النص المفهرس

صفحات 681-700

٦٨١
باب القضاء والقضاة
جبيت عام أول من ارتفاع هذه العقارات أربعمائة دينار، قال: كيف حذقك بالنقد
والوزن؟ قلت: أعرفهما، قال: هاتوا ميزاناً، فجاءوا بميزان حراني حسن عليه حلية
ذهب، وأخرج من الصندوق دنانير عيناً، فوزن منها أربعمائة دينار فوزنتها بالميزان،
وقبضتها وانصرفت إلى أبي خازم بالخبر فقال: أضفها إلى ما اجتمع من الوقف
عندك، وفرقه في غد في سبله، ولا تؤخر ذلك، ففعلت ذلك. فكثر شكر الناس
لأبي خازم بهذا السبب وإقدامه على الخليفة بمثل ذلك وشكرهم للمعتضد في
[٦٤/١١]
إنصافه.
* العمل بالسنة نجاة في الدنيا والآخرة:
- عن عبد الملك بن قريب الأصمعي أنه قال: كنت عند الرشيد يوماً، فرفع إليه
في قاض كان قد استقضاه يقال له عافية، فكبر عليه فأمر بإحضاره، وكان في
المجلس جمع كثير، فجعل أمير المؤمنين يخاطبه ويوقفه على ما رفع إليه وطال
المجلس، ثم إن أمير المؤمنين عطس فشمته من كان بالحضرة ممن قرب منه سواه،
فإنه لم يشمته، فقال له الرشيد: ما بالك لم تشمتني كما فعل القوم؟ فقال له عافية:
لأنك يا أمير المؤمنين لم تحمد الله، فلذلك لم أشمتك، هذا النبي ◌َّر عطس عنده
رجلان فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر، فقال: يا رسول الله ما لك شمت ذلك
ولم تشمتني؟ قال: لأن هذا حمد الله فشمتناه، وأنت فلم تحمده فلم أشمتك، فقال
له الرشيد: ارجع إلى عملك أنت لم تسامح في عطسة تسامح في غيرها، وصرفه
منصرفاً جميلاً، وزبر القوم الذين كانوا رفعوا عليه.
[٣٠٩/١٢]
* التحرج من تولي القضاء:
- عن صالح لما تقلد أحمد بن بديل القضاء قال: خذلت على كبر السن، خذلت
على كبر السن، مع عفته وصيانته.
[٤٩/٤]
- عن أبي القاسم علي بن محمد الواسطي قال: كان أبو بكر الدامغاني ينظر بين
الخصوم على وجه التحكيم. كان يقول للخصمين: أنظر بينكما، فإذا قالا : نعم،
نظر بينهما، وربما قال: حكَّمتماني، فإذا قالا: نعم. نظر بينهما، وكان عند
[٩٨/٥]
أصحابنا أنه غض من نفسه بولايته الحكم.
- وولي أبو بكر الدامغاني القضاء بواسط لأنه ركبته ديون فخرج إليها .
[٩٧/٥]
* عدم المحاباة في القضاء لكائن من كان:
- عن صلة بن سليمان قال: كان على قضاء المدائن سعد بن حذيفة بن اليمان،

٦٨٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
وكلمه ابن جعدة بن هبيرة في شيء من الحكم، وبين يديه نار، فقال له سعد بن
حذيفة: ضع أصبعك هذه في هذه النار، قال: سبحان الله تأمرني أن أحرق بعض
جسدي، قال: فأنت تأمرني أن أحرق جسدي کله.
[١٢٣/٩]
- عن أبي الحسين قال: وبلغ من شدة عبد الحميد بن عبد العزيز القاضي الحنفي
في الحكم أن المعتضد وجه إليه بطريف المخلدي، فقال له: إن على الضيعي بيع
وكان للمعتضد ولغيره مال، وقد بلغني أن غرماءه أثبتوا عندك، وقد قسطت لهم من
ماله، فاجعلنا كأحدهم، فقال له أبو خازم: قل له أمير المؤمنين أطال الله بقاءه ذاكر
لما قال لي وقت قلدني، إنه قد أخرج الأمر من عنقه، وجعله في عنقي، ولا يجوز
لي أن أحكم في مال رجل لمدع إلا ببينة، فرجع إليه طريف فأخبره فقال: قل له:
فلان وفلان يشهدان يعني لرجلين جليلين كانا في ذلك الوقت، فقال: يشهدان عندي
واسأل عنهما فإن زكيا قبلت شهادتهما، وإلا أمضيت ما قد ثبت عندي، فامتنع
أولئك من الشهادة فزعاً ولم يدفع إلى المعتضد شيئاً .
[٦٣/١١ - ٦٤]
- عن الحسين بن شداد قال: كان عمر بن حبيب على قضاء الرصافة لهارون
الرشيد، فاستعدى إليه رجل على عبد الصمد بن علي فأعداه عليه، فأبى عبد الصمد
أن يحضر مجلس الحكم، فختم عمر بن حبيب قمطره وقعد في بيته، فرفع ذلك إلى
هارون الرشيد، فأرسل إليه فقال: ما منعك أن تجلس للقضاء؟ فقال: أعدى علي
رجل فلم يحضر مجلسي، قال: ومن هو؟ قال: عبد الصمد بن علي، فقال هارون:
والله لا يأتي مجلسك إلا حافياً، قال: وكان عبد الصمد شيخاً كبيراً. قال: فبسطت
له اللبود من باب قصره إلى مسجد الرصافة، فجعل يمشي ويقول: أتعبني أمير
المؤمنين، أتعبني أمير المؤمنين، فلما صار إلى مجلس عمر بن حبيب، أراد أن
يساويه في المجلس فصاح به عمر وقال: اجلس مع خصمك. قال: فتوجه الحكم
على عبد الصمد فحكم عليه، وسجل به، فقال عبد الصمد: لقد حكمت علي بحكم
لا يجاوز أصل أذنك. فقال عمر: أما إني قد طوقتك بطوق لا يفكه عنك الحدادون
قم.
[١٩٧/١١ - ١٩٨ ]
- عن أبي القاسم عبيد الله بن سليمان قال: كنت أكتب لموسى بن بغا، وكنا
بالري، وقاضيها إذ ذاك أحمد بن بديل الكوفي فاحتاج موسى أن يجمع ضيعة هناك
كان فيها سهام ويعمرها، وكان فيها سهم ليتيم، فصرت إلى أحمد بن بديل أو
فاستحضرت أحمد بن بديل وخاطبته في أن يبيع علينا حصة اليتيم، ويأخذ الثمن
فامتنع وقال: ما باليتيم حاجة إلى البيع ولا آمن أن أبيع ماله وهو مستغن عنه،

=
٦٨٣
باب القضاء والقضاة
فيحدث على المال حادثه فأكون قد ضيعته عليه. فقلت: إنا نعطيك في ثمن حصته
ضعف قيمتها، فقال: ما هذا لي بعذر في البيع والصورة في المال إذا كثر مثلها إذاً
قلَّ، قال: فأدركته بكل لون، وهو يمتنع فأضجرنى، فقلت له: أيها القاضي ألا
تفعل فإنه موسى بن بغا، فقال لي: أعزك الله إنه الله تبارك وتعالى، قال: فاستحييت
من الله أن أعاوده بعد ذلك، وفارقته فدخلت على موسى فقال: ما عملت في الضيعة
فقصصت عليه الحديث فلما سمع إنه الله، بكى وما زال يكررها، ثم قال: لا تعرض
لهذه الضيعة، وانظر في أمر هذا الشيخ الصالح، فإن كانت له حاجة فاقضها، قال:
فأحضرته وقلت له: إن الأمير قد أعفاك من أمر الضيعة وذلك إني شرحت له ما
جرى بيننا، وهو يعرض عليك قضاء حوائجك، قال: فدعا له، وقال: هذا الفعل
أحفظ لنعمته وما لي حاجة إلا إدرار رزقي فقد تأخر منذ شهور وأضرني ذلك، قال:
فأطلقت له جارية.
[٤ /٥٠ - ٥١ ]
- عن أبي هاشم الرفاعي أن حفص بن غياث أنه كان جالساً في الشرقية للقضاء،
فأرسل إليه الخليفة يدعوه، فقال له: حتى أفرغ من أمر الخصوم إذ كنت أجيراً لهم،
وأصير إلى أمير المؤمنين، ولم يقم حتى تفرق الخصوم.
[١٩٠/٨]
- عن يحيى بن عبد الصمد قال: خوصم موسى أمير المؤمنين إلى أبي يوسف في
بستانه، فكان الحكم في الظاهر لأمير المؤمنين، وكان الأمر على خلاف ذلك، فقال
أمير المؤمنين لأبي يوسف: ما صنعت في الأمر الذي يتنازع إليك فيه، قال: خصم
أمير المؤمنين يسألني أن أحلف أمير المؤمنين أن شهوده شهدوا على حق. فقال له
موسى: وترى ذلك، قال: قد كان ابن أبي ليلى يراه، قال: فأردد البستان عليه وإنما
احتال علیه أبو يوسف.
[٢٤٩/١٤]
- عن يحيى بن الليث قال: باع رجل من أهل خراسان جمالاً بثلاثين ألف درهم
من مرزبان المجوسي، وكيل أم جعفر فمطله بثمنها وحبسه، فطال ذلك على الرجل
فأتى بعض أصحاب حفص بن غياث فشاوره، فقال: اذهب إليه فقل له: أعطني
ألف درهم وأحيل عليك بالمال الباقي وأخرج إلى خراسان، فإن فعل هكذا فالقني
حتى أشير عليك، ففعل الرجل، وأتى مرزبان فأعطاه ألف درهم، فرجع إلى الرجل
فأخبره فقال: عد إليه فقل له: إذا ركبت غداً فطريقك على القاضي، تحضر وأوكل
رجلاً يقبض المال، واخرج فإذا جلس إلى القاضي فادَّعي عليه ما بقي لك من
المال، فإذا أقر حبسه حفص وأخذت مالك، فرجع إلى مرزبان فسأله، فقال:
انتظرني بباب القاضي، فلما ركب من الغد وثب إليه الرجل فقال: إن رأيت أن تنزل

=
٦٨٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
إلى القاضي حتى أوكل بقبض المال وأخرج، فنزل مرزبان فتقدما إلى حفص بن
غياث، فقال الرجل: أصلح الله القاضي لي على هذا الرجل تسعة وعشرون ألف
درهم فقال حفص: ما تقول يا مجوسي؟ قال: صدق. أصلح الله القاضي، قال: ما
تقول يا رجل؟ فقد أقر لك، قال: يعطيني مالي، أصلح الله القاضي. فأقبل حفص
على المجوسي فقال: ما تقول؟ قال: هذا المال على السيدة، قال: أنت أحمق تقر
ثم تقول على السيدة، ما تقول يا رجل؟ قال: أصلح الله القاضي، إن أعطاني مالي
وإلا حبسته، قال حفص: ما تقول يا مجوسي؟ قال المال على السيدة، قال حفص:
خذوا بيده إلى الحبس، فلما حبس بلغ الخبر أم جعفر فغضبت، وبعثت إلى السندي
وجه إلى مرزبان، وكانت القضاة تحبس الغرماء في الحبس فعجل السندي فأخرجه،
وبلغ حفصاً الخبر، فقال: أحبس أنا ويخرج السندي لا جلست مجلسي هذا أو يرد
مرزبان إلى الحبس، فجاء السندي إلى أم جعفر فقال: الله الله فيّ إنه حفص بن
غياث، وأخاف من أمير المؤمنين أن يقول لي: بأمر من أخرجته رديه إلى الحبس،
وأنا أكلم حفصاً في أمره فأجابته، فرجع مرزبان إلى الحبس، فقالت أم جعفر: يا
هارون قاضيك هذا أحمق، حبس وكيلي واستخف به، فمره لا ينظر في الحكم
وتولي أمره إلى أبي يوسف، فأمر لها بالكتاب وبلغ حفصاً الخبر، فقال للرجل :
أحضر لي شهوداً حتى اسجل لك على المجوسي بالمال فجلس حفص فسجل على
المجوسي وورد كتاب هارون مع خادم له فقال: هذا كتاب أمير المؤمنين، قال:
مكانك، نحن في شيء حتى نفرغ منه، فقال: كتاب أمير المؤمنين، قال: انظر ما
يقال لك، فلما فرغ حفص من السجل، أخذ الكتاب من الخادم فقرأه، فقال: اقرأ
على أمير المؤمنين السلام، وأخبره أن كتابه ورد وقد أنفذت الحكم، فقال الخادم:
قد والله عرفت ما صنعت، أبيت أن تأخذ كتاب أمير المؤمنين حتى تفرغ مما تريد،
والله لأخبرن أمير المؤمنين بما فعلت، فقال حفص: قل له ما أحببت.
فجاء الخادم فأخبر هارون فضحك وقال للحاجب: مر لحفص بن غياث بثلاثين
ألف درهم، فركب يحيى بن خالد فاستقبل حفصاً منصرفاً من مجلس القضاء، فقال:
أيها القاضي قد سررت أمير المؤمنين اليوم، وأمر لك بثلاثين ألف درهم، فما كان
السبب في هذا؟ قال: تمم الله نور أمير المؤمنين، وأحسن حفظه وكلاءته ما زدت
على ما أفعل كل يوم، ثم قال: على ذاك ما أعلم، إلا أن يكون سجلت على
مرزبان المجوسي بما وجب عليه، فقال يحيى بن خالد: فمن هذا سر أمير
المؤمنين، فقال حفص: الحمد الله كثيراً، فقالت أم جعفر لهارون: لا أنا ولا أنت

=
٦٨٥
باب القضاء والقضاة
إلا أن تعزل حفصاً، فأبى عليها ثم ألحت عليه فعزله عن الشرقية، وولاه القضاء
[١٩١/٨ - ١٩٣]
على الكوفة، فمكث عليها ثلاث عشرة سنة.
- عن محمد بن عيسى الأنصاري قال: تقدم هشيم بن بشير مع خصم له إلى
سلمة بن صالح، وهو على قضاء واسط في زمن الرشيد، فكلم الخصم هشيماً
بكلمة، فرفع هشيم يده فلطم الخصم بين يدي سلمة بن صالح، فأمر سلمة بهشيم
فضرب عشر درر، وقال: تتعدى على خصمك بحضرتي. فأغضب ذلك مشيخة
واسط، فخرجوا إلى بغداد إلى الرشيد فأقاموا ببابه إلى أن خرج الرشيد إلى مكة،
فخرجوا بأجمعهم معه، وهم عباد بن العوام ومحمد بن يزيد وخالد بن عبد الله
وغيرهم من المشيخة، فلما صاروا إلى مكة اعترضوا الرشيد وهو يطوف بالبيت
فكلموه في أمر سلمة فقالوا: يا أمير المؤمنين لسنا نطعن على سلمة، ولكن رجل
مكان رجل، فرقَّ لهم الرشيد وقال: أما هذا فنعم، فأمر بعزله وتقليد رجل
[١٣٠/٩]
سواه .
- عن مصعب بن عبد الله عن عمر بن الهياج بن سعيد أخي مجالد بن سعيد قال:
كنت من صحابة شريك فأتيته يوماً، وهو في منزله باكراً فخرج إليَّ في فرو ليس تحته
قميص عليه كساء فقلت له: قد أضحت عن مجلس الحكم، فقال: غسلت ثيابي
أمس، فلم تجف، فأنا أنتظر جفوفها اجلس، فجلست، فجعلنا نتذاكر باب العبد
يتزوج بغير إذن مواليه، فقال: ما عندك فيه؟ ما تقول فيه؟ وكانت الخيزران قد
وجهت رجلاً نصرانياً على الطراز بالكوفة، وكتب إلى موسى بن عيسى أن لا يعصي
له أمراً فكان مطاعاً بالكوفة، فخرج علينا ذلك اليوم من زقاق يخرج إلى النخع معه
جماعة من أصحابه عليه جبة خز وطيلسان على برذون فاره، وإذا رجل بين يديه
مكتوف، وهو يقول: واغوثاه بالله أنا بالله، ثم بالقاضي، وإذا آثار سياط في ظهره
فسلم على شريك، وجلس إلى جانبه، فقال الرجل المضروب: أنا بالله، ثم بك،
أصلحك الله، أنا رجل أعمل هذا الوشي كراء مثلي مائة في الشهر أخذني هذا مذ
أربعة أشهر، فاحتبسني في طراز يجري على القوت ولي عيال قد ضاعوا فأفلت اليوم
منه فلحقني، ففعل بظهري ما ترى، فقال: قم يا نصراني فاجلس مع خصمك،
فقال: أصلحك الله يا أبا عبد الله هذا من خدم السيدة مر به إلى الحبس. قال: قم
ويلك فاجلس معه كما يقال لك، فجلس فقال: ما هذه الآثار التي بظهر هذا الرجل
مَن أثرها به؟ قال: أصلح الله القاضي إنما ضربته أسواطاً بيدي، وهو يستحق أكثر
من هذا، مُر به إلى الحبس، فألقى شريك كساءه ودخل داره فأخرج سوطاً ربذياً، ثم

٦٨٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
ضرب بيده إلى مجامع ثوب النصراني، وقال للرجل: انطلق إلى أهلك، ثم رفع
السوط فجعل يضرب به النصراني، وهو يقول له: يا صبحى قد مر قفا جمل لا
يضرب والله المسلم بعدها أبداً، فهمّ أعوانه أن يخلصوه من يديه، فقال من ها هنا
من فتيان الحي: خذوا هؤلاء فاذهبوا بهم إلى الحبس، فهرب القوم جميعاً، وأفردوا
النصراني فضربه أسواطاً فجعل النصراني يعصر عينيه ويبكي ويقول له: ستعلم فألقى
السوط في الدهليز، وقال: يا أبا حفص ما تقول في العبد يتزوج بغير إذن مواليه؟
وأخذ فيما كنا فيه كأنه لم يصنع شيئاً، وقام النصراني إلى البرذون ليركبه فاستعصى
عليه، ولم يكن له من يأخذ بركابه فجعل يضرب البرذون. قال: يقول له شريك:
ارفق به ويلك فإنه أطوع لله منك، فمضى. قال: يقول هو: خذ بنا فيما كنا فيه.
قال: قلت: ما لنا ولذا قد والله فعلت اليوم فعلة ستكون لها عاقبة مكروهة. قال:
أعِز أمر الله يعزك الله، خذ بنا فيما نحن فيه، قال: وذهب النصراني إلى موسى بن
عيسى فدخل عليه، فقال: من فعل هذا بك؟ وغضب الأعوان، وصاحب الشرط،
فقال: شريك فعل بي كيت وكيت. قال: لا والله ما أتعرض لشريك، فمضى
[٢٨٨/٩ _٢٨٩]
النصراني إلى بغداد فما رجع.
- عن أبي عبد الله قال: كتب المهدي إلى عبيد الله بن الحسن قاضي البصرة يأمره
انظر إلى الأرض التي يخاصم فيها فلان التاجر فلان القائد، فاقض بها للقائد، قال:
اجمع شهوداً، فجمع جماعة فكتب عليه حكماً للتاجر ثم قال: اذهب الآن فقد
طوقتك طوقاً لا يفكه عنك خمسون قيناً، قال: فعزله المهدي.
[٣٠٩/١٠]
- عن الحسين بن علي الصيمري قال: كان عبيد الله بن سليمان خاطب
عبد الحميد بن عبد العزيز القاضي الحنفي في بيع ضيعة ليتيم تجاور بعض ضياعه،
فكتب إليه إن رأى الوزير أعزه الله أن يجعلني أحد رجلين: إما رجلاً صين الحكم
[٦٢/١١]
به، أو صين الحكم عنه. والسلام.
- عن أبي عمر القاضي: قدم إليه ابن النديم ابن المنجم في شيء كان بينهما،
فقال له ابن المنجم: إن هذا يدِل بخاصة له عند القاضي. فقال أبو عمر: ما
أنكرها! وإنها لنافعة له عندي، غير ضارة لك. إن كان الحق له كفيناه مؤنة اجتذابه،
وإن كان عليه سلمناه إليك من غير استذلال له.
* إنكار العلماء على من تولى القضاء:
- عن علي بن سراج قال: وكان محمد بن عبد الله بن علاثة صديقاً لسفيان
[٤٠٣/٣]

٦٨٧
باب القضاء والقضاة
الثوري، فلما ولي القضاء أنكر عليه سفيان ذلك، فأخبرني علي بن المحسن، أخبرنا
طلحة بن محمد بن جعفر، حدثني عبد الباقي بن قانع، قال: حدثني بعض شيوخنا
قال: استأذن ابن علائة على سفيان الثوري بعد أن ولي القضاء، فدخل عمار بن
محمد بن أخت سفيان يستأذن له على سفيان، فلم يأذن له وكان سفيان يعجن كسباً
للشاة، فلم يزل به عمار حتى أذن له، فدخل ابن علاثة فلم يحول سفيان وجهه إليه،
ثم قال له: ابن علاثة ألهذا كتبت العلم؟ لو اشتريت صيداً بدرهم - يعني سميكاً - ثم
درت في سكك الكوفة لكان خيراً من هذا.
[٣٨٩/٥]
- عن عبد الله بن المبارك أنه كان يتجر في البز، وكان يقول: لولا خمسة ما
أتجرت، فقيل له: يا أبا محمد من الخمسة؟ فقال: سفيان الثوري وسفيان بن عيينة
والفضيل بن عياض ومحمد بن السماك وابن علية، قال: وكان يخرج فيتجر إلى
خراسان، فكلما ربح من شيء أخذ القوت للعيال ونفقة الحج، والباقي يصل به
إخوانه الخمسة، قال: فقدم سنة فقيل له: قد ولي ابن علية القضاء، فلم يأته ولم
يصله بالصرة التي كان يصله بها في كل سنة، فبلغ ابن علية أن ابن المبارك قد قدم،
فركب إليه فتنكس على رأسه، فلم يرفع به عبد الله رأساً ولم يكلمه، فانصرف، فلما
كان من غد كتب إليه رقعة: أسعدك الله بطاعته وتولاك بحفظه وحاطك بحياطته، قد
كنت منتظراً لبرك وصلتك أتبرك بها، وجئتك أمس فلم تكلمني، ورأيتك واجداً علي
فأي شيء رأيت مني حتى أعتذر إليك منه؟! فلما وردت الرقعة على عبد الله بن
المبارك دعا بالدواة والقرطاس وقال: يأبى هذا الرجل إلا أن نقشر له العصا، ثم
کتب إليه :
يصطاد أموال المساكين
يا جاعل الدين له بازياً
بحيلة تذهب بالدين
احتلت للدنيا ولذاتها
كنت دواء للمجانين
فصرت مجنوناً بها بعد ما
لترك أبواب السلاطين
أين رواياتك في سردها
أين رواياتك في سردها
عن ابن عون وابن سيرين
زل حمار العلم في الطين
إن قلت أُكرهت فماذا كذا
فلما وقف ابن علية على هذه الأبيات قام من مجلس القضاء فوطئ بساط هارون
وقال: يا أمير المؤمنين الله الله ارحم شيبتي؛ فإني لا أصبر للخطأ، فقال له هارون:
لعل هذا المجنون أغرى عليك، فقال: الله الله أنقذني أنقذك الله، فأعفاه من
[٢٣٥/٦ _ ٢٣٦ ]
القضاء، فلما اتصل بعبد الله بن المبارك ذلك وجه إليه بالصرة.

٦٨٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن ابن عمار قال: وكان بشر الحافي إذا جاء إلى حفص بن غياث، وإلى أبي
معاوية اعتزل ناحية، ولا يسمع منهما، فقلت له: فقال حفص: هو قاض وأبو
معاوية مرجئ يدعو إليه وليس بيني وبينهم عمل.
[١٩٩/٨]
- عن يحيى بن يمان قال: لما ولي شريك القضاء أكره على ذلك، وأقعد معه
جماعة من الشرط يحفظونه، ثم طاب للشيخ فقعد من نفسه، فبلغ الثوري أنه قعد من
نفسه فجاء فتراءى له، فلما رأى الثوري قام إليه فعظمه وأكرمه، ثم قال: يا أبا
عبد الله هل من حاجة، قال: نعم مسألة. قال: أو ليس عندك من العلم ما يجزيك؟
قال: أحببت أن أذكرك بها، قال: قل. قال: ما تقول في امرأة جاءت فجلست على
باب رجل ففتح الرجل الباب فاحتملها ففجر بها، لمن تحد منهما؟ فقال: له دونها؛
لأنها مغصوبة، قال: فإنه لما كان من الغد جاءت فتزينت وتبخرت وجلست على
ذلك الباب ففتح الباب الرجل فرآها، فاحتملها ففجر بها لمن تحد منهما؟ قال:
أحدُّهما جميعاً؛ لأنها جاءت من نفسها، وقد عرفت الخبر بالأمس، قال: أنت كان
عذرك حيث كان الشرط يحفظونك، اليوم أي عذر لك؟ قال: يا أبا عبد الله
أكلمك، قال: ما كان الله ليراني أكلمك أو تتوب، قال: ووثب فلم يكلمه حتى
مات، وكان إذا ذكره قال: أي رجل كان لو لم يفسدوه.
[٢٨٦/٩]
* من رغب في تولي القضاء:
- عن الخطيب قال: وكان أبو أمية الغلابي ببغداد يتجر في البز، فاستتر ابن
الفرات الوزير عنده في بعض الأوقات، وقال له: إن وليت الوزارة فأيش تحب أن
أصنع بك، فقال أبو أمية: تقلدني شيئاً من أعمال السلطان، قال: ويحك لا يجيء
منك عامل ولا أمير ولا قائد ولا كاتب ولا صاحب شرطة، فأي شيء أقلدك؟ قال:
لا أدري، قال له ابن الفرات: أقلدك القضاء. قال: قد رضيت، ثم خرج ابن
الفرات وولي الوزارة، وأحسن إلى أبي أمية وأفضل عليه وولاه قضاء البصرة وواسط
والأهواز، فانحدر أبو أمية إلى أعماله وأقام بالبصرة، وكان قليل العلم إلا أن عفته
وتصوُّنه غطيا نقصه، فلم يزل بالبصرة حتى قبض عليه بن كنداج أمير البصرة في
بعض نكبات المقتدر بالله لابن الفرات، وكان بين أبي أمية وبين بن كنداج وحشة
فأودعه السجن، فأقام فيه مدة إلى أن مات فيه، ولا نعلم أن قاضياً مات في السجن
سواه .
[٥٠/٧ _ ٥١ ]

٦٨٩
باب القضاء والقضاة
دوافع تولي القضاء لبعض القضاة:
- عن حسن بن حماد سجادة قال: قال حفص بن غياث، والله ما وليت القضاء
حتى حلت لي الميتة، ومات يوم مات ولم يخلف درهماً، وخلف عليه تسعمائة
درهم دَيناً .
[١٩٣/٨]
- عن أبي الفضل قال: حدثني أبي قال: استقضى بعض أمراء المدينة عثمان بن
طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر، فامتنع عليه من ذلك، فأشرف عليه بضرب
السياط، فلما رأى ذلك قضى بين الناس حتى استوجب رزق عشرة أشهر، قال:
وقدم المهدي المدينة حاجّاً، فدخل عليه عثمان بن طلحة فسأله أن يعزله عن
القضاء، فقال: ليس إلى ذلك سبيل. قال له عثمان: يا أمير المؤمنين، والله لو
علمت أن ملك الروم يجيرني ولا يمنعني من الصلاة لاستجرت به، قال له
المهدي: وإنك لعلى ما قلت؟ قال: والله إني لعلى ما قلت؟ قال: فإني قد عزلتك
فاقبض ما لك عندنا من الرزق، قال: والله ما لي عنه غنى، ولكنه كان لي نظراء
وأشباه يكرهون من هذا العمل ما أكره، ثم أكرهوا عليه فدخلوا فيه فلما عزلوا
كرهوا العزل، فلم أجد معناهم في كراهتهم العزل إلا هذا الرزق، فلذلك كرهت
أخذه .
[٢٧٧/١١]
* دوافع ترك القضاء:
- عن إسماعيل بن إسحاق عن أشياخه قال: كان عافية القاضي يتقلد للمهدي
القضاء بأحد جانبي مدينة السلام مكان ابن علائة، وكان عافية عالماً زاهداً، فصار
إلى المهدي في وقت الظهر في يوم من الأيام وهو خال، فاستأذن عليه فأدخله، فإذا
معه قمطر فاستعفاه من القضاء واستأذنه في تسليم القمطر إلى من يأمر بذلك، فظن
أن بعض الأولياء قد غض منه أو أضعف يده في الحكم فقال له في ذلك، فقال: ما
جرى من هذا شيء. قال: فما سبب استعفائك؟ فقال: كان يتقدم إلي خصمان
موسران وجيهان منذ شهرين في قضية معضلة مشكلة، وكل يدعي بينة وشهوداً ويدلي
بحجج تحتاج إلى تأمل وتثبت، فرددت الخصوم رجاء أن يصطلحوا أو يعن لي وجه
فصل ما بينهما، قال: فوقف أحدهما من خبري على أني أحب الرطب السكر،
فعمد في وقتنا وهو أول أوقات الرطب إلى أن جمع رطباً سكراً لا يتهيأ في وقتنا
جمع مثله إلا لأمير المؤمنين، وما رأيت أحسن منه ورشا بوابي جملة دراهم على أن
يدخل الطبق إلي، ولا يبالي أن يرد، فلما أدخل إلي، أنكرت ذلك وطردت بوابي،

٦٩٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
وأمرت برد الطبق فرد، فلما كان اليوم، تقدم إلي مع خصمه، فما تساويا في قلبي
ولا في عيني، وهذا يا أمير المؤمنين ولم أقبل، فكيف يكون حالي لو قبلت؟ ولا
آمن أن يقع علي حيلة في ديني فأهلك وقد فسد الناس، فأقلني أقالك الله واعفني
فأعفاه.
[٣٠٨/١٢ - ٣٠٩]
* مواقف محرجة للقضاة:
- عن عبد الله بن صالح بن مسلم قال: كان شريك على قضاء الكوفة، فخرج
يتلقى الخيزران فبلغ شاهي، وأبطأت الخيزران، فأقام ينتظرها ثلاثاً ويبس خبزه
فجعل يبله بالماء ويأكله. فقال العلاء بن المنهال:
بأن قد أكرهوك على القضاء
فإن كان الذي قد قلت حقاً
تلقى من يحج من النساء
فما لك موضعاً في كل يوم
بلا زاد سوى كسر وماء
مقيم في قرى شاهي ثلاث
[٢٨٥/٩]
* مواقف طريفة لبعض القضاة:
- عن أبي الحسن علي بن القاسم القاضي قال: سمعت أبي يقول: كان موسى بن
إسحاق لا يُرى متبسماً قط. فقالت له امرأة: أيها القاضي، لا يحل لك أن تحكم
بين الناس، فإن النبي ◌َّ ر قال: ((لا يحل للقاضي أن يحكم بين اثنين وهو غضبان))
[٥٣/١٣]
فتبسم .
- عن عبد الرحمن بن مسهر قال: ولّي أبو يوسف القاضي القضاء بجبل، وبلغني
أن الرشيد ينحدر إلى البصرة، فسألت أهل جبل أن يثنوا علي فوعدوني أن يفعلوا
ذلك إذا انحدر، فلما قرب منا سألتهم الحضور فلم يفعلوا وتفرقوا، فلما آيسوني من
أنفسهم سرحت لحيتي وخرجت فوقفت له، فوافى وأبو يوسف معه في الحراقة،
فقلت: يا أمير المؤمنين نعم القاضي قاضي جبل، قد عدل فينا وفعل وصنع،
وجعلت أثني على نفسي، ورآني أبو يوسف فطأطأ رأسه وضحك، فقال له هارون:
مم ضحكت؟ قال: إن المثني على القاضي هو القاضي، فضحك هارون حتى فحص
رجليه، وقال: هذا الشيخ سخيف سفلة فاعزله، فعزلني. فلما رجع جعلت أختلف
إليه وأسأله أن يوليني قضاء ناحية أخرى فلم يفعل، فحدثت الناس عن مجالد عن
الشعبي أن كنية الدجال أبو يوسف، وبلغه ذلك فقال: هذه بتلك فحسبك، وصِر إلي
حتى أوليك ناحية ففعل وأمسكت عنه.
[٢٣٩/١٠]

٦٩١
باب القضاء والقضاة
فصاحة القضاة :
*
- عن أبي أحمد الماسح قال: كانت الحسبة ببغداد إلى ابن قريعة؛ فوافاه أبو
عبد الله الزبيري الدعاء للسلطان في المواكب، فشكى إليه [خياطاً سلمه] جبة خز
ليفصلها فسرق منها خرقة كبيرة، وهربها عليه؛ فكتب ابن قريعة إلى خليفته بباب
الشام رقعة نسختها: (بسم الله الرحمن الرحيم؛ أنا إليك مشوق؛ وإلى رؤيتك
متوق، وما بهذا وعدتني، ولا عليه وافقتني، ومما أخبرك أن أبا عبد الله الزبيري
ابتاع جبة خز سوداء، ليجمل بها الدين، ويخدم بها سلطان المسلمين، ويجعل
فاضلها مقنعة، للموفقة الصالحة زوجته، فسلمها إلى الخياط، أمره فيها بالاحتياط،
ففعل بها ما لا تفعله الأعراب المغيرون، ولا الأكراد المبيرون؛ ولا المقاولة ولا
الأزارقة، أن يأخذوا من ثوب خمسه، فيحصل صاحبه مأتمه وخياطه عرسه، إن هذا
لأمر عظيم، وخطب في الإسلام جسيم، فإن رأيت أن تحضر هذا العاض، وتوعده
بالإبراق والإغلاظ، وتركبه جملاً عالياً، بعد أن تضربه ضرباً عاتياً، وتطيف به في
باب الشام ليكون عبرة الأنام، فلعله يرتدع ويقلع، ويرجع والسلام). [٣١٨/٢ _ ٣١٩]
- عن معاذ بن معاذ قال: ما كان أحد من القضاة يأتي كتابه أحب إليّ من كتاب
حفص بن غياث، كان إذا كتب إليّ كتاباً، كان في كتابه أما بعد: أصلحنا الله وإياك
بما أصلح به عباده الصالحين، فإنه هو الذي أصلحهم، فكان ذلك يعجبني من
کتابه .
[١٩٤/٨]
وقوف السلطان مع القضاة:
- عن القاضي أبي عمر قال: قدم خادم من وجوه خدم المعتضد بالله إلى أبي
في حكم، فجاء فارتفع في المجلس فأمره الحاجب بموازاة خصمه فلم يفعل
إدلالاً بعظم مجلسه من الدولة، فصاح أبي عليه وقال: قفا أتؤمر بموازاة خصمك
فتمتنع يا غلام عمرو بن أبي عمرو النخاس الساعة يقدم إليه ببيع هذا العبد،
وحمل ثمنه إلى أمير المؤمنين، ثم قال لحاجبه: خذ بيده وسو بينه وبين خصمه،
فأخذ كرهاً وأُجلس مع خصمه، فلما انقضى الحكم انصرف الخادم فحدث
المعتضد بالحديث، وبكى بين يديه، فصاح عليه المعتضد وقال: لو باعك لأجزت
بيعه وما رددتك إلى ملكي أبداً، وليس خصوصك لي يزيل مرتبة الحكم فإنه عمود
السلطان وقوام الأديان.
[٣١١/١٤]

٦٩٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن أبي الطاهر محمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر قال: بلغني أن أبا خازم
القاضي جلس في الشرقية وهو قاضيها للحكم، فارتفع إليه خصمان، فاجترا أحدهما
بحضرته بما أوجب التأديب، فأمر بتأديبه، وأُدِّب فمات في الحال، فكتب إلى
المعتضد من المجلس: أُعلم أمير المؤمنين أطال الله بقاءه أن خصمين حضراني
فاجترا أحدهما بما أوجب عليه معه الأدب عندي، فأمرت بتأديبه فأُدِّب فمات، فإذا
كان المراد به مصلحة المسلمين فمات في الأدب فالدية واجبة في بيت مال
المسلمين، فإن رأى أمير المؤمنين أطال الله بقاءه أن يأمر بحمل الدية إلي لأحملها
إلى ورثته فعل. قال: فعاد الجواب إليه بأنا قد أمرنا بحمل الدية إليك، وحمل إليه
عشرة آلاف درهم فأحضر ورثة المتوفى ودفعها إليهم.
[٦٥/١١]
* متفرقات :
- عن العباس بن مصعب بن بشر - قال: كان أبو حمزة السكري مستجاب
الدعوة، ويقال إن الحسين بن واقد كان قاضياً، أتى أبا حمزة السكري فأخبره بقضية
قد قضى بها، فقال له: أخطأت قضيت بالجور، إذ لا تعرف القضاء فلم دخلت فيه،
لو لحست الدبر كان خيراً لك من الحكم، فغضب الحسين وبكى وقال: اللهم ابتل
أبا حمزة بما ابتليتني به. قال: فقال أبو حمزة: اللهم إن ابتليتني بما ابتليته به فاعم
بصري. قال: فما مضت الأيام والليالي حتى استقضي، فذهب بصره، فمكث أياماً
لم يخبر، رجاء العافية، قال: فكنا نقول: قد استجيب لهما جميعاً.
[٢٦٧/٣]
- عن أبي سهل الرازي قال: لم يشرك في القضاء بين أحد قط إلا بين عبيد الله بن
الحسن بن الحصين العنبري، وبين عمر بن عامر على قضاء البصرة، وكانا يجتمعان
جميعاً في المجلس وينظران جميعاً بين الناس، قال: فتقدم إليهما قوم في جارية لا
تنبت. فقال فيها عمر بن عامر: هذه فضيلة في الجسم، وقال عبيد الله بن الحسن:
[٣٠٧/١٠]
كل ما خالف ما عليه الخلقة فهو عيب.
- عن طلحة بن محمد بن جعفر قال: كان لمحمد بن عبد الله بن علائة أخ يسمى
زياد بن عبد الله، يخلف أخاه على القضاء بعسكر المهدي، فاستعان بعمر بن حبيب
العدوي ينظر في أمور الناس بالشرقية، فولاه المهدي الشرقية رياسة، وقيل ولاه من
قبل أبي يوسف، ثم ولاه الرشيد قضاء البصرة، فقال ليحيى بن خالد: إنكم تبعثوني
إلى ملك جبار لا آمنه - يعني محمد بن سليمان - فبعث يحيى معه قائداً في مائة
فكان إذا جلس للقضاء أقام الجند عن يمينه وعن يساره سماطين فلم يكن قاضي
أهيب منه وكان لا يكلم في طريق.
[١٩٦/١١]

٦٩٣
باب القلوب
- عن عبد الله بن مصعب قال: كنت عند أمير المؤمنين الرشيد، فقال له بعض
جلسائه في محمد بن عبد الرحمن: هو حدث السن وليس مثله يلي القضاء، فقلت:
لا يضيع فتى من قريش في مجلس أنا فيه، فأقبلت عليهم فقلت لهم: وهل عاب الله
أحداً بالحداثة؟ أمير المؤمنين حدث السن أفتعيبونه؟ وقد قال الله تعالى: ﴿سَمِعْنَا فَتَى
يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ: إِنْزَهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]، فقال لهم أمير المؤمنين: صدق؛ أنا حدث
السن أتعيبوني بالحداثة؟ وأقره على القضاء.
[٣٠٩/٢]
- عن عبد الله بن إبراهيم الإسكافي قال: حضرت مجلس المهتدي وقد جلس
للمظالم، فاستعداه رجل على ابن له، فأمر باحضاره، فأحضره وأقامه إلى جنب
الرجل، فسأله عما ادعاه عليه فأقر به، فأمره بالخروج له من حقه، فكتب له بذلك
كتاباً، فلما فرغ قال له الرجل: والله يا أمير المؤمنين ما أنت إلا كما قال الشاعر:
أبلج مثل القمر الزاهر
حكمتموه فقضى بينكم
لا يقبل الرشوة في حكمه ولا يبالي غبن الخاسر
فقال له المهتدي: أما أنت أيها الرجل فأحسن الله مقالتك، وأما أنا فما جلست
هذا المجلس حتى قرأت المصحف: ﴿وَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوَمِ الْقِيَامَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسٌ
شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]
فقال لي عمي: فما رأيت باكياً أكثر من ذلك اليوم.
=
باب القلوب
=
[٣٤٩/٣]
- عن الحسين بن أحمد الصفار قال: سئل الشبلي، وأنا حاضر أي شيء أعجب؟
قال: قلب عرف ربه، ثم عصاه.
[٣٩٠/١٤]
- قال يحيى بن معاذ: قوت الأجساد المطاعم، وقوت النفوس الهوى، وقوت
القلوب الذكر، وقوت العقول الفكر.
[١٣٨/٢]
- سئل الشبلي عن قوله تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]
[٩٣/٣]
فقال: أبصار الرؤوس عن المحارم، وأبصار القلوب عما سوى الله رومات .
- وقف رجل صوفي على إبراهيم بن أدهم فقال: يا أبا إسحاق لم حجبت القلوب
عن الله رَ؟ قال: لأنها أحبت ما أبغض الله: أحبت الدنيا، ومالت إلى دار
الغرور، واللهو، واللعب، وترك العمل لدار فيها حياة الأبد في نعيم لا يزول ولا
ينفد، خالد مخلد في ملك سرمد، لا نفاد له، ولا انقطاع.
[٤٧/٦]

٦٩٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- قال كميل بن زياد: قال لي علي بن أبي طالب حظابه: يا كميل بن زياد إن هذه
القلوب أوعية، وخيرها أوعاها للعلم.
[٣٧٩/٦]
- عن علي بن عبيدة الريحاني قال: لولا لهب من الحرص ينشأ في القلوب، ولا
يملك الاعتبار إطفاء توقده ما كان في الدنيا عوض من يوم يضيع فيها يمكن فيه
العمل الصالح.
[١٨/١٢]
- عن يحيى بن معاذ قال: من كان قلبه مع الحسنات فلم تضره السيئات، ومن
كان قلبه مع السيئات لم تنفعه الحسنات.
[١٣٧/٢ - ١٣٨]
باب القناعة
- عن أبي العباس أحمد بن محمد بن مسروق قال: سئل بشر بن الحارث عن
القناعة، فقال: لو لم يكن في القناعة شيء إلا التمتع بعز الغناء لكان ذلك يجزي،
ثم أنشأ يقول:
ولا عز أعز من القناعة
أفادتني القناعة أي عز
وصير بعدها التقوى بضاعة
فخذ منها لنفسك رأس مال
وتسعد في الجنان بصبر ساعة
تحز حالين تغني عن بخيل
ثم قال: مروءة القناعة أشرف من مروءة البذل والعطاء.
[٧٦/٧]
باب القوة
- عن ابن أبي دؤاد قال: كان المعتصم يخرج ساعده إلي، ويقول: يا أبا عبد الله
عض ساعدي بأكثر قوتك، فأقول: والله يا أمير المؤمنين ما تطيب نفسي بذلك،
فيقول: إنه لا يضرني فأروم ذلك، فإذا هو لا تعمل فيه الأسنة فضلاً عن الأسنان.
وانصرفت يوماً من دار المأمون إلى داره، وكان شارع الميدان منظماً بالخيم فيها
الجند، فمر المعتصم بامرأة تبكي وتقول: ابني ابني. وإذا بعض الجند قد أخذ
ابنها. فدعاه المعتصم وأمره أن يرد ابنها عليها فأبى، فاستدناه فدنى منه، فقبض
عليه بيده، فسمع صوت عظامه، ثم أطلقه من يده فسقط وأمر بإخراج الصبي إلى
أمه .
[٣٤٦/٣]
باب قضاء الحوائج
- عن محمد بن عبد الله النيسابوري قال: سمعته ـ أي أبو أحمد المعروف
بحسينك ــ غير مرة يقول: اللهم إنك تعلم أني لا أدخر ما أدخره، ولا أقتني هذه
الضياع إلا للاستغناء عن خلقك، والإحسان إلى أهل السنة والمستورين.
[٧٥/٨]

٦٩٥
باب قضاء الحوائج
- بينا أبو السائب في داره إذ سمع رجل يتغنى بهذه الأبيات:
حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا
أبكي الذين أذاقوني مودتهم
قلبي وأن تجدي بعض الذي أجد
حسبي بأن تعلمي أن قد يحبكم
فليس تنفد حتى ينفد الأبد
ألقيت بيني وبين الحب معرفة
فقد بليت وقد أضناني الكمد
وليس لي مسعد فامنن عليّ به
قال: فخرج أبو السائب من داره يسعى خلفه، فقال: قف يا حبيبي دعوتك
أنا مسعدك إلى أين تريد؟ قال: إلى خيام الشغف من وادي العرج فأصابتهما
سماء شديدة، فجعل أبو السائب يقرأ: ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا
ضَعُفُواْ وَمَا أُسْتَكَانُواْ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] قال: فرجع إلى منزله،
وقد كادت نفسه أن تتلف، فدخل عليه أصحابه وإخوانه فقالوا: يا أبا السائب ما
الذي تصنع بنفسك؟ قال: إليكم عني فإنى مشيت في مكرمة، وأحييت مسلماً،
والمحسن معان.
[٤٦٢/٩]
- عن الحسن بن سهل أنه جاءه رجل يستشفع به في حاجة فقضاها، فأقبل الرجل
يشكره، فقال له الحسن بن سهل: علام تشكرنا؟ ونحن نرى أن للجاه زكاة كما أن
للمال زكاة، ثم أنشأ الحسن يقول:
وزكاة جاهي أن أُعين وأشفعا
فرضت علي زكاة ما ملكت يدي
فاجهد بوسعك كله أن تنفعا
فإذا ملكت فجد وإن لم تستطع
[٣٢٢/٧]
- عن أشهب بن عبد العزيز قال: كان الليث له كل يوم أربعة مجالس يجلس
فيها: أما أولها، فيجلس لنائبة السلطان في نوائبه وحوائجه، وكان الليث يغشاه
السلطان، فإذا أنكر من القاضي أمراً، أو من السلطان كتب إلى أمير المؤمنين، فيأتيه
العزل، ويجلس لأصحاب الحديث، وكان يقول: نجحوا أصحاب الحوانيت، فإن
قلوبهم معلقة بأسواقهم، ويجلس للمسائل يغشاه الناس، فيسألونه، ويجلس لحوائج
الناس لا يسأله أحد من الناس فيرده كبرت حاجته أو صغرت، قال: وكان يطعم
الناس في الشتاء الهرايس بعسل النحل، وسمن البقر، وفي الصيف سويق اللوز
بالسكر.
[٩/١٣]
- عن جرير بن أحمد بن أبي داود قال: حدثني علي بن الحسين الإسكافي قال:
اعتل أبوك فعاده المعتصم، وكان معه بغا، وكنت معه لأني كنت اكتب لبغا، فقام
فتلقاه وقال له: شفاني الله بالنظر إلى أمير المؤمنين، فدعا له بالعافية، فقال له: قد

٦٩٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
تمم الله شفائي ومحق دائي بدعاء أمير المؤمنين، فقال له المعتصم: إني نذرت إن
عافاك الله أن أتصدق بعشرة آلاف دينار، فقال له: يا أمير المؤمنين فاجعلها لأهل
الحرمين فقد لقوا من غلاء الأسعار عنفاً. فقال: نويت أن أتصدق بها ها هنا وأنا
أطلق لأهل الحرمين مثلها، ثم نهض فقال له: أمتع الله الإسلام وأهله ببقائك يا أمير
المؤمنين، فإنك كما قال النمري لأبيك الرشيد:
أحلك الله منها حيث تجتمع
إن المكارم والمعروف أؤديه
فليس بالصلوات الخمس ينتفع
من لم يكن بأمين الله معتصماً
فقيل للمعتصم في ذلك لأنه عاده وليس يعود إخوته وأجلاء أهله، فقال
المعتصم: وكيف لا أعود رجلاً ما وقعت عيني عليه قط إلا ساق إلي أجراً، أو
أوجب لي شكراً، أو أفادني فائدة تنفعني في ديني ودنياي، وما سألني حاجة لنفسه
قط .
[١٤٩/٤]
- عن الجامبسي قال: قال لي رجل: كنت عند ابن السماك إذا جاءه رجل فقال
له: أعزك الله إني قد أتيتك في حاجة، فقال: والله ما عندنا صفراً ولا بيضاً، قال:
والله ما جئنا في شيء من هذين الجوهرين، قال: وفيم ذاك؟ قال: سألني هذا
الرجل أن أكلمك في أن تكلم بعض إخوانك في صداق أهله، قال: فأخذ ابن
السماك رقعة وكتب فيها: أطال الله بقاءك يا أبا العباسي، الدهر قد كلح فجرح
وجمح، فطمح وأفسد ما أصلح، فإن لم تعن عليه فضح، ودفعها إلى الرجل فقال:
أوصلها إلى الفضل بن يحيى، قال: فأوصلها، فدعا الفضل صاحب بيت ماله فقال:
ما في بيت مالنا. قال: ألف ومائتا دينار وثلاثون ألف درهم، قال: احملها إلى أبي
العباس وأعلمه أنَّا في ضيقة، فلما أتى بالمال قال: ادفعوه إلى الرجل، قال: إنما
يكفي هذا الرجل ألف أو ألفان، قال: ما جاء بسببه فهو له.
[٣٧١/٥]
- عن أبي السائب قال: احتجت إلى لقحة، فكتبت إلى محمد بن عبد الله بن
عمرو بن عثمان أسأله أن يبعث إليّ بلقحة، فإني لعلى بابي فإذا يزجر إبل وإذا
فيها عبد يزجر بها، فقلت له: يا هذا ليس ها هنا الطريق، فقال: أردت أبا
السائب، فقلت: فأنا أبو السائب، فدفع إليّ كتاب محمد بن عبد الله بن عمرو بن
عثمان، فإذا فيه: أتاني كتابك تطلب لقحة، وقد جمعت ما كان بحضرتنا منها،
وهي تسع عشرة لقحة، وبعثت معها بعبد راع، وهن بدن، وهو حر إن رجع مما
بعثت به شيء في مالي أبداً. قال: فبعت منهن بثلاثمائة دينار سوى ما احتبست
لحاجتي.
[٣٨٦/٥ - ٣٨٧]

٦٩٧
باب قضاء الحوائج
- دخل سوار بن عبد الله القاضي على محمد بن عبد الله بن طاهر فقال: أيها
الأمير، إني جئتك في حاجة رفعتها إلى الله قبل رفعها إليك، فإن قضيتها حمدنا الله
وشكرناك، وإن لم تقضها حمدنا الله وعذرناك، فقضی جمیع حوائجه.
[٢١٠/٩]
- عن علي بن الحسين بن عبد الأعلى الإسكافي قال: كان أحمد بن الجنيد
الإسكافي أخص الناس بجعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، فكان الناس يقصدونه في
حوائجهم إلى جعفر، قال: وإن رقاع الناس كثرت في خف أحمد بن الجنيد، فلم
يزل كذلك إلى أن تهيأ له الخلوة بجعفر فقال له: يا جعلني الله فداك، قد كثرت
رقاع الناس معي، وأشغالك كثيرة وأنت اليوم خال، فإن رأيت أن تنظر فيها. فقال
له جعفر: على أن تقيم عندي اليوم، فقال له أحمد: نعم، فصرف دوابه وأقام.
فلما تغدوا جاءه بالرقاع فقال له جعفر: هذا وقت ذا؟ دعنا اليوم، فأمسك عنه
أحمد وانصرف في ذلك اليوم ولم ينظر في الرقاع، فلما كان بعد أيام خلا به فذاكره
الرقاع فقال: نعم على أن تقيم عندي اليوم، فأقام عنده، ففعل به مثل الفعل الأول،
حتى فعل به ذلك ثلاثاً. فلما كان في آخر يوم أذكره فقال: دعني الساعة وناما فانتبه
جعفر قبل أحمد فقال لخادم له: اذهب إلى خف أحمد بن الجنيد فجئني بكل رقعة
فيه، وانظر لا يعلم أحمد، فذهب الغلام وجاء بالرقاع فوقّع جعفر فيها عن آخرها
بخطه بما أحب أصحابها، ووكَّد ذلك، ثم أمر الخادم أن يردها في الخف فردها،
وانتبه أحمد وأخذوا في شأنهم ولم يقل له فيها شيئاً، وانصرف أحمد فرکب یعلل
أصحاب الرقاع بها أياماً، ثم قال لكاتب له: ويحك هذه الرقاع قد أخلقت في
خفي، وهذا يعني جعفراً ليس ينظر فيها، فخذها تصفحها وجدد ما خلق منها،
فأخذها الكاتب فنظر فيها فوجد الرقاع موقعاً فيها بما سأل أهلها وأكثر فتعجب من
كرمه ونبل أخلاقه، ومن أنه قد قضى حاجته، ولم يعلمه بها لئلا يظن أنه اعتدى بها
عليه .
[١٥٣/٧ - ١٥٤]
- عن الضحاك بن المنذر قال: لزم المنذر بن عبد الله الحرامي دين، فخرج إلى
الحسن بن زيد فقعد على طريقه إلى ضيعته، وقال أيها الأمير: اسمع مني شيئاً قلته،
قال الحسن: الحق يا أبا عثمان نسمع منك على مهل، فأنا عجلان، فكسر ذلك
المنذر بن عبد الله حتى هم أن يرجع ثم ذكر كلّاً وعيالاً، فتحامل حتى أتاه، فرفعه
معه على فرشه وبسطه بالحديث، وحضر الغداء فجعل يناوله بيده، ثم قال له:
اسمعنا ما قلت يا أبا عثمان، فأنشده:

٦٩٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
أنت أنت المجير من ذا الزمان
يا ابن بنت النبي وابن علي
منه من لم يجيره الخافقان
من زمان ألح ليس بناج
بيد الشيخ من بني ثوبان
من ديون تنوبنا فادحات
فجزاه خيراً ودعا بقرطاس فكتب صكاً كأذن الفأرة، وختم عليه وناوله إياه
إلى ابن ثوبان، فخرج به لا يظن به خيراً حتى دفعه فقرأه ابن ثوبان، وقال:
سألني الأمير أن أنظر بمالي إلى ميسرتك وقد فعلت، وأمر لك بمائة دينار وهذه
هي .
[٣٠٩/٧]
- عن أبي الحسن الزيادي قال: مطرنا يوماً مطراً شديداً فأقمت في المسجد
للصلاة، فإذا أنا بشخص حيالي إذا أطرقت نظر إلي وإذا رفعت رأسي أطرق. فعل
هذا مرات فدعوت به، وقلت: ما شأنك، فقال: ملهوف، أنا رجل متجمل جاء هذا
المطر فسقط بيتي، ولا والله ما أقدر على بنيانه، قال: فأقبلت أفكر من له، فخطر
ببالي غسان بن عباد، فركبت إليه معه وذكرت له شأنه فقال: قد دخلتني له رقة،
ههنا عشرة آلاف درهم قد كنت أريد تفرقتها، فأنا أدفعها إليه، فبادرت إليه وهو على
الباب فأخبرته فسقط مغشياً عليه من الفرح، فلامني ناس رأوه وقالوا: ما صنعت؟
فدخلت إلى غسان فأمر بإدخاله ورش على وجهه من ماء الورد حتى أفاق، فقلت:
ويحك ما نالك؟ قال: ورد عليَّ من الفرح ما أنزل بي ما ترى، ثم تحدثنا ملياً فقال
لي غسان: قد دخلتني له رقة، قلت: فمه؟ قال: أحمله على دابة، فقلت له: إن
الأمير قد عزم في أول أمرك على شيء أفمن رأيك أن تموت إن أخبرتك؟ قال: لا،
قلت: قد عزم على حملك على دابة، قال: أحسن الله جزاءه، ثم تحدثنا ملياً فقال
لي: قد دخلتني لهذا الرجل رقة، قلت: فما تصنع به؟ قال: أجري له رزقاً سنياً،
وأضمه إليّ، قلت له: إن الأمير قد عزم في أمرك على شيء، فمن رأيك أن تموت،
قال: لا. قلت: إنه قد عزم على أن يجري لك رزقاً سنياً ويضمك إليه، قال:
أحسن الله جزاءه، ثم ركب ودفعت البدرة إلى الغلام يحملها، فلما سرنا بعض
الطريق، قال لي: ادفع البدرة إلي أحملها، قلت: الغلام يكفيك، قال: آنس بمكانها
علی عنقي، ثم غدوت به إلی غسان فحمله وضمه إليه، وخص به فكان من خير
[٣٦٠/٧]
تابع.
- دخل سوار بن عبد الله القاضي على محمد بن عبد الله بن طاهر، فقال: أيها
الأمير، إني جئتك في حاجة رفعتها إلى الله قبل رفعها إليك، فإن قضيتها حمدنا الله
وشكرناك، وإن لم تقضها، حمدنا الله وعذرناك، فقضی جمیع حوائجه.
[٢١٠/٩]

٦٩٩
باب قضاء الحوائج
- عن الزبير بن بكار قال: كان أمير المؤمنين المهدي قد كتب إلى والي المدينة
يأمره أن يشخص إليه رجلاً يرضاه أهل البلد، يقوم بحوائج أهل المدينة عنده،
فأجمع أهل المدينة على عبد الملك بن يحيى، وسألوه أن يخرج. فخرج في ذلك
ورفع حوائجهم وأقام بالعراق يطالب بها .
[١٠ / ٤٠٧]
- عن يحيى بن زكريا مولى علي بن عبد الله عن أبيه قال: كان المنصور يعجب
بمحمد بن جعفر بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، يؤانسه ويفاوضه ويداعبه
ويلتذ بمحادثته. وكان أديباً لبيباً لسناً، وكان لحسن منزلته من المنصور، وعظيم قدره
عنده؛ يفزع إليه الناس في حوائجهم، فيكلمه فيها فيقضيها، حتى أكثر عليه من
الحوائج وأفرط، فأمر الربيع أن يحجبه، فلما حجبه قعد في منزله أياماً، فظمئ
المنصور إلى رؤيته وقرم إلى محادثته، فقال: يا ربيع إن جميع لذات مولاك قد
أخلقن عنده، ورثئن في عينه سوى لذته من محادثة محمد بن جعفر، فإنها تجدد
عنده في كل يوم وليلة، وقد كدرها علي بكثرة ما يحملني عليه من حوائج الناس،
فاحتل لمولاك فیما کدر عليه من لذته.
فقال الربيع: أفعل يا أمير المؤمنين. وخرج من عنده فأتى محمد بن جعفر فعاتبه
على ما يحمل المنصور عليه من حوائج الناس وسأله إعفاءه من ذلك. فنضح عن
نفسه فيما عاتبه عليه، وأجابه إلى أن لا يسأله حاجة لأحد. فأمره بالغدو على
المنصور، ورجع إلى المنصور فأعلمه ذلك. وبلغ قوماً من قريش قدموا العراق
لحوائجهم ما كان من أمر محمد بن جعفر ومن الربيع، وأنه عازم على الغدو على
المنصور، وكتبوا حوائجهم في رقاع ووقفوا بها على طريق محمد بن جعفر. فلما
غدا يريد المنصور عرضوا له بها، ومتُّوا إليه بقراباتهم، وتوسلوا بأرحامهم، وسألوه
إيصال رقاعهم، والتماس نجاح ما فيها، فاعتذر إليهم وسألهم أن يعفوه من ذلك،
فأبوا أن يقبلوا ذلك منه، وألحوا عليه. فقال: لست أكلم المنصور في حاجة لأحد
من الناس، فإن أحببتم أن تودعوا رقاعكم كمي فافعلوا، فقذفوا رقاعهم في كمه،
ومضى حتى دخل على المنصور وهو في الخضراء مشرف على مدينة السلام ودجلة
والصراة، وما حولها من البساتين والمزارع. فعاتبه فنضح عن نفسه، ثم حادثه
ساعة. قال له المنصور: أما ترى حُسْنَ مستشرفنا هذا؟ قال: أرى يا أمير المؤمنين
فبارك الله لك فيما آتاك، وهناك بإتمام النعمة عليك ما أعطاك، فما بنت العرب في
دولة الإسلام، ولا العجم في مدة الكفر، مدينة أحصن ولا أحسن ولا أجمع
للخصال المحمودة منها، وقد سمجتها في عيني يا أمير المؤمنين خصلة. قال: وما

٧٠٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
هي؟ قال: ليس لي فيها ضيعة. فتبسم وقال: فإني أحسنها في عينيك بثلاث ضياع
أقطعك في أكنافها، فاغد على أمير المؤمنين يسجل لك بها. فقال: أنت والله يا
أمير المؤمنين سهل الموارد، كريم المصادر، فجعل الله باقي عمرك أكثر من ماضيه،
فقد بررت فأفضلت، ووصلت فأجزلت، وأنعمت فأسبغت، فبدرت الرقاع من كمه
وهو يتشكر له، فأقبل بردهن [في كمه] ويقول: ارجعن خاسئات، فضحك وقال:
بحق أمير المؤمنين عليك لما أخبرته خبر هذه الرقاع، فأعلمه فقال: أبيت يا ابن
معلم الخير إلا كرماً، فَفِ للقوم بضمانك، وألقها عن كمك لننظر في حوائجهم.
فطرح الرقاع بين يديه. فتصفحها ثم دفعها إلى الربيع ثم التفت إليه فتمثل بقول امرئ
القيس :
يوماً على الأحساب نتكل
لسنا وإن أحسابنا كرمت
تبني ونفعل مثل ما فعلوا
نبني كما كانت أوائلنا
ثم قال: قد قضى أمير المؤمنين حوائجهم، فأمرهم بلقاء الربيع. قال محمد:
فخرجت من عند أمير المؤمنين وقد ربحت وأربحت.
[١١١/٢ - ١١٣]
- عن أبي عمر محمد بن عبد الواحد غلام ثعلب قال: ترك قضاء حقوق الإخوان
مذلة، وفي قضاء حقوقهم رفعة، فاحمدوا الله على ذلك، وسارعوا في قضاء
حوائجهم ومسارهم، تكافؤوا عليه.
[٣٥٦/٢]
باب قيام الليل
- عن زر بن حبيش قال: قلت لأبي بن كعب: إن عبد الله بن مسعود يقول: من
يقم الشهر يدرك ليلة القدر فقال: إنه ليعلم أنها ليلة سبع وعشرين.
[٢١٨/٤]
- عن أبي الفرج محمد بن عمران الخلال قال: كان ورد القاضي أبي بكر
محمد بن الطيب في كل ليلة عشرين ترويحة، ما يتركها في حضر ولا سفر، قال:
وكان كل ليلة إذا صلى العشاء وقضى ورده، وضع الدواة بين يديه وكتب خمساً
وثلاثين ورقة تصنيفاً من حفظه، وكان يذكر أن كتبه بالمداد أسهل عليه من الكتب
بالحبر، فإذا صلى الفجر دفع إلى بعض أصحابه ما صنفه في ليلته، وأمره بقراءته
[٣٨٠/٥]
عليه وأملى عليه الزيادات فيه.
- عن العجلي قال: يقال أن محمداً الرقاشي كان يصلي في اليوم والليلة أربعمائة
ركعة .
[٤١٤/٥]