النص المفهرس

صفحات 801-820

٨٠١
باب المناظرة
النفس مسروراً فقال: قال لي: ما لك لم تقم مع الناس؟ قلت: كرهت أن أخرج
عن الطبقة التي جعلتني فيها، إنك أهلتني للعلم فكرهت أن أخرج منه إلى طبقة
الخدمة التى هي خارجة منه، وإن ابن عمك وَله.
قال: ((من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار))، وإنه إنما أراد
بذلك العلماء، فمن قام بحق الخدمة وإعزاز الملك فهو هيبة للعدو، ومن قعد اتبع
السنة التي عنکم أخذت فهو زین لکم. قال: صدقت يا محمد.
ثم قال: إن عمر بن الخطاب صالح بني تغلب على أن لا ينصِّروا أبنائهم، وقد
نصَّروا أبنائهم، وحلت بذلك دماؤهم فما ترى؟ قال قلت: إن عمر أمرهم بذلك وقد
نصروا أبنائهم بعد عمر، واحتمل ذلك عثمان وابن عمك وكان من العلم ما لا خفاء
به عليك، وجرت بذلك السنن، فهذا صلح من الخلفاء بعده ولا شيء يلحقك في
ذلك، وقد كشفت لك العلم ورأيك أعلا. قال: لكنا نجريه على ما أجروه إن
شاء الله، إن الله أمر نبيه بالمشورة فكان يشاور في أمره، ثم يأتيه جبريل عليهلا
بتوفيق الله، ولكن عليك بالدعاء لمن ولاه الله أمرك ومر أصحابك بذلك، وقد أمرت
لك بشيء تفرقه على أصحابك، فخرج له مال كثير ففرقه.
[١٧٣/٢ - ١٧٤]
- قال يحيى بن معين: ما رأيت على رجل قط خطأ إلا سترته وأحببت أن أزين
أمره، وما استقبلت رجلاً في وجهه بأمر يكرهه ولكن أبين له خطأه فيما بيني وبينه،
فإن قبل ذلك وإلا تركته.
[١٨٤/١٤]
باب المناظرة
- عن عبيد الله بن عبد الكريم قال: كان محمد بن داود خصماً لأبي العباس بن
سريج القاضي، وكانا يتناظران ويترادان في الكتب، فلما بلغ ابن سريج موت
محمد بن دؤاد نحى مخاده ومشاوره وجلس للتعزية وقال: ما آسى إلا على تراب
أکل لسان محمد بن داود.
[٢٥٩/٥]
- عن محمد بن عبد الرحمن قال: كان رجل بالكوفة يقول عثمان بن عفان كان
يهودياً، فأتاه أبو حنيفة فقال: أتيتك خاطباً. قال: لمن؟ قال: لابنتك رجل شريف
غني بالمال حافظ لكتاب الله سخي يقوم الليل في ركعة كثير البكاء من خوف الله.
قال: في دون هذا مقنع يا أبا حنيفة. قال: إلا أن فيه خصلة. قال: وما هي؟ قال:
يهودياً. قال: سبحان الله تأمرني أن أزوج ابنتي من يهودي. قال: لا تفعل؟ قال: لا.
قال: فالنبي زوج ابنتيه من يهودي. قال: أستغفر الله إني تائب إلى الله ريال. [٣٦٤/١٣]

٨٠٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن ابن أبي دؤاد قال: أدخل رجل من الخوارج على المأمون فقال: ما حملك
على خلافنا؟ قال: آية في كتاب الله تعالى. قال: وما هي؟ قال: قوله: ﴿وَمَنْ لَّمْ
يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، فقال له المأمون: ألك علم
بأنها منزلة؟ قال: نعم. قال: وما دليلك؟ قال: إجماع الأمة. قال: فكما رضيت
بإجماعهم في التنزيل، فارض بإجماعهم في التأويل. قال: صدقت، السلام عليك يا
أمير المؤمنين.
[١٨٦/١٠]
- عن أبي عبد الله الخواص - وكان من علية أصحاب حاتم - قال: لما دخل
حاتم بغداد اجتمع إليه أهل بغداد، فقالوا له: يا أبا عبد الرحمن أنت رجل عجمي،
وليس يكلمك أحد إلا قطعته لأي معنى، فقال حاتم: معي ثلاث خصال بها أظهر
على خصمي، قالوا: أي شيء هي؟ قال: أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن له إذا
أخطأ، وأحفظ نفسي لا تتجاهل عليه، فبلغ ذلك أحمد بن محمد بن حنبل، فقال:
[٢٤٢/٨]
سبحان الله ما أعقله من رجل؟ !!.
- عن الداودي قال: والله ما نقدر نذكر مقامات علي مع هذه العامة. قلت: أنا
والله أعرفها مقامه ببدر، وأحد، والخندق، ويوم حنين، ويوم خيبر. قال: فإن
عرفتها ينفعني أن تقدمه على أبي بكر، وعمر. قلت: قد عرفتها ومنه قدمت أبا بكر،
وعمر عليه. قال: من أين؟ قلت: أبو بكر كان مع النبي وَّر على العريش يوم بدر
مقامه مقام الرئيس، والرئيس ينهزم به الجيش، وعلي مقامه مقام مبارز، والمبارز لا
ينهزم به الجيش، وجعل يذكر فضائله، وأذكر فضائل أبي بكر. قلت: كم تكثر هذه
الفضائل لهما حق؟ ولكن الذين أخذنا عنهم القرآن، والسنن أصحاب رسول الله
قدموا أبا بكر، فقدمناه لتقديمهم، فالتفت أحمد بن خالد وقال: ما أدري لم فعلوا
هذا؟ فقلت: إن لم تدر فأنا أدري. قال: لم فعلوا؟ فقلت: إن السؤدد والرياسة في
الجاهلية كانت لا تعدوا منزلين: إما رجل كانت له عشيرة تحميه، وإما رجل كان له
مال يفضل به، ثم جاء الإسلام، فجاء باب الدين، فمات النبي، وليس لأبي بكر
مال، وقد قال رسول الله: ((ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر)) ولم تكن تيم
لها مع عبد مناف ومخزوم تلك الحال، وإذا بطل اليسار الذي به كان رئيس أهل
الجاهلية لم يبق إلا باب الدین فقدموه له، فأفحم ابن خالد.
[٢١/٨]
- عن أبي عبيد الله الصيرمي قال: قدم أبو سعيد البردعي بغداد حاجاً فدخل
الجامع، ووقف على داود بن علي صاحب الظاهر وهو يكلم رجلاً من أصحاب أبي
حنيفة وقد ضعف في يده الحنفي، فجلس فسأله عن بيع أمهات الأولاد؟ فقال:

٨٠٣
باب المناظرة
يجوز، فقال له: لم قلت؟ قال: لأنا أجمعنا على جواز بيعهن قبل العلوق فلا نزول
عن هذا الإجماع إلا بإجماع مثله. فقال له: أجمعنا بعد العلوق قبل وضع الحمل
أنه لا يجوز بيعها فيجب أن نتمسك بهذا الإجماع ولا نزول عنه إلا بإجماع مثله،
فانقطع داود. قال: ننظر في هذا، وقام أبو سعيد فعزم على القعود ببغداد والتدريس
لما رأى من غلبة أصحاب الظاهر. فلما كان بعد مديدة رأى في المنام كأن قائلاً
يقول له: ﴿فَمَّا الزََّدُ فَيَذْهَبُ جُفََةٍ وَمَّا مَا يَنَفَعُ النَّاسَ فَيَكُتُ فِ الْأَرْضِّ﴾ [الرعد: ١٧] فانتبه
بدق الباب وإذا قائلاً يقول له: ((قد مات داود بن علي صاحب المذهب فإن أردت
أن تصلي عليه فاحضر)).
[٩٩/٤ - ١٠٠]
- عن أحمد بن المعدل قال: كتب ابن أبي دؤاد إلى رجل من أهل المدينة يتوهم
أنه عبد الله بن موسى بن جعفر بن محمد: إن بايعت أمير المؤمنين في مقالته
استوجبت منه حسن المكافأة وإن امتنعت لم تأمن مكروهه، فكتب إليه: عصمنا الله
وإياك من الفتنة، وكأنه أن يفعل فأعظم بها نعمة وإلا فهي الهلكة؛ نحن نرى الكلام
في القرآن بدعة يشترك فيها السائل والمجيب، فتعاطى السائل ما ليس له وتكلف
المجيب ما ليس عليه، ولا يعلم خالقاً إلا الله، وما سواه مخلوق والقرآن كلام الله.
فانته بنفسك ومخافتك إلى اسمه الذي سماه الله به ﴿وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىَ أَسْمَيْهِ.
سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] ولا تسم القرآن باسم من عندك فتكون من
الضالين. فلما وقف على جوابه أعرض عنه فلم يذكره.
[١٥١/٤ ]
- عن أبي داود السجستاني قال: لما جاء الرشيد بشاكر رأس الزنادقة؛ ليضرب
عنقه، قال: أخبرني لم تعلمون المتعلم منكم أول ما تعلمونه الرفض والقدر؟ قال:
أما قولنا بالرفض فإنا نريد الطعن على الناقلة، فإذا بطلت الناقلة أوشك أن نبطل
المنقول، وأما قولنا بالقدر، فإنا نريد أن نجوِّز إخراج بعض أفعال العباد؛ لإثبات
قدر الله. فإذا جاز أن يخرج البعض جاز أن يخرج الكل.
[٣٠٨/٤]
- عن صالح بن أبي صالح قال: كنا مع الشافعي في مجلسه، فجعل يتكلم في
تثبيت خبر الواحد عن النبي، فكتبناه وذهبنا به إلى إبراهيم بن إسماعيل بن علية،
وكان من غلمان أبي بكر الأصم، وكان مجلسه بمصر عند باب الضوال. فلما قرأنا
عليه جعل يحتج لإبطاله، فكتبنا ما قال ابن علية وذهبنا به إلى الشافعي فنقضه
الشافعي وتكلم بإبطال ما قال ابن علية. ثم كتبنا ما قال الشافعي وذهبنا به إلى ابن
علية فجعل يحتج بإبطال ما قال الشافعي، فكتبناه ثم جئنا به إلى الشافعي فقال
الشافعي: إن ابن علية ضال قد جلس عند باب الضوال يضل الناس.
[٢١/٦]

٨٠٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن الحارث بن سريح النقال قال: دخلت على الشافعي يوماً وعنده أحمد بن
حنبل والحسين القلاس وكان الحسين أحد تلاميذ الشافعي المقدمين في حفظ
الحديث، وعنده جماعة من أهل الحديث والبيت غاص بالناس، وبين يديه إبراهيم بن
إسماعيل بن علية وهو يكلمه في خبر الواحد، فقلت: يا أبا عبد الله عندك وجوه
الناس وقد أقبلت على هذا المبتدع تكلمه، فقال لي وهو يبتسم: كلامي لهذا
بحضرتهم أنفع لهم من كلامي لهم، قال: فقالوا: صدق. قال: فأقبل عليه
الشافعي، فقال له: ألست تزعم أن الحجة هي الإجماع، قال: فقال: نعم. فقال
الشافعي: خبرني عن خبر الواحد العدل أبإجماع دفعته أم بغير إجماع، قال: فانقطع
إبراهيم ولم يجب وسر القوم بذلك.
[٢١/٦]
- عن جعفر بن أبي عثمان الطيالسي قال: قال لي أحمد بن حنبل: بلغني أنك
ناظرت أبا خيثمة - زهير بن حرب وجماعة - على تحليل النبيذ فغلبتهم، فقلت: فهل
لك في أن أناظرك على ذلك فقال: لا .
[١٨٨/٧]
- عن النضر بن شميل قال: قال أبو مطيع البلخي: نزل الإيمان والإسلام في
القرآن على وجهين، وهو عندي على وجه واحد، فقلت له: فممن ترى الغلط؟
منك، أو من النبي، أو من جبريل، أو من الله، فبقي. قال أحمد بن سيار: أبو
مطيع من رؤساء المرجئة.
[٢٢٥/٨]
- قال محمد بن الواثق: كان أبي إذا أراد أن يقتل رجلاً أحضرنا ذلك المجلس،
فأتي بشيخ مخضوب مقيد فقال أبي: ائذنوا لأبي عبد الله وأصحابه - يعني ابن أبي
دؤاد - قال فأدخل الشيخ والواثق في مصلاه فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين،
فقال له: لا سلم الله عليك، فقال: يا أمير المؤمنين بئس ما أدبك مؤدبك، قال الله
تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيْثُم بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾ [النساء: ٨٦] والله ما حييتني
بها ولا بأحسن منها، فقال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين الرجل متكلم، فقال له:
كلمه، فقال: يا شيخ ما تقول في القرآن؟ قال الشيخ: لم تنصفني - يعني ولي
السؤال - فقال له: سل، فقال له الشيخ: ما تقول في القرآن؟ فقال: مخلوق. فقال:
هذا شيء علمه النبي ◌َّ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والخلفاء الراشدون أم شيء
لم يعلموه؟ فقال: شيء لم يعلموه، فقال: سبحان الله شيء لم يعلمه النبي ◌َالقر ولا
أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا الخلفاء الراشدون علمته أنت؟ قال:
فخجل. فقال: أقلني، والمسألة بحالها. قال: نعم، قال: ما تقول في القرآن؟
فقال: مخلوق، فقال: هذا شيء علمه النبي ◌َّلر وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي

٨٠٥
باب المناظرة
والخلفاء الراشدون أم لم يعلموه، فقال: علموه ولم يدعوا الناس إليه. قال: أفلا
وسعك ما وسعهم. قال: ثم قام أبي فدخل مجلس الخلوة واستلقى على قفاه ووضع
إحدى رجليه على الأخرى وهو يقول: هذا شيء لم يعلمه النبي ولا أبو بكر ولا
عمر ولا عثمان ولا علي ولا الخلفاء الراشدون علمته أنت سبحان الله !! شيء علمه
النبي ◌ّ* وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والخلفاء الراشدون ولم يدعوا الناس إليه
أفلا وسعك ما وسعهم، ثم دعا عماراً الحاجب فأمر أن يرفع عنه القيود، ويعطيه
أربعمائة دينار، ويأذن له في الرجوع، وسقط من عينه ابن أبي دؤاد ولم يمتحن بعد
[٤/ ١٥١ _ ١٥٢]
ذلك أحداً .
- عن صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور الهاشمي، قال: حضرت المهتدي
بالله أمير المؤمنين رحمة الله عليه، وقد جلس للنظر في أمور المتظلمين في دار
العامة، فنظرت إلى قصص الناس تقرأ عليه من أولها إلى آخرها، فيأمر بالتوقيع فيها
وينشأ الكتاب عليها، ويحرر ويختم وتدفع إلى صاحبها بين يديه، فسرني ذلك.
واستحسنت ما رأيت منه، فجعلت أنظر إليه ففطن ونظر إلي فغت عنه حتى كان ذلك
مني ومنه مراراً ثلاثة، إذا نظر غت، وإذا شغل نظرت، فقال لي يا صالح، قلت:
لبيك يا أمير المؤمنين، وقمت قائماً فقال: في نفسك مني شيء تريد؟ أو قال: تحب
أن تقوله؟ قلت: نعم يا سيدي. فقال لي: عد إلى موضعك، فعدت وعاد إلى النظر
حتى إذا قام قال للحاجب: لا يبرح صالح، وانصرف الناس ثم أذن لي وهمتني
نفسي فدخلت فدعوت له، فقال لي: اجلس فجلست، فقال: يا صالح تقول لي ما
دار في نفسك أو أقول أنا ما دار في نفسك؟ قلت: يا أمير المؤمنين ما تعزم عليه
وتأمر به. فقال: أقول أنا، إنه دار في نفسي أنه دار في نفسك أنك استحسنت ما
رأيت منا، فقلت: أي خليفة خليفتنا إن لم يكن يقول: إن القرآن مخلوق، فورد على
قلبي أمر عظيم، ثم قلت: يا نفس هل تموتين قبل أجلك وهل تموتين إلا مرة، وهل
يجوز الكذب في جد أو هزل، فقلت: يا أمير المؤمنين ما دار في نفسي إلا ما
قلت. فأطرق ملياً، ثم قال: ويحك اسمع مني ما أقول، فوالله لتسمعن الحق،
فسرَّى عني وقلت: يا سيدي ومن أولى بقول الحق منك وأنت خليفة رب العالمين،
وابن عم سيد المرسلين من الأولين والآخرين، فقال: ما زلت أقول إن القرآن
مخلوق صدراً من أيام الواثق حتى أقدم أحمد بن أبي دؤاد علينا شيخاً من أهل
الشام من أهل أذنة، فأدخل الشيخ على الواثق مقيداً وهو جميل الوجه تام القامة
حسن الشيبة، فرأيت الواثق قد استحيى منه ورق له فما زال يدنيه ويقربه حتى قرب

٨٠٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
منه فسلم الشيخ فأحسن، ودعا فبلغ وأوجز، فقال له: الواثق اجلس فجلس، وقال
له: يا شيخ ناظر ابن أبي دؤاد على ما يناظرك عليه، فقال له الشيخ: يا أمير
المؤمنين ابن أبي دؤاد يصبو ويضعف عن المناظرة، فغضب الواثق وعاد مكان الرقة
له غضباً عليه، وقال: أبو عبد الله بن أبي دؤاد يصبو ويضعف عن مناظرتك أنت،
فقال الشيخ: هون عليك يا أمير المؤمنين ما بك وائذن في مناظرته، فقال الواثق: ما
دعوتك إلا للمناظرة، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تحفظ علي وعليه ما
يقول: قال: أفعل. فقال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن مقالتك هذه هي مقالة واجبة
داخلة في عقد الدين فلا يكون الدين كاملاً حتى يقال فيه بما قلت؟ قال: نعم. قال
الشيخ: يا أحمد أخبرني عن رسول الله حين بعثه الله إلى عباده هل ستر رسول الله
شيئاً مما أمره الله به في أمر دينهم؟ فقال: لا. فقال الشيخ: فدعا رسول الله الأمة
إلى مقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي دؤاد، فقال الشيخ: تكلم. فسكت، فالتفت الشيخ
إلى الواثق فقال: يا أمير المؤمنين واحدة، فقال الواثق: واحدة.
فقال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن حين أنزل القرآن على رسول الله، فقال:
﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنْتَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] كان
الصادق في إكماله دينه أو أنت الصادق في نقصانه حتى يقال فيه بمقالتك هذه!
فسكت ابن أبي دؤاد، فقال الشيخ: أجب يا أحمد؟ فلم يجب، فقال الشيخ: يا أمير
المؤمنين، اثنتان. فقال الواثق: نعم اثنتان.
قال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن مقالتك هذه علمها رسول الله أم جهلها؟ قال:
ابن أبي دؤاد علمها، قال: فدعا الناس إليها؟ فسكت. قال الشيخ: يا أمير
المؤمنين، ثلاث. فقال الواثق: ثلاث، فقال الشيخ: يا أحمد فاتسع لرسول الله أن
علمها وأمسك عنها كما زعمت ولم يطالب أمته بها؟ قال: نعم. قال الشيخ: واتسع
لأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان وعلي، قال ابن أبي دؤاد: نعم،
فأعرض الشيخ عنه وأقبل على الواثق، فقال: يا أمير المؤمنين قد قدمت القول أن
أحمد يصبو ويضعف عن المناظرة، يا أمير المؤمنين إن لم يتسع لك من الإمساك عن
هذه المقالة ما زعم هذا أنه اتسع لرسول الله ولأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فلا
وسع الله على من لم يتسع له ما اتسع لهم، أو قال: فلا وسع الله عليك، فقال
الواثق: نعم، إن لم يتسع لنا من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول الله وأبي
بكر وعمر وعثمان وعلي، فلا وسع الله علينا، اقطعوا قيد الشيخ.
فلما قطع القيد ضرب الشيخ بيده إلى القيد حتى يأخذه فجاذبه الحداد عليه، فقال

=
٨٠٧
باب المناظرة
الواثق: دع الشيخ يأخذه فأخذه، فوضعه في كمه. فقال له الواثق: يا شيخ لم
جاذبت الحداد عليه، قال: لأني نويت أن أتقدم إلى من أوصي إليه إذا أنا مت أن
يجعله بيني وبين كفني حتى أخاصم به هذا الظالم عند الله يوم القيامة، وأقول: یا
رب سل عبدك هذا لم قيدني وروع أهلي وولدي وإخواني بلا حق أوجب ذلك
علي. وبكى الشيخ فبكى الواثق، وبكينا، ثم سأله الواثق أن يجعله في حل وسعة
مما ناله، فقال له الشيخ: والله يا أمير المؤمنين لقد جعلتك في حل وسعة من أول
يوم إكراماً لرسول الله إذ كنت رجلاً من أهله، فقال الواثق: لي إليك حاجة، فقال
الشيخ: إن كانت ممكنة فعلت. فقال له الواثق: تقيم قبلنا فننتفع بك وتنتفع بك
فتياننا، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين إن ردك إياي إلى الموضع الذي أخرجني عنه
هذا الظالم أنفع لك من مقامي عليك، وأخبرك بما في ذلك، أصير إلى أهلي
وولدي فأكف دعاءهم عليك، فقد خلفتهم على ذلك.
فقال له الواثق: فتقبل منا صلة تستعين بها على دهرك، قال: يا أمير المؤمنين لا
يحل لي؛ أنا عنها غني وذو مرة سوي، فقال: سل حاجة، قال: أو تقضيها يا أمير
المؤمنين؟ قال: نعم. قال: تأذن أن يخلى لي السبيل الساعة إلى الثغر، قال: قد
أذنت لك، فسلم عليه وخرج. قال صالح بن علي: قال المهتدي بالله: فرجعت عن
[٧٥/١٠ - ٧٨]
هذه المقالة وأظن أن الواثق قد كان رجع عنها منذ ذلك الوقت.
- عن المأمون قال: غلبة الحجة أحب إلي من غلبة القدرة؛ لأن غلبة القدرة تزول
بزوالها، وغلبة الحجة لا يزيلها شيء.
[١٨٦/١٠]
- عن الفراء قال: قدم سيبويه إلى بغداد فأتى يحيى بن خالد فقال له: اجمع بيني
وبين الكسائي لأناظره وأنت تسمع، فقال له يحيى: الكسائي عندنا رجل عالم لا
يمتنع من مناظرة أحد وأنا أتقدم إليه في الحضور، فإذا كان يوم كذا وكذا فأحضر
وعرَّف يحيى الكسائي وعرف الكسائي أصحابه فسبق الفراء والأحمر في ذلك اليوم
إلى دار يحيى فجلسا في الموضع الذي أعد للكسائي وسيبويه، ثم جاء سيبويه فرفعاه
وألقى عليه الأحمر مسألة، فأجاب فيها، فقال له الأحمر: أخطأت وألقى عليه
أخرى فأجاب، فقال له: أخطأت، وكان الأحمر حاداً حافظاً، فغضب سيبويه، فقال
له الفراء: إن معه عجلة فمن قال: هؤلاء أبون ورأيت أبين ومررت بأبين، في جمع
الأب على قول الشاعر:
وكنت لهم كشر بني الأخينا
وكان بنو فزارة شرعم
كيف نمثل مثاله من أويب؟ فأجابه سيبويه بجواب، فعارضه الفراء بإدخال فيه،

٨٠٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
فانتقل منه إلى جواب آخر فعارضه بحجة أخرى فغضب، وقال: لا أكلمكما حتى
يجيء صاحبكما. فجاء الكسائي، فجلس بالقرب منه، وأنصت يحيى والناس،
فقال له الكسائي: أتسألني أو أسألك، فقال: لا بل سلني. قال: كيف تقول
خرجت فإذا عبد الله قائم، فقال سيبويه: قائم بالرفع، فقال له الكسائي: أتجيز
قائماً بالنصب، قال: لا. قال له الكسائي: فكيف تقول؟ كنت أظن أن العقرب
أشد لسعة من الزنبور، فإذا أنا بالزنبور إياها بعينها، قال: لا أجيز هذا بالنصب،
ولكني أقول فإذا الزنبور هو هي. فقال الكسائي: الرفع والنصب جائزان، فقال
سيبويه: الرفع صواب والنصب لحن، فعلت أصواتهما بهذا، فقال يحيى: أنتما
عالمان ليس فوقكما أحد يستفتى ولم يبلغ من هذا العلم مبلغكما أحد نشرف به
على الصواب من قولكما، فما الذي يقطع ما بينكما، فقال الكسائي: العرب
الفصحاء المقيمون على باب أمير المؤمنين الذين نرتضي فصاحتهم، يحضرهم
فنسألهم عما اختلفنا فيه، فإن عرفوا النصب علمت أن الحق معي وإن لم يعرفوه
علمت أن الحق معه، فأشار إلى بعض الغلمان فلم يكن إلا ساعة حتى حضر منهم
خلق كثير. فقال لهم يحيى: كيف تقولون: خرجت فإذا عبد الله قائم، فلما وقعت
المسألة في أسماعهم تكلم بها بعضهم بالنصب وبعضهم بالرفع، فلما كثر النصب
أطرق سيبويه. فقال الكسائي: أعز الله الوزير، إنه لم يقصدك من بلده إلا راجياً
فضلك ومؤملاً معروفك، فإن رأيت أن لا تخيله مما أمل قال: فدفعت إليه بدرة
اختلف فيها الناس، فقال بعضهم: كانت من يحيى، وقال آخرون: كانت من
الكسائي. فقال بعض الجهال: إن الكسائي واطأ الأعراب من الليل حتى تكلموا
بالذي أراده، وهذا قول لا يعرَّج عليه، لأن مثل هذا لا يخفى على الخليفة
والوزير وأهل بغداد أجمعين.
[١٢ /١٠٤ - ١٠٥]
- عن أبي حاتم والجوزجاني قالا: إن ابن أبي يعقوب كان إذا نظر إلى العربي
يقول: ممن الرجل؟ فيقول: من بني فلان، فيقول: أتعرف من فيهم من الشعراء؟ ثم
يبتدئ فيقول: فلان وشعره كذا وفلان وشعره كذا، والعلماء منهم فلان وفلان، ومن
صحب النبي ◌ّ منهم: فلان وفلان، ومن كان منهم من القوَّاد. قال: فيبقى الرجل
مبهوتاً. وإن ناظره صاحب عربية قال: فيحدث كلمة فيقول: تعرف كذا وكذا؟ فإن
قال: ليست هذه عربية. قال: يقول فيها الشاعر كذا وكذا، وقال فلان وفلان كذا
وكذا فيضع شعراً على تلك الكلمة، وإن لقي صاحب حديث فيذاكره فيسأله عن
أبواب لا يعرف فيها حديث فيقول: فيه كذا وفيه كذا، وزعموا أنه ذاكر ابن

=
٨٠٩
باب المناظرة
الشاذكوني، فكان كل واحد منهما ينتصف من صاحبه. فقال له ابن أبي يعقوب: أي
شيء عندك في كذا؟ فلم يكن عند سليمان في ذلك شيء. قال: فروی له فيه باباً،
ثم قام. فقال ابن الشاذكوني: ليس من ذا شيء.
[٢٣٥/١]
- عن الربيع بن سليمان قال: ناظر الشافعي محمد بن الحسن بالرقة فقطعه
الشافعي، فبلغ ذلك هارون الرشيد، فقال هارون: أما علم محمد بن الحسن إذا
ناظر رجلاً من قريش أنه يقطعه سائلاً أو مجيباً؟ والنبي وَ له يقول: ((قدموا قريشاً
ولا تقدموها، وتعلموا منها ولا تعلموها، فإن علم العالم منهم يسع طباق
[٦١/٢]
الأرض)».
- عن هارون بن سعيد الأيلي قال: لو أن الشافعي ناظر على هذه العمود التي من
حجارة أنها من خشب لغلب؛ لاقتداره على المناظرة.
[٦٧/٢]
- عن أبي حاتم قال: قال لي أبو زرعة: ترفع يديك في القنوت؟ قلت: لا! فقلت
له: فترفع أنت؟ قال: نعم. فقلت ما حجتك؟ قال: حديث ابن مسعود. قلت: رواه
ليث بن أبي سليم قال: حديث أبي هريرة. قلت: رواه ابن لهيعة. قال: حديث ابن
عباس. قلت: رواه عوف. فما حجتك في تركه؟ قلت: حديث أنس أن رسول الله وَل
كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء. فكنت.
[٧٦/٢]
- عن الشافعي قال: ما ناظرت أحداً إلا تمعر وجهه ما خلا محمد بن
[١٧٧/٢]
الحسن .
- عن الشافعي قال: ناظرت محمد بن الحسن وعليه ثياب رقاق، فجعل تنتفخ
أوداجه ويصبح حتى لم يبق له زر إلا انقطع. قلت: ما كان لصاحبك أن يتكلم ولا
كان لصاحبي أن يسكت. قال: قلت له: نشدتك بالله هل تعلم أن صاحبي كان
عالماً بكتاب الله؟ قال نعم! قال قلت: فهل كان عالماً بحديث رسول الله وَلهو؟ قال:
نعم! قال قلت: أفما كان عاقلاً. قال: نعم! قلت: فهل كان صاحبك جاهلاً
بكتاب الله؟ قال: نعم! قلت: وبما جاء عن رسول الله وَل9؟ قال: نعم! قلت: أو
كان عاقلاً؟ قال نعم! قال: قلت صاحبي فيه ثلاث خصال لا يستقيم لأحد أن يكون
[١٧٧/٢ - ١٧٨ ]
قاضياً إلا بهن أو كلاماً هذا معناه.
- عن الشافعي قال: لم يزل محمد بن الحسن عندي عظيماً جليلاً، أنفقت على
كتبه ستين ديناراً حتى جمعني وإياه مجلس عند الرشيد، فابتدأ محمد بن الحسن
فقال: يا أمير المؤمنين إن أهل المدينة خالفوا كتاب الله نصاً، وأحكام رسول الله وَله،
وإجماع المسلمين، فأخذني ما قدم وما حدث، فقلت: ألا أراك قد قصدت لأهل

٨١٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
بيت النبوة، ومن نزل القرآن فيهم، وأحكمت الأحكام فيهم، وقبر رسول الله وَله بين
أظهرهم عمدت تهجوهم، أرأيتك أنت بأي شيء قضيت بشهادة امرأة واحدة قابلة
حتى تورث ابن خليفة ملك الدنيا ومالاً عظيماً؟ قال: بعلي بن أبي طالب. قلت:
إنما رواه عن علي رجل مجهول يقال له عبد الله بن نجي، ورواه جابر الجعفي وكان
يؤمن بالرجعة سمعت سفيان بن عيينة يقول: دخلت على جابر الجعفي فسألني عن
شيء من أمر الكهنة، ونحن معنا قضاء رسول الله بكل﴿، وقضاء علي بن أبي طالب
أنه قضى به بين أهل العراق، وقلت له: ما تقول في القسامة؟ قال: استفهام، قلت:
يا سبحان الله! تزعم أن رسول رب العالمين حكم في أمته بالاستفهام، يستفهم ولا
يحكم به، قال: فسمعها هارون، فقال: ما هذا؟ علي بالسيف والنطع، فلما جيء
بهما قلت: يا أمير المؤمنين والله ما هذا عقده في القسامة، وإنه ليقول فيهما بخلاف
هذا، ولكن المتناظران إذا أحب أحدهما أن يدخل على صاحبه حجة يكبته بها .
قال: فسري عن هارون. قال: فلما خرجنا من عنده قال لي: كنت قد أشطت
بدمي. قال: قلت: فقد خلصك الله الآن.
[١٧٨/٢ - ١٨٨ ]
- عن أبي نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي قال: خرجت إلى الكوفة من بغداد
في طلب الحديث حين خرجت من مصر وأقمت ببغداد مدة وذلك في سنة إحدى
وسبعين ومائتين ومحمد بن عثمان حينئذ مقيم بالكوفة لم ينتقل عنها وإنما انتقل عنها
بعد ذلك بسنتين إلى بغداد، فوقع بينه وبين محمد بن عبد الله بن سليمان مطين
الحضرمي كلام، حتى خرج كل واحد منهما إلى الخشونة والوقيعة في صاحبه،
فأجريت بعض ما بينهما، فقلت: لمحمد بن عثمان بن أبي شيبة بعد أن سمعت
المكروه من كل واحد منهما في صاحبه: ما هذا الاختلاف الذي وقع بينكما؟ قال:
روى مطين عن عبيد بن يعيش عن مصعب بن سلام عن أبي سعد عن عكرمة عن ابن
عباس عن النبي وَل﴿ أنه قال: ((تناصحوا في العلم وإن خيانة أحدكم في علمه أشد
من خيانته في ماله، والله مسائلكم عنه))، فقال: غلط فيه مطين، وأنما هو عن
مصعب بن سلام عن أبي سعيد وليس هو أبا سعد، قال: وإنما رواه مطين فقال:
عن أبي سعد - يريد البقال - ورويت أنا وقلت: عن أبي سعيد عبد القدوس بن
حبيب. فقلت له: عمن رويت؟ فقال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون حدثنا
مصعب بن سلام قال: حدثنا عبد القدوس بن حبيب الدمشقي أبو سعيد عن عكرمة
عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: ((تناصحوا في العلم فإن خيانة أحدكم في
علمه أشد من خيانته في ماله)). قال أبو نعيم: إلى وهمي إن هذا الغلط قد يكون من

=
٨١١
باب المناظرة
عبيد بن يعيش، إذ كانت رواية محمد بن عثمان هي عن إبراهيم بن محمد بن
ميمون؛ ثم ذكر فيها حدثنا عمار بن رجاء، قال: حدثنا عبيد بن يعيش حدثنا
مصعب بن سلام عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس. قال: قال رسول الله وله
فذكر هذا الحديث. وحدثنا مطين حدثنا عبيد بن يعيش حدثنا مصعب بن سلام عن
أبي سعيد عن عكرمة فذكر مثله. قال أبو نعيم: وقلت: إن الصواب فيما رواه
محمد بن عثمان، وإنه لم يغلط فيما رد على مطين من روايته عن عبيد بن يعيش.
قال أبو نعيم: وهذا سماعي قديماً، ثم سمعت من مطين الحضرمي هذا الحديث بعد
ذلك بعشرين سنة في فوائد الحاج قال: حدثنا عبيد بن يعيش حدثنا مصعب بن سلام
عن أبي سعد، قال أبو جعفر الحضرمي - يعني عبد القدوس بن حبيب الدمشقي -:
عن عكرمة عن ابن عباس. كان الحضرمي ينبه بذلك وقال : - يعني عبد القدوس -
ولم يقل عن أبي سعيد .. وقال: عن أبي سعد فأقر سعداً على حاله ولم يقر الاسم،
قال لي محمد بن عثمان: وقد غلط أيضاً في حديث آخر ثم قال: حدثنا أبي حدثنا
جرير عن مغيرة عن عاصم عن زر عن أبي بن كعب في ليلة القدر ليلة سبع
وعشرين. قال محمد بن عثمان: وإنما هو موقوف، وقد حدّث به مطين مرفوعاً،
ولم يحدث به أبي إلا موقوفاً .
ثم قال محمد بن عثمان: حدثنا يحيى الحماني حدثنا يحيى بن اليمان عن شريك
عن عثمان أبي اليقظان عن أنس ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] قال: يظهر الرب تعالى يوم
القيامة. قال محمد بن عثمان: وحدث به مطين عن يحيى الحماني قال: حدثنا يحيى
قال: حدثنا شريك ولم يذكر يحيى بن اليمان فيما بينهما. قال أبو نعيم: ثم لقيت
محمد بن عثمان ببغداد سنة تسع وثمانين وسنة تسعين وإحدى وهو يذكر مطيناً
بسوء، وبلغني أن مطيناً يذكره أيضاً بسوء، وأن تلك المقالات والمراسلات باقية بعد
[٤٣/٣ - ٤٤]
إلى تلك الغاية.
- عن أبي بكر بن الدقاق قال: ناظرت أبا الحسين بن أبي عمر القاضي المالكي
في وجوب المتعة للمطلقة المفوضة قبل الدخول. قال: فاستدل بقوله تعالى: ﴿مَتَعًا
بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] قال: والإحسان ليس بواجب. قال: فقلت
له فقد قال في الآية الأخرى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُنَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] والتقوى واجب.
قال: من التقوى ما هو واجب، ومنه ما ليس بواجب. فقلت له: ومن الإحسان ما
هو واجب، ومنه ما ليس بواجب. فانقطع.
[٢٢٩/٣]

٨١٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن أبي يعقوب الشحام قال: قال لي أبو الهذيل: أول ما تكلمت إني كان لي
أقل من خمس عشرة سنة، وهذا في السنة التي قتل فيها إبراهيم بن عبد الله بن
الحسن بباخمري، وقد كنت أختلف إلى عثمان الطويل صاحب واصل بن عطاء،
فبلغني أن رجلاً يهودياً قدم البصرة وقد قطع عامة متكلميهم، فقلت لعمي: يا عم،
امض بي إلى هذا اليهودي أكلمه، فقال لي: يا بني هذا اليهودي قد غلب جماعة
متكلمي أهل البصرة، فمن أخذك أن تكلم من لا طاقة لك بكلامه. فقلت له: لا بد
من أن تمضي بي إليه، وما عليك مني غلبني أو غلبته، فأخذ بيدي ودخلنا على
اليهودي فوجدته يقرر الناس الذين يكلمونه بنبوة موسى، ثم يجحدهم نبوة نبينا،
فيقول: نحن على ما اتفقنا عليه من صحة نبوة موسى، ثم يجحدهم نبوة نبينا فيقول:
نحن على ما اتفقنا عليه من صحة موسى إلى أن نتفق على غيره فنقر به! قال:
فدخلت عليه فقلت له: أسألك أو تسألني؟ فقال لي: يا بني أو ما ترى ما أفعله
بمشايخك؟ فقلت له: دع عنك هذا واختر؛ إما أن تسألني، أو أسألك. قال: بل
أسألك، خبرني، أليس موسى نبي من أنبياء الله قد صحت نبوته، وثبت دليله، تقر
بهذا أو تجحده فتخالف صاحبك؟! فقلت له! إن الذي سألتني عنه من أمر موسى
عندي على أمرين، أحدهما: إن أقر بنبوة موسى الذي تسألني فأنا مقر بنبوته، وإن
كان موسى الذي تسألني عنه لا يقر بنبوة نبينا محمد ◌َله ولم يأمر باتباعه ولا بشر
به، فلست أعرفه ولا أقر بنبوته بل هو عندي شيطان يحرق. فتحير لما ورد عليه ما
قلته له، وقال لي: فما تقول في التوراة؟ قلت: أمر التوراة أيضاً على وجهين: إن
كانت التوراة التي أنزلت على موسى النبي الذي أقر بنبوة النبي محمد فهي التوراة
الحق، وإن كانت أنزلت على الذي تدعيه فهي باطل غير حق وأنا فغير مصدق بها .
فقال لي: أحتاج إلى أن أقول لك شيئاً بيني وبينك، فظننت أنه يقول شيئاً من الخير
فتقدمت إليه، فسارني فقال: أمك كذا وكذا، وأم من علمك، لا يكني. وقدر إني
أثب به فيقول: وثبوا بي وشغبوا علي، فأقبلت على من كان بالمجلس فقلت:
أعزكم الله، أليس قد وقفتم على مسألته إياي، وعلى جوابي إياه؟ قالوا لي: نعم.
فقلت: أليس عليه واجب أن يرد على جوابي؟ قالوا: نعم. قلت لهم: فإنه لما
سارني شتمني بالشتم الذي يوجب الحد، وشتم من علمني، وإنما قدّر أن أثب به
فيدعي أنّا واثبناه وشغبنا عليه، وقد عرفتكم شأنه بعد انقطاعه. فأخذته الأيدي
بالنعال؛ فخرج هارباً من البصرة وقد كان له بها دين كثير فتركه، وخرج هارباً لما
[٣٦٧/٣ - ٣٦٨]
لحقه من الانقطاع.

٨١٣
باب المناظرة
- عن أبي إسحاق الزجاج قال: لما قدم المبرد بغداد أتيته لأناظره، وكنت أقرأ
على أبي العباس ثعلب، وأميل إلى قولهم - يعني الكوفيين - فعزمت على إعانته؛
فلما فاتحته ألحمني بالحجة وطالبني بالعلة؛ وألزمني إلزامات لم أهتد لها، فتبينت
فضله؛ واسترجحت عقله؛ وجددت في ملازمته.
[٣٨١/٣]
- عن الثوري قال: بلغ أبو عبيدة أن الأصمعي تعيب عليه تأليفه كتاب المجاز في
القرآن، وأنه قال: يفسر كتاب الله برأيه. قال: فسأل عن مجلس الأصمعي في أي
يوم هو؟ فركب حماره في ذلك اليوم ومر بحلقة الأصمعي فنزل عن حماره، وسلم
عليه، وجلس عنده، وحادثه ثم قال له: يا أبا سعيد ما تقول في الخبز؟ أي شيء
هو! قال هو الذي نأكله ونخبزه، فقال له أبو عبيدة: قد فسرت كتاب الله برأيك،
فإن الله قال: ﴿أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا﴾ [يوسف: ٣٦]، فقال الأصمعي: هذا شيء بان
لي فقلته لم أفسره برأيي، فقال أبو عبيدة: والذي تعيب علينا كله شيء بان لنا فقلناه
ولم نفسره برأينا، ثم قام فركب حماره وانصرف.
[٢٥٥/١٣]
- عن النضر بن محمد قال: دخل قتادة الكوفة ونزل في دار أبي بردة فخرج يوماً،
وقد اجتمع إليه خلق كثير فقال قتادة: والله الذي لا إله إلا هو ما يسألني اليوم أحد
عن الحلال والحرام إلا أجبته، فقام إليه أبو حنيفة فقال: يا أبا الخطاب ما تقول في
رجل غاب عن أهله أعواماً فظنت امرأته أن زوجها مات فتزوجت ثم رجع زوجها
الأول ما تقول في صداقها؟ وقال لأصحابه الذين اجتمعوا إليه: لئن حدث بحديث
ليكذبن، ولئن قال برأي نفسه ليخطئن، فقال قتادة: ويحك أوقعت هذه المسألة؟
قال: لا. قال: فلم تسألني عما لم يقع؟ قال أبو حنيفة: إنَّا نستعد للبلاء قبل نزوله،
فإذا ما وقع عرفنا الدخول فيه والخروج منه. قال قتادة: والله لا أحدثكم بشيء من
الحلال والحرام سلوني عن التفسير.
فقام إليه أبو حنيفة فقال له: يا أبا الخطاب ما تقول في قول: ﴿قَالَ الَّذِى عِنْدَهُ عِلْمٌ
مِّنَ الْكِتَبِ أَنْ ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ يَتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفَُّكْ﴾ [النمل: ٤٠] قال: نعم، هذا آصف بن
برخيا بن شمعيا كاتب سليمان بن داود كان يعرف اسم الله الأعظم، فقال أبو
حنيفة: هل كان يعرف الاسم سليمان؟ قال: لا. قال: فيجوز أن يكون في زمن نبي
من هو أعلم من النبي؟ قال: فقال قتادة: والله لا أحدثكم بشيء من التفسير سلوني
عما اختلف فيه العلماء.
قال فقام إليه أبو حنيفة فقال: يا أبا الخطاب أمؤمن أنت؟ قال: أرجو. قال:
ولم؟ قال: لقول إبراهيم لعلّل: ﴿وَلَّذِىّ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيَقِ يَوْمَ الّذِينِ﴾

٨١٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
[الشعراء: ٨٢]، فقال أبو حنيفة: فهلَا قلت كما قال إبراهيم معلِّلها: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ
[البقرة: ٢٦٠] فهلًا قلت: بلى. قال: فقام قتادة مغضباً، ودخل الدار، وحلف
بَلَى﴾
أن لا یحدثهم.
[٣٤٨/١٣]
- عن أبي يوسف قال: سمعت أبا حنيفة يقول: إذا كلمت القدري فإنما هو
حرفان: إما أن يسكت، وإما أن يكفر. يقال له: هل علم الله في سابق علمه أن
تكون هذه الأشياء كما هي؟ فإن قال: لا. فقد كفر، وإن قال: نعم. يقال له:
أفأراد أن تكون كما علم أو أراد أن تكون بخلاف ما علم، فإن قال: أراد أن تكون
كما علم، فقد أقر أنه أراد من المؤمن الإيمان، ومن الكافر الكفر، وإن قال أراد أن
تكون بخلاف ما علم، فقد جعل ربه متمنياً متحسراً؛ لأن من أراد أن يكون ما علم
أنه لا يكون أو لا يكون ما علم أنه يكون فإنه متمن متحسر، ومن جعل ربه متمنياً
[٣٧٦/١٣]
متحسراً فهو كافر.
- عن وكيع قال: سأل ابن المبارك أبا حنيفة، عن رفع اليدين في الركوع، فقال
أبو حنيفة: يريد أن يطير فيرفع يديه. قال وكيع: وكان ابن المبارك رجلاً عاقلاً،
فقال ابن المبارك: إن كان طار في الأولى فإنه يطير في الثانية، فسكت أبو حنيفة
ولم يقل شيئاً.
[٣٨٩/١٣]
- عن الشافعي قال: ناظر أبو حنيفة رجلاً فكان يرفع صوته في مناظرته إياه،
فوقف عليه رجل، فقال الرجل لأبي حنيفة: أخطأت، فقال أبو حنيفة للرجل: تعرف
المسألة ما هي؟ قال: لا، قال: فكيف تعرف أني أخطأت، قال: أعرفك إذا كان لك
الحجة ترفق بصاحبك، وإذا كانت عليك تشغب وتجلب.
[٤٠٦/١٣]
- عن محمد بن جعفر الأسامي قال: كان أبو حنيفة يتهم شيطان الطاق بالرجعة،
وكان شيطان الطاق يتهم أبا حنيفة بالتناسخ، قال: فخرج أبو حنيفة يوماً إلى السوق
فاستقبله شيطان الطاق، ومعه ثوب يريد بيعه، فقال له أبو حنيفة: أتبيع هذا الثوب
إلى رجوع علي، فقال: إن أعطيتني كفيلاً أن لا تمسخ قرداً بعتك، فبهت أبو حنيفة،
قال: ولما مات جعفر بن محمد، التقى هو وأبو حنيفة، فقال له أبو حنيفة: أما
إمامك فقد مات، فقال له شيطان الطاق: أما إمامك فمن المنظرين إلى يوم الوقت
المعلوم.
[٤٠٩/١٣]
- عن ابن عمار قال: كان وكيع يصوم الدهر، وكان يفطر يوم الشك والعيد،
قال: فأخبرت أنه كان يشتكي إذا أفطر في هذه الأيام، قال ولد - إما قال لوكيع وإما
قال لابن وكيع ولد - قال: فأطعم وكيع الناس الخبيص، قال: وأخرج ثمان جفان

=
٨١٥
باب المواعظ الجامعة
خبيص في المسجد وأراه قال في البيت، قال: فجعل يدخل يده فيه ويسويه كما
يسوي اللقمة ويقول: كل يا موصلي ولا يذوق منه شيئاً لأنه كان صائماً وكان يصوم
[٤٧٢/١٣]
الدهر.
باب المواعظ الجامعة
- عن يزيد بن معاوية قال: قال أبو الدرداء - وكان من العلماء الحكماء الذين
يشفون الداء - يا أهل دمشق، اسمعوا قول أخ لكم ناصح ما لي أراكم تجمعون فلا
تأكلون كثيراً، وتبنون فلا تسكنون، وتأملون فلا تدركون. إن من كان قبلكم جمعوا
كثيراً، وبنوا شديداً، وأمَّلوا بعيداً، فأصبح ما جمعوا بوراً، وما أملوه غروراً،
وأصبحت مساكنهم قبوراً.
[٩٥/٤]
- عن أبي ثمامة الأنصاري قال: كنت عند ذي النون المصري فقال له رجل ممن
كان حاضراً: يا أبا الفيض رضي الله عنك، عظني بموعظة أحفظها عنك، فقال له:
وتقبل، قال: أرجو إن شاء الله، قال: توسد الصبر، وعانق الفقر، وخالف النفس،
وقاتل الهوى، وکن مع الله حیث کنت.
[٤٩/٦]
- عن فارس البغدادي قال: قال رجل للحسين بن منصور: عظني، فقال له: كن
مع الحق بحكم ما أوجب.
[١١٤/٨]
- عن أبي الربيع الأعرج قال: دخلت على داود الطائي ببيته بعد المغرب، فقرب
إليّ كسيرات يابسة، فعطشت فقمت إلى دن فيه ماء حار، فقلت: رحمك الله لو
اتخذت إناء غير هذا يكون فيه الماء، فقال لي: إذا كنت لا أشرب إلا بارداً، ولا
آكل إلا طيباً، ولا ألبس إلا ليناً، فما أبقيت لآخرتي؟ قال: قلت: أوصني، قال:
صم الدنيا واجعل إفطارك فيها الموت، وفر من الناس فرارك من السبع، وصاحب
أهل التقوى إن صحبت فإنهم أقل مؤنة وأحسن معونة، ولا تدع الجماعة، حسبك
هذا إن عملت به.
[٣٥٠/٨]
- عن أبي عمرو بن مطر قال: حضرت مجلس أبي عثمان الحيري الزاهد فخرج
وقعد على موضعه الذي كان يقعد للتذكير، فسكت حتى طال سكوته فناداه رجل كان
يعرف بأبي العباس: نرى أن تقول في سكوتك شيئاً، فأنشأ يقول:
طبيب يداوي والطبيب مريض
وغير تقي يأمر الناس بالتقى
[١٠٢/٩]
قال: فارتفعت الأصوات بالبكاء والضجيج.
- عن أحمد بن بشر بن سليمان الشيباني قال: كتب رجل إلى رجل أما بعد:

٨١٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
فليكن أول عملك الهداية بالطريق، ولا تستوحش لقلة أهله، فإن إبراهيم كان أمة
قانتاً لله لا للملوك، فلا تستوحش مع الله، ولا تستأنس بغير الله، واطلب ما
يعنيك بترك ما لا يعنيك، فإن في تركك ما لا يعنيك دركاً لما يعنيك، فإنك
إنما تقدم على ما قدمت ولا ترجع إلى ما خلفت، فآثر ما تلقاه غداً على ما لا
تلقاه أبداً والسلام.
[٣٧٧/٩]
- عن أبي بكر محمد بن عبد الرحمن بن عمر الصوفي البغدادي قال: كنت
في مجلس أبي بكر الشبلي؛ إذ وقف إليه رجل كبير أبيض الرأس واللحية.
فقال له: يا أبا بكر قد ابيض رأسي ولحيتي وفني عمري، وقد عرفت ما أنا
فيه من سوء صنيعتي، فهل لي من حيلة؟ فبكى الشيخ وبكى من حوله. ثم
قال: نعم! قال الله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ
[٣٢٣/٢]
سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
- عن الحسن قال: قدم علينا عتبة بن غزوان أميراً بعثه عمر بن الخطاب، فقام
فينا فقال: أيها الناس إن الدنيا قد آذنت بصرم، وولت حذاء فلم يبق منها إلا صبابة
كصبابة الإناء، وإنكم منتقلون من داركم هذه، فانتقلوا بخير ما يحضركم، وقد بلغني
أن الحجر ليلقى من شفير جهنم فما يبلغ قعرها سبعين عاماً، فوالله لقد بلغني أن ما
بين مصراعين من مصاريع الجنة أربعين عاماً، ليأتين عليه يوم وله كظيظ من الزحام،
ولقد رأيتني سابع سبعة من رسول الله وَله وقد تسلّقَتْ أفواههم من أكل الشجر، وما
منا رجل إلا وقد أصبح أميراً على مصر، ولقد رأيتنا أنا وسعد استبقنا بُردة
فاشتققناها فأخذت أنا نصفها وسعد نصفها، ولقد بلغني أنه لم تكن نبوة إلا وستنسخ
ملكاً، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيماً، وفي أعين الناس حقيراً،
وستجربون الأمراء بعدي.
[١٥٦/١]
- عن أبي بكر أحمد بن عيسى الحكمي قال: كتب أبو العيناء إلى صديق له ولّي
ولاية: أما بعد، فإني لا أعظك بموعظة الله لأنك عنها غني، ولا أخوفك إياه لأنك
أعلم به مني، ولكني أقول كما قال الأول:
فكن جرزاً منها تخون وتسرق
أحار ابن بدر قد وليت ولاية
لسان به المرء الهيوبة ينصق
وكاثر تميماً بالغنى إنما الغنى
واعلم أن الخيانة فطنة، والأمانة حرفة، والجمع كيس، والمنع صرامة، وليس كل
يوم ولاية، فاذكر أيام العطلة، ولا تحقرن صغيراً، فإن من الدور إلى الدور، وإبلاء
الولاية رقدة فتنبه قبل أن تنبه، وأخو السلطان أعمى عن قليل سوف يبصر، وما هذه

٨١٧
باب المواعظ الجامعة
[١٧٦/٣]
الوصية التي أوصى بها يعقوب بنيه، ولكن رأيت الحزم في أخذ العاجل، وترك
الآجل.
- عن محمد بن نعيم بن الهيصم قال: دخلت على بشر في علته فقلت: عظني.
فقال: إن هذه الدار نملة تجمع الحب في الصيف لتأكله في الشتاء، فلما كان يوم
أخذت حبة في فمها، فجاء عصفور فأخذها والحبة، فلا ما جمعت أكلت، ولا ما
أمَّلت نالت. قلت له: زدني. قال: ما تقول فيمن القبر مسكنه، والصراط جوازه،
والقيامة موقفه، والله مُسائله، فلا يعلم إلى جنة يصير فيهنى، أو إلى نار فيعزى،
فواطول حزناه، وأعظم مصيبتاه، زاد البكاء فلا عزاء، واشتد الخوف فلا أمن.
قال: وقال لي بشر مراراً كثيرة: انظر خبزك من أين هو؟ وانظر مسكنك الذي
تتقلب فيه كيف هو؟ وأقل من معرفة الناس، ولا تحب أن تحمد، ولا تحب
[٣٢١/٣]
الثناء .
- قال أبو علي الروذباري:
وإنما عجبي للبعض كيف بقي
ولو مضى الكل مني لم يكن عجباً
قبل الفراق فهذا آخر الرمق
أدرك بقية روح فيك قد تلفت
[٣٣٢/١]
* مواعظ الخلفاء والأمراء:
- بعث هارون أمير المؤمنين إلى محمد بن السماك في آخر شعبان فأحضره فقال
له يحيى بن خالد: أتدري لم بعث إليك أمير المؤمنين؟ قال: لا أدري، قال له
يحيى بن خالد: بعث لما بلغه عنك من حسن دعائك للخاصة والعامة، فقال له ابن
السماك: أما ما بلغ أمير المؤمنين عني من ذلك، فبستر الله الذي ستره علي، ولولا
ستره لم يبق لنا ثناء ولا التقاء على مودة، فالستر هو الذي أجلسني بين يديك يا أمير
المؤمنين، إني والله ما رأيت وجهاً أحسن من وجهك فلا تحرق وجهك بالنار. قال:
فبكى هارون بكاء شديداً، ثم دعا بماء، فاستسقى، فأتي بقدح فيه ماء، فقال: يا
أمير المؤمنين أكلمك بكلمة قبل أن تشرب هذا الماء، قال: قل ما أحببت، قال: يا
أمير المؤمنين لو منعت هذه الشربة إلا بالدنيا وما فيها أكنت تفتديها بالدنيا، وما فيها
حتى تصل إليك؟ فقال: نعم. قال: فاشرب رياً بارك الله فيك، فلما فرغ من شربه،
قال له: يا أمير المؤمنين أرأيت لو منعت إخراج هذه الشربة منك إلا بالدنيا وما فيها
أكنت تفتدي ذلك بالدنيا، وما فيها؟ قال: نعم، قال: يا أمير المؤمنين فما تصنع

٨١٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
بشيء شربة ماء خير منه؟! قال: فبكى هارون واشتد بكاؤه.
قال: فقال يحيى بن خالد: يا ابن السماك قد آذيت أمير المؤمنين، فقال له:
وأنت يا يحيى فلا يغرنك رفاهية العيش ولينه.
[٣٧٢/٥]
- عن أبي المغيرة بن شعيب قال: حضرت يحيى بن خالد البرمكي يقول لابن
السماك: إذا دخلت على هارون أمير المؤمنين فأوجز ولا تكثر عليه، قال: فلما
دخل عليه وقام بين يديه قال: يا أمير المؤمنين إن لك بين يدي الله مقاماً، وإن لك
من مقامك منصرفاً، فانظر إلى أين منصرفك؟ إلى الجنة أم إلى النار. قال: فبكى
[٣٧٣/٥]
هارون حتى كاد أن يموت.
- عن أبي الصقر السدوسي قال: لما مات داود بن نصير الطائي، جاء ابن
السماك فجلس على قبره ثم قال: أيها الناس إن أهل الزهد في الدنيا تعجلوا الرواح
على أبدانهم، مع يسير الحساب غداً عليهم، وإن أهل الرغبة تعجلوا التعب على
أبدانهم مع ثقل الحساب عليهم غداً، والزهادة راحة لصاحبها في الدنيا والآخرة،
والرغبة تتعب صاحبها في الدنيا والآخرة، رحمك الله يا أبا سليمان ما كان أعجب
شأنك ألزمت نفسك الصبر حتى قومتها عليه، أجعتها وإنما تريد شبعها، وأظمأتها
وإنما تريد ريها، أخشنت المطعم وإنما تريد أطيبه، وخشنت الملبس وإنما تريد لينه،
يا أبا سليمان، أما كنت تشتهي من الطعام طيبه، ومن الماء بارده، ومن اللباس لينه؟
بلى، ولكنك أخرت ذلك لما بين يديك، فما أراك إلا قد ظفرت بما طلبت وما إليه
رغبت، فما أيسر ما صنعت، وأحقر ما فعلت في جنب ما أملت، فمن سمع بمثلك
عزم عزمك، أو صبر صبرك؛ آنس ما تكون إذا كنت بالله خالياً، وأوحش ما تكون
آنس ما يكون الناس، سمعت الحديث وتركت الناس يحدثون، تفهمت في دين الله
وتركتهم يفتون، لا تذللك المطامع، ولا ترغب إلى الناس في الصنائع، ولا تحسد
الأخيار، ولا تعيب الأشرار، ولا تقبل من السلطان عطية، ولا من الإخوان هدية،
سجنت نفسك في بيتك فلا محدث لك، ولا ستر على بابك، ولا قُلة تبرِّد فيها
ماءك، ولا قصعة تثرد فيها غذاءك وعشاءك، فلو رأيت جنازتك، وكثرة تابعك علمت
أنه قد شرفك وكرمك وألبسك رداء عملك. فلو لم يرغب عبد في الزهد في الدنيا
إلا لمحبة هذا النشر الجميل، والتابع الكثير، لكان حقيقاً بالاجتهاد، فسبحان من لا
يضيع مطيعاً، ولا ينسى لأحد صنيعاً، وفرغ من دفنه وقام الناس.
[٣٥٤/٨]
- عن عقبة بن هارون قال: دخل عمرو بن عبيد على أبي جعفر المنصور وعنده
المهدي بعد أن بايع له ببغداد، فقال: يا أبا عثمان، عظني. فقال: إن هذا الأمر

=
٨١٩
باب المواعظ الجامعة
الذي أصبح في يدك لو بقي في يد غيرك ممن كان قبلك لم يصل إليك، فأحذرك
ليلة تمخض بيوم لا ليلة بعده وأنشد:
ودون ما يأمل التنغيص والأجل
يا أيهذا قد غره الأمل
كمنزل الركب حلُّوا ثمت ارتحلوا
ألا ترى إنما الدنيا وزينتها
وصفوها كدر وملكها دول
فما يسوغ له لين ولا جذل
تظل فيه بنات الدهر تنتضل
منها المصيب ومنها المخطئ الزلل
فكل عشرة رجل عندها جلل
والقبر وارث ما يسعى له الرجل
حتوفها رصد وعيشها نكد
تظل تفزع بالروعات ساكنها
كأنه للمنايا والردى غرض
تديره ما أدارته دوائرها
والنفس هاربة والموت يرصدها
والمرء يسعى بما يسعى لوارثه
قال: فبكى المنصور.
[١٦٦/١٢ - ١٦٧ ]
- عن إسحاق بن الفضل قال: إني لعلى باب المنصور وإلى جنبي عمارة بن حمزة
إذ اطلع عمرو بن عبيد على حمار، فنزل عن حماره ونجل البساط برجله وجلس
دونه، فالتفت إلى عمارة فقال: لا تزال بصرتكم ترمينا منها بأحمق، فما فصل كلامه
من فيه حتى خرج الربيع وهو يقول: أبو عثمان عمرو بن عبيد قال: فوالله ما دل
على نفسه حتى أرشد إليه، فاتكاه يده ثم قال له: أجب أمير المؤمنين جعلني الله
فداك، فمر متوكئاً عليه، فالتفت إلى عمارة فقلت: إن الرجل الذي قد استحمقت قد
دعي وتركنا، فقال: كثيراً ما يكون مثل هذا، فأطال إلي. ثم خرج الربيع وعمرو
متوكئ عليه، وهو يقول: يا غلام، حمار أبي عثمان، فما برح حتى أقره على
سرجه، وضم إليه نشر ثوبه، واستودعه الله، أقبل عمارة على الربيع فقال: لقد فعلتم
اليوم بهذا الرجل فعلاً لو فعلتموه بولي عهدكم لكنتم قد قضيتم حقه، قال: فما
غاب عنك والله ما فعله أمير المؤمنين أكثر وأعجب. قال: فإن اتسع لك الحديث
فحدثنا، فقال: ما هو إلا أن سمع أمير المؤمنين بمكانه فما أمهل حتى أمر بمجلس،
ففرش لبوداً، ثم انتقل هو والمهدي وعلى المهدي سواده وسيفه ثم أذن له، فلما
دخل سلم عليه بالخلافة فرد عليه، وما زال يدنيه حتى اتكاه فخذه، وتحفى به ثم
سأله عن نفسه، وعن عياله، فسماهم رجلاً رجلاً وامرأة امرأة، ثم قال: يا أبا
عثمان، عظني فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَالْفَجْرِ ) وَلَالٍ عَشْرٍ
وَالشَّفْعِ وَالْوَثْرِ ﴾ وَالَِّلِ إِذَا يَسْرِ ﴿﴿ هَلْ فِ ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى ◌ِْرٍ ﴿ أَمَّ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ
﴿ إَِمَ ذَتِ الْعِمَادِ ﴿ أَلَّتِى لَمْ يُخْلَقِّ مِثْلُهَا فِ الْبِلَدِ ﴾ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِلْوَادِ

٨٢٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
٩
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ
فَأَكْثَرُواْ فِيهَا أَلْفَسَادَ
الَّذِينَ طَغَوْاْ فِ اَلْبِلَدِ
١٠
وَفِرْعَوْنَ ذِى أَلْأَوْثَادِ.
رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر: ١ - ١٣] إن ربك يا أبا جعفر لبالمرصاد، قال: فبكى بكاء
شديداً كأنه لم يسمع تلك الآيات إلا تلك الساعة، وقال: زدني.
فقال: الله قد أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك منه ببعضها، واعلم أن هذا الأمر
الذي صار إليك، إنما كان في يد من كان قبلك، ثم أفضى إليك وكذلك يخرج منك
إلى من هو بعدك، وإني أحذرك ليلة تمخض صبيحتها عن يوم القيامة، قال: فبكى
والله أشد من بكائه الأول حتى جف جفناه، فقال له سليمان بن مجالد: رفقاً بأمير
المؤمنين قد أتعبته منذ اليوم، فقال له عمرو: بمثلك ضاع الأمر وانتشر لا أبا لك،
وماذا خفت على أمير المؤمنين أن بكى من خشية الله. فقال له أمير المؤمنين: يا أبا
عثمان أعنِّي بأصحابك أستعن بهم، قال: أظهر الحق يتبعك أهله. [١٦٧/١٢ - ١٦٨]
- عن محمد بن الحسين البرجلائي قال: قال الرشيد لابن السماك عظني، فقال:
يا أمير المؤمنين إنك تموت وحدك، وتغسل وحدك، وتكفن وحدك، وتقبر وحدك،
يا أمير المؤمنين إنما هو دبيب من سقم فيؤخذ بالكظم وتزل القدم ويقع الفوت
والندم، فلا توبة تنال ولا عثرة تقال، ولا يقبل فداء بمال.
[٣٢٢/١٢]
- عن محمد بن القاسم بن خلاد قال: لما حج المهدي دخل مسجد النبي وَلـ
فلم يبق أحد إلا قام إلا ابن أبي ذئب، فقال له المسيب بن زهير: قم هذا أمير
المؤمنين! فقال ابن أبي ذئب: إنما يقوم الناس لرب العالمين. فقال المهدي: دعه
فقد قامت كل شعرة في رأسي.
[٢٩٨/٢]
باب الموت
* الإكثار من ذكر الموت:
- عن قبيصة قال: ما جلست مع سفيان مجلساً إلا ذكرت الموت، وما رأيت
أحداً كان أكثر ذكراً للموت منه.
[١٥٧/٩]
* أقوال في الموت وعظته:
- عن الحسن قال: إن الموت فضح الدنيا فلم يترك لذي لب فيها فرحاً. [١٤/ ٤٤٤]
- عن الحسن بن عبد العزيز قال: من لم يردعه القرآن والموت ثم تناطحت
[٣٣٨/٧]
الجبال بین یدیہ لم یرتدع.
- عن محمد بن عبيد الله السهيلي قال: لما أتت الخلافة محمد بن هارون، خطب
ببغداد فقال: أيها الناس إن المنون تراصد ذوي الأنفاس حتماً من الله، لا يدفع