النص المفهرس
صفحات 121-140
مباهتاً مفترياً() -.
فليقل - رضي أو سخط - إن سبب خروج حكومة هذا الشعب الاسلامي على
تعاليم الاسلام الصحيحة والخرافية، هو وأمثاله الذين شوهوا دين الله وجعلوه لعباً
ولهواً، وعصبية وباطلاً، وحجباً وتمائم، وتحليل أنكحة.
وأنا أعفي الكوثري من السؤال عن سبب استبدال مصر بفقه الفقهاء، قوانين
وضعية أساسها قانون(٢) («نابليون))، لعله لا يعرف ذلك، أو یعرفه ولا يعترف به: إن
أمير البلاد طلب إلى شيوخها على لسان أحد المثقفين: أن يخرجوا خلاصة مذهبية
مهذبة الأطراف والحواشي، مبوبة منظمة تعتمد قولاً واحداً من أقاويل متعددة لا
يعرف الحق في أيها ليقدمه للمحاكم لتقضي به على المتحاكمين اليها من وطنيين
وأجانب، فاستعفى الأميرَ ذلك المثقفُ بأنه كبرت سنه ولا يحب أن يطعن الشيوخُ في
دينه بهذا الطلب منهم، لما يعلمه من جمودهم على ما هم فيه وطعنهم فيمن يحاول
تحويلهم عنه، فلجأ الأمير إلى أرمني(٤) لخص له خلاصة قانون نابليون وأعلنه حكما
يتحاكم اليه في المحاكمِ ، فنسخت بذلك شريعة الاسلام في المحاكم المدنية والجنائية
وسائر المعاملات، فمن المسؤول عن تأخير فقه المذاهب ونسخ الشريعة الاسلامية
فيها حتى لم تبق للمحاكم الشرعية إلا حثالة من الأحكام الشخصية، مثل الطوائف
الأخرى من يهود، وقبط، ومارون، في النكاح والطلاق والعدد والنفقات: هل
(١) يقصد بذلك حكومة ((أتاتورك)) الملحدة؛ وهذا السؤال بقي بدون جواب من الكوثري
وتلامذته حتى اليوم؛ لأنه لم يكن يستطيع أحد مخالفة أقوال مذهبه.
بل جعلوا قراءة حديث النبي ( 18) للبركة !!! واعتبرت كلمة المحدِّث السيد محمد جعفر
الكتاني بدمشق حدثاً فظيعاً، عندما قال: والله لا نقرأ الحديث إلا للعمل، للعمل! وكادت أن
تحدث له المصائب، لو لم يكن متمتعاً بالحماية الكافية.
وكذلك فعل تلميذه (أبو غدة) فقد وجه اليه منذ سنتين ونصف الشيخ محمد ناصر الدين الألباني
في مقدمته القيمة ((لشرح العقيدة الطحاوية)) عدداً من الاسئلة عن عقيدته وعقيدة شيخه. فلم
يحر جواباً. واغلب ظني انه اخر الجواب حتى يغادر بلاد التوحيد !!.
(٢) نابليون وقانونه. {(٣) الخديوي إسماعيل.
(٤) رئيس وزراء مصر الأرمني.
: ١٢١
المسؤول هم المهتدون بالكتاب والسنة الذين يسميهم الكوثري لا مذهبية، أم شيوخ
التقليد وعمائم المذاهب، وأعداء المهتدين بكتاب الله وسنة نبيه، أمثال الكوثري ممن
اتخذوا دين الله هزوا ولعبا، ثم يذهب في غير حياء فيرمي هؤلاء الهداة المهتدين بأنهم
قنطرة اللادينية بهتاً وبغياً وعدوانا، فالله حسيبه يوم القيامة(١).
الكوثري يشتم الأئمة
(٥) يتبرأ الكوثري من تهمة الطعن في الأئمة، مع أنه سجَّلَ على نفسه الطعن في
الأنساب الذي بقي في هذه الامة من أمور الجاهلية، فليس للشافعي عنده ميزة من
علم، ولا فضل، ولا فهم، ولا عربية، ولا معرفة بالكتاب والسنة، والعربية سوى
قرشية فيها اختلاف، يفضله فيها من ليس في قرشيته خلاف، كقرشية أبي حنيفة
مثلا، وليس لمالك مزية سوی سکنی المدينة في وقت لا فضل في سكناها، وليس لأحمد
ابن حنبل فضل سوى كثرة الحديث، من غير تمحيص ولا غوص، فهي قليلة
الجدوى.
فمالك سكن المدينة في وقت لافضل في سكنى المدينة فيه؟ ولأحمد كثرة من
الحديث بلا تمحيص ولا غوص؟ والشافعي مختلف في قرشيته مع غمزه بفحوى
الحديث: ((من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه(٢)) ولا ندري ما هو تبطيء عمل
الشافعي به الذي لا ينفعه معه نسب مختلف فيه(٣)، فماذا بقي للأئمة من فضل عند
(١) أنظر دفع العلامة اليماني لمطاعن الكوثري هذه عن الأئمة في ((التنكيل)) (١٠ / ٣٦٥١، ٣٧٢،
٣٨٦) و(٢ / ٦١١، ٦١٨، ٦٥٧).
(٢) رواه مسلم.
(٣) من أكبر أسباب طعن الكوثري بالإمام الشافعي الأقوال التي نقلت عن الإمام الشافعي وفيها
مخالفته للإمام أبي حنيفة رحمها الله؛ أنظر لذلك كتاب (مناقب الشافعي)) للإمام البيهقي،
تحقيق الأستاذ: سيّد صقر.
وأما عدواته للإِمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - فإن منهج أحمد يخالف منهج الإمام أبي حنيفة
بعض الشيء، ولكنه يخالف طريق المتعصبة من أتباع أبي حنيقة كل المخالفة.
وأما أهل الانصاف منهم فإنهم مع الإمام أحمد في الكثير الكثير من مسائل الاعتقاد والفقه؛ ومن =
١٢٢
من سماه بعضهم مجنون أبي حنيفة، وأنا لا أقول عنه مجنون أبي حنيفة. وإنما هو
مجنون ارتزاق واستجداء وتكفف واتجار بالدين تجارة غير شريفة، بين أناس يهز
أريحيتهم المالية، أمثال هذه التمويهات.
الكوثري يشتم الصحابة
وثالثة الأثافي، طعنه على أنس بن مالك، خادم النبي ◌َّله، وأحد فقهاء الصحابة وحفاظها
بالخرف والكذب على رسول الله وصله والامية، بسبب الكبر والشيخوخة وطول العمر الذي
اعطاه الله إياه ببركة دعاء النبي ◌َّ له بثلاث: منها طول العمر فهل استجاب الله دعوة
نبيه * لخادمه أنس؟ ليهرم ويخرف ويكذب على رسول الله ﴾ أنه رض رأس اليهودي قاتل
الجارية الانصارية بِرَضُ رأسها فقتله من غير بينة(١)، ورواية الاعتراف دلَّسها قتادة(٢) فيكون
طول عمر أنس ببركة الدعوة النبوية ليكذب على رسول الله ولي أنه قتل يهودياً بلا بينة
ورض رأسه خلافاً لمذهب أبي حنيفة، الذي لو أدرك النبي لأخذ النبي الدينَ عن أبي
حنيفة (وهل الدين إلا الرأي الحسن!) الذي امتاز به أبو حنيفة فلماذا لم يقتص من
اليهودي بالسيف، ولو ضربها بأبا؟؟؟ قبيس! أقول: طعن الكوثري في أنس بهذه
الطعون خرفٌ، وهرمٌ، وكذبُ على رسول الله وَلل تحت ستار عدم رفع الصحابة إلى
مستوى العصمة، وتحت ستار أن ابن عدي طعن في ((كامله)) في بعض الصحابة،
وتحت ستار أن الطعن في أنس بهذه الطعون السالفة، هو من باب التخير في أقوال
الصحابة، وأن ذلك منهج أهل التحقيق، وأن عقلية أبي حنيفة الجبارة صرفته عن
الأخذ بحديث أنس، وانتصار الكوثري له، باتهام أنس بالخرف والهرم والشيخوخة
والأمية، التي بكذب معها على رسول الله وَيقر، تلك العقلية التي لو كانت ظهرت في
= تتبع تراجم الأحناف وجد الكثيرين منهم كانوا على مذهب الإمام أحمد السلفي، وبعضهم قد
سُجن أو قُتل في سبيل ذلك.
(١) رواه الشيخان.
(٢) هذا من كلام الكوثري وليس من كلام المؤلف رحمه الله، كما يدلك عليه ما سينقله عنه في
الصفحة الآتية ، لكن قتادة صرّح بالحديث في رواية كما حققه الشيخ اليماني في ((التنكيل))
(٨٦٠/٢، ٨٦١) مع تعليق الشيخ الألباني عليه.
١٢٣
زمان رسول الله لترك لها الوحي، وأخذ بتلك العقلية الجبارة الفارسية الفلسفية،
وهل الدين إلا الرأي الحسن؟
وكأني بالكوثري يكسب رزقه بِرَمْيِنَا بعداوة أبي حنيفة، فأجيبه بالمثل السائر: (عدو
عاقل خير من محب جاهل) وحكاية الدبة التي قتلت صاحبها بضرب الذبابة على
وجهه بحجر، يعرفها صبيان المكاتب.
نماذج !!
اليك نموذجاً من احترام الكوثري لأئمة المسلمين من الصحابة فمن بعدهم:
١ - أنس بن مالك خادم النبي و 18 شاخ وكبر، فخرف(١) وروى عن النبي ◌َّ ما
لم يقله ولم يعمله من قتل يهودي بلا بينة ورضّ رأسه بالحجارة بدل قتله بالسيف الذي
يراه أبو حنيفة، وهو الرأى الحسن الذي لا يكون الدين عنده إلا الرأى الحسن،
خلافا للوحي، وللكتاب، والسنة.
ورواية قتادة: أن القاتل اعترف، رواية مدلسة اخترعها قتادة لينقذ الموقف أمام
صولة أصحاب الرأى الحسن، الذي لا يكون الدين عندهم إلا إياه.
٢ - الصحابة والتابعون ومن بعدهم الذين يقولون: الإيمان قول وعمل واعتقاد،
هم منحازون إلى المعتزلة والخوارج، شعروا أم لم يشعروا بذلك.
والذي يقول: العمل من الايمان، يُلزمهم الكوثري: أن الاخلال بشيء من
العمل - أي إخلال كان - يكون مخلا بالايمان فيلزمهم بتكفير من قصر - أي تقصير في
أي عمل من الأعمال(٢) - وهو ما ينكرونه ويبدِّعون قائله ويضللونه، ولذلك تورعوا
(١) وهذا ما لم يقله مسلم قط قبل الكوثري - عليه ما يستحق - وليست الأولى له فقد طعن بعدد من
الصحابة تعريضاً وتصريحاً مثل عبد الله بن عمرو، ومعاوية بن أبي سفيان، وبمن جهله هو من
الصحابة ولو كان معروف العين عند الرواة والمحدثين.
(٢) وتلميذ الكوثري (الشيخ أبو غُدّة) يتابع شيخه على هذا الإلزام، فإنه ينقل كلامه في بعض
تعليقاته مؤيداً إياه ومعجباً به. أنظر مقدمة الشيخ الألباني على ((شرح العقيدة الطحاوية) -(ص -
٥٨) الطبعة الثامنة - طبع المكتب الإسلامي. و ((القائد)» ص ٢٢٢ بل في جميع كتبه تجده=
١٢٤
عن إطلاق: أنا مؤمن حقا، وتبرأوا من الغرور بالله وقالوا: بل نقول: نحن مؤمنون
إن شاء الله، لا شكًا في إيمانهم بل تفويضا للمشيئة الالهية والعلم الرباني في تقدير
كمية إيمانهم، ونسبته المئوية من الكمال وبعداً عن الغرور، ورؤية العمل وتسليما بأن
الايمان يتفاوت درجات لا يعلمها إلا الله تعالى، لذلك سماهم الكوثري وأشباهه
شكاكين في ايمانهم، وتوقفوا في جواز زواج الشافعية التي تقول: أنا مؤمنة إن شاء الله .
تعالى، والمستحي منهم قاس جواز زواجها على جواز زواج اليهودية والنصرانية، مع
أن ذلك قياس فاسد شكلا، باطل موضوعا على أصولهم، إذ كيف يقاس مرتد
بزعمهم على كافر أصلي، وشاكٍ على ذمي؟
٣ - مالك: إمام أهل المدينة، ليس له ما يرغب في اتباع مذهبه سوى سكنى المدينة
في زمن لا مزية لسكناها إذ انتشر العلم في غيرها أكثر منه فيها.
٤ -الشافعي: إن رغب راغب في اتباعه لقرشيته، ففي قرشيته خلاف، ولا تنس
الحديث: (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)(١) فَلَوَّح بابطاء عمل الشافعي به، فان
صح نسب الشافعي، وهو ما فيه خلاف، فلن يجبر قصوره في عمله، فكيف
والخلاف في نسب الشافعي قائم عند من ورث الجاهلية في الطعن في الانساب.
٥- أحمد بن حنبل: إن رغبت في مذهبه لكثرة حديثه فأنت مخدوع، فما جدوى
كثرة الحديث بلا تمحيص ولا غوص ولا تحقيق، عند من ردها بالآراء الجبارة والأقيسة
الفارسية؟(٢)
٦ - الذين قالوا: القرآن كلام الله غير مخلوق من الصحابة والتابعين فمن بعدهم،
وصفوا الله بالكلام والحرف والصوت، (٣) فهم مجسمة مشبهة حشوية، لم يعرفوا الفرق
بين الدال والمدلول، والحقيقة والمجاز - وكلام الله هو علمه، عند الكوثري، وعلم
= مهووساً بالکوثري. وكما ان المؤلف رحمه الله سمی الکوثري مجنون أبي حنيفة. فانني اری ان
أبا غدة مجنون الكوثري والجنون فنون، كتب الله لنا السلامة.
(١) أنظر ((التنكيل)) (٦٢٧/٢).
(٢) أنظر نص كلام الكوثري والرد عليه في ((التنكيل)) (٣٦٦/١ رقم ٣٢).
(٣). أنظر بيان هذا وتأييده في ((القائد)) (٢١٩ - ٢٢١). طبع المكتب الإسلامي.
١٢٥
الله: قائم بذاته، فليس لله تعالى على تحقيق الكوثري وأضرابه - بيننا كلام يتلى أو
يكتب، ولا ثَمَّ إلا صوت القارىء، ومداد الكاتب، أما كلام الله تعالى الذي أنزله على
نبيه وقرأه النبي على أصحابه وتلقاه الناس عن الصحابة، فلا وجود له بيننا، والذي
يعترف به ورثة الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وبشر المريسي: أن الموجود
عندنا من كلام الله عبارة أو حكاية أو ترجمة لكلام الله فقط لا أكثر ولا أقل، والقرآن
من أوله إلى آخره أصوات القارئين ومداد الكاتبين وليس كلام الله (١)، تعالى الله عن
ذلك علواً كبيرا.
٧ - أبو نعيم، والبيهقي، والخطيب، والخلال، وأبو الشيخ، والحاكم وغيرهم من
الأئمة، متعصبون فهم غیر ثقات، فلا يقبل توثيقهم، ویزید الخطيب الذي روی ما
سجله التاريخ من حال أبي حنيفة، ولم يزد على التاريخ حرفا واحداً، يزيده الكوثري
بوسام يخصه به هو: أنه سخيف من سخفاء الرواة(٢).
٨ - أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري شيخ شيوخ أصحاب الكتب الستة
ومنهم البخاري ومسلم هو وضّاع كذاب فيكون رواية البخاري ومسلم عن هذا
الوضاع الكذاب، غش وتدليس وتضليل، ويدافع عن هذا البهتان باستبعاد خطأ
(١) ولذلك يؤكد الكوثري أن الخلاف بين أهل السُّنة القائلين بأن القرآن كلام الله غير مخلوق وبين
المعتزلة وأمثالهم القائلين بأنه مخلوق، إنما هو خلاف لفظيّ! ويتابعه في هذا تلميذه (أبو غدة)
في رسالة («مسألة خلق القرآن)» وهذا منهما كالتصريح بأن القرآن ليس كلام الله تعالى. ومن
شاء التفصيل فليراجع: ((مختصر لوامع الأنوار البهية)) (ص -١٢٨).
(٢) ومن سخافات الكوثري تعليقه على ((الانتقاء)) بأن ابن عبد البر قدم ترجمة مالك على أبي حنيفة.
ان الامام مالك مدني والشافعي مكي وابو حنيفة كوفي والمدينة افضل من مكة (كذا) وهذا
التمحل في التفصيل ما انزل الله به من سلطان.
نعم فقداثار بعضهم ذلك ولكن الاجماع انعقد بعد ذلك على ان مكة افضل والامام ابو حنيفة
وعلماء الكوفة كانوا من الذين فضلوا مكة المكرمة. واما ما ذكره ابو غدة (ابو حامد بن مرزوء)
في الطعن بابن تيمية فسببه العصبية والافتراء.
وقد طعن الكوثري بالحافظ الذهبي في اكثر من تعليق وشنع عليه لتأليفه كتاب ((العلو))
واختصاره لكتاب شيخ الاسلام ابن تيمية ((منهاج السنة)).
١٢٦
الطابعین، وبأن الخطأ خلاف الواقع، فالمخطی کاذب فھو واضع ووضاع، فلا بأس
أن يكون أبو عوانة وضّاعا إذا عرف له خطأ على تحقيق الكوثري. والخطيب متهم فيما
رواه من حال أبي حنيفة، ولو كان لم يرو إلا رواه الناس قبله: البخاري، وابن
الجارود، والساجي وابن أبي خيثمة، وابن عبد البر حافظ المغرب وغيرهم من حفاظ
الاسلام وبنادره وبحور علومه.
٩ - الحاكم أبو عبد الله مخلط إذ وجد في مستدركه الذي كان مسودة فلم يبيض
عدة أحاديث موضوعة، فاذاً لا قيمة له في توثيق ولا تجريح.
١٠ - الذهبي شيخ النقاد اذا نقد كلام الحاكم معتداً له، انما يتابع الحاكم متابعة
الأعمى لقائده، فلا قيمة لذلك عند الكوثري، وإن خالفه الناس جميعا في الانتفاع
بعلم الذهبي وتحقيقه وجرحه وتعديله وتدوينه تاريخ الاسلام مطولا ومختصرا.
طبع كتب شيخ الاسلام ابن تيمية
(٦) يمتعض الكوثري من طبع الطابع مجموعة لشيخ الاسلام ابن تيمية، فيها
عدة رسائل فيها بيان عن رأس الحسين أين دفن؟ وبيان بقول الرافضة وأسانيدهم في
النقل، وما يعولون عليه في بناء رفضهم، وفي المجموعة رسائل أخرى مفيدة کجهاد
الكفار، والدعوة إلى التعاون، وإحياء طرق الخير وغيرها، مما يحبه كل محب للعلم
النافع وتمحيص الحقائق، فاذا كنا عرفنا سبب امتعاض الكوثري وتوجعه من طبع.
((الرد على المريسي)) توجعاً للمريسي وللجعد والجهم وغيظه على ((السنة)) لإمام أهل
السنة أحمد بن حنبل، لما حوت من الروايات في إثبات صفات الكمال لله تعالى، التي
لا تعدو أن تكون بياناً لما جاء من ذلك في القرآن المجيد، والتي هي عمدة أهل الحق
والسنة والجماعة من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى في كل عصر ومصر، وان
اقشعرت منها جلود الجهنمية وأفراخ المتفلسفة - إذا كنا عرفنا سبب امتعاضه وألمه من
ذلك، فانا لما نعرف - وربما نعرف بعد ذلك أسباب غيظه من هذه المجموعة وطبعها
وطابعها(١) - هل هو الشفقة على باطل الرافضة وتحليل أسانيدهم والحث على جهاد
(١) طبعت هذه الرسالة وقد كتب الشيخ محمد نصيف رحمه الله بان التعليقات مجموعة رأس =
١٢٧
الكفار؟ أو هو البغض لشيخ الإسلام ابن تيمية وآثاره الطيبة؟ كبغض الجعل(١)
للروائحِ الزكية؟ أو هو الترويج للعامة وما يعتقدونه في الحسين رضي الله عنه رأساً
وجسداً أنه في ذلك المشهد المشهور باسمه في القاهرة الذي أحدثه العبيديون، وإبقاء
للعامة على ما هم فيه من ضلال وغلو وطواف بالقبر ونذور بنفيس الأموال|والاوقات،
حول قبر مفتعل ومشهد مصنوع، صنعه الملاحدة العبيديون الاسماعيلية، ولو كان
جسد الحسين رضي الله عنه في هذا القبر ورأسه، لما جاز هذا الضلال والغلو عنده(٢)،
فيكون قد أعطانا الكوثري لوناً آخر من ألوان نفسه غير ما نعرفه عنه من الدفاع عن
الجهمية، وعداوة أهل السنة، ذلك اللون هو تألمه للرافضة والقبورية، وعداوته
للناصخ للناس، وهاديهم إلى طريق الحق، بالبيان، والعلم، والنصيحة، إن كان
ذلك فنِعْمَ ما أبان الكوثري لنا من دخائل نفسه وذات صدره؛ ولا أصدق من
اعتراف الجاني بجنايته وشهادة الشخص على خافيات صدره، وما يكنه قلبه،
والاعتراف ولو بلحن القول أقوى الأدلة المثبتة، وأثبت البيانات والشواهد على المقر
المعترف إلا إذا كان مخبولا يقول ما لا يعقل، وحينئذ نعرف من الكوثري: جھمیاً،
جعدياً، مريسياً، رافضياً، قبورياً عدواً للأئمة والسنة والسلف، جاهلاً محباً للباطل،
فليهنا بذلك كله والموعد الله يوم القيامة.
(٧) يتمدح الكوثري بنزاهة قلمه وينتزع لنفسه من كلام ناقده(٣)، منزلة فوق
مستوى البشر ويتضجر من بيان حاله في رسالة صاحب ((الطليعة)) أو المعلق عليه أو
طابعها، وأصارحه أن هذه الألفاظ الجارحة هي من صاحب التعليق، لا من المؤلف
ولا من الطابع، ذلك أني أردت أن ألفته عن أعراض الأئمة الكبار شموس أهل
السنة وبدور تاريخ الاسلام: كأبي نُعْيم، والبيهقي، والخطيب، وابي الشيخ،
= الحسين ليست له.
(١) الجعل: دويَّة لا تعيش الا في القاذورات، وتقتلها الروائح الطيبة.
(٢) بل لم يجز بقاء المسجد عليه.
(٣) هو العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني. المتوفى ١٩٦٦ يوم الخميس السادس من
شهر صفر من عام ١٣٨٦ من الهجرة، عليه رحمة الله.
١٢٨
والحاكم، وابن أبي خيثمة الذي لم يستح الكوثري النزيه المترفع فوق مستوى البشر،
أن يسمي الحافظ الخطيب سخيفاً من سخفاء الرواة، ولا أن يتورع عن رمي هؤلاء
الأئمة وأمثالهم بأنهم غير ثقات. وأنهم متعصبون متهمون وأن مبين تمويهاته الشيخ
اليماني أنه مصحح أوراق بالمطبعة العثمانية - يعني أنه يكتسب قوته بعرق جبينه -
شأن المسلم التقي في خير العصور، لا أنه يعيش على الدجل والاستجداء، وجلب
الرزق من تضليل العوام وتسميم عقولهم ودينهم وخلقهم، ونصب نفسه مدافعاً عن
ضلالهم وخرافاتهم(١).
فان قدرت أنا على تحويل الكوثري عن أعراض هؤلاء أئمة الدين والحديث
والهدى، إلى عرضي - وما هو بغال عندي - في سبيل وقاية عرض هؤلاء من ارتزاق
الكوثري، ومن الولوغ فيه ... أكون قد ربحت ربحاً عظيما من جهة، ومن جهة
أخرى أكون قد قدمت للكوثري عكازاً يتوكأ عليه لجلب رزقه من جيوب مغفلين
يسخون عليه بنفقات طبعها، وبذل سخي في شرائها وترويجها﴿كُلّ ◌ُدُّ هؤلاءِ وهولاءِ
(١) ممايؤيد ما تَقَدَّم ترامي الكوثري على أهل الثراء مع ضلالهم، مثل بعض أمراء مصر، وقيامه
بتقديم خدمات لهم ، وترجمته تواريخهم من التركية الى العربية، مع علمه بما فيها من كذبٍ
وضلالٍ .
وكذلك تزلّقه للدجوي في الحرب العالمية الأخيرة. أنظر مقالات الكوثري ص .
بينما يتنكر لكل من خالفه او خالف بعض تعصبه كما فعل مع شيخ الاسلام مصطفى صبري
آخر مشايخ الاسلام في الدولة العثمانية. وصاحب الفضل الكبير عليه. وقد جعله وكيلا
للدرس في معهد سليمان الشرعي وقد استغل الكوثري هذا وجعل يسمي نفسه: وكيلا
للمشيخة والفرق بينهما كبير جداً. وقد ورث مثل هذه الدعاوي عنه تلامذته فبمجرد ان يضع
احدهم على رأسه العمامة ينثر(نفسه مختلف الألقاب|والرتب ورحم الله من أعرف حده )ووقف عنده
وكان من أهل الوفاء لكل من صنع له معروفاً.
وانظر صنيعه مع أهل دمشق الذين أكرموا مثواه وإقامته فترة طويلة، وفيها نشرت أوائل الكتب
التي علّق عليها واستمر السيد حسام الدين القدسي ينشر كتبه في مصر فما كان منه إلا أن زعم
أنه قد جاع في دمشق مرتين ولم يجد من يطعمه لقمة خبز !! كتب ذلك عن لسانه تلميذه الشيخ
عبد الفتاح أبو غُدَّة في كتابه ((صبر العلماء)) ص ٧١.
١٢٩
:
مِنْ عَطَآءِرَبِكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِكَ مَخْطُوراً)(١) ولا بأس أن نشغل الكوثري بشيء من
هذا حتى نستريح من تجارته التي اعتادها من رمي خيار الأمة، بالتعصب وعدم الثقة،
من أجل أنهم قاموا لله تعالى بردٌّ بطلان المبطلين، ولا بأس كذلك أن يرميني فوق ما
رماني به من النذالة والبهتان بما شاء له قلمه وعلمه، ولست أستشهد لنفسي بألوف
المصلِّين ورائى في المسجد الحرام، وإنما حسبي رضاهم وكفى؛
وليغضب علىّ بعد ذلك الكوثري ما شاء أن يغضب، وليسبني ما شاء له السب،
وليشتمني ما شاء له الشتم، فأنا أجلس في حلقة تدريس التفسير والحديث في المسجد
الحرام أول بيت وُضِعَ للناس لعبادة الله تعالى، وأؤم الناس في الجمع والأعياد
والجماعات، نيابة عن إمامه الأول، وأخطب الجمع والاعياد على منبر المسجد الحرام
على ألوف الحجيج والمصلين، وأدرِّس الحديث متنه وفقهه بدار الحديث المكية،
وحسبي ذلك كله في رد شتائم الكوثري وبذاءته.
الكوثري والغلو !!
(٨) يغلو الكوثري غلواً لا يقبله ذو عقل منصف في إمامه أبي حنيفة، بما نظن أن
أبا حنيفة لا يرضى مثل هذا الغلو والإطراء عملا بحديث (لا تطروني كما أطرت
النصارى ابن مريم، فانما أنا أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله)(٢).
ويقول تعالى: ﴿لا تَغْلُوا في دينك﴾ (٢) وإذاً فأبو حنيفة رجل کسائر الرجال له ما
للناس وعليه وما عليهم، فليس هو كما زعم الزاعم فيه أنه لم يظهر لأحد من أئمة
الاسلام المشهورين مثل ما ظهر له من الاصحاب والتلاميذ، ولا أنه لم ينتفع العلماء
وجميع الناس بمثل ما انتفعوا به وبأصحابه في تفسير الأحاديث المشتبهة والمسائل
المستنبطة والنوازل والقضاء إلى آخر ما حشى به كتابه هذا المحب الجاهل الذي خير
منه عدو عاقل، يضع الأمور في ميزان العدل والانصاف، ويقول: إن كل أحد يؤخذ
من قوله ويترك إلا المعصوم، وأن كل مؤمن له حسنات وسيئات كما هو مذهب أهل
السنة والجماعة، فأبو حنيفة كسائر الناس، له ما كسب وعليه ما اكتسب.
(٣) سورة النساء: ١٧١ .
(٢) متفق عليه.
(١) سورة الإسراء: ٢٠
١٣٠
أما السر الذي يحكيه الكوثري عن ابن الأثير بأمانةٍ أو بغير أمانة، وشكنا في أمانته
أنه لم يجرؤ أن ينقل في لفظ المجد ابن الأثير، وقد عرفنا أمانة الكوثري في تأنيبه للخطيب
وحسبك منه بهت أنس بن مالك بالخرف والأمية واتهامه برواية ما لم يعمله الرسول في
قتل اليهودي، وقاتل الجارية الأنصارية بغير بينة، وأن أحد رواة الصحيحين أبي
عوانة اليشكري وَضَّاع - أي كذاب، حسبك في أمانته هذا إذا نقل نصوصاً بألفاظها،
فكيف إذا عدل عن النص إلى المعنى؟ كيف يكون أميناً عليه عند من عرف حاله
هذه؟
هذا السر الذي يتكثر به الكوثري أنه ما كان شطر هذه الأمة من أقدم عهد إلى
يومنا هذا يعبدون الله على فقه هذا الامام - يعني أبا حنيفة - لو لم يكن الله سر خفي في
ذلك، هذا السر الخفي عند الكوثري ومن نقل عنه هو حصاد التتار للملايين من
هؤلاء الاتباع حصد القمح والشعير، وهذا السر هو سوم الدهريين من الروس
والشيوعيين لهؤلاء الأتباع العابدين الله تعالى على مذهب هذا الامام سوم الماشية التي
تُقْتَنَى للحرث والسقي والحلب والذبح هذا السر هو شيخوخة الدولة العثمانية بعد
الفتوة، حتى اندثرت وخلفتها حكومة لا دينية، طردت وكيل المشيخة الاسلامية إلى
حيث لا رجعة له، إلى بلاد آمنت بمدنية مادية لا أثر للروح والدين فيها!
تقول اللامذهبية التي يبهتها الكوثري بأنها قنطرة اللادينية تقول له ولأمثاله كلمة
صريحة صادقة: ان أزهر عصور الاسلام هو عصر اللامذهبية، عصر الصحابة
والتابعين إذ كانت هداية الناس وبصيرتهم مقتبسة من الكتاب والسنة؛ وإذ لم يكن
هناك فيهم من يقول: الأصل كلام أصحابنا: فان كان هناك ما يعارضه من القرآن
تأولناه، وإن كان هناك حديث معارض رددناه كرد حديث أنس في رضُّ رأس
اليهودي الذي رض رأس الانصارية لأجل ما نقل عن أبي حنيفة (ولو ضربه بأبا
قبيس) كانت خير عصور المسلمين عصر الصحابة والتابعين، حيث لا مذاهب تُرَدُ
لأجلها نصوص الكتاب والسنة.
فلما انحدر المسلمون إلى هوة التقليد وصار فيهم من يقول: الأصل كلام
١٣١
أصحابنا، ونرد ما خالفه من كتاب وسنة(١) دالت دولة المسلمين واستولى علیھم من لا
يقيم للاسلام وزنا وان تظاهر به لإسكات العامة، ثم كانت المصائب أتخم بها بطن
التاريخ من غزو التتار لشرق البلاد وفيهم أتباع مقتدي الأمة وقدوة الأئمة، وغزو
الافرنج للشام ومصر، وقبلها تنصير مسلمي الأندلس، ثم تنفس الاسلام بحيويته
الكامنة؛ فكان طرد الفرنجة من الشام وشواطيء مصر وغزو الترك لشرق أوروبا
وفتح القسطنطينية.
ثم فترت همة الاسلام بشؤم التقليد، والإعراض عن الكتاب والسنة، حتی کان ما
نراه اليوم وقبل اليوم من استيلاء الدهرية الأوروبية على معاقل الاسلام وحصونه
ودياره من الهند وأندونيسيا وشواطيء أفريقيا؛ الجزائر وتونس ومراكش وطرابلس
ومصر والشام والعراق وأطراف الأمبراطورية العثمانية وارتماء تركيا الحديثة الى
أحضان أوروبا ودهريتها وخلاعتها.
كل هذا - وربك أيها القارىء - بشؤم وترك هداية الكتاب والسنة، وآخر الطوام
خروج تركيا الفتاة وأعني رجال حكومتها عن دين الاسلام الصحيح والمحرف.
واعلانهم دهرية الحكومة وأنها لا دين لها؛ فهل كان هذا من عواقب اللامذهبية الذين
يأخذون دينهم من كتاب ربهم وسنة نبيهم ◌َّل، أو هو شؤم التمذهب بغير بصيرة
ولبس الدين مقلوبا، وقياس المرأة المسلمة الشافعية التي تقول: أنا مؤمنة ان شاء الله
تعالى، في حل نكاحها على اليهودية والنصرانية، وجعل طول ((الذَكَر)) أو قصره من
مرجحات الإمامة في الصلاة فيقدم طويل الذكر أو قصيره إماما على من ليس كذلك،
وأخيراً: ان الاصل كلام أصحابنا، وهل الدين الا الرأي الحسن؟ وما خالفه من
(١) ومثلها عبارة الكرخي: كل آية أو حديث ليس عليه أصحابنا فهو منسوخ أو مؤوّل. وهذا
الكلام خطير يجعل أقوال الناس - وبعضهم مجهول الحال أو العين - الحكم على كتاب الله
الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وعلى كلام رسول الله (مَّا)، الذي قال
الله تعالى فيه: ﴿وما ينطق عن الهوى).
وهذا أسهل ممن جاء بعدهم ممن جعل للأحناف قواعد خاصة لتصحيح الحديث وتضعيفه،
وجعل قواعدهم مقدمة على تصحيح وتضعيف المحدثين ... إلخ.
١٣٢
كتاب أوّلناه؛ ومن سنة رَدَدْنَاه کردّ حديث أنس في قتل قاتل الجارية بما قتل به أنه من
تخريف أنس الذي شاخ وخرف فروى لنا قتل النبي ليهودي بلا بينة ولا اعتراف،
ورواية الاعتراف يرويها قتادة المدلس، الذي لم يعرف البخاري تدليسه، وعرفه
أذكياء: ولو ضربه بأبا قبيس، وهل الدين الا الرأي الحسن؟ وفي أصحابي من يبول
قلتين لتقدير حديث: اذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، واذا كانوا في سفينة كيف
يتفرقون لرد حديث: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا و. و .. وأن القرآن الذي نسمعه
ليس الا صوت القارىء ونغمه، ليس هو كلام الله فليس لله كلام بيننا !! وانما هي
أصوات محدثة ليس من الله بدأً، ولا اليه يعود وان ايمان السكير العربيد مثل إيمان
جبريل وميكائيل ومحمد وأبي بكر وعمر ... الخ.
كل هذا وأضعافه كان سبب ضعف الاسلام؛ وزوال دوله وقوته وعزته، وتحكم
الكفار في مصائر أهله، وسومهم سوء العذاب.
وليس بين المسلمين اليوم إلى يوم القيامة وبين العز والسؤدد ومزاحمة ركب الحياة
سوى التوجه الى كتاب ربهم وسنة نبيه وَسير والاهتداء بهما والعلاج بأدويتها في تصحيح
ما فسد من عقائدهم وأعمالهم وأخلاقهم ودینهم ودنياهم بلا تقید بأحد معین کائنا
من كان، سوى التقيد برواية الثقات منهم وايضاح ما أبهم مما أثر من علم الصحابة
والتابعين وتابعيهم باحسان.
وقد حفظ الله القرآن فضلا منه، واعذارا بنصه وحروفه وكلماته ومعناه، وقیض
لما فسره من السنة النبوية من باعوا أنفسهم للّه تعالى في تدوينها وتمحيصها وتهذيبها
وتبويبها وتقريبها للتناول، وما على الناس الا الاهتداء والعمل والاقتداء واليقظة بعد
طول المنام والغفلة والجهالة، أخذ الله بأيدينا وقلوبنا واسماعنا وأبصارنا إلى سلوك
الصراط المستقيم آمين.
(٩) يعجب الكوثري عجبا يبرر به جرح رواة حكاية الخراساني الذي جاء إلى .
أبي حنيفة ليسأله عن مائة الف مسألة كما زعم، وقول أبي حنيفة له: هاتها، ويقول:
إنها اسطورة ومخالفة للمعقول ونقول معه إنها كذلك، ولكن المسؤول عن مجازفتها
ومخالفتها للمعقول وأسطوريتها هو الخراساني قائلها، وأبو حنيفة مستعملها لا ابن
١٣٣
عيينة، راويها ولا من رواها عن ابن عيينة.
وفرعون عندما قال لهامان: ﴿إِبن لي صَرحاً لعلِّ أبلغ الاسباب أسبابَ السموات
فأطَّلِع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً﴾:١)، كان السخف في قوله وتصوره وعقله لا
فيمن حكى هذا السخف وذلك الهراء عنه، فالمسؤول عن سخف السؤال عن مائة
ألف مسألة: هو الخراساني السائل والمستمع المتهيء للإجابة، فالانصاف تحميل كل
-مسؤول مسؤوليته عن عمله، لا تبرئة المجرم وتحميل جرمه للبريء.
ولو كنا نكذب الرواة الذين يروون جزاف المجازفين، وحماقة الحمقى، وإغراب
المغربين، لما صح لنا شيء عن مجازف ولا أحمق ولا مجنون ولا دونت الغرائب
والعجائب. كذلك حكاية كتابة ابن أبي ليلى إلى أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي،
حينما كان أبو جعفر بالمدينة، بشهادة حماد ابن أبي سليمان عنده على قول أبي حنيفة
بخلق القرآن، وأن أبا جعفر أمر بضرب عنقه ان شهد عليه آخر مع حماد، يحاول
الكوثري ردها بما جاء فيها: أن أبا جعفر كان بالمدينة، فنسج له خياله أن ذلك كان
في أيام هشام بن عبد الملك في العصر الأموي قبل أن تولد الدولة العباسية بزمن ليس
باليسير، وقبل أن يُعرف أبو جعفر؛ فان كان في الدنيا عجب عجاب فهذا نموذج منه،
وإن كان في الدنيا قلب للحقائق وإنكار للشمس في ضحى النهار، فهاك مثالاً له،
كأن أبا جعفر المنصور العباسي لم يدخل المدينة ولا وطئتها قدماه أيام خلافته لا في حج
ولا زيارة ولا غيرها، ولا عرف المدينة إلا في عهد هشام كما تخيله الكوثري، وكأن ابن
أبي ليلى قاضي الكوفة بلغ من البلاهة وهو القاضي الذي يعرف من يكتب اليه ومن
بيده تنفيذ ما يكتب، فيكتب إلى رجل مدسوس مغمور لا يملك من سلطة المسلمين
والحكم فيهم قطمير ولا نقير؛ يكتب من الكوفة التي هو قاض فيها، متعدياً عامل
الكوفة وأميرها ومتعدياً ملك المسلمين وخليفتهم حيث هو إلى رجل ليس له من الأمر
شيء، هو أبو جعفر المنصور في عصر هشام بن عبد الملك الأموي، ربما كان فتى
يطلب العلم ليس بيده من السلطة ولا سلطة شرطي، فيكتب اليه قاضي الكوفة في
(١) سورة غافر: ٣٧.
١٣٤
2
مسألة استتابة فيها ضرب عنق! يا للهذر ويا للمحششة والأفَيَنة!(١)
ثم يتصور الكوثري جواب أبي جعفر المنصور حينئذٍ الذي ليس بيده من الحكم
تقليم ظفر أن يكتب إلى قاضي الكوفة بضرب عنق من قال بخلق القرآن، كأن القاضي
ورواة الحكاية بلغوا من الجنون والهذيان ما يرثى لهم، كل هذه المضحكات المخزيات
المبكيات يولدها الكوثري من لفظة: (بالمدينة) التي جاءت في الحكاية ليسوغ له رمي
رواة الحكاية بالحمق الذي يتندر به ويماجن المجان به، أن يرووا حكاية أبطالها
ومسرحهم وفصولهم لا تكون الا في العصر العباسي، فيروونها في العصر الأموي،
عصر هشام إبن عبد الملك جهلا منهم بألف باء التاريخ والواقع، من أجل أن الراوي
روى فيها: أن القاضي قاضي الكوفة كتب الى أبي جعفر المنصور العباسي الخليفة
بالمدينة؛ فيحلل المحقق الكوثري من كلمة (بالمدينة) أن يكون ذلك في عهد هشام بن
عبد الملك الاموي في العصر الأموي قبل أن تولد الدولة العباسية، وقبل أن يعرف
أحد الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور بالخلافة أو الملك، وأخيراً: ما لنا ولمناقشة هذه
الهزلية المسرحية حسب تصوير خيال الكوثري لها، وانما نريد أن نسأله عما جاء في
كتاب الإبانة لأبي الحسن الاشعري من روايته عن حماد بن أبي سليمان لما بلغه قول
أبي حنيفة بخلق القرآن: أبلغ أبا حنيفة المشرك أني بريء من دينه (أو ما هذا معناه).
نريد تأنيباً شديداً للأشعري نسمع منه طرائف علم الكوثري فلعله يفتح له باباً
من الرزق نضب منه معين تأنيب الخطيب، ولعلنا نسمع فيه نذالة الاشعري وبهته
وحسده لأبي حنيفة من أجل حرمانه من القضاء الذي فاز به الحنفيون وتحسر عليه
أهل الورع والتقوى من رواة الاخبار، التي جاءت في بيان حال أبي حنيفة، فحملهم
الحسد أن يقولوا في أبي حنيفة ما ليس فيه، وعندما يخرج لنا تأنيب الأشعري نذكر له
(١) نسبة إلى الحشيش والأفيون المخدِّرَيْن.
فإن وجدت وحشة في هذه الألفاظ، فاعلم أن الكوثري ما ترك كلمة نابية، أو شتيمة مهجورة
إلا واستعملها في حق الأئمة الذين وجد في كلامهم ما يخالف هواه أو مذهبه، ولذلك خاطبه
الشيخ - رحمه الله - ببعض اللغة التي يفهم، والجزاء من جنس العمل، ولكن المؤلف وكل من
رد على الكوثري استعمل الألفاظ المهذبة، وتجنّب ما أمكن الطعن واللَّعْن والتكفير .
وقد سار على نهج تلامذته، فكان الطابع المميّز لكلامهم، الشتائم والدّس والطعن.
١٣٥
ما جاء عن أبي حنيفة في كتاب ((مشكل الحديث)) لابن قتيبة ليخرج لنا تأنيباً ثالثاً لابن
قتيبة، ثم ما جاء في تواريخ البخاري الثلاثة، والضعفاء له، والضعفاء والمتروكين
للنسائي، وتاريخ ابن أبي خيثمة، والساجي والخلال وما جاء في كتاب الحج للترمذي
في باب إشعار الأبل، وما جاء في المحلى لابن حزم في كتاب الحج وغيره؛ وما جاء في
الانتقاء لابن عبد البر وغيرها وغيرها، لنسمع طرائف من العلم ما كنا لنسمعها، لو
لم نثر هذا الكاتب اللوذعي ونهيّجه بنقل ما سجله التاريخ من كلام معاصري أبي
حنيفة فيه، والْحَكَمُ بينهم هو الله يوم القيامة.
دعوة الكوثري للمباهلة
وإن عودة الكوثري إلى رمي المؤمنين بالله وبما جاء من صفاته في القرآن والسنة،
أنهم محددون لله ويصفونه بالجلوس والمس والحركة، وتجويز استوائه على ظهر بعوضة،
إلى آخر ما هذى به. سبق الكلام على هذا البهتان وأجبنا عن ذلك الهراء ودعوناه إلى
المباهلة ليحكم الله بيننا وبينه، أننا نؤمن بالله على الوجه الذي أخبر به عن نفسه
وأخبر به رسوله وَله، مع التنزيه ونفي التشبيه، ولا تلزمنا لوازم النفاة الجعدية
الجهمية المريسية، ونقول لمن يلزمنا إياها: سبحانك هذا بهتان عظيم.
فان شاء أن يباهل على ذلك، باهلته أنا أمام بيت الله تعالى وقت السحر وليتخير له
ما شاء من ضريح أو معبد أو وثن أو مشهد وكفى بالله شهيداً، ونمر على ما وصف به
خيار خلق الله، الذين يؤمنون بصفات الله تعالى كما أخبر بها بأنهم أهل الضلال
الأغبياء والطغام، نمر على ذلك مر الكرام، كذلك ما وصف به الكوثري الخطيب
لروايته ما جاء عن الأولين في تاريخه عن أبي حنيفة بأنه سخيف من سخفاء الرواة،
ونعرض عن تناقضه إذا أراد تكذيب هشام بن عروة، فحينئذ يكون الحطيئة ثقة
معتمداً عنده، ولسنا نعجب أن يكون الحاكم عند الكوثري بالغ التخليط من أجل
أنه روى في مستدركه الذي قيل انه كان مسودة لم يبيض فوقع فيه عدة أحاديث قابلة
للتمحيص لو أمهلته المنية لأعاد النظر فيه، والعلماء قبلوا الحاكم عالماً وراوياً وناقداً
للرجال، ونقلوا أقواله في ذلك واعتمدوا. إلا عند الكوثري في القرن الرابع عشر
لنقله ما قيل في أبي حنيفة.
١٣٦
وقبول الذهبي لتوثيق الحاكم لا قيمة له عند الكوثري، لأن الذهبي عند الكوثري
كالببغاء ردد قول الحاكم وتابعه بلا فحص مباشر، فلا يكون كلامه من كلام أهل
الشأن المعاصرين للراوي فليسقط توثيق الحاكم وتوثيق الذهبي معه(١)، لأن الكوثري
أسقطهما ولأنهما لِرَجُلٍ روى ما سجله التاريخ عن رجل عرفه أهل عصره، وجاء
الغلاة فقالوا فيه: إمام الأئمة والامام الاعظم وفقيه الامة الاوحد الخ. وعندما يحتاج
الكوثري الى اتهام هشام بن عروة أحد رجال الكتب الستة، بنقل لا يصح عن مالك
يعتمد الخطيب وينقل عنه تلك الفرية، وأعاد الكوثري رمي أهل السنة من الصحابة
والتابعين الذين يقولون إن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، لانهم لم يقولوا
إن إيمان السكير العربيد قاطع الطرق كايمان جبريل وميكائيل ومحمد وَعليه وأبي بكر
وعمر، فعاد يرميهم بالانحياز إلى طوائف الاعتزال والخوارج، شاعرين أو غير
شاعرين.
فنؤكد للكوثري أن هؤلاء الأئمة، من الصحابة والتابعين وتابعيهم أعرف بالايمان
وبكتاب الله تعالى وبالصراط المستقيم وطريق السنة والجماعة، وبما خالف ذلك من
طرق الاعتزال والخروج، أعرف بذلك منه ومن إمامه ومن سائر المرجئة والجهمية
والجعدية والمريسية، فليطمئن خاطراً أو ليتحرق بما شاء من حطب الغيظ والحقد،
ولينبزهم بما شاء له الهوى من ألقاب الضلال والحشو والغباء الخ ما منحهم به مما جاد
به عليهم من أدبه ونزاهته.
لو كنت أعلم أن ما علقت به على طليعة الاستاذ اليماني أنه سيرميني بالنذالة
والبهت التي يكذبه فيها امامتي بالمسجد الحرام أمام بيت الله الكعبة المشرفة بألوف
المسلمين حجاج ومجاورين بلد الله ولكن:
إذا رضيت عني كرام عشيرتي
فلا زالَ غضباناً عليَّ لئامها
(١) هنا يرد الكوثري كلام الذهبي ويسقط منزلته بين أهل الفهم والدراية وكذلك جميع كلامه في
مدح شيخ الاسلام ابن تيمية، ولكن إن جاء إلى الرسالة المزعومة جعل يكيل المدح للذهبي !!
ودون إثبات رسالة الذهبي خرط القتاد.
١٣٧
لو كنت أعلم أنه سيرميني بالنذالة والبهت، وأنه سيرميني ويرمي خيار خلق الله
من أتباع سلف الأمة أهل السنة والجماعة الذين يؤمنون بما وصف الله به نفسه وبما
وصفه به رسوله من غير تشبيه ولا تمثيل مع التنزيه التام - بأنهم الضلال الطغام
الأغبياء، أقول لو كنت أعلم ذلك ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لتركته يحترق
في غيظه ويتفتت من حنقه وحقده من خيار خلق الله تعالى، وكنت التزمت النهي في
قول الله تعالى: ﴿﴿ولا تَسُبُّوا الذين يَدْعُونَ من دونِ الله، فَيَسُبُّوا الله عَدْواً بغيرِ عِلْم،
كذلك زَيَّا لكلِّ أُمة عملَهم ثم إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبَّتُهُمْ بما كانوا يعملون﴾(١).
وأخيراً فليتهمني بما شاء من ألقاب النذالة؛ وليبهت الخطيب بما أحب من تسخيف
وتكذيب، والحاكم بما شاء من تخليط، والذهبي بما شاء من تقليد أعمى ومتابعة بغير
فهم ولا بصيرة؛ وأبا نعيم والبيهقي وأبا الشيخ بالتعصب وعدم الوثوق بهم وأهل
السنة الذين يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله وَالر وأهل السنة
الذين يؤمنون بزيادة الايمان ونقصه بسبب الطاعات والمعاصي اتباعاً لنصوص الكتاب
والسنة، ولا يقولون إن إيمان السکیر المعربد، کایمان جبريل ومیکائیل ومحمد پڼ وابي
بكر، فليرم كل هؤلاء بالضلال والغباء والحشو والطغامية، حتى يبرد قلبه من النار
التي أحرقته لبيان حال امامه وما قاله فيه معاصروه فمن بعدهم بمبلغ علمهم
واجتهادهم الذي يؤجرون عليه ولو أخطأوا ونسوق اليه بشرى أمل يكتب على رجائها
تأنيباً آخر الحافظ الأندلس فيما قاله من نفسه أو أثره عن غيره مما لا ينقص عما نقله
الخطيب إن لم يزد عليه، فنرى ماذا يتحف ابن عبد البر به من سباب وشتم وتجريح
ثم قد نتمادى بإمداده بأسباب رزق له بما ننقل عن البخاري في تواريخه الثلاثة
وضعفائه؛ وعن النسائي وعن الترمذي وعن كتاب الوتر لمحمد بن نصر المروزي،
وعن كتاب مشكل الحديث لابن قتيبة والضعفاء والمتروكين لابن الجارود ممن ترجموا
امامه وبينوا حاله، فان رمانا بعداوة إمامه تمثلنا له بالمثل المشهور: عدو عاقل خير من
محب جاهل، فیکون علیه وحده تبعات ما أوجب صنیعه من اثارة مدفوعات الدفاتر،
ودخائل الآثار وما صرح به علماء الجرح والتعديل الذي لا تأخذهم في الله لومة لائم
(١) سورة الأنعام: ١٠٨.
١٣٨
فقالوا ونصحوا وبينوا وكتبوا ما حفظه عنهم التاريخ وما كنا نحب أن تثار لولا غلوه
الجاهل وحبه الأحمق وجنونه على حد تعبير بعضهم فيه، وان كانت المسألة لا تعدو
عند من دقق أن تكون مورد ارتزاق لمن أغلقت في وجهه سبل العيش المعتاد الهني
الرغد.
یتمدح الكوثري بما نقل عن ابن رجب أن مذهب أبي حنيفة رد الزائد إلى الناقص
في الحديث متناً وسنداً، وأن ذلك احتياط بالغ في دين الله، ويصور ذلك بأن يرد
سندان أحدهما بذكر راو والثاني بحذفه، فيعتمد الحذف ويجعل الخبر منقطعاً
ويطرحه، ولم يقدر الكوثري أن يعين وجه بناء مذهبه على المرسل المتقطع، وفَرَّ عن
ذلك فرار الجبان من مواجهة رماح الشجعان.
ولا أدري ما هي الزيادة أو النقص متناً وسنداً في حديث أم سلمة في الصحيح عن
النبي ◌َّهُ: ((انكم تختصمون إليّ فأحكُمُ بينكُمْ بنحو مما أسمع، ولعل بعضكم أن
یکون أَخن بحجته من بعض فأقضي له بحق أخیه، فمن قضیت له بحق |أخيه فانما
هي قطعة من النار فليأخذ أو ليدع)) أو كما قال ◌َّير؛ فأخذ العلماء من ذلك أن حكم
القاضي لا يحلل الحرام ولا يحرم الحلال، وأما صاحب العقلية الجبارة والرأي
الحسن، فرأى حكم القاضي يحل الحرام ويحرم الحلال، وأجاز لمن شهد زوراً بطلاق
امرأة وأثبت القاضي طلاقها بهذه الشهادة الزور أن يتزوجها ذلك الشاهد زوراً وتحل
له ليجمع عند الله بين شهادة الزور في طلاق من لم يطلق وينكح الفرج الحرام الذي
حلله بشهادة الزور، وهذا من الاحتياط البالغ عند صاحب العقلية الجبارة والرأي
الحسن في الدين، ولا أدري ما هي الزيادة والنقص متناً وسنداً في حديث جعله وَل
للفارس ثلاثة أسهم من الغنيمة، وللراجل سهم حتى رده صاحب العقلية الجبارة،
والاحتياط البالغ للدين بقوله: لا أُفَضِّل بهيمة على رجل مسلم - والعلماء يعلمون أن
ذلك ليس من باب تفضيل البهيمة على الرجل المسلم، وإنما ذلك من تفضيل مسلم
صاحب فرس أنفق عليها وأبلى بها بلاء حسناً في الجهاد على رجل راجل ليس معه
هذه الفرس ولا له هذا البلاء، فلذلك أعطى الفارس بسبب فرسه لنفقته عليها
وبلائه بها ثلاثة أسهم، فزید سهمین علی الراجل الذي لا فرس له، وهذا عدل جاء
١٣٩
به الشرع وتشهد له الفطرة إلا عند صاحب العقلية الجبارة، ولا أدري ما الزيادة أو
النقص في السند أو المتن، في حديث سهل بن سعد الساعدي في تزويج النبي وَله
رجلاً بامرأة على ما معه من القرآن فرده صاحب العقلية الجبارة باشتراط أن يكون
الصداق ربع دينار فأكثر، قياساً لحل الفروج على قطع اليد في السرقة؛ فأين البصرة
من الدار البيضاء؟ ولا أدري ما هو القرآن أو الاجماع الذي دل على حدیث نقض
الوضوء بالقهقهة في الصلاة، وحديث نقض الوضوء بالقيء والرعاف الخ، وليست
القهقهة في الصلاة بأفحش من قذف المحصنات الغافلات في الصلاة وهم لا ينقضون
به الوضوء، فأين القياس والعقلية الجبارة والرأي الحسن؟
(١٠) أسرف الکوثري في جرح رجال اسانید الخطیب الذین روی عنهم ما قيل
في مثالب أبي حنيفة، واعتذر في ترحيبه بتأنيبه بأن روايتهم ساقطة بنفسها، لأنها تنافي
ما زعمه من التواتر على رفع إمامة أبي حنيفة إلى مستوى لا يؤخذ عليه شيء ولا يناله
خطأ ولا يتطرّق إلى عصمته مساس، وهو الذي رمى أنس بن مالك خادم النبي ◌َّ
بالخرف والأميّة والكذب على الرسول في قتل قاتل الجارية الأنصارية بغير بينة بزعمه
ولا إقرار سوى رواية قتادة بزعمه المتهم عنده بتدليسه لرواية الاعتراف لأن إمامه قرر
برأيه الحسن - وهل الدين إلا الرأي الحسن؟ - أن القصاص لا يكون إلا بالسيف ولو
ضربه (بأبا قبيس)(١)، وجعل ذلك من باب التخيير بين أقوال الصحابة، وإن كانت
المسألة ليست من باب التخيير بين الأقوال، وإنما هي رد صريح لرواية صحابي من
أجل رأي حسن أو قبيح، لمن يزعم أن الدين إنما هو الرأي الحسن، فإذا سألناه من هو
الصحابي الآخر الذي رد إمامه رواية أنس بن مالك لأجل قوله أو روايته؟ فانا ننظر
الجواب لنعرف العذر من رمي أنس الخرف واختلاق الرواية، وأن أبا حنيفة رد روايته
لرواية صحابي آخر فيكون تخيراً، ولا نعيد لمز الشافعي بالخلاف في قرشيته وتبطيء
عمله الذي لا يسرع به نسبه؛ ومالك بخلوه إلا من سكنى المدينة في وقت لا فضل
(١) إشارة إلى أمر لغوي أخطأ به الإمام أبو حنيفة رحمه الله، وهو أمر يسير لا يضره، ولكن
المتعصّبة من أتباعه ركبوا الصعب والذلول لدفعه عنه مما أدّى لجعله محلّ تَنَدُّرٍ من غيرهم .
١٤٠