النص المفهرس
صفحات 81-100
النبي المبين، لما نزل من عند الله، وإن كان مذهب الصحابة والتابعين وأهل الحديث وأئمة الرواية، وحتى وإن كان مذهب أبي الحسن الأشعري الذي يزعم الانتصار له، بل وإن كان مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان الذي يدعي الانتماء إليه، وهو يرد عليه سفهاً. فقد قال الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه - في كتابه ((الفقه الأكبر)) المطبوع مع كتاب ((الإبانة)) (ص ١٦): ((من قال لا أعرف الله أفي السماء أم في الأرض؟ فقد كفر)) قال الله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ فإن قال: أقول بهذه الآية ولكن لا أدري أين العرش، في السماء، أم في الأرض؟ فقد كفر أيضاً. وقال في كتاب الوصية (ص ١٠): ((ونقر بأن الله على العرش استوى. وقال في ((الفقه الأكبر)) أيضاً (ص ١٤): وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس، فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة. اهـ. أترى الكوثري بعد هذا كله أشعرياً، أو حنفياً؟ أم تراه جهمياً أو معتزلياً؟ ثم تراه في ظلمات حواشيه يزعم أن كتاب ((الإبانة)) ليس مما ألفه الإمام في أواخر حياته، ويدعي أن طبعتها محرفة، وهو يريد بهذا التخريف إبطال الثقة بكتاب ((الإبانة)) وبالمذهب الحق الذي صار إليه الإمام، ورده إلى مذهب الاعتزال. وماذا بعد الحق إلا الضلال. وقد أذكرنا بهذا التعصب الذميم بما حكاه في رسالة الذب عن الأشعري الحافظ أبو محمد بن علي البغدادي أنه شاهد نسخة من ((الإبانة)) بخطه مقروءة مصححة (قال): ونسخت منها نسخة وقابلتها عليها بعد أن كنت كتبت نسخة أخرى مما وجدته في كتاب الإمام نصر المقدسي. ((ولقد عرضها بعض أصحابنا على عظيم من عظماء الجهمية المنتمين افتراء إلى أبي ٨١ الحسن الأشعري - بيت المقدس - فأنكرها وجحدها. وقال: ما سمعنا بها قط، ولا هي من تصنيفه، واجتهد آخراً في إعمال رويته، ليزيل الشبهة بفطنته، فقال بعد تحريك لحيته: لعله ألفها لما كان حشوياً !! فما دريت من أي أمر به أعجب أمِن جهله بالكتاب مع شهرته، وكثرة من ذكره في التصانيف من العلماء، أو من جهله بحال شيخه الذي يفتري عليه بانتمائه إليه. واشتهاره قبل توبته بالاعتزال بين الأمة عالمها وجاهلها. اهـ فما أشبه الكوثري المحرف لآيات الكتاب المجيد، بهذا الجاهل العنيد، وهو مقلد له ولأمثاله في تلقيب مثبتي النصوص: بالحشوية، وهم الصحابة والتابعون وأئمة السلف والصالحون ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً﴾ - ﴿تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون﴾ - ﴿ويل لكل أفاك أثیم یسمع آيات الله تتلى علیه. ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم﴾ خيانته في النقل وجرأته على الله عز وجل إن مما يقضي بالعجب تلاعب الكوثري في النقل وتناقضه فيه. وجرأته على الله عز وجل، وطعنه في أهل القرون الثلاثة المفضلة، وهم الصحابة والتابعون وأتباعهم باحسان فيما اجمعوا عليه. وجعل عقيدتهم التي هي نصوص القرآن القطعية من شواذ شيخ الإسلام ابن تيمية. وإليك البيان: أورد الحافظ ابن حجر (ج ١٣) من شرحه للبخاري أقوال القرون الثلاثة ومن تبعهم بإحسان في قوله تعالى: ﴿وكان عرشه على الماء﴾ ثم نقل حافظ المشرق ابن حجر عن حافظ المغرب ابن عبد البر قوله ((أهل السنة مجمعون على الإقرار بهذه الصفات الواردة في الكتاب والسنة ولم يكيفوا شيئاً منها. وأما الجهمية والمعتزلة والخوارج فقالوا: من أقر بها فهو مشبه. فسماهم من أقر بها معطلة)) اهـ وترى الحافظ الذهبي في كتاب ((إثبات العلو لله تعالى))(١) ينقل ما يؤيد ذلك عن (١) الذي طُبع باسم ((العلو)) وقد اختصره استاذنا الألباني بإثبات الصحيح مع التخريج والتعليق، وهو مطبوع في المكتب الاسلامي باسم: ((مختصر العلو للعلي الغفار)» - زهير -. ٨٢ جميع أصناف العلماء. ومثله الإمام ابن القيم في ((اجتماع الجيوش الإسلامية)) بما يجزم المؤمن معه أن إثبات الصفات عقيدة السلف قاطبة. ويجبىء في الزمن الأخير الكوثري المتعصب عليهم جميعاً. الجريء على الحق بالهوى. فيطعن في عقيدتهم وعقيدة نابغة الإسلام، وعلم الأعلام، الإمام تقي الدين أحمد ابن تيمية، الذي جدد لنا في كتبه عهد السلف بسلامة إيمانهم وقوة برهانهم، والجمع بين صريح العقل وصحيح النقل جمعاً مطابقاً لنصوص اللغة، وحقائق الدين وهدي القرون الثلاثة المفضلة، ويعيب عليه في حواشية على ((التبيين)) (ص ٣٩٣) وفي ((إشفاقه)) (ص ٧٤) ما قاله في نقض أساس التقديس للرازي(١) عند الكلام في الاستواء: ((ولو شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته، فكيف على عرش عظيم؟)). وهو ينتزع هذه الجملة من كلامه انتزاعاً ويحذف منها ليشوه وجه الحقيقة مع أن المراد منها ظاهر، وهو أن العرش وحملته محمولون بقدرته، وأصلها في الكواكب (١) قال الأستاذ العلامة الشيخ محمد بهجة البيطار في إكماله لتفسير السيد الإمام لسورة يوسف عليه السلام ص ١٤٦: وانظر ((مختصر المنار)) ص ١٩. طبع المكتب الإسلامي. «هذا الكتاب من نفائس المخطوطات الظاهرية بدمشق، وهو يقع في بضع مجلدات، ومعظمه مفرق في مجلدات ((الكواكب الدراري في تبويب مسند الإمام أحمد على أبواب البخاري)) للإمام ابن عروة الدمشقي الحنبلي الذي رتب المسند على أبواب البخاري وشرحه في مائة وعشرين مجدداً ضخماً. قال السخاوي في ((الضوء اللامع)): وطريقته فيه: أنه إذا جاء لحديث الإفك مثلاً يأخذ نسخة من شرحه للقاضي عياض فيضعها بتمامها، وإذا مرت به مسألة فيها تصنيف مفرد لابن القيم أو شيخه ابن تيمية أو غيرهما وضعه بتمامه ويستوفي ذاك الباب من ((المغني)) لابن قدامة ونحوه. اهـ. وفي دار الظاهرية منه الآن عشرات من المجلدات متفرقة تبحث في التفسير والحديث والسيرة والأصول والتاريخ والأدب وغير ذلك. وكان ابن عروة زاهداً عابداً قانتاً، لا يقبل. لأحد شيئاً ولا يأكل إلا من كسب يده، توفي سنة ٨٣٧ رحمه الله وإيانا. وكتبه محمد بهجة البيطار)) . ٨٣ (المجلد ٢٥) لولا ذلك - أي قدرته وإرادته - ما استقل به العرش ولا الحملة، ولا السماوات والأرض ومن فيهن، ولو قد شاء لاستقر، على ظهر بعوضة، فاستقلت به بقدرته، ولطف ربوبيته، فكيف على عرش عظيم أكبر من السماوات السبع والأرضين السبع ... الخ. وقد حذف الكوثري قول شيخ الإسلام (ولطف ربوبيته) ليخفي المراد، وهو أن القدرة الإلهية قائمة بجميع المخلوقات مستقلة بها من العرش الذي هو أكبر مخلوق، إلى صغار الذر والبعوض، وهو تعالى بائن منها، مستغن عنها، عال عليها جميعاً. وإنما أراد الكوثري أن يشنع بضرب البعوضة مثلاً !! أو لا يذكر الكوثري أن الله تعالى ضربها مثلاً، فقال سبحانه: ﴿إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها، فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ... ) الآية؟ ولما عاب الكفار ذكر النحل والنمل والذباب والعنكبوت في القرآن، ذكرهم تعالى في هذه الآية إن البعوضة فما فوقها من عجائب خلق الله، وأنها مشتملة على حكمة بالغة ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ وفي قوله تعالى: ﴿فأما الذين آمنوا﴾ الآية. [وفي هذا] ثناء عظيم على المؤمنين واعتداد بعلمهم أنه الحق، ونعى على الكافرين إغفالهم حظهم وعنادهم ورميهم بالكلمة الحمقاء كما قال الزمخشري في ((كشافه)): فيا ليت شعري من أي الفريقين هذا المعترض حتى يعيب مثلًا مضروباً في القرآن؟ وأصغر مخلوق لله هو خلق معجز للبشر عن أن يأتوا بمثله، كما أن أقصر سورة من القرآن هي وحي معجز لهم أن يأتوا بمثله(١) اهـ. (١) نشر بمجلة الرابطة العربية بمصر عدد ١٠٦. ٨٤ عرش الرحمن ثبت بالنصوص القرآنية القطعية التي لا مجال للتأويل ولا التضليل فيها، أن الله مستو على عرشه، بائن من خلقه، قاهر فوق عباده، وأن عرش الرحمن أعظم مخلوقات الله، وقد أفرده الله بالذكر في آيات كثيرة، ووصفه بأوصاف دلت على أن له وجوداً مستقلاً عن سائر الموجودات، وهذه شذرة مما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية في الرسالة العرشية، قال رضي الله عنه: وأما العرش فالأخبار تدل على مباينته لغيره من المخلوقات وأنه ليس نسبته إلى بعضها كنسبة بعضها إلى بعض(١) قال الله تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم، ويؤمنون به﴾ وقال سبحانه وتعالى: ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ الآية. فأخبر أن للعرش حملة، اليوم ويوم القيامة، وأن حملته ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للمؤمنين، ومعلوم أن قيام فلك من الأفلاك بقدرة الله تعالى كقيام سائر الأفلاك لا فرق في ذلك بين كرة وكرة، وإن قدر أن لبعضها ملائكة في نفس الأمر تحملها فحكمه حكم نظيره قال تعالى: ﴿وترى الملائكة حافين من حول .العرش) الآية، فذكر هناك أن الملائكة تحف من حول العرش، وذكر في موضع آخر أن له حملة، وجمع في موضع ثالث بين حملته ومن حوله فقال: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله﴾ وأيضاً فقد أخبر أن عرشه كان على الماء قبل أن يخلق السموات والأرض كما قال تعالى: ﴿وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام، وكان (١) يريد بهذا أنه ليس هو الفلك التاسع الأطلسي كما يزعمه المنجمون القدماء وفلاسفة اليونان. ٨٥ عرشه على الماء) وقد ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين عن النبي تكليلتر أنه قال: ((كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض)» وفي روايةً له ((كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء)) وفي رواية لغيرة صحيحه «کان الله ولم یکن شيء معه، وکان عرشه على الماء ثم کتب في الذکر کل شيء)). وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي ◌َر أنه قال: ((إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء)) وهذا التقدير بعد وجود العرش، وقبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وهو سبحانه وتعالى يتمدح بأنه ذو العرش، كقوله سبحانه ﴿قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذاً لا بتغوا إلى ذي العرش سبيلا) وقوله تعالى: ﴿رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق، يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار﴾ وقال تعالى: ﴿وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد﴾ وقد قرىء المجيد بالرفع صفة الله وقرىء بالخفض صفة للعرش. وقال تعالى ﴿ قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون الله. قل أفلا تتقون﴾ فوصف العرش بأنه مجيد، وأنه عظيم، وقال تعالى: ﴿فتعالى الله الملك الحق، لا إله إلا هو رب العرش الكريم﴾ فوصفه بأنه كريم أيضاً وكذلك في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي ** كان يقول عند الكرب: ((لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم)) فوصفه الحديث بأنه عظيم وكريم أيضاً)) اهـ. فأين يذهب المعترض بهذه الآيات الكريمة والنصوص القطعية في إثبات العرش ووصفه، وهل من سبيل إلى إنكارها أو صرفها عن ظاهرها، وتأويل أعظم مخلوق وأكبر موجود بالعدم الصرف، وأي فرق بين وجود السموات والأرض والعرش والكرسي يا ترى وهل يعقل ما يقول من يعادي هذه النصوص، ويخرق الإجماع الذي ٨٦ حكاه ابن عبد البر، ويلقب ابن تيمية بالحشوي، ويسمي المؤولين والمعطلين بأهل السنة؟ ويقول عن ابن تيمية: لا يعد هذا الحشوي من صغار تلامذتهم، كما تراه في مقدمة تبيين كذب المفتري. وتلقيب شيخ الإسلام بالحشوي من الحشو الذي لم يقع له نظير، ومن التقليد المميت للعقل والشعور، بل من التعصب الشنيع الذي لا يرضاه لنفسه إلا ورثة اليهود البهت، فإن هذا الإمام جمع في كتابه بين العقل والنقل جمعاً كم فيه أفواه جميع أهل الابتداع والأهواء، وهذا الخوض بالباطل لا يضر شيخ الإسلام ولا يزيد مريديه إلا بصيرة في دينهم ورسوخاً، ويأبى الله للحق إلا أن يظهر، وللباطل إلا أن يذل ويقهر، وها هي ذي كتب شيخ الإسلام تطبع وتنشر، وتطرد بدورها ظلام الشكوك والأوهام ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه، فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون﴾. كذب مفضوح في كتاب مطبوع لو كان هذا الرجل - الكوثري - ممن يتقي الله ویبالي خزي الدنيا ويوم الحساب، لما رضي لنفسه هذا الموقف الشاذ الذي وقفه من حملة القرآن، ودعاة السنة وحماتها، ولما استباح لنفسه الكذب في التاريخ والتجني على أئمة الدين، ومفاخر المسلمين في كل العصور. لا أطيل القول عليك أيها القارىء الكريم، وإنما أنقل لك جملة مما قال في كتابه الأخير الذي سماه ((الإشفاق على أحكام الطلاق)) كأنه أشفق على المسلمين من أن يعودوا إلى عهد الطلاق الشرعي في الإسلام وأراد أن تستمر هذه الفوضى في البيوت، وتبقى نصوص القرآن محجوبة عن المسلمين - فقد عرض في كتابه هذا النابغة الإسلام الإمام ابن تيمية كدأبه في عامة ما يكتب، ولكن هذه الكتابة من أفضح ما كتب وأخزاه، قال هداه الله (ص ٧٣). ولولا شدة ابن تيمية في رده على ابن المطهر في منهاجه، إلى أن بلغ به الأمر أن يتعرض لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه على الوجه الذي تراه في أوائل الجزء الثالث منه، بطريق يأباه كثير من أقحاح الخوارج مع توهين الأحاديث الجيدة في هذا السبيل - لما قامت دولة الغلاة من الشيعة في بلاد الفرس والعراق وشرقي الأسيا (كذا) الصغرى وأذربيجان من عهد الملك المغولي خدابنده. ٨٧ .. 4 وابن المطهر الحلى لما وصل إليه كتاب ابن تيمية هذا، قال كنت أجاوبه لو كان يفهم كلامي، ولكن جوابي يكون بالفعل. حتى سعى سعياً إلى أن تمكن من قلب الدولة السنية من تلك الأقطار، إلى دولة غالية في التشيع بحمل خدابنده الملك الشعوب على التمذهب بمذهب ابن المطهر، ولم يزل الغلو في التشيع في تلك البلاد منذ عمل ابن تيمية هذا، ولو كان يسعى بحكمة لما بعدت شقة الخلاف بين الأخوان المسلمين على الوجه الذي تراه. اهـ أقول: كلامه هذا صريح في أن الإمام ابن تيمية هو الذي أثار ثائرة الشيعة بتعصبه عليهم. وطعنه فيهم، وتنقيصه علياً عليه السلام بما يأبى مثله الخوارج، وأنه هو الذي حمل ابن المطهر على هذا الغلو في التشيع والسعي في نشر المذهب من عهد الملك المغولي خدابنده الذي تشيع وقلب دولته شيعية بسعي ابن المطهرالحلي، هذا وأن ((منهاج السنة النبوية)) في نقض كلام الشيعة والقدرية لشيخ الإسلام هو الذي زاد النار ضراماً. إلخ. سبحان الله !! ما أجرأ هذا الرجل على تشويه الحقائق وإفساد التاريخ، فهو ممن زين له سوء عمله فرآه حسناً، وإليك الجواب عن هذا الكذب الصريح. ١ - إن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يؤلف كتابه ((منهاج السنة النبوية)) ابتداء، ولكنه ألفه رداً على كتاب الحلي الشيعي الذي سماه ((منهاج |الكرامة)، وقد قال رحمه الله في مقدمة كتابه. أما بعد فإنه أحضر إلى طائفة من أهل السنة والجماعة كتاباً صنفه بعض شيوخ الرافضة في عصرنا منفقاً لهذه البضاعة، يدعو به إلى مذهب الرافضة الامامية من أمكنه دعوته من ولاة الأمور وغيرهم (إلى أن قال) وذكر من أحضر هذا الكتاب بأنه من أعظم الأسباب في تقرير مذهبهم عند من مال إليهم من الملوك وغيرهم، وقد صنفه للملك المعروف الذي سماه خدابنده، وطلبوا مني بيان ما في هذا الكتاب من الضلال وباطل الخطاب اهـ. فأنت ترى أن كتاب منهاج السنة النبوية قد كتب رداً لاعتداء من اعتدى على أهل السنة وتهجم عليهم، وطعن في دينهم، وأن شيخ الإسلام، قد أحضر إلیه کتاب الشيعي ولم يكن رآه، وطلب منه أهل السنة والجماعة رد مفترياته على أهل السنة وهو ٨٨ شيخهم بل شيخ الاسلام، ومن أولى منه ببيان الحق وأقدر منه عليه؟ ٢ - إن الملك المغولي خدابنده قد ترفض أو تشيع على يد ابن المطهر الحلى قبل صدور رد شيخ الإسلام عليه كما هو ظاهر من كلامه. ٣ - إن أقصى ما في كلام شيخ الإسلام هو الدعوة إلى الاعتدال في الأقوال والأعمال، وتخفيف غلو الغاليين في العقائد، وتقليص ظل عصبيات أهل البدع والأهواء، ودفع أكاذيبهم وأباطيلهم، والغرض من ذلك كله تنوير العقول، وتقريب القلوب، وتطهيرها مما تراكم عليها من أوضار الباطل، وأوغار الحقد، وإزالة ما استحكم فيها من جفوة وقسوة. وهذه نبذة صغيرة من كلام شيخ الإسلام مصدقة لما ذكرناه. قال رحمه الله ((وأما الرافضي فإذا قدح في معاوية بأنه كان باغياً ظالماً، قال له الناصبي: وعلي أيضاً كان باغياً ظالماً لما قاتل المسلمين على إمارته وبدأهم بالقتال، وصال عليهم وسفك دماء الأمة بغير فائدة لا في دينهم ولا في دنياهم، وكان السيف مسلولاً في خلافته على أهل الملة، مكفوفاً على الكفار - إلى أن قال -: فالخوارج. والمروانية وكثير من المعتزلة وغيرهم يقدحون في علي - رضي الله عنه - وكلهم مخطئون في ذلك ضالون مبتدعون)). اهـ فأنت ترى أن شيخ الإسلام يحكي كلام الروافض والنواصب والخوارج، ولكنه لا يحكم لفريق على فريق، بل يحكم بأنهم مخطئون مبتدعة ضالون، خلافاً لما يزعمه الكوثري، المقلد الغبي، من انتقاص مقام الإمام علي، فما أضيع البرهان عند المقلد! ٤ - وأوضح وأفضح مما تقدم أن هذا المعتدي على التاريخ، الذي أسقطه الحسام القدسي بسبب اعتدائه - كما بينا من قبل - دعواه أن ابن تيمية هو سبب الغلو في التشيع، وبسط سلطانه في الأرض، ويوهم كلامه أو يفهم أن السلطان خدابنده قد ٨٩ ترفض ونشر مذهب ابن المطهر بسبب ابن تيمية، وتحامله على الشيعة في منهاج السنة النبوية، وقال: وابن المطهر الحلى لما وصل إليه كتاب ابن تيمية هذا، قال: كنت أجاوبه لو كان يفهم كلامي، ولكن جوابي يكون بالفعل حتى سعى سعياً إلى أن تمكن من قلب الدولة السنية من تلك الاقطار إلى دولة غالية في التشيع بحمل خدابنده الملك الشعوب على التمذهب بمذهب ابن المطهر، ولم يزل الغلو في التشيع متغلغلاً في تلك البلاد، منذ عمل ابن تيمية هذا. اهـ ونحن ننقل لك بعد هذا الكلام ما ذكره الشيعة الامامية أنفسهم في سبب ترفض الملك خدابنده، ليعلم مبلغ هذا الرجل من تحريف التاريخ وقلب الحقائق الواقعية بكل وقاحة وصفاقة، ونسجل عليه حقده وتعصبه على رجال الاسلام العظام، وافتراءه عليهم الكذب الصريح. جاء في كتاب ((روضات الجنات في تراجم الشيعة)) تأليف ميرزا محمد باقر الموسوي الخوانساري الميلاد، والأصفهاني الموطن والمهاد - في ترجمة الحسن بن المطهر الحلي ما نصه، ثم نقل عن كتاب شرح مولانا التقى المجلسي على الفقيه نقلاً عن جماعة من الأصحاب: أن الشاة خدابنده المذكور غضب يوماً على امرأته فقال لها: أنت طالق ثلاثاً، ثم ندم وجمع العلماء فقالوا: لا بد من المحلل فقال عندكم في كل مسألة أقاويل مختلفة، أوَ ليس لكم هنا اختلاف؟ فقالوا لا، فقال أحد وزرائه: إن عالماً بالحلة وهو يقول ببطلان الطلاق، فبعث كتابه إلى العلامة(١) وأحضره - وهنا أطال في وصف اجتماعه بعلماء السنة ومناظرته لهم، بما يضحك الثكلى ويشبه كلام الصبيان (ثم قال) وعلى أي حال فالطلاق الذي أوقعه الملك باطل، لأنه لم يتحقق شروطه، ومنه العدلان، فهل قال الملك بمحضرهما؟ قال لا. ثم شرع في البحث مع العلماء حتى ألزمهم جميعاً فتشيع الملك، وبعث إلى البلاد والأقاليم حتى يخطبوا بالأئمة الإثنى عشر، ويضربوا السكك على أسمائهم، وينفقوها على أطراف المساجد، والمشاهد !! منهم (ثم قال): والذي في أصفهان موجود الآن في الجامع القديم الذي كتب في زمانه (١) يعنى ابن المطهر. ٩٠ ثلاثة مواضع منه، وكذا في معبدیه - مكوار لنجان، ومعبد الشيخ نور الدين النطزي من الفرقاء، وكذا على منارة دار السيادة التي تممها هذا السلطان من بعد ما أحدثه أخوه غازان. اهـ. (ثم قال): وهذه اليد العظمى والمنة الكبرى التي له على أهل الحق مما لم ينكره أحد من المخالفين والموافقين، حتى أن في بعض تواريخ العامة (أي أهل السنة) رأيت التعبير عن هذه الحكاية بمثل هذه الصورة ومن سوانح سنة سبع وسبعمائة، أظهر خدابنده شعار التشيع باضلال ابن المطهر. اهـ أعلمت الآن أيها القارىء الكريم السبب الذي من أجله ترفض هذا الجاهل الأعجمي المغولي وأنه مسألة شخصية. لا دخل فيها لشيخ الاسلام ابن تيمية، ولا لكتاب منهاج السنة النبوية، وهو كونه طلق زوجته ثلاثاً وهو غضبان، واستفتى أمثال الكوثري من علماء عصره فأفتوه بالمحلل، وهو الذي سماه الرسول ◌َله: التيس المستعار، وقال الملك لهم: عندكم في كل مسألة أقاويل مختلفة، أو ليس لكم هنا اختلاف قالوا لا، لا بد من المحلل - أي الملعون بلسان الرسول وَ لاير هو والمحلل له، فاستنكف الملك عن هذا التحليل الذي هو زنا صريح، ولو أخذوا بما كان عليه الطلاق الثلاث في عهده وَ لير وفي عهد صاحبيه، لخرجوا من جحر الضب الذي أوقعوا الملك معهم فيه، ولو اهتدى إلى شيخ الإسلام ابن تيمية لوجد لمسألته عنده حلا نبوياً سنياً غير شيعي، ولكن الكوثري يلبس شيخ الإسلام ذنب غيره، فعليه ما يستحق من ربه، لماذا تسکت أيها الكوثري عمن أحرجوا الملك فأخرجوه من بینهم، وتطعن في دين من يرده وقومه إلى حظيرة السنة؟ أكان بالله إثماً أن يؤلف ابن تيمية كتاب (منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية)). ويرد به ضلالات ابن المطهر الحلي. والكوثري السني فيما يزعم يتبجح بقول الحلي الشيعي لإمام السنة. كنت أجاوبه لو كان يفهم كلامي !. وفي كتاب روضات الجنات في تراجم الشيعة، الذي لخصنا عنه ما تقدم (ص ٩١ ١٧١ - ١٧٤)(١) نقلاً عن تذكرة الشيخ نور الدين علي بن عراق المصري - أن الشيخ تقي الدين ابن تيمية الذي كان من جملة علماء السنة معاصراً للشيخ جمال الدين العلامة المذكور - منكراً عليه في الخفاء كثيراً - كتب إليه العلامة بهذه الأبيات: طراً لصرت صديق كل العالم لو كنت تعلم كل ما علم الورى يهوى خلاف هواك ليس بعالم لكن جهلت فقلت أن جميع من فكتب الشيخ شمس الدين محمد بن محمد بن عبد الكريم الموصلي في جوابه هذه القطعة وأرسلها إليه: يا من يموه في السؤال مسفسطا إن الذي ألزمت ليس بلازم هذا رسول الله يعلم كل ما علموا وقد عاداه جل العالم (٢) وترى الكوثري ينوه بكلمة ابن المطهر الحمقاء التي أخذها من شعره، ولكنه لم يذكر جوابها السديد لبعض علماء السنة، ويمكنك أن تقف مما أوردناه لك على دخيلته، وتعرف حقيقة نحلته وخبيئته. وجملة القول. أن هذا الرجل (الكوثري) لا يعتد بعقله ولا بنقله ولا بعلمه ولا بدينه. ومن يراجع تعليقاته يتحقق صدق ما قلناه فيه، على أنا أوردنا شواهد منها دلت على سائرها، وعرفتنا حقيقة قائلها، فمن بقي له شك فيها فليرجع إليها، ليرى كيف أن التعصب يعمي ويصم، والله عليم بذات الصدور(٣) (١) هذا في طبعة قديمة، وهو في ٢٨٦/٢ نشر دار المعرفة بيروت. (٢) غير أن البيت الأخير في (روضات الجنات)) حرفت به كلمة ((يعمل)) الى ((يعلم))، وأرجو أن يكون تصحيفاً غير مقصود، فإن رسول الله و لو لا يعلم ما عمل الورى، لأن ذلك لعلم الله سبحانه والبيت على الصواب في ((الرد الوافر)) - زهير -. (٣) بل ان عمى التعصب قد شمل عدداً ممن رافقوا الكوثري، أو تتلمذوا عليه، أو ساروا على نهجه. كتب الله الهداية للجميع - زهير -. ٩٢ فصل في الكشف عن مذهب المعتزلة وبيان حقيقته. كانت المعتزلة تقول: إن الله مُنَزَّه عن الأعراض والأبعاض والحوادث والحدود، ومقصودهم نفيُ الصفات ونفيُ الأفعال، ونفيُ مباينته للخلق وعلوه على العرش، وكانوا يعبّرون عن مذاهب أهل الإثبات أهل السنة بالعبارات المجملة التي تشعر الناس بفساد المذهب، فإنهم إذا قالوا: إن الله منزه عن الأعراض لم يكن في ظاهر هذه العبارة ما يُنكرَ، لأن الناس يفهمون من ذلك أنه منزه عن الاستحالة والفساد، كالأعراض التي تعرض لبني آدم من الأمراض والأسقام، ولا ريب أن الله منزَّه عن ذلك، ولكن مقصودهم أنه ليس له علم ولا قدره ولا حياة ولا كلام قائم به، ولا غير ذلك من الصفات التي يسمونها هم أعراضاً. وكذلك إذا قالوا: إن الله منزَّه عن الحدود والأحياز والجهات، أوهموا الناس أن مقصودهم بذلك أنه لا تحصره المخلوقات، ولا تحوزه المصنوعات، وهذا المعنى صحيح، ومقصودهم أنه ليس مبايناً للخلق ولا منفصلاً عنه، وأنه ليس فوق السماوات رب ولا على العرش إله، وأن محمداً لم يعرج به إليه، ولم ينزل منه شيء، ولا يصعد إليه شيء، ولا يتقرب إليه شيء، ولا يتقرب إلى شيء، ولا ترفع إليه الأيدي في الدعاء ولا غيره، ونحو ذلك من معاني الجهمية. وإذا قالوا: إنه ليس بجسم أوهموا أنه ليس من جنس المخلوقات، ولا مثل أبدان الخلق، وهذا المعنی صحیح، ولكن مقصودهم بذلك أنه لا یری ولا يتكلم بنفسه، ولا تقوم به صفة، ولا هو مباين للخلق وأمثال ذلك. وإذا قالوا: لا * إن هذا الفصل كتبه أستاذنا البيطار في كتابه القيم ((حياة شيخ الإسلام ابن تيمية)) نقلناه هنا لارتباطه بالموضوع. ٩٣ تحله الحوادث أوهموا الناس أن مرادهم أنه لا يكون محلاً للتغيرات والاستحالات ونحو ذلك من الأحداث التي تحدث للمخلوقين فتحيلهم وتفسدهم، وهذا معنى صحیح، ولکن مقصودهم بذلك أنه ليس له فعل اختياري يقوم بنفسه، ولا له كلام ولا فعل يقوم به يتعلق بمشيئته وقدرته، وأنه لا يقدر على استواء أو نزول أو إتيان، أو مجيء، وأن المخلوقات التي خلقها لم يكن منه عند خلقها فعل أصلاً، بل عين المخلوقات هي الفعل، ليس هناك فعل ومفعول، وخلق ومخلوق، بل المخلوق عين الخلق، والمفعول عين الفعل ونحو ذلك، وابن كُلَّب ومن اتبعه وافقوهم على هذا، وخالفوهم في إثبات الصفات. الإمام الأشعري يثبت الصفات بالشرع تارة وبالعقل أخرى وكذلك الأشعري يثبت الصفات بالشرع تارة وبالعقل أخرى، ولهذا يثبت العلوّ ونحوه مما تنفيه المعتزلة، ويثبت الاستواء على العرش، ويرد على من تأوله بالاستيلاء ونحوه مما لا يختص بالعرش - أي هو تعالى مستول على كل شيء من مخلوقاته لا على العرش وحده، وهو العالي على كل شيء، المحيط بكل شيء في جميع أحواله من نزوله وارتفاعه، لا يحيط به شيء، ولا يحتوي عليه شيء. وكان الأشعري وأئمة أصحابه يقولون: أنهم يحتجون بالعقل لما عرف ثبوته بالسمع، فالشرع هو الذي يعتمد عليه في أصول الدين، والعقل عاضد له معاون، لكن المعتزلة القائلين بأن دلالة السمع موقوفة على صحته صرحوا بأنه لا يستدل بأقوال الرسول على ما يجب ويمتنع من الصفات بل ولا الأفعال، وصرحوا بأنه لا يجوز الاحتجاج على ذلك بالكتاب والسنة وإن وافق العقل، فكيف إذا خالفه. وهذه الطريقة هي التي سلكها من وافق المعتزلة في ذلك. وأما الأشعري وأئمة أصحابه فإنهم مثبتون لها (أي الصفات الخبرية) يردون على من ينفيها، أو يقف فيها فضلاً عمن يتأولها. وأمَّا مسألة قيام الأفعال الاختيارية به، فإنَّ ابن كُلَّب والأشعري وغيرهما ينفونها، وعلى ذلك بنوا قولهم في مسألة القرآن، وبسبب ذلك وغيره تكلم الناس فيهم في هذا الباب بما هو معروف في كتب أهل العلم ونسبوهم إلى البدعة، والصواب أن الله ٩٤ بجميع صفات ذاته واحد، لم يزل ولا يزال، وما أضيف إلى الله من صفات فعله مما هو غير بائن عن الله فغير مخلوق. خلاصة ما تقدم الردّ بعشرات الآيات على من يقول: إن الله تعالى لا يتكلم إلا بأصوات قديمة أزلية ليست متعاقبة وهو لا يقدر على التكلم بها، ولا له في ذلك مشيئة ولا فعل (٦٠ - ٦٣ ج٢) وقد جاء في آخرها قوله: وأمثال ذلك كثير في كتاب الله تعالى، بل يدخل في ذلك عامَّة ما أخبر الله به من أفعاله لا سيما المرتبة كقوله تعالى: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾(١)، ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده﴾(٢)، ﴿ألم نهلك الأولين ثم نتبعهم الآخرين﴾(٢)، وآيات كثيرة كلها تدل على أفعال الله تعالى بالتعاقب والترتيب. (ص ٦٠) وخلاصة هذا المبحث الطويل الجليل هو في قوله: لكن المقصود هنا أن نبين أن القرآن والسنة فيهما من الدلالة على هذا الأصل ما لا يكاد يُحُصْر، فمن له فهم في كتاب الله يستدلُ بما ذكر من النصوص على ما ترك، ومَن عرف حقيقة قول النقاة علم أنّ القرآن مناقض لذلك مناقضة لا حيلة لهم فيها، وأن القرآن يثبت ما يقدر عليه ويشاؤه من أفعاله تعالى التي ليست هي نفس المخلوقات. كلام هؤلاء الطوائف مَن تدبَّر كلام هؤلاء الطوائف بعضهم مع بعض تبين له أنهم لا يعتصمون فيما يخالفون به الكتاب والسنة إلا بحجة جدلية يسلمها بعضهم لبعض، وآخر منتهاهم حجة يحتجون بها في إثبات حدوث العالم لقيام الأكوان به أو الأعراض، ونحو ذلك من الحجج التي هي أصل الكلام المحدث الذي ذمَّه السلف والأئمة، وقالوا: إنه جهل، وإن حكم أهله أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل (١) سورة الضحى، الآية: ٥. (٣) سورة المرسلات، الآية: ١٦ و ١٧. (٢) سورة الروم، الآية: ٢٧. ٩٥ والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام، وكذا مَن عرف حقائق ما انتهى إليه هؤلاء الفضلاء الأذكياء ازداد بصيرة وعلماً ويقيناً بما جاء به الرسول وَس*، وبأن ما يعارضون به الكتاب والسنّة من كلامهم الذي يسمونه عقليات، هي من هذا الجنس الذي لا يتفق إلا بما فيه من الألفاظ المجملة المشتبهة مع مَن قلَّت معرفته بما جاء به الرسول وبطرق إثبات ذلك، ويتوهم أن بمثل هذا الكلام يثبت معرفة الله وصدق رسله، وأن الطعن في ذلك طعن فيما به يصير العبد مؤمناً، فيتعجّل ردّ كثير مما جاء به الرسول وَله، لظنه أنَّه بهذا الرد يصير مصدِّقاً للرسول في الباقي. (ص ٢٠٧) وهذا مما يبين أن ما جاءت به الرسل هو الحق، وأن الأدلة العقلية الصريحة توافق ما جاءت به الرسل، وأن صريح المعقول، لا يناقض صحيح المنقول، وإنما يقع التناقض بين ما يدخل في السمع وليس منه، وما يدخل في العقل وليس منه، كالذين جعلوا من السمع أن الرب لم يزل معطلاً عن الكلام والفعل، لا يتكلم بمشيئته، ولا يفعل بمشيئته، بل ولا يمكنه عندهم أنه لا يزال يتكلم بمشيئته ويفعل بمشيئته، فجعل هؤلاء هذا قول الرسل، وليس هو قولهم، وجعل هؤلاء من المعقول أنه يمتنع دوام كونه قادراً على الكلام والفعل بمشيئته. (ص ١١١) فإذا خلق في الشجرة ﴿إني أنا الله رب العالمين﴾(١) - ولم يقم هو به كلام - كان ذلك كلاماً للشجرة، فتكون هي القائلة !! والحوادث لا تحل به تعالى من غير مشيئة ولا قدرة، بل يفعلها بمشيئته وقدرته، واتصافه بها واجب لأنها صفات كمال، والذات الموصوفة بصفاتها، القادرة على أفعالها، مستلزمة لما يلزمها من الصفات، قادرة على ما تشاؤه من الأفعال. نفي القول بخلق القرآن (ص ١٢٣) إن الطريقة المعروفة التي سلكها الأشعري وأصحابه في مسألة القرآن هم ومن وافقهم على هذا الأصل من أصحاب أحمد وغيرهم كأبي الحسن التميمي، (١) سورة القصص، الآية: ٣٠. ٩٦ والقاضي أبي يعلى (سنة ٤٥٨ هـ) وابن عقيل (سنة ٢٥٥ هـ) وأبي الحسن الزعفراني (سنة ٢٥٩ هـ) من أصحاب أحمد (سنة ٢٤١ هـ) وكأبي المعالي (سنة ٤٧٨ هـ) وأمثاله وأبي القاسم الرواسي، وأبي سعيد المتولي ( سنة ٤٧٨ هـ) وغيرهم من أصحاب الشافعي (سنة ٣٠٤ هـ)؛ والقاضي أبي الوليد الباجي (سنة ٤٧٤ هـ) وأبي بكر الطرطوشي (سنة ٥٢٠ هـ) وأبي بكر بن العربي (سنة ٥٤٣ هـ) وغيرهم من أصحاب مالك (سنة ١٧٩ هـ)، وكأبي منصور الماتريدي (سنة ٣٣٣ هـ) وميمون النسفي (سنة ٥٠٨ هـ) وغيرهما من أصحاب أبي حنيفة (سنة ١٥٠ هـ)، أنهم قالوا: لو كان القرآن مخلوقاً للزم أن يخلقه إما في ذاته أو في محل غيره، أو قائماً بنفسه، لا في ذاته ولا في محل آخر، و (الأوَّل) يستلزم أن يكون محلّاً للحوادث، و (الثاني) يقتضي أن يكون الكلام كلام المحل الذي خلق فيه، فلا يكون ذلك الكلام كلام الله كسائر الصفات إذا خلقها في محل، كالعلم والحياة والحركة واللون وغير ذلك. و (الثالث) يقتضي أن تقوم الصفة بنفسها، وهذا ممتنع. فهذه الطريقة هي عمدة هؤلاء في مسألة القرآن، وقد سبقهم عبد العزيز المكي (سنة ٢٤٠ هـ) صاحب المحاورة المشهورة إلى هذا التقسيم، وقد يظن الظان أن كلامهم هو كلامه بعينه، وأنه كان يقول بقولهم أن الله لا يقوم بذاته ما يتعلق بقدرته ومشيئته، وأن قوله من جنس قول ابن كلاب، وليس الأمر على ذلك، فإن عبد العزيز هذا، له في الرد على الجهمية وغيرهم من الكلام ما لا يعرف فيه خروج عن مذهب السلف وأهل الحديث، وذكر طرفاً من هذه المناظرة التي جرت بحضور الخليفة المأمون بين عبد العزيز الكناني المكي وبشر المريسي (سنة ٢١٨ هـ) إلى أن قال عبد العزيز: وما كان قبل الخلق متقدماً، فليس هو من الخلق في شيء ثم قال: فقد كسرت قول بشر بالكتاب والسنة واللغة العربية، والنظر والمعقول. ثم قال ابن تيمية - معلقاً على كلام عبد العزيز وبشر -: والمقصود هنا أن ما قام بذاته، لا يسميه أحد منهم مخلوقاً، سواء كان حادثاً أو قديماً، وبهذا يظهر احتجاج عبد العزيز على بشر، فإن بشراً من أئمة الجهمية نفاة الصفات، وعنده لم يقم بذات الله تعالى صفة ولا فعل ولا قدرة ولا كلام ولا إرادة، بل ما ثمَّ عنده إلا الذات المجردة عن الصفات والمخلوقات المنفصلة عنها كما تقول بذلك الجهمية من المعتزلة وغيرهم، فاحتج عليه عبد العزيز بحجتين عقليتين، (إحداهما) أنه إذا كان كلام الله ٩٧ ،٠ مخلوقاً، ولم يخلقه في غيره ولا خلقه قائماً بنفسه، لزم أن يكون مخلوقاً في نفس الله، وهذا باطل. و (الثانية) أن المخلوقات المنفصلة عن الله خلقها الله بما ليس من المخلوقات، إما القدرة كما أقر به بشر، وإما فعله وأمره وإرادته كما قاله عبد العزیز، وعلى التقديرين ثبت أنه كان قبل المخلوقات من الصفات ما ليس بمخلوق، فبطل أصل قول بشر والجهمية أنه ليس لله صفة، وأن كل ما سوى الذات المجردة فهو مخلوق، وتبين أن الذات يقوم بها معان ليست مخلوقة، وهذا حجة مثبتة الصفات القائلين بأن القرآن كلام الله غير مخلوق على من نَفَى الصفات، وقال بخلق القرآن. ٩٨ المقابلةُ بَكَ الهُدَى وَالصَّلاةُ حَوَلَ ترحيبُ الكوثري بنَقدِ تأنيُبهِ بقَلم العلامة الشيخ عبد الرزّاق حمزة تحقيق عبد الله بن صَالح المَدني الفقيه المكتب الإسلامي ٩٩