النص المفهرس

صفحات 741-760

٧٤١
باب الكرم
باب الكرم
* أقوال في الكرم:
- عن أبي الحسن علي بن محمد المصري قال: ليس من طبع المؤمن أن
يقول لا، وذلك أنه إذا نظر فيما بينه وبين ربه من أحكام الكرم يستحي أن يقول
لا .
[٧٦/١٢]
- عن أبي حفص النيسابوري قال: ما استحق اسم السخاء من ذكر العطاء، ولا
من لامحه في قلبه، وإنما يستحقه من نسيه حتى كأنه لم يعط.
[١٢/ ٢٢٢]
- عن الفضل بن سهل قال: رأيت جملة البخل سوء الظن بالله تعالى، وجملة
السخاء حسن الظن بالله تعالى، قال: ﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ اٌلْفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨] وقال:
﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفَةٌ وَهُوَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩].
[٣٤٢/١٢]
- قال المأمون لمحمد بن عباد: أردت أن أوليك فمنعني إسرافك في المال، فقال
محمد: منع الموجود سوء ظن بالمعبود، فقال له المأمون: لو شئت أبقيت على
نفسك، فإن هذا المال الذي تنفقه ما أبعد رجوعه إليك، قال: يا أمير المؤمنين موّله
مولى غنى لا يفتقر، قال: فاستحسن المأمون ذلك منه وقال للناس: من أراد أن
يكرمني فليكرم ضيفي محمد بن عباد، فجاءت الأموال إليه من كل ناحية، فما برح
وعنده منها درهم واحد، وقال: إن الكريم لا تحنكه التجارب.
[٣٧٢/٢]
* دواعي الكرم:
- قال أنشدني أبو عمر الزاهد غلام ثعلب ببغداد لنفسه - وقام لبعض من دخل
عليه - فأنشأ يقول:
رم ذا مـال ـمـالـة
لا تراني أبداً أكـ
يعقل عندي سوء حالة
لا ولا يُـزري بمنْ
ك وهذا بـفعالة
إنما أقضي على ذا
[٢٨٥/١].
* مواقف في الكرم:
- عن ابن الأعرابي قال: سأل رجل قاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد أن يحمله
على عير فقال: يا غلام أعطه عيراً وبغلاً وبرذوناً وفرساً وجارية، ثم قال: أما والله
لو عرفت مركوباً غير هذا لأعطيتك، فشكر له الرجل وقاد ذلك كله ومضى. [١٤٨/٤]
- قال أبو علي الروذباري الصوفي لنفسه بصور:

٧٤٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
أحق بالإكرام من زائر
أهلاً بمن زار فما واردٌ
ونضمرُ الحزن على السائر
ونحن لا نَسْأَمُ مَنْ أمَّنا
[٣٣٢/١]
- عن أبي السائب قال: احتجت إلى لقحة فكتبت إلى محمد بن عبد الله بن
عمرو بن عثمان أسأله أن يبعث إليّ بلقحة، فإني لعلى بابي فإذا يزجر إبل، وإذا فيها
عبد يزجر بها، فقلت له: يا هذا ليس ها هنا الطريق. فقال: أردت أبا السائب،
فقلت: فأنا أبو السائب، فدفع إلي كتاب محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان،
فإذا فيه: أتاني كتابك تطلب لقحة، وقد جمعت ما كان بحضرتنا منها، وهي تسع
عشرة لقحة وبعثت معها بعبد راع وهن بدن، وهو حر إن رجع مما بعثت به شيء في
[٣٨٦/٥]
مالي أبداً. قال: فبعثَ منهن بثلاثمائة دينار سوى ما احتبست لحاجتي.
- عن يونس بن عبد الله الخياط قال: دخل ابن الخياط المكي على أمير المؤمنين
المهدي، وقد مدحه فأمر له بخمسين ألف درهم، فلما قبضها فرقها على الناس
وقال :
ولم أدر أن الجود من كفه يعدي
أخذت بكفي كفه أبتغي الغنى
أفدت وأعداني فبدَّدت ما عندي
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى
فنمى إلى المهدي فأعطاه بدل كل درهم ديناراً.
[٣٩٣/٥]
- قال المهدي - أمير المؤمنين -: ما توسل إلي أحد بوسيلة ولا تذرع بذريعة هي
أقرب إلي ما يحب من تذكيري يداً سلفت مني إليه أتبعها أختها وأحسن ربها؛ لأن
منع الأواخر يقطع شكر الأوائل.
[٣٩٤/٥]
- عن إبراهيم الحربي وقد سألوه عن حديث عباس البقال فقال: أخرجت إلى
الكبش ووزنت لعباس البقال دانقاً إلا فلساً، فقال: يا أبا إسحاق حدثني حديثاً في
السخاء فلعل الله يشرح صدري، فأعمل شيئاً، قال: فقلت له: نعم. روى عن
الحسن بن علي أنه كان ماراً في بعض حيطان المدينة فرأى أسود بيده رغيف، يأكل
لقمة ويطعم الكلب لقمة، إلى أن شاطره الرغيف فقال له الحسن: ما حملك على أن
شاطرته ولم تغابنه فيه بشيء، فقال: استحت عيناي من عينيه أن أغابنه، فقال له:
غلام من أنت؟ فقال: غلام أبان بن عثمان، فقال: والحائط، قال: لأبان بن
عثمان. فقال له الحسن: أقسمت عليك لا برحت حتى أعود إليك، فمر واشترى
الغلام والحائط، وجاء إلى الغلام فقال: يا غلام قد اشتريتك، قال: فقام قائماً
فقال: السمع والطاعة لله ولرسوله ولك يا مولاي. قال: وقد اشتريت الحائط،

=
٧٤٣
باب الكرم
وأنت حر لوجه الله والحائط هبة مني إليك، قال: فقال الغلام: يا مولاي قد وهبت
الحائط للذي وهبتني له، قال: فقال عباس البقال: أحسن والله يا أبا إسحاق لأبي
إسحاق دانق إلا فلساً أعطه بدانق ما يريد، فقلت: والله لا أخذت إلا بدانق إلا
[٣٤/٦]
فلساً .
- قال محمد بن عمر الجعابي الحافظ: قصدت عبدان الأهوازي فقصدت
مسجده، فرأيت شيخاً وحده قاعداً في المسجد ربعاً حسن الشيبة، عليه كساء بر كان
حسن، فذاكرني بأكثر من مائتي حديث في الأبواب، وكنت قد سلبت في الطريق
فأعطاني الذي كان عليه، فلما دخل عبدان المسجد ورآه اعتنقه وبش به، فقلت لهم:
من هذا الشيخ؟ قالوا: هذا أبو علي الروذباري، ثم كان له معاودة في الحديث،
فرأيت من حفظه للحديث ما تعجبت.
[٣٣٠/١، ٣٣١]
- عن غسان قال: كان إبراهيم بن طهمان من أنبل من حدث بخراسان والعراق
والحجاز وأوثقهم وأوسعهم علماً، وقال أحمد: أخبرنا المسعودي وهو الفضل بن
عبد الله، حدثنا عبد الله بن مالك عن عمه غسان، قال: كان إبراهيم بن طهمان
حسن الخلق واسع الأمر سخي النفس يطعم الناس ويصَلهم ولا يرضى بأصحابه
حتى ينالوا من طعامه. وقال: أخبرني الفضل بن عبد الله عن عبد الله بن مالك عن
عمه غسان بن سليمان قال: كنا نختلف إلى إبراهيم بن طهمان إلى القرية فكان لا
يرضى منا حتى يطعمنا، وكان شيخاً واسع القلب وكانت قريته باشان من القصبة
علی فرسخ.
[١٠٦/٦]
- عن الأصمعي قال: قال لي رجل من أهل الشام، قدمت المدينة فقصدت منزل
إبراهيم بن هرمة، فإذا بنية له صغيرة تلعب بالطين، فقلت لها: ما فعل أبوك؟ قالت:
وفد إلى بعض الأجواد فما لنا به علم منذ مدة، فقلت: انحري لنا ناقة فإنا
أضيافك، قالت: والله ما عندنا، قلت: فشاة، قالت: والله ما عندنا، قلت:
فدجاجة، قالت: والله ما عندنا، قلت: فأعطينا بيضة، قالت: والله ما عندنا، قلت:
فباطل ما قال أبوك:
بمستهل الشؤبوب أو جمل
كم ناقة قد وجأت منحرها
قالت: فذلك الفعل من أبي هو الذي أصارنا إلى أن ليس عندنا شيء. [١٣٠/٦]
- عن صافي الحرمي الخادم مولى المعتضد قال: مشيت يوماً بين يدي المعتضد،
وهو يريد دور الحرم، فلما بلغ إلى باب شغب أم المقتدر وقف يسمع ويطّلع من
خلل في الستر، فإذا هو بالمقتدر وله إذ ذاك خمس سنين أو نحوها، وهو جالس،

٧٤٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
وحواليه مقدار عشر وصائف من أقرانه في السن، وبين يديه طبقة فضة فيه عنقود
عنب في وقت فيه العنب عزيز جداً، والصبي يأكل عنبة واحدة، ثم يطعم الجماعة
عنبة عنبة على الدور حتى إذا بلغ الدور إليه أكل واحدة مثل ما أكلوا حتى أفنى
العنقود، والمعتضد يتميز غيظاً، قال: فرجع ولم يدخل الدار، ورأيته مهموماً فقلت:
يا مولاي ما سبب ما فعلته، وما قد بان عليك؟ فقال: يا صافي، والله لولا النار
والعار لقتلت هذا الصبي اليوم، فإن في قتله صلاحاً للأمة، فقلت: يا مولاي
حاشاه، أي شيء عمل أعيذك بالله يا مولاي العن إبليس.
فقال: ويحك أنا أبصر بما أقوله، أنا رجل قد سست الأمور، وأصلحت الدنيا
بعد فساد شديد، ولا بد من موتي، وأعلم أن الناس بعدي لا يختارون غير ولدي،
وسيجلسون ابني علياً يعني المكتفي، وما أظن عمره يطول للعلة التي به، فقال
صافي: يعني الخنازير التي كانت في حلقه فيتلف عن قرب، ولا يرى الناس أخرجها
عن ولدي، ولا يجدون بعده أكبر من جعفر فيجلسونه، وهو صبي وله من الطبع في
السخاء هذا الذي قد رأيت من أنه أطعم الصبيان مثل ما أكل، وساوى بينه وبينهم
في شيء عزيز في العالم، والشح على مثله في طباع الصبيان، فيحتوي عليه النساء
لقرب عهده بهن، فيقسم ما جمعته من الأموال كما قسم العنب، ويبذر ارتفاع
الدنيا، ويخربها فتضيع الثغور، وتنتشر الأمور، وتخرج الخوارج، وتحدث الأسباب
التي يكون فيها زوال الملك عن بني العباس أصلاً .
فقلت: يا مولاي بل يبقيك الله حتى ينشأ في حياة منك، ويصير كهلاً في أيامك،
ويتأدب بآدابك، ويتخلق بخلقك، ولا يكون هذا الذي ظننت، فقال: احفظ عني ما
أقوله، فإنه كما قلت. قال: ومكث يومه مهموماً وضرب الدهر ضربته، ومات
المعتضد، وولي المكتفي، فلم يطل عمره، ومات، وولي المقتدر، فكانت الصورة
كما قاله المعتضد بعينها، فكنت كلما وقفت على رأس المقتدر، وهو يشرب، ورأيته
قد دعا بالأموال فأخرجت إليه، وحلت البدر، وجعل يفرقها على الجواري والنساء،
ويلعب بها ويمحقها ويهبها، ذكرت مولاي المعتضد، وبكيت.
[٢١٦/٧]
- عن راوية بن هرمة قال: بعث إليّ ابن هرمة في وقت الهاجرة، صر إليّ فصرت
إليه، فقال: اكتر حمارين إلى أربعة أميال من المدينة أين شئنا، فقلت: هذا وقت
الهاجرة وأرض المدينة سبخة فامهل حتى تبرد، فقال: لا لأن لابن جبر الحناط عليَّ
مائة دينار قد منعتني القائلة، وضيقت على عيالي. فاكتريت حمارين فركبنا فمضيت
معه حتى انتهينا إلى الحمراء قصر الحسن بن زيد: فصادفناه يصلي العصر، فأقبل

٧٤٥
باب الكرم
على ابن هرمة فقال: ما جاء بك في هذا الوقت والحر شديد، فقال: لابن جبر
الحناط علي مائة دينار قد منعتني القائلة وضيقت على عيالي، وقد قلت شعراً
فاسمعه. فقال: قل، فأنشأ يقول:
نيلي الصباب التي جمعت في قرن
أما بنو هاشم حولي فقد رفضوا
إلا عوائد أرجوهن من حسن
فما بيثرب منهم من أعاتبه
علي هن وهن فيما مضى وهن
الله أعطاك فضلاً من عطيته
فقال: يا غلام افتح باب تمرنا فبع منه بمائة دينار، وأحضر ابن جبر الحناط
وليكن معه ذكر دَينه، وما له على ابن هرمة، فحضر فأخذ منه ذكر دينه، فدفعه إلى
ابن هرمة وسلم إلى ابن جبر مائة دينار؛ وقال: يا غلام بع بمائة دينار أخرى وادفعها
إلى ابن هرمة يستعين بها على حاله. فقال له ابن هرمة: يا سيدي مر لي بحمل
ثلاثين حماراً تمراً لعيالي، قال: يا غلام افعل ذلك. فانصرفنا من عنده، فقال لي:
ويحك أرأيت نفساً أكرم من هذه النفس، أو راحة أندى من هذه الراحة، فإنا لنسير
على السيالة إذا غامز قد غمز ابن هرمة فالتفت إليه فإذا هو عبد الله بن حسن بن
حسن، فقال: يا دعي الأدعياء أتفضل علي وعلى أبي الحسن بن زيد، فقال: والله
ما فعلت هذا .
[٣١١/٧]
- عن يانس بن عبد الله الخادم قال: سأل محمد بن عبد الملك الزيات أبا دلف
القاسم بن عيسى العجلي عرض رقعة على الحسن بن سهل، فعرضها عليه، فقال له
الحسن: نحن في شغل عن هذا. فقال له أبو دلف: مثلك أطال الله بقاءك لا يشتغل
عن محمد بن عبد الملك، فقال لخازنه: احمل مع أبي دلف إليه عشرين ألف
درهم، قال: فلما وصلت إلى محمد كتب إليه بهذين البيتين:
عطية كافأت مدحي ولم ترني
أعطيتني يا ولي الحق مبتدياً
كأنما كنت بالجدوى تبادرني
ما شمت برقك حتى نلت ريقه
فعرضها أبو دلف على الحسن بن سهل، فقال: يا غلام احمل إلى محمد خمسة
آلاف دینار.
[٣٢٢/٧]
- عن إبراهيم بن محمد بن عرفة قال: حدثني بعض ولد الحسن بن سهل أنه رأى
سقاء يمر في داره فدعا به، فقال: ما حالتك؟ فشكا ضيقه وذكر أن له ابنة يريد
زفافها فأخذ ليوقع له بألف درهم، فأخطأ فوقع بألف ألف درهم، فأتى بها السقاء
وكيله فأنكر ذلك وتعجب أهله منه واستعظموه وتهيبوا مراجعته، فأتوا غسان بن
عباد بن عباد وكان غسان أيضاً من الكرماء فأتى الحسن بن سهل فقال له: أيها

٧٤٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
الأمير إن الله لا يحب المسرفين، فقال له الحسن: ليس في الخير إسراف ثم ذكر
أمر السقاء، فقال: والله لا رجعت عن شيء خطته يدي فصولح السقاء على جملة
[٣٢٣/٧]
منها ودفعت إلیه.
- عن أبي الشيخ قال: قدمت الكوفة أريد الحج فجئت الحسن بن عمارة أسلم
عليه، فقال لي: إنه ليس شيء من آلة الحج إلا وعندنا منه شيء، فخذ حاجتك،
فقلت له: ما أحتاج إلى شيء قد هيأت بواسط جميع ما أحتاج إليه فهي معي، فدعا
غلاماً شامياً من أهل شاطا، فقال: هذا غلام جبار قلَّ من يسلك هذا الطريق بمثله،
خذه فهو لك، فأبيت وقلت: ما أفعل به؟ فجهدني فأبيت، وما أشك أنه قد كان
یسوي يومئذ ألف درهم.
[٣٤٦/٧]
- عن أبي الشيخ قال: كان بالكوفة رجل غريب يكتب الحديث، وكان يختلف إلى
الحسن بن عمارة يكتب عنه، فجاءه فودعه ليخرج إلى بلاده، وقال له: إن في نفقتي
قلة فكتب له الحسن رقعة وقال: اذهب بها إلى الفرات إلى وكيل لنا هناك يبيع القار
فادفعها إليه، فظن الرجل أنه قد كتب له بدريهمات، فإذا هو قد كتب له بخمسمائة
درهم.
[٣٤٦/٧]
- عن الحسن المسوهي قال: كنت آوي إلى باب الكناس كثيراً وكنت أقرب من
مسجد ثم أتفيأ فيه من الحر وأستكن فيه من البرد، فدخلت يوماً، وقد كان كظني
الحر واشتد علي، فتفيأت فغلبتني عيني فنمت، فرأيت كأن سقف المسجد قد انشق،
وكأن جارية قد تدلت علي من السقف، عليها قميص فضة يتخشخش ولها ذؤابتان،
قال: فجلست عند رجلي فقبضت رجلي عنها فمدت يدها فنالت رجلي، فقلت لها :
يا جارية لمن أنت؟ قالت: أنا لمن دام على ما أنت عليه.
[٣٦٧/٧]
- عن الحسين بن الوليد قال: ويقول من تعشى عندي فقد أكرمني ثم إذا تعشوا
أخرج إليهم الصرة.
[١٤٤/٨]
- عن مسبح بن حاتم قال: سمعت سوار بن عبد الله القاضي يقول: إن كان
عنده، قال: نعم. وإن لم يكن عنده قال: يقضي الله ولا يقول لا .
لولا التشهد لم تسمع له لا
ما قال لا قط إلا فى تشهده
[٢١١/٩]
- عن محمد بن إسحاق السراج قال: سمعت بعض أصحابنا يقول: وهب المهدي
لشعبة ثلاثين ألف درهم يقسمها، وأقطعه ألف جريب بالبصرة، فقدم البصرة فلم يجد
شيئاً یطیب له فتركها .
[٢٥٦/٩]

٧٤٧
باب الكرم
- عن عمرو بن حكام قال: أتى شعبة شيخ من جيرانه محتاج فسأله، فقال له
شعبة: لم سألتني؟ عندي شيء؟ قال: فذهب الشيخ لينصرف فقال له شعبة: اذهب
فخذ حماري فهو لك، فقال: لا أريد حمارك. قال: اذهب فخذه، قال: فذهب
فأخذه فمر به على مجالس أصحابنا بني حبلة، فاشتراه بعضهم بخمسة دراهم فأهداه
[٢٦١/٩]
إلى شعبة.
- عن محمد بن سلام قال: خرج شبيب بن شيبة من دار المهدي فقيل له: كيف
تركت الناس، قال: تركت الداخل راجياً والخارج راضياً.
[٢٧٥/٩]
- عن أبي الحسن الجاماستي قال: قال لي رجل بخراسان: قال صديق لي: رأيت
رجلاً بمرو في يوم جمعة بحال سيئة ثم رأيته في الجمعة الأخرى على برذون، فقلت
له: ما الخبر؟ فقال: أنا على باب طاهر بن الحسين منذ ثلاث سنين، التمس
الوصول إليه فيتعذر ذلك حتى قال لي بعض أصحابه يوماً إن الأمير يركب اليوم في
الميدان للعب بالصوالجة. فقلت: اليوم أصل إليه، فصرت إلى الميدان فرأيت
الوصول متعذر، وإذا فرجة من بستان فالتمست الوصول منها إلى الميدان، فلما
سمعت الحركة وضرب الصوالجة ألقيت نفسي من الثلمة، فنظر إلي فقال: من أنت؟
فقلت: أنا بالله وبك أيها الأمير إياك قصدت ومنك أطلب، وقد قلت بيتَي شعر،
فقال: هاتهما. وأقبل ميكال إلي فزجره عني فأنشدته:
أصبحت بين خصاصة وتجمُّل
والحر بينهما يموت هزيلا
بذل النوال وظهرها التقبيلا
فامدد إلي يداً تعود بطنها
فأمر لي بعشرة آلاف درهم وقال: هذه ديتك ولو كان ميكال أدركك لقتلك،
وهذه عشرة آلاف درهم لعيالك، امض لشأنك، ثم قال: سدوا هذه الثلم لا يدخل
[٣٥٤/٩ _ ٣٥٥]
إلينا منها أحد.
عن محمد بن الفضل بن محمد بن منصور قال: لما افتتح عبد الله بن طاهر
مصر، ونحن معه سوغه المأمون خراجها سنة، فصعد المنبر فلم ينزل حتى أجاز بها
كلها ثلاثة آلاف ألف دينار أو نحوها، فقبل أن ينزل أتاه معلى الطائي، وقد أعلموه
ما صنع عبد الله بن طاهر بالناس في الجوائز، وكان عليه واجداً، فوقف بين يديه
تحت المنبر فقال: أصلح الله الأمير أنا معلى الطائي، ما كان مني من جفاء وغلظة
فلا يغلظ علي قلبك ولا يستخفنك ما قد بلغك. أنا الذي أقول:
وأظلم الناس عند الجود للمال
يا أعظم الناس عفواً عند مقدرة
لما أشرت إلى خزن بمثقال
لو يصبح النيل يجري ماؤه ذهباً

٧٤٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
وليس شيء أعاض الحمد بالغالي
تعني بما فيه رق الحمد تملكه
تفك بالأسر كف العسر من زمن
لم تخل كفك من جود لمختبط
وما بثئت رعيل الخيل في بلد
إذا استطال على قوم بإقلال
أو مرهف قاتل في راس قتال
إلا عصفن بأرزاق وآجال
نفسي إليك فما تروي إلى حال
هل من سبيل إلى أذن فقد ظمئت
فإن شكرك من حمدي على بال
من ألسن خضن في صبري بأقوال
إن كنت منك على بال مننت به
ما زلت مقتضياً لولا مجاهرة
قال: فضحك عبد الله وسر بما كان منه، وقال: يا أبا السمراء بالله أقرضني
عشرة آلاف دينار فما أمسيت أملكها فأقرضه فدفعها إليه.
[٩/ ٤٨٤]
- عن أحمد بن أبي طاهر قال: إن عبد الله بن طاهر لما خرج إلى المغرب كان
معه كاتبه أحمد بن نهيك، فلما نزل دمشق أهديت إلى أحمد بن نهيك هدايا كثيرة
في طريقه وبدمشق، وكان يثبت كل ما يهدى إليه في قرطاس ويدفعه إلى خازن له،
فلما نزل عبد الله بن طاهر دمشق، أمر أحمد بن نهيك أن يعود عليه بعمل كان
أمره أن يعمله فأمر خازنه أن يخرج إليه قرطاساً فيه العمل الذي أمر بإخراجه
ويضعه في المحراب بين يديه لئلا ينساه وقت ركوبه في السحر، فغلط الخازن
فأخرج إليه القرطاس الذي فيه ثبت ما أهدي إليه فوضعه في المحراب، فلما صلى
أحمد بن نهيك الفجر، أخذ القرطاس من المحراب ووضعه في خفه فلما دخل
على عبد الله سأله عما تقدم إليه من إخراجه العمل الذي أمره به؛ فأخرج الدرج
من خفه فدفعه إليه، فقرأه عبد الله من أوله إلى آخره وتأمله ثم أدرجه ودفعه إلى
أحمد بن نهيك وقال له: ليس هذا الذي أردت فلما نظر أحمد بن نهيك فيه أسقط
في يديه، فلما انصرف إلى مضربه وجه إليه عبد الله بن طاهر يعلمه أنه قد وقفت
على ما في القرطاس فوجدته سبعين ألف دينار، واعلم أنه قد لزمتك مؤونة عظيمة
غليظة في خروجك ومعك زوار وغيرهم، وإنك تحتاج إلى برهم وليس مقدار ما
صار إليك يفي بمؤونتك، وقد وجهت إليك بمائة ألف دينار لتصرفها في الوجوه
[٤٨٤/٩]
التي ذكرتها .
- عن أبي هفان قال: حدثني أبي قال: دخل العتابي على عبد الله بن طاهر
فأنشده :
سواي بك الغداة أتى بي
حسن ظني وحسن ما عوَّد الله
يقين حدا إليك ركابي
أي شيء يكون أحسن من حسن

٧٤٩
باب الكرم
فأمر له بجائزة ثم دخل عليه مرة أخرى فأنشده:
ورؤيتي تكفيك مني السؤال
جودك يكفيك في حاجتي
فكيف أخشى الفقر ما عشت لي
وإنما كفاك لي بيت مال
فأجازه أيضاً، ثم دخل عليه اليوم الثالث فأنشده:
أكسني ما يبيد أصلحك الله فإني
فأجازه وکساه وحمله.
أكسوك ما لا يبيد
[٤٨٧/٩]
- عن الحسن بن خضر عن أبيه قال: دخل رجل على المنصور فقال: أقول له
حين واجهته عليك السلام أبا جعفر، فقال له المنصور: وعليك السلام، فقال:
فأنت المهذب من هاشم وفي الفرع منها الذي يذكر
فقال له المنصور: ذاك رسول الله، فقال:
فهذي ثيابي قد أُخْلِقَت وقد عضني زمن منكر
[١٠/ ٥٧]
فألقى إليه المنصور ثيابه وقال: هذه بدلها .
- عن عمر بن حفص قال: خرج ابن المبارك من بغداد يريد المصيصة فصحبه
الصوفية، فقال لهم: أنتم لكم أنفس تحتشمون أن ينفق عليكم، يا غلام هات
الطست فألقى على الطست منديلاً، ثم قال: يلقي كل رجل منكم تحت المنديل ما
معه، قال: فجعل الرجل يلقي عشرة دراهم والرجل يلقي عشرين، فأنفق عليهم إلى
المصيصة، فلما بلغ المصيصة قال: هذه بلاد نفير فنقسم ما بقي فجعل يعطي الرجل
عشرين ديناراً فيقول: يا أبا عبد الرحمن إنما أعطيت عشرين درهماً، فيقول: وما
تنكر أن يبارك الله للغازي في نفقته.
[١٠ / ١٥٧]
- عن علي بن الحسن بن شقيق قال: كان ابن المبارك إذا كان وقت الحج اجتمع
عليه إخوانه من أهل مرو، فيقولون: نصحبك يا أبا عبد الرحمن، فيقول لهم: هاتوا
نفقاتكم فيأخذ نفقاتهم فيجعلها في صندوق، فيقفل عليها ثم يكتري لهم ويخرجهم
من مرو إلى بغداد، فلا يزال ينفق عليهم ويطعمهم أطيب الطعام وأطيب الحلواء، ثم
يخرجهم من بغداد بأحسن زي وأجمل مروءة، حتى يصلوا إلى مدينة الرسول؛ فإذا
صاروا إلى المدينة، قال لكل رجل منهم: ما أمروك عيالك أن تشتري لهم من
المدينة من طُرَفها؟ فيقول: كذا، فيشتري لهم، ثم يخرجهم إلى مكة، فإذا وصلوا
إلى مكة وقضوا حجهم قال لكل واحد منهم: ما أمروك عيالك أن تشتري لهم من
متاع مكة؟ فيقول: كذا وكذا. فيشتري لهم ثم يخرجهم من مكة فلا يزال ينفق عليهم
إلى أن يصيروا إلى مرو؛ فإذا وصل إلى مرو جصص أبوابهم ودورهم فإذا كان بعد

٧٥٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
ثلاثة أيام صنع لهم وليمة وكساهم، فإذا أكلوا وسروا دعا بالصندوق ففتحه ودفع إلى
[١٥٨/١٠]
كل رجل منهم صرته بعد أن كتب عليها اسمه.
- عن سلمة بن سليمان قال: جاء رجل إلى عبد الله بن المبارك فسأله أن يقضي
ديناً عليه، فكتب له إلى وكيل له، فلما ورد عليه الكتاب قال له الوكيل: كم الدَّين
الذي سألت فيه عبد الله أن يقضيه عنك؟ قال: سبعمائة درهم، فكتب إلى عبد الله
أن هذا الرجل سألك أن تقضي عنه سبعمائة درهم، وكتبت له سبعة آلاف درهم،
وقد فنيت الغلات. فكتب إليه عبد الله: إن كانت الغلات قد فنيت، فإن العمر أيضاً
قد فني، فأجز له ما سبق به قلمي.
[١٥٩/١٠]
- عن محمد بن عيسى قال: كان عبد الله بن المبارك كثير الاختلاف إلى
طرسوس، وكان ينزل الرقة في خان، فكان شاب يختلف إليه ويقوم بحوائجه ويسمع
منه الحديث، قال: فقدم عبد الله الرقة مرة فلم ير ذلك الشاب، وكان مستعجلاً
فخرج في النفير فلما قفل من غزوته ورجع الرقه سأل عن الشاب قال: فقالوا إنه
محبوس لدين ركبه، فقال عبد الله: وكم مبلغ دينه، فقالوا: عشرة آلاف درهم، فلم
يزل يستقصي حتى دل على صاحب المال فدعا به ليلاً ووزن له عشرة آلاف درهم،
وحلفه أن لا يخبر أحداً ما دام عبد الله حياً، وقال: إذا أصبحت فأخرج الرجل من
الحبس، وأدلج عبد الله فأخرج الفتى من الحبس، وقيل له: عبد الله بن المبارك كان
ها هنا وكان يذكرك وقد خرج فخرج الفتى في أثره فلحقه على مرحلتين أو ثلاث
من الرقة، فقال: يا فتى أين كنت؟ لم أرك في الخان، قال: نعم يا أبا
عبد الرحمن، كنت محبوساً بدين قال: فكيف كان سبب خلاصك؟ قال: جاء رجل
فقضى ديني ولم أعلم له حتى أخرجت من الحبس. فقال له عبد الله: يا فتى
احمد الله على ما وفق لك من قضاء دينك، فلم يخبر ذلك الرجل أحداً، إلا بعد
[١٥٩/١٠]
موت عبد الله.
- عن أبي علي الكاتب قال: مات عبد الرحمن بن عائشة سنة سبع وعشرين
ومائتين، فخرج أبوه إلى سر من رأى لأخذ ميراثه فنزل بقرب دار ابن أبي دؤاد،
فكان الناس يقصدون ابن أبي دؤاد ويجدون ابن عائشة قريباً، فيدخلون إليه فكثر
امتنانهم عليه بذلك فقال ابن عائشة:
لهم مكشفاً لا يستفيد لهم حمدا
سأكشف عن تسليم أهل مودتي
ففرق ما بين المحبين أنني
ممر لإخواني وآتيهم قصدا
وأقام مديدة فلم يرض أيضاً فعل ابن أبي دؤاد، وانصرف إلى البصرة. [٢٦٠/١٠]

٧٥١
باب الكرم
- عن دينار مولى أنس قال: صنع أنس لأصحابه طعاماً فلما طعموا قال: يا
جارية هاتي المنديل، فجاءت بمنديل درن. فقال: اسجري التنور واطرحيه فيه
ففعلت، فابيضّ، فسألناه عنه، فقال: إن هذا كان للنبي وَ ﴿ وإن النار لا تحرق شيئاً
[٢٩١/١٠]
مسته أيدي الأنبياء.
- عن محمد بن زكريا الغلابي قال: كنت عند ابن عائشة فجاءه رجل فسأله أن
يهب له شيئاً، فنزع جبة سعيدية كانت عليه تساوي ستة دنانير أو سبعة دنانير فدفعها
إليه، فقال له وكيله: يا أبا عبد الرحمن ما أخوفني عليك أن تموت فقيراً قال:
وكيف ذلك؟ قال: كانت لك ست جبات فوهبتها وبقيت لك هذه وحدها فوهبتها،
وهذا الشتاء مقبل فقال: إليك عني فإني أريد أن أكون كما قال الأول:
ومن المروءة غير خال
وفتى خلا من ماله
وكفاك مكروه السؤال
أعطاك قبل سؤاله
كان الفعال مع المقال
وإذا رأى لك موعداً
ما فيك من كرم الخصال
لله درك من فتى
[٣١٦/١٠]
- عن أبي بكر بن أبي شيبة قال: قال: جدي: أنفق ابن عائشة على إخوانه
أربعمائة ألف دينار في الله حتى التجأ إلى أن باع سقف بيته.
[٣١٦/١٠]
- عن الحسن بن كثير قال: قدم رجل إلى البصرة فسأل عن أجود أهل البصرة،
فقيل له: ابن عائشة، قال: فسأله عنه، فقيل له: عليه دين وقد جلس في داره،
قال: فجاء إلى حاجبه ومعه رقعة فقال: توصل هذه الرقعة إلى أبي عبد الرحمن
فأخذها فأوصلها إليه فإذا فيها مكتوب:
فما فضل الجواد على البخيل
إذا كان الجواد له حجاب
قال: فقرأها ابن عائشة وكتب تحتها:
ولم يعذر تعلل بالحجاب
إذا كان الجواد عديم مال
[٣١٦/١٠ - ٣١٧]
- عن إبراهيم بن محمد بن عرفة قال: أمر موسى الهادي لابن داب ذات ليلة
بثلاثين ألف دينار، فلما أصبح ابن داب وجه قهرمانه يطالب بالمال، فلقي الحاجب
فأبلغه رسالته فأعلمه أن ذلك ليس إليه وأنه يحتاج إلى توقيع، فأمسك ابن داب،
فبينا موسى يعني الهادي في مستشرف له إذ نظر إلى ابن داب قد أقبل وليس معه
غلام، فقال لإبراهيم الحراني: أما ترى ابن داب ما غير من حاله ولا تزيى لنا، وقد

٧٥٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
بررناه بالأمس لير أثرنا عليه، فقال له إبراهيم: إن أمرني أمير المؤمنين عرضت له
بشيء من هذا، قال: لا، هو أعلم بأمره، ودخل ابن داب فأخذ في حديثه إلى أن
عرض له الهادي بشيء من أمره، فقال: أرى ثوبك غسيلاً وهذا شتاء يحتاج إلى
لبس الجديد واللين، فقال: يا أمير المؤمنين باعي قصير عما أحتاج إليه، فقال:
كيف ذاك وقد صرفنا إليك من برنا ما فيه صلاح شأنك؟ قال: ما وصل إلي، فدعا
بصاحب بيت مال الخاصة فقال: عجل الساعة له بثلاثين ألف دينار فحملت بين
[١١ /١٥٠ _ ١٥١ ]
یدیه .
- عن أبي خازم قال: كان عيسى رجلاً سخياً جداً وكان يقول: والله لو أتيت
برجل يفعل في ماله كفعلي في مالي لحجرت عليه، قال: وقدم إليه رجل محمد بن
عباد المهلبي فادعى عليه أربعمائة دينار، فسأله عيسى عما ادعاه عليه، فأقر له
بذلك، فقال له الرجل: احبسه لي. فقال له عيسى: أما الحبس فواجب ولكني لا
أرى حبس أبي عبد الله وأنا أقدر على فدائه من مالي، فغرمها عنه عيسى من
ماله.
[١٥٩/١١]
- عن عبد الله بن أبي أيوب المكي قال: بعث أبو أيوب المكي بعض ولده إلى
عمارة بن حمزة، فأدخله الحاجب. قال: ثم أدناني إلى ستر مسبل، فقال: أدخل،
فدخلت، فإذا هو مضطجع محول وجهه إلى الحائط فقال لي الحاجب: سلم،
فسلمت فلم يرد علي، فقال الحاجب: أذكر حاجتك فقلت: لعله نائم، قال: لا؛
أذكر حاجتك، فقلت له: جعلني الله فداك أخوك يقرئك السلام ويذكر ديناً بهظني
وستر وجهي ولولاه لكنت مكان رسولي، فسل أمير المؤمنين قضاءه عني، فقال:
وكم دين أبيك، قلت: ثلاثمائة ألف درهم، قال: وفي مثل هذا أكلم أمير المؤمنين
يا غلام! احملها معه وما التفت إلي ولا كلمني بغير هذا.
[٢٨٠/١٢]
- عن الفضل بن الربيع قال: كان أبي يأمرني بملازمة عمارة بن حمزة قال: فاعتل
عمارة وكان المهدي سيء الرأي فيه، فقال له أبي يوماً: يا أمير المؤمنين مولاك
عمارة عليل وقد أفضى إلى بيع فرشه وكسوته، فقال: غفلت عنه وما كنت أظن بلغ
هذا الحال، احمل إليه خمسمائة ألف درهم يا ربيع وأعلمه أن له عندي بعدها ما
يحب، قال: فحملها إليّ من ساعته، وقال لي: اذهب بها إلى عمك، وقل له:
أخوك يقرئك السلام ويقول أذكرت أمير المؤمنين أمرك فاعتذر من غفلته عنك، وأمر
لك بهذه الدراهم، وقال: لك عندي بعدها ما تحب، قال: فأتيته ووجهه إلى الحائط
فسلمت، فقال لي: من أنت؟ فقلت: ابن أخيك الفضل بن الربيع، فقال: مرحباً بك

٧٥٣
باب الكرم
فأبلغته الرسالة، فقال: قد كان طال لزومك لنا وقد كنا نحب أن نكافيك على ذلك،
ولم يمكنا قبل هذا الوقت، انصرف بها فهي لك، قال: فهبته أرد عليه، فتركت
البغال على بابه وانصرفت إلى أبي، فأعلمته الخبر. فقال لي: يا بني خذها بارك الله
لك عمارة ليس ممن يراد، فكان أول ما ملكته.
[٢٨١/١٢]
- عن الفضل بن يحيى قال: حل على أبي من مال الأهواز للرشيد ثلاثة آلاف
ألف درهم، فأرسل إليه إن أنت حملت ما وجب عليك - وهو ثلاثة آلاف ألف درهم
في يومنا هذا - وقت العصر وإلا أنفذت إليك من يجيئني برأسك، قال: فقال لي: يا
بني قد ترى ما نحن فيه، والله ما عند أبيك عشرها وإن لم أحملها فقد طل أبيك،
فامض إلى عمارة بن حمزة فسله أن يقرضنا ذلك؛ بعد أن تحدثه الحديث، فإن فعل
وإلا فليس غير القتل، قال: فمضيت إليه فسمع كلامي وأعرض عني ولم يجبني
فانصرفت من بين يديه، فلم أصل إلى منزلي إلا وقد سبقني المال، فلما كان بعد
ذلك وتحصل المال، قال لي أبي: امض إلى هذا الكريم، واحمل المال بين يديك
واشكره على فعله، قال: فحملته ومضيت إليه فشكرته، وسألته أن يأمر بقبض
المال. فقال لي كالمغضب: أتظن كنت قسطاراً لأبيك، اذهب فهو لك، قال:
فذهبت به إلى أبي وعرفته ما جرى، فقال لي: يا بني والله ما تسمح نفسي لك
[٢٨١/١٢ - ٢٨٢]
بذلك، ولكن خذ ألف ألف درهم واترك ألفي ألف درهم.
- عن إدريس بن معقل قال: اجتمع على باب أبي دلف جماعة من الشعراء،
فمدحوه وتعذر عليهم الوصول إليه وحجبهم حياء لضيقة نزلت به، فأرسل إليهم
خادماً له يعتذر إليهم، ويقول: انصرفوا في هذا السنة وعودوا في القابلة، فإني
أضعف لكم العطية وأبلغكم الأمنية فكتبوا إليه:
بضر وأهلنا أشتات
أي هذا العزيز قد مسنا الدهر
ولدينا بضاعة مزجاة
وأبونا شيخ كبير فقير
وبضاعتنا بها الترهات
قلَّ طلابها فبارت علينا
وتصدق علينا فإننا أموات
فاغتنم شكرنا وأوف لنا الكيل
فلما وصل إليه الشعر ضحك، وقال: علي بهم، فلما دخلوا قال: أبيتم إلّا أن
تضربوا وجهي بسورة يوسف، والله إني لمضيق، ولكني أقول كما قال الشاعر:
فزد في رقم دينك واقض ديني
لقد خبرت إن عليك ديناً
[١٢/ ٤٢١]
يا غلام: اقترض لي عشرين ألفاً بأربعين وفرقها فيهم.
- سعيد بن حميد قال: كان ابن أبي دؤاد قد اصطنع أبا دلف واحتبسه بحيلة من

٧٥٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
يد الأفشين، وقد دعا بالسيف ليقتله، فكان أبو دلف يصير إليه كل يوم يشكره، وكان
ابن أبي دؤاد يقول به، ويصفه، فقال له المعتصم: إن أبا دلف حسن الغناء جيد
الضرب بالعود، فقال: يا أمير المؤمنين القاسم في شجاعته وبيته في العرب يفعل
هذا، قال: نعم. وما هو هذا؟ هو أدب زائد فيه، فكأن ابن أبي دؤاد عجب من
ذلك، فأحب المعتصم أن يسمعه ابن أبي دؤاد، فقال له: يا قاسم غني، فقال: والله
ما أستطيع ذلك وأنا أنظر إلى أمير المؤمنين هيبة له وإجلالاً، فقال: لا بد من ذلك،
وأجلس من وراء ستارة، فكان ذلك أسهل عليه، فضربت ستارة وجلس أبو دلف
يغني ووجه المعتصم إلى ابن أبي دؤاد فحضر واستدناه وجعل أبو دلف يغني وأحمد
يسمع ولا يدري من يغني، فقال له: المعتصم: كيف تسمع هذا الغناء يا أبا عبد الله،
فقال: أمير المؤمنين أعلم به مني ولكني أسمع حسناً، فغمز المعتصم غلاماً، فهتك
الستارة وإذا أبو دلف، فلما رأى المعتصم وابن أبي دؤاد وثب قائماً وأقبل على ابن
أبي دؤاد، فقال: إني أُجبرت على هذا. فقال: لولا دربتك في هذا، من أين كنت
تأتي بمثل هذا؟ هبك أجبرت على أن تغني من أجبرك على أن تحسن.
[٤٢٢/١٢]
- عن الواقدي قال: كنت حناطاً بالمدينة في يدي مائة ألف درهم للناس أضارب
بها، فتلفت الدراهم، فشخصت إلى العراق، فقصدت يحيى بن خالد فجلست في
دهليزه، وآنست الخدم والحجاب وسألتهم أن يوصلوني إليه. فقالوا: إذا قدم الطعام
إليه لم يحجب عنه أحد، ونحن ندخلك عليه ذلك الوقت. فلما حضر طعامه
أدخلوني فأجلسوني معه على المائدة فسألني: من أنت وما قصتك؟ فأخبرته، فلما
رفع الطعام وغسلنا أيدينا دنوت منه لأقبل رأسه فاشمأز من ذلك، فلما صرت إلى
الموضع الذي يركب منه، لحقني خادم معه كيس فيه ألف دينار. فقال: الوزير يقرأ
عليك السلام ويقول لك: استعن بها على أمرك وعد إلينا في غد، فأخذته وانصرفت
وعدت في اليوم الثاني فجلست معه على المائدة، وأنشأ يسألني كما سألني في اليوم
الأول. فلما رفع الطعام دنوت منه لأقبل رأسه فاشمأز منه، فلما صرت إلى الموضع
الذي يركب منه، لحقني خادم معه كيس فيه ألف دينار فقال: الوزير يقرأ عليك
السلام ويقول: استعن بهذا على أمرك وعد إلينا في غد، فأخذته وانصرفت وعدت
في اليوم الثالث، فأعطيت مثلما أعطيت في اليوم الأول والثاني، فلما كان في اليوم
الرابع أعطيت الكيس كما أعطيت قبل ذلك، وتركني بعد ذلك أقبل رأسه. وقال:
إنما منعتك ذلك لأنه لم يكن وصل إليك من معروفي ما يوجب هذا، فالآن قد
لحقت بعض النفع مني، يا غلام أعطه الدار الفلانية، يا غلام افرشها الفرش

٧٥٥
باب الكرم
الفلاني. يا غلام أعطه مائتي ألف درهم، يقضي دينه بمائة ألف، ويصلح شأنه بمائة
ألف، ثم قال لي: الزمني وكن في داري. فقلت: أعود إلى حضرتك كان ذلك أرفق
بي. فقال: قد فعلت. وأمر بتجهيزي فشخصت إلى المدينة، فقضيت ديني ثم رجعت
إليه، فلم أزل في ناحيته.
[٥/٤]
- عن الواقدي قال: صار إلي من السلطان ستمائة ألف درهم ما وجبت علي فيها
الزكاة ! .
[٢٠/٣]
- عن قتيبة بن سعيد قال: كان الليث بن سعد يستغل عشرين ألف دينار في كل
سنة، وقال ما وجبت علي زكاة قط، وأعطى ابن لهيعة ألف دينار وأعطى مالك بن
أنس ألف دينار، وأعطى منصور بن عمار ألف دينار وجارية تسوى ثلاثمائة دينار،
قال: وجاءت امرأة إلى الليث فقالت: يا أبا الحارث إن ابناً لي عليل، واشتهى
عسلاً. فقال: يا غلام أعطها مرطاً من عسل والمرط عشرون ومائة رطل. [٨/١٣]
- عن أبي صالح قال: سألت امرأة الليث بن سعد مَنّاً من عسل فأمر لها بزق،
فقال له كاتبه: إنما سألت مَنّاً، فقال: إنها سألتني على قدرها فأعطيناها على قدر
السعة علينا .
[٨/١٣]
- عن يحيى بن إسحاق السيلحيني، قال: جاءت امرأة بسكرجة إلى الليث بن سعد
فطلبت منه فيها عسلاً أحسبه قال: لمريض. قال: فأمر من يحمل معها زقاً من
عسل، قال: فجعلت المرأة تأبى، قال: وجعل الليث يأبى إلا أن يحمل معها زقاً
[٨/١٣]
من عسل، وقال: نعطيك على قدرنا أو على ما عندنا.
- عن الليث بن الليث يقول: خرجت مع أبي حاجاً، فقدم المدينة فبعث إليه
مالك بن أنس بطبق رطب، قال: فجعل على الطبق ألف دينار ورده إليه.
[٩/١٣]
- عن الحسن بن محمد بن يحيى العلوي حدثني جدي قال: وكان موسى بن
جعفر سخياً كريماً وكان يبلغه عن الرجل أنه يؤذيه فيبعث إليه بصرة فيها ألف دينار،
وكان يصر الصرر ثلاثمائة دينار وأربعمائة دينار ومائتي دينار، ثم يقسمها بالمدينة،
[٢٧/١٣]
وكان مثل صرر موسى بن جعفر إذا جاءت الإنسان الصرة فقد استغنى.
- عن محمد بن عبد الله البكري قال: قدمت المدينة أطلب بها ديناً فأعياني
فقلت: لو ذهبت إلى أبي الحسن موسى بن جعفر فشكوت ذلك إليه، فأتيته بنقمي
في ضيعته فخرج إلي ومعه غلام له معه منسف، فيه قديد مجزع ليس معه غيره،
فأكل وأكلت معه، ثم سألني عن حاجتي، فذكرت له قصتي فدخل فلم يقم إلا يسيراً
حتى خرج إلي فقال لغلامه: اذهب، فمد يده إلي فدفع إلي صرة فيها ثلاثمائة دينار،
ثم قام فولی فقمت فركبت دابتي وانصرفت.
[٢٨/١٣]

٧٥٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- قال عيسى بن محمد بن مغيث القرظي: زرعت بطيخاً وقثاء وقرعاً في موضع
بالجوَّانية على بئر يقال لها: أم عظام، فلما قرب الخير، واستوى الزرع، بغتني
الجراد، فأتى على الزرع كله، وكنت غرمت على الزرع وفي ثمن جملين مائة
وعشرين ديناراً، فبينما أنا جالس طلع موسى بن جعفر بن محمد فسلّم ثم قال:
إيش حالك؟ فقلت: أصبحت كالصريم بغتني الجراد فأكل زرعي، قال: وكم
غرمت فيه؟ قلت: مائة وعشرين ديناراً مع ثمن الجملين، فقال: يا عرفة زن لأبي
المغيث مائة وخمسين ديناراً، فربحك ثلاثين ديناراً والجملين، فقلت: يا مبارك
أدخل وادع لي فيها، فدخل ودعا وحدثني عن رسول الله وَالر أنه قال: ((تمسكوا
ببقايا المصائب))، ثم علقت عليه الجملين وسقيته، فجعل الله فيها البركة زكت
[٢٩/١٣]
فبعت منها بعشرة آلاف.
- قال أبو عثمان المازني: حدثني صاحب شرطة معن قال: بينا أنا على رأس
معن إذا هو براكب يوضع، قال: فقال معن: ما أحسب الرجل يريد غيري، قال: ثم
قال لحاجبه: لا تحجبه، قال: فجاء حتى مثل بين يديه قال: فقال:
أصلحك الله قلّ ما بيدي
فما أطيق العيال إذا كثروا
فأرسلوني إليك وانتظروا
ألح دهر رمى بكلكله
قال: فقال معن ـ وأخذته أريحية -: لا جرم والله لأعجِّلن أوبتك، ثم قال: يا
[٢٣٦/١٣]
غلام ناقتي الفلانية وألف دينار، فدفعها إليه وهو لا يعرفه.
- عن أبي عثمان قال: ولّى أبو جعفر قثم - يعني رجلاً من ولد العباس - فأتاه
أعرابي فقال:
يا قثم الخير جُزيت الجنة
أكس بنياتي وأمهن
أقسم بالله التفعلن
قال: فقال: والله لا أفعل، فقال الأعرابي: لكن لو أقسمت على معن لأبر
قسمي، فبلغت الكلمة معناً فبعث إليه ألف دينار.
[٢٣٨/١٣]
- عن أسد بن عفير - أخو سعيد بن عفير - قال: أخبرني رجل من أهل هذا الشأن
ثقة من أهل المروءة والأدب، قال: جاء رجل إلى وكيع بن الجراح فقال له: إني
أمت إليك بحرمة، قال: ما حرمتك؟ قال: كنت تكتب من محبرتي في مجلس
الأعمش. قال: فوثب وكيع فدخل منزله فأخرج له صرة فيها دنانير، فقال: أعذرني
فإني ما أملك غير هذا.
[٤٦٩/١٣]

٧٥٧
باب الكسب الحلال
- عن الهيثم بن علي قال: جاء رجل إلى معروف فقال: يا أبا محفوظ هذه عشرة
دنانير أرسل بها إليك فلان، قال: نعم فارددها عليه، قال: لا أفعل أتخوف أن
يحدث عليها شيء فأضمنها، قال: ضعها في حجرك في حجرة، قال: فدخل سائل
يسأل فقال: ادفعها إليه قال: كلها، قال: كلها، قال: كلها، قال: كلها، إني آمرك
أن تدفعها إلي، قال: نعم. قال: فأنا آمرك أن تدفعها إلى هذا. قال: فدفعها إليه
فأخذها وذهب.
[١٤/ ٥٧]
باب الكسب الحلال
- عن أبي بكر صاحب القوارير قال: جاء رجل إلى محمد بن سيرين فادعى عليه
درهمين، فأبى أن يعطيه، وقال له: تحلف، قال: نعم. قيل له: يا أبا بكر تحلف
على درهمين، قال: لا أطعمه حراماً.
[٣٣٦/٥]
- عن الحسن قال: لم يبق من العيش إلا ثلاث: أخ لك تصيب من عشرته خيراً؛
فإن زغت عن الطريق قومك، وكفاف من عيش ليس لأحد عليك فيه تبعة، وصلاة
في جمع تكفي سهوها، وتستوجب أجرها .
[٩٩/٦]
- عن الأصمعي قال: مررت بأعرابية تمدح مغزلها وهي تقول:
إذا ما جفاني الأقربون تعود
رأيتك بعد الله تجبر فاقتي
وثوب إذا ما شئت منك جديد
دراهم بيض لا تزال ترى لنا
وأنت على كسب العبيد تزيد
فلو كنت عبداً يستغل حسدنني
[١٧٩/٦]
- عن بشر بن الحارث قال: إذا أصبح الرجل لا يهمه من أين يأتيه قرصاه فلا
تعبأ به.
[٧ /٢٤٠]
- عن أبي القاسم علي بن الحسن قال: وكان أبو سعيد السيرافي زاهداً لا يأكل
إلا من كسب يده، فذكر جدي أبو الفرج عنه أنه كان لا يخرج إلى مجلس الحكم،
ولا إلى مجلس التدريس في كل يوم، إلا بعد أن ينسخ عشر ورقات يأخذ أجرتها
عشرة دراهم يكون قدر مؤونته، ثم يخرج إلى مجلسه.
[٧ /٣٤٢]
- عن الجنيد قال: كان الحارث كثير الضر، واجتاز بي يوماً وأنا جالس على بابنا
فرأيت على وجهه زيادة الضر من الجوع، فقلت له: يا عم لو دخلت إلينا نلت من
شيء عندنا، قال: أو تفعل؟ قلت: نعم. وتسرني بذلك وتبرني، فدخلت بين يديه
ودخل معي، وعمدت إلى بيت عمي، وكان أوسع من بيتنا لا يخلو من أطعمة فاخرة

٧٥٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
لا يكون مثلها في بيتنا سريعاً فجئت بأنواع كثيرة من الطعام، فوضعته بين يديه، فمد
يده وأخذ لقمة فرفعها إلى فيه فرأيته يلوكها، ولا يزدردها فوثب وخرج وما كلمني،
فلما كان الغد لقيته فقلت: يا عم سررتني، ثم نغصت علي، قال: يا بني، أما الفاقة
فكانت شديدة وقد اجتهدت في أن أنال من الطعام الذي قدمته إلي، ولكن بيني
وبين الله علامة، إذا لم يكن الطعام مرضياً ارتفع إلى أنفي منه زفرة فلم تقبله نفسي،
فقد رميت تلك اللقمة في دهلیزکم وخرجت.
[٢١٣/٨]
- عن سري بن مغلس قال: غزونا أرض الروم فمررت بروضة خضرة فيها الخباز
وحجر منقور فيه ماء المطر، فقلت في نفسي: لأن كنت آكل يوماً حلالاً فاليوم،
فنزلت عن دابتي وجعلت آكل من ذلك الخباز، وشربت من ذلك الماء، فإذا هاتف
[١٩٠/٩]
يهتف بي: يا سري بن مغلس فالنفقة التي بلغت بها إلى هذا من أين؟.
- عن سري قال: أحب أن آكل أكلة ليس علي فيها تبعة، ولا لمخلوق علي فيها
مناً، فما أجد إلى تلك سبيلاً.
[١٩٠/٩]
- عن أبي عمران الجصاص قال: قلت لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله هذه أربعة
دراهم، درهم من تجارة برة، ودرهم من صلة الإخوان، ودرهم من التعليم، ودرهم
من غلة بغداد. فقال: ما منها شيء أحب إلي من التجارة، ولا فيها شيء أكره عندي
من صلة الإخوان، وأما التعليم فإني أرجو أن لا يكون به بأس لمن احتاج إليه،
وأما غلة بغداد فأنت تعرفها إيش تسألني عنها .
[٥/١]
- عن منصور بن عمار - في مجلس له وقد فرغ من كلامه - قال: لي إليكم
حاجة، أريد حبة لم يزنها المطففون ولم تخرج من أكياس المرابين ولم تجري عليها
أحكام الظالمين، قالوا: ما عندنا هذه.
[٧٧/١٣]
- عن إبراهيم بن منصور بن عمار قال: سمعت أبي يقول: قال لي رجل بالشام:
يا أبا السري عندنا رجل من العباد من أهل واسط العراق، رجل لا يأكل إلا من كد
يديه، وقد دبرت من سف الخوص والاعتمال صفحة يديه، ولو رأيته لوقذك النظر
إليه؛ فهل لك أن تمضي بنا إليه، قال: قلت: نعم. فأتيناه فدققنا عليه بابه فخرج
إلى الباب فسمعته يقول: اللهم إني أعوذ بك ممن جاء ليشغلني عما أتلذذ به من
مناجاتك، ثم فتح الباب فدخلنا وإذا رجل يرى به الآخرة وإذا قبر محفور ووصية قد
كتبها في الحائط، وكساؤه قد أعدت لكفنه، فقلت: أي موقف لهذا الخلق؟ قال:
بين يدي من؟ قال: فصاح وخر بوجهه ثم أفاق من غشيته، فقال له صاحبي: يا أبا
عباد، هذا أبو السري منصور بن عمار، فقال لي: مرحباً يا أخي ما زلت إليك

٧٥٩
باب الكفر
مشتاقاً، قال: ورآه صافحني أعلمك أن بي داء قد أعيى المتطبيين قبلك قديماً، فهل
لك أن تأتي له برفقك وتلصق عليه بعض مراهمك؟ لعل الله أن ينفع بك، قال:
قلت: وكيف يعالج مثلي مثلك وجرحي أثقل من جرحك؟ قال: فقال: وإن كان ذاك
كذلك، فإني مشتاق منك إلى ذلك. قال: قلت: أما إذ أبيت فلئن كنت تمسكت
باحتفار قبرك في بيتك، وبوصية رسمتها بعد وفاتك، وبكفن أعددته ليوم منيتك،
فإن لله عباداً اقتطعهم خوفه عن النظر إلى قبورهم، قال: فصاح صيحة ووقع في قبره
وجعل يفحص برجليه وبال، قال: فعرفت بالبول ذهاب عقله، فخرجت إلى طحان
على بابه فقلت: أدخل فأعنا على هذا الشيخ فاستخرجناه من قبره، وهو في غشيته
فقال لي الطحان: ويحك ما أردت إلى ما صنعت بهذا الشيخ؟ والله لا يغفر الله لك
ما صنعت، فخرجت وتركته صريع فترته، فلما كان الغد عدت إليه، فإذا بسلخ في
وجهه، وإذا بشريط قد شد به رأسه لصداع وجده، فلما رآني قال: يا أبا السري
المعاودة، قال: قلت: يكون من ذلك ما قدر وخرجت وتركته، هذا آخر حديث ابن
رزق، وسياق الخبر له. وقال الخفاف: ثم قال لي: المعاودة يرحمك الله، فقلت
له: فأين بلغت أيها المتعبد من أحزانك وهل بلغ الخوف ليلة من منامك؟ فتالله
لكأني أنظر إلى آكل الفطير والصابر على خبز الشعير يأكل ما اشتهى، وسعى عليه
بلحم طير، وسقي من الرحيق المختوم، قال: فشهق شهقة فحركته، فإذا هو قد فارق
[٧٧/١٣]
الدنيا .
- عن بشر بن الحارث قال: عشرة ممن كانوا يأكلون الحلال لا يدخلون بطونهم
إلا حلالاً ولو استفوا التراب والرماد، قلت: من هم يا أبا نصر؟ قال: سفيان
الثوري، وإبراهيم بن أدهم، وسليمان الخواص، وعلي بن فضيل، ويوسف بن
أسباط، وأبو معاوية نجيح الخادم، وحذيفة بن قتادة المرعشي، وداود الطائي،
ووهيب بن الورد، وفضيل بن عياض.
[٣٨٧/١٤]
باب الكفر
G
- عن الحسن بن ثواب قال: سألت أحمد بن حنبل عمن يقول: القرآن مخلوق،
قال: كافر. قلت: فابن أبي دؤاد؟ قال: كافر بالله العظيم، قلت: بماذا كفر؟ قال:
بكتاب الله تعالى، قال: ﴿وَلَيِنِ أَثَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ الَّذِى ◌َكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة: ١٢٠]
فالقرآن من علم الله، فمن زعم أن علم الله مخلوق، فهو كافر بالله العظيم. [١٥٣/٤]

٧٦٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن علقمة قال: خطبنا علي بن أبي طالب فقال: قال رسول الله وَله: ((لا يزني
الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب
الخمر حين يشربها وهو مؤمن))، فقال رجل: يا أمير المؤمنين فهو كافر؟ قال: لا.
ولم يأمرنا رسول الله و ﴿ أن نحدثكم بالرخص، إنما قال رسول الله وقال: ((لا يزني
الزاني حين يزني وهو مؤمن)) إذا قال: هو لي حلال، ((لا يسرق حين يسرق وهو
مؤمن)) إذا قال هو لي حلال، ((ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)) إذا قال:
هو لي الحلال.
[١٨٨/٥]
- عن أبي بكر بن حمشاذ قال: حضر عندنا بالدينور رجل ومعه مخلاة، فما
كان يفارقها بالليل ولا بالنهار، ففتشوا المخلاة فوجدوا فيها كتاباً للحلاج عنوانه:
من الرحمن الرحيم إلى فلان ابن فلان فوجهه إلى بغداد، قال: فأحضر وعرض
عليه، فقال: هذا خطي وأنا كتبته. فقالوا: كنت تدعي النبوة فصرت تدعي
الربوبية، فقال: ما أدعي الربوبية ولكن هذا عين الجمع عندنا، هل الكاتب إلا الله
وأنا، واليد فيه آلة، فقيل: هل معك أحد، فقال: نعم. ابن عطاء وأبو محمد
الحريري، وأبو بكر الشبلي، وأبو محمد الحريري يستتر والشبلي يستتر، فإن كان
فابن عطاء، فأحضر الحريري فسئل، فقال: هذا كافر يقتل ومن يقول هذا. وسئل
الشبلي فقال: من يقول هذا يمنع، ثم سئل ابن عطاء عن مقالة الحلاج فقال
بمقالته فكان سبب قتله.
[١٢٩/٨]
- عن محمد بن عبد الله بن باكو الشيرازي قال: سمعت ابن بزول القزويني وقد
سأل أبا عبد الله بن حفيف عن معنى هذه الأبيات:
سر سنا لاهوته الثاقب
سبحان من أظهر ناسوته
في صورة الآكل والشارب
ثم بدا في خلقه ظاهراً
كلحظة الحاجب بالحاجب
حتى لقد عاينه خلقه
فقال الشيخ: عليّ قائلها، لعنه الله، فقال: عيسى بن بزول هذا للحسين بن
منصور، فقال: إن كان هذا اعتقاده فهو كافر إلا أنه لم يصح أنه له ربما يكون مقولاً
[١٢٩/٨]
عليه .
- عن أبي علي بن خيران الفقيه قال: رأيت أبا عبد الله الحارث بن أسد بباب
الطاق في وسط الطريق، متعلقاً بأبيه والناس قد اجتمعوا عليه، يقول له: طلق أمي
فإنك على دين وهي على غيره.
[٢١٤/٨]