النص المفهرس

صفحات 841-860

٤
٨٤١
باب الهدية
وهل يرتجى نيل الزيادة بالكفر
هجرتك لم أهجرك من كفر نعمة
فأفرطت في بري عجزت عن الشكر
ولكنني لما آتيتك زائراً
أزورك في الشهرين يوماً وفي الشهر
فملان لا آتيك إلا معذراً
ولم تلقني حتى القيامة والحشر
فإن زدت في بري تزيدت جفوة
[٤٨٣/٩]
- عن أبي جعفر محمد بن أحمد بن أبي المثنى الموصلي قال: رأيت أبا سليمان
الداراني ببغداد سنة ثلاث ومائتين أو أربع ومائتين مخضوب اللحية له شعيرة، في
مسجد عبد الوهاب الخفاف، فقيل له: إن عبد الوهاب الخفاف يقول بشيء من
القدر، فترك الصلاة في مسجده وذهب إلى مسجد آخر، قال أبو جعفر: وإني أرجو
برؤيته خيراً ..
[٢٤٨/١٠]
- عن أبي الحسن الكرخي أنه أنشد لنفسه:
أن ليس حق مودتي أن أظلما
حسبي سموّاً في الهوى أن تعلما
لا مقصراً عنه ولا متلوِّما
ثم امض في ظلمي على علم به
وأذاب من جسمي عليك وأسقما
فوحق ما أخذ الهوى من مقلتي
أحظى لدي من الرضى متهجما
لجفاك عن علم بما ألقى به
[٣٥٤/١٠]
باب الهدية
- عن محمد بن المثنى قال: انصرفت مع بشر بن الحارث في يوم أضحى من
المصلى، فلقي خالد بن خداش المحدث فسلم عليه فقصر بشر في السلام، فقال
خالد: بيني وبينك مودة من أكثر من ستين سنة ما تغيرت عليك، فما هذا التغير؟
قال: فقال بشر: ما ها هنا تغير ولا تقصير، ولكن هذا اليوم تستحب فيه الهدايا،
وما عندي من عرض الدنيا شيء أهدي لك، وقد روي في الحديث: ((إن المسلمين
إذا التقيا كان أكثرهما ثواباً أبشهما لصاحبه)) فنكرتك لتكون أكثر ثواباً .
[٨ /٣٠٥]
- عن أحمد بن سعيد القرشي قال: أهدى أبو شراعة القيسي إلى أبي يحيى
عيسى بن أبي حرب في يوم نوروز(١) نعلاً مكتوب على شراكها بحبر:
لم ألقه يطأ التراب بنعله إلا وجمت له وجوم المعجب.
(١) نوروز: معرّب نيروز، القاموس (نرز).

٨٤٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
وعلقت أفكر في مواطئ نعله أن كيف لم يخضر أو لم يعشب
فاشترى له مكان النعل داراً.
[١٦٦/١١]
- عن الجاحظ قال: أردت الخروج إلى محمد بن عبد الملك ففكرت في شيء
أهديه له، فلم أجد شيئاً أشرف من كتاب لسيبويه. فقلت له: أردت أن أهدي لك
شيئاً، ففكرت فإذا كل شيء عندك، فلم أر أشرف من هذا الكتاب، وهذا كتاب
اشتريته من ميراث الفراء، فقال: والله ما أهديت إلي شيئاً أحب إليّ منه. [١٩٦/١٢]
- عن أبي الفضل بن طومار قال: كنت عند محمد بن نصر بن بسام، فدخل عليه
حاجبه فأعطاه رقعة وثلاثة دفاتر كباراً، فقرأ الرقعة فإذا المبرد قد أهدى إليه كتاب
الروضة، وكان ابنه علي حاضراً، قال: فرمى بالجزء الأول - يعني إليه - وقال له:
انظر يا بني، هذه أهداها إلينا أبو العباس المبرد، فأخذ ينظر فيه وكان بين يديه
دواة، فشغل أبو جعفر يحدثنا؛ فأخذ علي الدواة ووقع على ظهر الجزء شيئاً وتركه
وقام، فلما انصرف قال أبو جعفر: أروني، أي شيء قد وقع هذا المشؤوم؟ فإذا
هو :
من جحيم يتوقد
لو برأ الله المبرد
من جميع الناس أبرد
كان في الروضة حقاً
[٣٨٦/٣]
باب الهم
- عن إبراهيم الآجري قال: لأن ترد إلى الله همك ساعة خير مما طلعت عليه
[٢١١/٦]
الشمس.
- عن محمد بن مروان قال: كان عطاء الأزرق إذا لقينا قال: جعل الله الهم منا
ومنكم للآخرة.
[٢٠٦/١١]
- عن محمد بن الحسن أنه قال لأهله: لا تسألوني حاجة من حوائج الدنيا تشغلوا
قلبي، وخذوا ما تحتاجون إليه من وكيلي فإنه أقل لهمي، وأفرغ لقلبي.
[٢ /١٧٧]
- عن إبراهيم بن إسحاق الثقفي قال: أجمع عقلاء كل أمة أنه من لم يجر مع
القدر لم يتهنأ بعيشه كأن يكون قميصي أنظف قميص، وإزاري أوسخ إزار، ما
حدثت نفسي أنهما يستويان قط، وفرد عقبي مقطوع، وفرد عقبي الآخر صحيح أمشي
بهما، وأدور بغداد كلها هذا الجانب وذلك الجانب لا أحدث نفسي أني أصلحها،

=
٨٤٣
باب الهمة
وما شكوت إلى أمي ولا إلى إخوتي، ولا إلى امرأتي، ولا إلى بناتي قط حمى
وجدتها. الرجل هو الذي يدخل غمه على نفسه، ولا يغم عياله، كان بي شقيقة
"خمساً وأربعين سنة ما أخبرت بها أحداً قط، ولي عشر سنين أبصر بفرد عين ما
أخبرت به أحداً، وأفنيت من عمري ثلاثين سنة برغيفين أن جاءتني بهما أمي أو
أختي أكلت، وإلا بقيت جائعاً عطشان إلى الليلة الثانية، وأفنيت ثلاثين سنة من
عمري برغيف في اليوم والليلة إن جائتني امرأتي، أو إحدى بناتي به أكلته، وإلا
بقيت جائعاً عطشان إلى الليلة الأخرى، والآن آكل نصف رغيف، وأربع عشرة تمرة
إن كان برنياً أو نيفاً وعشرين إن كان دقلاً، ومرضت ابنتي فمضت امرأتي، فأقامت
عندها شهراً، فقام إفطاري في هذا الشهر بدرهم ودانقين ونصف، ودخلت الحمام
واشتريت لهم صابوناً بدانقين، فقام نفقة شهر رمضان كله بدرهم وأربعة دوانق
ونصف .
[٣٠/٦ - ٣١]
باب الهمة
- عن جعفر الخلدي أنه قال لرجل: كن شريف الهمة؛ فإن الهمم تبلغ بالرجل لا
[٢٢٩/٧]
المجاهدات.
- عن أبي جعفر الطبري قال لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالو: كم يكون
قدره؟ فقال: ثلاثون ألف ورقة. فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه؛ فاختصره
في نحو ثلاثة آلاف ورقة. ثم قال: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟
قالوا: كم قدره؟ فذكر نحواً مما ذكره في التفسير، فأجابوه بمثل ذلك، فقال: إنا لله
[١٦٣/٢]
ماتت الهمم.
- عن أبي مسلم صاحب الدولة قال: ارتديت الصبر، وآثرت الكتمان، وحالفت
الأحزان والأشجان، وسامحت المقادير والأحكام حتى بلغت غاية همتي، وأدركت
نهاية بغيتي، ثم أنشأ يقول:
عنه ملوك بني مروان إذا حشدوا
قد نلت بالحزم والكتمان ما عجزت
من رقدة لم ينمها قبلهم أحد
ما زلت أضربهم بالسيف فانتبهوا
والقوم في ملكهم بالشام قد رقدوا
طفقت أسعى عليهم في ديارهم
ونام عنها تولى رعيها الأسد
ومن رعى غنماً في أرض مسبعة
[٢٠٨/١٠]

٨٤٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
باب الهوى
[٤/ ٢٥٤]
- عن سري السقطي قال: رأيت على حجر مكتوباً، داؤك هواك، فإن غلبت
هواك، فداؤك دواك.
- عن صدقة - وهو المقابري - قال: بلغني أن رجلاً عاده إخوانه فقالوا: كيف
[٣٣٣/٩]
نجدك؟ فقال: إن الذي بي من البلاء أقل مما أصبت من لذة الهوى.
- عن إسحاق الموصلي قال: قال لي المعتصم: يا أبا إسحاق إذا نُصر الهوى
ذهب الرأي.
[٣١١/٢]
- عن ميمون بن مهران قال: أوصاني عمر بن عبد العزيز فقال: يا ميمون لا تخل
بامرأة لا تحل لك وإن أقرأتها القرآن، ولا تتبع السلطان وإن رأيت أنك تأمره
بمعروف وتنهاه عن منكر، ولا تجالس ذا هوى فتلقي في نفسك شيئاً يسخط الله به
عليك.
[١٧٣/١٣]
- قال أبو علي الروذباري:
وأمنع نفسي أن تنال المحرّما
أنزّه في روض المحاسن مقلتي
على جامد الصلت الأصمّ تهدما
وأحمل من ثقل الهوى ما لو انه
فلولا اختلاس الطرف عنه تكلما
ويُظهر سري عن مترجم خاطري
فما إن أرى حبّاً صحيحاً مسلماً
رأيتُ الهوى دعوى من الناس كلّهم
[٣٣٢/١]
باب الوديعة
- عن حسين بن فهم قال: اشهد علي يا بُني أني متى فعلت خلة من ثلاث خلال
فأنا مجنون: إن شهدت عند الحاكم، أو حدثت العوام، أو قبلت الوديعة. [٩٢/٨]
باب الورع
- عن سفيان الثوري قال: لا يجد العبد طعم الإيمان إلا بالورع الشافي. [١٨٩/٧]
- عن أبي عثمان الآدمي قال: وسئل إبراهيم الخواص عن الورع فقال: أن لا
يتكلم العبد إلا بالحق غضب أو رضي، ويكون اهتمامه بما يرضي الله تعالى. [٨/٦]
- عن إبراهيم بن أدهم قال: الناس أربعة في الورع: فمنهم ورع عن القليل
والكثير، ومنهم ورع عن القليل، وإذا أشرف على الكثير لم يتورع عنه، ومنهم ورع
[١٩٩/٦]
عن الکثیر ویدنس ورعه بالقليل، ومنهم من لا يتورع عن قلیل ولا کثیر.

=
٨٤٥
باب الورع
- عن أبي بكر البزار قال: عادلت الفقيه أبا زيد - محمد المروزي - من نيسابور
[٣١٤/١]
إلى مكة فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة.
- عن قتيبة قال: لولا الثوري لمات الورع، ولولا أحمد بن حنبل لأحدثوا في
الدين. قلت لقتيبة: تضم أحمد بن حنبل إلى أحد التابعين؟ فقال: إلى كبار
التابعين.
[٤/ ٤١٧]
- عن أحمد بن سعيد الرباطي قال: قدمت على أحمد بن حنبل فجعل لا يرفع
رأسه إلي، فقلت: يا أبا عبد الله إنه يُكتب عني بخراسان، وإن عاملتني بهذه
المعاملة رموا بحديثي، فقال لي: يا أحمد هل بد يوم القيامة من أن يقال أين
عبد الله بن طاهر وأتباعه؟ انظر أين تكون أنت منه.
[١٦٦/٤]
- عن أبي علي النقار قال: سقطت من عقدة دنانير على باب دار أبي ذر الخزاز،
فجاء بنخال ليطلبها، قال عقدة: فوجدتها ثم فكرت فقلت: ليس في الدنيا غير
دنانيرك؟! فقلت للبنخال: هي في ذمتك ومضيت وتركته، وكان يؤدب ابن هشام
الخزاز، فلما حذق الصبي وتعلم، وجه إليه ابن هشام دنانير صالحة فردها، فظن ابن
هشام أن عقدة استقلها فأضعفها له، فقال عقدة: ما رددتها استقلالاً، ولكن سألني
الصبي أن أعلمه القرآن فاختلط تعليم النحو بتعليم القرآن، فلا أستحل أن آخذ منه
شيئاً ولو دفع إلي الدنيا.
[١٥/٥]
- عن المدائني قال: كان سبب حبس ابن سيرين في الدَّين، أنه اشترى زيتاً
بأربعين ألف درهم، فوجد في زق منه فأرة، فقال: الفأرة كانت في المعصرة، فصب
الزيت كله. وكان يقول: عيرت رجلاً بشيء مذ ثلاثين سنة، أحسبني عوقبت به
وكانوا يرون أنه عير رجلاً بالفقر فابتلي به.
[٣٣٥/٥]
- كنت جالساً إلى جنب أحمد بن حنبل، فقلت: يا أبا عبد الله، أستمد من
محبرتك فنظر إلي فقال: لم يبلغ ورعي وورعك هذا وتبسم.
[٣٨٥/٥]
- عن عمر بن أخت بشر بن الحارث قال: دخل علينا بشر بن الحارث يوم
أضحى، قال: فقالت لي أمي أحسب أن الكلاب قد شبعت من اللحم في هذا
اليوم، قال: فخرج فلما كان العصر جاءنا ومعه خرقة فيها رطل لحم، فقال لها:
اطبخي هذا، قال: قالت: إيش أطبخه، قال، اطبخيه بماء وملح، قال: فطبخت
نصفه بماء وملح واشترت بحبة سلقاً وطبخت النصف الآخر به. قال: فلما كان
المغرب جاء ومعه رغيف وما رأيناه قط أكل عندنا شيئاً، قال: فقال لها اثردي هذا
الرغيف في الماء والملح وهاتيه، قال: ففعلت وقدمته إليه. قال: فجعل يأكل الثريد

=
٨٤٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
ويدع اللحم، قال: فشالته، فلما كان من الغد جاءنا ومعه رغيف قال، فقال لها: إن
كان قد بقي من ذلك الماء والملح شيء فأثردي هذا الرغيف فيه وهاتيه، قالت: ما
بقي من الماء والملح شيء، ولكن كنت قد اشتريت بحبة سلقاً، وعملت باقي
اللحم، وقد بقي منه شيء فقال: ولا هذا أيضاً لي فيه حاجة، قالت له: ولم؟ قال:
لأن الماء والملح قلت لك بقي شيء منه؟ فقلت: لا، وكذبت فيه، وهذا أفسدتيه
بسلق لا أدري من أين هو؟.
[٧٥/٧]
- عن عبيد بن غنام قال: مرض حفص بن غياث خمسة عشر يوماً، فدفع إلي مائة
درهم فقال: امض بها إلى العامل وقل له: هذه رزق خمسة عشر يوماً، لم أحكم
فيها بين المسلمين لا حظ لي فيها.
[١٩٠/٨ - ١٩١]
- عن الجنيد قال: مات أبو حارث المحاسبي يوم مات، وإن الحارث لمحتاج
إلى دانق فضة، وخلّف مالاً كثيراً، وما أخذ منه حبة واحدة، وقال: أهل ملتين لا
يتوارثان وكان أبوه واقفياً.
[٢١٤/٨]
- عن أبي رجاء (يعني قتيبة بن سعيد) قال: لولا الثوري لمات الورع. [٢٤٦/٨]
- عن أبي عبد الله بن المحاملي قال: صليت صلاة العيد يوم فطر في جامع
المدينة، فلما انصرفت قلت في نفسي، أدخل على داود بن علي أهنيه، وكان ينزل
قطيعة الربيع. قال: فجئته وقرعت عليه الباب فأذن لي فدخلت عليه، وإذا بين يديه
طبق فيه أوراق هندبا وغصارة فيها نخلة، وهو يأكل فهنيته وتعجبت من حاله ورأيت
أن جميع ما نحن فيه من الدنيا ليس بشيء، فخرجت من عنده ودخلت على رجل من
مجندي القطيعة، يعرف بالجرجاني؛ فلما علم بمجيئي إليه خرج إليّ حاسر الرأس
حافي القدمين، وقال لي: ما عنى القاضي أيده الله، فقلت: مهم. قال: وما هو؟
قلت: في جوارك داود بن علي ومكانه من العلم، وأنت كثير البر والرغبة في الخير
تغفل عنه، وحدثته بما رأيت. فقال لي: داود شرس الخلق، أُعلم القاضي أني
وجهت إليه البارحة ألف درهم مع غلامي ليستعين بها في بعض أموره فردها مع
الغلام، وقال للغلام: قل له بأي عين رأيتني وما الذي بلغك من حاجتي وخلتي
حتى وجهت إلي بهذا؟ قال: فتعجبت من ذلك فقلت له: هات الدراهم فإني أحملها
إليه أنا، فدعا بها ودفعها إلي ثم قال: يا غلام ناولني الكيس الآخر، فجاءه بكيس
فوزن ألفاً أخرى. فقال: تيك لنا وهذه لموضع القاضي وعنايته، قال: فأخذت
الألفين وجئت إليه فقرعت بابه، وكلمني من وراء الباب أو قال: ما رد القاضي،
قلت: حاجة أكلمك فيها، فدخلت وجلست ساعة ثم أخرجت الدراهم وجعلتها بين

٨٤٧
باب الورع
يديه، فقال: هذا جزاء من ائتمنك على سره. إنما بأمنة العلم أدخلتك إلي، ارجع
فلا حاجة لي فيما معك، قال المحامي: فرجعت وقد صغرت الدنيا في عيني،
ودخلت على الجرجاني فأخبرته بما كان. فقال: أما أنا فقد أخرجت هذه الدراهم الله
تعالى لا ترجع في مالي هذا، فليتول القاضي إخراجها في أهل الستر والعفاف من
المتجملين بالستر والصيانة على ما يراه، فقد أخرجتها عن قلبي.
[٣٧١/٨]
- عن مبارك بن سعيد قال: جاء رجل إلى سفيان ببدرة أو قال ببدرتين (شك أبو
زكريا) وكان أبو ذلك الرجل صديقاً لسفيان جداً، وكان سفيان يأتيه فيقيل عنده،
ويأتيه كثيراً. قال: فقال يا أبا عبد الله في نفسك من أبي شيء؟ فأثنى عليه وقال:
رحم الله أباك. وذكر من فضله فقال له: يا أبا عبد الله قد عرفت كيف صار إليّ هذا
المال، وأنا أحب أن تقبل هذا الذي جئتك به، تستعين به على عيالك، قال: فقبله
منه فخرج الرجل. فلما خرج أو كاد أن يخرج قال لي: يا مبارك الحقه فرده، قال:
فلحقته فرددته، فقال: يا ابن أخي أحب أن تقبل هذا المال، فإني قد قبلته منك
ولكن أحب أن تأخذه فترجع به، فقال: يا أبا عبد الله في نفسك منه شيء؟ قال:
لا، ولكن أحب أن تقبله، فلم يزل به حتى أخذه، فلما خرج جئت وقد داخلني ما
لا أملك؛ فقعدت بين يديه فقلت: ويحك يا أخي إيش قلبك هذا حجارة؟ أنت ليس
لك عيال؟ أما ترحمني أما ترحم إخوانك أما ترحم صبياننا؟ قال: فأكثرت عليه من
هذا النحو فقال: يا مبارك تأكلها أنت هنيئاً مريئاً، وأسئل أنا عنها لا يكون هذا
[١٦١/٩]
أبداً .
- عن ابن أبي الورد قال: دخلت على سري السقطي وهو يبكي ودورقه مكسور،
فقلت: ما لك؟ قال: انكسر الدورق فقلت: أنا أشتري لك بدله، فقال لي: تشتري
بدله وأنا أعرف من أين الدانق الذي اشترى به الدورق، ومن عمله، ومن أين طينه،
وإيش أكل عامله حتى فرغ من عمله.
[١٨٩/٩]
- عن حسن المسوحي قال: دفع إلي السري السقطي قطعة، فقال: اشتر لي باقلاء
من رجل قدره داخل الباب، فطفت الكرخ كله فلم أجد إلا من قدره خارج الباب،
فرجعت إليه فقلت: خذ قطعتك فإني لم أجد إلا من قدره خارج.
[١٩١/٩]
- عن الخطيب قال: قال البرقاني: ودفع إليّ يوماً قدحاً فيه كسر يابسة وأمرني أن
أحمله إلى الباقلاني، ليطرح عليه ماء الباقلاء، ففعلت ذلك، فلما ألقى الباقلاني
عليه الماء وقع في القدح من الباقلاء اثنتين أو ثلاث، فبادر الباقلاني إلى رفعها
فقلت له: ويحك ما مقدار هذا حتى ترفعه من القدح، فقال: هذا الشيخ يعطيني في

٨٤٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
كل شهر دانقاً حتى أبلّ له الكسر اليابسة، فكيف أدفع إليه الباقلاء مع الماء، وجعل
البرقاني يصف أشياء من تقلله وزهده.
[٤٠٨/٩]
- عن نصر بن علي قال: سمعت الأصمعي يقول لعفان: وجعل يعرض عليه
شيئاً من الحديث، فقال: اتق الله يا عفان، ولا تغير حديث رسول الله بقولي،
قال نصر: وكان الأصمعي يتقي أن يفسر حديث رسول الله، كما يتقي أن يفسر
القرآن.
[٤١٨/١٠]
- عن الفراء قال: رأيت الكسائي يوماً، فرأيته كالباكي، فقلت له: ما يبكيك؟
فقال: هذا الملك يحيى بن خالد يوجه إلي فيحضرني، فيسألني عن الشيء فإن
أبطأت في الجواب لحقني منه عيب، وإن بادرت لم آمن الزلل، قال: فقلت له
ممتحناً يا أبا الحسن، من يعترض عليك؟ قل ما شئت، فأنت الكسائي، فأخذ لسانه
بيده فقال: قطعه الله إذا أنا قلت ما لا أعلم.
[٤١١/١١]
- عن أحمد بن عبد الله بن خالد قال: سئل أحمد بن محمد بن حنبل عن مسألة
في الورع. فقال: أنا أستغفر الله لا يحل لي أن أتكلم في الورع، أنا آكل من غلة
بغداد. لو كان بشر بن الحارث صلح أن يجيبك عنه، فإنه كان لا يأكل من غلة
بغداد ولا من طعام السواد، فهو يصلح أن يتكلم في الورع.
[٦/١]
- عن أبي حسان الزيادي قال: قال عتبة بن غزوان المازني وهو والي عمر بن
الخطاب على البصرة، مات بالطريق راجعاً إلى البصرة. وكان قد استعفى عمر فأبى
أن يعفيه، وكان من دعائه: اللهم لا تردني إلى البصرة والياً لعمر. فمات قبل أن
[١٥٧/١]
يصل إليها .
- عن علي بن حفص البزاز قال: كان حفص بن عبد الرحمن شريك أبي حنيفة،
وكان أبو حنيفة يجهز عليه فبعث إليه في رفقة بمتاع، وأعلمه أن في ثوب كذا وكذا
عيباً فإذا بعته فبين. فباع حفص المتاع ونسي أن يبين، ولم يعلم ممن باعه فلما علم
[٣٥٨/١٣]
أبو حنيفة تصدق بثمن المتاع کله.
- عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: كنت مع أبي يوماً من الأيام في المنزل،
فدق داق الباب، قال لي: أخرج فأنظر من بالباب فخرجت، فإذا امرأة قال: قالت
لي استأذن لي على أبي عبد الله، (يعني أباه) قال: فاستأذنته فقال: ادخلها. قال:
فدخلت فجلست فسلمت عليه، وقالت له: يا أبا عبد الله أنا امرأة أغزل بالليل
بالسراج، فربما طفأ السراج فأغزل في القمر، فعليَّ أن أبين غزل القمر من غزل
السراج، قال: فقال لها: إن كان عندك بينهما فرق فعليك أن تبيني ذلك، قال:

٨٤٩
باب الوسطية
قالت له: يا أبا عبد الله أنين المريض شكوى، قال: أرجو ألا يكون شكوى، ولكنه
اشتكاء إلى الله، قال: فودعته وخرجت، قال: فقال لي: يا بني ما سمعت قط إنساناً
سأل عن مثل هذا؟! اتبع هذه المرأة فانظر أين تدخل، قال: فاتبعتها فإذا قد دخلت
إلى بيت بشر بن الحارث، وإذا هي أخته. قال: فرجعت فقلت له: فقال: محال أن
تکون مثل هذه إلا أخت بشر.
[٤ ٤٣٦/١]
- عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: جاءت مخة أخت بشر بن الحارث إلى
أبي، فقالت له: إني امرأة رأس مالي دانقين أشتري القطن فأردنه فأبيعه بنصف
درهم، فأتقوت بدانق من الجمعة إلى الجمعة. فمر ابن طاهر الطائف ومعه مشعل
فوقف يكلم أصحاب المصالح، فاستغنمت ضوء المشعل فغزلت طاقات، ثم غاب
عني المشعل، فعلمت أن الله فيّ مطالبة، فخلصني خلصك الله فقال لها: تخرجين
الدانقين ثم تبقين بلا رأس مال حتى يعوضك الله خيراً منهما، فقلت لأبي: يا أبت.
لو قلت لها: لو أخرجت الغزل الذي أدركت فيه الطاقات، فقال: يا بني سؤالها لا
يحتمل التأويل، ثم قال: من هذه؟ قلت: مخة أخت بشر بن الحارث، فقال: من
[٤٣٧/١٤]
ههنا أتيت.
- عن أبي حمدون المقرئ واسمه طيب بن إسماعيل قال: ذهبنا إلى المدائن إلى
شعيب بن حرب، وكان قاعداً على شط الدجلة، وكان قد بنى كوخاً، وخبز له معلق
في شريط، ومطهرة يأخذ كل ليلة رغيفاً يبله في المطهرة ويأكله، فقال بيده هكذا،
وإنما كان جلد وعظم. قال: فقال: أرى هوذا بعد لحم، والله لأعملن في ذوبانه
حتى أدخل إلى القبر، وأنا عظام تقعقع أريد السمن للدود والحيات. قال: فبلغ
[٢٤٠/٩]
أحمد بن حنبل قوله فقال: شعيب بن حرب حمل على نفسه في الورع.
باب الوسطية
- عن أبي العالية الشامي قال: لقي رجل يحيى بن أكثم وهو يومئذ على قضاء
القضاة، فقال له: أصلح الله القاضي، كم آكل؟ قال: فوق الجوع ودون الشبع،
قال: فكم أضحك؟ قال: حتى يسفر وجهك ولا يعلو صوتك، قال: فكم أبكي؟
قال: لا تمل البكاء من خشية الله تعالى، قال: فكم أخفي من عملي؟ قال: ما
استطعت، قال: فكم أظهر منه؟ قال: ما يقتدى بك البر الخير ويؤمن عليك قول
الناس. فقال الرجل: سبحان الله قول قاطن وعمل ظاعن.
[٢٠٠/١٤]

٨٥٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
باب الوسوسة
- عن داود بن علي الأصبهاني قال: كان بشر المريسي يخرج إلى ناحية الزابيين
ليغتسل ويتطهر، وكان به المذهب، قال: فمضى وليد الكرابيسي إليه وهو في الماء،
فقال: مسألة. قال: وأنا على هذه الحال، فقال له: نعم، فقال: أليس رووا عن
النبي * أنه كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع؟ فهذا الذي أنت فيه إيش؟! قال:
إبليس يوسوس لي ويوهمني أني لم أطهر، قال: فهو الذي وسوس لك حتى قلت
القرآن مخلوق.
[٤٤١/١٣]
باب الوصايا
- عن أبي مطيع قال: مات رجل وأوصى إلى أبي حنيفة، وهو غائب قال: فقدم
أبو حنيفة، فارتفع إلى ابن شبرمة وادعى الوصية، وأقام البينة أن فلاناً مات وأوصى
إليه، فقال له ابن شبرمة: يا أبا حنيفة احلف أن شهودك شهدوا بحق. قال: ليس
عليّ يمين كنت غائباً. قال: ضلت مقاليدك يا أبا حنيفة. قال: ضلت مقاليدي ما
تقول في أعمى شج، فشهد له شاهدان أن فلاناً شجه على العمى يمين أن شهوده
شهدوا بالحق، ولا يرى؟ !.
[٣٤٨/١٣]
باب الوطن
- قال يونس بن عبد الأعلى: قال لي الشافعي: يا يونس دخلت بغداد؟ قال:
قلت: لا. قال: ما رأيت الدنيا .
[٤/١]
- عن أبي بكر بن عياش قال: الإسلام ببغداد، وإنها لصيادة تصيد الرجال، ومن
لم یرها لم ير الدنیا .
[٤٧/١]
- عن إبراهيم بن عبد الله قال: جئت أنا وأبي إلى أبي عثمان الجاحظ في آخر
عمره فقال: جئت إلى شق مائل، ولعاب سائل، الأمصار عشرة: فالصناعة بالبصرة،
والفصاحة بالكوفة، والخير ببغداد، والغدر بالري، والحسد بهراة، والجفاء
بنيسابور، والبخل بمرو، والطرمذة بسمرقند، والمروءة ببلخ، والتجارة بمصر.[٤٩/١]
- عن أبي الوليد حسان بن محمد الفقيه قال: سمعت أبا العباس محمد بن
إسحاق السراج يقول: وآسفا على بغداد، ما الذي حملك على الخروج منها؟ قال:
أقام بها أخي إسماعيل خمسين سنة، فلما توفي ورفعت جنازته سمعت رجلاً على
باب الدرب يقول لآخر من هذا الميت؟ قال: غريب كان ها هنا، فقلت: إنا لله بعد
طول مقام أخي بها، واشتهاره بالعلم والتجارة، يقال: غريب؟ كان ها هنا،
فحملتني هذه الكلمة على الانصراف إلى الوطن.
[٢٩٢/٦]

٨٥١
باب الوطن
- عن القاضي أبي العلاء الواسطي، عن دعلج أنه سئل عن سبب مفارقته مكة بعد
أن سكنها؟ فقال: خرجت ليلة من المسجد، فتقدم ثلاثة من الأعراب، فقالوا: أخ
لك من أهل خراسان قتل أخانا فنحن نقتلك به. فقلت: اتقوا الله فإن خراسان ليس
بمدينة واحدة، فلم أزل أداريهم إلى أن اجتمع الناس، وخلوا عني. فكان هذا سبب
انتقالي إلى بغداد وکان یقول: ليس في الدنيا مثل داري.
[٣٨٩/٨]
- عن أبي بكر الخطيب قال: بلغني أن المنصور لما عزم على بنائها (بغداد)
أحضر المهندسين وأهل المعرفة بالبناء والعلم بالذرع والمساحة وقسمة الأرضين،
فمثل لهم صفتها التي في نفسه، ثم أحضر الفعلة والصناع من النجارين والحفارين
والحدادين وغيرهم، فأجرى عليهم الأرزاق، وكتب إلى كل بلد في حمل من فيه
ممن يفهم شيئاً من أمر البناء، ولم يبتدئ في البناء حتى تكامل بحضرته من أهل
المهن والصناعات ألوف كثيرة، ثم اختطها وجعلها مدورة، ويقال: لا يعرف في
أقطار الدنيا كلها مدينة مدورة سواها، ووضع أساسها في وقت اختاره له نوبخت
[٦٦/١ - ٦٧]
المنجم.
- قال بشر بن الحارث: بغداد ضيقة على المتقين ما ينبغي لمؤمن أن يقيم فيها .
قلت له: فهذا أحمد بن حنبل فما تقول؟ قال: دفعتنا الضرورة إلى المقام بها كما
دفعت الضرورة المضطر إلى أكل الميتة.
[٥/١]
- قال عبد الله بن المبارك:
ليس بغداد مسكن الزهاد
الزم الثغر والتعبد فيه
ومناخ للقارئ الصياد
إن بغداد للملوك محل
[٦/١]
- عن شمر بن عطية عن رجل عن عمر قال: أهل العراق كنز الإيمان، وجمجمة
العرب، وهم رمح الله رَّ يحرزون ثغورهم ويمدون الأمصار.
[٢٥/١]
- عن أبي قاسم الشاعر الوراق قال:
كبغداد داراً إنها جنة الأرض
أعاينت في طول من الأرض والعرض
وعود سواه غير صاف ولا غض
صفا العيش في بغداد واخضر عوده
مريءٌ وبعض الأرض أمرؤ من بعض
تطول بها الأعمار إنّ غذاءها
[٥٢/١]
- يذكر عن الحكماء أنهم يقولون: إذا أقام الغريب على دجلة من بلاد الموصل
تبين في بدنه قوة، وإذا أقام بين دجلة والفرات بأرض بابل تبين في فطنته ذكاء
وحدة، وفي عقله زيادة وشدة.
[١٢٨/١، ١٢٩]

٨٥٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
باب الوعد
- عن عوف بن النعمان الشيباني قال: لأن أموت قائماً عطشاً أحب إلي من أكون
[١٤٢/٣]
خلافاً لموعد.
- قال أبو علي ابن الأعرابي لنفسه:
د وأخلو مستأنساً بالأماني
كنت دهراً أعلل النفس بالوعـ
عن فضول المنى صروف الزمان
فمضى الواعدون واقتطعنا
[٣١٠/١]
- عن أبي إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج قال: كنت أؤدب القاسم بن
عبيد الله، وأقول له: إن بلغك الله مبلغ أبيك ووليت الوزارة ماذا تصنع بي؟ فيقول:
ما أحببت. فأقول له: تعطيني عشرين ألف دينار، وكانت غاية أمنيتي، فما مضت إلا
سنون حتى ولي القاسم الوزارة، وأنا على ملازمتي له، وقد صرت نديمه فدعتني
نفسي إلى إذكاره بالوعد، ثم هبته. فلما كان في اليوم الثالث من وزارته قال لي: يا
أبا إسحاق لم أرك أذكرتني بالنذر، فقلت: عولت على رعاية الوزير أيده الله، وأنه
لا يحتاج إلى إذكار لنذر عليه، في أمر خادم واجب الحق. فقال لي: إنه المعتضد
ولولاه ما تعاظمني دفع ذلك إليك في مكان واحد، ولكن أخاف أن يصير لي معه
حديث فاسمح لي بأخذه متفرقاً، فقلت: يا سيدي افعل، فقال: اجلس للناس وخذ
رقاعهم في الحوائج الكبار واستجعل عليها، ولا تمتنع من مسألتي شيئاً تخاطب فيه
صحيحاً كان أو محالاً إلى أن يحصل لك مال النذر، قال: ففعلت ذلك، وكنت
أعرض عليه كل يوم رقاعاً فيوقع فيها. وربما قال لي: كم ضمن لك على هذا؟
فأقول كذا وكذا، فيقول: غبنت، هذا يساوي كذا وكذا ارجع فاستزد فأراجع القوم،
فلا أزال أماکسهم ویزیدوني حتى أبلغ الحد الذي رسمه.
قال: وعرضت عليه شيئاً عظيماً فحصلت عندي عشرون ألف دينار، وأكثر منها في
مديدة، فقال لي بعد شهور: يا أبا إسحاق حصل مال النذر، فقلت: لا. فسكت،
وكنت أعرض، فيسألني في كل شهر أو نحو هل حصل المال، فأقول لا خوفاً من
انقطاع الكسب، إلى أن حصل عندي ضعف ذلك المال، وسألني يوماً فاستحييت من
الكذب المتصل، فقلت: قد حصل ذلك ببركة الوزير، فقال: فرجت والله عني؛ فقد
كنت مشغول القلب إلى أن يحصل لك، قال: ثم أخذ الدواة ووقع لي إلى خازنه
بثلاثة آلاف دينار صلة، فأخذتها وامتنعت أن أعرض عليه شيئاً. ولم أدر كيف أقع
منه، فلما كان من غد جئته وجلست على رسمي فأومأ إلي هات ما معك يستدعي

٨٥٣
باب الوعد
مني الرقاع على الرسم، فقلت: ما أخذت من أحد رقعة لأن النذر قد وقع الوفاء به.
ولم أدر كيف أقع من الوزير، فقال: يا سبحان الله أتراني كنت أقطع عنك شيئاً قد
صار لك عادة، وعلم به الناس، وصارت لك به منزلة عندهم وجاه، وغدو ورواح
إلى بابك، ولا يعلم سبب انقطاعه، فيظن ذلك لضعف جاهك عندي أو تغير رتبتك،
أعرض علي على رسمك وخذ بلا حساب، فقبَّلت يده، وباكرته من غد بالرقاع فكنت
أعرض عليه كل يوم شيئاً إلى أن مات وقد تأثلت حالي هذه.
[٩٠/٦ - ٩٢]
- عن أبي بكر بن أبي الأزهر قال: دعاني يوماً علي بن إبراهيم بن موسى كاتب
مسرور البلخي، فتشاغلت عن المضي إليه. فلما كان في اليوم الثاني بكرت إليه
معتذراً فتلقاني في بعض داره وهو يريد المضي إلى الحسن بن إسماعيل بن إسحاق
القاضي، فقال لي: انتظرني قليلاً فإني أريد دخول الحمام، فدخلت إلى الموضع
الذي يجلس فيه، وتقدم إلى غلمانه أن يغيبوا سرج الحمار ولجامه عني، فإن طلبته
قالوا: الحمار عري ما ندري أين سرجه؟ وأقمت كذلك مرة أعذل الغلام، ومرة أهم
بضربه. فلما انتصف النهار عرفت أنه في دعوة الحسن بن إسماعيل فكتبت إليه رقعة
فيها :
وكريم الأخوال والأعمام
يا ابن قاضي القضاة والحكام
وتمت شرائع الإسلام
يا ابن من بينت به سنن الدين
اقض بيني وبين خلك والمصفي
إنه كادني بأخذ حماري
ومنعت الخروج ظلماً وألجئت
مرة أثني عليه بضرب
وهو في كل حالة مستخف
وأشد الأمور أني قد جعت
فتراه أجاز أخذ حماري
كل ما نالني ففيه لي الذنب
لك الود من جميع الأنام
وتعدى في سرجه واللجام
إلى الرفق صاغراً بالغلام
غير مجد ومرة بالكلام
بأموري مزاول إرغامي
كأني محالف للصيام
أتراه يجيز منع الطعام
وإلا فلم رددت غلامي
وطلبت من يحمل الرقعة إليه، فرأيت امرأة من دار القاضي إسماعيل بن إسحاق
تأنس بهم، فدفعت الرقعة إليها وقلت: أوصليها إلى أبي علي ابن القاضي فأوصلتها
إلى القاضي بنفسه. فقرأها وقلبها ووقع عليها بخطه: يا بني هذا الرجل متظلم منكم
فأنصفوه، وبعث بها إلى ابنه فلما قرأها وجهوا إلي يسألوني المضي إليهم، فوافى
الرسول وقد انصرفت فلم يلقني.
[٢٨٥/٧]

٨٥٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن عبد الرحمن بن حبيب قال: قدم صديق لدعبل من الحج فوعده أن يهدي له
نعلاً فأبطأت علیه فكتب إليه:
كأنك تبتغي شتماً وقذفا
وعدت النعل ثم صَدَفْتَ عنها
إذا أعجمت بعد النون حرفا
فإن لم تهد لي نعلاً فکنها
[٣٨٥/٨]
- عن أبي كعب الخزاعي قال: رثى سلم الخاسر المهدي بقصيدة، فوعده الرشيد
عليها بمائة ألف درهم، فأبطأت عليه فكتب إلى الرشيد:
المرئية المهدي غير كثير
أرى المائة ألفاً صادقاً قد وعدتها
لما عجت من موعوده بنقير
ولو غير هارون يجود بوعدها
فإن قال لم يأخذ بحبل غرور
شبيه أبيه في السماحة والندى
[١٣٨/٩]
- عن أبي العباس محمد بن يزيد المبرد قال: سألت بشر بن سعد المرثدي حاجة
فتأخرت فكتبت إليه:
وهضم أخوة، أو نقض عهد
وقاك الله من إخلاف وعد
وبيتك في الرواية من معد
فأنت المرتجى أدباً ورأياً
سداد الأسر، من حسب وود
وتجمعنا أواصر لازمات
فقد ضمنتها بشر بن سعد
إذا لم تأت حاجاتي سراعاً
وأرجوه لحل أو لعقد؟
فأي الناس آمله لبر؟
[٣٨٥/٣]
- قال ابن خراش: كان بيني وبين أبي زرعة موعد أن أبكر عليه فأذاكره،
فبكرت فمررت بأبي حاتم وهو قاعد وحده، فدعاني فأجلسني معه يذاكرني حتى
أصبح النهار، فقلت له بيني وبين أبي زرعة موعد، فجئت إلى أبي زرعة والناس
عليه منكبون فقال لي: تأخرت عن الموعد !! قلت: بكرت فمررت بهذا
المستوحش فدعاني فرحمته لوحدته، وهو أعلا إسناداً منك، وضربت أنت بالدست
أو كما قال.
[٣٣٣/١٠]
باب الوعظ وآدابه
- عن عبد الله بن حنبل حدثني أبي حنبل بن إسحاق قال: قلت لعمي في
القُصَّاص، فقال: القُصَّاص الذين كانوا يذكرون الجنة والنار والتخويف ولهم نية

=
٨٥٥
باب الوفاء
وصدق الحديث، فأما هؤلاء الذين أحدثوا وضع الأخبار والأحاديث الموضوعة فلا
أراه. قال أبو عبد الله: ولو قلت إن هؤلاء أيضاً يسمعهم الجاهل والذي لا يعلم،
ولعله ينتفع بكلمة أو يرجع عن أمر كان، أما عبد الله كره أن يمنعوا، وقال: ربما
جاءوا بالأحاديث الصحاح، وقال أبو عبد الله أيضاً: لا أحب له أن يمل الناس،
[٩ /٤٥٠]
ولا يطيل الموعظة إذا وعظ.
- عن دُجى مولى الطائع الله قال: أمرني الطائع لله بأن أوجه إلى ابن سمعون
فأحضره دار الخلافة، ورأيت الطائع على صفة من الغضب. وكان يُتقى في تلك
الحال، لأنه كان ذا حدة، فبعثت إلى ابن سمعون وأنا مشغول القلب لأجله، فلما
حضر أعلمت الطائع حضوره، فجلس مجلسه فأذن له بالدخول، فدخل وسلم عليه
بالخلافة، ثم أخذ في وعظه؛ فأول ما ابتدأ به أن قال: روي عن أمير المؤمنين
علي بن أبي طالب ربه وذكر عنه خبراً، وأحاديث بعده، ثم قال: روي عن أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وذكر عنه خبراً. ولم يزل يجري في
میدان الوعظ حتى بكى الطائع وسمع شهیقه، وابتل مندیل بین یدیه بدموعه، فأمسك
ابن سمعون حينئذ ودفع إلى الطائع درجاً فيه طيب وغيره، فدفعته إليه وانصرف.
وعدت إلى حضرة الطائع فقلت: يا مولاي رأيتك على صفة من شدة الغضب على
ابن سمعون، ثم انتقلت عن تلك الصفة عند حضوره. فما السبب؟ فقال: رفع إلي
عنه أنه ينتقص علي بن أبي طالب فأحببت أن أتيقن ذاك لأقابله عليه إن صح ذلك
منه، فلما حضر بين يدي افتتح كلامه بذكر علي بن أبي طالب والصلاة عليه، وأعاد
وبدأ في ذلك وقد كان له مندوحة في الرواية عن غيره، وترك الابتداء به، فعلمت أنه
وفق لما تزول به عنه الظنة، وتبرأ ساحته عندي، ولعله كوشف بذلك.
[٢٧٦/١]
- عن يحيى بن معاذ الرازي قال: أحسن شيء كلام صحيح من لسان رجل
فصيح، في وجه صبيح، كلام رقيق يستخرج من بحر عميق، على لسان رجل
.[٢٠٩/١٤]
رفیق.
باب الوفاء
- عن أبي سعيد بكر بن منير قال: كان حمل إلى محمد بن إسماعيل بضاعة
أنفذها إليه فلان. فاجتمع بعض التجار إليه بالعشية فطلبوها منه بربح خمسة آلاف
درهم، فقال لهم: انصرفوا الليلة، فجاءه من الغد تجار آخرون فطلبوا منه تلك
البضاعة بربح عشرة آلاف درهم فردهم، وقال: إني نويت البارحة أن أدفع إلى الذين

٨٥٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
طلبوا أمس بما طلبوا أول مرة فدفعها إليهم بما طلبوا - يعنى الذين طلبوا أول مرة -
ودفع إليهم بربح خمسة آلاف درهم وقال: لا أحب أن أنقض نيتي.
[١١/٢ - ١٢ ]
- عن محمد السنجي قال: كان الوزير أبو محمد المهلبي تقدم إلى القاضي ابن
قريعة أن يشرف على البناء في داره، وأمر بأن لا يطلق بشيء من النفقة إلا بتوقيع
القاضي. قال: وكنت يوماً جالساً مع جماعة في دار المهلبي بقرب الموضع الذي
كان القاضي يجلس فيه. فحضر رجل من العامة فوقف بين يديه ودعا له، وادعى أن
له ثمن ثلاثين بيضة، أخذها منه الوكيل لتزويق السقوف ولم يعطه ثمنها. فقال له:
بيِّن - عافاك الله - دعواك، وأفصح عن نجواك، فمن البيض نعامي، وبطي، وهندي،
ونبطي، وحمامي، وعصافيري، حتى إن السمك يبيض، والدود يبيض، فمن أي
أجناسه لك؟ فقال الرجل: أنا لا أبيع بيض النعام لتزويق السقوف، لي ثمن ثلاثين
بيضة من بيض الدجاج النبطي. فقال: الآن حصحص الحق، ما كنيتك؟ فقال: أنا
عمر أبو حفص. فقال لكاتب البناء: اكتب بورك فيك إلى الوكيل محمد بن عاصم
حضرنا - تولاك الله - أبو حفص عمر البيضي، فذكر أن له ثمن ثلاثين بيضة دجاجياً،
لا بطياً ولا هندياً أخذت على شرط الإنصاف منه، ثم أخذ ثمنها عنه، فارجع
أكرمك الله إلى موجب كتابك، وما أثبته باسم عمر هذا حسابك، فإن كان صادقاً فله
ما للصادقين من البر والإكرام وإعطاء الثمن على الوفاء والتمام، وإن كان كاذباً فعليه
ما على الكاذبين من اللعن والزجر، وقل له موبخاً: باعدك الله من حريمه، ما أقل
وقارك لشيبك وحسبك. وصل على نبيك، وادفع التوقيع إليه. قال: فلما أخذه
الرجل وضعه في جيبه وقال: ثمن البيض عليّ أربعة دوانيق، وأنا والله لا أبيع هذه
الرقعة بدرهمين ومضى.
[٣١٨/٢]
باب الوقت
- عن أبي الحسن الجرامي قال: ما جئت إلى إبراهيم بن حماد قط إلا وجدته
قائماً يصلي أو جالساً يقرأ.
[٦١/٦]
- عن الخطيب قال: ولما ورد بغداد كان قد اصطحب معه كتبه عازماً على
المجاورة بمكة، وكانت وقر بعير وفي جملتها صحيح البخاري، وكان سمعه من أبي
الهيثم الكشمهيني عن الفربري، فلم يقض لقافلة الحجيج النفوذ في تلك السنة لفساد
الطريق، ورجع الناس فعاد إسماعيل معهم إلى نيسابور، ولما كان قبل خروجه بأيام
خاطبته في قراءة كتاب الصحيح فأجابني إلى ذلك، فقرأت جميعه عليه في ثلاثة

٨٥٧
باب الوقت
مجالس: اثنان منها في ليلتين كنت أبتدأ بالقراءة وقت صلاة المغرب، وأقطعها عند
صلاة الفجر، وقبل أن أقرأ المجلس الثالث؛ عبر الشيخ إلى الجانب الشرقي مع
القافلة ونزل الجزيرة بسوق يحيى، فمضيت إليه مع طائفة من أصحابنا كانوا حضروا
قراءتي عليه في الليلتين الماضيتين. وقرأت عليه في الجزيرة من ضحوة النهار إلى
المغرب، ثم من المغرب إلى وقت طلوع الفجر، ففرغت من الكتاب ورحل الشيخ
في صبيحة تلك الليلة مع القافلة.
[٣١٣/٦]
- عن إسحاق بن راهويه قال: إني لأدخل الحمام وبين عيني سبعون ألف
حدیث.
[٣٥٢/٦]
- عن الوليد بن عقبة قال: رأيت داود الطائي، وقال له رجل: ألا تسرح لحيتك؟
قال: إني عنها مشغول.
[٣٥٠/٨]
- عن إسماعيل بن زبان قال: قالت داية داود له: يا أبا سليمان أما تشتهي الخبز؟
[٣٥٣/٨]
قال: يا داية بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية.
- عن أبي بكر الأنباري قال: كان أبو عبيد يقسم الليل أثلاثاً، فيصلي ثلثه، وينام
[٤٠٨/١٢]
ثلثه، ويضع الكتب ثلثه.
- عن محمد بن أبي حاتم الوراق قال: كان أبو عبد الله إذا كنت معه في سفر،
يجمعنا بيت واحد إلا في القيظ أحياناً، فكنت أراه يقوم في ليلة واحدة خمس عشرة
مرة إلى عشرين مرة، في كل ذلك يأخذ القدّاحة فيوري ناراً بيده ويسرج، ثم يخرج
أحاديث فيعلم عليها ثم يضع رأسه، وكان يصلي في وقت السحر ثلاث عشرة ركعة
يوتر بواحدة، وكان لا يوقظني في كل ما يقوم، فقلت له: إنك تحمل على نفسك
كل هذا ولا توقظني؟ قال: أنت شاب فلا أحب أن أفسد عليك نومك.
ورأيته استلقى على قفاه يوماً ونحن بفربر في تصنيف كتاب التفسير، وكان أتعب
نفسه في ذلك اليوم في كثرة إخراج الحديث، فقلت له: يا أبا عبد الله سمعتك
تقول يوماً: إني ما أتيت شيئاً بغير علم قط منذ عقلت، فأي علم في هذا
الاستلقاء؟ فقال: أتعبنا أنفسنا في هذا اليوم، وهذا ثغر من الثغور خشيت أن
يحدث حدث من أمر العدو، فأحببت أن أستريح وآخذ أهبة ذلك، فإن غافصنا
[١٣/٢ - ١٤ ]
العدو كان بنا حراك.
- عن أبي القاسم الأزهري قال: ولم يكن لابن الفرات بالنهار وقت يتسع للنسخ.
لأن مجالسه التى كان يقرأ فيها على الشيوخ كانت متصلة في كل يوم غدوة وعشية،
وكان يحضر كتابه الذي قد نسخه من أصل الشيخ بعد الفراغ من تصحيحه ومقابلته.

٨٥٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
وذلك أن جارية له كانت تعارضه بما يكتب فلا يحتاج أن يغير كتابه وقت قراءته
على الشيخ.
[١٢٣/٣]
باب الوقف
- عن أبي الفضل جعفر بن محمد المؤدب قال: إن أباه لما مات أرادت والدته
أن تبيع داراً ورثاها، فقالت لي: يا بني امض إلى أحمد بن حنبل وإلى بشر بن
الحارث فسلهما عن ذلك، فإني لا أحب أن أقطع أمراً دونهما، وأعلمهما أن بنا
حاجة إلى بيعها. قال: فسألتهما عن ذلك، فاتفق قولاهما على بيع الأنقاض دون
الأرض، فرجعت إلى والدتي فأخبرتها بذلك فلم تبعها، ومنع جماعة من العلماء من
بيع أرض بغداد لكونها من أرض السواد، وأرض السواد عندهم موقوفة لا يصح
بيعها، وأجازت طائفة بيعها، واحتجت بأن عمر بن الخطاب أقر السواد في أيدي
أهله، وجعل أخذ الخراج منهم عوضاً عن ذلك.
[٤/١]
باب الولاء والبراء 8=
- دخل عبد الرحمن الطبيب على بشر بن الحارث فاستقبله نصراني قد خرج فقال
له: يا أبا نصر يدخل إليك مثل هذا !! أما تعلم أن النبي وَلقر قال: ((لا تستضيئوا بنار
المشركين))، قال فقال: ما علمت هذا، فقال: بشر حدثنا عبد الرحمن! تدري أي
شيء قلت؟ قلت: أتداوى لعلي أعافى فأتوب، إن لقاء الله شديد، إن لقاء الله
شدید، حدثنا عبد الرحمن.
[٢٧٧/١٠ - ٢٧٨ ]
باب الولاية والأولياء
- عن عمرو بن عثمان المكي قال: ثلاثة أشياء من صفات الأولياء: الرجوع إلى الله
[٢٢٣/١٢]
في كل شيء، والفقر إلى الله في كل شيء، والثقة به في كل شيء.
- عن أبي بكر الكتاني قال: سألت ابن الفرجي فقلت: إن الله صفوة، وإن الله
خيرة. فمتى يعرف العبد أنه من صفوة الله، ومن خيرة الله؟ فقال: كيف وقعت بهذا؟
قلت: جرى على لساني. قال: إذا خلع الراحة، وأعطى المجهود في الطاعة،
وأحب سقوط المنزلة، وصار المدح والذم عنده سواء.
[٧٥/٣]
- عن أحمد بن الحكم الصاغاني قال: جاء رجل إلى ابن حميد قال: إني اغتبت
أسود بن سالم فأتيت في منامي فقيل لي: تغتاب ولياً من أولياء الله؟ لو ركب حائطاً
ثم قال له: سر لسار.
[٣٧/٧]
- عن يوسف بن الحسين قال: حضرت مع ذي النون مجلس المتوكل، وكان

=
٨٥٩
باب الولاية والأولياء
المتوكل مولعاً به يفضله على العباد والزهاد، فقال له المتوكل: يا أبا الفيض صف
لنا أولياء الله، فقال ذو النون: يا أمير المؤمنين هؤلاء قوم ألبسهم الله النور الساطع
من محبته، وجللهم بالبهاء من أردية كرامته، ووضع على مفارقهم تيجان مسرته،
ونشر لهم المحبة في قلوب خليقته، ثم أخرجهم وقد أودع القلوب ذخائر الغيوب،
فهي معلقة بمواصلة المحبوب، فقلوبهم إليه سائرة، وأعينهم إلى عظيم جلاله ناظرة؛
ثم أجلسهم بعد أن أحسن إليهم على كراسي طلب المعرفة بالدواء، وعرفهم منابت
الأدواء، وجعل تلاميذهم أهل الورع والتقى، وضمن لهم الإجابة عند الدعاء،
وقال: يا أوليائي إن أتاكم عليل من فراقي فداووه، أو مريض من إرادتي فعالجوه،
أو مجروح بتركي إياه فلاطفوه، أو فار مني فرغبوه، أو آبق مني فخادعوه، أو خائف
مني فأمِّنوه، أو راغب في مواصلتي فمنُّوه، أو قاصد نحوي فأدوه، أو جبان في
متاجرتي فجرِّئوه، أو آيس من فضلي فعدوه، أو راج الإحساني فبشروه، أو حسن
الظن بي فباسطوه، أو محب لي فواصلوه، أو معظم لقدري فعظموه؛ أو مستوصف
نحوي فأرشدوه، أو مسيء بعد إحساني فعاتبوه، أو ناس لإحساني فذكروه، وإن
استغاث بكم ملهوف فأغيثوه، ومن وصلكم فيَّ فواصلوه، فإن غاب عنكم فافتقدوه،
وإن ألزمكم جناية فاحتملوه، وإن قصر في واجب حق فاتركوه، وإن أخطأ خطيئة
فانصحوه، وإن مرض فعودوه، وإن وهبت لكم هبة فشاطروه، وإن رزقتكم فآثروه.
يا أوليائي: لكم عاتبت، ولكم خاطبت، وإياكم رغبت، ومنكم الوفا طلبت،
لأنكم الأثرة؛ آثرت وانتخبت، وإياكم استخدمت واصطنعت واختصصت، لا أريد
استخدام الجبارين ولا مطاوعة الشرهين، جزائي لكم أفضل الجزاء، وعطائي لكم
أوفر العطاء، وبذلي لكم أغلى البذل، وفضلي عليكم أكبر الفضل، ومعاملتي لكم
أوفى المعاملة، ومطالبتي لكم أشد المطالبة، أنا مفتش القلوب، أنا علام الغيوب،
أنا ملاحظ اللحظ، أنا مراصد الهمم، أنا مشرف على الخواطر، أنا العالم بأطراف
الجفون، لا يفزعكم صوت جبار دوني، ولا مسلط سواي، فمن أرادكم قصمته،
ومن آذاكم آذيته، ومن عاداكم عاديته، ومن والاكم واليته، ومن أحسن إليكم
[٣٩٤/٨ _ ٣٩٥]
أرضيته، أنتم أوليائي وأنتم أحبائي أنتم لي وأنا لكم.
- عن محمد بن الهيثم بن علي النسوي قال: لما أن قدم حمدون البرذعي
على أبي زرعة لكتابة الحديث، دخل عليه فرأى في داره أواني وفرشاً كثيراً قال:
- وكان ذلك لأخيه - فَهَمَّ أن يرجع ولا يكتب عنه، فلما كان من الليل رأى
كأنه على شط بركة، ورأى ظل شخص في الماء فقال: أنت الذي زهدت في

٨٦٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
أبي زرعة، أعلمت أن أحمد بن حنبل كان من الأبدال، فلما أن مات أبدل الله
مكانه أبا زرعة.
[٣٣٥/١٠]
- عن محمد بن منصور الطوسي قال: نازلت قوماً من أصحاب الفضيل بن عياض
فيما يذكرونه من كرامة المؤمن على الله. فقلت: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة،
فمطرنا في تلك الساعة.
[٢٤٩/٣]
= باب وصايا السلف
- عن ميمون بن مهران قال: أوصاني عمر بن عبد العزيز فقال: يا ميمون لا تخل
بامرأة لا تحل لك وإن أقرأتها القرآن. ولا تتبع السلطان وإن رأيت أنك تأمره
بمعروف وتنهاه عن منكر، ولا تجالس ذا هوى فتلقى في نفسك شيئاً يسخط الله به
[١٧٣/١٣]
عليك.
- عن أبي الربيع الأعرج قال: دخلت على داود الطائي ببيته بعد المغرب ..
قلت: أوصني. قال: صم الدنيا، واجعل إفطارك فيها الموت، وفر من الناس فرارك
من السبع، وصاحب أهل التقوى إن صحبت، فإنهم أقل مؤنة، وأحسن معونة، ولا
تدع الجماعة. حسبك هذا إن عملت به.
[٣٥١/٨]
- عن محمد بن الحسين النيسابوري قال: قلت لإبراهيم بن ثابت وقت مفارقته:
أوصني، فقال: دع ما تندم عليه.
[٤٩/٦]
باب اليقين
- عن الحسن بن علي العابد قال: سمعت حاتماً الأصم، وقد سأله سائل، على
أي شيء بنيت أمرك؟ فقال: على أربع خصال: على أن لا أخرج من الدنيا حتى
أستكمل رزقي، وعلى أن رزقي لا يأكله غيري، وعلى أن أجلي لا أدري متى هو،
وعلى أن لا أغيب عن الله طرفة عين.
[٢٤٣/٨]
- عن رويم قال: الصبر ترك الشكوى، والرضى استلذاذ البلوى، واليقين
[٤٣١/٨]
المشاهدة، والتوكل إسقاط رؤية الوسائط، والتعلق بأعلى الوثائق.
- عن محمد بن منصور الطوسي قال: رأيت النبي وّر في النوم، فقلت: مرني
بشيء حتى ألزمه، فقال: عليك باليقين.
[٢٥٠/٣]
- عن محمد بن عبد الوهاب الثقفي قال: كان إسماعيل بن أحمد والي خراسان
يصل محمد بن نصر المروزي في كل سنة بأربعة آلاف درهم، ويصله أخوه
إسحاق بن أحمد بأربعة آلاف درهم، ويصله أهل سمرقند بأربعة آلاف درهم، فكان