النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٢١
باب الفصاحة
فيا ليته في موقف العرض يسلم
سبيلي لسان كان يعرب لفظه
وما ضر ذا تقوى لسان معجم
وما ينفع الإعراب إن لم يكن تقي
[١٩١/٤]
* نماذج على الفصاحة:
- عن الحسين بن الفتح قال: كان ببغداد جمع للقضاة والمعدلين والفقهاء، فقاموا
ليمضوا إلى موضع، فاتفقوا على أن يتقدمهم أبو العباس بن سريح، ومنهم من هو
في سن أبيه، فقال لهم: ما أتقدم إلا على شريطة إن تقدمت فمطرق، وإن تأخرت
[٢٨٩/٤]
فمذرق.
- عن أبي علي عيسى بن محمد بن أحمد بن عمر الطوماري قال: حضر أبو
العباس بن الفرات عن ثعلب، وكان سميناً عظيم الخلق، فقال له: يا أبا العباس ما
أهملت حاجتك، وقد أحكمتها، فقال له: أنت في البر بر، وفي البحر در. [٢٠٦/٥]
- عن أبي أحمد الماسح قال: كتب ابن قريعة أيضاً إلى صاعد الأكار في ضيعته
لما سرق من الدولاب طوق زوجه: بلغني يا صاعد حدر الله بروحك إلى جهنم ولا
أصعدها، وعن جميع الخيرات أبعدها، أن عاتياً عتا على الدولاب، في غفلة الرقباء
والأصحاب، فسلب منه طوقاً وزجه من غير معرفة ولا حجة، فإنا لله وإنا اليه
راجعون. لقد هممت بالدعاء عليه، ثم عطفت بالحنو عليه، وقلت: اللهم إن كان
أخذه من حاجة فبارك له، وأغنه عن المعاودة إلى مثله، وإن كان أخذه إفساداً
وإضراراً، فابتر عمره، واكف المسلمين شره، يا أرحم الراحمين، فكتب إليه
صاعد: قد عمرت الدولاب من عندي والسلام.
[٣١٩/٢]
- عن أبي بكر بن قريعة قال لابنه: أبا إبراهيم ما شغلك عن أبيك؟ استنقف
رأسك، واستمرس أجرعك، واستركت أذناك. قال - وسأله عضد الدولة عن
أولاده وكانوا مع بخيتار - فقال: هم بني عققه، وعن أمري مرقه، وهم بذلك
فسقه .
[٣٢٠/٢]
- عن أبي عمرو الشيباني قال: كنت أسير على الجسر ببغداد، فإذا أنا بشيخ على
حمار مصري مسرج بسرج مديني، فعلمت أنه من أهلها فكلمته، فإذا فصاحة وظرف
فقلت: من أنت؟ قال: أنا من الأنصار، قال: ثم؟ قال لي ابتداء: أنا ابن المولى
الشاعر إن كنت سمعت به. قال: قلت: أي والله لقد سمعت به أنت الذي تقول:
وأرى الإقامة بالعراق ضلالا
ذهب الرجال فما أحس رجالاً

٦٢٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
قال: نعم. قال: قلت: كيف قلت:
نحزت وأعقبها النحاز سعالا
يا ليت ناقتي التي أكريتها
قال: لم أقل كذا، وإنما قلت أعقبها القلاب سُعالاً، فدعوت عليها بثلاثة
أدواء.
[٣٣٠/٦]
- عن خالد بن يزيد الكاتب قال: بينا أنا مار بباب الطاق إذ براكب خلفي على
بغلة، فلما لحقني نخسني بسوطه فقال: أنت القائل: يا خويلد وليل المحب بلا
آخر؟ قلت: نعم. قال: لله أبوك وصف امرؤ القيس الليل الطويل في ثلاثة أبيات،
ووصفه النابغة في ثلاثة أبيات، ووصفه بشار بن برد في ثلاثة أبيات، وبرزت عليهم
بشطر كلمة، فللَّه أبوك. قلت: وبم وصفه امرؤ القيس؟ فقال: بقوله:
عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي
وليل كموج البحر أرخى سدوله
وأردف أعجازاً وناء بكلكل
فقلت له لما تمطى بصلبه
بصبح وما الإصباح منك بأمثل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي
قلت: وبم وصفه النابغة؟ فقال: بقوله:
كليني لهم يا أميمة ناصب
وليل أقاسيه بطيء الكواكب
وليس الذي يهدي النجوم بآيب
وصدر أزاح الليل عازب همه
قلت له: وبم وصفه بشار؟ فقال: بقوله:
وما بال ضوء الصبح لا يتوضح
ولكن أطال الليل سقم متبرح
أم الدهر ليل كله ليس يبرح
خليلي ما بال الدجى لا تزحزح
أظن الدجى طالت وما طالت الدجى
أضل النهار المستنير طريقه
قلت له: يا مولاي هل لك في شعر قلته لم أسبق إليه؟ قال: نعم. فقلت:
الجوى بين ضلوعي
كلما اشتد خضوعـي
خيل من دموعـي
ركضت في حلبتي خدي
قال: فثنى رجله عن بغلته، وقال: هاكها فاركبها، فأنت أحق بها مني، فلما
مضى سألت عنه فقيل: هو أبو تمام حبيب بن أوس الطائي.
[٣١١/٨ - ٣١٢]
- قال أبو معاذ النميري: لما قال بشار هذا البيت كان يلهج به كثيراً وينشده:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته وفاز بالطيبات الفاتك اللهج
قلت: يا أبا معاذ قد قال سلم الخاسر بيتاً في هذا المعنى: وهو أخف من هذا
وأنشدته:
من راقب الناس مات غماً وفاز باللذة الجسور

٦٢٣
باب الفصاحة
[٩ /١٤٠]
فقال: ذهب والله بيتي، والله لا أكلت اليوم شيئاً ولا صمت.
- عن محمد بن سلام الجمحي قال: وفد عبيد الله بن الحسن قاضي البصرة
على أمير المؤمنين المهدي، فتكلم بين يديه، فبينا شبيب بن شبة يغدي أصحابه إذ
جاءه رسول عبيد الله بن الحسن يقول له: ائتني الساعة، فغسل يديه، وقال
لأصحابه: أتموا غداءكم، وركب إليه، فقال له: إني تكلمت اليوم بين يدي أمير
المؤمنين، وأبو عبيد الله حاضر، فأحب أن تأتيه عسى أن يجري لي ذكر، فتنظر
هل عجب لكلامي؟ قال شبيب: فجئته، فقال لي: قد تكلم اليوم صاحبكم بين
يدي أمير المؤمنين، فقلت له: فما سمعت؟ فقال: رسائل غيلان، ومواعظ الحسن
[٣٠٨/١٠]
نسج بین ذلك، فملح.
- عن ابن عائشة قال: كنا نجلس مع سيبويه النحوي في المسجد وكان شاباً
جميلاً نظيفاً قد تعلق من كل علم بسبب، وضرب في كل أدب بسهم مع حداثة سنه،
وبراعته في النحو، فبينا نحن عنده ذات يوم إذ هبت ريح أطارت الورق، فقال
لبعض أهل الحلقة: انظر أي الريح هي، وكان على منارة المسجد تمثال فرس فنظر،
ثم عاد فقال: ما ثبت الفرس على شيء، فقال سيبويه: العرب تقول في مثل هذا:
قد تذاءبت الريح، وتذابت، أي: فعلت فعل الذئب، وذلك أن يجيء من ههنا وههنا
ليختل، فيتوهم الناظر أنه عدة ذئاب.
[١٢ / ١٩٧]
* ثمرات الفصاحة:
- عن محمد بن القاسم بن خلاد قال: لما دخل عبد العزيز بن يحيى المكي على
المأمون، وكانت خلقته شنعة جداً، فضحك المعتصم، فأقبل عبد العزيز على
المأمون فقال: يا أمير المؤمنين لم ضحك هذا؟ لم يصطف الله يوسف لجماله،
وإنما اصطفاه لدينه وبيانه، وقد قص ذلك في كتابه بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ
اَلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينُ أَمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] لم يقل لما رأى جماله، فبياني يا أمير المؤمنين
أحسن من وجه هذا، فضحك المأمون وأعجبه قوله، وقال للمعتصم: إن وجهي لا
يكلمك، وإنما يكلمك لساني.
[١٠ / ٤٥٠]
- عن العتبي قال: رُئي مروان بن أبي حفصة واقفاً بباب كئيباً أسفاً جسر ينكت
بسوطه في معرفة دابته، فقيل له: يا أبا السمط ما الذي نراه بك؟ قال: أخبركم
بالعجب، مدحت أمير المؤمنين، فوصفت له ناقتي من خطامها إلى خفيها، ووصفت

٦٢٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
الفيافي من اليمامة إلى بابه أرضاً أرضاً ورملة رملة حتى إذا أشفيت منه على غناء
الدهر جاء ابن بياعة النخاخير يعني أبا العتاهية، فأنشده بيتين، فضعضع بهما
شعري، وسواه في الجائزة بي، فقيل له: وما البيتان فأنشد:
تطوي إليك سباسباً ورمالا
إن المطايا تشتكيك لأنها
وإذا رجعن بنا رجعنا ثقالا
فإذا رحلن بنا رحلن مخفة
[٢٥٨/٦]
- عن سلمة قال: كان عند المهدي مؤدب يؤدب الرشيد، فدعاه يوماً المهدي وهو
يستاك، فقال: كيف تأمر من السواك؟ فقال: استك يا أمير المؤمنين، فقال المهدي:
إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم قال: التمسوا لنا من هو أفهم من ذا، فقالوا: رجل
يقال له علي بن حمزة الكسائي من أهل الكوفة قدم من البادية قريباً، فكتب بإزعاجه
من الكوفة، فساعة دخل عليه قال: يا علي بن حمزة، قال: لبيك يا أمير المؤمنين،
قال: كيف تأمر من السواك؟ قال: سك يا أمير المؤمنين. قال: أحسنت، وأصبت،
وأمر له بعشرة آلاف درهم.
[٤٠٦/١١]
- عن عبد العزيز بن أبي بكر الحسن العلاف قال: حدثني أبي قال: كنت ذات
يوم في دار المعتضد، وقد أطلنا الجلوس بحضرته، ثم نهضنا إلى مجالسنا في حجرة
كانت موسومة بالندماء، فلما أخذنا مضاجعنا، وهدأت العيون أحسسنا بفتح
الأبواب، وتفتيح الأقفال بسرعة، فارتاعت الجماعة لذلك، وجلسنا في فرشنا،
فدخل إلينا خادم من خدم المعتضد فقال: إن أمير المؤمنين يقول لكم: أرقت الليلة
بعد انصرافكم، فعملت:
ما انتهينا للخيال الذي سرى إذا الدار قفر والمزار بعيد
وقد ارتج عليَّ تمامه فأجيزوه، ومن أجازه بما يوافق غرضي أجزلت جائزته، وفي
الجماعة كل شاعر مجيد مذكور، وأديب فاضل مشهور، فأفحمت الجماعة، وأطالوا
الفكر فقلت مبتدراً لهم:
فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي لعل خيالاً طارقاً سيعود
فرجع الخادم إليه بهذا الجواب، ثم عاد إلي فقال: أمير المؤمنين يقول لك:
أحسنت وما قصرت، وقد وقع بيتك الموقع الذي أريده، وقد أمر لك بجائزة، وها
هي فأخذتها، وازداد غيظ الجماعة مني.
[٣٨٠/٧]

٦٢٥
باب الفصاحة
* من أفصح الناس:
- عن أبي محمد البافي قال: لو أوصى رجل بثلث ماله أن يدفع إلى أفصح الناس
لوجب أن يدفع لأبي بكر الأشعري.
[٣٨٠/٥]
- عن القعقاع المقرئ قال: كنت عند الكسائي، فأتاه أعرابي فقال: أنت الكسائي؟
قال: نعم. قال: كوكب ماذا؟ دُري ودَري ودِري، قال: فالدُّري يشبه الدر، والدَّري
جار، والدِّري يلتمع. قال الأعرابي: ما في العرب أعلم منك.
[٤١٠/١١]
- عن حماد بن إسحاق قال: سأل الرشيد عن بيت الراعي:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً ودعا فلم أر مثله مخذولاً
ما معنى محرماً؟ فقال الكسائي: أحرم بالحج، فقال الأصمعي: والله ما كان
أحرم بالحج، ولا أراد الشاعر أيضاً أنه في شهر حرام، فيقال أحرم إذا دخل فيه
كما يقال أشهر إذا دخل في الشهر، وأعام إذا دخل في العام، فقال الكسائي: ما هو
غير هذا، وفيم أراد؟
فقال الأصمعي: ما أراد عدي بن زيد بقوله:
قتلوا كسرى بليل محرماً فتولى لم يمتع بكفن
:أي إحرام لكسرى؟! فقال الرشيد: فما المعنى؟ قال: كل من لم يأت شيئاً يوجب
عليه عقوبة، فهو محرم لا يحل شيء منه، فقال الرشيد: ما تطاق في الشعر يا
أصمعي، ثم قال: لا تعرضوا للأصمعي في الشعر.
[٤١٦/١٠]
- عن الأزهري قال: أن أبا الحسن لما دخل مصر كان بها شيخ علوي من
أهل مدينة رسول الله يقال له مسلم بن عبيد الله، وكان عنده كتاب النسب عن
الخضر بن داود عن الزبير بن بكار، وكان مسلم أحد الموصوفين بالفصاحة
المطبوعين على العربية، فسأل الناس أبا الحسن أن يقرأ عليه كتاب النسب،
ورغبوا في سماعه بقراءته، فأجابهم إلى ذلك، واجتمع في المجلس من كان
بمصر من أهل العلم والأدب والفضل، فحرصوا على أن يحفظوا على أبي الحسن
لحنة أو يظفروا منه بسقطة، فلم يقدورا على ذلك حتى جعل مسلم يعجب، ويقول
له: وعربية أيضاً !.
[٣٥/١٢]
- عن الشافعي قال: لو شاء أن أقول أن القرآن نزل بلغة محمد بن الحسن لقلته
لفصاحته .
[٢ /١٧٥]
- عن الشافعي قال: ما رأيت سميناً أخف روحاً من محمد بن الحسن، وما رأيت
أفصح منه، كنت إذا رأيته يقرأ كأن القرآن نزل بلغته.
[١٧٥/٢]

٦٢٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
آثار فقدان الفصاحة:
- عن ابن أبي حفصة الشاعر قال: أعلمت أن أمير المؤمنين لا يبصر الشعر؟
فقلت: ماذا يكون أفرس منه، والله إنا لننشد أول البيت فيسبق إلى آخره من غير أن
يكون سمعه. قال: إني أنشدته بيتاً أجدت فيه، فلم أره تحرك له، وهذا هو البيت
فاسمعه :
أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلاً بالدين والناس بالدنيا مشاغيل
فقلت له: ما زدت على أن جعلته عجوزاً في محرابها في يدها سبحة، فمن يقوم
بأمر الدنيا إذا كان مشغولاً عنها، وهو المطوق لها، ألا قلت كما قال عمك جرير
لعبد العزيز بن الوليد:
ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله
فلا هو فى الدنيا مضيع نصيبه
[١٨٩/١٠]
- عن ثعلب قال: كان يحضر مجلس الزبير بن بكار رجل من بني هاشم له رواء
وهيئة، حسن الثوب، طيب الرائحة، وكان الزبير يكرمه ويرفع مجلسه، فقال يوماً
للزبير: الفرزدق كان جاهلياً أو تميمياً، فولاه الزبير ظهره، وقال: اللهم أردد على
قريش أخطارها .
[٤٧٠/٨]
باب الفضائل
G)
فضائل الإمام البخاري:
- قال رجاء بن المرجي: فضل محمد بن إسماعيل على العلماء كفضل الرجال
على النساء، فقال له رجل: يا أبا محمد كل ذلك بمرة؟ فقال: هو آية من آيات الله
يمشي على ظهر الأرض.
[٢٥/٢]
* فضائل الإمام الطبري:
قال الخطيب تَخّلُهُ: استوطن الطبري بغداد وأقام بها إلى حين وفاته وكان أحد
أئمة العلماء يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه، لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من
العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظاً لكتاب الله، عارفاً
بالقراءات، بصيراً بالمعاني، فقيهاً في أحكام القرآن، عالماً بالسنن وطرقها
صحيحها وسقيمها وناسخها ومنسوخها، عارفاً بأقوال الصحابة والتابعين ومن
بعدهم من الخالفين في الأحكام ومسائل الحلال والحرام، عارفاً بأيام الناس
وأخبارهم.
[١٦٣/٢]

٦٢٧
باب الفطنة والذكاء
فضائل الإمام الشافعي:
- قال عبد الملك بن محمد: في قوله وَله: ((فإن عالمها يملأ الأرض علماً،
ويملأ طبق الأرض)) علامة بينة للمميز أن المراد بذلك رجل من علماء هذه الأمة من
قريش قد ظهر علمه وانتشر في البلاد وكتبوا تآليفه كما تكتب المصاحف، واستظهروا
أقواله، وهذه صفة لا نعلمها قد أحاطت إلا بالشافعي، إذ كان كل واحد من قريش
من علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم وإن كان علمه قد ظهر وانتشر؛ فإنه لم يبلغ
مبلغاً يقع تأويل هذه الرواية عليه، إذ كان لكل واحد منهم نتف وقطع من العلم
ومسألات، وليس في كل بلد من بلاد المسلمين مدرس ومفتي ومصنف يصنف على
مذهب قرشي إلا على مذهبه، فعلم أنه بعينه لا غيره وهو الذي شرح الأصول
والفروع وازدادت على مر الأيام حسناً وبياناً .
[٦١/٢]
- قال أحمد بن حنبل: إن الله تعالى يقيض للناس في كل رأس مائة سنة من
يعلمهم السنن وينفي عن رسول الله ﴿ الكذب، فنظرنا فإذا في رأس المائة عمر بن
[٦٢/٢]
eSe
عبد العزيز، وفي رأس المائتين الشافعي
- حكى علي بن محمد الجرجاني قول بعضهم:
مَثَلُ البدر في نجوم السماء
مَثَلُ الشافعي في العلماء
أيقاس الضياء بالظلماء
قل لمن قاسه بنعمان جهلاً
[٦٩/٢]
3
باب الفطنة والذكاء
- عن أبي الحسن القاصي قال: كان ببغداد رجل يعرف بسوقة، وكان مشهوراً
بالكلام، وكان ابن أبي عوف يطلبه بسبب المذهب، وكان العدول يطيعون ابن أبي
عوف لتمكنه من السلطان، فقال للعدول: اشهدوا على شهادتي عند السلطان على
موته بالحد حلال الدم، فشهد وشهدوا على شهادته، فأحضر وأحضر ابن أبي عوف
للمناظرة، فلما حضر سوقة قال له الخليفة: ما تقول؟ فنظر فإذا هو إن كذب العدول
أوجب على نفسه عقوبة، وإن سكت حقق على نفسه، فقال: أطال الله بقاء أمير
المؤمنين أنا تائب من كل مذهب خالف التوحيد والإسلام، وأشهد أن لا إله إلا الله
وأن محمداً عبده ورسوله، فأمرهم الخليفة فانصرفوا.
[٤ /٢٤٦ - ٢٤٧]
- عن أبي محمد عبد الله بن حمدون قال: قال لي المعتضد ليلة وقدم له عشاء:
لقمني. قال: وكان الذي قدم فراريج ودراريج، فلقمته من صدر فروج، فقال: لا

٦٢٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
لقمني من فخذه، فلقمته لقماً، ثم قال: هات من الدراريج، فلقمته من أفخاذها،
فقال: ويلك هو ذا تتنادر علي! هات من صدورها، فقلت: يا مولاي ركبت القياس
فضحك، فقلت له: إلى كم أضحك ولا تضحكني؟ قال: شل المطرح، وخذ ما
تحته. قال: فشلته فإذا دينار واحد فقلت: آخذ هذا؟ فقال: نعم، فقلت له: بالله هو
ذا تتنادر أنت الساعة على خليفة يجيز نديمه بدينار، فقال: ويلك لا أجد لك في
بيت المال حقاً أكثر من هذا، ولا تسمح نفسي أن أعطيك من مالي شيئاً، ولكن هو
ذا أحتال لك بحيلة تأخذ فيها خمسة آلاف دينار، فقبلت يده، فقال: إذا كان غد
وجاءني القاسم يعني ابن عبيد الله، فهو ذا أُسارك حين يقع نظري عليه سراراً طويلاً
ألتفت فيه إليه كالمغضَب، وانظر أنت إليه في خلال ذلك كالمخالس لي نظر المترثي
له، فإذا انقطع السرار فيخرج ولا يبرح الدهليز أو تخرج، فإذا خرجت خاطبك
بجميل، وأخذك إلى دعوته، وسألك عن حالك، فاشك الفقر والخلة، وقلة حظك
مني، وثقل ظهرك بالدين والعيال، وخذ ما يعطيك، واطلب كل ما تقع عينك عليه،
فإنه لا يمنعك حتى تستوفي الخمسة آلاف دينار، فإذا أخذتها فسيسألك عما جرى
بيننا، فاصدقه وإياك أن تكذبه، وعرفه أن ذلك حيلة مني عليه حتى وصل إليك هذا،
وحدثه بالحديث كله على شرحه، وليكن إخبارك إياه بذلك بعد امتناع شديد وإحلاف
منه لك بالطلاق والعتاق أن تصدقه، وبعد أن تخرج من داره تأخذ كل ما يعطيك
إياه، وتحصله في بيتك، فلما كان من غد حضر القاسم حين رآه بدا يسارُّني،
وجرت القصة على ما واضعته عليه، فخرجت فإذا القاسم في الدهليز ينتظرني،
فقال: يا أبا محمد ما هذا الجفاء؟ لا تجئني ولا تزورني، ولا تسألني حاجة،
فاعتذرت إليه باتصال الخدمة علي، فقال: ما يقنعني إلا أن تزورني اليوم ونتفرج،
فقلت: أنا خادم الوزير، فأخذني إلى طيارة، وجعل يسألني عن حالي وأخباري،
وأشكو إليه الخلة والإضاقة والدين والبنات، وجفاء الخليفة وإمساكه يده، فيتوجع
ويقول: يا هذا مالي لك، ولن يضيق عليك ما يتسع علي، أو تتجاوزك نعمة
تحصلت لي، أو يتخطاك حظ فإنك في فنائي، ولو عرفتني لعاونتك على إزالة هذا
كله عنك، فشكرته وبلغنا داره فصعد، ولم ينظر في شيء، وقال: هذا اليوم أحتاج
أن أختص فيه بالسرور بأبي محمد فلا يقطعني أحد عنه، وأمر كتابه بالتشاغل
بالأعمال، وخلا بي في دار الخلوة، وجعل يحادثني ويبسطني، وقدمت الفاكهة،
فجعل يلقمني بيده، وجاء الطعام، فكانت هذه سبيله، وهو يستزيدني، فلما جلس
للشرب وقع لي بثلاثة آلاف دينار، وأخذتها للوقت وأحضر ثياباً وطيباً ومركوباً،

٦٢٩
باب الفطنة والذكاء
وأخذت ذلك، وكان بين يدي صينية فضة فيها مغسل فضة وخرداذي بلور، وكوز
وقدح بلور، وأمر بحمله إلى طيارتي، وأقبلت كلما رأيت شيئاً حسناً له قيمة وافرة
طلبته، وحمل إلي فرشاً نفيساً، وقال: هذا للبنات، فلما تقوض أهل المجلس خلا
بي، وقال: يا أبا محمد أنت عالم بحقوق أبي عليك، ومودتي لك، فقلت: أنا
خادم الوزير، فقال: أريد أن أسألك عن شيء، وتحلف لي أنك تصدقني عنه،
فقلت: السمع والطاعة، فأحلفني بالله وبالطلاق والعتاق على الصدق، ثم قال لي:
بأي شيء سارك الخليفة اليوم في أمري؟ فصدقته عن كل ما جرى حرفاً بحرف،
فقال: فرَّجت عني، ولكون هذا هكذا مع سلامة نيته لي أسهل علي، فشكرته
وودعته، وانصرفت إلى بيتي، فلما كان من غد باكرت المعتضد، فقال: هات
حديثك، فنسقته عليه، فقال: احفظ الدنانير، ولا يقع لك أني أعمل مثلها معك
[٤٠٥/٤ - ٤٠٦]
بسرعة .
- عن أبي الحسن الخرزي الداودي قال: لما جلس محمد بن داود بن علي
الأصبهاني بعد وفاة أبيه في حلقته يفتي استصغروه عن ذلك فدسوا إليه رجلاً، وقالوا
له: سله عن حد السكر ما هو؟ فأتاه الرجل فسأله عن حد السكر ما هو؟ ومتى
يكون الإنسان سكران؟ فقال محمد: إذا عزبت عنه الهموم، وباح بسره المكتوم،
فاستُحسن ذلك منه، وعلم موضعه من العلم.
[٢٥٦/٥]
- عن سليمان بن يحيى بن معاذ قال: إن أبا جعفر المنصور كان جالساً، فألح
عليه ذباب يقع على وجهه، وألح في الوقوع مراراً حتى أضجره، فقال: انظروا من
بالباب، فقيل: مقاتل بن سليمان، فقال: علي به، فلما دخل عليه قال له: هل تعلم
لماذا خلق الذباب؟ قال: نعم؛ ليذل الله به الجبارين، فسكت المنصور. [١٦٠/١٣]
- عن أبي القاسم علي بن الحسن بن علي قال: إن الملك الملقب بعضد الدولة
كان قد بعث القاضي أبا بكر بن الباقلاني في رسالة إلى ملك الروم، فلما ورد مدينته
عرف الملك خبره وبيَّن له محله من العلم وموضعه، ففكر الملك في أمره، وعلم أنه
لا يكفر له إذا دخل عليه كما جرى رسم الرعية أن تقبل الأرض بين يدي الملوك،
ثم نتجت له الفكرة أن يضع سريره الذي يجلس عليه وراء باب لطيف لا يمكّن أحداً
أن يدخل منه إلا راكعاً ليدخل القاضي منه على تلك الحال فيكون عوضاً من تكفيره
بين يديه، فلما وضع سريره في ذلك الموضع أمر بإدخال القاضي من الباب، فسار
حتى وصل إلى المكان، فلما رآه تفكر فيه، ثم فطن بالقصة فأدار ظهره وحنا رأسه
راكعاً ودخل من الباب وهو يمشي إلى خلفه قد استقبل الملك بدبره حتى صار بين

٦٣٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
يديه، ثم رفع رأسه ونصب ظهره وأدار وجهه حينئذ على الملك، فعجب من فطنته
ووقعت له الهيبة في نفسه.
[٣٧٩/٥]
- عن حسن الوصيف قال: قعد المهدي قعوداً عاماً للناس، فدخل رجل وفي يده
نعل في منديل فقال: يا أمير المؤمنين، هذه نعل رسول الله قد أهديتها لك، فقال:
هاتها، فدفعها إليه، فقبل باطنها، ووضعها على عينيه، وأمر للرجل بعشرة آلاف
درهم، فلما أخذها وانصرف قال لجلسائه: أترون أني لم أعلم أن رسول الله لم ير
النعل هذه فضلاً عن أن يكون لبسها، ولو كذبناه قال للناس: أتيت أمير المؤمنين
بنعل رسول الله فردها علي، وكان من يصدقه أكثر ممن يدفع خبره، وإذا كان من
شأن العامة الميل إلى أشكالها والنصرة للضعيف على القوي وإن كان ظالماً فاشترينا
لسانه، وقبلنا هديته وصدقنا قوله، ورأينا الذي فعلناه أنجح وأرجح.
[٣٩٤/٥]
- عن أبي العيناء قال: لما ولي إسماعيل البصرة دس إليه الأنصاري - يعني
محمد بن عبد الله - إنساناً يسأله عن مسألة فقال: أبقى الله القاضي رجل قال
لامرأته، فقطع عليه إسماعيل، وقال: قل للذي دسك: إن القضاة لا تفتي. [٢٤٤/٦]
- عن إسحاق بن إبراهيم قال: دعاني المأمون، وعنده إبراهيم بن المهدي، وفي
مجلسه عشرون جارية قد أقعد عشراً عن يمينه وعشراً عن يساره معهن العيدان
يضربن بها، فلما دخلت سمعت من الناحية اليسرى خطأ فأنكرته. قال المأمون: يا
إسحاق أتسمع خطأ؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فقال لإبراهيم بن المهدي: هل
تسمع خطأ؟ قال: لا، فأعاد علي السؤال، فقلت: بلى، والله يا أمير المؤمنين، وإنه
لفي الجانب الأيسر فأعاد إبراهيم سمعه إلى ناحية اليسرى، ثم قال: لا، والله يا
أمير المؤمنين ما في هذه الناحية خطأ، فقلت: يا أمير المؤمنين مر الجواري اللواتي
على الميمنة أن يمسكن، فأمرهن فأمسكن، ثم قلت لإبراهيم: هل تسمع خطأ؟
فتسمَّع، ثم قال: ما ها هنا خطأ، فقلت: يا أمير المؤمنين يمسكن وتضرب الثامنة،
فأمسكن وضربت الثامنة، فعرف إبراهيم الخطأ، فقال: نعم يا أمير المؤمنين ها هنا
خطأ، فقال عند ذلك المأمون: يا إبراهيم لا تمار إسحاق بعد اليوم فإن رجلاً فهم
الخطأ بين ثمانين وتراً وعشرين حلقاً لجدير بأن لا تماريه، فقال: صدقت يا أمير
[٣٤٣/٦ - ٣٤٤]
المؤمنین.
- عن عبد العزيز بن أبي بكر الحسن العلاف قال: حدثني أبي قال: كنت ذات
يوم في دار المعتضد، وقد أطلنا الجلوس بحضرته، ثم نهضنا إلى مجالسنا في حجرة
كانت موسومة بالندماء، فلما أخذنا مضاجعنا، وهدأت العيون أحسسنا بفتح

A
=
٦٣١
باب الفطنة والذكاء
الأبواب، وتفتيح الأقفال بسرعة، فارتاعت الجماعة لذلك، وجلسنا في فرشنا،
فدخل إلينا خادم من خدم المعتضد فقال: إن أمير المؤمنين يقول لكم: أرقت الليلة
بعد انصرافكم، فعملت:
ولما انتهينا للخيال الذي سرى إذا الدار قفر والمزار بعيد
وقد أرتج عليَّ تمامه فأجيزوه، ومن أجازه بما يوافق غرضي أجزلت جائزته، وفي
الجماعة كل شاعر مجيد مذكور، وأديب فاضل مشهور، فأفحمت الجماعة، وأطالوا
الفكر فقلت مبتدراً لهم:
فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي لعل خيالاً طارقاً سيعود
فرجع الخادم إليه بهذا الجواب، ثم عاد إلي فقال: أمير المؤمنين يقول لك:
أحسنت وما قصرت، وقد وقع بيتك الموقع الذي أريده، وقد أمر لك بجائزة، وها
هي فأخذتها، وازداد غيظ الجماعة مني.
[٣٨٠/٧]
- عن إسحاق بن محمد بن أبان قال: كنت قاعداً مع دعبل بن علي بالبصرة،
وعلى رأسه غلام يقال له نفنف، فمر به أعرابي يرفل في ثياب خز، فقال لغلامه:
ادع هذا الأعرابي إلينا، فأومأ الغلام إليه فجاء، فقال له دعبل: ممن الرجل؟ قال:
رجل من بني كلاب. قال: من أي بني كلاب؟ قال: من ولد أبي بكر. قال: أتعرف
الذي يقول:
ومحض كلاب يقطع الصلوات
ونبئت كلباً من كلاب يسبني
كلاب وأني باسل النقمات
فإن أنا لم أعلم كلاباً بأنها
كانت إذاً أمي من الحبطات
فكان إذاً من قيس عيلان والدي
يعني بني تميم وهم أعدى الناس لليمن. قال أبو يعقوب: وهذا الشعر لدعبل في
عمرو بن عاصم الكلابي، فقال له الأعرابي: ممن أنت؟ فكره أن يقول من خزاعة
فيهجوه، فقال: أنا أنتمي إلى القوم الذين يقول فيهم الشاعر:
وحمزة والسجاد ذو الثفنات
أناس علي الخير منهم وجعفر
وجبريل والقرآن والسورات
إذا افتخروا يوماً أتوا بمحمد
وهذا الشعر أيضاً له قال: فوثب الأعرابي وهو يقول: محمد وجبريل والقرآن
[٣٨٣/٨]
والسورات ما إلى هؤلاء مرتقى.
- عن أحمد بن الحسين الأنصاري قال: قدم علينا ابن عمرو بن مرزوق الباهلي
البصري أصبهان في أيام سليمان بن داود الشاذكوني وذكر أن سليمان الشاذكوني
وسفيان الرؤاسي وبلبل كانوا في رفقة يكتبون الحديث، فأخذوا غلاماً نصرانياً، فلم

٦٣٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
يكن لهم موضع فأدخلوه مسجداً فقالوا لسليمان الشاذكوني: أين ترى ننحره؟ فقال:
أخبرنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال: المحاريب محدثة، فأبى الغلام دخول
المحراب، فقال سليمان: عبد صالح اجتنب المنحر، فلما ضرب الدهر ضرباته،
وقدم ابن عمرو بن مرزوق أصبهان سأل الشاذكوني وتوسل إليه بأبوته وبالبلديه فلم
يسعفه بشيء، فأراد أن يخجل الشاذكوني فقام يوم مجلسه فقال: يا أبا أيوب إن
رأيت أن تحدثنا بحديث العبد الصالح الذي اجتنب المنحر، وإذا أبو أيوب أعظم
تجربة، وأشد حكمة من أن يخجله شاب، فقال: هذا عهد بعيد، والحديث طويل،
ولم أذاكر به منذ حين فإذا فرغنا من المجلس، فأتنا ونحن في المنزل لنحدثك
بحديث العبد الصالح الذي اجتنب المنحر، فرجع خجلاً وخرج عن البلد. [٤٥/٩]
- عن عبد الله بن المعتز قال: كان أبو العباس محمد بن يزيد النحوي المبرد
يجئني كثيراً إذا خرج من عند إسماعيل القاضي لقرب داره من داري، وكنت لقيت
أبا العباس أحمد بن يحيى في المسجد الجامع وكان يتشوقني، ويعتذر من تأخره
عني، وكنت قد امتنعت من الركوب إلى المسجد وغيره، فكتبت إليه:
بماء مزن بارد مـصفق
ما وجد صاد في الحبال موثق
لصخرة إن تر شمساً تبرق
جادت به أخلاف دجن مطبق
صريح غيث خالص لم يمذق
فهو عليها كالزجاج الأزرق
يا فاتحاً لكل علم مغلق
إلا كوجدي بك لكن اتقى
إن قال هذا بهرج لم ينفق
وصيرفياً ناقداً للمنطق
لنلتقي بالذكر إن لم نلتق
أنا على البعاد والتفرق
فكتب إلي يشكر ويقول إنه ليس ممن يعمل الشعر فيجيب ويشبه أول أبياتي بقول
جمیل :
على الماء يغشين العصى حوان
فما صاديات حِمْنَ يوماً وليلة
ولا هن من برد الحياض دوان
فهن لأصوات السقاة روان
عليك ولكن العدو عداني
لوائب لم يصددن عنه بوجهه
يرين حباب الماء والموت دونه
بأبعد مني غل صدر ولوعة
وإن آخر أبياتي يشبه قول رؤبة:
إني إذا لم ترني فإنني
أراك بالغيب وإن لم ترني
[٩٥/١٠]
- عن يحيى بن أكثم القاضي قال: ما رأيت أكمل آلة من المأمون وجعل يحدث

٦٣٣
باب الفطنة والذكاء
بأشياء استحسنها من كان في مجلسه، ثم قال: كنت عنده يعني ليلة أذاكره وأحدثه،
ثم نام وانتبه، فقال: يا يحيى انظر إيش عند رجلي، فنظرت فلم أر شيئاً، فقال:
شمعة، فتبادر الفراشون، فقال: انظروا، فنظروا فإذا تحت فراشه حية بطوله
فقتلوها، فقلت: قد انضاف إلى كمال أمير المؤمنين علم الغيب، فقال: معاذ الله،
ولكني هتف بي هاتف الساعة وأنا نائم فقال:
إن الخطوب لها سرى
يا راقد الليل انتبه
ثقة محللة العرى
ثقة الفتى بزمانه
قال: فانتبهت فعلمت أن قد حدث أمراً إما قريب وإما بعيد، فتأملت ما قرب
[١٨٨/١٠]
فكان ما رأيت.
- عن أبي عيسى الهاشمي قال: كنت بحضرة المأمون، فأحضر رجلاً فأمر بضرب
عنقه، وكان الرجل من ذوي العقول، فقال ليحيى بن أكثم: إن أمير المؤمنين قد أمر
بضرب عنقي، وإن دمي عليه لحرام، فهل لي في حاجة أسأله إياها لا تضر بدينه ولا
مروءته، فإذا فعل ذلك فهو في حل من دمي، فأظهر المأمون تحرجاً، فقال ليحيى بن
أكثم: سله عنها، فقال الرجل: يضع يده في يدي إلى الموضع الذي يضرب فيه
عنقي، فإذا فعل ذلك فهو في حل من دمي، فقام المأمون من مجلسه، وضرب بيده
إلى يد الرجل، فلم يزل يخبره وينشده ويحدثه حتى كأنه بعض من آنس به، فلما أن
رأى السياف والسيف والموضع الذي يكون فيه مثل هذه الحال انعطف، فقال الأمير
المؤمنين المأمون: بحق هذه الصحبة والمحادثة لما عفوت، فعفا عنه، وأجزل له
[١٠/ ١٩١ ]
الجائزة.
- عن أبي العيناء قال: كان الجاحظ يأكل مع محمد بن عبد الملك الزيات،
فجاؤوا بفالوجة فتولع محمد بالجاحظ، وأمر أن يجعل من جهته مارق من الجام
فأسرع في الأكل، فتنطف ما بين يديه، فقال ابن الزيات: تقشعت سماؤك قبل سماء
الناس، فقال له الجاحظ: لأن غيمها كان رقيقاً.
[٢١٨/١٢]
- عن إبراهيم بن الحسن بن سهل قال: كنا في موكب المأمون فترجل له أبو دلف
فقال له المأمون: ما أخرك عنا؟ فقال: علة عرضت لي، فقال: شفاك الله وعافاك،
اركب، فوثب من الأرض على الفرس، فقال له المأمون: ما هذه وثبة عليل! فقال:
[٤٢٠/١٢]
بدعاء أمير المؤمنين شفيت.
- عن السائب بن الأقرع أنه كان جالساً في إيوان كسرى قال: فنظرت إلى
إنسان يشير بأصبعه إلى موضع، فوقع في رُوعي أنه يشير إلى كنز فاحتفرت ذلك

٦٣٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
الموضع فاستجمعت كنزاً عظيماً، وكتبت إلى عمر أخبره أن هذا شيء أفاء الله
عليَّ دون المسلمين، فكتب إليَّ عمر: إنك أمير من أمراء المسلمين، فاقسمه بين
المسلمین.
[٢٠٣/١]
- عن علي بن يحيى المنجم قال: جلس المنتصر في مجلس كان أمر أن يفرش له
بفرش ديباج مثقل بالذهب، وكان في بعض البسط دائرة كتابة فيها مثال فرس وعليه
راكب وعلى رأسه تاج، وحول الدائرة كتابة بالفارسية، فلما جلس المنتصر وجلس
الندماء، وقف على رأسه وجوه الموالي والقواد، فنظر إلى تلك الدائرة وإلى الكتاب
الذي حولها، فقال لبغا: إيش هذا الكتاب؟ فقال: لا أعلم يا سيدي، فسأل من
حضر من الندماء فلم يحسن أحد أن يقرأه، فالتفت إلى وصيف وقال: أحضر لي من
يقرأ هذا الكتاب، فأحضر رجلاً فقرأ الكتاب فقطب، فقال له المنتصر: ما هو؟
فقال: يا أمير المؤمنين بعض حماقات الفرس، قال: أخبرني ما هو؟ قال: يا أمير
المؤمنين ليس له معنى، فألح عليه وغضب. قال يقول: أنا شيرويه بن كسرى بن
هرمز، قتلت أبي فلم أمتع بالملك إلا ستة أشهر، فتغير وجه المنتصر وقام عن
مجلسه إلى النساء، فلم يملك إلا ستة أشهر.
[١٢٠/٢ - ١٢١ ]
- عن القاضي أبي محمد عبد الله بن محمد قال: حججت في بعض السنين،
وحج في تلك السنة أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي، وأبو بكر الآدمي القارئ،
فلما صرنا بمدينة الرسول و 38، جاءني أبو القاسم البغوي فقال لي: يا أبا بكر ههنا
رجل ضرير قد جمع حلقة في مسجد رسول الله ولي، وقعد يقص ويروي الكذب من
الأحاديث الموضوعة، والأخبار المفتعلة، فإن رأيت أن تمضي بنا إليه لننكر عليه
ذلك ونمنعه منه؟ فقلت له: يا أبا القاسم إن كلامنا لا يؤثر مع هذا الجمع الكثير،
والخلق العظيم، ولسنا ببغداد فيعرف لنا موضعنا، وننزّل منازلنا، ولكن ههنا أمر آخر
وهو الصواب، وأقبلت على أبي بكر الآدمي فقلت: استعد واقرأ، فما هو إلا أن
ابتدأ بالقراءة حتى انفلت الحلقة، وانفصل الناس جميعاً، وأحاطو بنا يسمعون قراءة
أبي بكر، وتركوا الضرير وحده، فسمعته يقول لقائده: خذ بيدي، فهكذا تزول
[١٤٧/٢]
النعم .
- عن الشافعي قال: لم يزل محمد بن الحسن عندي عظيماً جليلاً، أنفقت على
كتبه ستين ديناراً حتى جمعني وإياه مجلس عند الرشيد، فابتدأ محمد بن الحسن
فقال: يا أمير المؤمنين إن أهل المدينة خالفوا كتاب الله نصاً، وأحكام رسول الله وَالت ،
وإجماع المسلمين، فأخذني ما قدم وما حدث، فقلت: ألا أراك قد قصدت لأهل

=
٦٣٥
باب الفطنة والذكاء
بيت النبوة، ومن نزل القرآن فيهم، وأحكمت الأحكام فيهم، وقبر رسول الله وَ لاه بين
أظهرهم عمدت تهجوهم، أرأيتك أنت بأي شيء قضيت بشهادة امرأة واحدة قابلة
حتى تورث ابن خليفة ملك الدنيا ومالاً عظيماً؟ قال: بعلي بن أبي طالب. قلت:
إنما رواه عن علي رجل مجهول يقال له عبد الله بن نجي، ورواه جابر الجعفي وكان
يؤمن بالرجعة سمعت سفيان بن عيينة يقول: دخلت على جابر الجعفي فسألني عن
شيء من أمر الكهنة، ونحن معنا قضاء رسول الله وَّله، وقضاء علي بن أبي طالب
أنه قضى به بين أهل العراق، وقلت له: ما تقول في القسامة؟ قال: استفهام، قلت:
يا سبحان الله! تزعم أن رسول رب العالمين حكم في أمته بالاستفهام يستفهم ولا
يحكم به، قال: فسمعها هارون، فقال: ما هذا؟ علي بالسيف والنطع، فلما جيء
بهما قلت: يا أمير المؤمنين والله ما هذا عقده في القسامة، وإنه ليقول فيهما بخلاف
هذا، ولكن المتناظرين إذا أحب أحدهما أن يدخل على صاحبه حجة يكبته بها.
قال: فسري عن هارون. قال: فلما خرجنا من عنده قال لي: كنت قد أشطت
بدمي. قال: قلت: فقد خلصك الله الآن.
[١٧٨/٢ - ١٧٩ ]
- عن عبد الله بن مصعب قال: كنت عند أمير المؤمنين الرشيد فقال له بعض
جلسائه في محمد بن عبد الرحمن: هو حدث السن وليس مثله يلي القضاء، فقلت:
لا يضيع فتى من قريش في مجلس أنا فيه، فأقبلت عليهم فقلت لهم: وهل عاب الله
أحداً بالحداثة؟ أمير المؤمنين حدث السن أفتعيبونه؟! وقد قال الله تعالى: ﴿قَالُواْ
سَمِعْنَا فَتَى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ: إِنْزَهِيمُ﴾ [الانبياء: ٦٠]. فقال لهم أمير المؤمنين: صدق، أنا
حدث السن أتعيبوني بالحداثة؟ وأقره على القضاء.
[٣٠٩/٢]
- عن أبي سعيد السمرقندي قال: كان ببغداد قائد يلقب بالكنى، كنيته أبو
إسحاق، وكان يخاطب ابن قريعة: لبيك يا أبا إسحاق، فقال القائد: ما هذا؟
فأجابه إنما يكون بكورك إذا قضيتنا، فإذا بكرتنا تسحقناك، فقال القائد: وا ويلاه
هذا أفظع من الأول.
[٣٢٠/٢]
- عن الشاذكوني قال: كتبت ورقة من حديث الواقدي، وجعلت فيها حديثاً عن
مالك لم يروه إلا ابن مهدي عن مالك، ثم أتيت بها الواقدي فحدثني إلى أن بلغ
الحديث. قال: فتركني، ثم قام فدخل، ثم خرج فقال لي: هذا الحديث سأل عنه
إنسان بغيض لمالك بن أنس فلم أکتبه، ثم حدثني به.
[١٠/٣]
- عن أبي العيناء قال: أنا والله أحبك بكليتي، فقال: إلا عضواً واحداً، فبلغ
ذلك ابن أبي دؤاد فقال: لقد وفق في التحديد عليه.
[١٧٧/٣]

٦٣٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن أبي العيناء قال: قال لي المنتصر يوماً: ما أحسن الجواب؟ فقلت: ما
أسكت المبطل، وحَبرَ المحقّ.
[١٧٧/٣]
- عن عبد الرحمن بن صالح الأزدي قال: حج هارون الرشيد فأتى قبر النبي وَلّـ
زائراً له وحوله قريش وأفياء القبائل، ومعه موسى بن جعفر، فلما انتهى إلى القبر
قال: السلام عليك يا رسول الله يا ابن عمي افتخاراً على من حوله، فدنا موسى بن
جعفر فقال: السلام عليك يا أبة، فتغير وجه هارون، وقال: هذا الفخر يا أبا
الحسن حقاً .
[٣١/١٣]
- عن أبي عبد الله بن سلمويه قال: أسر مصعب بن الزبير رجلاً فأمر بضرب
عنقه، فقال: أعز الله الأمير ما أقبح بمثلي أن يقوم يوم القيامة فأتعلق بأطرافك
الحسنة، وبوجهك الذي يستضاء به، فأقول: يا رب سل مصعباً فيم قتلني؟ فقال: يا
غلام اعف عنه، فقال: أعز الله الأمير إن رأيت أن تجعل ما وهبت من حياتي في
عيش رخي. قال: يا غلام أعطه مائة ألف، فقال: أعز الله الأمير، فإني أشهد الله
وأشهدك إني قد جعلت لابن قيس الرقيات منها خمسين ألفاً، فقال له: ولم؟ قال
لقوله فیك:
تجلَّت عن وجهه الظلماء
إنما مصعب شهاب من الله
[١٠٦/١٣]
- عن أبي غسان زياد قال: تكلم أبو عبيدة يوماً في باب من العلم، ورجل يكسر
عينه حياء له يوهمه أنه يعلم ما يقول، فقال أبو عبيدة:
لأحسب عنده علماً دفيناً
يكلمني ويخلج حاجبيه
إذا قسم الذي يدري الظنونا
وما يدري قبيلاً من دبير
قال زياد: فكنا نرى أن البيتين لأبي عبيدة، وكان لا يقر بالشعر.
[٢٥٦/١٣]
باب الفقر
- عن بشر بن الحارث قال: كان فتح الموصلي إذا كان ليالي الشتاء جمع عياله،
ومال بكسائه عليهم، ثم يقول: اللهم أفقرتني، وأفقرت عيالي، وجوعتني وجوعت
عيالي، وأعريتني وأعريت عيالي، بأي وسيلة توسلتها إليك، وإنما تفعل هذا
بأوليائك وأحبابك، فهل أنا منهم حتى أفرح.
[٣٨٣/١٢]
- قال رويماً: الفقر له حرمة، وحرمته ستره وإخفاؤه، والغيرة عليه، والضن به،
فمن كشفه وأظهره وبذله، فليس هو من أهله ولا كرامة.
[٤٣٠/٨ - ٤٣١]

٦٣٧
باب الفقر
- عن الحسن بن عبد الله بن إبراهيم قال: سئل أبو محمد الجريري عن الفقر
والغنى أيهما أفضل؟ فقال: لو لم يكن من فضل الفقر إلا ثلاث: إسقاط المطالبة،
وقطع عن المعصية، وتقديم الدخول إلى الجنة لكفى، فنقل هذا الكلام إلى أبي
العباس بن عطاء، فقال: يا سبحان الله! وأي فضل يكون أفضل مما أضافه الله إلى
نفسه، وأي شيء يكون أعجز من شيء تنافى الله عنه لأن الله أضاف الغنى إلى
نفسه، وتنافى عن الفقر، واعتد على نبيه فقال: ﴿وَوَجَدَكَ عَآَيِلًا فَأَغْفَ﴾، ولم يقل:
فأفقر، فكان اعتداد الله بالعطاء لا بالفقر، ثم ذكر عند موضع تشريف أسماء العطاء
﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾، ولم يقل إن ترك فقراً، ثم قال بعد ذلك: فإن احتج محتج بأنه
عرض عليه مفاتيح الدنيا، فلم يقبلها، ولم يردها، وتركها اختياراً فهذا صفة
التاركين، والتارك لا يكون إلا غنياً.
[٢٨/٥]
- عن القاضي أبي العباس الأبيوردي قال: كان يصوم الدهر، وإن غالب إفطاره
كان على الخبز والملح، وكان فقيراً يظهر المروءة. قال: ومكث شتوة كاملة لا
يملك جبة يلبسها، وكان يقول لأصحابه: بي علة تمنعني من لبس المحشو، فكانوا
يظنونه يعني المرض، وإنما كان يعني بذلك الفقر، ولا يظهره تصوناً ومروءة. [٥١/٥]
- عن سعيد بن إسماعيل قال: دخلت بغداد على رجل في بيته فرأيت ثمة حصيراً
وكوزاً مكسوراً. قال: فكنت أنظر في البيت. قال: ففطن الرجل، فقال: العفا(١)
[١٠١/٩]
خير من العافية.
- عن محمد بن عبد الوهاب قال: ما رأيت الفقر قط أعز ولا أرفع منه في
مجلس سفيان، ولا رأيت الغنى أذل منه في مجلس سفيان.
[١٦٢/٩]
- عن مسلم بن إبراهيم قال: ما دخلت على شعبة في وقت صلاة قط إلا رأيته
قائماً يصلي، وكان أبا الفقراء وأمهم، وسمعته يقول: والله لولا الفقراء ما جلست
[٢٦١/٩]
لکم.
- عن يحيى بن سعيد قال: ما رأيت أحداً أشد حباً للمساكين من شعبة، وكان
يقول: إذا كان في بيتي دقيق وقصب فلا أبالي ما فاتني.
[٢٦١/٩]
- عن أبي تراب النخشبي قال: سألت أبا يزيد عن الفقير له وصف؟ فقال: نعم،
لا يملك شيئاً، ولا يملكه شيء.
[٢٨٣/١٠]
- عن عمر بن حفص الأشقر قال: كنا مع محمد بن إسماعيل بالبصرة نكتب
(١) أراد هنا شدة الفقر وأن العدم مع الرضا خير من الغنى مع العافية.

٦٣٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
الحديث، ففقدناه أياماً فطلبناه فوجدناه في بيت وهو عريان، وقد نفد ما عنده، ولم
يبق معه شيء، فاجتمعنا وجمعنا له الدراهم حتى اشترينا له ثوباً وكسوناه، ثم اندفع
[١٣/٢]
معنا في كتابة الحديث.
- عن محمد بن جرير قال:
بطر الغنى ومذلة الفقر
خُلُقان لا أرضى طريقهما
وإذا افتقرتَ فته على الدهر
فإذا غنيتَ فلا تكن بطراً
[١٦٥/٢]
- عن طلحة بن محمد قال: إن اللصوص كبسوا المستكفي بالله في داره فقتلوه،
وأخذوا جميع ما كان له في منزله ولعياله، وقدروا أن عنده شيئاً له قدر، فوجدوه
فقيراً .
[٤٠٤/٢]
- عن ابن الكرنبي قال: إن الفقير الصادق ليحذر من الغنى حذراً أن يدخله الغنى
فيفسد عليه فقره، كما أن الغني يحذر من الفقر حذراً أن يدخل عليه فيفسد غناه
[٤١٣/١٤]
عليه .
باب الفقه
* سعة فقه الإمام أحمد:
- عن إسحاق بن راهويه قال: كنت أجالس بالعراق أحمد بن حنبل ويحيى بن
معين وأصحابنا، فكنا نتذاكر الحديث من طريق وطريقين وثلاثة، فيقول يحيى بن
معين من بينهم: وطريق كذا، فأقول: أليس قد صح هذا بإجماع منا؟ فيقولون: نعم.
فأقول: ما مراده؟ ما تفسيره؟ ما فقهه؟ فيقفون كلهم إلا أحمد بن حنبل.
[٤١٩/٤]
باب فقه السؤال والجواب
- عن أبي مالك جرير بن أحمد بن أبي دؤاد قال: قال الواثق يوماً لأبي
ضجراً بكثرة حوائجه: حدثنا يا أحمد، قد اختلت بيوت الأموال بطلبائك اللائذين
بك، والمتوسلين إليك، فقال: يا أمير المؤمنين نتائج شكرها متصلة بك، وذخائر
أجرها مكتوبة لك، وما لي من ذلك إلَّا عشق اتصال الألسن بحلو المدح فيك،
فقال: يا أبا عبد الله لا منعناك ما يزيد في عشقك، ويقوي من همتك، فتناولنا
بما أحببت.
[١٤٦/٤]
٠

٦٣٩
باب فقه السؤال والجواب
- قال أبو الحسن الزهراني لابن قريعة: ما حدود القفا؟ فأجابه في الوقت: ما
داعبك فيه إخوانك، وشرطك فيه حجامك، وأدبك فيه سلطانك، واشتمل عليه
جربانك. فقال: ما حد الصفع؟ قال: الرفع والوضع للضر والنفع.
[٣٢٠/٢]
- قال ابن عرابة المؤدب: حكى لي محمد بن عمران الضبي أنه حقّظ ابن المعتز
وهو يؤدبه النازعات وقال: إذا سألك أبوك في أي شيء أنت؟ فقل له: أنا في
السورة التي تلي عبس، ولا تقل أنا في النازعات. قال فسأله أبوه في أي شيء
أنت؟ قال: في السورة التي تلي عبس، فقال له: من علمك هذا. قال: مؤدبي فأمر
له بعشرة آلاف درهم.
[١٣٣/٣]
- عن أحمد بن المعدل قال: كتب ابن أبي دؤاد إلى رجل من أهل المدينة يتوهم
أنه عبد الله بن موسى بن جعفر بن محمد: إن بايعت أمير المؤمنين في مقالته
استوجبت منه حسن المكافأة، وإن امتنعت لم تأمن مكروهه، فكتب إليه: عصمنا الله
وإياك من الفتنة، وكأنه إن يفعل فأعظم بها نعمة، وإلا فهي الهلكة، نحن نرى
الكلام في القرآن بدعة يشترك فيها السائل والمجيب، فتعاطى السائل ما ليس له،
وتكلف المجيب ما ليس عليه، ولا يعلم خالقاً إلا الله، وما سواه مخلوق، والقرآن
كلام الله فانته بنفسك، ومخافتك إلى اسمه الذي سماه الله به، وذر الذين يلحدون
في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون، ولا تسم القرآن باسم من عندك فتكون من
الضالين، فلما وقف على جوابه أعرض عنه، فلم يذكره.
[١٥١/٤ ]
- عن أبي منصور أحمد بن شعيب بن صالح البخاري قال: كنت عند أبي خليفة
فاستجزت منه كتباً، فقلت له: أجزت لي ولفلان ولفلان، وهم لفلان مال، فقال
لي: هم ليس في الكلام المعرب، ثم قال: أنشدني أبو الفضل العباس بن الفرج
الرياشي لنفسه :
يطيل العيا طول السكوت على الجهل
شفاء العيا حسن السؤال وأنتما
خلقت أخا عقل لتسأل بالعقل
فكن سائلاً عما عندك فإنما
[١٩٣/٤]
- عن محمد بن دؤاد الأصبهاني قال: كنت جالساً عند أبي بكر محمد بن داود،
فجاءته امرأة فقالت له: ما تقول في رجل له زوجة لا هو ممسكها ولا هو مطلقها؟
ومعنى قولها لا ممسكها: أنه لا يقدر على نفقتها، فقال أبو بكر بن داود: اختلف
في ذلك أهل العلم، فقال قائلون: تؤمر بالصبر والاحتساب، ويبعث على التطلب
والاكتساب، وقال قائلون: يؤمر بالإنفاق، وإلا يحمل على الطلاق. قال أبو

٦٤٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
العباس: فلم تفهم قوله، وأعادت مسألته، وقالت له: رجل له زوجة لا هو
ممسكها، ولا هو مطلقها، فقال: يا هذه قد أجبتك عن مسألتك، وأرشدتك إلى
طلبتك، ولست بسلطان فأمضي، ولا قاض فأقضي، ولا زوج فأرضي، انصرفي
[٢٥٦/٥]
رحمك الله. قال: فانصرفت المرأة، ولم تفهم جوابه.
- كان محمد بن داود وأبو العباس بن سريج يسيران في طريق ضيقة فقال أبو
العباس: الطرق الضيقة تورث العقوق، فقال له محمد بن داود: وتوجب
[٢٥٩/٥]
الحقوق.
- عن أبي جعفر محمد بن أحمد السمناني قال: حدث أن ابن المعلم شيخ
الرافضة ومتكلمها حضر بعض مجالس النظر مع أصحاب له إذ أقبل القاضي أبو بكر
الأشعري، فالتفت ابن المعلم إلى أصحابه وقال لهم: قد جاءكم الشيطان، فسمع
القاضي كلامهم، وكان بعيداً من القوم، فلما جلس أقبل على ابن المعلم وأصحابه
وقال لهم: قال ﴿أَنَّ أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ تَؤُزُهُمْ أَزَّا﴾ [مريم: ٨٣] أي: إن كنت
شيطاناً فأنتم كفار، وقد أرسلت عليكم.
[٣٧٩/٥]
- قال محمد بن إسحاق الصاغاني - وسأله أبي - فقال له إلى أي قبيلة تنسب یا
أبا بكر؟ فقال إن جدي كان في الصحراء فاستقبله رجل فقال له أسلم، فأسلم وقطع
[٢٤١/١]
الزنار.
- عن محمد بن زياد قال: دخل مروان بن أبي حفصة على المهدي وعنده جماعة
فأنشده :
واستراخت عواذله
صحا بعد جهــل
قال فقال لي: ويلك كم هي بيتاً؟ قلت: يا أمير المؤمنين سبعون بيتاً. قال: فإن
لك عندي سبعين ألفاً. قال: فقلت في نفسي: بالنسيئة إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم
قلت: يا أمير المؤمنين اسمع مني أبياتاً حضرت، فما في الأرض أنبل من كفيلي.
قال: هات، فاندفعت فأنشدته:
فما من أب إلا أبو الفضل فاضله
كفاكم بعباس أبي الفضل والداً
أبو جعفر في كل أمر يحاوله
كان أمير المؤمنين محمداً
مسيرة شهر بعد شهر نواصله
إليك قصرنا النصف من صلواتنا
إليك ولكن أهنأ الخير عاجله
فلا نحن نخشى أن يخيب مسيرنا
[٣٩٥/٥]
قال: فتبسم، وقال: عجلوها له، فحملت إليَّ من وقته.
- عن حبيب بن الشهيد قال: كنت جالساً عند إياس بن معاوية، وأتاه رجل فسأله