النص المفهرس
صفحات 241-260
تفويت علم كثير وأحاديث كثيرة ولو لم يكن إلا حديثاً واحداً لكان عظيماً . ومما يخرج مخرج الذم لا مخرج الحكم ما يقصد به الموعظة والنصيحة، وذلك كأن يبلغ العالم عن صاحبه ما يكرهه له فيذمه في وجهه أو بحضرة من يبلغه، رجاء أن يكف عما كرهه له، وربما يأتي بعبارة ليست بكذب ولكنها خشنة موحشة يقصد الإبلاغ في النصيحة ككلمات الثوري في الحسن بن صالح بن حي، وربما يكون الأمر الذي أنكره أمراً لا بأس به بل قد يكون خيراً، ولكن يخشى أن يجر إلى ما يكره كالدخول على السلطان وولاية أموال اليتامى وولاية القضاء والإكثار من الفتوى، وقد يكون أمراً مذموماً وصاحبه معذور ولكن الناصح يجب لصاحبه أن يعاود النظر أو يحتال أو يخفي ذاك الأمر؛ وقد يكون المقصود نصيحة الناس لئلا يقعوا في ذلك الأمر، إذ قد يكون لمن وقع منه اوَّلا عذر ولكن يخشى أن يتبعه الناس فيه غير معذورين، ومن هذا كلمات التنفير التي تقدمت الإشارة إليها في الفصل الثاني. وقد يتسمح العالم فيما يحكيه على غير جهة الحكم فيستند إلى ما لو أراد الحكم لم يستند إليه كحكاية منقطعة وخبر من لا يعد خبره حجة، وقرينة لا تكفي لبناء الحكم ونحو ذلك؛ وقد جاء عن إياس بن معاوية التابعي المشهور بالعقل والذكاء والفضل أنه قال: ((لا تنظر إلى عمل العالم ولكن سَلْهُ يصدقك)) وكلام العالم إذا لم يكن بقصد الرواية أو الفتوى أو الحكم داخل في جملة عمله الذي ينبغي أن لا ينظر إليه، وليس معنى ذلك أنه قد يعمل ما ينافي العدالة، ولكن قد يكون له عذر خفي وقد يترخص فيما لا ينافي العدالة، وقد لا يتحفظ ويتثبت كما يتحفظ ويتثبت في الرواية والفتوى والحكم. هذا والعارف المتثبت المتحري للحق لا يخفى عليه إن شاء الله تعالى ما حقه أن يعد من هذا الضرب مما حقه أن يعد من الضرب الآتي، وأن ما كان من هذا الضرب فحقه أن لا يعتد به على المتكلّم فيه ولا على المتكلم، والله الموفق. ٢٤١ 1 الوجه الثاني: ما يصدر على وجه الحكم فهذا إنما يخشى فيه الخطأ، وأئمة الحديث عارفون متبحرون متيقظون يتَحَرّزون من الخطأ جهدهم لكنهم متفاوتون في ذلك؛ ومهما بلغ الحاكم من التحري فإنه لا يبلغ أن تكون أحكامه كلها مطابقة لما في نفس الأمر، فقد تسمع رجلاً يخبر بخبر ثم تمضي مدة فترى أن الذي سمعت منه هو فلان، وأن الخبر الذي سمعته منه هو کیت و کیت، وأن معناه كذا ، وأن ذاك المعنى باطل، وأن المخبر تعمد الإخبار بالباطل، وأنه لم يكن له عذر، وأن مثل ذلك يوجب الجرح؛ فمن المحتمل أن يشتبه عليك رجل بآخر فترى أن المخبر فلان، وإنما هو غيره، وأن يشتبه عليك خبر بآخر، إنما سمعت من فلان خبراً آخر فأما هذا الخبر فإنما سمعته من غيره، وأن تخطيء في فهم المعنى، أو في ظن أنه باطل، أو أن المخبر تعمد، أو أنه لم يكن له عذر، أو أن مثل ذلك يوجب الجرح، إلى غير ذلك. وغالب الأحكام إنما تبنى على غلبة الظن، والظن قد يخطي، والظنون تتفاوت، فمن الظنون المعتد بها ما له ضابط شرعي، كخبر الثقة، ومنها ما ضابطه أن تطمئن إليه نفس العارف المتوقي المتثبت، بحيث يجزم بالإخبار بمقتضاه طيب النفس منشرح الصدر، فمن الناس من يغتر بالظن الضعيف فيجزم، وهذا هو الذي يطعن أئمة الحديث في حفظه وضبطه فيقولون: ((يحدث على التوهم - كثير الوهم - كثير الخطأ - بهم - يخطيء)) ومنهم المعتدل، ومنهم البالغ التثبت. كان في اليمن في قضاء الحجرية قاضٍ كان يجتمع إليه أهل العلم ويتذاكرون وكنت أحضر مع أخي فلاحظت أن ذلك القاضي مع أنه أعلم الجماعة فيما أرى لا يكاد يجزم في مسألة، وإنما يقول: ((في حفظي كذا، في ذهني كذا )» ونحو ذلك فعلمت أنه ألزم نفسه تلك العادة حتى فيما يجزم به، حتى إذا اتفق أن أخطأ كان عذره بغاية الوضوح. وفي ثقات المحدثين من هو أبلغ تحريّاً من هذا، ولكنهم يعلمون أن الحجة إنما ٢٤٢ تقوم بالجزم، فكانوا يجزمون فيما لا يرون للشك فيه مدخلاً، ويقفون عن الجزم لأدنى احتمال؛ روي أن شعبة سأل أيوب السختياني عن حديث فقال: أشك فيه، فقال شعبة: شكك أحب إلي من يقين غيرك؛ وقال النضر بن شميل عن شعبة: لأن أسمع من ابن عون حديثاً يقول فيه: ((أظن أني سمعته)) أحب إلي من أن أسمع من ثقة غيره يقول: قد سمعت؛ وعن شعبة قال: ((شك ابن عون وسليمان التيمي يقين))؛ وذكر يعقوب بن سفيان حماد بن زيد فقال: معروف بأنه يقصر في الأسانيد ويوقف المرفوع کثیر الشك بتوقیه، و کان جليلاً، لم یکن له كتاب يرجع إليه فكان أحياناً يذكر فيرفع الحديث وأحياناً يهاب الحديث ولا يرفعه؛ وبالغ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب فكان إذا سئل عن شيء لا يجيب حتى يرجع إلى الكتاب؛ قال أبو طاهر السِلَفي: سألت أبا الغنائم النرسي عن الخطيب فقال: ((جبل لا يسأل عن مثله ما رأينا مثله، وما سألته عن شيء فأجاب في الحال إلا يرجع إلى كتابه)). وإذا سبق إلى نفس الانسان أمر - وإن كان ضعيفاً عنده - ثم اطلع على ما يحتمل موافقة ذلك السابق ويحتمل خلافه فإنه يترجح في نفسه ما يوافق السابق، وقد يقوى ذلك في النفس جداً وإن كان ضعيفاً؛ وهكذا إذا كانت نفس الانسان تهوى أمراً فاطلع على ما يحتمل ما يوافقه وما يخالفه فإن نفسه تميل إلى ما يوافق هواها، والعقل كثيراً ما يحتاج عند النظر في المحتملات والمتعارضات إلى استفتاء النفس لمعرفة الراجح عندها، وربما يشتبه على الانسان ما تقضي به نفسه بما يقضي به عقله، فالنفس بمنزلة المحامي عندما تميل إليه، ثم قد تكون هي الشاهد وهي الحاكم. والعالم إذا سخط على صاحبه فإنما يكون سخطه لأمر ينكره فيسبق إلى النفس ذاك الانكار وتهوى ما يناسبه ثم تتبع ما يشاكله وتميل عند الاحتمال والتعارض إلى ما يوافقه، فلا يؤمّن أن يقوى عند العالم جرح من هو ساخط عليه لأمر لولا السخط لعلم أنه لا يوجب الجرح، وأئمة الحديث متثبتون ولكنهم غير معصومين عن الخطأ، وأهل العلم يمثلون لجرح الساخط بكلام النسائي في أحمد بن ٢٤٣ صالح، ولما ذكر ابن الصلاح ذلك في المقدمة عقبه بقوله: ((قلت: النسائي إمام حجة في الجرح والتعديل، وإذا نسب مثله إلى مثل هذا كان وجهه أن عين السخط تبدي مساويء لها في الباطن مخارج صحيحة تعمى عنها بحجاب السخط لا أن ذلك يقع من مثله تعمداً لقدح يعلم بطلانه)). وهذا حق واضح إذ لو حمل على التعمد سقطت عدالة الجارح، والفرض أنه ثابت العدالة. هذا وكل ما يخشى في الذم والجرح يخشى في الثناء والتعديل، فقد يكون الرجل ضعيفاً في الرواية لكنه صالح في دينه كأبان بن أبي عياش، أو غيور على السنة كمؤمل بن اسماعيل، أو فقيه كمحمد بن أبي ليلى، فتجد أهل العلم ربما يثنون على الرجل من هؤلاء غير قاصدين الحكم له بالثقة في روايته؛ وقد يرى العالم أن الناس بالغوا في الطعن فيبالغ هو في المدح كما يروى عن حماد بن سلمة أنه ذكر له طعن شعبة في أبان بن أبي عياش، فقال: أبان خير من شعبة؛ وقد يكون العالم وادّاً لصاحبه فيأتي فيه نحو ما تقدم فيأتي بكلمات الثناء التي لا يقصد بها الحكم ولا سيما عند الغضب كأن تسمع رجلاً يذم صديقك أو شيخك أو إمامك فإن الغضب قد يدعوك إلى المبالغة في إِطراء مَنْ ذمه، وكذلك يقابل كلمات التنفير بكلمات (١) الترغيب ، وكذلك تجد الانسان إلى تعديل من يميل إليه ويحسن به الظن أسرع منه إلى تعديل غيره، واحتمال التَّسمُّح (٢) في الثناء أقرب من احتماله في الذم، فإن العالم يمنعه من التسمح في الذم الخوف على دينه لئلا يكون غيبة، والخوف على عرضه فإن من ذم الناس فقد دعاهم إلى ذمه. ومن دعا الناس إلى ذمه ذموه بالحق وبالباطل (١) الأصل (( كلمات)) .إن. (٢) هو بمعنى التسامح، ومعناه التساهل، وقد أكثر المصنف رحمه الله من استعمال هذه اللفظة فيما مر ويأتي . ٢٤٤ ومع هذا كله فالصواب في الجرح والتعديل هو الغالب، وإنما يحتاج إلى التثبت والتأمل فيمن جاء فيه تعديل وجرح، ولا يسوغ ترجيح التعديل مطلقاً بأن الجارح كان ساخطاً على المجروح، ولا ترجيح الجرح مطلقاً بأن المعدل كان صديقاً له، وإنما يستدل بالسخط والصداقة على قوة احتمال الخطأ إذا كان محتملاً، فأما إذا لزم من اطراح الجرح أو التعديل نسبة من صدر منه ذلك إلى افتراء الكذب أو تعمد الباطل أو الغلط الفاحش الذي يندر وقوع مثله من مثله فهذا يحتاج إلى بينة أخرى، لا يكفي فيه إثبات أنه كان ساخطاً أو محباً. وفي (لسان الميزان) (ج ١ ص ١٦): « وممن ينبغي أن يتوقف في قبول قوله في الجرح، من كان بينه وبين من جرَّحه عداوة سببها الاختلاف في الاعتقاد، فإن الحاذق إذا تأمل ثلب أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب، وذلك لشدة انحرافه في النصب وشهرة أهلها بالتشيع، فتراه لا يتوقف في جرح من ذكره منهم بلسان ذلقة وعبارة طلقة حتى أنه أخذ يلين مثل الأعمش وأبي نعيم وعبيد الله بن موسى وأساطين الحديث، وأركان الرواية، فهذا إذا عارضه مثله أو أكبر منه فوثق رجلاً ضعفه قبل التوثيق، ويلتحق به عبد الرحمن بن يوسف بن خراش المحدث الحافظ فإنه من غلاة الشيعة بل نسب إلى الرفض فيتأنى في جرحه لأهل الشام للعداوة البيئة في الاعتقاد ، ويلتحق بذلك ما يكون سببه المنافسة في المراتب فكثيراً ما يقع بين العصريين الاختلاف والتباين وغيره فكل هذا ينبغي أن يتأنى فيه ويتأمل)). أقول: قول ابن حجر: ((ينبغي أن يتوقف)) مقصوده كما لا يخفى التوقف على وجه التأني والتروي والتأمل، وقوله: ((فهذا إذا عارضه مثله ... قبل التوثيق)) محله ما هو الغالب من أن لا يلزم من إطراح الجرح نسبةُ الجارح إلى إفتراء الكذب، أو تعمد الحكم بالباطل، أو الغلط الفاحش الذي يندر وقوعه، فأما إذا لزم شيء من هذا فلا محيص عن قبول الجرح إلا أن تقوم بيّنة واضحة تثبت تلك النسبة. وقد تتبعت كثيراً من كلام الجوزجاني في المتشيعين فلم أجده متجاوزاً الحد ، ٢٤٥ وإنما الرجل لما فيه من النصب يرى التشيع مذهباً سيئاً وبدعة ضلالة زريعاً عن الحق وخذلاناً، فيطلق على المتشيعين ما يقتضيه اعتقاده كقوله: ((زائغ عن القصد - سيء المذهب)) ونحو ذلك، وكلامه في الأعمش ليس فيه جرح بل هو توثيق وإنما فيه ذم بالتشيع والتدليس وهذا أمر متفق عليه أن الأعمش كان يتشيع ويدلس وربما دلس عن الضعفاء وربما كان في ذلك ما ينكر، وهكذا كلامه في أبي نعيم، فأما عبيد الله بن موسى فقد تكلم فيه الإمام أحمد وغيره بأشد من كلام الجوزجاني، وتكلم الجوزجاني في عاصم بن ضمرة وقد تكلم فيه ابن المبارك وغيره واستنكروا من حديثه ما استنكره الجوزجاني، راجع (سنن البيهقي) (ج ٣ ص ٥١) غاية الأمر أن الجوزجاني هول، وعلى كل حال فلم يخرج من كلام أهل العلم، وكأن ابن حجر توهم أن الجوزجاني في كلامه في عاصم يُسِّر حَسْوا في ارتغاء، وهذا تخيل لا يلتفت إليه. وقال الجوزجاني في يونس ابن خباب: ((كذاب مفتر)) ويونس وإن وثقه ابن معین فقد قال البخاري: (( منكر الحديث)) وقال النسائي مع ما عرف عنه: « لیس بثقة)) واتفقوا على غلو يونس ونقلوا عنه أنه قال: إن عثمان بن عفان قتل ابنتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأنه روى حديث سؤال القبر ثم قال: ههنا كلمة أخفاها الناصبة، قيل له ما هي؟ قال إنه ليسأل في قبره: من وليُّك؟ فإن قال: عليّ نجا! فكيف لا يعذر الجوزجاني مع نصبه أن يعتقد في مثل هذا أنه كذاب مفتر؟ وأشد ما رأيته للجوزجاني ما تقدم عنه في القاعدة الثالثة من قوله: ((ومنهم زائغ عن الحق ... )) وقد تقبل ابن حجر ذلك على ما فهمه من معناه وعظّمه كما مر، وذكر نحو ذلك في (لسان الميزان) نفسه (ج ١ ص ١١) وإني لأعجب من الحافظ ابن حجر رحمه الله يوافق الجوزجاني على ما فهمه من ذلك ويعظمه مع ما فيه من الشدة والشذوذ كما تقدم، ويشنع عليه ههنا ويهول فيما هو أخف من ذلك بكثير عندما يتدبر. والله المستعان. ٢٤٦ ٥ - هل يشترط تفسير الجرح؟ إعلم أن الجرح على درجات: الأولى المجمل وهو ما لم يبين فيه السبب كقول الجارح: ((ليس بعدل))، ((فاسق)) ومنه على ما ذكره الخطيب في (الكفاية) (ص ١٠٨) عن القاضي أبي الطيب الطبري قول أئمة الحديث: ((ضعيف)) أو ((ليس بشيء)). وزاد الخطيب قولهم ((ليس بثقة)). الثانية مبين السبب، ومثل له بعض الفقهاء بقول الجارح: ((زان))، ((سارق))، ((قاذف)). ووراء ذلك درجات بحسب احتمال الخلل وعدمه فقوله: ((فلان قاذف)» قد يحتمل الخلل من جهة أن يكون الجارح أخطأ في ظنه أن الواقع قذف، ومن جهة احتمال أن يكون المرمي مستحقاً للقذف، ومن جهة احتمال أن لا يكون الجارح سمع ذلك من المجروح وإنما بلغه عنه، ومن جهة أن يكون إنما سمع رجلاً آخر يقذف فتوهم أنه الذي سماه، ومن جهة احتمال أن يكون المجروح إنما كان يحكي القذف عن غيره، أو يفرض أن قائلاً قاله فلم يسمع الجارح أول الكلام، الى غير ذلك من الاحتمالات، نعم إنها خلاف الظاهر ولكن قد يقوى المعارض جداً فيغلب على الظن أن هناك خللاً وإن لم يتبين. واختلف أهل العلم في الدرجة الأولى وهي الجرح المجمل إذا صدر من العارف بأسباب الجرح، فمنهم من قال يجب العمل به، ومنهم من قال لا يعمل به لأن الناس اختلفوا في أشياء يراها بعضهم فسقاً ولا يوافقه غيره؛ وفصل الخطيب فيما نقله عنه العراقي والسخاوي قال : . (( إن كان الذي يرجع إليه عدلاً مرضياً في اعتقاده وأفعاله عارفاً بصفة العدالة والجرح وأسبابهما، عالماً باختلاف الفقهاء في أحكام ذلك قبل قوله فيمن جرحه. مجملاً ولا يسأل عن سببه)). ٢٤٧ يريد أنه إذا كان عارفاً باختلاف الفقهاء فالظاهر أنه لا يجرح إلا بما هو جرح باتفاقهم . وأقول: لا بد من الفرق بين جرح الشاهد وجرح الراوي، وبين ما إذا كان هناك ما يخالف الجرح وما إذا لم يكن هناك ما يخالفه، فأما الشاهد فله ثلاث أحوال : الأولى: أن تكون قد ثبتت عدالته في قضية سابقة وقضى بها القاضي ثم جرح في قضية أخرى. الثانية: أن لا تكون قد ثبتت عدالته ولكن سئل عنه عارفوه، فمنهم من عدله ومنهم من جرحه. الثالثة : أن لا يكون قد ثبتت عدالته وسئل عنه عارفوه فجرحه بعضهم وسكت الباقون. فأما الثالثة: فإن كان القاضي لا يقبل شهادة من لم يعدل فأي فائدة في استفسار الجارح؟ وإن كان يقبلها فلضعفها يكفي الجرح المجمل. وأما الثانية: فقد يكثر الجارحون فيغلب على الظن صحة جرحهم وإن أجملوا، وقد لا تحصل غلبة الظن إلا بالدرجة الثانية من الجرح وهي بيان السبب، وقد لا تحصل إلا بأزيد منها مما مر بيانه، وإذا كان القاضي متمكناً من الاستفسار لحضور الجارح عنده أو قربه منه فينبغي أن يستوفيه على كل حال لأنه كلما كان أقوى كان أثبت للحجة، وأدفع للتهمة . وأما الأولى: فينبغي أن لا يكفي فيها جرح مجمل ولو مع بيان السبب بل يحتاج الى بيان المستند بما يدفع ما يحتمل من الخلل. وأما الراوي فحاله مخالفة للشاهد فيما نحن فيه، من أوجه: ٢٤٨ الأول: أن الذين تكلموا في الرواة أئمة أجلّة، والغالب فيمن يجرح الشاهد أن لا يكون بتلك الدرجة ولا ما يقاربها. الثاني أن الذين تكلموا في الرواة منصبهم منصب الحكام وقد قال الفقهاء: إن المنصوب لجرح الشهود يكتفي منه بالجرح المجمل. الثالث: أن القاضي متمكن من استفسار جارح الشاهد كما مر والذين جرحوا الرواة يكثر في كلامهم الإجمال، وأن لا يستفسرهم أصحابهم، ولم يبق بأيدي الناس إلا نقل كلامهم ولم يزل أهل العلم يتلقون كلماتهم ويحتجون بها. وبعد أن اختار ابن الصلاح اشتراط بيان السبب قال: ((ولقائل أن يقول إنما يعتمد الناس في جرح الرواة ورد حديثهم على الكتب التي صنفها أئمة الحديث ... وقلَّ ما يتعرضون لبيان السبب بل يقتصرون على ... فلان ضعيف، و: فلان ليس بشيء ونحو ذلك ... فاشتراط بيان السبب يفضي الى تعطيل ذلك وسد باب الجرح في الأغلب الأكثر، وجوابه أن ذلك وإن لم نعتمده في إثبات الجرح والحكم به فقد اعتمدناه في أن توقفنا عن قبول حديث من قالوا فيه مثل ذلك، بناء على أن ذلك أوقع عندنا فيهم ريبة قوية يوجب مثلها التوقف، ثم من انزاحت عنه الريبة منهم ببحث عن حاله أوجب الثقة بعدالته قبلنا حديثه ولم نتوقف كالذين احتج بهم صاحبا (الصحيحين) وغيرهم ممن مسهم مثل هذا الجرح من غيرهم، فافهم ذلك فإنه مخلص حسن)). وتبعه النووي في (التقريب) و (شرح صحيح مسلم) ولفظه هناك: ((على مذهب من اشترط في الجرح التفسير نقول: فائدة الجرح فيمن جرح مطلقاً أن يتوقف عن الاحتجاج به الى أن يبحث عن ذلك الجرح .... )) وذكر العراقي في (ألفيته) و (شرحها) بعض الذين أشار ابن الصلاح الى أن صاحبي (الصحیحین) احتجا بهم وقد جُرِحوا فذكر ممن روى له البخاري عكرمة مولى ابن ٢٤٩ عباس وعمرو بن مرزوق الباهلي وممن روى له مسلم سويد بن سعيد، وهؤلاء قد سبق جرحهم ممن قبل صاحبي (الصحيح) وكذلك سبق تعديلهم أيضاً، فهذا يدل أن التوقف الذي ذكره ابن الصلاح والنووي يشمل من اختلف فيه فعدله بعضهم وجرحه غيره جرحاً غير مفسر وسياق كلامهما يقتضي ذلك، بل الظاهر أن هذا هو المقصود، فإن من لم يعدل نصاً أو حكماً ولم يجرح يجب التوقف عن الاحتجاج به، ومن لم يعدل وجرح جرحاً فالأمر فيه أشد من التوقف والارتياب. فالتحقيق أن الجرح المجمل يثبت به جرح من لم يعدّل نصاً ولا حكماً، ويوجب التوقف فيمن قد عدل حتى يسفر البحث عما يقتضي قبوله أو رده، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى. ٦ - كيف البحث عن أحوال الرواة من أحب أن ينظر في كتب الجرح والتعديل للبحث عن حال رجل وقع في سندٍ، فعليه أن يراعي أموراً : الأول: إذا وجد ترجمة بمثل ذاك الاسم فليتثبت حتى يتحقق أن تلك الترجمة هي لذاك الرجل فإن الأسماء كثيراً ما تشتبه ويقع الغلط والمغالطة فيها كما يأتي في الأمر الرابع، وراجع (الطليعة) (ص ١١ - ٤٣). الثاني: ليستوثق من صحة النسخة وليراجع غيرها إن تيسر له ليتحقق أن ما فيها ثابت عن مؤلف الكتاب. راجع (الطليعة) (ص ٥٥ - ٥٩). الثالث: إذا وجد في الترجمة كلمة جرح أو تعديل منسوبة الى بعض الأئمة فلينظر أثابتة هي عن ذاك الامام أم لا؟ راجع (الطليعة) (ص ٧٨ - ٨٦). الرابع: ليستثبت أن تلك الكلمة قيلت في صاحب الترجمة فإن الأسماء تتشابه، وقد يقول المحدث كلمة في راو فيظنها السامع في آخر، ويحكيها كذلك وقد ٢٥٠ يحكيها السامع فيمن قيلت فيه ويخطىء بعض من بعده فيحملها على آخر؛ ففي الرواة المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، والمغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حزام الحزامى، والمغيرة بن عبد الرحمن بن عوف الأسدي؛ حكى عباس الدوري عن يحيى بن معين توثيق الأول وتضعيف الثالث؛ فحکی ابن أبي حاتم عن الدوري عن ابن معين توثيق الثاني ووهمه المزى، ووثق أبو داود الثالث وضعف الأول، فذكرت له حكاية الدوري عن ابن معين فقال: غلط عباس. وفي الرواة محمد بن ثابت البناني و محمد بن ثابت العبدي وغيرهما، فحكى ابن أبي حاتم عن ابن أبي خيثمة عن ابن معين أنه قال في الأول: ((ليس بقوي ... )) وذكر ابن حجر أن الذي في (تاريخ ابن أبي خيثمة) حكاية تلك المقالة في الثاني، وحكى عثمان الدارمي عن ابن معين في الثاني أنه ليس به بأس، وحكى معاوية بن صالح عن ابن معين أنه يُنكّر على الثاني حديث واحد. وحكى الدوري عن ابن معين أنه ضعف الثاني، قال الدوري: « فقلت له أليس قد قلت مرة: ليس به بأس؟ قال: ما قلت هذا قط )). وفي الرواة عمر بن نافع مولى ابن عمر وعمر بن نافع الثقفي، حكى ابن عدي في ترجمة الأول عن ابن معين أنه قال: (( ليس حديثه بشيء )) فزعم ابن حجر أن ابن معين إنما قالها في الثاني. وفي الرواة عثمان البتي وعثمان البري، حكى الدوري عن ابن معين في الأول ((ثقة)) وحكى معاوية بن صالح عنه فيه ((ضعيف)) قال النسائي: ((وهذا عندي خطأ ولعله أراد عثمان البري)). وفي الرواة أبو الأشهب جعفر بن حيان وأبو الأشهب جعفر بن الحارث، وثق الإمام أحمد الأول فحكى ابن شاهين ذلك في الثاني - كما في نبذة من كلامه طبعت مع (تاريخ جرجان) وضعف جماعة الثاني فحكى ابن الجوزى كلماتهم في ٢٥١ ترجمة الأول. وفي الرواة أحمد بن صالح ابن الطبري الحافظ وأحمد بن صالح الشمومي، حكى النسائي عن معاوية بن صالح عن ابن معين كلاماً عده النسائي في الأول فذكر ابن حبان: انما قاله ابن معين في الثاني. وفي الرواة معاذ بن رفاعة الأنصاري ومعان بن رفاعة السلامى نقل الناس عن الدوري أنه حكى عن ابن معين أنه قال في الثاني وهو معان ((ضعيف)) ونقل أبو الفتح الأزدي عن عباس أنه حكى عن ابن معين أنه قال في الأول وهو معاذ ((ضعيف)) فكأنه تصحف على الأزدى. وفي الرواة القاسم العمري وهو ابن عبد الله بن عمر بن حفص، والقاسم المعمري وهو ابن محمد، فحكى عثمان الدارمي عن ابن معين أنه قال: ((قاسم المعمري كذاب خبيث))، قال الدارمي: ((وليس كما قال يحيى)) والمعمري قد وثقه قتيبة، أما العمري فكذبه الإمام أحمد، وقال الدوري عن ابن معين: ((ضعيف ليس بشيء)) فيشبه أن يكون ابن معين إنما قال: ((قاسم العمري كذاب خبيث)) فكتبها عثمان الدارمي ثم بعد مدة راجعها في كتابه فاشتبه عليه فقرأها ((قاسم المعمري ... )) وفي الرواة إبراهيم بن أبي حرة وإبراهيم بن أبي حية، روى ابن أبي حاتم من طريق عثمان الدارمي على ابن معين توثيق الثاني، ومن تدبر الترجمتين كاد يجزم بأن هذا غلط على ابن معين وأنه إنما وثق الأول. وحكى أبو داود الطيالسي قصة لأبي الزبير محمد بن مسلم بن تَدْرُسُ المكي وحكى هو عن شعبة قصة نحو تلك لمحمد بن الزبير التميمي البصري؛ وأخشى أن يكون الطيالسي وهم في أحدهما . وذكر ابن أبي خيثمة في كلامه في فطر بن خليفة ما لفظه: « سمعت قطبة بن العلاء يقول تركت فطراً لأنه روى أحاديث فيها إزراء على عثمان)). ٢٥٢ وذكر هو في كلامه في فضيل بن عياض: ((سمعت قطبة بن العلاء يقول: تركت حديث فضيل لأنه روى أحاديث فيها إِزراء على عثمان)). وأخشى أن تكون كلمة قطبة إنما هي في فطر فحكاها ابن أبي خيثمة مرة على الصواب، ثم تصحفت عليه ((فطر)) بفضيل فحكاها في فضيل بن عياض. وحكى محمد بن وضاح القرطبي أنه سأل ابن معين عن الشافعي فقال: (( ليس بثقة)) فحكاها ابن وضاح في الشافعي الامام، فزعم بعض المغاربة أن ابن معين إِنما قالها في أبي عبد الرحمن احمد بن يحيى بن عبد العزيز الأعمى المشهور بالشافعي فإنه كان ببغداد، وابن وضاح لقي ابن معين ببغداد فكأنه سأل ابن معين عن الشافعي يريد ابن وضاح الإمام فظن ابن معين أنه يريد أبا عبد الرحمن لأنه كان حياً معهما في البلد؛ وفي ترجمة والد أبي عبد الرحمن من ((التهذيب)) أن ابن معين قال: (( ما أعرفه وهو والد الشافعي الأعمى)). الخامس: إذا رأى في الترجمة ((وثقه فلان)) أو ((ضعفه فلان)) أو ((كذبه فلان)) فليبحث عن عبارة فلان، فقد لا يكون قال: ((هو ثقة)) أو ((هو ضعيف)) أو ((هو كذاب)) ففي (مقدمة الفتح) في ترجمة إبراهيم بن سويد بن حيان المدني: (( وثقه ابن معين وأبو زرعة)) والذي في ترجمته من (التهذيب): ((قال أبو زرعة ليس به بأس)) وفي (المقدمة) في ترجمة ابراهيم ابن المنذر الحزامي ((وثقه ابن معين ... والنسائي)) والذي في ترجمته من (التهذيب): (( قال عثمان الدارمي: رأيت ابن معين كتب عن إبراهيم بن المنذر أحاديث ابن وهب ظننتها المغازى وقال النسائي ليس به بأس)). وفي (الميزان) و(اللسان) في ترجمة معبد بن جمعة: ((كذبه أبو زرعة الكشي) وليس في عبارة أبي زرعة الكشي ما يعطى هذا بل فيها أنه ((ثقة في الحديث)) وقد شرحت ذلك في ترجمة معبد من قسم التراجم. ٢٥٣ السادس: أصحاب الكتب كثيراً ما يتصرفون في عبارات الأئمة بقصد الاختصار أو غيره وربما يخل ذلك بالمعنى فينبغي أن يراجع عدة كتب فإذا وجد اختلافاً بحث عن العبارة الأصلية ليبنى عليها. السابع قال ابن حجر في (لسان الميزان) (ج ١ ص ١٧): ((وينبغي أن يتأمل أيضاً أقوال المزكين ومخارجها ... فمن ذلك أن الدوري قال عن ابن معين أنه سئل عن اسحاق وموسى بن عبيدة الربذي: أيهما أحب إليك؟ فقال: ابن اسحاق ثقة، وسئل عن محمد ابن اسحاق بمفرده فقال: صدوق وليس بحجة، ومثله أن أبا حاتم قيل له: أيهما أحب إليك يونس أو عقيل؟ فقال: عُقيل لا بأس به، وهو يريد تفضيله على يونس، وسئل عن عُقيل وزمعة بن صالح فقال: عُقيل ثقة متقن، وهذا حكم على اختلاف السؤال، وعلى هذا يحمل أكثر ما ورد من اختلاف أئمة الجرح والتعديل ممن وثق رجلاً في وقت وجرحه في وقت آخر ... »(١). أقول: وكذلك ما حكوا من كلام مالك في ابن اسحاق إذا حكيت القصة على وجهها تبين أن كلمة مالك فلتة لسان عند سورة غضب لا يقصد بها الحكم. وكذلك ما حكوه عن ابن معين أنه قال الشجاع بن الوليد: ((يا كذاب)) فحملها ابن حجر على المزاح. ومما يدخل في هذا أنهم قد يضعفون الرجل بالنسبة الى بعض شيوخه أو الى بعض الرواة عنه أو بالنسبة الى ما رواه من حفظه أو بالنسبة الى ما رواه بعد اختلاطه وهو عندهم ثقة فيما عدا ذلك، فإسماعيل بن عياش ضعفوه فيما روى عن غير الشاميين؛ وزهير بن محمد ضعفوه فيما رواه عنه الشاميون. وجماعة آخرون ضعفوهم في بعض شيوخهم أو فيما رووه بعد الاختلاط. ثم قد يحكى التضعيف مطلقاً فيتوهم أنهم ضعفوا ذلك الرجل في كل شيء. ويقع نحو هذا في التوثيق راجع ترجمة عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود قال أحمد مرة (١) في مقدمة رجال البخاري للباجي باب في هذا المعنى. ٢٥٤ ثقة، وكذا قال ابن معين، ثم بين كل منهما مرة أنه اختلط؛ وزاد ابن معين فبين أنه كان كثير الغلط عن بعض شيوخه غير صحيح الحديث عنهم. ومن ذلك أن المحدث قد يسأل عن رجل فيحكم عليه بحسب ما عرف من مجموع حاله ثم قد يسمع له حديثاً فيحكم عليه حكماً يميل فيه الى حاله في ذاك الحديث، ثم قد يسمع له حديثاً آخر فيحكم عليه حكماً يميل فيه الى حاله في هذا الحديث الثاني، فيظهر بين كلامه في هذه المواضع بعض الاختلاف، وقع مثل هذا للدارقطني في (سننه) وغيرها وترى بعض الأمثلة في ترجمة الدارقطني من قسم التراجم؛ وقد ينقل الحكم الثاني أو الثالث وحده فيتوهم أنه حكم مطلق. الثامن: ينبغي أن يبحث عن معرفة الجارح أو المعدل بمن جرحه أو عدله، فإن أئمة الحديث لا يقتصرون على الكلام فيمن طالت مجالستهم له وتمكنت معرفتهم به، بل قد يتكلم أحدهم فيمن لقيه مرة واحدة وسمع منه مجلساً واحداً، أو حديثاً واحداً، وفيمن عاصره ولم يلقه ولكنه بلغه شيء من حديثه، وفيمن كان قبله بمدة قد تبلغ مئات السنين إذا بلغه شيء من حديثه، ومنهم من يجاوز ذلك، فابن حبان قد يذكر في (الثقات) من يجد البخاري سماه في (تاريخه) من القدماء. وإن لم يعرف ما روى وعمن روى ومن روى عنه، ولكن ابن حبان يشدد وربما تعنت فيمن وجد في روايته ما استنكره وإن كان الرجل معروفاً مكثراً؟ والعجلي قريب منه في توثيق المجاهيل من القدماء، وكذلك ابن سعد، وابن معين والنسائي وآخرون غيرهما يوثقون من كان من التابعين أو أتباعهم إذا وجدوا رواية أحدهم مستقيمة بأن يكون له فيما يروى متابع أو مشاهد، وإن لم يروا عنه إلا واحد ولم يبلغهم عنه إلا حديث واحد، فممن وثقه ابن معين من هذا الضرب الأسقع بن الأسلع والحكم بن عبد الله البَلَوِي ووهب بن جابر الخَيْواني وآخرون، وممن وثقه النسائي رافع بن إسحاق وزهير بن الأقمر وسعد بن سمرة وآخرون، وقد روى العوام بن حوشب عن الأسود بن مسعود عن حنظلة بن خويلد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص حديثاً، ولا يعرف الاسود وحنظلة إلا في تلك الرواية فوثقهما ابن ٢٥٥ معين، وروى همام عن قتادة عن قدامة بن وَبَرةً عن سمرة بن جندب حديثاً، ولا يعرف قدامة إلا في هذه الرواية فوثقه ابن معين مع أن الحديث غريب وله علل أخرى راجع (سنن البيهقي) (٢٤٨/٣). ومن الأئمة من لا يوثق من تقدمه حتى يطلع على عدة أحاديث له تكون مستقيمة وتكثر حتى يغلب على ظنه أن الاستقامة كانت ملكة لذاك الراوي، وهذا كله يدل على أن جل اعتمادهم في التوثيق والجرح إنما هو على سبر حديث الراوي، وقد صرح ابن حبان بأن المسلمين على الصلاح والعدالة حتى يتبين منهم ما يوجب القدح، نص على ذلك في (الثقات) وذكره ابن حجر في (لسان الميزان) (ج ١ ص ١٤) واستغربه، ولو تدبر لوجد كثيراً من الأئمة يبنون عليه، فإذا تتبع أحدهم أحاديث الراوي فوجدها مستقيمة تدل على صدق وضبط ولم يبلغه ما يوجب طعناً في دينه وثقه، وربما تجاوز بعضهم هذا كما سلف، (١) وربما يبني بعضهم على هذا حتى في أهل عصره. وكان ابن معين إذا لقي في رحلته شيخاً فسمع منه مجلساً، أو ورد بغداد شيخ فسمع منه مجلساً فرأى تلك الأحاديث مستقيمة ثم سئل عن الشيخ؟ وثقه، وقد يتفق أن يكون الشيخ دجالاً استقبل ابن معين بأحاديث صحيحة ويكون قد خلط قبل ذلك أو يخلط بعد ذلك، ذكر ابن الجنيد أنه سأل ابن معين عن محمد بن كثير القرشي الكوفي فقال: (( ما كان به بأس)) فحكى له عنه أحاديث تستنكر، فقال ابن (١) يشير الى ابن حبان فانه قد يوثق الرجل بايراده اياه في هذا الكتاب المذكور (الثقات) مع انه لا يعرفه. ويؤيد ذلك أنني رأيته قال في بعض المترجمين عنده: ((لا اعرفه، ولا اعرف اباه))! وعلى مثل هذا التوثيق اقام كتابه (الصحيح) المعروف به، فاحفظ هذا فانه مهم، لم يتنبه له الا أهل التحقيق في هذا العلم الشريف، منهم المصنف رحمه الله، وجزاه خيراً كما تقدم، (وانظر كلامه الآتي في آخر الصفحة التالية: الأمر التاسع) وقد بسطت القول في هذه المسألة في ((الرد على التعقيب الحثيث)) (ص ١٨ - ٢١) فليراجع . ن. ٢٥٦ معين: ((فإن كان هذا الشيخ روى هذا فهو كذاب وإلا فإني رأيت حديث الشيخ مستقيماً)). وقال ابن معين في محمد بن القاسم الأسدي: (( ثقة وقد كتبت عنه)) وقد كذبه أحمد وقال: ((أحاديثه موضوعة)) وقال أبو داود: ((غير ثقة ولا مأمون، أحاديثه موضوعة)). وهكذا يقع في التضعيف ربما يجرح أحدهم الراوي لحديث واحد استنكره وقد یکون له عذر. ورد ابن معین مصر، فدخل علی عبد الله بن الحکم فسمعه يقول: حدثني فلان وفلان وفلان. وعد جماعة روى عنهم قصة، فقال ابن معين: (( حدثك بعض هؤلاء بجميعه وبعضهم ببعضه؟ فقال: ((لا حدثني جميعهم بجميعه، فراجعه فأصر، فقام یحی وقال للناس: ((یکذب)». ويظهر لي أن عبدالله إنما أراد أن كلّ منهم حدثه ببعض القصة فجمع ألفاظهم، وهي قصة في شأن عمر بن عبد العزيز ليست بحديث فظن يحيى أن مراده أن كلّ منهم حدثه بالقصة بتمامها على وجهها فكذبه في ذلك، وقد أساء الساجي إذ اقتصر في ترجمة عبد الله على قوله: ((كذبه ابن معين)). وبلغ ابن معين أن أحمد بن الأزهر النيسابوري يحدث عن عبد الرزاق بحديث استنكره يحيى فقال: ((من هذا الكذاب النيسابوري الذي يحدث عن عبد الرزاق بهذا الحديث؟!)) وكان أحمد بن الأزهر حاضراً فقام فقال: ((هو ذا أنا)) فتبسم يحيى وقال: ((أما إِنَّك لست بكذاب ... )) وقال ابن عمار في إبراهيم بن طَهْمان: ((ضعيف مضطرب الحديث)) فبلغ ذلك صالح بن محمد الحافظ الملقب جزرة فقال: ((ابن عمار من أين يعرف إبراهيم؟ إنما وقع اليه حديث إبراهيم في الجمعة ... والغلط فيه من غير إبراهيم )). التاسع: ليبحث عن رأي كل إمام من أئمة الجرح والتعديل وإصطلاحه مستعيناً على ذلك بتتبع كلامه في الرواة واختلاف الرواية عنه في بعضهم مع مقارنة كلامه ٢٥٧ بكلام غيره، فقد عرفنا في الأمر السابق رأي بعض من يوثق المجاهيل من القدماء إذا وجد حديث أ الراوي منهم مستقيماً، ولو كان حديثاً واحداً لم يروه عن ذاك المجهول إلا واحد، فإن شئت فاجعل هذا رأياً لأولئك الأئمة كابن معين، وإن شئت فاجعله اصطلاحاً في كلمة ((ثقة)) كأن يراد بها استقامة ما بلغ الموثق من حديث الراوي لا الحكم للراوى نفسه بأنه في نفسه بتلك المنزلة. وقد اختلف كلام ابن معين في جماعة، يوثق أحدهم تارة ويضعفه أخرى، منهم: اسماعيل بن زكريا الخُلْقاني، وأشعث بن سَوّار، والجراح بن مَليح الرواسي، وجرير بن أبي العالية، والحسن بن يحيى الخُشَني، والزبير بن سعيد، وزهير بن محمد التميمي، وزيد بن حبان الرقي، وسلم العلوي، وعافية القاضي، وعبد الله الحسين أبو حريز، وعبد الله بن عقيل أبو عقيل، وعبد الله بن عمر بن حفص العمري، وعبد الله بن واقد أبو قتادة الحراني، وعبد الواحد بن غياث، وعبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، وعتبة بن أبي حكيم، وغيرهم. وجاء عنه توثيق جماعة ضعفهم الأكثرون منهم: تمام بن نجيح، ودراج بن سمعان، والربيع بن حبيب الملاح وعباد بن كثير الرملي، ومسلم بن خالد الزنجي، ومسلمة بن علقمة، وموسى بن يعقوب الزمعي، ومؤمل بن اسماعيل، ويحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني؛ وهذا يشعر بأن ابن معين كان ربما يطلق كلمة ((ثقة)) لا يريد بها أكثر من أن الراوي لا يتعمد الكذب. وقد يقول ابن معين في الراوي مرة ((ليس بثقة)) ومرة ((ثقة)) أو ((لا بأس به)) أو نحو ذلك (راجع تراجم جعفر بن ميمون التميمي وزكريا بن منظور ونوح بن جابر)؛ وربما يقول في الراوي (ليس بثقة)) ويوثقه غيره (راجع تراجم عاصم بن علي وفليح بن سليمان وابنه محمد بن فليح ومحمد بن كثير العبدي)؛ وهذا قد يشعر بأن ابن معين قد يطلق كلمة ((ليس بثقة)) على معنى أن الراوي ليس بحيث يقال فيه ثقة على المعنى المشهور لكلمة ((ثقة)). ٢٥٨ فأما استعمال كلمة ((ثقة)) على ما هو دون معناها المشهور فيدل عليه مع ما تقدم أن جماعة يجمعون بينها وبين التضعيف، قال أبو زرعة في عمر بن عطاء بن وَرَاز: ((ثقة لين))، وقال الكعبي في القاسم أبي عبد الرحمن الشامي: « ثقة يكتب حديثه وليس بالقوى)). وقال ابن سعد في جعفر بن سليمان الضَّبْعي: ((ثقة وبه ضعف))؛ وقال ابن معين في عبد الرحمن بن زياد بن أنْعُم: ((ليس به بأس وهو ضعيف))، وقد ذكروا أن ابن معين يطلق كلمة ((ليس به بأس)) بمعنى ((ثقة))، وقال يعقوب ابن شيبة في ابن انْعُم هذا: ((ضعيف الحديث وهو ثقة صدوق رجل صالح)) وفي الربيع بن صبيح: ((صالح صدوق ثقة ضعيف جداً))؛ وراجع تراجم إسحاق بن يحي بن طلحة، وإسرائيل بن يونس، وسفيان بن حسين، وعبد الله بن عمر بن جعفر بن عاصم، وعبد الأعلى بن عامر الثعلبي، وعبد السلام بن حرب، وعلي بن زید بن جدعان، ومحمد بن مسلم بن تَدْرُس، ومؤمل بن إسماعيل، ویحیی بن یمان؛ وقال يعقوب بن سفيان في أجلح: ((ثقة حديثه لين))، وفي محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: ((ثقة عدل في حديثه بعض المقال لين الحديث عندهم)). وأما كلمة ((ليس بثقة)) فقد روى بشر بن عمر عن مالك إطلاقها في جماعة منهم صالح مولى التوأمة وشعبة مولى ابن عباس، وفي ترجمة مالك من (تقدمة الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم عن يحيى القطان أنه سأل مالكاً عن صالح هذا؟ فقال: ((لم يكن من القراء)) وسأله عن شعبة هذا فقال: ((لم يكن من القراء)) فأما صالح فأثنى عليه أحمد وابن معين، وذكر أنه اختلط بأخرة، وأن مالكاً إنما أدركه بعد الاختلاط، وأما شعبة مولى ابن عباس فقال أحمد: ((ما أرى به بأساً)) وكذا قال ابن معين، وقال البخاري: ((يتكلم فيه مالك ويحتمل منه))، قال ابن حجر: (( قال أبو الحسن ابن القطان الفاسي: قوله ويحتمل منه، يعني من شعبة وليس هو ممن يترك حديثه، قال: ومالك لم يضعفه وإنما شح عليه بلفظة ثقة؛ قلت: هذا التأويل غير شائع بل لفظة ليس بثقة في الاصطلاح توجب الضعف الشديد ، وقد قال ابن حبان: روى عن ابن عباس ما لا أصل له حتى كأنه ابن عباس آخر)). ٢٥٩ أقول: ابن حبان كثيراً ما يهول مثل هذا التهويل في غير محله كما يأتي في ترجمته وترجمة محمد بن الفضل من قسم التراجم، وكلمة ((ليس بثقة)) حقيقتها اللغوية نفي أن يكون بحيث يقال له ((ثقة))، ولا مانع من استعمالها بهذا المعنى، وقد ذكرها الخطيب في (الكفاية) في أمثلة الجرح غير المفسر، واقتصار مالك في رواية يحيى القطان على قوله: ((لم يكن من القراء)) يشعر بأنه أراد هذا المعنى؛ نعم إذا قيل: ((ليس بثقة ولا مأمون)) تعين الجرح الشديد، وإن اقتصر على ((ليس بثقة)) فالمتبادر جرح شديد، ولكن إذا كان هناك ما يشعر بأنها استعملت في المعنى الآخر حملت عليه، وهكذا كلمة ثقة معناها المعروف التوثيق التام، فلا تصرف عنه إلا بدلیل، إما قرينة لفظية كقول يعقوب: ((ضعيف الحديث وهو ثقة صدوق)) وبقية الأمثلة السابقة، وإما حالية منقولة أو مستدل عليها بكلمة أخرى عن قائلها كما مر في الأمر السابع عن (لسان الميزان)، أو عن غيره ولا سيما إذا كانوا هم الأكثر. فتدبر ما تقدم وقابله بما قاله الكوثري في (الترحيب) (ص ١٥) قال: ((وكم من راوٍ يوثق ولا يحتج به كما في كلام يعقوب الفَسَوي، بل كم ممن يوصف بأنه صدوق ولا يعد ثقة كما قال ابن مهدي: أبو خلدة صدوق مأمون، الثقة سفيان وشعبة )). وعلى الأستاذ مُؤاخذات: الأولى: أنه ذكر هذا في معرض الاعتذار، وأنا لم أناقشه فيما قام الدليل فيه . الثانية: أن كلمة يعقوب التي أشار إليها هي قوله: (( كتبت عن ألف شيخ وكسر كلهم ثقات ما أحد منهم أتخذه عند الله حجة إلا أحمد بن صالح بمصر وأحمد بن حنبل بالعراق)) أوردتها في (الطليعة) (ص ٢١) إلى قوله: ((ثقات))، ذكرت ذلك من جملة الشواهد على أن شيخ يعقوب في ذاك السند هو أحمد بن الخليل الموثق لا أحمد بن الخليل المجروح، فزعم الأستاذ في (الترحيب) أنني ٢٦٠