت من حجاج)) وقال علي ابن المديني والنسائي: ((ثقة)) وكذا وثقه مسلم والعجلي وابن قانع ومسلمة بن قاسم وغيرهم واحتج به الجماعة . ٧٢ - حرب بن إسماعيل الكرماني السيرجاني، لم ينقم عليه الأستاذ رواية، ولكنه علم أنه من أصحاب الإمام أحمد، فتناوله من بعد يسر حسواً في ارتغاء! قال ٤٣٨ (ص١١٥) في ابن أبي حاتم: ((أفسده حرب بن إسماعيل السيرجاني في المعتقد حتى أصبح ينطوي على العداء لمتكلمي أهل الحق)). وقال السها يا شمس أنت خفية وقال الدجى يا صبح لونك حائل وقد أفردت المعتقد بقسم، وحرب من ثقات أصحاب أحمد لم يتكلم فيه أحد .(١) ٧٣ - الحسن بن أحمد بن ابراهيم بن شاذان أبو علي بن أبي بكر. في (تاريخ بغداد) (٣٩٩/١٣) ((أخبرنا الحسن بن أبي بكر أخبرنا حامد بن محمد الهروي .... )) قال الاستاذ (ص١١٣): ((يقول عنه الخطيب: إنه كان يشرب النبيذ)). أقول: قال الخطيب (ج٧ ص٢٧٩): ((كتبنا عنه وكان صدوقاً صحيح الكتاب، وكان يفهم الكلام على مذهب الأشعري، وكان مشتهراً بشرب النبيذ الى أن تركه بآخرة كتب عنه جماعة من شيوخنا كأبي بكر البرقاني .... سمعت أبا الحسن بن رزقويه يقول: أبو علي بن شاذان من أوثق من برأ الله في الحديث، وسماعي منه أحب إلي من السماع من غيره، أو كما قال)). فسماع البرقاني وغيره منه يدل أنه إنما كان على مذهب العراقيين في الترخص في النبيذ ومثل ذلك لا يجرح به اتفاقاً، ومع ذلك فقد ترك ذلك بآخرة وسماع الخطيب منه متأخر، وغالب السماع أو جميعه في ذاك العصر من الكتب، وقد قال الخطيب: ((كان صدوقاً صحيح الكتاب)). (٢) (١) حريث بن عبدالرحمن أبو عمرو، يأتي مع محمود بن إسحاق. (٢) أقول: من المعروف عن أبي حنيفة رحمه الله أنه كان يرخص في شرب النبيذ، فيكون هو سلف أبي علي في ذلك فكيف يجعل الكوثري ذلك طعناً في أبي علي، ثم ينسى أنه یصیب به إمامه ؟ ! ن. ٤٣٩ ٧٤ - الحسن بن الحسين بن العباس بن دوما النعَّالي. في (تاريخ بغداد) (٣٧٤/١٣): (( أخبرنا الحسن بن الحسين بن العباس التعالي أخبرنا أحمد بن جعفر ابن سلم حدثنا أحمد بن علي الأبار حدثنا أبو يحيى محمد بن عبد الله بن يزيد المقرىء عن أبيه قال: دعاني أبو حنيفة الى الارجاء. أخبرنا ابن رزق أخبرنا جعفر الخلدي حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد ... )) بمثله وزاد فيه ((فأبيت)) قال الاستاذ (ص٤٦): ((النعالي هو ابن دوما المزور، قال عنه الخطيب نفسه: أفسد امره بأن ألحق لنفسه السماع في أشياء لم يكن عليها سماعه فكيف تكون رواية مثله في عداد المحفوظ عند النقلة؟ هكذا يكون المحفوظ عند الخطيب، وكأن الخطيب استشعر تداعي هذا السند حتى ساق شاهداً فيه ابن رزق والحضرمي، ولكن نعترف للخطيب ونقول له: قد يصدق الكذوب، ولا مانع من أن يكون أبو حنيفة داعياً الى الارجاء بالمعنى الذي سبق )). أقول: ابن رزق هو محمد بن أحمد بن رزق ثقة تأتي ترجمته، والحضرمي حافظ جليل تأتي ترجمته، فالسند الثاني لا غبار عليه، وإذا كان المتن محفوظاً بسند صحيح لم يزده سوقه مع ذلك بسند فيه مقال إلا تأكيداً على أن المقال في ابن دوما لا يضر ههنا، فإن كان الخطيب إنما يروي بذاك السند ما يأخذه من مصنف الأبار والعمدة في ذلك على أن تكون النسخة موثوقاً بها كما لو روى أحدنا بسند له من طريق البخاري حديثاً ثابتاً في (صحيحه) فإنه لا يقدح في ذلك أن يكون في السند الى البخاري مطعون فيه، وقد شرحت هذا في (الطليعة) وغيرها، والأبار هو الحافظ أحمد بن علي بن مسلم تقدمت ترجمته، والخطيب معروف بشدة التثبت بل قد يبلغ به الأمر الى التعنت فلم يكن ليروي عن مصنف الأبار إلا عن نسخة موثوق بها بعد معرفته صحة سماع ابن دوما؛ وفوق ذلك فالطعن في ابن دوما فيه نظر، ذكره الخطيب فقال: ((كان كثير السماع إلا انه أفسد نفسه .... )) العبارة التي حكاها الأستاذ، ثم قال الخطيب: ((وذكرت للصوري جزءاً من حديث الشافعي حدثنا ابن دوما فقال لي: لما دخلت بغداد رأيت هذا الجزء وفيه سماع ابن دوما الأكبر وليس فيه سماع أبي علي ثم سمع أبو علي فيه لنفسه وألحق اسمه مع اسم أخيه)) فمن الجائز ٤٤٠