النص المفهرس
صفحات 401-420
المدار في هذه الأمور على غلبة الظن فلا يلتفت إلى الاحتمالات البعيدة؛ بل من تدبر ما يرويه ابن الصلت في المناقب وقارن ذلك بما رواه الثقات فيها وفي غيرها عرف تزيده في غير موضع؛ والله المستعان . ثم قال الأستاذ: ((فكأن ابن الصلت كفر في نظر الخطيب بذكره أبا حنيفة في عدد هؤلاء الثلاثة ... وهذا هو محض الإجحاف، أبو حنيفة الذي ملأ ما بين الخافقين علماً ... إذا ذكر في صف هؤلاء الثلاثة يكون ذلك من أبرز الحجج على كذب ابن الصلت كذباً بيناً، هذا ما لا يقوله إلا من اعتل قلبه اعتلالاً لا دواء له .... )) أقول: هذا ديدن الأستاذ إذا أعوزته الحجة لجأ إلى التهويل على العامة، قد ذكر الخطيب حجته كما تقدم شرحه، وأئمة الحديث كثيراً ما يطعنون مثل ذاك الطعن بنحو تلك الحجة، وإن كان المروي فضيلة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو لأحد كبار أصحابه كما تراه في كتب الموضوعات وكتب الضعفاء، فهل يرد كلامهم بمثل هذا التهويل؟ فلينظر الأستاذ أو غيره من العارفين في (دلائل النبوة) لأبي نعيم أو في (الخصائص الكبرى) للسيوطي، وليراجع نفسه فيما يستنكره وعم نشأ استنكاره أعن اعتقاده نقصاً في النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو بغض له أو حرص على غمط فضله؟ فالخطيب لم يجعل زيادة ابن الصلت من أبرز الحجج على كذبه من جهة أنها منقبة لأبي حنيفة بل من الوجهين اللذين نص عليهما مع ما عرف من حال ابن الصلت بغير هذه الحجة وماذا يغني الضجيج أمام الحجة إلا كما قيل: أوسعتهم سباً وَأَوْدوا بالإِبل! أو كما قال الآخر: محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا فلا تكثروا فيها الضجاج فإنه ٤٠١ فصل ثم ختم الأستاذ كلامه بقوله (ص ١٦٨): ((ومن الغريب أنه إذا طعن طاعن في رجل تجد أسراباً من الرواة يركضون وراءه يرددون صدى الطاعن أياً كانت قيمة طعنه ولهم موقف يوم القيامة رهيب لا يغبطون عليه)) . أقول: مات ابن الصلت سنة ٣٠٨ ولم يذكروا مولده لكن قال ابن عدي، (( رأيته سنة ٢٩٧ فقدرت أن له سبعين سنة أو أكثر)) فلنجعل الزيادة المحتملة سبعاً فيكون مولده سنة ٢٢٠ كلنه يروي عمن مات سنة ٢٢٨ كمسدّد ويحيى الحماني، وسنة ٢٢٧ كبشر بن الحارث وسعيد بن منصور وأحمد بن يونس، وسنة ٢٢٦ كإسمايل بن أبي أويس ومحمد بن مقاتل، وسنة ٢٢٤ كأبي عبيد، وسنة ٢٢٢ كمسلم بن إبراهيم، وسنة ٢٢١ كالقعنبي وعاصم بن علي، وسنة ٢٢٠ كعفان، وسنة ٢١٩ كأبي نعيم وأبي غسان، وسنة ٢١٥ كثابت بن محمد الزاهد، ومن هؤلاء من لم يكن بالكوفة منشأ ابن الصلت، فلو كان أدركهم وطبقتهم وسمع منهم لكان مولده تقريباً على رأس المائتين فيكون بلغ من العمر مائة سنة وثماني سنين، ولو صح ذلك أو احتمل الصحة عند محدثي عصره لفتنوا به كعادتهم في الحرص على علو الإسناد، ولو كان في الشيخ لين، وقد تشبث الأستاذ بذلك في كلامه في عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي كما يأتي في ترجمته، فزهدهم في ابن الصلت، واضح الدلالة على أنهم كانوا يرون أنه لم يدرك أولئك القدماء الذين يحدث عنهم، وقد صرحوا بذلك كما يأتي، وليس بيد الأستاذ إلا تلك الحكاية عن ابن أبي خيثمة وقد علمت حالها؛ فأما الطاعنون فوقفت على جماعة منهم . الأول: حافظ الحنفية عبد الباقي بن قانع البغدادي (ولد سنة ٢٦٥ أو في التي تليها ومات سنة ٣٥١) وكان مع ابن الصلت في بغداد ولما بلغ أوان الطلب كان ابن الصلت على فرض صحة سماعه من أولئك القدماء في نحو ثمانين سنة من عمره ٤٠٢ فلا بد أن يكون ابن قانع قد قصده وجالسه وسمع منه طلباً للسماع مع علو السند والموافقة في المذهب، ولكنه بعد اختباره لابن الصلت قال فيه: ((ليس بثقة)) فهل كان ذنب ابن الصلت عند ابن قانع الحنفي ما قاله الأستاذ (ص ١٦٧): ((لكن ذنب الرجل أنه ألف كتاباً في مناقب أبي حنيفة)»؟! الثاني: أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني الحافظ الشافعي (٢٧٧ - ٣٦٥) ينظر تمام كلامه في ابن الصلت في ( كامله) والمنقول منه في (لسان الميزان): (( رأيته سنة سبع وتسعين وثلثمائة ... ما رأيت في الكذابين أقل حياء منه كان يترك (؟) الوراقين فيحمل من عندهم رزم الكتب ويحدث عمن اسمه فيها ولا يبالي متى مات وهل مات قبل أن يولد أوْلا)). قال ابن حجر: ((ثم ذكر له أحاديث» يعني ما یبین كذبه . الثالث: أبو حاتم محمد بن حبان البُسْتِي الحافظ (قبل ٢٨٠ - ٣٥٤) قال في ابن الصلت: ((راودني أصحابنا على أن أذهب إليه فأسمع منه، فأخذت جزءاً لأنتخب فيه، فرأيته قد حدث عن يحيى بن سليمان بن نضلة عن مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً: ((رد دانق من حرام أفضل عند الله من سبعين حجة مبرورة)). ورأيته حدث عن هناد عن أبي أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: ((لردُّ دانق من حرام أفضل من مائة ألف ينفق في سبيل الله )). فعلمت أنه يضع الحديث فلم أذهب إليه، ورأيته يروي عن جماعة ما أحسبه رآهم)). وابن عدي دخل بغداد سنة ٢٩٧ وابن حبان دخلها بعد سنة ٣٠٠ وكان أحمد ابن علي الأبار قد توفي سنة ٢٩٠ ولكن الأستاذ يقول: ((ذنب الرجل أنه ألف كتاباً في مناقب أبي حنيفة حينما كان خصوم أبي حنيفة يتمنون أن يصفو الجو للأبار الذين كانوا حملوه على تدوين مثالب أبي حنيفة إفكأ وزوراً فتحاملوا على الحماني هذا ليسقطوا رواياته)) !. ٤٠٣ الرابع: أبو الحسن علي بن عمر بن مهدي الدارقطني الحافظ (٣٠٦ - ٣٨٥) قال في ابن الصلت: (( يروي عن ثابت الزاهد واسماعيل بن أبي أُوَيْس وأبي عبيد القاسم بن سلام ومن بعدهم، یضع الحدیث» هكذا في (تاريخ بغداد) (ج ۵ ص ١٠٤)، وفيه (ج ٤ ص ٢٠٩): ((حدثني أبو القاسم الأزهري قال: سئل أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني وأنا أسمع عن جمع مكرم بن أحمد فضائل أبي حنيفة فقال: موضوع كله كذب وضعه أحمد بن المغلس الحماني)). وراجع (الطليعة) (ص ٩٦ - ٩٧). الخامس: أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم صاحب (المستدرك) (٣٢١ - ٤٠٣) قال: ((روى ابن الصلت عن القعنبي ومسدد وابن أبي أويس وبشر بن الوليد أحاديث وضعها، وقد وضع أيضاً المتون مع كذبه في لقي هؤلاء)) وبشر بن الوليد مات سنة ٢٣٨ فإن صح ما فرضناه من مولد ابن الصلت فقد أدرك بشراً، وعن بشر روى حديث ((طلب العلم فريضة)) كما تقدم. السادس: أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب البَرْقاني الحافظ (٣٣٣ - ٤٢٥) عدَّ ابن الصلت فيمن وافق الدارقطني عليه من المتروكين . السابع: أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني الحافظ (٣٣٦ - ٤٣٠) قال في ابن الصلت ((روى عن شيوخ لم يلقهم، بالمشاهير والمناكير)). الثامن: أبو الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس الحافظ (٣٣٨ - ٤١٢) قال في ابن الصلت: ((كان يضع)) هكذا في (تاريخ بغداد)، وفي (الميزان) و (اللسان): ((كان يضع الحديث)). التاسع: أبو بكر أحمد بن علي ثابت الخطيب الحافظ (٣٩٢ - ٤٦٣) قال في ابن الصلت: ((حدث عن ثابت بن محمد الزاهد وأبي نعيم .... أحاديث أكثرها باطلة هو وضعها، وحكى أيضاً عن بشر بن الحارث ويحيى بن معين وعلى ابن المديني أخباراً جمعها بعد أن صنفها ( في (اللسان): وضعها) في مناقب أبي حنيفة )). ٤٠٤ وذكر المثالين السابقين حديث طلب العلم والزيادة في الحكاية عن ابن عيينة . العاشر: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (٦٧٣ - ٧٤٨) قال في ابن الصلت مرة ((هالك)) ومرة ((وضاع)) ومرة ((كذاب)) وأورد له الحكاية في لقى أبي حينفة لعبد الله بن الحارث بن جزء وقد مر ذلك. الحادي عشر: أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢) ذكر في (لسان الميزان) كلام الأثمة في ابن الصلت ثم قال: ((ومن مناكيره روايته عن بشر الحافي عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك عن نافع عن ابن عمر رفعه: أزهد في الدنيا يحبك الله - الحديث ... وهذا الحديث بهذا الاسناد باطل)). فهؤلاء أحد عشر إماماً طعنوا في ابن الصلت وجرحوه جرحاً مفسراً مشروحاً ولو تتبعنا لوجدنا معهم غيرهم كابن عساكر وابن السمعاني وآخرين ولكن الأستاذ الذي جاء بعدهم بقرون يأبى إلا أن يجعلهم (( أسراباً يركضون وراءه يرددون صدى الطاعن أياً كانت قيمة طعنه ولهم موقف يوم القيامة رهيب لا يغبطون عليه)) مع أنه قد عرف حججهم ولم يجد ما يصح أن يعد مخالفاً لهم، وينسى موقفه يوم القيامة كأنه مرفوع عنه القلم دونهم؛ ويذكر في ابن درستويه ما هو بالنسبة إلى ما في ابن الصلت كالهباءة بالنسبة إلى الجبل العظيم ثم يقول: (( وتضعف كواهل الخطيب وأذنابه عن حمل أثقال التهم التي ركبت على أكتاف هذا الأخباري الهاذي )) ولكن لا تضعف كواهله عما على ابن الصلت كأن الخطيب وغيره من أئمة الحديث كما قال حسان: عليها لأندبتها الكلوم لو يدب الحولي من ولد الذر لكنه هو (ثهلان ذو الهضبات ما يتحلحل) ولو اكتفى بقوله (ص ١٦٥): (( متكلم فيه ولسنا بحاجة إلى رواياته في مناقب أبي حنيفة وعندنا بطرق رجال لم يتكلم فيهم روايات كثيرة بمعنى ما رواه)) لاستراح وأراح، لكنه عاد فدل على وثوقه بدعواه. وخير للحنفية أن يغسلوا أيديهم من ابن الصلت فإن المدافعة عن ٤٠٥ مثله شهادة من المدافع عن نفسه بماذا؟. ٣٥ - أحمد بن محمد بن عبد الكريم أبو طلحة الفزاري الوساوسي في (تاريخ بغداد) (٣٩٠/١٣) (( ... حدثنا أبو طلحة أحمد بن محمد بن عبد الكريم الوساوسي حدثنا عبد الله ... )) قال الأستاذ (ص ٨٥): ((تكلموا فيه فلا يلتفت إلى وساوسه )). أقول: سئل عنه الدارقطني فقال: ((تكلموا فيه)) وقال الخطيب في (التاريخ) (ج ٥ ص ٥٨) ((سألت البَرْقاني عن أبي طلحة الفزاري فقال: ثقة)) فكلمة ((تكلموا فيه)) ليست بجرح إذ لا يدري من المتكلم وما الكلام؟ والتوثيق صريح فالعمل عليه . ٣٦ - أحمد بن محمد بن عمر المنكدري. تقدم(١) في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت رواية المنكدري، بمتابعة يعقوب بن سفيان، أشار إليها الأستاذ (ص ١٦٦) وقال: ((أما المنكدري فكثير الانفراد والإغراب، قال الإدريسي: في حديثه المناكير، وأنكر عليه أيضاً أبو جعفر الأرزناني، وقال الحاكم: كان له إفرادات وعجائب، وقال السمعاني: يقع في حديثه المناكير والعجائب والافرادات)). أقول الذي في (الميزان) و (اللسان) عن الإدريسي: ((يقع في حديثه المناكير ومثله إن شاء الله لا يتعمد الكذب، سألت محمد بن أبي سعيد السمرقندي الحافظ فرأيته حسن الرأي فيه وسمعته يقول سمعت المنكدري يقول: أناظر في ثلثمائة ألف حديث، فقلت هل رأيت بعد ابن عقدة أحفظ من المنكدري؟ قال: لا)) ومن يضاهي ابن عقدة في الحفظ والإكثار فلا بد أن يقع في حديثه الإفراد والغرائب وإن كان أوثق الناس، فأما المناكير فقد يكون الحمل فيها على من فوقه، وعلى كل (١) ص ٣٩٨. ٤٠٦ حال فلم يذكروا فيه جرحاً صريحاً ولا توثيقاً صريحاً لكنهم قد أنكروا عليه في الجملة فالظاهر أنه ليس بعمدة فلا يحتج بما ينفرد به . الله أعلم . ٣٧ - أحمد بن محمد بن يوسف بن دوست أبو عبد الله العلاف. في (تاريخ بغداد) (٤١٤/١٣) ((أخبرنا الحسن بن أبي طالب أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف حدثنا محمد بن جعفر المطيري .... )) قال الأستاذ (ص ١٥٠): ((تكلم محمد بن أبي الفوارس في روايته عن المطيري وطعن فيه. وقال الأزهري: ابن دوست ضعيف رأيت كتبه كلها طرية. قيل: إنه كان يكتب الأجزاء ويتربها ليظن أنها عتق . والکلام فیه طویل راجع (تاریخ الخطيب) (ج ٥ ص ١٢٥))). أقول: ذكر الخطيب ما حكاه الأستاذ عن ابن أبي الفوارس ثم روى عن عيسى ابن أحمد بن عثمان الهمذاني كلاماً يتعلق بابن دوست وفيه من قول عيسى: ((كان محمد بن أبي الفوارس ينكر علينا مضينا إليه وسماعنا منه، ثم جاء بعد ذلك وسمع منه)) فكأن ابن أبي الفوارس تكلم أولاً في سماع ابن دوست من المطيري لأنه كان عند موت المطيري ابن اثنتي عشرة سنة، ثم كأنه تبين لابن أبي الفوارس صحة السماع فعاد فقصد ابن دوست وسمع منه، وذلك أن والد ابن دوست كان من أهل العلم والصلاح والرواية والثقة ترجمته في (تاريخ بغداد) (ج ٣ ص ٤٠٩) ووفاته سنة ٣٨١ ومولد أحمد سنة ٣٢٣ فقد ولد له في شبابه فكأنه اعتنى به فبکر به للسماع وقيد سماعه وضبطه له على عادة أهل العلم في ذاك العصر وقد صحح المحدثون سماع الصغير المميز. وأما الأزهري فتمام عبارته (( ... وكان يذكر أن أصوله العتق غرقت فاستدرك نسختها )). فالتضعيف مفسر بما بعده . واعلم أن المتقدمين كانوا يعتمدون على الحفظ فكان النقاد يعتمدون في النقد عدالة الراوي واستقامة حديثه، فمن ظهرت عدالته وكان حديثه مستقيماً وثقوه، ثم صاروا يعتمدون الكتابة عند السماع فكان النقاد إذا استنكروا شيئاً من حديث الراوي طالبوه بالأصل، ثم بالغوا في الاعتماد على الكتابة وتقييد السماع فشدد النقاد ٤٠٧ فكان أكثرهم لا يسمعون من الشيخ حتى يشاهدوا أصله القديم الموثوق به المقيد سماعه فيه، فإذا لم يكن للشيخ أصل لم يعتمدوا عليه وربما صرح بعضهم بتضعيفه، فإذا ادعى السماع ممن يستبعدون سماعه منه كان الأمر أشد . ولا ريب أن في هذه الحال الثالثة احتياطاً بالغاً، لكن إذا عرفت عدالة الرجل وضبطه وصدقه في كلامه، وادعى سماعاً محتملاً ممكناً، ولم يبرز به أصلاً واعتذر بعذر محتمل قريب ولم يأت بما ينكر فبأي حجة يرد خبره؟ وقد قال الخطيب: (( حدثني أبو عبد الله الصوري قال: قال لي حمزة بن محمد بن طاهر: قلت لخالي أبي عبد الله بن دوست: أراك تملي المجالس من حفظك فلم لا تملي من كتابك؟ فقال لي: انظر فيا أمليه فإن كان لك فيه زلل أو خطأ لم أمل من حفظي، وإن كان جميعه صواباً فما الحاجة إلى الكتاب؟ أو كما قال)) فيظهر أن والده لم يكتف بتسميعه بل اعتنى بتحفيظه ما سمع، فإذا كانت أصوله بعد حفظه ما فيها غرقت فابتلت وخيف تقطع الورق وبقيت الكتابة تقرأ فاستنسخ منها، أو ذهبت فنسخ من حفظه، أو من كتب قد كانت قوبلت على أصوله، أو لم تقابل ولكنه اعتبرها بحفظه فأي حرج في ذلك؟ وإذ كان اعتماده على حفظه فهب أنه لم يكن له أصول البتة، أو كانت فتلفت ولم يستدرك نسختها ألا يكون له أن يروي من حفظه؟ أو لا تقوم الحجة بخبره إذا كان عدلاً ضابطاً؟ وأما قضية التتريب فهي في عبارة للبرقاني قال الخطيب: ((سألت أبا بكر البرقاني عن ابن دوست، فقال كان يسرد الحديث من حفظه، وتكلموا فيه، وقيل: إنه كان يكتب الأجزاء ويتربها ليظن أنها عتق)) فقوله: ((قیل ... )) لا يدري من القائل، وعلى فرض صحة ذلك فهو تدلیس خفيف أراد به دفع تعنت بعض الطلبة، وكان إذا سئل يبين الواقع كما في بقية عبارة الأزهري التي تركها الأستاذ، وأما قول البرقاني: ((تكلموا فيه)) وما في الترجمة أن الدارقطني تكلم فيه فمحمول على ما صرحوا به مما مر، ومر ما فيه . وبعد فقد وصفوا ابن دوست بالحفظ والمعرفة قال الخطيب: ((كان مكثراً من الحديث عارفاً به حافظاً له، مكث مدة يملي في جامع المنصور بعد وفاة أبي طاهر ٤٠٨ المخلص ثم انقطع عن الخروج ولزم بيته، كتب عن الحسن بن محمد الخلال وحمزة بن محمد بن طاهر الدقاق وأبو القاسم الأزهري وهبة الله بن الحسين الطبري وعامة أصحابنا، وسمعت منه جزءاً واحداً)) ولم يغمزوه في دينه بشيء، ولا استنكروا له حديثاً واحداً، فلا أرى أمره إلا قوياً . والله أعلم . ٣٨ - أحمد بن المعذل(١) في (تاريخ بغداد) (٣٩٣/١٣) ((أخبرنا القاضي أبو عبد الله الصَّيْمَري .... لأحمد بن المعذل : إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... )) قال الأستاذ (ص ٩٥) ((هو أول من قام بنشر مذهب مالك بالبصرة بعد أن تفقه على عبد الملك بن الماجشون، وشيخه هذا حينما رحل إلى العراق من المدينة المنورة رحل ومعه من يغنيه فزهد فيه أهل العلم .... وهو الذي كان أخوه عبد الصمد بن المعذل يقول فيه: فتاه على الإنس والجنه أضاع الفريضة والسنة (( الأبيات)). أقول: أما البيت فالرواية فيه ((أطاع الفريضة .... )) كما شرحته في (الطليعة) (ص ٦٣) فتجلد الأستاذ وقال في (الترحيب) (ص ٤٥): ((هذا تمحل لو كان مراده هذا لقال: أقام، .. وإنما الطاعة لله ولرسوله لا للعمل، وهذا ظاهر)) كذا قال، ولو لم يوجد هذا الشعر إلا في كتاب واحد وفيه ((أطاع)) ولم يكن في السياق وغيره ما يدل على صحة ذلك ما ساغ لعالم تغييره لأن العربية لا تضيق بمن (( أطاع الفريضة)) بل يمكن تخريجها على عدة أوجه كالمجاز والتضمين وغير ذلك فكيف بالتغيير إلى أضاع مع إبطال الأدلة المعنوية كعجز البيت، والبيت الثاني وسبب قول ذلك الشعر وما هو معلوم من حال أحمد. هذا كله توضيح للواضح، وقابل هذا (١) بفتح الذال المعجمة المشددة كما في (المشتبه) للذهبي، وقال: ((من أئمة المالكية ... )). ولم ترد هذه النسبة في (أنساب السمعاني)، ووقع في (تاريخ الخطيب): ((ابن المعدل)) بالدال المهملة، وهو تصحیف . ن. ٤٠٩ بما يأتي في ترجمة الشافعي في الكلام على ما وقع في ( مختصر المزني): ((وليست الأذنان من الوجه فيغسلان)) . وأما عبد الملك فلم يزهدوا فيه لاستجازته الغناء فقد سبقه إليه ابراهيم بن سعد ابن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المجمع على توثيقه، وإنما زهدوا في عبد الملك المنكرات في روايته ولاتهامه برأي جهم كما ترى ذلك في ترجمته من (التهذيب)، وأحمد بن المعدل لم يطعن أحد في روايته ولا عقيدته ولا عرف بالترخيص في الغناء فيما علمت وقد وثق، ولا يضر العالم أن يكون في شيوخه مطعون فيه، ومن شيوخ أحمد من أصحاب مالك محمد بن مسلمة الذي تجاهله الأستاذ في (التأنيب)، ونبهت عليه في (الطليعة) (ص ٨٧ - ٨٩) فاعترف الأستاذ في (الترحيب)، وسمع أحمد أيضاً من بشر بن عمر واسماعيل بن أبي أويس وغيرهما من أصحاب مالك. وذكر الاستاذ ما يتعلق بمذهب مالك من الأخذ بالقياس، وسألم بذلك في ترجمة مالك: إن شاء الله تعالى. ٣٩ - أحمد بن موسى النجار. قال الأستاذ (ص ١٧) في ذكر أبي نعيم الأصبهاني: ((أخرج رحلةً .... بسند فيه أحمد بن موسى النجار وعبد الله بن محمد البلوي وهما كذابان معروفان)) . أقول: البلاء من البلوي وهو الكذاب المعروف فأما النجار فلم يعرف(١). ٤٠ - أحمد بن يونس. في (تاريخ بغداد) (٣٧٩/١٣) من طريق ((عباس ابن عبد العظيم حدثنا أحمد بن يونس، قال: اجتمع ابن أبي ليلى وأبو حنيفة عند عيسى بن موسى العباسي والي الكوفة ... )) قال الأستاذ (ص ٥٦): ((إن كان أحمد ابن عبد الله بن يونس اليربوعي المتوفي سنة ٢٢٧ فلم يكن في عهد عيسى بن موسى والي الكوفة في سن تمكنه من الحضور في مثل تلك المجالس فيكون الخبر مقطوعاً، وإن كان أحمد بن يونس هذا غير اليربوعي فمجهول)). أقول: هو أحمد بن عبد الله بن يونس، فإنه غالباً ينسب إلى جده ولا يفهم عند (١) أحمد بن نصر الذراع - يأتي في ترجمة محمد بن جعفر الراشدي. ٤١٠ 1 إطلاق أحمد بن يونس في تلك الطبقة غيره ومولده سنة ١٣٣ أو في التي تليها وقد صح عنه أنه قال: ((مات الأعمش وأنا ابن أربع عشرة سنة ورأيت أبا حنيفة ومسعراً، وابن أبي ليلى يقضي خارج المسجد من أجل الحيَّض)) ومات الأعمش سنة ١٤٧ وقيل في التي تليها، ومات ابن أبي ليلى سنة ١٤٨ وعمر أحمد خمس عشرة سنة على المشهور من وفاة الأعمش، وقد يبرز الأمير للناس أو يأذن لهم إذناً عاماً أو يدخل عليه الغلام ابن أربع عشرة سنة مع أبيه أو عمه مثلاً . والله أعلم . ٤١ - الأحوص الجَوَّاب أبو الجوَّاب. في (تاريخ بغداد) (٤٠٧/١٣) من طريق إسحاق بن إبراهيم البغوي: ((حدثنا أبو الجوَّاب ... )) قال الأستاذ (ص ١٣٣): ((لم يكن بالقوي عند ابن معين)). أقول: في (تهذيب التهذيب): ((قال ابن معين: ثقة، وقال مرة: ليس بذاك القوي )) وهذا إنما يعطي أنه ليس غايةً في الاتفاق فكأن ابن حبان فسر ذلك إذ قال في (الثقات): ((كان متقناً ربما وهم)) وهذا إنما يظهر أثره عند ما يخالف من وثقوه مطلقاً، والأحوص من رجال مسلم في (صحيحه). ٤٢ - إسحاق بن ابراهيم الحُنيني. في (تاريخ بغداد) (٣٩٦/١٣) من طريق ((الحسن بن الصباح، حدثنا اسحاق بن ابراهيم الحنيني قال: قال مالك .. )) قال الاستاذ (ص ١٠٥): ((ذكره ابن الجوزي في (الضعفاء)، وقال الذهبي: صاحب أوابد، وقال البخاري: في حديثه نظر - وهو من أشد كلمات الجرح عنده -، وقال الحاكم أبو أحمد: [ في حديثه بعض المناكير، وقال البزار]: كف بصره فاضطرب حديثه، وقال أبو حاتم: لم يرضه أحمد بن صالح، وقال النسائي: ليس بثقة)). أقول: وقال الذهبي في (الميزان): ((كان ذا عبادة وصلاح، وقال عبد الله بن يوسف التنيسي: كان مالك يعظم الحنيني)). وفي (تهذيب التهذيب): ((قال ابن حبان في (الثقات): كان يخطيء، وقال عبد الله بن يوسف: كان مالك يعظمه ویکرمه ... وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: صالح، يعني في دينه لا في حديثه)» ٤١١ وذكروا أن البخاري يقول: ((فيه نظر)) أو ((سكتوا عنه)) فيمن هو عنده ضعيف جداً، قال السخاوي في (فتح المغيث) (ص ١٦١): ((وكثيراً ما يعبر البخاري بهاتين ... فيمن تركوا حديثه، بل قال ابن كثير: إنهما أدنى المنازل عنده وأردؤها)) ولم يقل البخاري في الحنيني: ((فيه نظر))، إنما قال: ((في حديثه نظر)) وبينهما فرق فقوله: ((فيه نظر)) تقتضي الطعن في صدقه، وقوله: ((في حديثه نظر)) تشعر بأنه صالح في نفسه وإنما الخلل في حديثه لغفلة أو سوء حفظ، ولعل الأستاذ يقول: هذا تمحل، فيقال له: ألم تقل (ص ٤٨) (( وأما قوله في (تاريخه الكبير): كان مرجئاً سكتوا عنه وعن رأيه وعن حديثه، فبيان لسبب إعراض من أعرض عنه)) وقد علمت أن ((سكتوا عنه)) هي أخت (( فيه نظر)) بل هي الكبرى . والمقصود هنا أن الحنيني كان صالحاً في نفسه وقد سقنا شواهد ذلك، فأما حديثه فكلمة البخاري تقتضي أنه مطرح لا يصلح حتى للاعتبار، وكذلك كلمة النسائي، وصنيع ابن حبان يقتضي أنه يعتبر به، وكذا كلمة الحاكم أبي أحمد، ويوافقهما قول ابن عدي: ((ضعيف ومع ضعفه يكتب حديثه)) وكلمة البزار تقتضي أن حديثه كان قبل عماه مستقباً فينظر متى عمي؟ ومتى سمع منه الحسن بن الصباح؟ وهل روايته التي ساقها الخطيب من مظان الغلط؟ . ٤٣ - إسحاق بن ابراهيم الموصلي. في (تاريخ بغداد) (٢٤٩/١٤) من طريق ((محمد بن أبي الأزهر حدثنا حماد بن اسحاق الموصلي حدثني أبي ... )) قال الأستاذ (ص١٧٦): ((حماد بن اسحاق الموصلي ... هو وأبوه من رجال الأغاني ... )). أقول: تراجع ترجمتاهما في (تاريخ بغداد)، وزعم الأستاذ أن في القصة غضاضة على أبي يوسف، وليس ذلك بظاهر، وفيما هو منقول عن الحنفية من الحيل المباحة عندهم ما هو أقرب الى الإيحاش منها، أما الخطيب فلعله إنما قصد بايراد تلك الحكاية الظريفة تزيين (التاريخ). ٤١٢٠ ٤٤ - إسحاق بن عبد الرحمن. في (تاريخ بغداد) (٣٧٨/١٣) من طريق (( جعفر بن محمد الصندلي حدثنا اسحاق بن ابراهيم [ بن عبد الرحمن البغوي ] ابن عم ابن منيع: حدثنا إسحاق بن عبد الرحمن حدثنا حسن بن أبي مالك ... )) قال الأستاذ (ص ٥٢): ((واسحاق بن عبد الرحمن لا يعلم)) . أقول: شيخ الصندلي قديم يروي عن اسماعيل بن علية المتوفى سنة ١٩٣ وعنه البخاري في (الصحيح) وغيره، والحسن بن أبي مالك توفي سنة ٢٠٤ فلو كان للأستاذ غرض في تصحيح تلك الرواية لربما جزم بأن لفظ: ((حدثنا إسحاق بن عبد الرحمن)) كان بهامش أصل قديم على أنها نسخة بدل (( حدثنا إسحاق بن ابراهيم)) وذلك بنسبة إسحاق إلى جده، فتوهم الناسخ أن تلك الحاشية لَحَق فأدرجها في المتن، ولذلك نظائر في النسخ الخطية . ٤٥ - إسحاق بن عبد الرحمن. ذكر الأستاذ (ص ١٨٤) رواية أبي نعيم الأصبهاني عن أبي الشيخ عن عبد الرحمن بن داود عن عبيد بن خلف عن إسحاق بن عبد الرحمن عن الحسين الكرابيسي فذكر قصة، قال الأستاذ: ((إسحاق بن عبد الرحمن مجهول ... فلا يجدي تكلف التاج ابن السبكي في ترقيع السند )» . أقول: إنما قال ابن السبكي في (طبقات الشافعية) (ج١ ص٢٥٣): (( کذا في السند: عبيد عن إسحاق. وعبيد صاحب الكرابيسي ولا يمتنع أن يسمع عنه كما سمع منه)) فأين الترقيع ؟ . ٤٦ - أسد بن موسى بن ابراهيم المرواني الأموي، يقال له: أسد السنة. في (تاريخ بغداد) (٣٨٣/١٣) من طريق «الربيع بن سليمان يقول: سمعت أسد بن موسى، قال .... )) قال الأستاذ (ص ٦٥): ((منكر الحديث عند ابن حزم)) أقول قد قال البخاري: ((مشهور الحديث)) وهذا بحسب الظاهر يبطل قول ابن حزم، لكن يجمع بينهما قول ابن يونس: ((حدث بأحاديث منكرة وأحسب الآفة من غيره)) وقول النسائي: ((ثقة ولو لم يصنف كان خيراً له)) وذلك أنه لما صنف احتاج ٤١٣ الى الرواية عن الضعفاء فجاءت في ذلك مناكير، فحمل ابن حزم على أسد، ورأى ابن يونس أن أحاديثه عن الثقات معروفة، وحقق البخاري فقال: (( حدیثه مشهور » يريد والله أعلم مشهور عمن روى عنهم فما كان فيه من إنكار فمن قبله، وقد قال ابن يونس أيضاً والبزار وابن قانع حافظ الحنفية: ثقة، وقال العجلي: ثقة صاحب سنة؛ وفي (الميزان): ((استشهد به البخاري، واحتج به النسائي وأبو داود وما علمت به بأساً)). وقد أساء الأستاذ الى نفسه جداً إذ يقتصر على كلمة ابن حزم في صدد الطعن، مع علمه بحقيقة الحال ولكن! ٤٧ - إسماعيل بن إبراهيم بن معمر أبو معمر الهذلي الهروي الكوفي ؛ في (تاريخ بغداد) (٤٠٠/١٣) من طريق إبراهيم بن عبد الرحيم ثم من طريق عبد الله ابن أحمد بن حنبل قال كل منهما: ((حدثني أبو معمر .... )) قال الأستاذ (ص١١٤): ((هو ممن أجاب في المحنة وقال: كفرنا وخرجنا، ويقال إن ابن معين قال: خرج الهذلي هذا الى الرقة وحدث خمسة آلاف حديث أخطأ في ثلاثة آلاف منها )». أقول: قال الله تبارك وتعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بالله مِنْ بَعد إِيمانِهِ إِلا مَنْ أُكْرَةَ وقلبُهُ مطمئنٌ بالإِيمان ولكنْ مَنْ شَرَحَ بالكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِم غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عذابٌ عظيمٌ﴾ النحل - ١٠٦ . فأبو معمر ممن أكره والأستاذ يعلم من هو الذي شرح صدره بتلك المقالة، وأما ما جاء عن الإمام أحمد أنه كان ينهى عن الكتابة عن الذين أجابوا في المحنة فليس ذلك على معنى جرح من أجاب مكرهاً، بل أراد بذلك تثبيت أهل العلم والعامة، أما أهل العلم فخشية أن يبادروا بالإجابة قبل تحقق الإكراه، وأما العامة فخشية أن يتوهموا أن الذين أجابوا أجابوا عن انشراح صدر، فإن كان مغزى الأستاذ الطعن على أبي معمر لإيمانه بأن القرآن غير مخلوق، وقوله إن القول بأنه مخلوق ٤١٤ كفر، فتلك شکاة ظاهر عنك عارها . وأما الحكاية عن ابن معين فقد أنكرها الخطيب وغيره من أئمة الحديث، ولكن الأستاذ مولع بالتقاط السواقط، وما أحسب أحداً أشد إزراء بأبي حنيفة من الأستاذ، فإنه مع إظهاره أنه متهالك في الدفاع عنه، يكثر من التشبث بالأشياء المردودة والباطلة، ويلجأ الى المغالطة والتهويلات الفارغة، وذلك يلجىء الناظر الى ما يلجئه، فيقول لولا أن تلك المطاعن أو أكثرها حق لما اضطر مثل الكوثري في سعة اطلاعه وقوة عارضته الى ما اضطر إليه في الإجابة عنها . والمعروف عن ابن معين توثيق أبي معمر، قال عباس الدوري: (( سئل يحيى بن معين عن أبي معمر وهارون بن معروف فقال: أبو معمر أكيس)) هذا مع قوله هو وغيره في هارون: ((ثقة))، وقال ابن سعد في أبي معمر: ((هو من هُذَيْل أنفسهم صاحب سنة وفضل وهو ثقة ثبت))، وقال ابن قانع حافظ الحنفية: ((ثقة ثبت)) وروى عنه البخاري ومسلم في (الصحيحين) . ٤٨ - إسماعيل بن بشر بن منصور السليمي أبو بشر البصري. في (تاريخ. بغداد) (٣٩٦/١٣) من طريق «عبد الله بن أحمد الجصاص حدثنا إسماعيل بن بشر قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول .... )) قال الأستاذ (ص ١٠٧): (( قدري يعادي مثبتي القدر، فلا يثبت بسند فيه مثله ومثل أبي المفضل عزوا هذا القول الى ابن مهدي كما لا يثبت ما يعزوه إليه أبو نعيم في (الحلية) بطريق رستة لما سيأتي في رستة )». أقول: قد تقدم في القواعد أن العداوة الدينية لا ترد بها الشهادة فكيف الرواية؟ ولم يكن إسماعيل داعية وقد قال أبو داود: ((صدوق)) وروى عنه في (سننه) ولا يروي إلا عن ثقة كما تقدم في ترجمة أحمد بن سعد بن أبي مريم، وكذلك روى عنه ابن خزيمة مع تثبته، وأخرج له النسائي في (السنن)، وذكره ابن حبان في (الثقات)، ورستة هو عبد الرحمن ابن عمر تأتي ترجمته . ٤١٥ ٤٩ - إسماعيل بن أبي الحكم. في (تاريخ بغداد) (٣٨٠/١٣) من طريق (( الأثرم حدثني هارون بن إسحاق قال: سمعت إسماعيل ابن أبي الحكم يذكر عن عمر ابن عبيد .... )) قال الأستاذ (ص٥٨): ((فيكون إسماعيل هذا مجهولاً)). أقول: ذكره المزيّ في شيوخ هارون، وفي كتاب ابن أبي حاتم (( إسماعيل بن أبي الحكم الثقفي روى عن عمران بن عيينة وعيسى بن يونس، روى عنه أبو زرعة، سئل أبي عنه فقال: شيخ)) وفي (لسان الميزان) (ج ٣ ص ٤١٦): ((فمن عادة أبي زرعة أن لا يروي إلا عن ثقة)) . ٥٠ - إسماعيل بن حمدويه. ذكرته في (الطليعة) (ص ٩٠) وذكرت هناك أنه وقع في نسخة (الثقات) ((السكندري)). ثم وقفت على نسخة أخرى اصح من الأولى محفوظة في المكتبة السعيدية بحيدر أباد دكن وفيها ((البيكنْدِي)) على الصواب . ٥١ - إسماعيل بن عرعرة. قال الأستاذ (ص٤٨): ((وأما قول أبي عبد الله الجعفي [ البخاري صاحب الصحيح] في (تاريخه الصغير): سمعت إسماعيل بن عرعرة يقول: قال أبو حنيفة: جاءت امرأة جهم إلينا فأدبت نساءنا؛ فليس بأحسن حالاً من سابقه بالنظر الى تأخر طبقة إسماعيل بن عرعرة، فبينه وبين أبي حنيفة انقطاع، وإسماعيل بن عرعرة هذا مجهول الصفة لم يذكره أحد من أصحاب التواريخ التي اطلعنا عليها حتى البخاري .... نعم له ذكر في كتاب (السنة) لعبد الله بن أحمد في (ص ٢٧ و١٥٤) بما يدل أنه بصري معاصر لعباس بن عبد العظيم العنبري، وليس في هذا أدنى غناء بعد أن علم أنه لم يرو أحد من أصحاب الأصول الستة عن ابن عرعرة هذا)) . أقول: في (إكمال ابن ماكولا) (برند) أن لعروة بن البرند البصري ابناً اسمه إسماعيل، وعروة ولد سنة ١١٠ ومات سنة ١٩٣ فلا مانع أن يكون له ابن أدرك أبا حنيفة ثم عاش حتما حتى أدركه البخاري، وقد مر في ترجمة أحمد بن عبد الله أبو ٤١٦ عبد الرحمن أن البخاري لا يروي إلا عن صدوق يتميز صحيح حديثه من سقيمه، وقد يكون الرجل ثقة مقلاً من الرواية إنما يروي قليلاً من الحكايات فلا يعتني به أهل التواريخ ولا يحتاج إليه في الأمهات الست، وراجع ما مر في ترجمة ابراهيم بن شماس . ٥٢ - اسماعيل بن عياش الحمصي. في (تاريخ بغداد) (٣٩٤/١٣) من طريق (( محمد بن عوف: حدثنا اسماعيل بن عباس الحمصي حدثنا هشام بن عروة .... )) قال الأستاذ (ص ١٠٠): ((الصواب: اسماعيل بن عياش ... وروايته عن غير الشاميين مردودة عند أهل النقد )). أقول: إسماعيل ثقة في نفسه لكن عن غير الشاميين تخليط كثير، فَحَدُّهُ إذا روى عن غير الشاميين أن يصلح في المتابعات والشواهد، وتلك الحكاية تابعه عليها سفيان ابن عيينة وغيره كما يأتي في ترجمة هشام، وراجع (ص٩). ٥٣ - اسماعيل بن عيسى بن علي الهاشمي. في (تاريخ بغداد) (٣٨٧/١٣) من طريق ((عبد السلام بن عبد الرحمن حدثني إسماعيل بن عيسى بن علي الهاشمي قال: حدثني أبو إسحاق الفزاري ... )) قال الاستاذ (ص ٧٧): ((اسماعيل بن عيسى من المجاهيل)) . أقول: الصواب أن يقول: ((لم أعرفه)) فإن عدم معرفة مثل الأستاذ بالرجل لا يستلزم أن يكون مجهولاً ، راجع (الطليعة) (ص٨٦ - ٩٨). ٥٤ - الأسود بن سالم. في (تاريخ بغداد) (٤٠٩/١٣) من طريق أبي عبيد: (( كنت جالساً مع الأسود بن سالم في مسجد الجامع بالرصافة فتذكروا مسألة فقلت: إن أبا حنيفة يقول فيها كيت وكيت، فقال لي الأسود: تذكر أبا حنيفة في المسجد؟ فلم يكلمني حتى مات. قال الأستاذ (ص ١٣٤): ((أين الأسود بن سالم من أبي عبيد الإمام في كل علم؟ وكان الأسود بن سالم من العُبّاد المتقشفين المقبلين على الله، ولم يكن له سعة في العلم ولا الالتفات الى الفقه، كان يصعب عليه أن ٤١٧ يشتغل في المسجد بغير ذكر الله غير شاعر بأن مذاكرة الفقه من ذكر الله، وله رأيه ولأهل العلم رأيهم، ولم يكن هو ممن يحتج بقوله في هذا الموضوع، ولا أدري لماذا تكلف الخطيب الرواية عنه وحاله معلوم مما رواه الخطيب نفسه في (ج ٧ ص ٣٦) حيث قال: أخبرنا .... سمعت حبش بن برد يقول: رُئِي أسود بن سالم يغسل وجهه من غدوة الى نصف النهار، فقيل له: أيش خبرك؟ قال: رأيت اليوم مبتدعاً فأنا أغسل وجهي منذ رأيته الى الساعة وأنا أظنه لا ينقى)) !. أقول: وأنا ما أدري لماذا تكلف الأستاذ التأويل المستكره؟ فإنه لا يخفى أن الأسود لم ينكر المذاكرة من حيث هي، ولو كان كذلك لأنكرها عليهم عند شروعهم فيها ولما كان لذكر أبي حنيفة وجه ولما حكى أبو عبيد الإمام في كل فن القصة على ما حكاها، فأما قصة غسل الوجه فالذي في (التاريخ) حبش بن الورد، وكأنه حبش بن أبي الورد المترجم في (التاريخ) أيضاً باسم محمد بن الورد ولقبه حبش، وهو من المذكورين بالعبادة والزهد يروي الحكايات ولم يوثق؛ والاستاذ يعدُّ قول الراوي ((قيل لفلان)) أو ((سئل فلان)) منقطعاً للجهل بالقائل او السائل، وقد رددت عليه ذلك في القواعد وغيرها، وقول حبش: ((رئي أسود)) ظاهر في الانقطاع بخلاف ((قيل)) و((سئل)) فإن الراوي قد يحضر الواقعة ويكون القائل أو السائل غيره دونه، فاما أن يحضرها ويكون الرائي غيره دونه فلا إلا أن يكون أعمى، فليبحث الأستاذ لعله يجد نصاً على أن حبشاً كان أعمى فيصير قوله: (( رئي أسود)) بمنزلة قول غيره ((قيل لفلان)) و((سئل فلان)) ونحو ذلك كقول سلمة: ((قال رجل لابن المبارك))! فإن صحت القصة فالظن بالأسود أنه إنما قصد تنفير الناس عن البدع وأهلها ! ٥٥ - أصبغ بن خليل القرطبي. قال الأستاذ (ص ١٠٥): ((روى الحافظ أبو الوليد بن الفرضي عن أبي القاسم أصبغ بن خليل القرطبي الذي دارت عليه الفتوى في مذهب مالك خمسين عاماً وتوفي سنة ٢٧٣ أنه قال: لأن يكون في تابوتي رأس خنزير أحب إلي من أن يكون فيه (مصنف ابن أبي شيبة)))! ٤١٨ أقول: (مصنف ابن أبي شيبة) مشتمل مع أحاديث صحاح على ضعاف وعلى أقوال مختلفة محكية عن بعض الصحابة وبعض التابعين وبعض من بعدهم، والظن بأصبغ أنه لم يقصد ذم الأحاديث، كيف وكان هو يروي (الموطأ) وغيره؟ وبعد، فماذا على المالكية من أصبغ هذا وقد كذبه أجلتهم كالقاسم بن أصبغ وابن الفرضي وعياض، ودوران الفتوى عليه إنما هو نتيجة أن العامة كانوا حريصين على الجمود على أقوال ابن القاسم صاحب مالك، والدولة موافقة لهم على ذلك، وكان هو عارفاً بها جامداً عليها . وفي المالكية من حفاظ الحديث والمتبعين له إذا خالفه المنقول في مذهبهم عدد غير قليل، لعلهم يفضلون بذلك على بعض أصحاب المذاهب الأخرى! ومن تأمل حال كثير من علماء المذاهب رأى أن كثيراً منهم قد تكون حالهم عند التحقيق شراً من حال أصبغ، وذلك أنهم يظهرون التدين بقبول الحديث وتعظيم (الصحيحين)، ويزيد بعضهم حتى من أهل عصرنا هذا فيقول: إن الحديث إذا كان في (الصحيحين) أو أحدهما فهو مقطوع بصحته، فإذا جاؤوا إلى حديث مخالف لمذهبهم حرفوه أقبح تحريف، فالرد الصريح أخف ضرراً على المسلمين وأهون مؤنة على أهل العالم الى صرف وقته في كشف ذلك؛ والله المستعان . ٥٦ - أنس بن مالك صاحب النبي ◌َّه. تقدم ما يتعلق به في (الطليعة) (ص٩٨ - ١٠٦)، وفي الفصلين الثاني والخامس من أوائل هذا الكتاب، وذكرت (ص ١٠٠ - ١٠١) من (الطليعة) بعض المعمرين من ثقات التابعين المحتج بهم مطلقاً إجماعاً، ويزاد عليهم معرور ابن سويد وزُر بن حبيش وأبو عثمان النهدي بلغ الأول مائة وعشرين سنة، والثاني مائة وسبعاً وعشرين سنة، والثالث مائة وثلاثين - وقيل: وأربعين - سنة. وذكرت في ص ١٠٣ من (الطليعة) شاهداً الرواية أنس في أبوال الإبل ثم رأيت في (تفسير ابن جرير) (ج٦ ص١١٩ - ١٣٠): ((حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال: سمعت أبي يقول: أخبرنا أبو حمزة عن عبد الكريم بن مالك الجزري وسئل عن أبوال الإبل ؟ ٤١٩ فقال: حدثني سعيد بن جبير عن المحاربين فقال: كان ناس أتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ... ثم قالوا: إنا نجتوي المدينة. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هذه اللقاح تغدو عليكم وتروح فاشربوا أبوالها وألبانها ... )) فذكر القصة وسياقها مخالف لسياق رواية أنس وفي آخرها الإشارة الى حديث أنس، وذلك يدل أن سعيد بن جبير تلقاها من غير أنس من الصحابة؛ والحديث مرسل صحيح رجاله ثقات كلهم، وتأتي ترجمة محمد بن علي وترجمة أبي حمزة محمد بن ميمون السكري . وعلي بن الحسن بن شقيق من متقدمي أصحاب أبي حمزة يظهر أن سماعه منه كان قبل أن يعمى أبو حمزة وعليّ من المتثبتين وفي ترجمته من (تهذيب التهذيب) أنه قيل له: ((سمعت (كتاب الصلاة) من أبي حمزة السكري؟)) فقال: ((نعم سمعت ولكن نهق حمار يوماً فاشتبه علي حديث فلا أدري أي حديث هو فتركت الكتاب كله)) وكلام الأستاذ في (الترحيب) في العنعنة تقدم ما فيه في الفصل التاسع من أوائل الكتاب. والله الموفق . ٥٧ - أيوب بن اسحاق بن سافري. راجع (الطليعة) (ص ٥٩ - ٦٠) أشار الأستاذ الى ذلك في (ص ٤٤) من (الترحيب) فلم يأت بشيء بل حاول الطعن في مُهَذَّب (تاريخ ابن عساكر)، وذلك لا يغني عنه شيئاً، ثم قال: ((لم يكن السافري إلا داعراً سافر الوجه، أصبحت الدعارة خلقاً فيه وملكة عنده رغم أنف هذا الناقد)». أقول: أرغم الله أنف من يكابر، ويدفع الحق بالباطل، وانظر (طبقات أبي يعلى) (١٧١/١)(١). ٥٨ - بشر بن السَّريّ. في (تاريخ بغداد) (٣٩١/١٣) من طريق ((رجاء بن السندي سمعت بشر بن السري قال: أتيت أبا عَوانة ... )) قال الأستاذ (ص ٩٢): (١) بشار بن قيراط. يأتي في ترجمة أبي زرعة عبيد الله بن عبدالكريم. ٤٢٠