النص المفهرس

صفحات 381-400

الطحاوي وأن من شهد الموسم لا يمكن أن يصل الى مصر إلا في السنة التالية فبنيا
على ذلك ولم تمكنهما الزيادة على ذلك لئلا تفحش المخالفة لما نقل عن المؤرخين
جداً .
الوجه الثاني: ابن جزء أقرب الى عصر تدوين الوفيات من أبي بن كعب ففي
(فهرست ابن النديم) (ص ٢٨١) أن لليث بن سعد تاريخاً، وتواريخ المحدثين
مدارها على بيان الوفيات والليث ولد سنة ٩٤ ومات سنة ١٧٥ ومن أشهر شيوخه
يزيد بن أبي حبيب المتوفى سنة ١٢٨ وهو أشهر الرواة عن ابن جزء؛ وفي
(تدريب الراوي) في شرح النوع الستين: (( وقال سفيان الثوري: لما استعمل الرواة
الكذب استعملنا لهم التاريخ)) والثوري ولد سنة ٩٧ ومات سنة ١٦١ فيظهر أن
البحث والسؤال عن الوفيات قد شرع فيه في حياة الرواة عن ابن جزء، وهكذا
غيره ممن تأخرت وفاته فلم يكن بين الباحث وبين الصحابي إلا رجل واحد يسأله
فيخبره عما أدركه بخلاف الحال في متقدمي الوفاة كأَبِيِّ بن كعب.
الوجه الثالث: كان الصحابة في عهد أبي بن كعب متوافرين فلم يكن لطلبة العلم
كبير حرص على لقائه لأنهم يجدون غيره من الصحابة ويرون أنه إن مات لم يفتهم
شيء لبقاء كثير من الصحابة، وهو لعلمه بذلك لم يكن يبذل نفسه حتى نسب الى
شراسة الخلق فلعله لم يكن يتجشم لقاءه إلا ذوو الأسنان، فإذا نظرنا في الرواة عنه
فلم نجد فيهم إلا من كان رجلاً في عهد عمر لم يكن في ذلك دلالة بينة على أنه توفي
في عهد عمر، فأما ابن جزء فكان آخر الصحابة بمصر، فطلبة العلم بغاية الحرص
على السماع منه لأنهم يرون أنه إن مات لم يجدوا صحابياً آخر ونزلوا طبقة عظيمة،
وهو لعلمه بذلك يبذل نفسه لتحديث من يريد أن يسمع منه، صغيراً كان أم كبيراً
كما كان سهل بن سعد يقول: ((لو مت لم تسمعوا أحداً يقول: قال رسول عَ لَّه)).
كما في ترجمته من (الاستيعاب)، يحرضهم بذلك، والله أعلم، على السماع منه . ولما
مات أنس قال مورق العجلي: ذهب اليوم نصف العلم. قيل كيف ذاك؟ قال: كان
الرجل من أهل الأهواء إذا خالفنا في الحديث قلنا تعال الى من سمعه من النبي صلى
٣٨١

الله عليه وآله وسلم. فالظن بمن كان من طلبة العلم بمصر أنه إذا بلغ سن الطلب في
حياة ابن جزء كان أهم شيء عنده أن يلقاه ويسمع منه، فلو عاش ابن جزء الى سنة
٩٧ أو ٩٩ لكان في الرواة عنه من لم يبلغ سن الطلب إلا قبل ذلك بقليل، ولو
كان فيهم من هو كذلك لاشتهر أمره لعلو سنده ولما خفي على مثل ابن يونس
وغيره ممن ذكر وفاة ابن جزء، وقد تتبعت الرواة عن ابن جزء فإذا أخرهم وفاة
عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب توفي سنة ١٣١ وقد روى عبيد الله أيضاً عن ناعم
مولى أم سلمة، ووفاة ناعم سنة ٨٠ على ما قيل، ولم يذكروا خلافه .
الوجه الرابع: لو حج ابن جزء سنة ست وتسعين أو ثماني وتسعين وحدث في
الموسم واجتمع الناس حواليه كما تزعمه تلك الرواية لكان من حضر الموسم من
أهل العلم وطلبة الحديث أحرص الناس على لقائه والسماع منه، لأنه لم يبق حينئذ على
وجه الأرض صحابي سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحدث عنه إلا
هو على فرض صحة الرواية، ثم لتناقلوا ما يسمعون منه وتنافسوا فيه لعلوه، ولا
سيما ذاك الحديث المذكور في تلك الرواية: (( من تفقه في دين الله كفاه الله هَمَّه
وَرَزَقَهُ من حيث لا يحتسب)) فإن فيه بشارة عظيمة لهم وفضيلة بينة وترغيباً في
طلب العلم، ولا يعرفونه من رواية غيره فما بالنا لا نجد لذلك أثراً إلا ما تضمنته
تلك القصة ؟ .
الوجه الخامس: لو لم يكن فيما يدل على تأخر وفاة أبيّ بن كعب إلا ما أشار إليه
الأستاذ من الرواية التي عند ابن سعد لاستنكرها أهل العلم لكن لذلك شواهد
وعواضد منها ما روي عن عبد الرحمن بن أبزى أنه قال: ((قلت لأبي لما وقع الناس
في أمر عثمان يا أبا المنذر ... )) ومنها ما روي عن زُر بن حُبيش أنه لقي أُبّاً في
خلافة عثمان، ومنها ما روي عن الحسن البصري في قصة أن أبياً مات قبل مقتل
عثمان بجمعة؛ فأما الرواية في لقى ابن جزء بمكة سنة ست وتسعين أو ثماني وتسعين
فلا شاهد لها ولا عاضد؛ فإن قيل: أرأيت لو وجد لها شواهد وعواضد قوية
أتقبلونها؟ قلت: إن صح سندها فنعم وأي شيء في هذا؟ أرأيت من قامت عليه
٣٨٢
١

البينة العادلة بما يوجب القتل أيدرأ عنه القتل أن يقال لو وجدت بينة عادلة بجرح
الشهود لما كان عليه قتل ؟.
الوجه السادس: متأخرو الوفاة من الصحابة قد يقع الاختلاف في تاريخ وفاتهم
لكنه لا يكاد يكون التفاوت شديداً فعبد الله بن أبي أوفى سنة ٨٦، ٨٧، ٨٨،
وسهل بن سعد الساعدي سنة ٨٨، ٩١ وأنس سنة ٩١، ٩٣، ٩٥ وأشد ما رأيته
من التفاوت ما قيل في وفاة السائب بن يزيد وذلك نادر مع أن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم توفي وللسائب نحو سبع سنين وعامة روايته عن الصحابة، وقد يرسل، أما
ابن جزء فروى عن النبي عَّه سماعاً ولم يذكروا له رواية عن غيره فالحرص على
السماع من ابن جزء محقق بخلاف السائب .
ثم قال الأستاذ: ((على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توفي عمن يزيد على مائة
ألف من الصحابة ولم تَحْتَو الكتب المؤلفة في الصحابة عشر معشار ذلك ولا مانع
من اتفاق كثير منهم في الاسم واسم الأب والنسب لا سيما المقلين في الرواية)).
أقول: حاصل هذا انه يحتمل أن يكون هناك صحابي آخر وافق عبد الله بن
الحارث بن جزء الزبيدي في الاسم واسم الأب والنسب فيكون هو الذي جاء في
تلك القصة أن أبا حنيفة لقيه بمكة سنة ٩٧ او ٩٨، ولا يخفى أن مثل هذا
الاحتمال لا يكفي لدفع الحكم مع أنه قد علم مما تقدم في الوجه الرابع وغيره ما
يدفع هذا الاحتمال، فإن كان الأستاذ يشير بقوله ((في الإسم واسم الأب والنسب))
ولم يذكر اسم الجد - الى عبد الله بن الحارث الزبيدي النجراني المكتب فذاك
تابعي معروف .
ثم ذكر الأستاذ أن ابن عبد البر ((نص على أن أبا حنيفة رأى أنس بن مالك
وعبد الله بن جزء الزبيدي رواية عن ابن سعد)).
أقول: يحكي الذهبي عن ابن سعد أنه روى عن سيف بن جابر عن أبي حنيفة أنه
رأى أنساً، ولم أر في (الطبقات) المطبوع لا ذا ولا ذاك فلا أدري أفي كتاب آخر
٣٨٣

لابن سعد؟ أم حكاية مفردة رويت بسند، فإن كان الثاني فلا أدري ما حال ذاك
السند وكيف وقعت لابن عبد البر زيادة ((وعبد الله بن جزء الزبيدي)) مع أني لم
أعرف سيف بن جابر، وما دام الحال هكذا فلا تقوم بذلك حجة، مع أن صنيع
ابن عبد البر في (الاستيعاب) يقتضي أنه لم يعتد بما حكاه في (كتاب العلم) من
رؤية أبي حنيفة لابن جزء، فإنه قال في ترجمة أنس بعد أن ذكر أنه توفي سنة
٩١، ٩٢، ٩٣ ((ولا أعلم أحداً مات بعده ممن رأى رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم إلا أبا الطفيل)) وقال في ترجمة ابن جزء: ((كانت وفاته بعد الثمانين وقد قيل
سنة ثمان أو سبع وثمانين وقيل سنة خمس وثمانين)).
فصل
في (تاريخ بغداد) (٢٠٧/٤) من طريق ابن الصلت: ((حدثنا بشر بن الوليد
حدثنا أبو يوسف حدثنا أبو حنيفة قال: سمعت أنس ابن مالك يقول: قال رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم: طلب العلم فريضة على كل مسلم)) ثم قال الخطيب: لم
يروه عن بشر غير أحمد بن الصلت وليس بمحفوظ عن أبي يوسف، ولا يثبت لأبي
حنيفة سماع من أنس بن مالك؛ والله اعلم. حدثني علي بن محمد بن نصر قال: سمعت
حمزة بن يوسف السهمي يقول: سئل أبو الحسن الدارقطني وأنا اسمع عن سماع أبي
حنيفة من أنس يصح؟ قال: لا، ولا رؤيته، لم يلحق أبو حنيفة احداً من
الصحابة)). أشار الاستاذ الى هذا ثم قال: ((مع أن أبا حنيفة كان أكبر سناً من أقل
سن التحمل عند المحدثين بكثير في جميع الروايات في وفاة أنس مع ثبوت قدومه
الى الكوفة قبل وفاته اتفاقاً )) .
أقول: أما أنا فلم أعرف أن أنساً قدم الكوفة في أواخر عمره فإن بنى هذا على
ما اشتهر من تحديثه للحجاج بحديث العرنيين وإيذاء الحجاج له وكتابة أنس الى
٣٨٤

عبد الملك يشكوه فهذا كان بالبصرة سنة ٧٥ على أن الحجاج انتقل من الكوفة الى
واسط سنة ٨٦ وفيها مات عبد الملك كما هو معروف في التاريخ؛ وإن بنى على ما
حكى عن ابن سعد في رؤية أبي حنيفة لأنس فقد مرَّ ما فيه؛ وإن بنى على أن
الدارقطني على ما في (تبييض الصحيفة) عن حمزة السهمي قال: ((لم يلق أبو حنيفة
أحداً من الصحابة إلا أنه رأى أنساً بعينه ولم يسمع منه)) كما نقله الاستاذ
(ص ١٥) وأن جماعة ممن بعد الدارقطني ذكروا رؤية أبي حنيفة لأنس كما ذكره
(ص١٥) أيضاً فلا أرى في هذا حجة، أما ما حكاه السيوطي عن حمزة فقد
عارضه ما مر عن الخطيب، والخطيب يروي في مواضع كثيرة من (تاريخه) عن
علي بن محمد بن نصر عن حمزة سؤالات حمزة للدارقطني وغيره كما ترى شواهد
ذلك في المقدمة لـ (تاريخ جرجان) فيعلم مما ذكر مع النظر الى عادة الخطيب وعادة
أهل عصره التي أشرت إليها في (الطليعة) (ص ١١٠)، أنه كان عنده نسخة من
كتاب حمزة وسمعها من علي بن محمد بن نصر فما روى عن علي بن محمد بن نصر عن
حمزة من سؤالات الدارقطني فهو من ذاك الكتاب، فرواية الخطيب ثابتة، وأما
حكاية السيوطي فان كان أخذها من نسخة من كتاب حمزة فنسخة الخطيب أثبت
لقرب العهد وسماعه للكتاب بواسطة واحدة ولما عرف من تثبت الخطيب، وإن كان
أخذها من مأخذ آخر فلا ندري ما حاله؟ وزعم الأستاذ أن ما وقع في (التاريخ):
(( مما غيرته يد أثيمة وكم لمصحح الطبع من إجرام في الكتاب وكان أصل
الكلام .... إلا رؤيته - فغيرته اليد الأثيمة الى: ولا رؤيته)).
أقول: الكتاب أي (تاريخ بغداد) طبع بمصر ولعل الاستاذ إن كان شك في
تلك الكلمة قد راجع الأصل المطبوع عنه أو روجع له كما عرف من عادته في
الحرص على تأييد قوله والتنديد بمخالفيه كالمصحح الذي عناه، فول وجد في الأصل
(الا رؤيته)) لصرح به، فإن عاد فحمل على الأصل نفسه فما باله يذكر مصحح
الطبع؟ هل أذكرته كلمة ((الطبع)) قولهم: قيل للغراب لم تسرق الصابون؟ قال:
٣٨٥

الأذی طبعي ! .(١)
وعلى كلا الحالين أليس لخصمه أن يعارضه باتهام مصحح (تبييض الصحيفة)
أو كاتب أصلها؟ ومع هذا فلا مانع من صحة الحكايتين معاً بأن يقال كان
الدارقطني استند فيما في (تبييض الصحيفة) من قوله ((إلا أنه رأى أنساً بعينه)) إلى
رواية لينة أو شهرة بين حنفية عصره تَسَمَّح بذلك لأن ذكر الرؤية وحدها ((من
باب المناقب الذي يتساهل فيه)) كما قال الاستاذ (ص ٢١) في قضية أخرى، فلما
سئل في رواية الخطيب عن الصحة نفاها، وقول الأستاذ (ص١٥): (( ونفيه لسماعه
بعد إثباته لرؤيته دعوى مجردة وشهادة على النفي)) يرد عليه أن دعوى الرؤية دعوى
مجردة أيضاً، فإن قيل الظاهر أنه لم يقل ذلك إلا عن حجة، قلنا هذا الظاهر لا يبلغ
أن يكون حجة ولا سيما مع التساهل في المناقب، ومع هذا فكذلك الظاهر أنه لم
ينف السماع إلا عن حجة قد تكون بنفي خاص تقبل على مثله الشهادة .
فأما من ذكر الرؤية ممن بعد الدارقطني فبنوا على اشتهار ذلك بين متأخري
الحنفية وأنه ((من باب المناقب الذي يتساهل فيه)) كما نص عليه الأستاذ.
فصل
قضية سماع أبي حنيفة ترتبط بقضية ميلاده فلا بأس بالنظر فيها هنا، في
(تاريخ بغداد) (٣٣٠/١٣) من طريق ابن عقدة بسنده إلى ((مزاحم بن داود بن
عُلَيَّة يذكر عن أبيه أو غيره قال: ولد أبو حنيفة سنة إحدى وستين .... )) قال
الخطيب، ((لا أعلم لصاحب هذا القول متابعاً)). قال الأستاذ (ص ١٩):
(١) وعاد الأستاذ فعلق على ص ١٦٧ قوله ((وما نسب الى الدارقطني في (٢٠٨/٤) من
نفي رؤيته لأنس من تصرف مصحح الطبع كما سبق تحقيقه في صدر الردود على
الخطيب ... )) كذا يجازف هذا الرجل هذه المجازفة ثم يضج ويعج إذا نسب الى بعض
ذلك .
٣٨٦

(( ألف في رواية أبي حنيفة الأحاديث عن جملة من الصحابة مباشرة جماعة من
القدماء من أمثال أبي حامد محمد بن هارون الحضرمي .... وإلى هذه الرواية في
ميلاده يكون ميل هؤلاء وإلا ما ساغت روايتهم لبعض تلك الأحاديث في عداد
مسموعاته .... )).
أقول: ابن عقدة هو أحمد بن محمد بن سعيد تقدمت ترجمته، ومزاحم وأبوه
ضعيفان على أنه لم يدرِ أعن أبيه أم عن غيره؟ فأما الذين ألفوا في رواية أبي حنيفة
عن جملة من الصحابة فليسوا متقدمين على عصر الخطيب ولا هم ممن يعتد به في
هذا الشأن، بلغهم شيء فرووه ووكلوا النقد إلى أهله .
ثم ذكر الأستاذ أنه رأى في نسخة قلمية من (ضعفاء ابن حبان) تاريخ ميلاد
أبي حنيفة سنة سبعين وأن بعض المطالعين صحح في الهامش: سنة ثمانين، وأن في
(أنساب ابن السمعاني) المطبوع بالزنكوغراف في مادة (الخزاز): سنة سبعين، وفي
موضع آخر من الكتاب: سنة ثمانين، وأن في (ملخصه) لابن الأثير في مادة
(الخزاز): سنة ثمانين، وأن أبا القاسم السّمِناني عصري الخطيب ذكر قولين:
سبعين، ثمانين، وأن صاحب (الجواهر المضيئة) ذكر ثلاث روايات:
٨٠,٦٣,٦١، وأن العيني ذكر في (تاريخه) ثلاثاً أيضاً: ٨٠,٧٠,٦١.
أقول أما رواية ٦١ فقد مر ما فيها، وأما رواية ٦٣ فتفرد بذكرها في جملة ما
قيل صاحب (الجواهر المضيئة) المتوفى سنة ٧٧٥ ولم يذكر من قالها، وأما رواية
٧٠ فحكاها السمناني عصري الخطيب ولم ينسبها إلى قائل ووقعت في نسخة من
(الضعفاء) لابن حبان وفي موضع من نسخة من (الأنساب) كما مر عن الأستاذ مع
ما فيه، فغاية الأمر أنه قيل بها في القرن الرابع .
وأما سنة ٨٠ فثبتت من طرق في ( انتقاء ابن عبد البر) (ص ١٢٢ - ١٢٣)
و (تاريخ بغداد) (٣٣٠/١٣) عن أبي نعيم الفضل بن دكين وهو إمام جليل
کوفي كأبي حنيفة سمع منه وروى عنه، وكذلك في (تاريخ بغداد) عن زفر بن
٣٨٧

الهذيل صاحب أبي حنيفة، وفيه أيضاً (ص ٣٢٥ - ٣٢٦) عن إسماعيل بن حماد
ابن أبي حنيفة (( ولد جدي في سنة ثمانين وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب .... ))
وفي السند نظر لكن الأستاذ احتج بتلك الرواية في تعليقه على (مناقب أبي حنيفة)
للذهبي (ص ٧) فقال: ((صح عن إسماعيل بن حماد .... )) وكذلك في (الانتقاء)
عن يحيى بن نصر بن حاجب وهو حنفي توفي سنة ٢١٥، وفي (الانتقاء) آخر
(ص ١٢٣) من طريق أبي يعقوب يوسف بن أحمد بن يوسف المكي الذي يكثر
الأستاذ من ذكر كتابه والثناء عليه ويعبر عنه بابن الدخيل تلميذ العقيلي قال:
((سمعت القاضي أبا الحسن أحمد بن محمد النيسابوري قال: وأما أبو حنيفة فلا
اختلاف في مولده أنه ولد سنة ثمانين ... )) والنيسابوري هذا متقدم على الذين
ذكروا سنة سبعين، ومن العجب أن الاستاذ قال (ص ٢٠): ((قول ابن عبد البر:
وأما أبو حنيفة فلا اختلاف في مولده .... ، يدل على أنه لم يطلع على تلك
الروايات، وعذره أنه لم يرحل إلى الشرق .... )) ولا أدري أغلط هذا أم مغالطة،
فإن ابن عبد البر لم يقل ذلك من عند نفسه، وإنما رواه عن شرقي متقدم كما
رأيت. وعلى كل حال فتاريخ المولد يثبت ببعض ما ذكر فضلاً عن جميعه ولم
يعارض ذلك ما يستحق أن يلتفت إليه؛ ولا يبعد أن تكون الأقوال الأخرى إنما
بنيت على رواية بعض تلك الأحاديث الواهية دفعاً لوضوح البطلان عنها كما تقدم
في قول من قال: إن وفاة عبد الله بن الحارث بن جزء سنة ٩٧ أو ٩٩ ثم أخذها
بعض من لم ينظر فيها!
ومن عجيب شأن التعصب أنه يبلغ بصاحبه من العمى أن يسعى جاهداً في
الإضرار بمن يتعصب له متوهماً أنه إنما يسعى في نفعه، لو كان مولد أبي حنيفة
متقدماً كما زعموا بحيث أدرك جماعة من الصحابة وأكابر التابعين كان الذي ينبغي
له أن يتحرى السماع منهم لأحاديث كثيرة يحتج بها في كتبه ويرويها عنه أصحابه
كأبي يوسف ومحمد في كتبهم الثابتة عنهم، فلو ثبت مع ذلك أحاديث عن أولئك
لكنها قليلة و کان معظم روايته عمن سنه قريب من سنه کحماد ابن أبي سليمان
لكانت شُنعَةً عليه أن يتشاغل عن الاستكثار من أولئك حتى يبلغ عمره ثلاثين أو
٣٨٨

أربعين سنة أو أكثر بالمخاصمة في الإرجاء والقدر كما يأتي، وسيأتي في ترجمة أبي
العطوف جراح بن منهال عن سلمة بن سليمان أحد ثقات أصحاب ابن المبارك قال:
(( قال رجل لابن المبارك هل كان أبو حنيفة عالماً؟ قال: لا ، ما كان خليقاً لذاك،
ترك عطاء وأقبل على أبي العطوف، وقد نازع الأستاذ في صحة هذه الحكاية عن
ابن المبارك بما فيه ما فيه، وهب أنها لم تصح عن ابن المبارك فالشُّنعة بحالها،
ولذلك حاول الأستاذ أن يثبت أن أبا حنيفة استكثر من عطاء، وربما أنظر في ذلك
في ترجمة أبي العطوف، وعلى كل حال فهذه الشَّنعة أخف بكثير من عدم الاستكثار
من الصحابة وكبار التابعين، فكيف إذا لم تثبت عنه رواية واحدة عن صحابي أو
تابعي كبير؟! فأولئك المساكين والأستاذ معهم يركبون - كما يعبر به الأستاذ - كل
مركب لمحاولة إثبات أن أبا حنيفة أدرك عدة من الصحابة ويحتمل أن يكون قد
سمع منهم، وفي ذلك عبرة!
قال الأستاذ: ((والاختلاف شديد في مواليد رجال الصدر الأول)).
أقول: قد مر ما فيه، وهو على كل حال لا يسوغ التشكك فيما قامت عليه
الحجة من ذلك .
قال: ((والأكثرون على أن أبا حنيفة ولد سنة ٨٠ ترجيحاً منهم لأحدث
التواريخ المروية في المواليد وأقدمها في الوفيات أخذاً بالأحوط في الحكم بالاتصال
أو الانقطاع)).
أقول: لا أثر ههنا للاحتياط المذكور بل القطع بسنة ثمانين أخذاً بالحجة
الواضحة التي لم يعارضها ما يستحق أن يلتفت إليه .
قال الأستاذ: ((هنا أمور تخدش ما اختاره الأكثرون)).
أقول: فلننظر فيها واحداً واحداً .
قال: ((منها ما فعله الحافظ أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار المتوفى سنة ٣٣١
٣٨٩

في جزئه الذي سماه: (ما رواه الأكابر عن مالك) حيث عد حماد بن أبي حنيفة من
هؤلاء الأكابر، فساق حديثاً بطريق حماد بن أبي حنيفة عن مالك، وحماد هذا وإن
توفي قبل مالك بنحو ثلاث سنين لكن عده من الأكابر لا يتم إلا إذا كان ميلاده
قبل ميلاد مالك أيضاً فيجب أن يكون ميلاد أبي حنيفة قبل سنة ٨٠ بمدة لا تقل
عن عشر سنين ... وابن مخلد من الحفاظ البارعين من شيوخ الدارقطني فلا يحيد عن
التحقيق فيما يكتب وجزؤه المذكور محفوظ بظاهرية دمشق في قسم المجاميع (رقم
٩٨) وعليه تسميعات وخطوط كثيرة من حملة الرواية)).
أقول: يكفي لحل هذه الشبهة أن الأستاذ نفسه قال في تعليقه على (الانتقاء)
لابن عبد البر: ((وفي هذا الجزء رواية الزهري .... والثوري ... وحماد بن زيد،
وابراهيم بن طهمان، وورقاء وغيرهم)).
ومولد مالك سنة ٩٣، والثوري سنة ٩٧، وحماد بن زيد سنة ٩٨، ولعل في
الجزء من ولد بعد ذلك(١)، وابراهيم بن طهمان لم يذكروا ميلاده ويظهر من أسامي
شيوخه أنه أصغر من حماد بن زيد لكنه صار من الأكابر في حياة مالك ومات قبله
فإن مالكاً عمّر، فإذا كان مولد أبي حنيفة أول سنة ٨٠ فإنه يبلغ سنه آخر سنة
٩٨ وهي السنة التي ولد فيها حماد بن زيد تسع عشر سنة فأي مانع من أن يولد له
في هذه السنة أو قبلها، والأقرب أن ابن مخلد - إن صح ما في ذاك الجزء - إنما
نظر إلى أن حماد بن أبي حنيفة بلغ مبلغ الأكابر في حياة مالك ومات قبله ولم يدقق
في ميلاده لأنه غير معروف، وبالنظر إلى سن أبيه يحتمل أن يكون ولد سنة ٩٧
کالثوري أو سنة ٩٨ كحماد بن زيد أو قريباً من ذلك.
فاتضح أنه ليس فيما وقع في ذلك الجزء ما يخدش فيما قامت عليه الحجة
الواضحة أن مولد أبي حنيفة سنة ثمانين .
(١) قلت: صدق ظن المؤلف رحمه اللّه تعالى، ففي الجزء المذكور رواية عبدالله بن وهب
عن مالك في عدة مواضع منه (ق ٢/٢٠٥ - ٢/٢٠٧ و٢/٢٠٨) ومولد ابن
وهب سنة ١٢٥، وفيه (ق ٢/٢٠٦) رواية أشهب وهو ابن عبدالعزيز عنه، ومولده
١٤٥ . ن.
١٣٩٠

هذا كله إذا بنينا على صحة ما وقع في ذلك الجزء، وإلا فالغالب على الظن
خلاف ذلك فإن ذاك الحديث وقع في ذاك الجزء هكذا: ((نا أبو محمد القاسم بن
هارون، نا عمران، نا بكار بن الحسن الأصبهاني، نا حماد بن أبي حنيفة ثنا(١)
(١) كذا هو في تعليق الكوثري على (الانتقاء) (ص ١٣)، ولعله خطأ غير مقصود من
الكوثري لغرض في نفسه، فإن الذي في الجزء المذكور من النسخة التي أشار إليها
الكوثري نفسه (ق ٢/٢٠٤) (( ... عن مالك ... )) ليس فيها تصريح حماد
بالتحديث، وكذلك هو في نسخة أخرى محفوظة أيضاً في ظاهرية دمشق وعليها
سماعات كثيرة (ق ٢/٣٨)، وإسناد الرواية فيهما هكذا:
ثنا أبو محمد القاسم بن هارون بن جمهور بن منصور الأصبهاني - وكتبه لي بخطه -
قال :
ثنا أبو سعيد عمران بن عبد الرحيم الباهلي الأصبهاني، ثنا بكار بن الحسن
الأصبهاني، ثنا حماد بن أبي حنيفة عن مالك بن أنس .... )) فتأمل كيف تعمد
الكوثري أن يسقط من السند نسب عمران (( بن عبد الرحيم الباهلي )) مع ثبوت ذلك في
النسختين من الجزء، وما ذلك - والله أعلم - إلا تعمية لحاله، وتمشية لحال إسناد روايته
ليتم له الاستدلال بها على ما رمى إليه من اثبات رواية حماد ابن أبي حنيفة عن مالك،
التي حاول أن يستنبط منها أن ميلاده كان قبل ميلاد مالك! وأن ميلاد أبي حنيفة
كان قبل سنة ٨٠! وهيهات هيهات ، فإنها ظلمات بعضها فوق بعض، فقد
كشف المؤلف رحمه الله تعالى أن عمران هذا هو ابن عبد الرحيم كما جاء في السند ،
وأنه متهم بالوضع، وأن ما استلزمه الكوثري من روايته - على فرض ثبوتها - غير
لازم.
وأزيد عليه فأقول: إن حماد ابن أبي حنيفة نفسه ليس بحجة في الرواية، فقد ضعفه
ابن عدي وغيره من قِبل حفظه، ولهذا أورده الذهبي في كتاب (الضعفاء) وقال (ق
١/٣٥): ((مقل ضعيف الحديث)).
ثم إن ما استظهره المصنف رحمه الله تعالى، من أن أصل الجزء المذكور إنما هو ((حماد
ابن أبي حنيفة عن أبي حنيفة ... )) وأن الناسخ زاغ نظره من ((أبي حنيفة .... )) لا
يساعد عليه، أن النسخة الأخرى متفقة مع الأولى في عدم ذكر أبي حنيفة، زد على =
٣٩١

مالك .... )) كما نقله الأستاذ فيما علقه على (الانتقاء)، وذكر هو أن ذاك الحديث
قد رواه الدارقطني في (غرائب مالك) وابن شاهين عن ((محمد بن مخزوم عن جده
محمد بن الضحاك ثنا عمران بن عبد الرحيم الأصبهاني ثنا بكار بن الحسن، ثنا حماد
ابن أبي حنيفة عن أبي حنيفة عن مالك ... )) فعمران في سند ابن مخلد هو عمران
ابن عبد الرحيم في سند الدارقطني وابن شاهين، وفي ترجمته من (الميزان) عن
السليماني: ((هو الذي وضع حديث أبي حنيفة عن مالك)).
فابن مخلد لم يشترط في ذاك الجزء الصحة وإنما اكتفى بما قد رُوي فلو وقع في
روايته من طريق عمران بسقوط أبي حنيفة لكان الظاهر أن يذكر الرواية الأخرى
فإنه لا بد أن يكون عند تأليفه ذاك الجزء تتبع ما يصلح أن يذكر فيه ويبعد أن لا
يظفر بالرواية المشهورة عن عمران بثبوت أبي حنيفة وهي أدل على مقصوده، وقد
ذكر الأستاذ أنه ليس في ذاك الجزء من طريق أبي حنيفة عن مالك شيء، وبهذا
يظهر أنه وقع في روايته كما وقع في رواية غيره (( حماد بن أبي حنيفة عن أبي حنيفة
ثنا مالك)) فزاغ نظر ناسخ ذلك الجزء من (حنيفة) الأولى إلى الثانية، ولا يدفع
ذلك ما على الجزء من التسميعات، وقد رأينا عدة من الأصول القديمة عليها كثير
من التسميعات والتصحيحات وبقي فيها مثل هذا الخلل أو أشد منه، راجع
(التاريخ الكبير) للبخاري (ج ١ قسم ١) (ص ٧٠، ٧٩، ٨٠، ١٠١،
١٠٥، ١٥٤، ١٥٧).
ومن غرائب الأستاذ أن يحاول تثبيت ما وقع في الجزء المذكور مع احتماله كما
رأيت، ثم يحاول في (التأنيب) أن يخفي اصطلاح ابن مخلد في ((الأكابر)) ويثبت
أنه إنما يعني بهم الذين ولدوا قبل مالك، ثم يبالغ في الثناء على ابن مخلد ليخدش
بصنيعه المزعوم في نصوص المتقدمين الصريحة، كل ذلك ليثبت أن أبا حنيفة أدرك
ذلك: أنه قد كتب ناسخ الأولى على الوجه الأول منها وتحت اسم الكتاب، أکثر أسماء
الرواة عن مالك، وفيهم حماد ابن أبي حنيفة، دون أبي حنيفة، فهذا وذاك يرجح أن
لا زوغ من الناسخ، وأن الرواية هكذا وقعت لابن مخلد . والله أعلم. ن.
[ ولكن الزوغان والروغان من الکوثري. زهیر ].
٣٩٢

جماعة من الصحابة وأكابر التابعين ويحتمل أن يكون سمع منهم مع علمه أنه لا
تثبت عن أبي حنيفة رواية واحدة عن واحد منهم، ويغفل عن النتيجة التي سلفت
الإشارة إليها .
قال الأستاذ: (( ومنها أن العقيلي روى في ترجمة حماد بن أبي سليمان ما يفيد أن
إبراهيم بن يزيد النخعي لما مات اجتمع خمسة من أهل الكوفة فيهم عمر بن قيس
الماصر وأبو حنيفة فجمعوا نحو أربعين ألف درهم ثم أعطوه حماد بن أبي سليمان
ليستعين به ويتفرغ لرياسة الجماعة في العلم وكانت وفاة ابراهيم النخعي سنة ٩٥ ولو
کان ميلاد ابي حنيفة سنة ثمانين لكان سنه عند وفاة النخعي خمس عشرة سنة، ومن
يكون في مثل هذا السن لا يتصور أن يهتم هذا الاهتمام بمن يخلف النخعي ... )»
أقول: قال الأستاذ نفسه فيما علقه على (مناقب أبي حنيفة) الذهبي (ص ٧):
((قال العقيلي في (الضعفاء) حدثنا أحمد بن محمد الهروي، قال: حدثنا محمد بن
المغيرة البلخي، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن سليمان
الأصفهاني، قال: لما مات إبراهيم اجتمع خمسة من أهل الكوفة فيهم عمر بن قيس
الماصر وأبو حنيفة فجمعوا أربعين ألف درهم وجاءوا إلى الحكم بن عتيبة فقالوا:
إنا قد جمعنا أربعين ألف درهم نأتيك بها وتكون رئيسنا في الارجاء فأبى عليهما
الحكم فأتوا حماد بن أبي سليمان فقالوا له فأجابهم وأخذ الأربعين ألف درهم)) ! .
لا أناقش الأستاذ في تمويهه، وإنما أنظر في الحكاية فالهروي والبلخي لم أجدهما
وإسماعيل لم يتضح لي من هو، وابن الأصبهاني متكلم فيه، قال أبو حاتم: ((لا بأس
به يكتب حديثه ولا يحتج به)) وأخرج له النسائي حديثاً ثم قال: ((هذا خطأ، ابن
الأصبهاني ضعيف)) وقال ابن عدي: (( مضطرب الحديث قليل الحديث مقدار ما له
قد أخطأ في غير شيء)) وكانت وفاته سنة ١٨١، ويظهر من وفيات شيوخه أنه لم
يدرك موت إبراهيم، فإن صح سند الحكاية إليه، فممن سمع القصة؟ وما عسى أن
يكون أخطأ في سياقها؟ ثم أي شيء فيها ؟! كان إبراهيم شديداً على المرجئة وفي
ترجمته من (طبقات ابن سعد) عدة حكايات في ذلك منها عن الحارث العكلي عن
إبراهيم قال: ((إياكم وهذا الرأي المحدث يعني المرجئة)) وعن مُجلّ بن مُحْرِز عن
٣٩٣
:

إبراهيم قال: ((كان رجل يجالس إبراهيم يقال له محمد، فبلغ إبراهيم أنه يتكلم في
الإرجاء فقال له إبراهيم: لا تجالسْنا)) وعن مُحل أيضاً ((قال لنا إبراهيم: لا تجالسوهم
يعني المرجئة)) (١) وعن حكيم بن جبير عن ابراهيم قال: ((لأنا على هذه الأمة من
المرجئة أخوف عليهم من عدتهم من الأزارقة)) (٢) وعن غالب بن أبي الهذيل أنه
كان عند إبراهيم فدخل عليه قوم من المرجئة قال فكلموه فغضب وقال: ((إن كان
هذا کلامکم فلا تدخلوا علي».
وفي (تهذيب التهذيب) في ترجمة ذر بن عبد الله المرهبي ((قال أبو داود: كان
مرجئاً وهجره إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير للإرجاء)) وفيه في ترجمة محمد بن
السائب الكلبي (( وقال ابن فضيل عن مغيرة عن إبراهيم أنه قال لمحمد بن السائب: ما
دمت على هذا الرأي لا تقربنا، وكان مرجئاً)).
فكأنهم كانوا مقموعين في حياته فلما مات خلا لهم الجو واستعانوا بالمال، وفي
ترجمة إبراهيم من (تهذيب التهذيب): ((روى عنه الأعمش ومنصور وابن عون
وزبيد اليامي وحماد ابن أبي سليمان ومغيرة بن مقسم الضبي وخلق)) وهؤلاء سوى
حماد منكرين للإرجاء ولما دخل فيه حماد أنكروا ذلك عليه، وفي (تهذيب
التهذيب) في ترجمة حماد: ((قال أبو حذيفة: ثنا الثوري قال: كان الأعمش يلقى
حماداً حين تكلم في الإرجاء فلم يكن يسلم عليه، .... وقال شعبة: كنت مع زبيد
فمررنا بجماد فقال: تنح عن هذا فإنه قد أحدث)). وفيه في ترجمة عمرو بن مرة:
(( قال جرير عن مغيرة: لم يزل في الناس بقية حتى دخل عمرو في الإرجاء فتهافت
الناس فيه » .
وعلى فرض صحة سند الحكاية إلى ابن الأصبهاني وأنه سمعها من ثقة، فالظاهر
أنها تأخرت عن موت إبراهيم مدة، وفي كتاب ابن أبي حاتم (ج ٢ قسم ٢ ص
(١) والارجاء قد نسب إلى الإمام أبي حنيفة بطرق لا تثبت إليه أولاً، ولا تصبح دلالاتها
بالقول المنسوب إليه، وظني أن سبب ذلك أن الغالبية العظمى من المرجئة انتسبوا إلى
مذهب الامام فقهاً وإنك ترى آثار ذلك عند بعض متأخرة الأحناف.
(٢) هم فئة ممن خرج على سيدنا علي، ونسبوا إلى نافع بن الأزرق.
٣٩٤

١٤٦): ((نا أحمد بن سنان الواسطي نا أبو عبد الرحمن المقريء نا ورقاء عن المغيرة
قال: لما مات إبراهيم جلس الحكم وأصحابه إلى حماد حتى أحدث ما أحدث، قال
المقريء: يعني الارجاء)). ورجاله ثقات .
وعلى صحة تلك الحكاية وأنها على ظاهرها في أن القضية وقعت عقب موت
إبراهيم فقد يكون ذكر أبي حنيفة مدرجاً أوقع فيه اشتهاره بالإرجاء مقروناً بعمر
ابن قيس الماصر كما قُرنا في البيتين اللذين في (تاريخ بغداد) (٣٨٠/١٣) و
(التأنيب) (ص ٥٩)، وبعد اللتيا والتي فإبراهيم توفي في أوائل سنة ٩٧ وذلك أن
أبا نعيم الفضل بن دكين قال سنة ٩٦، وقال ابن حبان: ((مات بعد الحجاج
بأربعة أشهر))، والحجاج هلك في شوال سنة ٩٥، وقيل في رمضان منها، فإذا
كان أبو حنيفة ولد أول سنة ثمانين فإنه يتم له عند وفاة ابراهيم ست عشرة سنة ومن
كان في هذه السن وهو جلد ذكي لا يمتنع أن يستعين به أصدقاء أبيه في جمع المال
ونحوه ولا سيما إذا كان أبوه مرجئاً فإنه ينشأ متحمساً لرأي أبيه جاهداً فيه .
قال الأستاذ: ((ومنها أنه قد تضافرت الروايات على أن أبا حنيفة قبل انصرافه
إلى الفقه كان جدلياً يشتغل بعلم الكلام حتى هبط البصرة نحو عشرين مرة ليناظر
القدرية وغيرهم، ثم انصرف إلى الفقه، ومن تكون سنه عند وفاة النخعي كما
ذكرناه لا يمكن له الاشتغال الطويل بالجدل قبل انصرافه إلى الفقه)).
أقول: ما تضافرت الروايات بل تنافرت، ففي (تاريخ بغداد) (٣٣١/١٣)
من طريق ((محمد بن شجاع الثلجي ثنا الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف قال: قال
أبو حنيفة: لما أردت طلب العلم جعلت أتخير العلوم وأسأل عن عواقبها .... قلت:
فإن نظرت في الكلام ما يكون آخره؟ قالوا: لا يسلم من نظر في الكلام من
مشنعات الكلام فيرمى بالزندقة .. قلت: فإن تعلمت الفقه؟ قالوا: تُسأل وتفتي
الناس وتُطلب للقضاء وإن كنت شاباً .... قلت: ليس في العلوم شيء أنفع من
هذا فلزمت الفقه وتعلمته)) والروايات المخالفة لهذه والموافقة لها يعلم ما فيها بالنظر
في أسانيدها .
وَهَبْ أنه صح أن أبا حنيفة كان جدلياً ثم انصرف إلى الفقه، فمتى انصرف؟
٣٩٥

إن قيل: قد جاء عنه أنه لازم حماداً ثماني عشرة سنة، قلت: إن صح ذلك فلعله
لازمه أولاً للإرجاء، فإن حماداً كان يقول به في الجملة كما مر، ثم أكمل المدة
للفقه فإن صح هبوطه البصرة نحو عشرين مرة مخاصمة القدرية فليس من لازم
انصرافه إلى الفقه هجره الكلام في القدر البتة، ولا من لازم ملازمته حماداً أن لا
يغيب عنه في السنة الأسبوع والأسبوعين والشهر والشهرين للحجج والحاجة؛ على
أن حماداً توفي سنة ١٢٠ كما قاله أبو بكر ابن أبي شيبة، وحكى ابن سعد إجماعهم.
عليه، وقول البخاري وتبعه ابن حيان سنة ١١٩ متأخر عن هذا الاجماع، وملازمة
أبي حنيفة حماداً ثماني عشرة سنة معناه إذا كان مولد أبي حنيفة أول سنة ٨٠ أنه
ابتدأ في الملازمة وسنه نحو ثلاث وعشرين سنة فلا مانع ان يكون قد مهر في
مسائل الكلام المعروفة حينئذ كالارجاء والقدر، وهذا ابن سينا يزعم أنه أحكم
المنطق وإقليدس والمجسطي والطبيعي والإلهي والطب وألف فيها أو في أكثرها
وكان مع ذلك يتلقى الفقه ويناظر فيه، وأخذ الأدب، كل ذلك وعمره إحدى
وعشرون سنة، ولذلك نظائر.
وبالجملة فلم يأت الأستاذ بعد اللتيا والتي بما يصح أن يعد معارضاً لما ثبت من
أن مولد أبي حنيفة سنة ثمانين، ولم يستفد إلا تضييع وقته ووقت من يتعقبه،
والسعي فيما لو صح لأنتج نقيض مقصوده كما سلف، والله المستعان .
فصل
ولنعطف على ابن الصلت، هَبْ أن أبا حنيفة ولد سنة ٦١ أو قبلها وأنه سمع
من أنس وروى عنه عدة أحاديث، فإن هذا لا يدفع إنكار الخطيب ذاك الحديث
على ابن الصلت، من جهة أنه لم يروه غيره عن بِشْر، ولا يحفظ عن أبي يوسف ولا
يثبت عن أبي حنيفة، وهذا الحديث مما تتوفر الدواعي على كثرة روايته واشتهاره،
فلو كان عند أبي حنيفة لكثر تحديثه به لعلو السند، وإثبات السماع من الصحابي،
٣٩٦

والترغيب فيما كان يدعو إليه من طلب العلم، ولو حدث به لكثر تحديث تلامذته به
وإثباته في كتبهم، فلو قال قائل: لو كان عنده لتواتر عنه، لما أبعد .
وأهل العلم من قديم يلهجون بمتن هذا الحديث ويتطلبون له إسناداً صحيحاً فلا
يجدونه، ولأجل ذلك وقع كثير من الناس في روايته بأسانيد مركبة أو مدلسة أو
نحو ذلك، واحتاج أهل العلم إلى نقله من وجوه ضعيفة، ذكره ابن عبد البر في
أوائل ( كتاب العلم) ثم قال:
((هذا حديث يروى عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من
وجوه كثيرة كلها معلولة لا حجة في شيء منها عند أهل العلم بالحديث من جهة
الإسناد)).
ثم ذكر عن إسحاق بن راهويه المتوفى سنة ٢٣٨ ((أنه كان يقول: طلب العلم
واجب ولم يصح فيه الخير)) قال ابن عبد البر (( يريد إسحاق - والله أعلم - أن
الحديث في وجوب طلب العلم في أسانيده مقال لأهل العلم بالنقل، ولكن معناه
صحیح عندهم ... ))
فصل
ثم روى الخطيب من طريق ابن الصلت: ((حدثنا محمد بن المثنى صاحب بشر بن
الحارث قال: سمعت ابن عيينة قال: العلماء ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه،
وأبو حنيفة في زمانه)) قال الخطيب: قلت: ذكر أبي حنيفة في هذه الحكاية زيادة
من الحماني (ابن الصلت)، والمحفوظ ما أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المقريء
الحذاء أخبرنا أحمد بن جعفر بن سالم (صوابه: سلم) الختلي حدثنا أبو بكر أحمد بن
محمد بن عبد الخالق حدثنا أبو بكر المروزي (صوابه: المروذي) حدثني محمد بن أبي
محمد (صوابه: محمد بن أبي عمر، كما قاله الأستاذ) عن سفيان بن عيينة قال: علماء
الأزمنة ثلاثة، ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، وسفيان الثوري في زمانه ))
٣٩٧
٠

ثم قال: ((فإن قيل ما أنكرت أن تكون رواية الحماني صحيحة، والرواية الثابتة فيها
ذكر أبي حنيفة، وحذفه بعض النقلة، قلت منع من ذلك أمران، أحدهما أن عبد
الرزاق بن هارون يروي عن ابن عيينة مثل هذا القول الثاني سواء، والأمر الآخر
أن المحفوظ عن ابن عيينة سوء القول في أبي حنيفة، من ذلك ما أخبرنا محمد بن
عبد الله الحنائي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن الصديق المروزي، حدثنا
أحمد بن محمد المنكدري، حدثنا محمد بن أبي عمر قال: سمعت ابن عيينة يقول (ح)
وأخبرنا ابن الفضل: أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه: حدثنا يعقوب بن
سفيان قال: حدثني محمد بن أبي عمر - يعني العدني - قال: قال سفيان: ما ولد في
الإسلام مولود أضر على أهل الإسلام من أبي حنيفة؛ وهكذا روى الحميدي عن
ابن عيينة؛ ولسفيان بن عيينة في أبي حنيفة كلام غير هذا كثير شبهه في المعنى؛ ثم
ذكرناه في أخبار أبي حنيفة)) .
أشار الأستاذ (ص ١٦٦) إلى رواية ابن الصلت عن محمد بن المثنى صاحب
بشر بن الحارث بقوله (( ... وبأنه روى عن محمد بن المثنى عن ابن عيينة .... ))
وأشار إلى رواية ابن أبي عمر وقال في الحاشية:
((الفرق بين الروايتين عن ابن عيينة فرق ما بين محمد بن المثنى ومحمد بن أبي عمر
العدني، نسأل الله المعافاة، فبهذا اطلعت على جلية صنيع الخطيب هناك أيضاً)).
أقول: لا يكاد الأستاذ يقول ((نسأل الله الصون)) أو: السلامة، أو: المعافاة، إلا
حيث يكون قد فعل إحدى الفعلات، والفعلة هنا أنه لم يسق السند وفيه: عن ابن
الصلت ((حدثنا محمد بن المثنى صاحب بشر بن الحارث)) واقتصر في أصل.
(التأنيب) وفي حاشيته في ذكره شيخ ابن الصلت على قوله ((محمد بن المثنى)) لم يقل
((صاحب بشر بن الحارث)) وأشار إلى رجحان محمد بن المثنى بن يحيى بن أبي عمر
يريد إيهام أنه محمد بن المثنى بن عبيد بن قيس بن دينار العنزي أبو موسى البصري
الحافظ المعروف بالزمن، فإنه هو الذي يفهم عند اطلاق ((محمد بن المثنی)) وليس
٣٩٨

في كتب اسماء الرجال المتداولة من يقال له ((محمد بن المثنى)) غيره وقد سمع من ابن
عيينة وأدركه ابن الصلت، فعلم الأستاذ أن من يطالع (التأنيب) ولا يقف على
(تاريخ الخطيب)، أو لا يراجعه في ذاك الموضع لا يقع إلا على هذا الحافظ .
والواقع أن الذي في السند ((محمد بن المثنى صاحب بشر بن الحارث)) كما مضى،
وهذا رجل آخر، ترجمته في (تاريخ بغداد) (ج ٤ ص ٢٨٦) ((محمد بن المثنى بن
زياد أبو جعفر السمسار كان أحد الصالحين صحب بشر بن الحارث وحفظ عنه
وحدث عن نوح بن يزيد وعفان بن مسلم وغيرهم ... )) ثم ذكر قول ابن أبي حاتم:
((كتبت عنه مع أبي وهو صدوق)) وأنه ((مات سنة ٢٦٠ )) وهذا دون ابن أبي عمر
بكثير ولم يخرج له أحد من الستة وابن أبي عمر روى عنه مسلم في صحيحه مائتي
حديث وستة عشر حديثاً على ما في (التهذيب) عن كتاب (الزهرة) وستأتي ترجمته
والنظر في كلام الأستاذ فيه؛ وفوق ذلك فالسمسار يظهر أنه لم يدرك ابن عيينة
وأن ابن الصلت افتضح في روايته عنه أنه قال: ((سمعت ابن عيينة)) فإن ابن عيينة
مات سنة ١٩٨ والمسمون من شيوخ السمسار ماتوا بعد ذلك بزمان، فبشر بن
الحارث سنة ٢٢٧ وعفان ٢٢٠، ونوح بن يزيد قريباً من ذلك، ولم أظفر بتاريخ
وفاته لكن ذكروا في الرواة عنه أحمد بن سعد بن إبراهيم أبا ابراهيم الزهري الذي
ولد سنة ١٩٨ كما في (تاريخ بغداد) (ج ٤ ص ١٨١)، وأحمد بن علي بن
الفضيل أبا جعفر الخراز المقريء المتوفي سنة ٢٨٦ كما في (تاريخ بغداد) (ج ٤
ص ٣٠٣) فظهر بذلك أن وفاة نوح كانت سنة بضع عشرة ومائتين أو بعد ذلك.
أضف إلى ذلك أن من عادتهم أنهم يحرصون على أن يذكروا في ترجمة الرجل
أقدم شيوخه وأجلّهم فلو عرفوا للسمسار سماعاً من ابن عيينة أو أحد أقرانه أو
من قرب منهم لكان أولى أن يذكروه في شيوخه من نوح وعفان؛ فإن قيل: إن
كان ابن الصلت أراد الكذب فما الذي منعه أن يسمي شيخاً أشهر من السمسار
وأثبت لا يشك في سماعه من ابن عيينة؟ قلت: منعه علمه بأن الكذب على المشاهير
سرعان ما يفتضح لإحاطة أهل العلم بما رووه، بخلاف المغمورين الذين لم يرغب
٣٩٩

أهل العلم في استقصاء ما رووه .
ومع ما تقدم فلا معنى للموازنة بين شيخ ابن الصلت وبين ابن أبي عمر ما دام
ابن الصلت فيه ما فيه، ومع ذلك فقد عضد الخطيب رواية ابن أبي عمر برواية عبد
الرزاق بن هارون وهي عنده في ترجمة سفيان من (التاريخ) (ج ٩ ص ١٥٤) من
وجهين بنحو رواية ابن أبي عمر، وقريب منها رواية العباس بن يزيد البحراني في
(تاريخ بغداد) (ج ٣ ص ٢٢٧).
فقد اتضح جداً صحة قول الخطيب أن المحفوظ عنده اقتصار ابن عيينة على
الثلاثة لم يذكر أبا حنيفة، فإن المحفوظ عندهم هو الطرف الراجح كما مر في
ترجمة الخطيب، ولا يخفى على عارف اطلع على ترجمة ابن الصلت أن روايته بالنسبة
إلى ما قال الخطيب أنه المحفوظ عنده نسبة الوهم إلى الظن .
وأما قول الخطيب: ((الأمر الآخر أن المحفوظ عن ابن عيينة .... )) فالحكاية
التي ذكرها ساقها بسندين في أحدهما المنكدري وفي الآخر ابن درستويه وستأتي
ترجمتاهما، وحاصل الكلام فيهما أن المنكدري ليس بعمدة، ولكنه أحسن حالاً من
ابن الصلت بكثير وأن ابن درستويه موثق لا يضره ما قيل فيه، مع أن رواية
الخطيب من طريقه عن يعقوب بن سفيان إنما يأخذهما الخطيب من (تاريخ يعقوب
ابن سفيان) فرجحان هذه الرواية وحدها على رواية ابن الصلت واضح جداً، فقول
الأستاذ: ((أفبمثل هذين الإسنادين يكون الخبر محفوظاً؟)) لا وجه له، على أن
الخطيب ضم إلى ذلك رواية الحميدي وهي عنده في (التاريخ) (ج ١٣ ص ٣٩٩)
من وجهين رجال كل منهما ثقات وإن تكلم الاستاذ في بعضهم بما بينت حاله في
تراجمهم، والحميدي إمام وإن كره الأستاذ. ثم أشار الخطيب إلى الكلمات الأخرى
وهي معروفة .
ومن تأمل ما تقدم وعرف ابن الصلت معرفة جيدة، ولم يعمه الهوى، لم يرتب
في صحة حكم الخطيب على ابن الصلت بأنه زاد تلك الزيادة من عنده، على أن
٤٠٠