النص المفهرس
صفحات 301-320
عالم الملوك الملك المعظم عيسى الأيوبي ولذلك كان هو أول من رد عليها، ولو ذاعت المثالب قبل ذلك لما تأخر العلماء من الرد عليها كما فعلوا مع عبد القاهر البغدادي وابن الجويني وأبي حامد الطوسي وغيرهم وسبط ابن الجوزي رد على الخطيب أيضاً في عصر الملك المعظم ... )). أقول: ابن خيرون ذكره ابن الجوزي في (المنتظم) (ج٨ ص ٨٧) وقال: ((روى عنه أبو بكر الخطيب وحدثنا عنه أشياخنا وكان من الثقات، وشهد عند أبي عبد الله الدامَغاني [ قاضي القضاة الحنفي المشهور] ثم صار أميناً له)). وفي (تذكرة الحفاظ) (ج ٤ ص ٧): ((ذكره السمعاني فقال: ثقه عدل متقن واسع الرواية ... سمعت عبد الوهاب بن خيرون يقول: ما رُئي مثل أبي الفضل بن خيرون لو ذكرت كتبه وأجزاءه التي سمعها يقول لك عمن سمع وبأي طريق سمع وكان يذكر الشيخ وما يرويه وما ينفرد به .... ، قال أبو طاهر السلفي : كان كيحي بن معين في وقته .... ، وقد ذكرت في(ميزان الاعتدال)كلام ابن طاهر فيه بكلام مردود وأنه كان يلحق بخطه أشياء في (تاريخ الخطيب) وبيَّنا أن الخطيب أذن له في ذلك، وأما خطه فمشهور وهو بمنزلة الحواشي، فكان ماذا؟)). وفي: (الميزان): أحمد بن الحسن بن خيرون أبو الفضل الثقة الثبت محدث بغداد تكلم فيه ابن طاهر بقول زائف سمج، فقال: حدثني ابن مرزوق حدثني عبد المحسن بن محمد قال: سألني ابن خيرون أن أحمل إليه الجزء الخامس من (تاريخ الخطيب) فحملته إليه فرده، وقد ألحق فيه في ترجمة محمد بن علي رجلين لم يذكرهما الخطيب، وألحق في ترجمة قاضي القضاة الدامَغاني [الحنفي]: ((كان نزهاً عفيفاً)) وقال ابن الجوزي: قد كنت أسمع من مشايخنا أن الخطيب أمر ابن خيرون أن يلحق وريقات في كتابه ما أحب الخطيب أن تظهر عنه. قلت: وكتابته لذلك كالحاشية وخطه معروف لا يلتبس بخط الخطيب أبداً وما زال الفضلاء. يفعلون ذلك، وهو أوثق من ابن طاهر بكثير بل هو ثقة مطلقاً ... )). ٣٠١ أقول: (تاريخ الخطيب) قرىء عليه في حياته ورواه جماعة ويظهر أنها أخذت منه عدة نسخ في حياة الخطيب على ما جرت به عادة المثرين من طلبة العلم والمجتهدين منهم أن يستنسخ كل منهم الكتاب قبل أن يسمعه على الشيخ ثم يسمع في كتاب نفسه ويصحح نسخته، وكثير منهم يستنسخ قبل كل مجلس القطعة التي يتوقع أن تقرأ في ذلك المجلس الى أن يتم الكتاب . وعبد المحسن الذي روى ابن ظاهر من طريقه ذكر الزيادة هو عبد المحسن بن محمد الشيخي وفي ترجمته من (المنتظم) (ج٩ ص١٠٠) ((أكثر عن أبي بكر الخطيب بصور وأهدى إليه الخطيب (تاريخ بغداد) بخطه وقال: لو كان عندي أعز منه لأهديته له)) ومن الواضح أن الخطيب لا يهدي نسخته الوحيدة من تاريخه الجليل ويبقى بلا نسخة فلا بد أن تكون عنده نسخة أخرى، ومن البين أن العالم لا يزال يحتاج الى الزيادة في تأليفه فلعله زاد في النسخة التي بقيت عنده أشياء لم تكن في النسخة التي أهداها لمعبد المحسن، فإذا كانت هذه النسخة الأخيرة صارت لابن خيرون كما يقول الأستاذ، فطلب ابن خيرون من عبد المحسن أن يبعث إليه بالجزء الخامس من نسخته فألحق ما ألحق، فإن كان ألحق على أنه من الكتاب فإنما ألحق ذلك من نسخة الخطيب الأخيرة، وإن كان إنما كتب حاشية كما قال الذهبي فالأمر أوضح، وما ذكره الأستاذ: أن كتب الخطيب احترقت عند ابن خيرون لا أتحققه، نعم ذكروا احتراقاً، ولكن لم أجد نصاً على أن نسخة الخطيب من (تاريخه) احترقت ولا أن الناس إنما رووا (التاريخ) بعد ذلك عن نسخة لابن خيرون لا عن خط الخطيب، بل هذا باطل حتما، وقد علمت أنه كان عند عبد المحسن نسخة أخرى بخط الخطيب، ولا بد أن تكون عند غيره نسخ مما صحح على نسخة الخطيب عند القراءة عليه، وقد روى جماعة منهم ابن الجوزي وأبو اليمن الكندي أستاذ الملك المعظم وخليله سبط ابن الجوزي (تاريخ بغداد) عن أبي منصور عبد الرحمن ابن محمد القزاز يقول: ((أخبرنا الخطيب)) أو نحو ذلك، وفي ترجمته في (المنتظم) (ج ١٠ ص ٩٠) ((سَمَّعه أبوه وعمه الكثير، وكان صحيح السماع)) ولا بد أن ٣٠٢ تكون عنده نسخة أخرى سمع فيها من الخطيب وإلا لطعنوا فيه بأنه يروي مما ليس عليه سماعه، ثم رأيت في (معجم الأدباء) (ج ٤ ص٣٨): (( قال السمعاني لما رجعت الى خراسان حصل لي (تاريخ الخطيب) بخط شجاع ابن فارس الذهلي [ الحافظ الثبت] الأصل الذي كتبه بخطه لأبي غالب محمد بن عبد الواحد القزاز وعلى وجه كل واحد من الأجزاء: سماع لأبي غالب ولابنه أبي منصور عبد الرحمن .... )) . فهذه النسخة كتبها ذاك الحافظ الثبت بخطه وسمع فيها القزاز وولده على الخطيب وصححت على نسخته، ولا أدري أكانت عند الابن نسخة أخرى مما سمع على الخطيب فكان يروي منها أم كان قد استنسخ من هذه التي بخط شجاع الذهلي نسخة أخرى قوبلت على الأصل، وكتب العلماء شهادتهم بذلك ونقلوا سماعه إلى نسخته الجديدة وباع الأصل حتى صار لابن السمعاني؛ وعلى كل حال فالنسخة التي كانت عند القزاز صحيحة عن الخطيب ولا شأن لها بنسخة عبد المحسن ولا بالنسخة التي كانت عند ابن خيرون ولا بنسخة ابن خيرون، ونُسختا ابن الجوزي والكندي أستاذ المعظم مأخوذتان عن نسخة القزاز ونسختا سبط ابن الجوزي والمعظم تبع لذلك، وكان المعظم مَلِكاً مسلطاً متعصباً وصاحبه سبط ابن الجوزي جوالا متفانياً في هواه وهما أول من رد على الخطيب كما ذكر الأستاذ، ولعلهما قد وقفا على عدة نسخ أخرى، فلو عرفا أن بين النسخ اختلافاً في الموضع الذي ردا عليه لما سكتا عن بيان ذلك. فأما سكوت من قبلهما من علماء الحنفية عن الرد على الخطيب مع ردهم على غيره فلأنهم أعقل منهما ومن الأستاذ، إنما ردوا على رسائل صغيرة من شأنها أن تشيع وتذيع فأما ما في ذاك الموضع من (تاريخ بغداد) فرأوا أنه مدفون في كتاب كبير لا يقف عليه إلا الأفراد، فتكلف الجواب إنما هو سعي في انتشار ذلك واشتهاره فعلموا أن السكوت أسلم ولما خالفهم الأستاذ وقع فيما تراه، وعلى أهلها تجني براقش؛ وقد ذكر ابن عساكر نسختين أخريين أنظر ٣٠٣ (تاريخ دمشق) (ج ١ ص ٤٥ - ٤٦)(١) . وقد حقر الأستاذ ابن خيرون وعظم ابن طاهر والملك عيسى، فأما محمد بن طاهر فترجمته في (المیزان) و(لسانه) و(المنتظم) (ج ٩ ص ١٥٧) ويأتي له ذکر في ترجمة الخطيب ومن طالع ذلك وتدبر ما يتعمده الأستاذ علم أن ابن طاهر لو وقع في إسناد حكاية فيها غض من أبي حنيفة أو أحد أصحابه لحط الأستاذ عليه أشنع حط، ولعله لا يتحاشى عن تكفيره فضلاً عن تفسيقه، وأما الملك عيسى فحسبك أن تتبع ما يحكيه عنه خليله في المجلد الأخير من تاريخه (مرآة الزمان) في مواضع متعددة، ويمنعني من نقل ذلك هنا أنه كان له مشاهد في قتال الكفار، وأنه حكى عنه ما يدل على محافظته على الصلاة حتى في مرض موته. والله أعلم . ١٦ - أحمد بن خالد الكرماني. في (تاريخ بغداد) ((١٧٨/٢)) ((محمد بن اسماعيل التمار الرقي قال حدثني أحمد بن خالد الكرماني قال سمعت المقدمي بالبصرة يقول قال الشافعي ... )) قال الأستاذ (ص ١٨٣): ((الكرماني مجهول)) . أقول: وأنا أيضاً لم أظفر له بترجمة ولا خبر إلا في هذه الرواية، أو ذكره في شيوخ التمار لكن مثل هذا لا يسوغ لأمثالنا أن يقول: ((مجهول)) وراجع (الطليعة) (ص ٨٦ - ٩٨). ١٧ - أحمد بن الخليل. راجع (الطليعة) (ص ٢٠ - ٢٢) وما تقدم في القواعد أواخر القاعدة السادسة(٢). ١٨ - أحمد بن سعد بن أبي مريم. في (تاريخ بغداد) ((٤٢٠/١٣)) (( ... (١) ذكر ابن عساكر روايته عن رجلين كل منهما عن الخطيب ثم قال: ((كذا في النسختين من تاريخ بغداد .. )) ووقع هناك ((في الشيخين)) وهو خطأ ظاهر. وفي تذكرة الحفاظ ٦١/٤ في ترجمة ابي بكر السمعاني انه سمع (تاريخ بغداد) من ابي محمد بن الأبنوسي. وأبو محمد من الرواة عن الخطيب. (٢) أحمد ابن أبي خيثمة. زهير بن حرب. يأتي في ترجمة صالح بن أحمد . ٣٠٤ أحمد بن سعد ابن أبي مريم قال وسألته - يعني يحيى بن معين - عن أبي حنيفة فقال: لا تكتب حديثه)) قال الأستاذ (ص ١٦٨): ((كثير الوهم وكثير الاضطراب في مسائله مع مخالفة روايته هذه الرواية الثقات عن ابن معين ويبدو عليه أنه غير ثقة حيث يخالف ثقات أصحاب ابن معين فيما يرويه عنه في أبي حنيفة وأصحابه)). أقول: ممن روى عن أحمد هذا النسائي وقال: ((لا بأس به))، وأبو داود وهو لا يروي إلا عن ثقة عنده كما في (تهذيب التهذيب) في ترجمة الحسين بن علي بن الأسود وترجمة داود ابن أمية، وبقّي بن مخلد وهو لا يروي إلا عن ثقة عنده كما في ترجمة أحمد هذا من (تهذيب التهذيب)(١)؛ فأما كثرة وهمه وكثرة اضطرابه في مسائله فلم أعرفه، وكان على الاستاذ أن ينقل ذلك عمن يعتد بقوله، أو يذكر عدة أمثلة لما زعمه، وقد رد الأستاذ قول إمام النقاد علي بن المديني في أبي حنيفة: ((أخطأ في خمسين حديثاً)) بأنه لم يفصل ذلك كما سلف مع نظائره في ترجمة إبراهيم ابن محمد بن الحارث، فكيف يطمع الأستاذ أن نقبل من مثله هذه المجازفة؟! وأما دعوى مخالفة روايته هذه الروايات الثقات عن ابن معين فالجواب من أوجه: الأول: المطالبة بتثبيت تلك الروايات . الثاني: أنه كما يعلم الأستاذ قد جاءت عن ابن معين روايات أخرى في التليين لعلها أثبت من روايات التوثيق . الثالث: أن ابن معين كثيراً ما تختلف أقواله وربما يطلق الكلمة يريد بها معنى غير المشهور كما سلف في القواعد في القاعدة السادسة . الرابع: أن كلمة: ((لا تكتب حديثه)) ليست بصريحة في الجرح فقد يكون ابن معين مع علمه برأي غيره من المحدثين علم أن أحمد قد استكثر من سماع الحديث (١) قلت: ولهذا قال الحافظ في ترجمته من (التقريب): ((صدوق))، ولم يورده الذهبي في ( الميزان) . ن . ٣٠٥ ويمكنه أن يشتغل بما هو أنفع له من تتبع أحاديث أبي حنيفة . وعلى كل حال فأحمد هذا قد قبله الأئمة واحتجوا به ولم يطعن فيه أحد منهم. والله الموفق . ١٩ - أحمد بن سلمان النجاد. في (تاريخ بغداد) (٣٨٣/١٣)): ((أخبرنا محمد ابن عبد الله أبان الهِيتي حدثنا أحمد بن سلمان النجاد حدثنا عبد الله ... )) قال الأستاذ (ص ٦٥). (( يقول فيه الدارقطني : يحدث من كتاب غيره بما لم يكن في أصوله)): وفي (تاريخ بغداد) ((٤٠٤/١٣)): خبر آخر من طريق النجاد فقال الأستاذ (ص ١٢٥): ((والنجاد ممن يروي عما ليس عليه سماعه كما نص على ذلك الدارقطني كما في (١٩١/٤) من (تاريخ الخطيب) وليس قول الدارقطني فيه: قد حدث أحمد بن سلمان من كتاب غيره بما لم يكن في أصوله، مما يزال بلعل ولعل)). أقول: لفظ الدارقطني ((حدث .... )) كما في (تاريخ بغداد) في الموضع الذي أحال عليه الاستاذ وهكذا في (تذكرة الحفاظ) وفي (الميزان) و(اللسان)، وهذه الكلمة تصدق بمرة واحدة كما حملها عليه الخطيب إذ قال: ((كان قد كف بصره في آخر عمره فلعل بعض طلبة الحديث قرأ عليه ما ذكره الدارقطني)) بخلاف ما نسبه الأستاذ إلى الدارقطني أنه قال: ((يحدث من كتاب غيره ... ))، ((ممن يروي عما ليس بعليه سماعه)) فإن هاتين العبارتين تعطيان أن ذلك كان من شأنه، تكرر منه مراراً! وقد تصرف الاستاذ مثل هذا التصرف وأشد منه في مواضع، راجع ( الطليعة) (ص ٦٦ - ٧٢)، ويعتذر الأستاذ في (الترّحيب) (ص ١٦) بقوله: ((وأما مراعاة حرفية الجرح فغير ميسورة كل وقت وكفى بالاحتفاظ بجوهر . المعنى)). ٣٠٦ أقول: على القاريء أن يراجع تلك الأمثلة في (الطليعة) ليتبين له هل احتفظ الأستاذ بجوهر المعنى؟ ولا أدري ما الذي عسر عليه المراعاة ألعله كان بعيداً عن الكتب فلم يتيسر له مراجعتها وإنما اعتمد على حفظه؟ أولا يحق لي أن أقول إن الذي عسر عليه ذلك هو أنه رأى كلمات الأئمة التي تصرف فيها ذاك التصرف لا تشفي غيظه ولا تفي بغرضه فاضطر إلى ما وقع منه، ويدل على هذا أني لم أر له كلمة واحدة من كلمات التليين في الذين يريد جرحهم تصرّف فيها فجاءت عبارته أخف من أصلها، بل رأيته يحافظ على حرفية الجرح حيث يراه شافياً لغيظه كما يأتي في الترجمة (رقم ٢٣) وغيرها! وعلى هذا يكون اعتذاره المذكور اعترافاً بما قلته في (الطليعة) (ص ٦٦). وقول الأستاذ: ((مما يزال بلعل ولعل)) يريد به قول الخطيب: (( ... فلعل بعض الطلبة ... )) وقد مر، ولولا شدة غيظ الأستاذ على المحدثين لاكتفى بنص عبارة الدارقطني وعبارة الخطيب قائلاً: فعلى هذا ينبغي التثبت فيما يرويه عن النجاد من لم يكن في عصره معروفاً بالتيقظ، وراوي تينك الحكايتين عن النجاد هو محمد ابن عبد الله بن أبان الهيتي قال فيه الخطيب: (( ... وكان مغفلاً مع خلوه عن علم الحديث ... )) وإذا كانت هذه نهايته فما عسى أن تكون بدايته؟ فلا يؤمن أن يكون سمع تينك الحكايتين من النجاد في ذاك المجلس الذي حدث فيه النجاد من کتاب غيره بما ليس في أصوله . أقول: لو كان الاستاذ يكفكف من نفسه لاكتفى بهذا أو نحوه فإذا قيل له: القضية النادرة لا يعتد بها في حمل غيرها عليها وإنما الحمل على الغالب فقد يمكنه أن ينازع في هذا، أما أنا فأقول: إنما قال الدارقطني: ((((بما لم يكن في أصوله)) ولم يقل: ((بما لم يكن من حديثه)) أو نحو ذلك فدل هذا على احتمال أن يكون ما حدث به من ذلك الكتاب كان من حديثه أو روايته وإن لم يكن في أصوله، وذلك كأن يكون سمع شيئاً فحفظه ولم يثبته في أصله ثم رآه في كتاب غيره كما حفظه فحدث به، أو يكون حضر سماع ثقة غيره في كتاب ولم يثبت اسمه فيه. ثم رأى ذلك ٣٠٧ الكتاب وهو واثق بحفظه فحدث منه بما كان سمعه، أو تكون له إجازة بجزء معروف ولا أصل له به ثم رأى نسخة موثوقاً بها منه فحدث منها، نعم كان المبالغون في التحفظ في ذاك العصر لا يحدث أحدهم إلا بما في أصوله حتى إذا طولب أبرز أصله، ولا ريب أن هذا أحوط وأحزم لكنه لا يتحتم جرح من أخَلَّ بذلك إذا كانت قد ثبتت عدالته وأمانته وتيقظه وكان ما وقع منه محتملاً لوجه صحيح، وقد قال أبو علي ابن الصواف: ((كان النجاد يجيء معنا إلى المحدثين ونعله في يده فيقال له في ذلك فيقول: أحب أن أمشي في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حافياً)) وقال أبو اسحاق الطبري: ((كان النجاد يصوم الدهر ويفطر كل ليلة على رغيف ويترك منه لقمة، فإذا كان ليلة الجمعة تصدق بذلك الرغيف وأكل تلك اللقم التي استفضلها)) وكان ابن رزقويه يقول: ((النجاد ابن صاعدنا)) قال الخطيب: ((عني بذلك أن النجاد في كثرة حديثه واتساع طرقه وأصناف فوائده لمن سمع منه كابن صاعد لأصحابه إذ كل واحد من الرجلين كان واحد وقته)) وقال الخطيب: ((كان صدوقاً عارفاً صنف كتاباً كبيراً في السنن وكان له بجامع المنصور حلقة قبل الجمعة للفتوى وحلقة بعدها للإملاء)) هكذا في (تذكرة الحفاظ) (ج ٣ ص ٨٠)، وقال الذهبي أول الترجمة : (( النجاد الإمام الحافظ الفقيه شيخ العلماء ببغداد)). وقد روى عنه الأئمة كالدارقطني وابن شاهين والحاكم وأكثر عنه في المستدرك - وابن منده وابن مردويه وغيرهم ولم ينكر عليه حديث واحد، الثقة تثبت بأقل من هذا، ومن ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح إلا ببينة واضحة لا احتمال فيها كما تقدم في القواعد . والله الموفق . ٢٠ - أحمد بن صالح أبو جعفر المصري المعروف بابن الطبري. في (تاريخ بغداد) ((٤٢٢/٨)) (( .... أحمد بن صالح حدثنا عنبسة بن خالد بن أبي النجاد ٣٠٨ حدثنا يونس - يعني ابن زيد - قال: رأيت أبا حنيفة عند ربيعة بن أبي عبد الرحمن وكان مجهود أبي حنيفة أن يفهم ما يقول ربيعة)) قال الأستاذ في حاشية (ص ١٧٣) ((أحمد بن صالح مختلف فيه)). أقول: اقتصارك في صدد القدح في الرواية على قولك في الراوي: ((مختلف فيه)) ظاهر في أنه لم يتبين لك رجحان أحد الوجهين، والأستاذ يعلم إجماع أهل العلم على رد كلام الموهن لأحمد بن صالح هذا حتى نصوا على ذلك في متون المصطلح، قال العراقي في ألفيته: كالنسائي في أحمد بن صالح وربما رُدَّ كلام الجارح غطى عليه السخط حين يحرج فربما كان لجرح مخرج وقد لجأ الأستاذ إلى هذه القاعدة وزاد عليها وبالغ واتخذها عكازة يتوكأ عليها في رد كلام كثير من الأكابر وتخطى ذلك إلى رد روايتهم وتعداه إلى الطعن فيهم. فأما ابن الطبري فوثقه الجمهور وعظموا شأنه، وقال النسائي: ((غير ثقة ولا مأمون ترکه محمد بن یحیی ورماه یحیی بالكذب» وبین رمي یحیی بقوله: « حدثنا معاوية بن صالح سمعت يحيى بن معين يقول: أحمد بن صالح كذاب يتفلسف)) وأنكر عليه أحاديث زعم أنه تفرد بها أو خالف؛ فأما قوله: ((غير ثقة ولا مأمون)) فمبنية على ما بعدها، وأما قوله: ((تركه محمد بن يحيى)) فوهم فإن رواية محمد بن يحيى عن أحمد بن صالح موجودة، وقال ابن عدي: ((حدث عنه البخاري والذهلي [ محمد بن يحيى] واعتمادها عليه في كثير من حديث الحجاز)) وكأن الذهلي لما سمع منه النسائي لم يحدثه عن أحمد بن صالح فظن النسائي أنه تركه، ولعله إنما لم يحدثه عنه لأنه كان حياً ورأى الذهلي أن النسائي كغيره من طلبة الحديث إنما يرغبون في العوالي؛ وأما رواية معاوية بن صالح عن ابن معين فقد قال البخاري في أحمد بن صالح ابن الطبري: ((ثقة صدوق وما رأيت أحداً يتكلم فيه بحجة كان أحمد بن حنبل وعلي [ ابن المديني] وابن نمير وغيرهم يثبتون أحمد بن صالح، وكان يحيي ٣٠٩ [ ابن معين] يقول: سَلُوا أحمد فإنه أثبت . فإن كان هناك وهم في النقل فالظاهر أنه في رواية معاوية لأن البخاري أثبت منه ولموافقة سائر الأئمة، وإن كان ليحيى قولان، فالذي رواه البخاري هو المعتمد لموافقة سائر الأئمة. وزعم ابن حبان أن أحمد بن صالح الذي كذبه ابن معين رجل آخر غير ابن الطبري يقال له الاشمومي كان يكون بمكة، ويقوي ذلك ما رواه البخاري من تثبيت ابن معين لابن الطبري وأن ابن الطبري معروف بالصدق لا شأن له بالتفلسف، وقد تقدم في القواعد في أوائل القاعدة السادسة أمثلة للخطأ الذي يوقع فيه تشابه الأسماء. وأما الأحاديث التي انتقدها النسائي على ابن الطبري فقد أجاب عنها ابن عدي، وراجع ما تقدم في القواعد القاعدة الرابعة . ٢١ - أحمد بن عبد الله بن أحمد بن اسحاق أبو نعيم الأصبهاني الحافظ. في (تاريخ بغداد) ((٣٢٥/١٣)): (( أخبرنا أبو نعيم الحافظ حدثنا أبو أحمد الغطْريفي .... )) قال الأستاذ (ص ١٧): ((قد أخرج رحلة منسوبة إلى الإمام الشافعي رضي الله عنه في ( حلية الأولياء) بسند فيه أحمد بن موسى النجار وعبد الله بن محمد البلوي وهما كذابان معروفان ... ويذكر الخبر الكاذب وهو يعلم أنه كذب ويعلم أيضاً ما يترتب على ذلك من اغترار جهلة أهل مذهبه بذكره الخبر المذكور وسعيهم في الفتنة سعي الموتور في الثأر؛ نسأل الله الصون. ومن المعروف أن عادة أبي نعيم سوق الأخبار الكاذبة بأسانيده بدون تنبيه على كذبها. وهو أيضاً ممن يسوق ما يرويه بإجازة فقط مع ما سمعه في مساق واحد ويقول في الاثنين، حدثنا، وهذا تخليط فاحش، وليس جرح ابن منده فيه مما يتغاضى عنه بهوى الذهبي )» . أقول: أما الرحلة فباطلة بذلك السياق حتماً وهل تنبه أبو نعيم لبطلانها؟ والله أعلم. وأما سياقه في مؤلفاته الأخبار والروايات الواهية التي ينبغي الحكم على كثير ٣١٠ منها بالوضع فمعروف، ولم ينفرد بذلك بل كثير من أهل عصره ومن بعدهم شاركوه في ذلك ولا سيما في كتب الفضائل والمناقب، ومنها مناقب الشافعي ومناقب أبي حنيفة؛ ثم يجيء من بعدهم فيحذفون الاسانيد ويقتصرون على النسبة إلى تلك الكتب، وكثيراً ما يتركون هذه النسبة إلى تلك الكتب، وكثيراً ما يتركون هذه النسبة أيضاً كما في (الإحياء) وغيره، وفي (فتح المغيث) (ص ١٠٦) في الكلام على رواية الموضوع: ((لا يبرأ من العهدة في هذه الأعصار بالاقتصار على إيراد إسناده بذلك لعدم الأمن من المحذور به وإن صنعه أكثر المحدثين في الأعصار الماضية من سنة مائتين وهلم جرا، خصوصاً الطبراني وأبو نعيم وابن منده فإنهم إذا ساقوا الحديث بإسناده اعتقدوا أنهم برئوا من عهدته .... قال شيخنا: وكان ذكر الإسناد عندهم من جملة البيان .... )). أقول: مدار التشديد في هذا على الحديث الصحيح: ((من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)) ومن تدبر علم أنه إنما يكون كاذباً على أحد وجهین: الأول: أن يرسل ذاك الحديث جازماً كأن يقول: ((قال النبي عَ لَّه .... )). الثاني: أن يكون ظاهر حاله في تحديثه أن ذاك الخبر عنده صدق أو محتمل أن يكون صدقاً فيكون موهماً خلاف الواقع فيكون بالنظر إلى ذاك الإيهام كاذباً، وقد علمنا أن قول من صحب أنَساً: ((قال أنس .... )) موهم بل مفهم افهاماً تقوم به الحجة أنه سمع ذلك من أنس إلا أن يكون مدلساً معروفاً بالتدليس، فإذا كان معروفاً بالتدليس فقال فيما لم يسمعه من أنس: ((قال أنس .... )) لم يكن كاذباً ولا مجروحاً وإنما يلام على شرهه ويذكر بعادته لتعرف فلا تحمل على عادة غيره، وذلك أنه لما عرف بالتدليس لم يكن ظاهر حاله أنه لا يقول: ((قال أنس ..... )) إلا فيا سمعه من أنس، وبذلك زال الافهام والإيهام فزال الكذب، فهكذا ، وأوْلى منه من عرف بأنه لحرصه على الجمع والإكثار والإغراب وعلو الإسناد يروي ما سمعه من ٣١١ الأخبار وإن كان باطلاً ولا يبين، فإنه إذا عرف بذلك لم يكن ظاهر حاله أنه لا يحدث غير مبين إلا بما هو عنده صدق أو محتمل للصدق، فزال الإيهام فزال الكذب، فلا يجرح ولكن يلام على شرحه ويذكر بعادته لتعرف، وكما يكفي المدلِس أن يعرف عادته أهلُ العلم وإن جهلها غيرهم فكذلك هذا، لأن الفرض على غير العلماء مراجعة العلماء، على أن العامة يشعرون في الجملة بما يدفع اغترارهم الذي هوّل به الأستاذ، ولذلك كثيراً ما نسمعهم إذا ذكر لهم حديث قالوا: هل هو في البخاري؟. فعلى هذا نقول في أبي نعيم ومن جرى مجراه: إن احتمل أنهم لانهاكهم في الجمع لم يشعروا ببطلان ما وقع في روايتهم من الأباطيل فعذرهم ظاهر، وهو أنهم لم يحدثوا بما يرون أنه كذب وإنما يلامون على تقصيرهم في الانتقاد والانتفاء، وإن كانوا شعروا ببطلان بعض ذلك فقد عرفت عادتهم فلم يكن في ظاهر حالهم مأ يوجب الإيهام فلا إيهام فلا كذب، فإن اغتر ببعض ما ذكروه من قد عرف عادتهم من العلماء بالرواية فعليه التبعة، أو من لم يعرف عادتهم ممن ليس من العلماء بالرواية فمن تقصيره أتي، إذ كان الفرض عليه مراجعة العلماء بالرواية ولذلك لم يجرح أهل العلم أبا نعيم وأشباهه بل اقتصروا على لومهم والتعريف بعادتهم؛ والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. قول الاستاذ: ((وهو ممن يسوق ما يرويه بإجازة فقط مع ما سمعه في مساق واحد ويقول في الاثنين حدثنا)). أقول: يشير إلى ما في ((تذكرة الحفاظ)): ((قال يحيى بن منده الحافظ: سمعت أبا الحسين القاضي يقول: سمعت عبد العزيز النَّخْشَي يقول: لم يسمع أبو نعيم ((مسند الحارث بن أبي أسامة)) بتمامه من ابن خلاد فحدث به کله)) . أقول عقب هذا في ((التذكرة)): ((قال ابن النجار: وهم [ النخشبي ] في هذا ٣١٢ فأنا رأيت نسخة الكتاب عتيقة وعليها خط أبي نعيم يقول: سمع مني فلان إلى آخر سماعي في هذا المسند من ابن خلاد، فلعله روى باقيه بالإجازة)). أقول: وقول النخشبي ((فحدث)) إنما تعطى أن أبا نعيم حدث السامعين عنه لا أنه ذكر في كل حديث من المسند أن ابن خلاد حدثه، وابن منده ومن فوقه من خصوم أبي نعيم كانت بين الفريقين نفرة شديدة كما يأتي فلا يقبل ما قالوه فيه مما يطرقه الاحتمال على ما سلف في القواعد . بقي أمران: أحدهما يتعلق برواية أبي نعيم لجزء محمد بن عاصم، ويكفي في هذا ما أوضحه الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)). الثاني: قال الذهبي: ((قال الخطيب قد رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها منها أنه يقول في الإجازة: أخبرنا - من غير أن يبين)) قال الذهبي ((فهذا ربما لعله نادراً فإني رأيته كثيراً ما يقول: كتب إليّ جعفر الخلدي، و : كتب إليّ أبو العباس الأصم، و:أنا أبو الميمون بن راشد في كتابه، لكني رأيته يقول: أنا عبد الله بن جعفر فيما قريء عليه فالظاهر أن هذا إجازة)). وفي (فتح المغيث) للسخاوي (ص ٢٢٢) عن شيخه ابن حجر أن هذا اصطلاح لأبي نعيم قد صرح به فقال: إذا قلت: أخبرنا - على الإطلاق من غير أن أذكر فيه إجازة أو كتابة أو كتب إليّ أو أذن لي فهو إجازة، أو: حدثنا فهو سماع، قال ابن حجر: ((ويقوي التزامه لذلك أنه أورد في ((مستخرجه على علوم الحديث للحاكم)) عدة أحاديث رواها عن الحاكم بلفظ الإخبار مطلقاً وقال في آخر الكتاب: الذي رويته عن الحاكم بالإجازة .... )). أقول: وإذ قد عرف اصطلاحه فلا حرج، ولكن من أقسام الإجازة الإجازة العامة بأن يجيز الشيخ للطالب جميع مروياته أو جميع علومه فينبغي التثبت في روايات العاملين بهذه الاجازة، فإذا ثبت في أحدهم أنه لا يروي بها إلا ما ثبت عنده قطعاً أنه من مرويات المجيز فهذا ممن يوثق بما رواه بالإجازة، وإن بان لنا أو ٣١٣ احتمل عندنا أن الرجل قد يروي بتلك الإجازة ما يسمع ثقةً عنده يحدث به عن المجيز فينبغي أن يتوقف فيما رواه بالإجازة لأنه بمنزلة قوله: حدثني ثقة عندي، وإن بان لنا في رجلٍ أنه قد يروي بتلك الإجازة ما يسمع غير ثقة يحدث به عن المجيز فالتوقف في المروي أوجب، فأما الراوي فهو بمنزلة المدلس من غير الثقات، فإن كان قد عرف بذلك فذاك، وإلا فهو على يدي عدل . وإذا تقرر هذا فقد رأيت في (تاريخ بغداد) (ج ٨ ص ٣٤٥): ((أخبرنا أبو نعيم الحافظ أخبرنا جعفر الخُلْدي في كتابه قال سألت خبر النساج .... )) فذكر قصة غريبة ثم قال الخطيب: ((قلت جعفر الخلدي ثقة وهذه الحكاية طريفة جداً يسبق إلى القلب استحالتها وقد كان الخلدي كتب إلى أبي نعيم يجيز له رواية جميع علومه وكتب أبو نعيم هذه الحكاية عن أبي الحسن بن مقسم عن الخلدي ورواها عن الخلدي نفسه إجازة وكان ابن مقيم غير ثقة. والله أعلم)) . أقول فقول أبي نعيم: ((أخبرنا الخلدي في كتابه)) أراد به أن الخلدي كتب إليه بإجازته له جميع علومه فأما القصة فإنما سمعها من ابن مقسم عن الخلدي وابن مقسم غير ثقة، فهذا أشد ما يقدح به في أبي نعيم لكن لعله اغتر بما كان يظهره ابن مقسم من النسك والصلاح فظنه ثقة، فإن ابن مقسم وهو أحمد بن محمد بن الحسن بن مقسم ترجمته في (تاريخ بغداد) (ج ٤ ص ٤٢٩) وفيها: (( حدثنا عنه أبو نعيم الحافظ ومحمد بن عمر .... وكان يظهر النسك والصلاح ولم يكن في الحديث بثقة)» وقد تكلم الدارقطني وغيره في ابن مقسم. والله المستعان . والحق أن أبا نعيم وضع من نفسه ومن كتبه فجزاؤه أن لا يعتد بشيء من مروياته إلا ما صرح فيه بالسماع الواضح كقوله في الحكاية المارة أول الترجمة ((حدثنا أبو احمد الغطريفي)) بخلاف ما استدل به الأستاذ (ص ١٠٧) وفيه عن أبي نعيم ((أخبرني القاضي محمد بن عمر وأذن لي)) فإن هذه الصيغة مما يستعمله أبو نعيم في الإجازة، ومع ذلك فالقاضي محمد بن عمر هو الجعابي متكلم فيه . ٣١٤ ولكن كما أن لأبي نعيم اصطلاحاً خاصاً في صيغة ((أخبرنا)) فكذلك للاستاذ اصطلاح خاص في كلمتي ((العقل)) و((التواتر)) وإنما الفرق أن أبا نعيم بَيَّنَ اصطلاحه، والأستاذ لم يبين، بل يعامل ما يطلق عليه تينك الكلمتين كما ينبغي أن يعامل به العقل والتواتر بمعناهما المعروف فيحتج بما يوافق ذلك وإن كان سنده ساقطاً ويرد ما يخافه وإن كان بغاية القوة، فإذا رأى أن مخالفيه يظلمونه فلا يقبلون منه ذلك استحل أن يكيل لهم الكيل الذي كشفت عنه في (الطليعة). والله المستعان . وأما كلام ابن منده في أبي نعيم فقد مر بعضه وتبین حاله ولن یکون باقیه إلا طعناً في العقيدة أو من كلمات النفرة، والتنفير أو ما لا يتحصل منه - إذا نظر فيه كما ينبغي على ما سلف في القواعد - ما يَثْبُتُ به الجرح، إذ قد عرف الناس أنه كان بين آل منده وأبي نعيم اختلاف في العقيدة، جر إلى عداوة شخصية شديدة، وعند الأستاذ أن الحق فيما اختلف فيه الفريقان مع أبي نعيم، وقد ذكر الذهبي في ((التذكرة)) (ج ٣ ص ٣٧٧) عن السِّلَفي: ((سمعت محمد بن عبد الجبار الفِرساني حضرت مجلس أبي بكرابن أبي علي المعدل في صغري فلما فرغ من إملائه قال إنسان: من أراد أن يحضر مجلس أبي نعيم فليقم، وكان مهجوراً في ذلك الوقت بسبب المذهب وكان بين الحنابلة والأشعرية تعصب زائد يؤدي إلى فتنة وقال وقيل وصداع، فقام إلى ذلك الرجل أصحاب الحديث بسكاكين الأقلام وكاد أن يقتل )». والذهبي معروف بالميل إلى الحنابلة فهواه مع ابن منده فلم يكن للأستاذ أن ينسبه إلى عكس ذلك. ٢٢ - أحمد بن عبد الله الأصبهاني. قال الأستاذ (ص ١٥١) في طعنه في عبد الله بن حنبل وستأتي ترجمته إن شاء الله: ((مثله لا يصدق في أبي حنيفة وقد بلى فيه الكذب (!) وقد روى علي بن حمشاذ - وأنت تعرف منزلته في العلم - أنه سمع ٣١٥ أحمد بن عبد الله الأصبهاني يقول: أتيت عبد الله بن حنبل فقال: أين كنت؟ فقلت: في مجلس الكديمي، فقال: لا تذهب إلى ذاك فإنه كذاب، فلما كان في بعض الأيام مررت به فإذا عبد الله يكتب عنه فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قلت: لا تكتب عن هذا فإنه كذاب؟ قال: فأومأ بيده إلى فيه أن أسكت، فلما فرغ وقام من عنده قلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قلت: لا تكتب عنه؟ قال: إنما أردت بهذا أن لا يجيء الصبيان فيصيروا معنا في الإسناد واحداً. إهـ. وإن سعى الخطيب في إعلاله في ((٤٣٩/٣)) بأن يقول: إن أحمد بن عبد الله الأصبهاني مجهول، كيف وهو من ثقات شيوخ ابن حمشاذ مترجم في (تاريخ أصفهان) لأبي نعيم، وليس ابن حمشاذ الحافظ الثقة ممن يروي عن المجاهيل، ولا هو ممن يعول على من لا يعول عليه، وإن تجاهله الخطيب لحاجة في النفس فليس ذلك بضائره)). أقول: في هذا الكلام أمور: الأول: قوله في عبد الله بن أحمد: ((وقد بلي فيه الكذب)) ثم ساق القصة لإثبات ذلك وستعلم من الكاذب؟ !. الثاني: قوله: ((قد روى علي بن حمشاذ)) بصيغة الجزم والتحقيق مع أنه إنما أخذ الحكاية من (تاريخ الخطيب) وإنما قال الخطيب: ((حُدّثت عن أبي نصر محمد ابن أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي قال: سمعت علي بن حمشاذ يقول ... )) فلم يذكر الخطيب من حدثه فكيف يجزم الأستاذ ويحقق؟ فإن قيل: إن الخطيب أعلّ القصة بالأصبهاني فدل ذلك على ثقة الخطيب بمن حدثه، قلت: ليس هذا بلازم فقد لا يكون الخطيب وثق بمن حدثه حق الثقة ولكن رأى إعلال الحكاية بالأصبهاني كافياً، ومع ذلك فقد ذكر الأستاذ (ص ٥٦) قول الحماني: سمعت عشرة كلهم ثقات يقولون: سمعنا أبا حنيفة يقول: القرآن مخلوق. فقال الأستاذ: ((قول الراوي: سمعت الثقة، يعدُّ كرواية عن مجهول، وكذا الثقات)) فهل يستثني الأستاذ أبا بكر الخطيب من هذه القاعدة ويزيد فيرى أنه إذا لم يسم شيخه وأشار إلى أنه لم ٣١٦ يتهمه ثبت بذلك ثقة شيخه فتقوم الحجة بقول الخطيب: ((حُدثت عن فلان)) ولا تقوم بقول غيره: ((حدثني عشرة كلهم ثقات))؟! الثالث: قوله: ((بأن يقول [ الخطيب] إن أحمد بن عبد الله الأصبهاني مجهول)). وإنما قال الخطيب: ((قلت: كان عبد الله بن أحمد أتقى لله من أن يكذّب من هو عنده صادق ويحتج بما حكى عنه هذا الأصبهاني وفي هذه الحكاية نظر من جهته)) وليس في العبارة كلمة ((مجهول)) ولا هي صريحة في معناها إذ يحتمل أن يكون الخطيب عرف الأصبهاني بالضعف، ويحتمل أنه لم يعرفه ولكن استدل بنكارة حكايته على ضعفه، ولا يلزم من عدم معرفته له أن يجزم بأنه مجهول فإن المتحري مثل الخطيب لا يطلق كلمة ((مجهول)) إلا فيمن يئس من أن يعرفه هو أو غيره من أهل العلم في عصره، وإذا لم ييأس فإنما يقول: ((لا أعرفه)) ومن لم يراع هذا وقع فيما وقع فيه الأستاذ في مواضع تقدمت أمثلة منها في (الطليعة) (ص ٨٦ - ٩٣). الرابع: قوله: ((كيف وهو من ثقات شيوخ ابن حمشاذ)) لا أضايق الأستاذ في إطلاقه أن هذا الرجل من شيوخ ابن حمشاذ وإن لم يعرف لابن حمشاذ عنه إلا هذه الحكاية إن صح أن ابن حمشاذ حكاها، ولا في جزمه بذلك مع ما مر في الأمر الثاني، وإنما النظر في جزمه بأن هذا الرجل من الثقات فمن أين لك ذلك؟ أنقلاً؟ فلماذا لم يذكره؟ أم اجتهاداً؟ فما حجته؟ أم مجازفة؟ فالله حسيبه . والذي يظهر - إن كان ابن حمشاذ حكى هذه الحكاية - أن الأصبهاني أصغر منه، فإن كان ابن حمشاذ كما يأتي يروي فيكثر عن عبد الله بن أحمد وعن الكُدَيمي، وسماعه منهما ببغداد كما هو ظاهر، فلو سمع الحكاية حين كان ببغداد أو قبل ذلك لكان الظاهر أن يستثبت عبد الله بن أحمد، ولو فعل لحكى ذلك مع الحكاية، فدل هذا على أنه إن كان حكاها فإنما سمعها بعد ذلك كأن هذا الأصبهاني زعم له أنه دخل بغداد بعده وجری له ما حكاه . الخامس: قوله: ((مترجم في (تاريخ أصبهان) لأبي نعيم)) قد ذكرت هذا في ٣١٧ (الطليعة) (ص ٩٢ -٩٣) وقلت: هناك ((كذا قال وقد فتشت (تاريخ أبي نعيم) فوجدت فيه مما يقال له: أحمد بن عبد الله - جماعة ليس في ترجمة واحد منهم ما يشعر بأنه هذا، وفوق ذلك فجميعهم غير مُؤَثَّقين)) فتحامى الأستاذ في (الترحيب) التعرض لذاك الموضع البتة! السادس: قوله: ((وليس ابن حمشاذ ممن يروي عن المجاهيل ولا هو ممن يعول على من لا يعول عليه )) . إن أراد بالتعويل الاعتماد فمن أين عرف أن ابن حمشاذ اعتمد على تلك الحكاية؟ وها نحن نجده يروي عن عبد الله بن أحمد وعن الگدمي، فمن روايته عن عبد الله في (المستدرك) (ج ١ ص ٦٣، و٣٠١، و٤٥٣)، و(ج ٢ ص ١٦٥)، و(ج ٣ ص ٢٦٩، و٦١٢) وغيرها، ومن روايته عن الكديمي في (المستدرك) (ج ١ ص ٦٨)، و(ج ٣ ص ٥٥٦)، و(ج ٤ ص ١٣)، وغير ذلك. وإن أراد بالتعويل مطلق الرواية أي أن ابن حمشاذ لا يروي إلا عن ثقة فمن أين عرف ذلك؟ وقد وجدنا ابن حمشاذ يروي عن جماعة ممن يكذبهم الأستاذ ظلماً فمنهم أحمد بن علي الأبار كما في (المستدرك) (ج ١ ص ٣٣ و٢٢٧)، ومنهم محمد بن عثمان بن أبي شيبة كما في (المستدرك) (ج ٣ ص ١٤٦ و٣٩٥)، وكذلك يروي عن جماعة تكلموا فيهم والعمل على التوثيق كالحارث بن أبي أسامة وابراهيم بن ديزيل والحسن بن علي المعمري، وعن جماعة متكلم فيهم كالكديمي وقد مر، ومحمد بن منده الأصبهاني کما في (المستدرك) (ج ١ ص ٣٥٩) و(ج ٢ ص ٣١٥)، و(ج ٣ ص ١٠٧ و ٥٠٧)، و(ج ٤ ص ٥٩٣)، وقد كذبوا محمد بن منده هذا؛ راجع (لسان الميزان) (ج ٥ ص ٣٩٣)، وعلي بن صقر السكري كما في (المستدرك) (ج ١ ص ٢٤٠)، وراجع (لسان الميزان) (ج ٤ ص ٢٣٥)، وعبد الله بن أيوب بن زاذان الضرير كما في (المستدرك) (ج ١ ص ١٨٧)، وراجع (لسان الميزان) (ج ٣ ص ٢٦٢)، وهناك: ((قال الدارقطني متروك)) ولم يذكر في الترجمة ما يخالف ذلك، وإسحاق بن ابراهيم بن سنين كما في (المستدرك) ٣١٨ (ج ٣ ص ٢١٠) وراجع (لسان الميزان) (ج ١ ص ٣٤٨)، وجنيد بن حكيم الدقاق كما في (المستدرك) (ج ٣ ص ٦١))) ومحمد بن المغيرة السكري كما في ( المستدرك) (ج ٢ ص ٥٣، و١٨٩، و٣٣٠، و٤٨٣، و٥٤١)، وراجع ( لسان الميزان) (ج ٥ ص ٣٨٦). ولعل ابن حمشاذ قد روى عمن هو أضعف من هؤلاء فتجنب الحاكم الرواية عن ابن حمشاذ عنهم في (المستدرك) على (الصحيحين) فابن حمشاذ كغالب محدثي عصره يروي عن الثقات وعن الضعفاء الأحاديث النبوية فما بالك بالحكايات؟ السابع: قوله: ((وإن تجاهله الخطيب لحاجة في النفس فليس ذلك بضائره)). الظاهر أنه يعني ابن حمشاذ، ولا أدري من أين أخذ أن الخطيب تجاهل ابن حمشاذ؟ إن كان أراد أن الخطيب تجاهل أن ابن حمشاذ لا يروي إلا عن ثقة فقد علمت ما فيه، وإن كان أراد أنه لم يورد له ترجمة في (التاريخ) فليس على شرطه، وإنما التزم أن يذكر من الغرباء من دخل بغداد وحدث بها ولا دليل على أن ابن حمشاذ حدث ببغداد . فليتدبر العاقل، هل يسوغ لعالم يصفه أصحابه - أو قل يصف نفسه - بما في عنوان (التأنيب): ((الإمام الفقيه المحدث والحجة الثقة المحقق العلاّمة !! أن يقدم على تكذيب عبد الله بن أحمد بن حنبل الإمام ابن الإمام في الحق حقاً، محتجاً في زعمه بهذه الحكاية، ثم يخلط هذا التخليط مع التخاليط الأخرى مما ترى الكشف عن بعضه في (الطليعة) وفي مواضع أخر في هذا الكتاب؟ أو أن يرمي مثل أبي بكر الخطيب في ما قاله في هذه الحكاية بأنه ((لحاجة في النفس)) ولا يلتفت إلى ما في نفسه؟! ٢٣ - أحمد بن عبد الله أبو عبد الرحمن العكي (؟). في (تاريخ بغداد) ((٤٠٦/١٣)) (( .... الأبار حدثنا أحمد بن عبد الله العكي أبو عبد الرحمن - وسمعت منه بمرو - قال حدثنا مصعب بن خارجة بن مصعب سمعت حماداً .... )) ٣١٩ قال الأستاذ (ص ١٢٧): ((أحمد بن عبد الله هو الفِرْياناني المروزي، قال أبو نعيم: مشهور بالوضع، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن عدي: يروي عن الفضيل وعبد الله بن المبارك وغيرهما المناكير، وقال الدارقطني: متروك الحديث، وقال ابن حبان: يروي عن الثقات ما ليس في حديثهم، وعن الأثبات ما لم يحدثوا به، وقال ابن السمعاني: وكان ممن يروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم وكان محمد بن علي الحافظ سيء الرأي فيه)) ثم قال: ((الصواب: العتكي، كما في (أنساب ابن السمعاني))). أقول: ذكره ابن السمعاني في (الفرياناني) ووقع في النسخة ((العتكي الهاشمي)) كذا والهاشمي لا يجتمع في حق النسب مع العتكي ولا مع العكي، وليس في (الميزان) ولا (اللسان) أنه هاشمي ولا عتكي ولا عكي، وليس فيهما ولا في ((الأنساب)) أنه يروي عن مصعب بن خارجة ولا أنه يروي عن الأبار، لكن لم أجد غيره يصلح أن يكون هو الواقع في السند، فالظاهر أنه هو. ومما قاله ابن السمعاني أن (فريانان) خرجت قال: ((وبقي قبر أبي عبد الرحمن بها يزوره الناس ويدورون حوله زرته غير مرة)) قال: (( وسئل أحمد بن سيار عنه؟ فقال: لا سبيل إليه)) وهذا يدل أن الرجل كان له شهرة وصيت في تلك الجهات(١)، وقد روى عنه الحسن بن سفيان وغيره كما في (الميزان)، قال الذهبي: (( وقد رأيت البخاري يروي عنه في كتاب (الضعفاء). أقول: في باب: الإمام ينهض بالركعتين من (جامع الترمذي): ((قال محمد بن إسماعيل [البخاري]: ابن أبي ليلى هو صدوق، ولا أروي عنه لأنه لا يدري صحيح حديثه من سقيمه، وكل من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئاً)) والبخاري لم يدرك ابن أبي ليلى، فقوله: ((لا أروي عنه)) أي بواسطة، وقوله: وكل من كان (١) قلت: ولذلك كان زوار قبر يدورون حوله، وهذه وثنية لا يرضاها الاسلام. والله المستعان . ن. ٣٢٠