النص المفهرس
صفحات 661-680
٦٦١ باب القراءات عليه حد واحد، وجمع بين حدين ولا يجمع بين حدين حتى يخف أحدهما، والمجنونة ليس عليها حد، وحد لأبويه وهما غائبان لم يحضرا فيدعيان، فبلغ ذلك ابن أبي ليلى فدخل على الأمير فشكى إليه، وحجر على أبي حنيفة، وقال: لا يفتِ فلم يفتِ أياماً حتى قدم رسول من ولي العهد فأمر أن يعرض على أبي حنيفة مسائل حتى يفتي فيها فأبى أبو حنيفة وقال: أنا محجور علي، فذهب الرسول إلى الأمير، فقال الأمير: قد أذنت له فقعد فأفتى. [٣٥١/١٣] باب القراءات - كان ابن شنبوذ قد تخير لنفسه حروفاً من شواذ القراءات تخالف الإجماع، فقرأ بها، فصنف أبو بكر ابن الأنباري وغيره كتباً في الرد عليه. [٢٨٠/١] - عن إسماعيل بن علي الخطبي قال: واشتهر ببغداد أمر رجل يعرف بابن شنبوذ، يقرئ الناس، ويقرأ في المحراب بحروف يخالف فيها المصحف، مما يروى عن عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وغيرهما مما كان يقرأ به قبل جمع المصحف الذي جمعه عثمان بن عفان، ويتبع الشواذ، فيقرأ بها، ويجادل حتى عظم أمره وفحش، وأنكره الناس، فوجه السلطان، فقبض عليه يوم السبت لست خلون من ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة، وحمل إلى دار الوزير محمد بن علي - يعنى ابن مقلة - وأحضر القضاة والفقهاء والقراء وناظره - يعني الوزير - بحضرتهم، فأقام على ما ذكر عنه ونصره، واستنزله الوزير عن ذلك، فأبى أن ينزل عنه، أو يرجع عما يقرأ به من هذه الشواذ المنكرة التى تزيد على المصحف وتخالفه، فأنكر ذلك جميع من حضر المجلس، وأشاروا بعقوبته، ومعاملته بما يضطره إلى الرجوع، فأمر بتجريده، وإقامته بين الهنبازين، وضربه بالدرة على قفاه، فضرب نحو العشرة ضرباً شديداً فلم يصبر، واستغاث وأذعن بالرجوع والتوبة فخُلي عنه، وأعيدت عليه ثيابه، واستتيب، وكتب عليه كتاب بتوبته، وأخذ فيه خطه بالتوبة. [٢٨٠/١] - قال محمد بن الحسن: صلى بنا أبو حنيفة في شهر رمضان وقرأ حروفاً قد اختارها لنفسه من الحروف التي قرأهن الصحابة والتابعون، قرأ أبو حنيفة: (ملَك يومَ الدين) على مثال فعل ونصب اليوم جعله مفعولاً، وقرأ في سورة الأنعام: (لا تنفعُ نفسٌ) بالتاء والرفع. قال أبو الفضل: ولست أعرف الرفع مع التاء. وقرأ في سورة يوسف: (قد شعفها حبا) بالعين المهملة، وقرأ في سورة يس: (فأعشيناهم) ٦٦٢ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد بالعين غير معجمة، وقرأ في سورة الفلق: (من شرِّ ما خلق) بالتنوين. وذكر حروفاً [٢ /١٥٧ - ١٥٨] كثيرة سوى هذه. - عن أبي طاهر عبد الواحد بن عمر بن محمد بن أبي هاشم قال: وقد نبخ نابغ في عصرنا هذا، فزعم أن كل ما صح عنده وجه في العربية لحرف من القرآن يوافق خط المصحف، فقراءته جائزة في الصلاة وغيرها، فابتدع بقيله ذلك بدعة ضل بها عن قصد السبيل، وأورط نفسه في مزلة عظمت بها جنايته على الإسلام وأهله، وحاول إلحاق كتاب الله من الباطل ما لا يأتيه من بين يديه، ولا من خلفه، إذ جعل لأهل الإلحاد في دين الله بسيئ رأيه طريقاً إلى مغالطة أهل الحق بتخير القراءات من جهة البحث، والاستخراج بالآراء دون الاعتصام والتمسك بالأثر المفترض. [٢٠٧/٢] - قال الزهري: السبعة أحرف إنما هي إذا كان الأمر واحداً لا يختلف فيه في حلال ولا حرام. [٣٠٥/٤] - عن شبل بن عباد قال: كان ابن محيصن وابن كثير يقرآن: (وأن احكم) و(أنٌ اعبدوا) و(أن اشكر لي) و(وقالتُ اخرج) و(قال ربُّ احكم) و(ربُّ انصرني) ونحوه قال شبل بن عباد: فقلت لهما: إن العرب لا تفعل هذا، ولا أصحاب النحو. فقالا : إن النحو لا يدخل في هذا، هكذا سمعنا أئمتنا ومن مضى من السلف. [٢٥٣/٣] - قال أحمد بن سهل التميمي: سمعت الكسائي يقول: بعد ما قرأت القرآن على الناس رأيت النبي ◌َّ في المنام فقال لي: أنت الكسائي؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: علي بن حمزة؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: الذي أقرأت أمتي بالأمس القرآن؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: فأقرأ عليَّ، قال: فلم يتأتى على لساني إلا · فَلَِّرَتِ زَحْرًا ﴾ فَالتَّلِيَتِ ذِكْرًا﴾ والصافات، فقرأت عليه: ﴿وَالصََّّفَّتِ صَفًا [الصافات: ١، ٣] فقال لي: أحسنت، ولا تقل: ﴿وَالصََّّفَّتِ صَفًّا﴾ نهاني عن الإدغام، ثم قال لي اقرأ، فقرأت حتى انتهيت إلى قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] فقال: أحسنت ولا تقل: (يَزُقُّونَ)، ثم قال: قم فلأباهين بك ـ شك الكسائي - القراء، أو الملائكة. [٤٠٩/١١ - ٤١٠] باب القرآن كيفية تعلم القرآن: - قال عمر بن الخطاب: تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات، فإن جبريل نزل به علی محمد خمس آیات خمس آیات. [٢٨٧/١٣] ٦٦٣ باب القرآن ؟ لماذا لا تخشع القلوب؟ - عن أبي جعفر الكبريتي صاحب صالح بن عبد الكريم قال: قيل لصالح بن عبد الكريم: إن قوماً يجدون قلوبهم في القصائد ولا يجدونها في القرآن؟ قال فقال صالح: إن القرآن عزيز، ويريد القرآن عقلاً عزيزاً، وهؤلاء عقولهم فيها ضعف [٤١١/١٤] فاحتملوهم. * تدبر القرآن: - عن القاسم بن معين أن أبا حنيفة قام ليلة بهذه الآية: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُ﴾ [القمر: ٤٦] يرددها، ويبكي، ويتضرع. [٣٥٧/١٣] - عن إبراهيم بن بشار قال: الآية التي مات فيها علي بن الفضيل في الأنعام: ﴿وَلَوْ تَرَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَيْنَنَا نُرَهُ﴾ [الأنعام: ٢٧] مع هذا الموضع مات، وكنت فیمن صلی علیه. [٢٧٦/٤] - عن ضرار بن صرد قال: سمعت يزيد بن الكميت يقول : - وكان من خيار الناس - كان أبو حنيفة شديد الخوف من الله، فقرأ بنا علي بن الحسين المؤذن ليلة في عشاء الآخرة إذا زلزلت، وأبو حنيفة خلفه، فلما قضى الصلاة، وخرج الناس نظرت إلى أبي حنيفة، وهو جالس يفكر ويتنفس، فقلت: أقول: لا يشتغل قلبه بي، فلما خرجت تركت القنديل، ولم يكن فيه إلا زيت قليل، فجئت، وقد طلع الفجر، وهو قائم قد أخذ بلحية نفسه، وهو يقول: يا من يجزي بمثقال ذرة خير خيراً، ويا من يجزي بمثقال ذرة شر شراً، أجر النعمان عبدك من النار، وما يقرب منها من السوء، وأدخله في سعة رحمتك، قال: فأذنت فإذا القنديل يزهر، وهو قائم، فلما دخلت، قال: تريد أن تأخذ القنديل؟ قال: قلت: قد أذنت لصلاة الغداة، قال: اكتم علي ما رأيت، وركع ركعتي الفجر، وجلس حتى أقمت الصلاة، وصلى معنا الغداة على وضوء أول الليل. [٣٥٧/١٣] - عن أبي بكر بن عياش قال: صليت خلف فضيل بن عياض المغرب، وعلي ابنه إلى جانبي فقرأ: ﴿أَلَهَنْكُمُ التَّكَافُرُ﴾ [التكاثر: ١]، فلما قال: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦] سقط علي بن فضيل على وجهه مغشياً عليه وبقي فضيل عند الآية، فقلت في نفسي: ويحك ما عندك من الخوف ما عند فضيل وعلي، فلم أزل أنتظر علياً فما أفاق إلى ثلث من الليل بقي. [٥٦/٦] - عن خلف بن هشام قال: أتيت سليم بن عيسى لأقرأ عليه، قال: وكان بين يديه ٦٦٤ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد قوم فأظنهم سبقوني، فلما جلست، قال لي: من أنت، قلت: خلف، فقال لي: بلغني أنك تريد الترفع في القراءة، فلست آخذ عليك شيئاً، قال: فكنت أحضر المجلس ولا يأخذ عليّ شيئاً، قال: فبكرت يوماً في الغلس، وخرج فقال: من ههنا يتقدم يقرأ، فتقدمت فجلست بين يديه، قال: فاستفتحت سورة يوسف، وهي من أشد القرآن إعراباً، فقال لي: من أنت؟ فما سمعت أقرأ منك، فقلت: أنا خلف، فقال لي: فعلتها، ما يحل لي أن أمنعك اقرأ، قال: فكنت أقرأ عليه حتى قرأت يوماً: حم المؤمن، فلما بلغت إلى قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [غافر: ٧] بكى بكاء شديداً ثم قال: يا خلف أما ترى ما أعظم حق المؤمن تراه نائماً على فراشه والملائكة يستغفرون له. [٣٢٣/٨ - ٣٢٤] • المداومة على قراءة القرآن: - سأل رجل أبا جعفر: ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلا غضاضة، فقال: لأن الله لم يجعله لزمان دون زمان ولا لناس دون ناس فهو في كل زمان جديد وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة. [١١٧/٦] - عن أحمد بن خالد قال: قيل لأبي بكر بن عياش: كيف قراءتك بالترتيل؟ فقال: [٣٨٣/١٤] كيف أقدر أرتل، وأنا أقرأ القرآن في كل يوم وليلة منذ أربعين سنة !. - عن يحيى الحماني قال: لما حضرت أبا بكر بن عياش الوفاة بكت أخته فقال لها: ما يبكيك؟ انظري إلى تلك الزاوية التي في البيت قد ختم أخوك في هذه [٣٨٣/١٤] الزاوية ثمان عشرة ألف ختمة. - عن أبي العباس بن عطاء أنه كان له في كل يوم ختمة، وفي شهر رمضان كل يوم وليلة ثلاث ختمات، وبقي في ختمة يستنبط مودع القرآن بضع عشرة سنة ليستروح إلى معاني مودعها، فمات قبل أن يختمها . [٢٧/٥] - عن أبي القاسم علي بن محمد قال: كان جدي يختلف في درس الفقه إلى أبي بكر الرازي قال: وكان يصوم الدهر، ويقرأ في كل يوم سبع القرآن، يقرأه نهاراً ويعيد ذلك السبع بعينه في ليلته في ورده. [٦٧/٥] - عن أبي علي عيسى بن محمد بن أحمد الطوماري قال: رأيت أبا بكر بن مجاهد في النوم كأنه يقرأ فكأني أقول له: يا سيدي أنت ميت وتقرأ، فكأنه يقول لي: كنت أدْعُو في دبر كل صلاة وعند ختم القرآن أن يجعلني ممن يقرأ في قبره فأنا ممن يقرأ في قبره. [١٤٨/٥] ٦٦٥ باب القرآن - عن ابن المديني قال: بت عند إسماعيل بن علية ليلة، فكان يقرأ ثلث القرآن، وما رأيته ضحك قط. [٢٣٥/٦] - عن أبي علي الصواف قال: كنت أختم القرآن وأنا راكع، فقلت: هذا لا يجوز، فقال: ما كنت أعلم في ذلك الوقت أنه لا يجوز. [٢٩٨/٧] - عن أبي يحيى الناقد اشتريت من الله حوراء بأربعة آلاف ختمة، فلما كان آخر ختمة سمعت الخطاب من الحوراء وهي تقول: وفيت بعهدك، فها أنا التي قد اشتريتني، فيقال: إنه مات عن قريب. [٤٦٢/٨] - عن محمد بن زهير بن محمد قال: كان أبي يجمعنا في وقت ختمة القرآن في وقت [٤٨٥/٨] شهر رمضان في كل يوم وليلة ثلاث مرات تسعين ختمة في شهر رمضان. - لما نزل بابن إدريس الموت بكت ابنته، فقال: لا تبكي. فقد ختمت القرآن في هذا البيت أربعة آلاف ختمة. [٢٤٠/٩] - عن عبد الله بن محمد بن اللبان أنه صلى بالناس صلاة التراويح في جميع الشهر، وكان إذا فرغ من صلاته بالناس في كل ليلة لا يزال قائماً في المسجد يصلي حتى يطلع الفجر، فإذا صلى الفجر دارس أصحابه، وسمعته يقول: لم أضع جنبي للنوم في هذا الشهر ليلاً ولا نهاراً وكان ورده كل ليلة فيما يصلي لنفسه سبعاً من القرآن يقرأه بترتيل وتمهل ولم أر أجود ولا أحسن قراءة منه. [١٤٥/١٠] - عن ذي الرياستين قال: إن المأمون ختم في شهر رمضان ثلاثاً وثلاثين ختمةً، أما سمعتم في صوته بحوحة؟ إن محمد بن أبي محمد اليزيدي في أذنه صمم، فكان یرفع صوته لیسمع، وکان یأخذ عليه. [١٩٠/١٠] - كان عبد الرحمن بن مهدي يختم في كل ليلتين كان ورده في كل ليلة نصف [٢٤٧/١٠] القرآن. - عن أبي الحسن علي بن إبراهيم الحصري قال: كل من كان له غالب كانت غفلاته موقعة إلى ذلك الغالب، وكان غالبي في بدايتي قراءة القرآن، فكنت أجهد أن لا أقرأ، وكنت إذا غفلت قرأت، فأقرأ ثلاثين آية أربعين آية، فإذا ذكرت سكت وإذا غفلت قرأت فكانت هذه حالي. قال: وسمعته يقول: كنت في بدايتي نحواً من خمسة عشرة سنة، أجلس بالليل على رجلي معلق فإذا حملني النوم سقطت، فأقول: الله فيقول الجيران: الله قتلك، الله أبادك، الله اراحنا منك، حتى أصابني علة في رجلي فعجزت عن ذلك. [٣٤٠/١١] ٦٦٦ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد - عن ابن الجوهري قال: قال أبي: ما طلع الفجر عليّ قط إلا وأنا أدرس [٩٥/١٢] القرآن. - عن إسماعيل قال: كان هذا الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن الضبي من أدرس من رأيناه للقرآن، سألته عن أكثر ما قرأ في يوم من أيام الصيف الطوال، وكان يوصف بكثرة الدرس وسرعته، فامتنع أن يخبرني، فلم أزل به حتى قال لي: إنه قرأ في يوم من أيام الصيف الطوال أربع ختم، وبلغ في الخامسة إلى براءة، وأذن مؤذن [٢ /٣١٥] العصر، وكان من أهل الصدق. - عن الخطيب قال: محمد بن عمر الخطرائي: كتبت عنه وكان شيخاً صدوقاً فاضلاً كثير الدرس للقرآن. بلغني أنه كان له في كل يوم ختمة وتوفي يوم الثلاث. - عن الخطيب قال: وحضرت أحمد بن رضوان بن جالينوس ليلة في مسجد الجامع بمدينة المنصور وهو يقرأ في حلقة الإدارة فختم في تلك الليلة ختمتين قبل أن يطلع الفجر. [١٦١/٤] [٣٦/٣] - كان يحيى بن سعيد القطان يختم القرآن في كل يوم وليلة بين المغرب والعشاء. [١٤١/١٤] - عن أبي بكر بن عياش قال: لي غرفة قد عجزت عن الصعود إليها، وما يمنعني [١٤/ ٣٨٢] من النزول منها إلا أني أختم فيها القرآن كل يوم وليلة منذ ستون سنة. - دخل أبو بكر بن مجاهد على أبي بكر الشبلي دلف بن جبغويه الأشروسني، فحادثه فسأله عن حاله، فقال: ترجو الخير، تختم في كل يوم بين يدي ختمتين وثلاثاً، فقال له شبلي: أيها الشيخ قد ختمت في تلك الزاوية ثلاث عشر ألف ختمة، إن كان فيها شيء قُبِل فقد وهبته لك، وإني لفي درسه منذ ثلاث وأربعين سنة ما انتهيت إلى ربع القرآن. [٣٩٢/١٤] * الحرص على تعلم القرآن: - أخبرنا عبد الملك بن محمد بن عبد الله الواعظ، أخبرنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان، حدثنا إدريس بن عبد الكريم، حدثنا محرز بن عون قال: سألت فضيل بن عياض عن حديث فقال لي: وأنت أيضاً منهم، عليكم بالقرآن، فإنه ينبغي لنا أن لو بلغنا أن حرفاً من كلام ربنا نزل باليمن لذهبنا حتى نسمعه، ولكن وجدتم هذا الأمر أيسر عليكم. [٢٦٣/١٣] ٦٦٧ باب القرآن · الاستشهاد بالقرآن: - عن أبي عبد الله بن بشر القطان قال: ما رأيت رجلاً أحسن انتزاعاً لما أراد من آي القرآن من أبي سهل بن زياد، فقلت لابن بشر: ما السبب في ذلك؟ فقال: كان جارنا، وكان يديم صلاة الليل وتلاوة القرآن، فلكثرة درسه صار كأن القرآن نصب عينيه ينتزع منه ما شاء من غير تعب. [٤٥/٥ - ٤٦] * الوتر لأهل القرآن: [١/ ٢٦٧] - قال ابن مسعود ربه: الوتر على أهل القرآن سنة. جمال الصوت بالقرآن: - قال بحر بن نصر: كنا إذا أردنا أن نبكي قلنا بعضنا لبعض قوموا بنا إلى هذا الفتى المطلبي نقرأ القرآن، فإذا أتيناه استفتح القرآن حتى تتساقط الناس بين يديه ويكثر عجيجهم بالبكاء، فإذا رأى ذلك أمسك عن القراءة من حسن صوته. [٦٤/٢] * بدعة خلق القرآن: - عن يحيى بن أكثم قال: القرآن كلام الله، فمن قال مخلوق يستتاب، فإن تاب [١٩٨/١٤] وإلا ضربت عنقه. - عن أبي حنيفة قال: من قال القرآن مخلوق فهو مبتدع. فلا يقولن أحد بقوله، ولا یصلین أحد خلفه. [٣٧٧/١٣] - عن معاوية بن عمار الدهني قال: قلت لجعفر بن محمد: إن ها هنا أناساً يسألون عن القرآن، قال فقال: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله تبارك وتعالى. [٢٤٦/١٣] - عن سهل بن عمار قال: كنت عند المعلى بن منصور وإبراهيم بن حرب النيسابوري في أيام خاض الناس في القرآن، فدخل علينا إبراهيم بن مقاتل المروزي، يذكر للمعلى أن الناس قد خاضوا في أمره، قال: في ماذا؟ قال: يقولون أنك تقول: القرآن مخلوق، فقال: ما قلته، ومن قال القرآن مخلوق فهو عندي كافر . [١٨٨/١٣] - عن أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري قال: أما أفعال العباد فمخلوقة، فقد حدثنا علي بن عبد الله قال: ثنا مروان بن معاوية قال: ثنا أبو مالك عن ربعي بن حراش عن حذيفة، قال: قال: النبي ◌ّير: ((إن الله يصنع كل صانع وصنعته)). قال أبو عبد الله: وسمعت عبيد الله بن سعيد يقول: سمعت يحيى بن سعيد ٦٦٨ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد يقول: ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: إن أفعال العباد مخلوقة. قال أبو عبد الله البخاري: حركاتهم وأصواتهم، واكتسابهم، وكتابتهم، مخلوقة. فأمّا القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف المسطور والمكتوب الموعى في القلوب، فهو كلام الله ليس بمخلوق، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ ءَايَتُ بِنَتُ فِ صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلَّمَّ﴾ [العنكبوت: ٤٩]. [٣١/٢] - عن إبراهيم بن محمد قال: أنا توليت دفن محمد بن إسماعيل لما أن مات بخرتيك، أردت حمله إلى مدينة سمرقند أن أدفنه بها، فلم يتركني صاحب لنا فدفناه بها، فلما أن فرغنا، ورجعت إلى المنزل الذي كنت فيه، قال لي صاحب القصر: سألته أمس فقلت: يا أبا عبد الله ما تقول في القرآن؟ فقال: القرآن كلام الله غير مخلوق. قال فقلت له: إن الناس يزعمون أنك تقول ليس في المصاحف قرآن ولا في صدور الناس قرآن. فقال: أستغفر الله أن تشهد عليَّ بشيء لم تسمعه مني أقول كما قال الله تعالى: ﴿وَالُْورِ ) وَكِتَبٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١، ٢] أقول في المصاحف قرآن، وفي صدور الناس قرآن، فمن قال غير هذا يستتاب، فإن تاب، وإلا فسبيله [٣٢/٢ - ٣٣] سبيل الكفر. [١٣٥/١١] - عن مكحول والزهري أنهما قالا: القرآن كلام الله غير مخلوق. - عن أبي علي العنزي قال: امتُحن عمر بن شبة، بسُر من رأى بحضرتي فقال: القرآن كلام الله، ليس بمخلوق، فقالوا له: فتقول من وقف فهو كافر، فقال: لا أكفر أحداً، فقالوا له: أنت كافر، ومزقوا كتبه، فلزم بيته وحلف أن لا يحدث شهراً وكان ذلك حدثان قدومه من بغداد بعد الفتنة، فكنت ألزمه أكتب عنه، وما امتنع مني من جميع ما أسأله، فأنشدني قصيدة له أنشدها في محنته: وقام بالجهل خطيب فهمر لما رأيت العلم ولَّى ودثر مخاطباً خير الورى لمن غبر لزمت بيتي معلناً ومستتر أعني النبي المصطفى على البشر ومن أردت من مصابيح زهر فأنا فيهم في رياض وغُدُر فإن أردت عالمين بالخبر ومن أحاديث الملوك والسمر آخذ من هذا وهذا وأذر فذاك أولى من مقامات الحمر والثاني الصديق والتالي عمر مثل النجوم قد أطافت بالقمر وفي عظات جمَّة وفي عبر رواة أشعار قديمات غرر فهم حوالي كنوز في الزبر أحوي الذي يصفو وأرمي ما كدر من الطغام والرعاع والنشر ٦٦٩ باب القرآن مختلفين في القرآن والقدر أهواؤهم شتى المجال والصدر وكان أصحاب الحديث والأثر إن خولفوا قالوا تردى وكفر فأصبحوا فوضى الشهادات الكبر أحجم قوم عن سباب وهتر فالحمد لله العلي المقتدر بالكفر سحاً مثل تسكاب المطر لا بل بتقصير وتفريط مقر حمد مقر لا بشيء يعتذر [٢٠٩/١١ - ٢١٠] - قال القاضي: هذا مذهب يذهب إليه الناشئ المتكلم، وهو كفر بالله، صح الخبر عن رسول الله * أنه نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو، فجعل ما كتب في المصاحف والصحف والألواح وغيرها قرآناً، والقرآن على أي وجه قرئ وتلي فهو واحد غير مخلوق. [٣٧٤/٨] [٤٨٧/٨] - عن علي بن موسى الرضا قال: القرآن كلام الله غير مخلوق. - قال أحمد بن نصر الخزاعي: رأيت مصاباً قد وقع، فقرأت في أذنه، فكلمتني الجنية من جوفه فقالت: يا أبا عبد الله، بالله دعني أخنقه، فإنه يقول: القرآن مخلوق . [١٧٥/٥] - كان طالب وأبو هارون موسرين فبذلا مالاً وعزما على الوثوب إلى بغداد، فنمَّ عليهم قوم إلى إسحاق بن إبراهيم فأخذ جماعة فيهم أحمد بن نصر وأخذ صاحبيه طالباً وأبا هارون فقيدهما ووجد في منزل أحدهما أعلاماً وضرب خادماً لأحمد بن نصر فأقرَّ أن هؤلاء كانوا يصيرون إليه ليلاً فيعرفونه ما عملوا، فحملهم إسحاق مقيدين إلى سر من رأى فجلس لهم الواثق وقال لأحمد بن نصر: دع ما أخذت له ما تقول في القرآن. قال: كلام الله. قال: أفمخلوق هو؟ قال: هو كلام الله. قال: أفترى ربك في القيامة. قال: كذا جاءت الرواية. فقال: ويحك يرى كما يرى المحدود المتجسم يحويه مكان ويحصره الناظر، أنا أكفر برب هذه صفته ما تقولون فيه؟ فقال عبد الرحمن بن إسحاق وكان قاضياً على الجانب الغربي ببغداد فعزل: هو حلال الدم. وقال جماعة من الفقهاء كما قال، فأظهر ابن أبي داود أنه كاره لقتله فقال للواثق: يا أمير المؤمنين شيخ مختل لعل به عاهة أو تغير عقل يؤخر أمره. فقال: الواثق ما أراه إلا مؤدياً لكفره قائماً بما يعتقده منه ودعا الواثق بالصمصامة وقال: إذا قمت إليه فلا يقومن أحد معي فإني أحتسب خطاي إلى هذا الكافر الذي يعبد رباً لا نعبده ولا نعرفه الصفة التي وصفه بها ثم أمر بالنطع فأجلس عليه وهو ٦٧٠ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد مقيد وأمر بشد رأسه بحبل وأمرهم أن يمدوه ومشى إليه حتى ضرب عنقه وأمر بحمل رأسه إلى بغداد فنصب في الجانب الشرقي أياماً وفي الجانب الغربي أياماً وتتبع [١٧٦/٥ - ١٧٧ ] رؤساء أصحابه فوضعوا في الحبوس. متفرقات : - كان الواقدي مع ما ذكرناه من سعة علمه وكثرة حفظه لا يحفظ القرآن. [٧/٣] - عن أبي الحسن ابن الخوارزمي قال: من استحوش من الوحدة وهو حافظ لكتاب ربه فإن تلك الوحشة لا تزول أبداً. [١٠٨/٥] - عن عمرو بن أبي عمرو قال: لما جمع أبي أشعار العرب كانت نيفاً وثمانين قبيلة، فكان كلما عمل منها قبيلة وأخرجها إلى الناس كتب مصحفاً وجعله في مسجد [٣٢٩/٦ _ ٣٣٠] الكوفة حتى كتب نيفاً وثمانين مصحفاً بخطه. - قال أبو بكر بن حماد: قيل لخلف: لِمَ تأخذ على الناس بالتحقيق؟ قال: حتى إذا صاروا إلى المحاريب حدروا. [٣٢٥/٨] - عن أبي موسى قال: إن هذا القرآن كائن لكم ذكراً، وكائن عليكم وزراً، فاتبعوا القرآن ولا يتبعنكم القرآن، فإنه من يتبع القرآن يهبط به رياض الجنة، ومن يتبعه القرآن يزج في قفاه فيقذفه في جهنم. [٨٥/١٣] - قال حسين بن فهم: ما رأيت أنبل من خلف بن هشام كان يبدأ بأهل القرآن، ثم يأذن لأصحاب الحديث، وكان يقرأ علينا من حديث أبي عوانة خمسين حديثاً [٣٢٥/٨] هذا أو نحوه. - عن أبي عبد الله محمد بن أحمد المعروف بابن أبي قرية المؤدب قال: قلت لخلف: يا أبا محمد قرأتُ في كتابك - كتاب حروف القراءات - حدثني سليم بن عيسى قال: قرأت القرآن على حمزة بن حبيب عشر مرات وقرأت أنا القرآن على سليم بن عيسى مراراً، فلمَ لم تبين ذلك كما بينه سليم؟ فقال: قد ظننت أنه لا يسألني عن ذاك إلا مثلك وسأخبرك، إني لما أكثرت من القراءة على سليم، وأقمت أقرئ ببغداد، قدمت عليه بالكوفة بعد ذلك، فقال: ماذا بك يا خلف؟ فقد اكتفيت، قلت: أحببت أن أزداد من الدرس، قال: كلا، لكنك أحببت أن تحضر الجماعات فتقول: قرأت على سليم كذا وكذا من مرة، فقلت: فإني أعاهد الله أن لا أخبر بذلك أحداً، فمن أجل ذلك قلت في كتابي: وقرأت أنا القرآن على سليم مراراً . [٣٢٥/٨] ٦٧١ باب القرعة * باب القضاء والقضاة - عن أبي بكر بن حماد قال: سألت خلف بن هشام قلت: يا أبا محمد بن سعدان الضرير قرأ عليك؟ قال: لمَ تسأل عن هذا؟ فقلت: أحببت أن أعلم، فقال: كان ابن سعدان يختلف إلى البصرة في قبض أرزاقه مع المكافيف، فكان يجلس إلى أيوب بن المتوكل، فقال له أيوب يوماً: يا ضرير ألك حظ في القرآن؟ قال: فقال ابن سعدان: قد رزق الله منه خيراً بحمد الله ونعمته، قال: فقال: على من قرأت؟ قال: فذكرني، قال: فقال له: اقرأ حتى أسمع قراءتك، قال: فقرأت قراءة لينة، قال: فقال: لا، اقرأ كما تقرأ على أستاذك، قال: فأضجعت رجلي اليسرى، ونصبت اليمنى، وحللت أزراري، وحسرت عن ذراعي، ثم ابتدأت فقرأت خمس آيات بالتحقيق، قال: فقال لي: حسبك ثم التفت إلى أصحابه فقال: من لم يدخل الكوفة، ويشرب من ماء الفرات، لم يقرأ القرآن. قال: ثم قدمت البصرة فأتيت أيوب بن المتوكل فقام من مجلسه فأجلسني فيه، وجلس بين يدي، فكبر ذلك على أصحابه، فالتفت إليهم فقال: إني رأيت البارحة فيما يرى النائم كأن قد دخل هذه القرية أمير المؤمنين، قال خلف: ثم قدم أيوب علينا ها هنا فكان يسألني عن دقائق قراءة حمزة. [٣٢٤/٨] = باب القرعة - عن الشافعي قال: ناظرت المريسي في القرعة، فذكرت له حديث: عمران بن حصين عن النبي 18ّ في القرعة، فقال: يا أبا عبد الله، هذا قمار، فأتيت أبا البختري فقلت له: سمعت المريسي يقول: القرعة قمار قال: يا أبا عبد الله شاهد آخر وأقتله . [٧ /٦٠] باب القضاء والقضاة : أخذ الرزق على القضاء: - عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ﴿ًّا أنهما كانا يرزقان المؤذنين والأئمة [٨١/٢] والمعلمين والقضاة. * أقوال العلماء في خطورة القضاء: - عن إبراهيم بن مهدي قال: سمعت حفص بن غياث، وهو قاض بالشرقية يقول لرجل يسأل عن مسائل القضاء: لعلك تريد أن تكون قاضياً، لأن يدخل الرجل أصبعه في عينه فيقتلعها فيرمي بها خير له من أن يكون قاضياً . [١٩٠/٨] ٦٧٢ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد * من استعفى عن القضاء وامتنع: - عن ابن العسكري قال: إن الباب ختم بضعة عشر يوماً، فقال لي أبي: يا بني [٥٤/٨] انظر حتى تحدث إن عشت، أن إنساناً فعل به هذا ليلي القضاء فامتنع. - عن عبيد الله بن عمرو الرقي قال: كلم ابن هبيرة أبا حنيفة أن يلي له قضاء الكوفة، فأبى عليه فضربه مائة سوط وعشرة أسواط في كل يوم عشرة أسواط، وهو [٣٢٦/١٣] على الامتناع، فلما رأى ذلك خلى سبيله. - عن بشر بن الوليد الكندي قال: أشخص أبو جعفر أمير المؤمنين أبا حنيفة فأراده على أن يوليه القضاء فأبى، فحلف عليه ليفعلن، فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل، فحلف المنصور ليفعلن، فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل، فقال الربيع الحاجب: ألا ترى أمير المؤمنين يحلف، فقال أبو حنيفة: أمير المؤمنين على كفارة أيمانه أقدر مني على كفارة أيماني، وأبى أن يلي. فأمر به إلى الحبس في الوقت. هذا لفظ أبي العلاء وانتهى حديث الواعظ، وزاد أبو العلاء: والعوام يدعون أنه تولى عدد اللبن أياماً ليكفر بذلك عن يمينه، ولم يصح هذا من جهة النقل، [٣٢٨/١٣] والصحيح أنه توفي وهو في السجن. - عن خارجة قال: دعا أبو جعفر أبا حنيفة إلى القضاء فأبى عليه فحبسه، ثم دعا به يوماً فقال: أترغب عما نحن فيه، قال: أصلح الله أمير المؤمنين لا أصلح للقضاء، فقال له: كذبت، قال: ثم عرض عليه الثانية، فقال أبو حنيفة: قد حكم علي أمير المؤمنين أني لا أصلح للقضاء لأنه ينسبني إلى الكذب، فإن كنت كاذباً فلا أصلح وإن كنت صادقاً فقد أخبرت أمير المؤمنين أني لا أصلح، قال فرده إلى [٣٢٨/١٣] الحبس . - عن الربيع بن يونس قال: رأيت أمير المؤمنين المنصور ينازل أبا حنيفة في أمر القضاء، وهو يقول: اتق الله ولا ترع أمانتك إلا من يخاف الله، والله ما أنا بمأمون الرضا، فكيف أكون مأمون الغضب، ولو اتجه الحكم عليك ثم هددتني أن تغرقني في الفرات أو أن تلي الحكم لاخترت أن أغرق، ولك حاشية يحتاجون إلى من يكرمهم لك، فلا أصلح لذلك فقال له: كذبت أنت تصلح، فقال: قد حكمت لي [٣٢٨/١٣] على نفسك كيف يحل لك أن تولي قاضياً على أمانتك وهو كذاب. - عن عباس الدوري قال: حدثونا عن المنصور أنه لما بنى مدينته ونزلها ونزل المهدي في الجانب الشرقي وبنى مسجد الرصافة أرسل إلى أبي حنيفة، فجيء فعرض عليه قضاء الرصافة، فأبى. فقال له: إن لم تفعل ضربتك بالسياط، قال: أو تفعل، قال: نعم. فقعد في القضاء يومين فلم يأته أحد فلما كان في اليوم الثالث ٦٧٣ باب القضاء والقضاة أتاه رجل صفار ومعه آخر، فقال الصفار: لي على هذا درهمان وأربعة دوانيق بقية ثمن تور صفر، فقال أبو حنيفة: اتق الله وانظر فيما يقول الصفار، قال ليس له علي شيء، فقال أبو حنيفة للصفار: ما تقول؟ قال: استحلفه لي، فقال أبو حنيفة للرجل: قل والله الذي لا إله إلا هو، فجعل يقول، فلما رآه أبو حنيفة معزماً على أن يحلف قطع عليه، وضرب بيده إلى كمه فحل صرة، وأخرج درهمين ثقيلين، فقال للصفار: هذان الدرهمان عوض من باقي تورك، فنظر الصفار إليهما وقال: نعم فأخذ الدرهمين، فلما كان بعد يومين اشتكى أبو حنيفة فمرض ستة أيام ثم مات. [٣٢٩/١٣] - عن الزبير بن بكار قال: كان أمير المؤمنين الرشيد قد بعث إلى عبيد الله بن عمر العمري، فقدم عليه بغداد فولاه قضاء المدينة، فاستعفاه فلم يعفه فعرض ليحيى بن خالد فقال: لا والله ما أحسن القضاء فإن كنت صادقاً فما يسعكم أن تولوا من لا يحسن، وإن كنت كاذباً فلا يحل لكم أن تولوا من يكذب فأعفي من [٣١٠/١٠] القضاء وكان امرءاً صالحاً. - عن إبرهيم بن سعد قال: أحضر المأمون موسى بن سليمان ومعلى الرازي، فبدأ بأبي سليمان لسنه وشهرته بالورع، فعرض عليه القضاء فقال: يا أمير المؤمنين احفظ حقوق الله في القضاء ولا تولي على أمانتك مثلي، فإني والله غير مأمون الغضب، ولا أرضى نفسي لله أن أحكم في عباده، قال: صدقت وقد أعفيناك، فدعا له بخير وأقبل على معلى فقال له مثل ذلك، فقال: لا أصلح، قال: ولم؟ قال: لأني رجل أداين فأبيت مطلوباً وطالباً، قال: نأمر بقضاء دينك وتقاضي ديونك، فمن أعطاك قبلناه ومن لم يعطك عوضناك مالك عليه، قال: ففي شكوك في الحكم وفي ذلك أموال الناس، قال: يحضر مجلسك أهل الدين إخوانك فما شككت فيه سألتهم عنه: وما صح عندك أمضيته، قال: أنا أرتاد رجلاً أوصي إليه من أربعين ما أجد من أوصي إليه، فمن أين أجد من يعينني على قضاء حقوق الله الواجبة عليك، حتى [٣٧/١٣] . ائتمنه على ذلك؟ فأعفاه. - عن حميد بن الربيع قال: لما جيء بعبد الله بن إدريس وحفص بن غياث ووكيع بن الجراح إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد ليوليهم القضاء دخلوا عليه، فأما ابن إدريس فقال: السلام عليكم، وطرح نفسه كأنه مفلوج، فقال هارون: خذوا بيد الشيخ لا فضل في هذا، وأما وكيع فقال: والله يا أمير المؤمنين ما أبصرت بها منذ سنة، ووضع أصبعه على عينه وعنى أصبعه فأعفاه، وأما حفص بن غياث فقال: لولا غلبة الدين والعيال ما وليت. [١٨٩/٨] ٦٧٤ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد - عن أحمد بن عبد الله العجلي قال: لما مات سوار بن عبد الله طلبوا عبيد الله بن الحسن يستقضونه فهرب، فقال له أبوه: يا بني إن كنت هربت طلباً لسلامة دينك فقد أحسنت، وإن كنت هربت لتكون أحرص لهم عليك فقد أحسنت أيضاً، فاستقضي [٣٠٧/١٠] بعد سوار. - عن أبي سعيد بن يونس قال: علي بن الحسين بن حرب قاضي مصر - يكنى أبا عبيد - قدم مصر على القضاء، فأقام بها دهراً طويلاً، وكان شيئاً عجباً ما رأينا مثله قبله ولا بعده، وكان يتفقه على مذهب أبي ثور صاحب الشافعي، وعزل عن القضاء سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وكان سبب عزله أنه كتب يستعفي من القضاء، ووجه رسولاً إلى بغداد يسأل في عزله، وكان قد أغلق بابه وامتنع من أن يقضي بين الناس، فكتب بعزله وأعفي. فحدّث حين جاء عزله، وكُتب عنه. فكانت له مجالس أملى فيها على الناس ورجع إلى بغداد فكانت وفاته ببغداد وكان ثقة ثبتاً. [٣٩٧/١١] - عن الفضل بن الربيع قال: دعاه أمير المؤمنين المهدي إلى قضاء المدينة، فلم أرى رجلاً قط كان أصح استعفاء منه، قال لأمير المؤمنين: إني كنت وليت ولاية، فخشيت أن لا أكون سلمت منها، وأعطيت الله عهداً أن لا ألي ولاية أبداً، وأنا أعيذ أمير المؤمنين بالله ونفسي أن لا يحملني على أن أخيس بعهد الله، قال له المهدي: فوالله لقد أعطيت هذا من نفسك قبل أن أدعوك، قال: والله لقد أعطيت هذا من نفسي قبل أن تدعوني، قال: فقد أعفيتك. [٢٤٤/١٣] - روي أن المتوكل دعا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، وأحمد بن المعدل، وإبراهيم التيمي من البصرة وعرض على كل واحد منهم قضاء البصرة، فاحتج محمد بن عبد الملك بالسن العالية، وغير ذلك، واحتج أحمد بن المعدل بضعف البصر وغير ذلك، وامتنع إبراهيم التيمي. فقال: لم يبق غيرك وجزم عليه، فولي، فنزلت حال إبراهيم عند أهل العلم وعلت حال الآخرين، قال أبو العلاء: فيرى الناس أن بركة امتناع محمد بن عبد الملك دخلت على ولده فولي منهم أربعة وعشرون قاضياً، منهم ثمانية تقلدوا قضاء القضاة، آخرهم أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله، وما رأينا مثله جلالة ونزاهة وصيانة وسرواً. [٤٨/٥] - عن إبراهيم بن محمد بن عرفة قال: وأشخص إبراهيم بن محمد التيمي، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، فلما حضروا دار المتوكل، أمر بإدخال ابن أبي الشوارب فلما دخل عليه قال: إني أريدك للقضاء، فقال: يا أمير المؤمنين لا أصلح له، فقال: تأبون يا بني أمية إلا كبراً. فقال: والله يا أمير المؤمنين ما بي ٦٧٥ باب القضاء والقضاة كبر، ولكني لا أصلح للحكم، فأمر بإخراجه وكان هو وإبراهيم التيمي قد تعاقدا أن لا يتولى واحد منهما القضاء، فدعى بإبراهيم فقال له المتوكل: إني أريدك للقضاء، فقال: على شريطة يا أمير المؤمنين، قال: وما هي؟ قال: أن تدعو لي دعوة فإن دعوة الإمام العادل مستجابة، فولاه وخرج علي بن أبي الشوارب في الخلع. [١٥٠/٦] - عن أبي جعفر الضرير الكلبي قال: حدثني شيخ على باب بعض المحدثين قال: سألت وكيعاً عن مقدمه هو وابن إدريس وحفص على هارون الرشيد فقال لي: ما سألني عن هذا أحد قبلك، قدمنا على هارون أنا وعبد الله بن إدريس وحفص بن غياث فأقعدنا بين السريرين، فكان أول ما دعا به أنا، فقال لي هارون: يا وكيع قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال إن أهل بلدك طلبوا مني قاضياً وسموك لي فيمن سموا وقد رأيت أن أشركك في أمانتي، وصالح ما أدخل فيه من أمر هذه الأمة، فخذ عهدك وامض، فقلت: يا أمير المؤمنين أنا شيخ كبير وإحدى عيني ذاهبة والأخرى ضعيفة، فقال هارون: اللهم غفراً خذ عهدك أيها الرجل وامض، فقلت: يا أمير المؤمنين، والله لئن كنت صادقاً إنه لينبغي أن تقبل مني ولئن كنت كاذباً فما ينبغي أن تولي القضاء كذاباً، فقال: اخرج فخرجت، ودخل ابن إدريس وكان هارون قد وسم له من ابن إدريس وسم يعني خشونة جانبه، فدخل فسمعنا صوت ركبتيه على الأرض حين برك وما سمعناه يسلم إلا سلاماً خفيفاً، فقال له هارون: أتدري لم دعوتك؟ قال: لا. قال: إن أهل بلدك طلبوا مني قاضياً وإنهم سموك لي فيمن سموا وقد رأيت أن أشركك في أمانتي وأدخلك في صالح ما أدخل فيه من أمر هذه الأمة، فخذ عهدك وامض. فقال له ابن إدريس: ليس أصلح للقضاء، فنكت هارون بأصبعه وقال له: وددت إني لم أكن رأيتك، قال ابن إدريس: وأنا وددت إني لم أكن رأيتك، فخرج ثم دخل حفص بن غياث فقال له كما قال لنا، فقبل عهده وخرج. فأتانا خادم معه ثلاثة أكياس في كل كيس خمسة آلاف، فقال لي: إن أمير المؤمنين يقرئكم السلام ويقول لكم: قد لزمتكم في شخوصكم مؤونة فاستعينوا بهذه في سفركم، قال وكيع: فقلت له: أقرئ أمير المؤمنين السلام وقل له: وقعت مني بحيث يحب أمير المؤمنين، وأنا عنها مستغن وفي رعية أمير المؤمنين من هو أحوج إليها مني، فإن رأى أمير المؤمنين أن يصرفها إلى من أحب. وأما ابن إدريس فصاح به مر من ها هنا، وقبلها حفص، وخرجت الرقعة إلى ابن إدريس من بيننا عافانا الله وإياك، سألناك أن تدخل في أعمالنا فلم تفعل ووصلناك من أموالنا فلم تقبل، فإذا جاءك ابني المأمون فحدثه إن شاء الله، فقال للرسول: إذا ٦٧٦ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد جاءنا مع الجماعة حدثناه إن شاء الله، ثم مضينا فلما صرنا إلى الياسرية حضرت الصلاة فنزلنا نتوضأ للصلاة قال وكيع: فنظرت إلى شرطي محموم نائم في الشمس عليه سواده فطرحت كسائي عليه، وقلت يدفأ إلى أن أتوضأ، فجاء ابن إدريس فاستلبه ثم قال لي: رحمته لا رحمك الله، في الدنيا أحد يرحم مثل ذا؟ ثم التفت إلى حفص فقال له: يا حفص قد علمت حين دخلت إلى سوق أسد فخضبت لحيتك ودخلت الحمام إنك ستلي القضاء، لا والله لا كلمتك حتى تموت، قال: فما كلمه [٤١٦/٩] حتى مات. - عن أبي عمرو الطائي قال عرض سوار على عبد الله بن بكر السهمي أن يوليه القضاء بالأبلة فأبى، فقال له سوار: ترفع نفسك عن قضاء الأبلة، قال: لا، ولكن أرفع علمي عن قضاء الأبلة. - عن الخطيب قال: استقضى عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي على سمرقند فأبى فألح عليه السلطان حتى تقلده وقضى قضية واحدة ثم استعفى فأعفي. [٢٩/١٠] [٤٢٢/٩] - عن محمد بن محمد بن سليمان الباغندي قال: كنت بسر من رأى، وكان عبد الله بن أيوب المخرمي يقرب إلي فخرج توقيع الخليفة بتقليده القضاء، فانحدرت في الحال من سر من رأى إلى بغداد حتى دفعت على عبد الله بن أيوب بابه فخرج إليّ فقلت له البشرى، فقال: بشرك الله بخير، وما هي؟ قال: قلت: خرج توقيع السلطان بتقليدك القضاء لأحد البلدين إما سر من رأى أو بغداد - أبو القاسم البجلي يشك فيه - قال: فأطبق الباب وقال: بشرك الله بالنار، وجاء أصحاب السلطان إليه [٨١/١٠ - ٨٢] فلم يظهر لهم فانصرفوا . - عن العباس بن مصعب قال: أُكره - عبد الرحمن بن علقمة - على قضاء سرخس، أخرج مكرهاً، فلما خرج إلى سرخس أقام بها أياماً ثم هرب منها فلم يظهر إلى أن عزل الذي ولاه أو مات أو أعفي. [٢٥٥/١٠] * أخلاق القضاة: - شتم رجل عبيد الله بن الحسن العنبري القاضي، فقال عبيد الله وقبض على [٣٠٩/١٠] لحيته: شيبتي تمنعني من أن أرد عليك. - عن عثمان بن حكيم الأودي قال: كان شريك القاضي لا يجلس حتى يتغذى ويشرب أربعة أرطال نبيذ، ثم يأتي المسجد فيصلي ركعتين، ثم يخرج رقعة من قمطره فينظر فيها ثم يدعو بالخصوم، وإنما كان يقدمهم الأول فالأول ولم يكن ٦٧٧ باب القضاء والقضاة يقدمهم برقاع قال: فقيل لابن شريك: يجب أن نعلم ما في هذه الرقعة، قال: فنظر فيها ثم أخرجها إلينا فإذا فيها يا شريك بن عبد الله اذكر الصراط وحدته، يا شريك بن عبد الله اذكر الموقف بين يدي الله تعالى ثم يدعو بالخصوم. [٢٩٣/٩] - قال موسى بن عيسى والي الكوفة لشريك - بن عبد الله النخعي -: ما صنع أمير المؤمنين بأحد ما صنع بك، عزلك عن القضاء، فقال له شريك: هم أمراء المؤمنين يعزلون القضاة، ويخلعون ولاة العهود، فلا يعاب ذلك عليهم. فقال موسى: ما [٢٩٢/٩] ظننت أنه مجنون هكذا لا يبالي ما تكلم به. - عن عبيد الله بن عبد الكريم قال: كان محمد بن داود خصماً لأبي العباس بن سريج القاضي وكانا يتناظران ويترادان في الكتب، فلما بلغ ابن سريج موت محمد بن دؤاد نحى مخاده ومشاوره وجلس للتعزية وقال: ما آسى إلا على تراب أكل لسان [٢٥٩/٥] محمد بن داود. - عن محمد بوكرد قال: لم يكن لقاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد أخ من الإخوان إلا بنى له داراً على قدر كفايته، ثم وقف على ولد الإخوان ما يغنيهم أبداً، ولم يكن لأحد من إخوانه ولد إلا من جارية هو وهبها له. [٤ / ١٤٤] - عن أحمد بن محمد قال: اجتمع المبرد وأحمد بن يحيى - يعني ثعلباً - عند محمد بن طاهر أمير بغداد، فتناظرا في مسألة من أصول النحو عقلية ودققا. وكان الحسين بن إسماعيل المحاملي جالساً فقالا: إن رأى القاضي أن يحكم بيننا، فقال: لا يسعني الحكومة بينكما لأنكما تجاوزتما ما أعرفه، ولا يجوز حكمي إلا بعد معرفة . [٢١/٨] - سمعت عمر بن حفص بن غياث قال: لما حضرت أبي الوفاة أغمي عليه، فبكيت عند رأسه فأفاق، فقال: ما يبكيك قلت أبكي لفراقك ولما دخلت فيه من هذا الأمر - يعني القضاء - فقال: لا تبك فإني ما حللت سراويلي على حرام قط ولا جلس بين يدي خصمان فباليت على من توجه الحكم منهما . [١٩٠/٨] - عن أحمد بن خلاس قال: لما عزل شريك عن القضاء تعلق به رجل ببغداد فقال: يا أبا عبد الله لي عليك ثلاثمائة درهم فأعطنيها. قال: من أنا؟ قال: أنت شريك بن عبد الله القاضي؟ قال: ومن أين هي لك؟ قال: ثمن هذا البغل الذي تحتك، قال: نعم تعال. فجاء يمشي معه حتى إذا بلغ الجسر قال: من ها هنا فقام إليه أولئك الشرط، فقال: خذوا هذا فاحبسوه لئن، أطلقتموه لأخبرن أبا العباس عبد الله بن مالك، فقالوا له: إن هذا الرجل يتعلق بالقاضي إذا عزل فيدعي عليه ٦٧٨ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد فيفتدى منه، وقد تعلق بسلمة الأحمر حين عزل عن واسط فأخذ منه أربعمائة درهم، فقال: هكذا! فكُلم فيه فأبى أن يطلقه، فقال له عبد الله بن مالك: إلى كم تحبس هذا الرجل، قال: حتى يرد إلى سلمة الأحمر أربعمائة درهم، قال: فرد على سلمه أربعمائة فجاء سلمة إلى شريك فشكر له، فقال له: يا ضعيف كل من سألك مالك أعطيته إياه. [١٣١/٩] - عن محمد بن عبد الله بن علائة أنه كان يقال له قاضي الجن، وذلك أن بئراً كانت بين حران، وحصن مسلمة، فكان من يشرب منها خبطته الجن، قال: فوقف عليها، فقال: أيها الجن، إنا قد قضينا بينكم وبين الأنس، فلهم النهار ولكم الليل، قال: فكان الرجل إذا استسقى منها بالنهار لم يصبه شيء. [٣٨٩/٥] - عن أبي عمر محمد بن يوسف قال: ركبت يوماً من الأيام مع إسماعيل بن إسحاق القاضي، إلى أحمد بن محمد بن عيسى البرتي، وهو ملازم لبيته فرأيته شيخاً مصفارّاً، أثر العبادة عليه، ورأيت إسماعيل أعظمه إعظاماً شديداً وسأله عن نفسه وأهله وعجائزه، وجلسنا عنده ساعة ثم انصرفنا. فقال لي إسماعيل: يا بني تعرف هذا الشيخ: قلت: لا، قال: هذا البرتي القاضي لزم بيته واشتغل بالعبادة، هكذا تكون القضاة لا كما نحن. [٦٢/٥] - لما كان سنة سبع وثلاثين في جمادى عزله المتوكل - أي القاضي الخلنجي - وأمر أن يُكشف ليفضحه بسبب ما امتحن الناس في خلق القرآن، فأخبرني الطبري محمد بن جرير قال: أقيم الخلنجي للناس سنة سبع وثلاثين ومائتين، قال طلحة وأخبرني عمر بن الحسن قال: كُشِفَ الخلنجي فما انكشف عليه أنه أخذ حبة واحدة . [٧٤/١٠] - عن عبيد بن ثابت مولى بني عبس كوفي قال: كتبت إلى علي بن ظبيان وهو قاض ببغداد بلغني أنك تجلس على بارية، وقد كان من قبلك من القضاة يجلسون على الوطاء ويتكئون، فكتب إلي: إني لأستحي أن يجلس بين يدي رجلان حران مسلمان على بارية وأنا على وطاء، لست أجلس إلا على ما يجلس عليه الخصوم. [١١ /٤٤٥] * دفع الشبهة عن النفس: - عن إسماعيل بن إسحاق القاضي أنه قال: دخل إلى عنده عبدون بن صاعد الوزير، وكان نصرانياً، فقام له، ورحب به، فرأى إنكار الشهود، ومن حضره، فلما ٦٧٩ باب القضاء والقضاة خرج قال لهم: قد علمت إنكاركم، وقد قال: ﴿لَّا يَنْهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِ الذِيْنِ وَلَّ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَزِكُمْ﴾ [الممتحنة: ٨] الآية، وهذا الرجل يقضي حوائج المسلمين، وهو [٢٩٠/٦] سفير بيننا، وبين المعتضد، وهذا من البر، فسكتت الجماعة لما أخبرهم. * حكم القاضي بفتوى المفتي: - عن الحسين بن محمد الدقاق قال: قال لي أبو إسحاق إبراهيم بن جابر الفقيه لما ولي أبو عمر محمد بن يوسف القضاء طمعنا في أن نتتبعه بالخطأ لما كنا نعلم من قلة فقهه، فكنا نستفتى فنقول: امضوا إلى القاضي ونراعي ما يحكم به فيدافع عن الأحكام مدافعة أحسن من فصل الحكم على واجبه وألطف، ثم تجيئنا الفتاوى في تلك القصص فنخاف أن نخرج إن لم نفت فنفتي فتعود الفتاوى إليه فيحكم بما يفتي به الفقهاء فما عثرنا عليه بخطأة. [٤٠٣/٣] أوائل في باب القضاء: - سلمان بن ربيعة الباهلي: وهو أول من قضى بالعراق، ثم عزله عمر. [٢٠٦/٩] - شعيب بن سهل: وهو أول قاض حرق بابه، وانتهب منزله فيما بلغنا، وكان يقول قول جهم، مبغضاً لأهل السنة، متحاملاً عليهم، منتقصاً لهم، لا يقبل لأحد منهم صرفاً، ولا عدلاً. [٢٤٣/٩] - يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف صاحب أبي حنيفة: هو أول من دعي بقاضي القضاة في الإسلام. [٢٤٢/١٤] - أول من ولي القضاء لبني العباس بالبصرة: الحجاج بن أرطاة، فجاء إلى حلقة البتي، فجلس في عرض الحلقة، فقيل له: ارتفع أعز الله القاضي إلى الصدر، فقال: أنا صدر حيث كنت، قال: وقال: أنا رجل حبب إليّ الشرف. [٢٣٣/٨] : دور القضاة في الإصلاح: - عن عبد الله بن محمد العابد قال: جاء كتاب من أسفل في كل مدينة يقرأ على المنابر، ومعه حرسيان، وفيه مكتوب: ﴿وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] وكان ولي عهده صبياً - يعني الخليفة - قال: فلما جاء الكتاب إلى بلخ ليقرأ، فسمع أبو مطيع، فقام فزعاً، ودخل على والي بلخ فقال له: بلغ من خطر الدنيا أنا نكفر بسببها، فكرر مراراً حتى أبكى الأمير، فقال الأمير لأبي مطيع: إني معك، وإني عامل لا أجترئ بالكلام، ولكن خليت الكورة إليك، وكن مني آمناً، وقل ما شئت، قال: وكان أبو مطيع يومئذ قاضياً، قال: فذهب الناس إلى الجمعة، وقال سلم بن سالم: إني ٦٨٠ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد معك، وأبو معاذ معك يا أبا مطيع، قال: فجاء سلم إلى الجمعة متقلداً بالسيف، قال: فلما أذن ارتقى أبو مطيع إلى المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي، وأخذ بلحيته فبكى، وقال: يا معشر المسلمين بلغ من خطر الدنيا أن نجر إلى الكفر !! من قال: ﴿وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] غير يحيى بن زكريا فهو كافر قال: فرج أهل المسجد بالبكاء، وقام الحرسیان فهربا . [٢٢٤/٨] - عن أبي عمر الشغافي قال: صلينا مع المهدي المغرب، ومعنا العوفي وكان على مظالم المهدي، فلما انصرف المهدي من المغرب، جاء العوفي حتى قعد في قبلته، فقام يتنفل فجذب ثوبه فقال: ما شأنك؟ فقال: شيء أولى بك من النافلة قال: وما ذاك؟ قال: سلام مولاك قال : - وهو قائم على رأسه - أوطأ قوماً الخيل، وغصبهم على ضيعتهم وقد صح ذلك عندي، تأمر بردها، وتبعث من يخرجهم. فقال المهدي: يصح إن شاء الله، فقال العوفي: لا إلا الساعة، فقال المهدي: فلان القائد، اذهب الساعة إلى موضع كذا وكذا فاخرج من فيها، وسلم الضيعة إلى فلان، قال: فما أصبحوا حتى ردت الضيعة على صاحبها . [٣٠/٨ - ٣١] - عن وكيع القاضي قال: كنت أتقلد لأبي خازم وقوفاً في أيام المعتضد منها وقوف الحسن بن سهل، فلما استكثر المعتضد من عمارة القصر المعروف بالحسنى، أدخل إليه بعض وقوف الحسن بن سهل التي كانت في يدي، ومجاورة للقصر وبلغت السنة آخرها وقد جبيت مالها إلا ما أخذه المعتضد فجئت إلى أبي خازم فعرفته اجتماع مال السنة واستأذنته في قسمته في سبله وعلى أهل الوقف فقال لي: فهل جبيت ما على أمير المؤمنين، فقلت له: ومن يجسر على مطالبة الخليفة، فقال: والله لا قسمت الارتفاع أو تأخذ ما عليه، والله لئن لم يزح العلة لا وليت له عملاً. ثم قال: امض إليه الساعة وطالبه، فقلت: من يوصلني؟ فقال: امض إلى صافي الحرمي، وقل له: إنك رسولي أنفذتك في مهم، فإذا وصلت فعرفه ما قلت لك. فجئت فقلت لصافي ذلك، فأوصلني وكان آخر النهار فلما مثلت بين يدي الخليفة ظن أن أمراً عظيماً قد حدث، وقال: هيه قل كأنه متشوف، فقلت له: إني ألي لعبد الحميد قاضي أمير المؤمنين وقوف الحسن بن سهل، وفيها ما قد أدخله أمير المؤمنين إلى قصره، ولما جبيت مال هذه السنة امتنع من تفرقته إلى أن أجبي ما على أمير المؤمنين وأنفذني الساعة قاصداً بهذا السبب وأمرني أن أقول إني حضرت في مهم لأصل، قال: فسكت ساعة مفكراً، ثم قال: أصاب عبد الحميد يا صافي، هات الصندوق، قال: فأحضره صندوقاً لطيفاً فقال: كم يجب لك؟ فقلت: الذي