النص المفهرس
صفحات 221-240
فيهم من لا يعرف ذلك إذا كان المقصود ملاطفته أو تأديبه على أن ينبَّه في المجلس، وهكذا فلتات الغضب، وكلمات التنفير عن الغلو وقد مرت الاشارة إليها في الفصل الثاني، على فرض أنه وقع فيها ما يظهر منه خلاف الواقع؛ وقد بسطت هذه الأمور وما يشبهها في رسالتي في أحكام الكذب. فأما الخطأ والغلط فمعلوم أنه لا يضر وإن وقع في رواية الحديث النبوي، فإذا كثر وفحش من الراوي قدح في ضبطه ولم يقدح في صدقه وعدالته. والله الموفق. ٢- التهمة بالكذب تقدم أن أشد موجبات رد الراوي كذبه في الحديث النبوي، ثم تهمته بذلك، وفي درجتها كذبه في غير الحديث النبوي، فإذا كان في الرواية والجرح والتعديل بحيث يترتب عليه من الفساد نحو ما يترتب على الكذب في الحديث النبوي فهو في الدرجة الأولى، فالتهمة به في الدرجة الثانية أو الثالثة، وقد ذكر علماء الحديث بعد درجة الكذب في الحديث النبوي ودرجة التهمة به درجتين بل درجات ونصوا على أن من كان من أهل درجة من الأربع الأولى فهو ساقط البتة في جميع رواياته سواء منها ما طعن فيه بسببه وغيره. والأستاذ يطعن في جماعة من أئمة السنة والموثقين من رواتها فيرمي بعضهم بتعمد الكذب وبعضهم بالتهمة بذلك ويجمع لبعضهم الأمرين يكذب أحدهم في خبر ويتهمه في آخر، ويجزم بأنهم متهمون في كل ما يتعلق بالغض من أبي حنيفة وأصحابه ولو على بعد بعيد كما يأتي في ترجمة أحمد بن ابراهيم، ويصرح في بعضهم بأنهم مقبولون فيما عدا ذلك، فهل يريد أنهم عدول مقبولون ثقات مأمونون مطلقاً، ولا يعتد عليهم بتكذيب الأستاذ ولا اتهامه لأنه خرق للاجماع في بعضهم ومخالف للصواب في آخرين، ولأن الاستاذ لم يتأهل للاجتهاد في الكلام في القدماء، ولأن كلامه فيهم أمر اقتضته مصلحة مدافعة اللامذهبية التي يقول: إنها ٢٢١ قنطرة اللادينية! كما يقول بعض سلفه من المتكلمين: إن كثيراً من نصوص الكتاب والسنة المتعلقة بصفات الله عز وجل ونحوها صريحة في الباطل مع علم اللّه عز وجل ورسوله بالحق في نفس الأمر ولكن دعت الى ذلك مصلحة اجترار العامة الى قبول الشريعة العملية! (١) فإن كان هذا مراد الأستاذ فالأمر واضح وإلا فإن أراد بالقبول القبول على جهة الاستئناس في الجملة انحصر الكلام معه في دعوى الكذب والتهمة وسيأتي إن شاء اللّه تعالى. وإن أراد أنهم في ما يتعلق بتلك الشجرة الممنوعة وهي الغض من أبي حنيفة وأصحابه كذابون ومتهمون وفيما عدا ذلك عدول مقبولون ثقات مأمونون، فهذا تناقض وخرق للاجماع فيما نعلم؛ نعم هناك أمور قد يتشبث بها في دعوى اجتماع التهمة والعدالة وقد أشار الأستاذ الى بعضها وسأكشف عنها إن شاء الله. وينبغي أن يعلم أن التهمة تقال على وجهين: الأول: قول المحدثين: ((فلان متهم بالكذب)) وتحرير ذلك أن المجتهد في أحوال الرواة قد يثبت عنده بدليل يصح الاستناد إليه أن الخبر لا أصل له وأن الحمل فيه على هذا الراوي، ثم يحتاج بعد ذلك الى النظر في الراوي أتعمد الكذب أم غلط؟ فإذا تدبر وأنعم النظر فقد يتجه له الحكم بأحد الأمرين جزماً، وقد يميل ظنه الى أحدهما إلا أنه لا يبلغ أن يجزم به، فعلى هذا الثاني إذا مال ظنه الى أن الراوي تعمد الكذب قال فيه: ((متهم بالكذب)) أو نحو ذلك مما يؤدي هذا المعنى. ودرجة الاجتهاد المشار اليه لا يبلغها أحد من أهل العصر فيما يتعلق بالرواة المتقدمين، اللهم إلا أن يتهم بعض المتقدمين رجلاً في حديث يزعم أنه تفرد به فيجد له بعض أهل العصر متابعاتٍ صحيحةً ،وإلا حيث يختلف المتقدمون فيسعى في الترجيح، فأما من وثّقه إِمام من المتقدمين أو أكثر ولم يتهمه أحد من الأئمة فيحاول بعض أهل العصر أن يكذبه أو يتهمه فهذا مردود لأنه إن تهيأ له إثبات بطلان الخبر وأنه ثابت عن ذلك الراوي ثبوتاً لا ريب فيه فلا يتهيأ له الجزم بأنه (١) ترى الكلام عن ذلك في الاعتقاديات ان شاء الله تعالى. ٢٢٢ تفرد به، ولا أن شيخه لم يروه قط ولا النظر الفني الذي يحق لصاحبه أن يجزم بتعمد الراوي للكذب أو يتهمه به، بلى قد يتيسر بعض هذه الأمور فيمن كذبه المتقدمون لكن مع الاستناد الى كلامهم كما يأتي في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت وترجمة محمد بن سعيد البورقي، وإن كان الأستاذ يخالف في ذلك فيصدق من كذبه الأئمة وكذبه واضح، كما يكذب أو يتهم من صدقوه وصدقه ظاهر، شأن المحامين في المحاكم، معيار الحق عند أحدهم مصلحة موكله! هذا والأستاذ فيما يهول بدعوى دلالة العقل والتواتر والنقل الراجح حيث لا ينبغي له دعوى ذلك، وليس من شأني أن أناقشه في كل موضع ولكني أقول: حيث تصح دعواه فلا يصح ما بناه عليها من تكذيب الثقات واتهامهم، وحيث يلزم من صحة الدعوى صحة البناء فالدعوى غير صحيحة، وإِنما كتبت هذا بعد فراغي من النظر في التراجم، وأسأل الله التوفيق. الوجه الثاني مقتضى اللغة، والتهمة عند أهل اللغة مشتقة من الوهم وهو كما في (القاموس) ((من خطرات القلب أو مرجوح طرفي المتردد فيه)) والتهمة بهذا المعنى تعرض في الخبر إذا كان فيه إثبات ما يظهر أن المخبر يجب أن يعتقد السامع ثبوته وذلك كشهادة الرجل لقريبه وصديقه وعلى من بينه وبينه نفرة، وكذلك إِخباره عن قريبه أو صديقه بما يحمد عليه وإخباره عمن هو نافر عنه بما يذم عليه وقس على هذا كل ما من شأنه أن يدعو الى الكذب. وتلك الدواعي تخفى وتتفاوت آثارها في النفوس وتتعارض وتعارضها الموانع من الكذب، وقد تقدمت الاشارة اليها في الفصل الخامس، فلذلك اكتفى الشارع في باب الرواية بالاسلام والعدالة والصدق، فمن ثبتت عدالته وعرف بتحري الصدق من المسلمين فهو على العدالة والصدق في أخباره لا يقدح في إخباره أن يقوم به بعض تلك الدواعي ولا أن يتهمه من لا يعرف عدالته أو لا يعرف أثر العدالة على النفس أو من له هوى مخالف لذلك الخبر فهو يتمنى أن لا يصح كما قال المتنبي: شقّ الجزيرة حتى جاءني نبأ فَزِعتُ منه بآمالي الى الكذب ٢٢٣ حتى إذا لم يَدَعْ لي صِدقُهُ أملاً وكأنه أخذه من قول الأول: شرقتُ بالدمعِ حتی کاد یشرقُ بي(١) من علو لا عجب فيها ولا سخر إني أتتني لسان ما أسر بها لو كان ينفعني الاشفاق والحذر جاءت مرجمة قد كنت أحذرها حتى أتتنا وكانت دوننا مضر تأتي على الناس لا تلوي على أحدٍ حتى أتتني بها الأنباء والخبر إذا يعادُ له ذكر أُكذبّه وجماعة من الصحابة روى كل منهم فضيلة لنفسه يرون أن على الناس قبول ذلك منهم فتلقت الأمة ذلك بالقبول، وكان جماعة من الصحابة والتابعين يقاتلون الخوارج ثم روى بعض أولئك التابعين عن بعض أولئك الصحابة أحاديث في ذم الخوارج فتلقت الأمة تلك الأحاديث بالقبول، وكثيراً ما ترى في تراجم ثقات الرواة من التابعين فمن بعدهم إِخبارَ الرجل منهم بثناء غيره عليه فيتلقى أهل العلم ذلك بالقبول، وقبلوا من الثقة دعواه ما يمكن من صحبته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو لأصحابه أو إدراكه لكبار الأئمة وسماعه منهم وغير ذلك مما فيه فضيلة للمدعي وشرفٌ له وداعٍ للناس الى الاقبال عليه وتبجيله والحاجة إليه، ولم يكن أهل العلم إذا أرادوا الاستيثاق من حال الراوي يسألون إلا عما يَمَسُّ دينه وعدالته. ونص أهل العلم على أن الرواية في ذلك مخالفة للشهادة، وفي (التحرير) لابن الهمام الحنفي مع (شرحه) لابن أمير حاج (ج ٣ ص ٢٤٥): (((وأما الحرية والبصر وعدم الحد في قذف) وعدم (الولادة) وعدم (العداوة) الدنيوية (فتختص بالشهادة) أي تشترط فيها لا في الرواية)). فأما الشهادة فإن الشرع شرط لها أموراً أخرى مع الاسلام والعدالة كما أشار إليه ابن الهمام وشرط في إثبات الزنى أربعة ذكور وفي غيره من الحدود ونحوها ذكرين، وفي الأموال ونحوها رجلاً وامرأتين الى غير ذلك. (١) في ديوانه ٢٨٠/٢ برثاء اخت سيف الدولة برواية فزعت فيه بآمالي إلى الكذب طوى الجزيرة حتى جاءني خبرٌ - زهير ٢٢٤ وللزوج وعلى العدو ففيها خلاف، وفي بعض كتب الفقه أن الرد في ذلك لأجل التهمة وظاهر هذا أن التهمة هي العلة فيبنى عليها قياس غير المنصوص عليه، وهذا غير مستقيم، إِذ ليس كل شاهد لنفسه حقيقاً بأن يتهم، ألا ترى أن كبار الصحابة وخيار التابعين لو شهد أحدهم لنفسه لم نتهمه ولا سيما إذا كان غنياً والمشهود به يسيرا كخمسة دراهم، والمشهود عليه معروفاً بجحد الحقوق. أقول: هذا لزيادة الايضاح وإلا فالواقع أننا لا نتهمهم مطلقاً حتى لو شهد أحدهم لنفسه على آخر منهم وأنكر ذاك لم نتهم واحداً منهما بل نعتقد أن أحدهما نسي أو غلط، وليس ذلك خاصاً بهم، بل كل من ثبتت عدالته لا يتهمه عارفوه الذين يعدلونه ولا الواثقون بتعديل المعدلين، فإن اتهمه غيرهم كان معنى ذلك أنه غير واثق بتعديل المعدلين، ومتى ثبت التعديل الشرعي لم يلتفت الى من لا يثق به، ولو كان لك أن تعدل الرجل وأنت لا تأمن أن يدعي الباطل ويشهد لنفسه زوراً بخمسة دراهم مثلاً، لكان لك أن تعدل من تتهمه بأنه لو رشاه رجل عشرة دراهم أو أكثر لشهدوا له زوراً، وهذا باطل قطعاً فإن تعديلك للرجل إنما هو شهادة منك له بالعدالة، والعدالة: ((ملكة تمنع صاحبها من اقتراف الكبائر وصغائر الخسة .. )) فكيف يسوغ لك أن تشهد بهذه الملكة لمن تتهمه بما ذكر، ولو كان كل عدل حقيقاً بأن يتهمه عارفوه بنحو ما ذكر لما كان في الناس عدل، وفي أصحابنا من لا نتهمه في شهادته ولو حصل له بسببها مائة درهم أو أكثر كأن يدعي صاحبنا على فاجر بمائة درهم فيجحده ثم تتفق للفاجر خصومة أخرى فيجىء الى صاحبنا فيقول له أنت تعرف هذه القضية فاحضر فاشهد بما تعلم، فيقول صاحبنا نعم أنا أعرفها ولكنك ظلمتني مائة درهم فأدها إليّ إِن أردت أن أشهد، فيدفع له مائة درهم فيذهب فيشهد، فإننا لا نتهم صاحبنا في دعواه ولا شهادته، وفي أصحابنا من لو ائتمن على مئات الدراهم ثم بعد مدة ادعى ما يحتمل من تلفها أو أنه ردها على صاحبها الذي قد مات لما اتهمناه، نعم قد يتهمه من لا يعرفه كمعرفتنا، أو من لا يعرف قدر تأثير الموانع عن الخيانة في نفس من قامت به، فالفاسق المتهتك لا يعرف قدر العدالة فتراه يتهم العدول ولا يكاد يعرف عدالتهم ولو كانوا جيرائه. ٢٢٥ فإن قيل يكفي في التعليل أن ذلك مظنة التهمة ولا يضر تخلفها في بعض الأفراد كما قالوا في قصر الصلاة في السفر أنه لأجل المشقة وإن تخلفت المشقة في بعض المسافرين كالملك المترفه، قلت: العلة في قصر الصلاة هي السفر بشرطه لا المشقة فكذلك تكون العلة في رد الشهادة للنفس هي انها شهادة للنفس أو دعوى كما يومىء إليه حديث: ((لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم .. ))(١) فعلى هذا لا يتأتى القياس، ألا ترى أن في أعمال العمال المقيمين ما مشقته أشد من مشقة السفر العادي، ذلك كالعمل في المناجم ونحوها ومع ذلك ليس لهم أن يقصروا الصلاة. فان قيل الشهادة للأصل والفرع مظنة للتهمة كما أن الشهادة للنفس مظنة لها، قلت فالعمل في المناجم مظنة للمشقة، بل المشقة فيه أشق وأغلب، والتهمة في الشهادة للأصل أو الفرع أضعف وأقل من التهمة في الشهادة للنفس، وقد يكون الرجل منفرداً عن أصله أو فرعه وبينهما عداوة. والشافعي ممن يقول برد الشهادة الأصل والفرع ولم يعرج على التهمة ولكنه لما علم أن جماعة ممن قبله ذهبوا الى الرد ولم يعلم لهم مخالفاً هاب أن يقول ما لا يعلم له فيه سلفاً، فحاول الاستدلال بما حاصله أن الفرع من الأصل فشهادة أحدهما للآخر كأنها شهادة لنفسه ثم قال كما في (الام) (ج ٧ ص ٤٢): (( وهذا مما لا أعرف فيه خلافاً)) كأنه ذكر هذا تقوية لذلك الاستدلال واعتذاراً عما فيه من الضعف، ولما علم بعض حذاق أصحابة كالمزنى وأبي ثور أن هناك خلافاً ذهبوا الى القبول. وليس المقصود هنا إبطال القول برد الشهادة الأصل والفرع والزوج وإنما المقصود أن الاستدلال عليه بقياس مبنى على أن التهمة علة غير مستقيم. فأما الشهادة على العدو فالقائلون أنها لا تقبل يخصون ذلك بالعداوة الدنيوية التي تبلغ أن يحزن لفرحه ويفرح لحزنه، فأما العداوة الدينية والدنيوية التي لم تبلغ (١) أخرجه الشيخان في ((صحيحيهما)) واللفظ لمسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً. ن. ٢٢٦ ذاك المبلغ فلا تمنع من القبول عندهم. والمنقول عن أبي حنيفة كما في كتب أصحابه أن العداوة لا تقتضي رد الشهادة إلا أن تبلغ أن تسقط بها العدالة؛ أقول: وإذا بلغت ذلك لم تقبل شهادة صاحبها حتى لعدوه على صديقه، ويقوي هذا القول أن القائلين بعدم القبول يشرطون أن تبلغ أن يحزن لفرحه ويفرح لحزنه، وهذا يتمنى أن يفرح لذبح أطفاله ظلماً والزنا ببناته وارتداد زوجاته ونحو ذلك، وقس على ذلك الحزن لفرحه وهذا مسقط للعدالة حتماً، فإن قيل قد يفرح يذلك من جهة أنه يحزن عدوه، ومع ذلك يحزن من جهة مخالفته للدين، قلت: إن لم يغلب حزنه فرحه فليس بعدل، وإن غلب فكيف يظن به أن يوقع نفسه في شهادة الزور التي هي من أكبر الكبائر وفيها أعظم الضرر على نفسه في دينه !! ولا يأمن من أن يلحقه لأجلها ضرر شديد في دنياه !! كل ذلك ليضر المشهود عليه في دنياه ضرراً قد يكون يسيراً كعشرة دراهم؛ وَهَبْهُ صح الردّ بالعداوة مع بقاء العدالة فالقائلون بذلك يشرطون أن تكون عداوة دنيوية تبلغ أن يحزن لفرحه ويفرح لحزنه، وهذا لا يتأتى للاستاذ إثباته في أحد ممن يتهمهم لأنه إن ثبت انحرافهم عن أبي حنيفة وأصحابه وثبت أن ذلك الانحراف عداوة فهو عداوة دينية، وهَبْ أنه ثبت في بعضهم أنها عداوة دنيوية فلا يتأتى للاستاذ إثبات بلوغها ذاك الحد ، أي أن يحزن لفرحه ويفرح لحزنه، وهبه بلغ فقد تقدم أن الرواية لا ترد بالعداوة. هذا على فرض مجامعة ذلك للعدالة، وإلا فالرد لعدم العدالة. وأما ما ذكره الشافعي في أصحاب العصبية، فالشَّافعي إنما عنى العصبية لأجل النسب كما هو صريح في كلامه، وذلك أمر دنيوي، وكلامه ظاهر في أنها بشرطها تسقط العدالة؛ ولا ريب أنه إذا بلغت العصبية أو العداوة إسقاط العدالة لم تقبل لصاحبها شهادة ولا رواية البتة سواء أكانت دنيوية أم مذهبية أم دينية، كمن يسرف في الحنق على الكفار فيتعدى على أهل الذمة والأمان بالنهب والقتل ونحو ذلك، بل قد يكفر. ٢٢٧ فقد اتضح بما تقدم الجواب عن بعض ما يمكن التشبث به في رد رواية العدل، وبقي حكاية عن شريك ربما يؤخذ منها أنه قد يقبل شهادة بعض العدول في القليل ولا يقبلها في الكثير، وفرع للشافعي قد يتوهم فيه نحو ذلك، وما يقوله أصحاب الحديث في رواية المبتدع، وما قاله بعضهم في جرح المحدث لمن هو ساخط عليه. فأما الحكاية عن شريك فمنقطعة، ولو ثبتت لوجب حملها على أن مراده القبول الذي تطمئن إليه نفسه فإن القاضي قد لا يكون خبيراً بعدالة الشاهدين وضبطهما وتيقظهما وإنما عدلهما غيره، فإذا كان المال كثيراً جداً بقي في نفسه ريبة، وقد بين أهل العلم أن مثل هذا إِنما يقتضي التروي والتثبت، فإذا تروى وبقيت الحال كما كانت وجب عليه أن يقضي بتلك الشهادة ويعرض عما في نفسه؛ وأما الفرع المذكور عن الشافعي فليس من ذاك القبيل، وإنما هو من باب الاحتياط للتعديل، ومع ذلك فقد رده إمام الحرمين وقال: إن أكثر الأئمة على خلافه. وأما رواية المبتدع وجرح المحدث لمن هو ساخط عليه فأفرِدُ كلاً منهما بقاعدة. ٣- رواية المبتدع لا شبهة أن المبتدع إن خرج ببدعته عن الاسلام لم تقبل روايته لأن من شرط قبول الرواية الاسلام. وأنه إن ظهر عناده أو إسرافه في اتباع الهوى والإعراض عن حجج الحق ونحو ذلك مما هو أدل على وهن التدين من كثير من الكبائر كشرب الخمر وأخذ الربا فليس بعدل، فلا تقبل روايته لأن من شرط قبول الرواية العدالة. وأنه إن استحل الكذب، فإما أن يكفر بذلك، وإما أن يفسق، فإن عذرناه فمن شرط قبول الرواية الصدق فلا تقبل روايته. ٢٢٨ ! وأن من تردد أهل العلم فيه فلم يتجه لهم أن يكفروه أو يفسقوه ولا أن يعدلوه فلا تقبل روايته لأنه لم تثبت عدالته. ويبقى النظر فيمن عدا هؤلاء، والمشهور الذي نقل ابن حبان والحاكم إجماع أئمة السنة عليه أن المبتدع الداعية لا تقبل روايته(١) وأما غير الداعية فكالسُّني؛ واختلف المتأخرون في تعليل رد الداعية، والتحقيق إن شاء الله تعالى أن ما اتفق ائمه السنة على أنها بدعة فالداعية إليها الذي حقه أن يسمى داعية لا يكون إلا من الأنواع الأولى إن لم يتجه تكفيره اتجه تفسيقه، فإن لم يتجه تفسيقه فعلى الأقل لا تثبت عدالته، والى هذا أشار مسلم في مقدمة صحيحة إذ قال: ((إِعلم - وفقك الله - أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها وثقات الناقلين لها من المتهمين، أن لا يروى منها إلا ما عرف صحة مخارجه والستارة في ناقليه، وأن يتقى منها ما كان عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع، والدليل على أن الذي قلنا في هذا هو اللازم دون ما خالفه قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِنْ جاءَكُمْ فاسق بنبأ فَتَبَيِّنُوا أَنْ تُصِيبوا قَوْماً بجهالةٍ فَتُصْبِحُوا على ما فَعَلَّتُم نادمين﴾ (٢) وقال جل ثناؤه: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْن من الشَّهداء﴾ (٢) وقال: ﴿وأَشْهدوا ذَوي عَدْلِ مِنْكُمْ﴾(٤) فدل بما ذكرنا أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول وأن شهادة غير العدل مردودة، والخبر وإن فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه فقد يجتمعان في أعظم معانيهما إذا كان خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم. كما أن شهادته مردودة عند جميعهم)). فالمبتدع الذي يتضح عناده إِما كافر وإما فاسق، والذي لم يتضح عناده ولكنه حقيق بأن يتهم بذلك وهو في معنى الفاسق لأنه مع سوء حاله لا تثبت عدالته، (١) واننا نجد في زماننا خطر الدعاة، في الطعن بديننا وأمتنا، أكثر مما كان سائداً في تلك العصور - زهير . (٢) الحجرات (٦). (٣) البقرة (٢٨٢). (٤) الطلاق (٢). ٢٢٩ والداعية الذي الكلام فيه واحد من هذين ولا بد، وقد عرَّف أهل العلم العدالة بأنها: ((ملكة تمنع عن اقتراف الكبائر وصغائر الخسة ... )) زاد السبكي: ((وهوى النفس)) وقال: ((لا بد منه فإن المتقي للكبائر وصغائر الخسة مع الرذائل المباحة قد يتبع هواه عند وجوده لشيء منها فيرتكبه، ولا عدالة لمن هو بهذه الصفة)) نقله المحلّي في (شرح جمع الجوامع) لابن السبكي، ثم ذكر أنه صحيح في نفسه ولكن لا حاجة الى زيادة القيد، قال: ((لأن من عنده ملكة تمنعه عن اقتراف ما ذكر ينتفي عنه اتباع الهوى لشيء منه وإلا لوقع في المهوي فلا يكون عنده ملكة تمنع منه)» أقول: ما من إنسان إلا وله أهواء فيما ينافي العدالة، وإنما المحذور اتباع الهوى، ومقصود السبكي تنبيه المعدلين فإنه قد يخفى على بعضهم معنى ((الملكة)) فيكتفي في التعديل بأنه قد خبر صاحبه فلم يره ارتكب منافياً للعدالة فيعدله، ولعله لو تدبر ١ لعلم أن لصاحبه هوى غالباً يخشى أن يحمله على ارتكاب منافي العدالة إذا احتاج إليه وتهيأ له، ومتى كان الأمر كذلك فلم يغلب على ظن المعدل حصول تلك الملكة وهي العدالة لصاحبه، بل إما أن يترجح عنده عدم حصولها فیکون صاحبه ليس بعدل، وإما أن يرتاب في حصولها لصاحبه، فكيف يشهد بحصولها له؟ كما هو معنى التعديل. وأهل البدع كما سماهم السلف ((أصحاب الأهواء)) واتّباعهم لأهوائهم في الجملة ظاهر، وإنما يبقى النظر في العمد والخطأ، ومن ثبت تعمده أو اتهمه بذلك عارفوه لم يؤمن كذبه، وفي (الكفاية) للخطيب (ص ١٢٣) عن علي بن حرب الموصلي: ((كل صاحب هوى يكذب ولا يبالي )) يريد والله أعلم أنهم مظنة ذلك فيحترس من أحدهم حتی یتبین براءته. هذا وإذا كانت حجج السنة بينة فالمخالف لها لا يكون إلا معانداً أو متبعاً للهوى معرضاً عن حجج الحق، واتباع الهوى والإعراض عن حجج الحق قد يفحش جداً حتى لا يحتمل أن يعذر صاحبه، فإن لم يجزم أهل العلم بعدم العذر فعلى الأقل لا يمكنهم تعديل الرجل، وهذه حال الداعية الذي الكلام فيه، فإنه لولا ٢٣٠ أنه معاند أو منقاد لهواه انقياداً فاحشاً، معرض عن حجج الحق إعراضاً شديداً لكان أقل أحواله أن يحمله النظر في الحق على الإرتياب في بدعته فیخاف إن كان متديناً أن يكون على ضلالة ويرجو أنه إن كان على ضلالة فعسى الله تبارك وتعالى أن يعذره، فإذا التفت الى أهل السنة علم أنهم إن لم يكونوا أَوْلى بالحق منه فالأمر الذي لا ريب فيه أنهم أَوْلى بالعذر منه وأحق إن كانوا على خطأ أن لا يضرهم ذلك، لأنهم إنما يتبعون الكتاب والسنة ويحرصون على اتباع سبيل المؤمنين ولزوم صراط المنعم عليهم: النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وخيار السلف، فيقول في نفسه: هب أنهم على باطل فلم يأتهم البلاء من اتباع الهوى وتتبع السبل الخارجة؛ ولا ريب أن من كانت هذه حاله فإنه لا يكفر أهل السنة ولا يضللهم ولا يحرص على إدخالهم في رأيه بل يشغله الخوف على نفسه فلا يكون داعية. فأما غير الداعية فقد مر نقل الإجماع على أنه كالسني، إذا ثبتت عدالته قبلت روايته، وثبت عن مالك ما يوافق ذلك، وقيل عن مالك أنه لا يروى عنه أيضاً، والعمل على الأول؛ وذهب بعضهم الى أنه لا يروى عنه إلا عند الحاجة، وهذا أمر مصلحي لا ينافي قيام الحجة بروايته بعد ثبوت عدالته؛ وحكى بعضهم أنه إذا روى ما فيه تقوية لبدعته لم يؤخذ عنه، ولا ريب أن ذلك المروي إذا حكم أهل العلم ببطلانه فلا حاجة الى روايته إلا لبيان حاله، ثم إن اقتضى جرح صاحبه بأن ترجح أنه تعمد الكذب أو أنه متهم بالكذب عند أئمة الحديث سقط صاحبه البتة فلا يؤخذ عنه ذاك ولا غيره، وإن ترجح أنه إنما أخطأ فلا وجه لمؤاخذته بالخطأ، وإن ترجح صحة ذلك المروي فلا وجه لعدم أخذه، نعم قد تدعو المصلحة الى عدم روايته حيث يخشى أن يغتر بعض السامعين بظاهره فيقع في البدعة. قرأت في جزء قديم من (ثقات العجلي) ما لفظه: ((موسى الجهني قال جاءني عمرو بن قيس الملائي وسفيان الثوري فقال: لا تحدث بهذا الحديث بالكوفة أن النبي عليه السلام قال لعلي: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى)) (١) كان في الكوفة جماعة يغلون بالتشيع ويدعون الى الغلو، فكره عمرو بن قيس وسفيان أن يسمعوا (١) اخرجه الشيخان في( ((صحیحهما)). ن. ٢٣١ هذا الحديث فيحملوه على ما يوافق غلوهم فيشتد شرهم. وقد يمنع العالم طلبة الحديث عن أخذ مثل هذا الحديث لعلمه أنهم إذا أخذوه ربما رووه حيث لا ينبغي أن يروى، لكن هذا لا يختص بالمبتدع، وموسى الجهني ثقة فاضل لم ينسب الى بدعة . هذا وأول من نسب إليه هذا القول إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني وكان هو نفسه مبتدعاً منحرفاً عن أمير المؤمنين عليٍّ متشدداً في الطعن على المتشيعين كما يأتي في القاعدة الآتية، ففي (فتح المغيث) (ص ١٤٢)،: ((بل قال شيخنا أنه قد نص على هذا القيد في المسألة | الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني شيخ النسائي فقال في مقدمة كتابه في الجرح والتعديل: ومنهم زائغ عن الحق، صدوق اللهجة، قد جرى في الناس حديثه، لكنه مخذول في بدعته، مأمون في روايته، فهؤلاء ليس فيهم حيلة إلا أن يؤخذ من حديثهم ما يعرف وليس بمنكر إذا لم تقو به بدعتهم فیتهمونه بذلك )». والجوزجاني فيه نصب، وهو مولع بالطعن في المتشيعين كما مر، ويظهر أنه إنما يرمي بكلامه هذا إليهم، فإن في الكوفيين المنسوبين الى التشيع جماعة أجلة اتفق أئمة السنة على توثيقهم وحسن الثناء عليهم وقبول رواياتهم وتفضيلهم على كثير من الثقات الذين لم ينسبوا إلى التشيع حتى قيل لشُعبة: حدثنا عن ثقات أصحابك، فقال: إن حدثتكم عن ثقات أصحابي فإنما أحدثكم عن نفر يسير من هذه الشيعة، الحكم بن عتيبة، اوسلمة بن كهيل، وحبيب بن أبي ثابت، ومنصور. [ راجع تراجم هؤلاء في (تهذيب التهذيب)]. فكأن الجوزجاني لما علم أنه لا سبيل الى الطعن في هؤلاء وأمثالهم مطلقاً حاول أن يتخلص مما يكرهه من مروياتهم وهو ما يتعلق بفضائل أهل البيت، وعبارته المذكورة تعطي أن المبتدع الصادق اللهجة المأمون في الرواية المقبول حديثه عند أهل السنة إذا روى حديثاً معروفاً عند أهل السنة غير منكر عندهم إلا أنه مما قد تقوى به بدعته فإنه لا يؤخذ وأنه يتهم؛ فأما اختيار أن لا يؤخذ فله وجه رعاية للمصلحة كما مر، وأما أنه يتهم فلا يظهر له وجه بعد اجتماع تلك الشرائط إلا أن يكون المراد أنه قد يتهمه من عرف بدعته ولم يعرف ٢٣٢ صدقه وأمانته، ولم يعرف أن ذاك الحديث معروف غير منكر فيسيء الظن به وبمروياته، ولا يبعد من الجوزجاني أن يصانع عما في نفسه باظهار أنه إنما يحاول هذا المعنى فبهذا تستقيم عبارته، أما الحافظ ابن حجر ففهم منها معنى آخر، قال في (النخبة وشرحها): ((الأكثر على قبول غير الداعية إلا أن يروي ما يقوي مذهبه فيرد على المذهب المختار، وبه صرح الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني شيخ أبي داود والنسائي))، وسيأتي الكلام معه إن شاء الله تعالى؛ ولابن قتيبة في كتاب (تأويل مختلف الحديث) كلام حاصله أن المبتدع الصادق المقبول لا يقبل منه ما يقوي بدعته، ويقبل منه ما عدا ذلك قال: ((وإنما يمنع من قبول قول الصادق فيما وافق نحلته وشاكل هواه أن نفسه تريه أن الحق فيما اعتقده، وأن القربة الى الله عز وجل في تثبيته بكل وجه، ولا يؤمن مع ذلك التحريف والزيادة والنقص)) كذا قال، واحتج بأن شهادة العدل لا تقبل لنفسه وأصله وفرعه، وقد مر الجواب عن ذلك، ولا أدري كيف ينعت بالصادق من لا يؤمن منه تعمد التحريف والزيادة والنقص ؟ وإنما يستحق النعت بالصادق من يوثق بتقواه وبأنه مهما التبس عليه من الحق فلن يلتبس عليه أن الكذب بأي وجه كان مناف للتقوى، مجانب للايمان. ولا ريب أن فيمن يتسم بالصلاح من المبتدعة وكذا من أهل السنة (١) من يقع في الكذب إما تقحماً في الباطل، وإما على زعم أنه لا حرج في الكذب في سبيل تثبيت الحق، ولا يختص ذلك بالعقائد بل وقع فيما يتعلق بفروع الفقه وغيرها كما يعلم من مراجعة كتب الموضوعات؛ وأعداء الإسلام، وأعداء السنة يتشبثون بذلك في الطعن في السنة كأنهم لا يعلمون أنه لم يزل في إخبار الناس في شؤون دنياهم الصدق والكذب، ولم تكن كثرة الكذب بمانعة من معرفة الصدق إما بيقين وإما بظن غالب يجزم به العقلاء ويبنون عليه أموراً عظاماً، ولم يزل الناس يغشُّون الأشياء النفيسة ويصنعون ما يشبهها كالذهب والفضة والدر والياقوت والمسك والعنبر والسمن والعسل والحرير والخزّ وغيرها، ولم يُحل ذلك دون معرفة الصحيح، والخالق الذي (١) وما أكثر وأسهل السمة والشكل، وأخطر النتائج - زهير. ٢٣٣ هيأ لعباده ما يحفظون به مصالح دنياهم هو الذي شرع لهم دين الإسلام وتكفل بحفظه الى الأبد ، وعنايته بحفظ الدين أشد وآكد لأنه هو المقصود بالذات من هذه النشأة الدنيا قال الله عز وجل: ﴿وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والإِنْسَ إِلّ لِيَعْبُدُون﴾(١). ومن مارس أحوال الرواية وأخبار رواة السنة وأئمتها علم أن عناية الأئمة بحفظها وحراستها ونفي الباطل عنها والكشف عن دخائل الكذابين والمتهمين كانت أضعاف عناية الناس بأخبار دنياهم ومصالحها، وفي (تهذيب التهذيب) (ج ١ ص ١٥٢): (( قال إسحاق بن إبراهيم: أخذ الرشيد زنديقاً فأراد قتله فقال: أين أنت من ألف حديث وضعتها؟ فقال له: أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وابن المبارك ينخلانها حرفاً حرفاً؟)) وقيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة. وتلا قول الله عز وجل: ﴿إِنا نَحْنُ نزَّلنا الذِّكْرِ وإنّا لَهُ لَحافِظُون﴾ (٢)) والذكر يتناول السنة بمعناه إن لم يتناولها بلفظه، بل يتناول العربية وكل ما يتوقف عليه معرفة الحق، فإن المقصود من حفظ القرآن أن تبقى الحجة قائمة والهداية دائمة إلى يوم القيامة لأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء ، وشريعته خاتمة الشرائع، والله عز وجل إنما خلق الخلق لعبادته فلا يقطع عنهم طريق معرفتها، وانقطاع ذلك في هذه الحياة الدنيا انقطاع لعلة بقائهم فيها. قال العراقي في (شرح ألفيته) (ج ١ ص ٢٦٧): ((روينا عن سفيان قال: ما ستر الله أحداً يكذب في الحديث ، وروينا عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: لو أن رجلاً هَمَّ أن يكذب في الحديث لأسقطه الله، وروينا عن ابن المبارك قال: لو هَمَّ رجل في السحر أن يكذب في الحديث لأصبح والناس يقولون فلان كذاب)). والمقصود هنا أن من لا يؤمن منه تعمد التحريف والزيادة والنقص على أي وجه كان فلم تثبت عدالته، فإن كان كل من اعتقد أمراً ورأى أنه الحق وأن القربة إلى الله تعالى في تثبيته لا يؤمن منه ذلك فليس في الدنيا ثقة، وهذا باطل قطعاً، فالحكم به على المبتدع إن قامت الحجة على خلافه بثبوت عدالته وصدقه وأمانته فباطل، (١) الذاريات. (٦). (٢) الحجر (٩). ٢٣٤ وإلا وجب أن لا يحتج بخبره البتة، سواء أوافق بدعته أم خالفها، والعدالة: (( ملكة تمنع من اقتراف الكبائر .... )) وتعديل الشخص شهادة له بحصول هذه الملكة، ولا تجوز الشهادة بذلك حتى يغلب على الظن غلبة واضحة حصولها له، وذلك يتضمن غلبة الظن بأن تلك الملكة تمنعه من تعمد التحريف والزيادة والنقص، ومن غلب على الظن غلبةً يصح الجزم بها أنه لا يقع منه ذلك فكيف لا يؤمن أن يقع منه؟ ومن لا يؤمن أن يقع منه ذلك فلم يغلب على الظن أن له ملكة تمنعه من ذلك، ومن خيف أن يغلبه ضرب من الهوى فيوقعه في تعمد الكذب والتحريف لم يؤمن أن يغلبه ضرب آخر وإن لم نشعر به، بل الضرب الواحد من الهوى قد يوقع في أشياء يتراءى لنا أنها متضادة، فقد جاء أن موسى بين طريف الأسدي كان يرى رأي أهل الشام في الانحراف عن علي رضي الله عنه ويروي أحاديث منكرة في فضل علي ويقول: ((إني لأسخر بهم)) يعني بالشيعة، راجع ترجمته في (لسان الميزان). وروى محمد بن شجاع الثلجي الجهمي عن حبان بن هلال أحد الثقات الأثبات عن حماد بن سلمة أحد أئمة السنة عن أبي المهَزّم (١) عن أبي هريرة مرفوعاً: ((إن الله خلق الفرس فأجراها فعرقت ثم خلق نفسه منها)). وفي (الميزان) أن غرض الجهمية من وضع هذا الحديث أن يستدلوا به على زعمهم أن ما جاء في القرآن من ذكر ((نفس الله)) عز وجل إنما المراد بها بعض مخلوقاته. أقول: ولهم غرضان آخران: أحدهما: التذرع بذلك إلى الطعن في حماد بن سلمة كما يأتي في ترجمته. الثاني: التشنيع على أئمة السنة بأنهم يروون الأباطيل، والشيعي الذي لا يؤمن أن يكذب في فضائل أهل البيت لا يؤمّن أن يكذب في فضائل الصحابة على سبيل التقية ، أو ليرى الناس أنه غير متشدد في مذهبه يمهد بذلك ليُقبل منه ما يرويه مما يوافق مذهبه. وعلى كل حال فابن قتيبة على فضله ليس هذا فنه، ولذلك لم يعرج أحد من (١) قلت: وهذا متروك كما في (التقريب) . ن. ٢٣٥ أئمة الأصول والمصطلح على حكاية قوله ذلك فيما أعلم. والله الموفق. وفي (فت المغيث) (ص ٤٠) عن ابن دقيق العيد: ((إن وافقه غيره فلا يلتفت إليه إخماداً لبدعته وإطفاءً لناره، وإن لم يوافقه أحد ولم يوجد ذلك الحديث إلا عنده مع ما وصفنا من صدقه وتحرزه عن الكذب واشتهاره بالتدين وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته فينبغي أن تقدم مصلحة تحصيل ذلك الحديث ونشر تلك السنة على مصلحة إهانته وإطفاء ناره)). ويظهر أن تقييده بقوله: ((وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته)) إنما مغزاه أنه إذا كان فيه تقوية لبدعته لم تكن هناك مصلحة في نشره بل المصلحة في عدم روايته كما مر، ويتأكد ذلك هنا بأن الغرض أنه تفرد به وذلك يدعو إلى التثبت فيه، وإذا كان كلام ابن دقيق العيد محتملاً لهذا المعنى احتمالاً ظاهراً فلا يسوغ حمله على مقالة ابن قتيبة التي مر ما فيها. وقال ابن حجر في (النخبة وشرحها): ((الأكثر على قبول غير الداعية إلا أن يروي ما يقوي مذهبه فيرد على المذهب المختار، وبه صرح الحافظ أبو إسحاق ابراهيم بن يعقوب الجوزجاني شيخ أبي داود والنسائي ... وما قلته متجه لأن العلة التي لها رد حديث الداعية واردة، فيما إذا كان ظاهر المروي يوافق مذهب المبتدع ولو لم يكن داعية. والله أعلم)). أقول الضمير في قوله ((فيرد )) يعود فيما يظهر على المبتدع غير الداعية، أوقع الرد على الراوي في مقابل إطلاق القبول عليه، وقد قال قبل ذلك: ((والتحقيق أنه لا يرد كل مكفَّر ببدعة)» والمراد برد الراوي رد مروياته كلها؛ وقد يقال يحتمل عود الضمير على المروي المقوي لمذهبه، وعلى هذا فقد يفهم منه أنه يقبل منه ما عداه، وقد يشعر بهذا استناد ابن حجر إلى قول الجوزجاني فأقول: إن كان معنى الرد على هذا المعنى الثاني ترك رواية ذاك الحديث للمصلحة وإن كان محكوماً بصحته فهذا هو المعنى الذي تقدم أن به تستقيم عبارة الجوزجاني، وإن كان معناه رد ذاك الحديث اتهاماً لصاحبه ويرد معه سائر رواياته فهذا موافق للمعنى الأول، ولا تظهر ٠٢٣٦ موافقته لعبارة الجوزجاني، وإن كان معناه رد ذلك الحديث اتهاماً لراويه فيه ومع ذلك يبقى مقبولاً فيما عداه فليست عبارة الجوزجاني بصريحة في هذا ولا ظاهرة فيه كما مر وإنما هو قول ابن قتيبة. وسياق كلام ابن حجر ما عدا استناده إلى قول الجوزجاني يدل على أن مقصوده رد الراوي مطلقاً أو رد ذاك الحديث وسائر روايات راويه، وذلك لأمور منها أن ابن حجر صرح بأن العلة التي رد بها حديث الداعية واردة في هذا وقد قدم أن العلة في الداعية هي: ((أن تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه، ومن كانت هذه حاله فلم تثبت عدالته كما تقدم فيرد مطلقاً، ومنها أن هذه العلة اقتضت في الداعية الرد مطلقاً فكذلك هنا، بل قد يقال على مقتضى كلام ابن حجر: هذا أولى لأن الداعية يرد مطلقاً وإن لم يرو ما يوافق بدعته وهذا قد روى. هذا وقد وثق أئمة الحديث جماعة من المبتدعة واحتجوا بأحاديثهم وأخرجوها في الصحاح، ومن تتبع رواياتهم وجد فيها كثيراً مما يوافق ظاهره بدعهم، وأهل العلم يتأولون تلك الأحاديث غير طاعنين فيها ببدعة راويها ولا في راويها بروايته لها (١)، بل في رواية جماعة منهم أحاديث ظاهرة جداً في موافقة بدعهم أو صريحة في (١) كحديث مسلم من طريق الأعمش عن عدي بن ثابت عن زَرّ قال قال علي: والذي خلق الحبة وبرأ النسمه إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إليَّ أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق. عدي قال فيه ابن معين: شيعي مفرط. وقال أبو حاتم: ((صدوق وكان إمام مسجد الشيعة وقاصهم)). وعن الإمام أحمد: ((ثقة إلا انه كان يتشيع)) وعن الدار قطي: ((ثقة إلا أنه كان غالياً في التشيع )» ووثقة آخرون. ويقابل هذا رواية قيس ابن ابي حازم عن عمرو بن العاص، عهد النبي صلى الله عليه وسلم جهاراً غير سر يقول: ((ألا إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء، إنما ولي اللهُ وصالحُ المؤمنين، إن لهم رحماً سأبلها بيلالها)) ورواه غندر عن شعبة بلفظ: ((إن آل أبي ..... )) ترك بياضاً، وهكذا أخرجه الشيخان. وقيس ناصبي منحرف عن علي رضي الله عنه. ولي في هذا كلام. ٢٣٧ ذلك إلا أن لها عللاً أخرى، ففي رواية الأعمش أحاديث كذلك ضعفها أهل العلم بعضها بضعف بعض من فوق الأعمش في السند وبعضها بالانقطاع، وبعضها بأن الأعمش لم يصرح بالسماع وهو مدلِّس، ومن هذا الأخير حديث في شأن معاوية ذكره البخاري في ((تاريخه الصغير)) (ص ٦٨) ووهنه بتدليس الأعمش، وهكذا في رواية عبد الرزاق وآخرين. هذا وقد مر تحقيق علة رد الداعية، وتلك العلة ملازمة أن يكون بحيث يحق أن لا يؤمن منه ما ينافي العدالة فهذه العلة ان وردت في كل مبتدع روى ما يقوي بدعته ولو لم یکن داعية وجب أن لا يحتج بشيء من مرویات من کان کذلك ولو فيما يوهن بدعته، وإلاَّ - وهو الصواب - فلا يصح إطلاق الحكم بل يدور مع العلة، فذاك المروي المقوي لبدعة راويه إما غیر منکر فلا وجه لرده فضلاً عن رد راويه، وإما منكر، فحكم المنكر معروف، وهو أنه ضعيف، فأما راويه فإن اتجه الحمل عليه بما ينافي العدالة كرميه بتعمد الكذب أو اتهامه به سقط البتة، وإن اتجه الحمل على غير ذلك كالتدليس المغتفر والوهم والخطأ لم يجرح بذلك، وإن تردد الناظر وقد ثبتت العدالة وجب القبول، وإلا أخذ بقول من هو أعرف منه أو وقف، وقد مر أوائل القاعدة الثانية بيان ما يمكن أن يبلغه أهل العصر من التأهل للنظر فلا تغفل. وبما تقدم يتبين صحة إطلاق الأئمة قبول غير الداعية إذا ثبت صلاحه وصدقه وأمانته، ويتبين أنهم إنما نصوا على رد المبتدع الداعية تنبيهاً على أنه لا يثبت له الشرط الشرعي للقبول وهو ثبوت العدالة. هذا كله تحقيق للقاعدة فأما الاستاذ فيكفينا أن نقول له: هب أنه اتجه أن لا يقبل من المبتدع الثقة ما فيه تقوية لبدعته فغالب الذين طعنت فيهم هم من أهل السنة عند مخالفيك وأكثر موافقيك، والآراء التي تعدها هوىً باطلاً، منها ما هو عندهم حق، ومنها ما يسلم بعضهم أنه ليس بحق ولكن لا يعده بدعة، وسيأتي الكلام في الاعتقاديات والفقهيات ويتبين المحق من المبطل إن شاء الله تعالى، وفي الحق ما يغنيك لو قنعت به كما مرت الإشارة إليه في الفصل الثاني، ومن لم يقنع ٢٣٨ بالحق اوشك أن يحرم نصيبه منه، كالراوي يروي أحاديث صادقة موافقة لرأيه ثم يكذب في حديث واحد فيفضحه الله تعالى فتسقط أحاديثه كلها! ﴿﴿إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونِ ولا تُظْلَمون﴾ (١). ٤ - قدح الساخط ومدح المحب ونحو ذلك كلام العالم في غيره على وجهين: الأول ما يخرج مخرج الذم بدون قصد الحكم، وفي ((صحيح مسلم)) وغيره من حديث أبي هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر وإني قد اتخذت عندك عهداً لم تخلفنيه، فأما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة )) وفي رواية: ((فأي المسلمين آذيته شتمته لعنته جلدته فأجعلها له صلاة ... )) وفيه نحوه من حديث عائشة ومن حديث جابر، وجاء في هذا الباب عن غير هؤلاء، (٣) وحديث أبي هريرة في صحيح البخاري مختصراً؛ ولم يكن صلى الله عليه. وآله وسلم سباباً ولا شتاماً ولا لعاناً ولا كان الغضب يخرجهُ عن الحق، وإنما كان كما نعته ربه عز وجل بقوله ﴿إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عظيمٍ﴾ (٣) قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّوا مِن حَوْلِكُ﴾ وقوله عز وجل ﴿لَقَدْ جاءَكْ رَسُولٌ مِن أَنْفُسِكِم عزيزٌ عَليْهِ ما عَنِتُم حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤُمِنِينِ رَوَّوفٌ رَحِيمٍ﴾(٥) بـ (١) البقرة: (٢٧٩). (٢) انظر تخريج أحاديثهم في كتابنا ((سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها)) طبع المكتب الاسلامي (رقم ٨٣ - ٨٤). ن. (٣) القلم (٤). (٤) آل عمران (٥٩). (٥) التوبة (٢٨). ٢٣٩ وإنما كان يرى من بعض الناس ما يضرهم في دينهم أو يخل بالمصلحة العامة أو مصلحة صاحبه نفسه فيكره صلى الله عليه وآله وسلم ذلك وينكره فيقول: ((ماله تربت يمينه)) ونحو ذلك مما يكون المقصود به إظهار كراهية ما وقع من المدعو عليه وشدة الإنكار لذلك، وكأنه - والله أعلم - أطلق على ذلك سباً وشتاً على سبيل التجوز بجامع الإيذاء، فأما اللعن فلعله وقع الدعاء به نادراً عند شدة الإنكار؛ ومن الحكمة في ذلك إعلام الناس أن ما يقع منه صلى الله عليه وآله وسلم عند الإنكار، كثيراً ما يكون على وجه إظهار الإنكار والتأديب لا على وجه الحكم، وفي مجموع الأمرين حكمة أخرى، وهي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد علم من طباع أكثر الناس أن أحدهم إذا غضب جرى على لسانه من السب والشتم واللعن والطعن ما لو سئل عنه بعد سكون غضبه لقال: لم أقصد ذلك ولكن سبقني لساني، أو لم أقصد حقيقته ولكني غضبت فأراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ينبه أُمته على هذا الأصل ليستقر في أذهانهم فلا يحملوا ما يصدر عن الناس من ذلك حال الغضب على ظاهره جزما . وكان حذيفة ربما يذكر بعض ما اتفق من كلمات النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند غضبه فأنكر سلمان الفارسي ذلك على حذيفة رضي الله عنهما وذكر هذا الحديث، وسئل بعض الصحابة وهو أبو الطفيل عامر بن وائلة من شيء من ذلك فأراد أن يخبر وكانت امرأته تسمع فذكرته بهذا الحديث فكفَّ. فكذلك ينبغي لأهل العلم أن لا ينقلوا كلمات العلماء عند الغضب وأن يراعوا فيما نقل منها هذا الأصل، بل قد يقال لو فرض أن العالم قصد عند غضبه الحكم لكان ينبغي أن لا يعتد بذلك حكماً، ففي (الصحيحين) وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان)) لفظ البخاري، والحكم في العلماء والرواة يحتاج إلى نظر وتدبر وتثبت أشد مما يحتاج إليه الحكم في كثير من الخصومات فقد تكون الخصومة في عشرة دراهم فلا يخشى من الحكم فيها عند الغضب إلا تفويت عشرة دراهم فأما الحكم على العالم والراوي فيخشى منه ٢٤٠