النص المفهرس

صفحات 581-600

=
٥٨١
باب الغيبة
- عن عيسى بن موسى قال: رأيت على محمد بن الفضل بن عطية خريقة، فعاتبته
في الحرص، فقال لي: يا أبا أحمد، لا تقل هذا، والله لأن أموت، وأترك عشرة
آلاف درهم يأكله أعداء خلق الله أحب لي من أحتاج إلى مثل هذه الخريقة. [١٤٨/٣]
- كان - أي عبد الملك بن مروان - كثيراً ما يتمثل بهذين البيتين:
وبيت الغنى يُھدی له ويزار
ألم تر أن الفقر يُهجر أهلُه
إذا سرحت شَوْل له وعِشار
وماذا يضر المرء من كان جده
[٤١٢/٨]
باب الغيبة
- عن ابن عباس قال: قال لي العباس: يا بني، إني أرى أمير المؤمنين عمر بن
الخطاب يدنيك، ويقربك، ويختصك، ويشاورك دون ناس من أصحاب النبي ◌َّآ،
فاحفظ عني ثلاثاً: ألا تفشٍ له سراً، ولا يجربن عليك كذباً، ولا تغتابن عنده
أحداً، قال الشعبي فقلت: يا أبا عباس، كل واحدة من هذه خير من ألف، قال:
ومن عشرة آلاف.
[٩١/٣]
- عن إبراهيم الآجري الكبير قال: كنت يوماً قاعداً على باب المسجد في يوم
شات إذ مر بي رجل عليه خرقتان، فظننت أنه من هؤلاء الذين يسألون، فقلت في
نفسي: لو عمل هذا بيده لكان خيراً له. قال: ومضى الرجل، فلما كان بالليل أتاني
ملكان، فأخذا بضبعي، ثم أدخلاني المسجد الذي كنت على بابه قاعداً، فإذا رجل
نائم عليه خرقتان، فكشفا عن وجهه، فإذا هو الذي مر بي فقالا لي: كل لحمه،
فقلت: ما اغتبته. قالا لي: بل حادثت نفسك بغيبته، ومثلك لا يرضى منه بمثل
هذا. قال: فانتبهت فزعاً، فمكثت ثلاثين يوماً أقعد على باب ذلك المسجد لا أقوم
منه إلا لفرض أنتظر أن يمر بي فأستحله، فلما كان يوم الثلاثين مر بي على حاله،
والخرقتان عليه، فوثبت إليه، فغمز وغمزت خلفه، فلما خفت أن يفوتني قلت: يا
هذا أكلمك. قال: فالتفت إلي، ثم قال: يا إبراهيم، وأنت أيضاً ممن يغتاب
المؤمنين بقلبه. قال: فسقطت مغشياً علي، فأفقت، وهو عند رأسي، فقال: أتعود؟
[٢١١/٦ - ٢١٢]
قلت: لا، ثم غاب من بين عيني، فلم أره بعد ذلك.
- عن أحمد بن الحكم الصاغاني قال: جاء رجل إلى ابن حميد قال: إني اغتبت
أسود بن سالم، فأتيت في منامي، فقيل لي: تغتاب ولياً من أولياء الله لو ركب
حائطاً ثم قال له: سر لسار.
[٣٧/٧]

٥٨٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن جعفر المرتعش قال: كنت عند ابن دهقان، فبينا أنا جالس على باب
داري بنيسابور إذ جاء شاب عليه مرقعة، وعلى رأسه خرقة، وأشار إلي متعرضاً لي
إشارة لطيفة، فقلت في نفسي: شاب جلد صحيح البدن لا يأنف من هذا، ولم
أرد عليه جواباً، فصاح في وجهي صيحة أفزعتني، ووجدت من قوله رعباً شديداً،
ثم قال: أعوذ بالله مما خامر في سرك، واختلج به صدرك، فغشي علي، وسقطت
على وجهي، فخرج خادم لنا فرآني على تلك الحال، فرفع رأسي من الأرض،
وجعله في حجره، واجتمع حولي خلق كثير، فما أفقت إلا بعد حين، وقد مر
الشاب، وليس أراه فتحسرت عليه، وندمت على ما كان مني، فبت ليلتي بغم،
فرأيت علي بن أبي طالب في منامي، ومعه ذاك الشاب، وعلي يشير إلي ويؤنبني
ويقول: إن الله لا يجيب سؤال مانع سائليه، فانتبهت ففرقت ما كان لي، وخرجت
إلى السفر فسمعت بوفاة والدي بعد خمس عشرة سنة، فرجعت وسألت العون على
خلاصي مما ورثت.
[٢٢١/٧]
- عن أيوب بن سويد قال: كنت عند سفيان الثوري، فذكر الحسن بن عمارة،
فغمزه فقلت له: يا أبا عبد الله هو عندي خير منك. قال: وكيف ذلك؟ قال:
جلست معه غير مرة، فيجري ذكرك فما يذكرك إلا بخير. قال أيوب: فما سمعت
سفيان ذاكراً الحسن بن عمارة بعد ذلك إلا بخير حتى فارقته.
[٣٤٨/٧]
- عبد الله بن علي بن المديني قال: سمعت أبي يقول وذكر عبد الرحمن بن مهدي
ذات يوم أراه قال روح بن عبادة، فقلت: لا تفعل، فإن ها هنا قوماً يحملون
كلامك، فقال: أستغفر الله، ثم دخل، فتوضأ. قيل: يذهب إلى الغيبة تنقض
الوضوء؟ قال: نعم.
[٤٠٢/٨]
- عن أبي الحسين بن فضيل قال رجل لعمرو بن عبيد: يا أبا عثمان إني لأرحمك
مما يقول الناس فيك، قال: يا ابن أخي أسمعتني أقول فيهم شيئاً؟ قال: لا. قال:
فإياهم فارحم، وراسله واحد بما يكره، فقال لمبلغه: قل إن الموت يجمعنا،
[٨/ ٤٥٠]
والقيامة تضمنا، والله يحكم بيننا .
- عن محمد بن إسماعيل قال: إني أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت
أحداً.
[١٣/٢]
- عن ابن المبارك قال: قلت لسفيان الثوري: يا أبا عبد الله ما أبعد أبا حنيفة من
الغيبة، ما سمعته يغتاب عدواً له قط. قال: هو والله أعقل من أن يسلط على حسناته
[٣٦٣/١٣]
ما یذهب بها .

٥٨٣
باب الغيرة
باب الغيرة
- جاء معاذ وعند أبي موسى رجل، فقال: هذا كان كافراً فأسلم ثم ارتد، فقال
معاذ: لا أنزل ولا أجلس حتى يقتل.
قال: فقتل(١).
[٣٧٥/٢]
- عن محمد بن خازم قال: كنت أقرأ حديث الأعمش عن أبي صالح على أمير
المؤمنين هارون، فكلما قلت قال رسول الله: قال صلى الله على سيدي ومولاي
حتى ذكرت حديث التقى آدم وموسى، فقال عمه - وسماه علي فذهب علي - فقال:
يا محمد أين التقيا؟ قال: فغضب هارون وقال: من طرح إليك هذا؟ وأمر به قال:
فحبس، ووكل بي من حشمه من أدخلني إليه في محبسه، فقال: يا محمد، والله ما
هو إلا شيء خطر ببالي، وحلف لي بالعتق، وصدقة المال، وغير ذلك من مغلظات
الأيمان ما سمعت من أحد ولا جرى بيني وبين أحد في هذا كلام، وما هو إلا شيء
خطر ببالي لم يجر بيني وبين أحد فيه كلام، قال: فلما رجعت إلى أمير المؤمنين
كلمته، قال: ليدلني على من طرح إليه هذا الكلام، فقلت: يا أمير المؤمنين قد
حلف بالعتق، ومغلظات الأيمان أنه إنما هو شيء خطر ببالي لم يجر بيني وبين أحد
فيه كلام، قال: فأمر به، فأطلق من الحبس وقال لي: يا محمد ويحك إنما توهمت
أنه طرح إليه بعض الملحدين هذا الكلام الذي خرج منه، فيدلني عليهم فاستبيحهم
وإلا فأنا على يقين أن القرشي لا يتزندق. قال هذا ونحوه من الكلام.
[٢٤٣/٥]
- عن عمر بن حبيب قال: حضرت مجلس هارون الرشيد، فجرت مسألة،
فتنازعها الحضور، وعلت أصواتهم، فاحتج بعضهم بحديث يرويه أبو هريرة عن
النبي ◌َّ﴾ فرفع بعضهم الحديث، وزادت المدافعة والخصام حتى قال قائلون منهم:
لا يحل هذا الحديث عن رسول الله، فإن أبا هريرة متهم فيما يرويه وصرحوا
بتكذيبه، ورأيت الرشيد قد نحا نحوهم، ونصر قولهم، فقلت أنا: الحديث صحيح
عن رسول الله، وأبو هريرة صحيح النقل صدوق فيما يرويه عن نبي الله وغيره، فنظر
إلي الرشيد نظر مغضب، فقمت من المجلس، فانصرفت إلى منزلي، فلم ألبث حتى
قيل صاحب البريد بالباب، فدخل علي فقال لي: أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول،
وتحنط، وتكفن، فقلت: اللهم إنك تعلم أني دفعت عن صاحب نبيك، وأجللت
(١) نموذج على الغيرة على الدين.

٥٨٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
نبيك أن يطعن على أصحابه، فسلمني منه، فأدخلت على الرشيد، وهو جالس على
كرسي من ذهب حاسر عن ذراعيه بيده السيف، وبين يديه النطع، فلما بصر بي قال
لي: يا عمر بن حبيب ما تلقاني أحد من الرد والدفع لقولي ليس بمثل ما تلقيتني به،
فقلت: يا أمير المؤمنين إن الذي قلته وجادلت عليه فيه إزراء على رسول الله وعلى
ما جاء به، إذا كان أصحابه كذابين، فالشريعة باطلة، والفرائض، والأحكام في
الصيام، والصلاة، والطلاق، والنكاح، والحدود كله مردود غير مقبول، فرجع إلى
نفسه، ثم قال لي: أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله، أحييتني يا عمر بن حبيب
أحياك الله، وأمر لي بعشرة آلاف درهم.
[١٩٧/١١]
- عن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن موسى القاضي قال: حضرت مجلس
موسى بن إسحاق القاضي بالري سنة ست وثمانين ومائتين، وتقدمت امرأة فادعى
وليها على زوجها خمسمائة دينار مهراً، فأنكر، فقال القاضي: شهودك. قال: قد
أحضرتهم، فاستدعى بعض الشهود أن ينظر إلى المرأة ليشير إليها في شهادته، فقام
الشاهد، وقال للمرأة: قومي، فقال الزوج: تفعلون ماذا؟ قال الوكيل: ينظرون إلى
امرأتك، وهي مسفرة لتصح عندهم معرفتها، فقال الزوج: وإني أشهد القاضي أن لها
علي هذا المهر الذي تدعيه، ولا تسفر عن وجهها، فردت المرأة، وأخبرت بما كان
من زوجها، فقالت المرأة: فإني أشهد القاضي أن قد وهبت له هذا المهر وأبرأته منه
في الدنيا والآخرة، فقال القاضي: يكتب هذا في مكارم الأخلاق.
[٥٣/١٣]
= باب غرائب وعجائب 8=
- عن عمارة بن عمير قال: لما قتل عبيد الله بن زياد أتي برأسه ورؤوس أصحابه،
فألقيت في الرحبة، فقام الناس إليها، فبينا هم كذلك إذ جاءت حية عظيمة فتفرق
الناس من فزعها، فجاءت تخلل الرؤوس حتى دخلت في منخري عبيد الله بن زياد،
ثم خرجت من فيه، ثم دخلت من فيه، وخرجت من أنفه ففعلت ذلك به مراراً، ثم
ذهبت، ثم عادت ففعلت به مثل ذلك مراراً، فجعل الناس يقولون: قد جاءت، قد
جاءت، قد ذهبت، قد ذهبت، لا يدرى من أين جاءت؟ ولا أين ذهبت؟. [٣٥١/٤]
- عن الوركاني قال: أسلم يوم مات أحمد بن حنبل عشرون ألف من اليهود
[٤/ ٤٢٢]
والنصارى والمجوس.
- قال الخطيب: كانت أسنان عبد الصمد - العباسي - وأضراسه قطعة واحدة ما
تُغر.
[٩٤/١]

=
٥٨٥
باب غرائب وعجائب
- عن الوركاني قال: يوم مات أحمد بن حنبل وقع المأتم والنوح في أربعة
[٤/ ٤٢٢]
أصناف من الناس: المسلمين، واليهود، والنصارى، والمجوس.
- عن محمد بن أبي كبشة قال: كنت في سفينة في البحر فسمعت هاتفاً يهتف
وهو يقول: لا إله إلا الله كذب المريسي على الله، ثم عاد الصوت فقال: لا إله
إلا الله على ثمامة والمريسي لعنة الله. قال: وكان معنا في المركب رجل من
أصحاب المريسي فخر ميتاً .
[١٤٨/٧]
- عن جعفر الخلدي قال: يا جعفر امض إلى موضع كذا وكذا، واحفر فإن
لك هناك شيئاً مدفوناً. قال: فجئت إلى الموضع وحفرت فوجدت صندوقاً فيه
دفاتر، وإذا فيه حزمة فأخرجتها وقرأتها، فإذا فيها أسماء ستة آلاف شيخ من أهل
الحقائق والأصفياء والأولياء من وقت آدم إلى زماننا هذا ونعوتهم وصفتهم،
وكلهم كانوا يدعون هذا يعني مذهب الصوفية. قال الحسن بن سليمان: وكان في
تلك الكتب عجائب فقرأ، ولم يدفع إلي أحداً، ثم دفنها، ولم يظهر ذلك لأحد
[٢٢٨/٧]
إلى أن مات.
- عن عبد الرحمن بن هارون قال: كنا في البحر سائرين إلى إفريقية، فركدت
علينا الريح، فأرسينا إلى موضع يقال له البرطون، وكان معنا صبي صقلبي يقال له
أيمن، وكان معه شص يصطاد به السمك. قال: فاصطاد سمكة نحواً من شبر أو
أقل، فكان على صنيفة أذنها اليمنى مكتوب: لا إله إلا الله، وعلى قذالها، وصنيفة
أذنها اليسرى مكتوب: محمد رسول الله. قال: وكان أتقن من نقش على حجر،
وكانت السمكة بيضاء، والكتابة كتابة سوداء كأنها كتبت بحبر. قال: فقذفناها في
البحر، ومنع الناس أن يصيدوا من ذلك الموضع حتى أوغلنا .
[٢٨٦/٧]
- عن حسين بن فهم قال: كانت لحية العوفي تبلغ إلى ركبته.
[٣١/٨]
[٣٨٢/٨]
- عن دينار - خادم أنس بن مالك - أنه كان إذا قام تنال يده ركبته.
- عن ذي الكفل المصري قال: دخل غلام لذي النون إلى بغداد فسمع قوالاً
يقول، فصاح غلام ذي النون صيحة خر ميتاً، فاتصل الخبر بذي النون فدخل إلى
بغداد فقال: عليَّ بالقوال، واسترد الأبيات، فصاح ذو النون صيحة، فمات القوال،
ثم خرج ذو النون وهو يقول: النفس بالنفس، والجروح قصاص.
[٣٩٧/٨]
- عن جرير بن رياح قال: إنهم أصابوا قبراً بالمدائن فيه رجل عليه ثياب منسوجة
بالذهب، ووجدوا فيه مالاً، فأتوا به عمار بن ياسر، فكتب فيه إلى عمر بن
الخطاب، فكتب أن أعطهم إياه، ولا تنزعه منهم.
[٤١٩/٨]

٥٨٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن عافية بن شبيب قال: كانت في عبد الصمد بن علي عجائب منها: أنه مات
بأسنانه التي ولد بها، ومنها أنه قام على منبر قام عليه يزيد بن معاوية، وبينهما مائة
سنة، وهما في النسب إلى عبد مناف مثلان، ومنها أنه دخل سرداباً يندف فيه،
فطارت ريشتان فلصقتا بعينيه فذهب بصره، ومنها أنه كان يوماً عند الرشيد فقال: يا
أمير المؤمنين هذا مجلس فيه أمير المؤمنين، وعم أمير المؤمنين، وعم عمه، وعم
عم عمه، ومنها أن أمه كثيرة التي كان عبيد الله بن قيس الرقيات يشبب بها في شعره
[٣٨/١١]
ويقول: عاد له من كثرة الطرب.
- عن أحمد بن كامل القاضي قال: كان عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن
العباس عظيم الخلق، وكانت أسنانه صمتاً قطعة واحدة من فوق، وقطعة واحدة من
أسفل.
[٣٨/١١]
- عن أبي عمرو عثمان بن الخطاب بن عبد الله البلوي من مدينة بالمغرب يقال
لها رندة، وهو المعمر، ويعرف بأبي الدنيا قال: ولدت في أول خلافة أبي بكر
الصديق، فلما كان في زمن علي بن أبي طالب خرجت أنا وأبي نريد لقاءه، فلما
صرنا قريباً من الكوفة، أو من الأرض التي هو فيها لحقنا عطش شديد في طريقنا
أشفينا منه على الهلكة، وكان أبي شيخاً كبيراً فقلت له: اجلس حتى أدور أنا
الصحراء والبرية لعلي أقدر على ماء، أو من يدلني على ماء، أو ماء المطر،
فجلس، ومضيت أطلب، فلما كنت منه غير بعيد لاح لي ماء، فصرت إليه، فإذا أنا
بعين ماء وبين يديها شبيه بالبركة، أو الوادي من مائها، فنزعت ثيابي واغتسلت من
ذلك الماء، وشربت حتى رويت، ثم قلت: أمضي فأجيئ بأبي فهو غير بعيد، فجئت
إليه فقلت له: قم فقد فرج الله، وهذا عين ماء قريب منا، فقام ومضينا نحو العين
الماء، فلم نر شيئاً فدرنا نطلب، فلم نقدر على شيء حتى أجهد أبي جهداً شديداً،
فلم يقدر على النهوض لشدة ما لحقه، فجلست معه، فلم يزل يضطرب حتى مات،
فاحتلت حتى واريته، ثم جئت حتى لقيت أمير المؤمنين علياً، وهو خارج إلى
صفين، وقد أسرجت له بغلة، فجئت فمسكت بالركاب ليركب، وانكببت أقبل فخذه
فنفحني بالركاب فشجني في وجهي شجة. قال المفيد: ورأيت الشجة في وجهي
واضحة. قال: ثم سألني عن خبري، فأخبرته بقصتي، وقصة أبي، وقصة العين،
فقال: هذه عين لم يشرب منها أحد إلا عمر عمراً طويلاً فأبشر فإنك معمر، ما كنت
لتجدها بعد شربك منها. قال المفيد: ثم سألناه فحدثنا عن علي بن أبي طالب
بأحاديث، ثم لم أزل أتتبعه في الأوقات، وألح عليه حتى يملي علي حديثاً بعد

٥٨٧
باب غرائب وعجائب
حديث، ثم أعود حتى جمعت عنه خمسة عشرة حديثاً لم تجتمع عنه لغيري لتتبعي
له، وإلحاحي عليه، وكان معه شيوخ من بلده، فسألتهم عنه فقالوا: هو مشهور عندنا
بطول العمر.
[٢٩٨/١١]
- عن حفص بن غياث قال: ولدت أم محمد بن أبي إسماعيل أربعة بنين في
بطن. قال: فرأيتهم كلهم قد نيفوا على الثمانين.
[١٢٢/١٢].
- عن علي بن أبي أمية قال: بلغنا أنهم دخلوا على الرياشي المسجد بأسيافهم،
والرياشي قائم يصلي الضحى فضربوه بالأسياف، وقالوا: هات المال، فجعل يقول:
أي مال، أي مال حتى مات، فلما خرج الزنج عن البصرة دخلناها، فمررنا ببني
مازن الطحانين، وهناك كان منزل الرياشي، فدخلنا مسجده، فإذا به ملقى مستقبل
القبلة كأنما وجه إليها، وإذا شملة يحركها الريح وقد تمزقت، وإذا جميع خلقه
صحيح سوي لم ينشق له بطن، ولم يتغير له حال، إلا أن جلده قد لصق بعظمه،
ويبس، وذلك بعد مقتله بسنتين يرحمنا الله وإياه.
[١٢ /١٤٠]
- عن أبي محمد الجريري: قال الفتح ابن شخرف: من إعجابي بكل شيء جيد
عندي قلم کتبت به أربعين سنة كنت أكتب به بالنهار، وأکتب به بالليل، وكانت دارنا
واسعة، فكنت أكتب في القمر حتى يرتفع، وأقعد على سلم في دارنا أرتقي عليه
مرقاة مرقاة حتى ينتهي السلم، فإذا تشعث رأس القلم قططته، وهو عندي، فأخرج
لي أنبوبة صفر، وأخرج القلم منها فأرانيه.
[٣٨٥/١٢ - ٣٨٦]
- عن محمد بن زهير القزاز قال: أنا أعرف رجلاً مكتوب على عضو من أعضائه
[٣٨٧/١٢]
لله، والله ما كتبها كاتب.
- عن أبي محمد الجريري قال: غسلنا الفتح بن شخرف فرأينا على فخذه مكتوباً:
لا إله إلا الله، فتوهمناه مكتوباً، فإذا عرق داخل الجلد.
[٣٨٧/١٢]
- عن الجنيد قال: وافى أبو حمزة من مكة، وعليه وعثاء السفر، فسلمت عليه
وشهيته، فقال: سكباج وعصيدة تخليني بهما، فأخذت مكوك دقيق، وعشرة أرطال
لحم، وباذنجان وخل، وأخذت عشرة أرطال دبس، وعملنا له عصيدة وسكباجة،
ووضعناها في حيرى لنا، وأدخلته الدار، وأسبلت الستر، فدخل وأكله كله، فلما
فرغ من أكله قال: يا أبا القاسم لا تعجب، فهذا من مكة الأكلة الثالثة.
[٣٩٣/١]
- عن ابن عباس قال: وجدت جمجمة في الجاهلية مكتوب عليها :
اسمعي ثم عي وعي
أذن الحي فاسمعي
فاحذري مثل مـصــرعـي
أنا رهن بمصرعي
[٣٥/٢]

٥٨٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن علي بن يحيى المنجم قال: جلس المنتصر في مجلس كان أمر أن يفرش له
بفرش ديباج مثقل بالذهب، وكان في بعض البسط دائرة كتابة فيها مثال فرس، وعليه
راكب وعلى رأسه تاج، وحول الدائرة كتابة بالفارسية، فلما جلس المنتصر وجلس
الندماء وقف على رأسه وجوه الموالي والقواد، فنظر إلى تلك الدائرة، وإلى الكتاب
الذي حولها فقال لبغا: إيش هذا الكتاب؟ فقال: لا أعلم يا سيدي، فسأل من حضر
من الندماء فلم يحسن أحد أن يقرأه، فالتفت إلى وصيف وقال: أحضر لي من يقرأ
هذا الكتاب، فأحضر رجلاً فقرأ الكتاب فقطب، فقال له المنتصر: ما هو؟ فقال: يا
أمير المؤمنين بعض حماقات الفرس، قال: أخبرني ما هو؟ قال: يا أمير المؤمنين
ليس له معنى، فألح عليه وغضب. قال: يقول: أنا شيرويه بن كسرى بن هرمز،
قتلت أبي فلم أمتع بالملك إلا ستة أشهر، فتغير وجه المنتصر، وقام عن مجلسه إلى
النساء، فلم يملك إلا ستة أشهر.
[١٢٠/٢]
- عن أبي الفضل جعفر بن المكتفي بالله قال: كانت بنت بدر مولى المعتضد بالله
زوج أمير المؤمنين المقتدر بالله، فأقامت عنده سنين وكان لها مُكرماً، وعليها مُفضلاً
الإفضال العظيم فتأثَّلت حالها، وانضاف ذلك إلى عظيم نعمتها الموروثة، وقتل
المقتدر فأفلتت من النكبة، وسلم لها جميع أموالها وذخائرها حتى لم يذهب لها
شيء، وخرجت عن الدار، فكان يدخل إلى مطبخها حدث يحمل فيه على رأسه،
يعرف بمحمد بن جعفر بن أبي عسرون، وكان حركاً فنفق على القهارمة بخدمته،
فنقلوه إلى أن صار وكيل المطبخ، وبلغها خبره ورأته، فاستكاسته فردت إليه الوكالة
في غير المطبخ، وتراقى أمره حتى صار ينظر في ضياعها وعقارها، وغلب عليها
وصارت تكلمه من وراء ستر، وخلف باب أو ستارة، وزاد اختصاصه بها حتى علق
بقلبها، فاستدعته إلى تزويجها فلم يجسر على ذلك، فجسرته وبذلت له مالاً حتى تم
لها ذلك وقد كانت حاله تأثلت بها، وأعطته لما أرادت ذلك منه أموالاً جعلها لنفسه
نعمة ظاهرة لئلا يمنعها أولياؤها منه بالفقر، وأنه ليس بكفء، ثم هادت القضاة
بهدايا جليلة حتى زوَّجوها منه، واعترض الأولياء فغالبتهم بالحكم والدراهم فتم له
ذلك ولها، فأقام معها سنين ثم ماتت، فحصل له من مالها نحو ثلثمائة ألف دينار
ظاهرة وباطنة، فهو يتقلب إلى الآن فيها. قال أبي: وقد رأيت أنا هذا الرجل، وهو
شيخ عاقل شاهد مقبول، توصل بالمال إلى أن قبله أبو السائب القاضي، حتى أقر
في يده وقوف الحرة ووصيتها، لأنها وصت إليه في مالها ووقوفها. [١٥٣/٢ - ١٥٤]

٥٨٩
باب غرائب وعجائب
- عن محمد بن الحسن الهمذاني قال: كان عندنا بهمذان برد شديد، وكان على
سطحنا مري في آنية، فانكسرت الآنية وانصب المري على السطح، فجمد حتى صار
مثل الجلد، فقطعت منه خفين ولبستهما، وركبت به إلى دار السلطان !!. [٢٣٩/٢]
- عن أبي بكر ابن الأنباري قال: دخلت البيمارستان بباب المحول، فسمعت
صوت رجل في بعض البيوت يقرأ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِىُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾
[العنكبوت: ١٩] فقال: أنا لا أوقف إلا على قوله: ﴿كَيْفَ يُبْدِىُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾ فأقف
على ما عرفه القوم وأقروا به، لأنهم لم يكونوا يقرون بإعادة الخلق، وابتدئ بقوله:
﴿ثُمَّ يُعِيدُمُ﴾ فيكون خبراً، وأما ما قرأه علي بن أبي طالب: ﴿وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾
[يوسف: ٤٥] فهو وجه حسن، الأمة النسيان.
وأما أبو بكر ابن مجاهد فهو إمام في القراءة، وأما ما قرأه الأحمق - يعني ابن
شنبوذ -: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَّ وَإِن تَغْفِّرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ﴾ ((أنت الغفور الرحيم)) [المائدة:
١١٨] فخطأ، لأن الله تعالى قد قطع لهم بالعذاب في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ
يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] قال: فقلت لصاحب البيمارستان: من هذا الرجل؟ فقال:
هذا إبراهيم بن الموسوس محبوس، فقلت: ويحك هذا أبي بن كعب! افتح الباب
عنه، ففتح الباب، فإذا أنا برجل منغمس في النجاسة، والأدهم في قدميه، فقلت:
السلام عليكم، فقال: كلمة معقولة، فقلت: ما منعك من رد السلام علي؟ فقال:
السلام أمان وإني أريد أن أمتحنك، ألست تذكر اجتماعنا عند أبي العباس - يعني
ثعلباً - يوم كذا في يوم كذا وعرفني ما ذكرته فعرفته، وإذا به رجل من أفاضل أهل
العلم، فقال لي: هذا الذى تراني منغمساً فيه ما هو؟ فقلت: الخرء يا هذا، فقال:
وما جمعه؟ فقلت: خروء، فقال لي صدقت، وأنشد:
كأن خروء الطير فوق رؤوسهم
ثم قال لي: والله لو لم تجبني بالصواب لأطعمتك منه، فقلت: الحمد لله الذي
أنجاني منك، وتركته وانصرفت.
[١٨٥/٣ - ١٨٦]
- عن محمد بن يزيد قال: قال لي المازني: يا أبا العباس بلغني أنك تنصرف من
مجلسنا فتصير إلى المخيس، وإلى موضع المجانين والمعالجين فما معناك في ذلك؟
قال: فقلت: إن فيهم طرائف من الأقسام، فقال: خبرني من لقيت من طرفهم
فقلت: دخلت يوماً إلى مستقرهم، فرأيت مراتبهم على مقدار بليتهم، وإذا قوم قيام
قد شدت أيديهم إلى الحيطان بالسلاسل، ونقبت من البيوت التي هم بها إلى غيرها
مما يجاورها، لأن علاج أمثالهم أن يقوموا الليل والنهار لا يقعدون ولا

٥٩٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
يضطجعون، ومنهم من يجلب على رأسه ويدهن أوراده، ومنهم من ينهل ويعل
بالدواء حسبما يحتاجون إليه، فدخلت مع ابن أبي خميصة، وكان المتقلد للنفقة
عليهم، ولتفقدوا أحوالهم، فنظروا إليه وأنا معه فأمسكوا عما كانوا عليه، فمررت
على شيخ منهم تلوح صلعته، وتبرق للدهن جبهته، وهو جالس على حصير نظيف،
ووجهه إلى القبلة كأنه يريد الصلاة، فجاوزته إلى غيره فناداني: سبحان الله! أين
السلام، مَن المجنون ترى أنا وأنت؟ فاستحييت منه، وقلت: السلام عليكم، فقال:
لو كنت ابتدأت لأوجبت علينا حسن الرد عليك، على أنا نصرف سوء أدبك إلى
أحسن جهاته من العذر، لأنه كان يقال: إن للداخل على القوم دهشة، اجلس
أعزك الله عندنا، وأومأ إلى موضع من حصير ينفضه كأنه يوسع لي، فعزمت على
الدنو منه فناداني ابن أبي خميصة: إياك إياك، فأحجمت عن ذلك ووقفت ناحية
استجلب مخاطبته، وأرصد الفائدة منه، ثم قال وقد رأى معي محبرة: يا هذا أرى
آلة رجلين، أرجو أن لا تكون أحدهما، أتجالس أصحاب الحديث الأغثاء، أم
الأدباء أصحاب النحو والشعر؟ قلت: الأدباء. قال: أتعرف أبا عثمان المازني؟
قلت: نعم! معرفة ثابتة، قال: فتعرف الذي يقول فيه:
ساد أهل البصرة
وفتى من ماون
وأبوه نكرة
أمه معرفة
قلت: لا أعرفه، قال: فتعرف غلاماً له قد نبغ في هذا العصر معه ذهن، وله
حفظ، قد برز في النحو، وجلس في مجلس صاحبه، وشاركه فيه يعرف بالمبرد؟
قلت: أنا والله عين الخبير به، قال: فهل أنشدك شيئاً من عبثات شعره؟ قلت: لا
أحسبه يحسن قول الشعر، قال: يا سبحان الله! أليس هو الذي يقول:
د بريق الغانيات
حبذا ماء العنـاقــ
بهما ينبت لحمي
ودمي أي نبات
أيها الطالب أشهى
من لذيذ الشهـوات
ح الخدود الناعمـات
كل بماء المزن تفــا
قلت: قد سمعته ينشد هذا في مجالس الأنس. قال: يا سبحان الله، ويستحي أن
ينشد مثل هذا حول الكعبة؟ ما تسمع الناس يقولون في نسبه؟ قلت: يقولون هو من
الأزد شنوءة، ثم من ثمالة، قال: قاتله الله ما أبعد غوره، أتعرف قوله:
فقال القائلون: ومن ثماله
سألنا عن ثمالة كل حي
فقالوا: زدتنا بهم جهاله
فقلت: محمد بن يزيد منهم

=
٥٩١
باب غرائب وعجائب
فقال لي المبرد: خل قومي فقومي معشر فيهم نذاله
قلت: أعرف هذه الأبيات لعبد الصمد بن المعدل يقولها فيه. قال: كذب والله
كل من ادعى هذه غيره، هذا كلام رجل لا نسب له يريد أن يثبت له بهذا الشعر
نسباً! قلت: أنت أعلم. قال لي: يا هذا قد علمت بخفة روحك على قلبي وتمكنت
بفصاحتك من استحساني، وقد أخرت ما كان يجب أن أقدمه: الكنية أصلحك الله.
قلت: أبو العباس. قال: فالاسم؟ قلت: محمد، قال: فالأب؟ قلت: يزيد. قال:
قبحك الله! أحوجتني إلى الاعتذار إليك مما قدمت ذكره، ثم وثب باسطاً إلي يده
لمصافحتي، فرأيت القيد في رجله قد شد إلى خشبة في الأرض، فأمنت عند ذلك
غائلته، فقال لي: يا أبا العباس! صن نفسك عن الدخول إلى هذه المواضع، فليس
يتهيأ لك في كل وقت أن تصادف مثلي في هذه الحال الجميلة أنت المبرد! وجعل
يصفق، وانقلبت عيناه، وتغيرت خلقته، فبادرت مسرعاً خوفاً من أن تبدر منه بادرة،
وقبلت والله قوله، فلم أعاود الدخول إلى مخيس ولا غيره.
[٣٨٣/٣ _ ٣٨٥]
- عن الخطيب قال: بلغني أن المعروف بحامل كفنه توفي وغسل وصلي عليه
ودفن، فلما كان في الليل جاء نباش فنبش عنه، فلما حل أكفانه ليأخذها استوى
قاعداً، فخرج النباش هارباً منه، فقام فحمل كفنه، وخرج من القبر، وجاء إلى منزله
وأهله يبكون فدق الباب عليهم، فقالوا: من أنت؟ فقال: أنا فلان، فقالوا له: يا
هذا لا يحل لك أن تزيدنا على ما بنا، فقال: يا قوم افتحوا لي فأنا والله فلان
فعرفوا صوته، ففتحوا له الباب، وعاد حزنهم !! وسميَ من يومئذ حامل كفنه، ومثل
هذا سعير بن الخمس الكوفي، فإنه لما دلي في حفرته اضطرب، فحلت عنه
الأكفان، فقام فرجع إلى منزله، وولد له بعد ذلك ابنه مالك بن سعير !!. [٤٢٤/٣]
- عن أحمد بن أبي عوف قال: سمعت أبي وعمي يقولان: كنا في مجلس
يزيد بن هارون في بستان أم جعفر، فرأينا فيه رجلاً خلاسياً طوالاً، وعلى يديه
صبي يرضع منه، فقال ذاك الرجل: إن أم هذا الصبي ولدته، وتوفيت بأرض مفازة
أو أرض فلاة، فألقيته على ثديي أعلله، فأجرى الله له هذا الرزق، فرأيناه والثدي
[١١٨/١٣]
یدر علیه.
- عن أبي أحمد بن محمد أمير البصرة قال: حدثني أبي قال: كنت أحد من
مرَّض الواثق في علته التي مات فيها، فكنت قائماً بين يدي الواثق أنا وجماعة من
الأولياء والموالي والخدم إذ لحقته غشية، فما شككنا أنه قد مات فقال بعضنا
لبعض: تقدموا فاعرفوا خبره، فما جسر أحد منهم يتقدم، فتقدمت أنا فلما صرت

=
٥٩٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
عند رأسه، وأردت أن أضع يدي على أنفه أعتبر نفَسَه لحقته إفاقه ففتح عينيه، فكدت
أن أموت فزعاً من أن يراني قد مشيت في مجلسه إلى غير رتبتي، فتراجعت إلى
خلف، وتعلقت قبيعة سيفي بعتبة المجلس وعثرت به فاتكأ عليه فاندق سيفي، وكاد
أن يدخل في لحمي ويجرحني، فسلمت وخرجت، فاستدعيت سيفاً ومنطقة أخرى
فلبستها، وجئت حتى وقفت مرتبي ساعة فتلف الواثق تلفاً لم يشك جماعتنا فيه،
فتقدمت فشددت لحييه وغمضته وسجيته ووجهته إلى القبلة، وجاء الفراشون فأخذوا
ما تحته في المجلس ليردوه إلى الخزائن لأن جميعه مثبت عليهم، وترك وحده في
البيت، وقال لي ابن أبي دؤاد القاضي: إنا نريد أن نتشاغل بعقد البيعة، ولا بد أن
يكون أحدنا يحفظ الميت إلى أن يدفن فأحب أن تكون أنت ذلك الرجل، وقد كنت
من أخصهم به في حياته، وذلك أنه اصطنعني واختصني حتى لقبني الواثقي باسمه،
فحزنت عليه حزناً شديداً، فقلت: دعوني وامضوا، فرددت باب المجلس، وجلست
في الصحن عند الباب أحفظه، وكان المجلس في بستان عظيم أجربه، وهو بين
بستانين، فحسست بعد ساعة في البيت بحركة أفزعتني، فدخلت أنظر ما هي فإذا
بجرذون من دواب البستان قد جاء حتى استل عين الواثق فأكلها، فقلت: لا إله
إلا الله العين التي فتحها منذ ساعة فاندق سيفي هيبة لها صارت طعمة لدابة ضعيفة.
قال: وجاءوا فغسلوه بعد ساعة، فسألني ابن أبي دؤاد عن سبب عينه فأخبرته. قال:
والجرذون دابة أكبر من اليربوع قليلاً.
[١٩/١٤]
- عن عبد الملك بن عمير قال: لما حفر خالد بن عبد الله أساس دار ابنه،
استخرجوا شيخاً مدفوناً أبيض الرأس واللحية. فقال: أتحب أن أريك علي بن أبي
طالب؟ فكشف لي فإذا بشيخ أبيض الرأس واللحية، كأنما دفن بالأمس طريّ - وزاد
في الحديث إسماعيل بن بهرام - فقال: يا غلام عليّ بحطب ونار. فقال: الهيثم بن
العربان، أصلح الله الأمير ليس يريد القوم منك هذا كله. فقال: يا غلام علي
بقباطي، فلفه فيها وحنطه وتركه مكانه.
[١٣٧/١]
- عن أبي مزاحم موسى بن عبيد الله قال: كان عمي عبد الرحمن بن يحيى
كثير الجماع، وكان قد رزق من الولد لصلبه مائة وستة، وكان قد أنحله كثير
[٢٧٨/١٠]
الجماع.
- عن الأوزاعي قال: أردت بيت المقدس فرافقت يهودياً فلما صرنا إلى طبرية
نزل فاستخرج ضفدعاً فشد في عنقه خيطاً فصار خنزيراً فقال: حتى أذهب فأبيعه من
هؤلاء النصارى فذهب فباعه وجاء بطعام فركبنا فما سرنا غير بعيد حتى جاء القوم

٥٩٣
باب غرائب وعجائب
في الطلب فقال لي: أحسبه صار في أيديهم ضفدعاً. قال: فحانت مني التفاتة فإذا
بدنه ناحية ورأسه ناحية. قال: فوقفت وجاء القوم فلما نظروا إليه فزعوا من السلطان
ورجعوا عنه. قال: تقول لي الرأس: رجعوا. قال: قلت: نعم. قال: فالتأم الرأس
[٢٩٥/٦]
إلى البدن وركبنا وركب. قال: فقلت: لا رافقتك أبداً اذهب عني.
- عن أبي الحسن علي بن إسحاق بن راهويه قال: ولد أبي من بطن أمه مثقوب
الأذنين. قال: فمضى جدي راهويه إلى الفضل بن موسى السيناني فسأله عن ذلك
وقال: ولد لي ولد خرج من بطن أمه مثقوب الأذنين، فقال: يكون ابنك رأساً إما
في الخير وإما في الشر.
[٣٤٧/٦]
- عن أبي نعيم الفضل بن دكين قال: دخل علي الوزير ابن عيسى فرفعه، وقال
له: كم سن القاضي؟ فقال: ما أدري كم سني ولكن كان قد ظهر بالكوفة أعجوبة
فركبت مع أبي سنة خمس عشرة ومائتين، وكان بين الركبتين مائة سنة سمعت
القاضي أبا عبد الله الحسين بن علي الصيمري يحكي هذه الحكاية إلا أنه ذكر فيها
أن بدراً قال: ركبت مع أبي إلى عامل كان للمأمون وذلك في سنة خمس عشرة
ومائتين، ثم ركبت إلى حضرة الوزير يعني علي بن عيسى في سنة خمس عشرة
وثلاثمائة، وبين الركبتين مائة سنة. قال علي بن عيسى: لا يمكن أن يكون ركب إلى
عامل المأمون مع أبيه، وله أقل من خمس عشرة سنة.
[١٠٨/٧]
- عن ذرة الصوفي قال: كنت بائتاً بكلواني على سطح عال، فلما هدأ الليل
قمت لأصلي فسمعت صوتاً ضعيفاً يجيء من بُعد، فأصغيت إليه وتأملته شديداً فإذا
هو صوت أبي بكر الأدمي، فقدرته منحدراً في دجلة وأصغيت فلم أجد الصوت
يقرب ولا يزيد على ذلك القدر ساعة ثم انقطع، فشككت في الأمر وصلیت ونمت،
وبكرت فدخلت بغداد على ساعتين من النهار أو أقل، وكنت مجتازاً في السمارية
فإذا بأبي بكر الأدمي ينزل إلى الشط من دار أبي عبد الله الموسائي العلوي التى
بقرب فرضة جعفر على دجلة، فصعدت إليه وسألته عن خبره فأخبرني بسلامته،
وقلت: أين بت البارحة؟ فقال: في هذه الدار. قلت: قرأت؟ قال: نعم. قلت: أي
وقت؟ قال: بعد نصف الليل إلى قريب من الثلث الأخير. قال: فنظرت فإذا هو
الوقت الذي سمعت فيه صوته بكلواذي، فتعجبت من ذلك عجباً شديداً بان له فيَّ.
فقال: ما لك؟ فقلت: إني سمعت صوتك البارحة وأنا على سطح بكلواذي
وتشككت، فلولا أنك أخبرتني الساعة بهذا على غير اتفاق ما صدقت. قال:
فاحكها للناس عني. فأنا أحكيها دائماً.
[١٤٨/٢]

٥٩٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن محمد بن عبدوس السراج البغدادي قال: قام أبو مرجوم القاص بالبصرة
ليقص على الناس فأبكى، فلما فرغ من قصصه قال: من يطعمنا أرزة في الله؟ فقام
شاب من المجلس فقال: أنا. فقال: اجلس رحمك الله فقد عرفنا موضعك. فقام
ثانية فقال أبو مرجوم لأصحابه: قوموا بنا إليه فقاموا معه فأتوا منزله. قال: فأتينا
بقدر من باقلاء فأكلناه بلا ملح، ثم قال أبو مرجوم: علي بخوان خماسي وخمس
مكاكي أرز، وخمس أمنان سمن، وعشرة أمنان سكر، وخمسة أمنان صنوبر،
وخمسة أمنان فستق، فجيء بها كلها. فقال أبو المرجوم لأصحابه: يا إخوان كيف
أصبحت الدنيا؟ قالوا: مشرقة لونها، مبيضة شمسها. قال: اجروا فيها أنهارها.
قال: فأتى بذلك السمن فأجري فيها، ثم أقبل أبو مرجوم على أصحابه فقال: يا
إخوان كيف أصبحت الدنيا؟ قالوا: مشرقة لونها، مبيضة شمسها، مجرية فيها
أنهارها، وقد غرس فيها أشجارها، وقد تدلى لنا ثمارها. قال: يا إخوان ارموا
الدنيا بحجارتها. قال: فأتى بذلك السكر، فألقى فيها، ثم أقبل أبو مرجوم على
أصحابه قال: يا إخوان كيف أصبحت الدنيا؟ قالوا: مشرقة لونها، بيضة شمسها، قد
أجرى فيها أنهارها، وقد غرس فيها أشجارها، وقد تدلى ثمارها. فقال: يا إخوان
ما لنا وللدنيا اضربوا فيها براحتها. قال: فجعل الرجل يضرب فيها براحته ويدفعه
بالخمس. قال أبو الفضل أحمد بن سلمة: ذكرت لأبي حاتم الرازي فقال: أمله
[٣٨٠/٢ - ٣٨١]
عليّ. فأمليته عليه فقال: هذا شأن الصوفية.
- عن المأمون أنه قال الواقدي: أريد أن تصلي الجمعة غداً بالناس. قال:
فامتنع. قال: لا بد من ذلك. فقال: لا والله يا أمير المؤمنين، ما أحفظ سورة
الجمعة. قال: فأنا أحفظك. قال: فافعل. فجعل المأمون يلقنه سورة الجمعة حتى
يبلغ النصف منها، فإذا حفظه ابتدأ بالنصف الثاني، فإذا حفظ النصف الثاني نسي
الأول، فأتعب المأمون ونعس. فقال لعلي بن صالح: يا علي حفظه أنت. قال
علي: ففعلت ونام المأمون، فجعلت أحفظه النصف الأول فيحفظه، فإذا حفظته
النصف الثاني نسي الأول، وإذا حفظته النصف الأول نسي الثاني، وإذا حفظته
الثاني نسي الأول، فاستيقظ المأمون فقال لي: ما فعلت؟ فأخبرته. فقال: هذا رجل
[٧/٣]
يحفظ التأويل ولا يحفظ التنزيل، اذهب فصل بهم واقرأ أي سورة شئت.
- عن ابن حيويه قال: كنت أحضر مجلس ابن صاعد في مدينة المنصور، فربما
أخذني البول فأنصرف من المجلس وأرجع إلى منزلنا بقطيعة الربيع، حتى أبول
وأتوضأ، ثم أعود إلى المجلس، ولا أحل سراويلي في غير منزلنا !.
[١٢٢/٣]

٥٩٥
باب غض البصر
- عن عبد الصمد بن علي جده قال: استصرخ الناس عام الحرقة على قبور
أهليهم بأحد. قال: فخرجت فأتيت قبر عمي حمزة بن عبد المطلب، وقد كاد السيل
يكشف عنه فاستخرجته من قبره، فوجدته كهيئته، والنمرة التي كفنه بها رسول الله
والإذخر على قدميه، فوضعت رأسه في حجري، فكان كهيئة المُرَجَّل. قال القاضي
ابن كامل: عظماً فأعمقت القبر، وكفنته أكفاناً على كفنه وأعدته.
[٣٩٩/١٤]
=& باب غض البصر °=
- عن أبي الفتح الفضل بن جعفر قال: سمعت أبا الفضل العباس بن الشاعر يذكر
عن تلميذة لأبي سعيد الخزاز قالت: كنت أسأله مسألة، والإزار بيني وبينه مشدود
فاستقرى حلاوة كلامه، فنظرت في ثقب من الإزرار، فرأيت شفته، فلما وقعت عيني
عليه سكن وقال: جرى ها هنا حدث فأخبريني ما هو؟ فعرفته أني نظرت إليه فقال:
أما علمت أن نظرك إلى معصية، وهذا العلم لا يحتمل التخليط، ولذلك حُرمت هذا
[٢٧٧/٤]
العلم.
- عن أبي عمرو بن علوان قال: خرجت يوماً إلى سوق الرحبة في حاجة، فرأيت
جنازة فتبعتها لأصلي عليها، ووقفت حتى يدفن الميت في جملة الناس، فوقعت
عيني على امرأة مسفرة من غير تعمد، فلححت بالنظر، واسترجعت، واستغفرت الله،
وعدت إلى منزلي، فقالت لي عجوز: يا سيدي، ما لي أرى وجهك أسود؟ فأخذت
المرآة فنظرت فإذا وجهي أسود، فرجعت إلى سري أنظر من أين دهيت! فذكرت
النظرة فانفردت في موضع أستغفر الله وأسأله الإقالة أربعين يوماً، فخطر في قلبي أن
زُر شيخك الجنيد، فانحدرت إلى بغداد، فلما جئت الحجرة التي هو فيها طرقت
الباب، فقال لي: أدخل يا أبا عمرو تذنب بالرحبة، ونستغفر لك ببغداد. [٢٤٧/٧]
- عن الكرابيسي قال: كان زياد بن مخراق يجلس إلى إياس بن معاوية. قال:
ففقده يومين أو ثلاثة، فأرسل إليه فوجدوه عليلاً، قال: فأتاه فقال: ما بك؟ فقال له
زياد: علة أجدها. قال له إياس: والله ما بك حمى، وما بك علة أعرفها، فأخبرني
ما الذي تجد؟ فقال: يا أبا واثلة تقدمت إليك امرأة، فنظرت إليها في نقابها حين
[٨/ ٦٤]
قامت من عندك، فوقعت في قلبي، فهذه العلة منها .
- عن منصور النمري قال: كنت واقفاً على جسر بغداد أنا، وعبيد الله بن هشام بن
عمرو التغلبي، وقد خطني الشيب يومئذ، وعبيد الله شاب حديث السن، فإذا أنا
بقصرية ظريفة، وقد وقفت فجعلت أنظر إليها، وهي تنظر إلى عبيد الله بن هشام، ثم
انصرفت، فقلت فيها :

٥٩٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
في لمَّتي وعبيد الله لم يشب
لما رأيت سوام الشيب منتشراً
على شبيبة ذي الأذيال والطرب
سللت سهمين من عينيك فانتضلا
إلى الفروع معداة عن الخشب
كذا الغواني مراميهن قاصدة
شبه الشباب بالفرع الأخضر، والشيخ بالخشبة التي قد يبست، أو ساق الشجرة
التي لا ورق له.
ولا وعيشك ما أصبحت من أربي
لا أنت أصبحت تفيدينني إرباً
إحدى وخمسين قد أنضیت جدتها
تحول بيني وبين اللهو واللعب
لا تحسبين وإن غضيت عن بصري
غفلت عنك لا عن شأنك العجب
قال: ثم عدلت عن ذلك، فمدحت يزيد بن مزيد فقلت:
سوى يزيد لفاتوا الناس بالحسب
لو لم يكن لبني شيبان من حسب
إذ أسلموا الجود فيهم عاقد الطنب
لا تحسب الناس قد حابوا بني مطر
من أن تبزكموه كف مستلب
الجود أخشن لمساً يا بني مطر
للذم لكنه يأتي على النشب
ما أعرف الناس إن الجود مدفعة
[٦٦/١٣ - ٦٧]
باب الفتن
- عن سفيان بن عيينة قال: لو رأيت الذين كانوا يجالسوني ابتليت بهؤلاء
الصبيان، وأعطيتهم أسباب الفتنة، فأنا لا أكاد أن أتخلص منهم حدثني عبد الله بن
المبارك - وكان عاقلاً - عن أشياخ أهل الشام قالوا: من أعطي من أسباب الفتنة من
نفسه أولاً لم ينج آخراً، وإن كان جاهداً.
[٧ /١٩٠]
- عن عباس بن عبد العظيم العنبري قال: كنا عند أحمد بن حنبل، فذاكره إنسان
بحديث رواه عيسى بن يونس فقال أحمد: ما روى عيسى بن يونس هذا الحديث،
ثم قال: أستغفر الله، ما أدري إن صحت رواية عيسى بن يونس لهذا الحديث؟ ثم
قال: أستغفر الله، فما يوجد عند بشر الحارث، قال عباس: فقلت: أنا ما أجد
سبيلاً إلى وصلة بشر إلا بهذا الحديث، فجئت، فسلمت عليه، وحكيت القصة، وما
قال أحمد، قال: فجعل يقول: ألبسني العافية، ألبسني العافية إن هذا البلاء وفتنة،
يذكر حديث فيقال: لا يصح إلا عند رجل، قال: أقول أنا في نفسي: كم بين
الرجلين؟ !.
[٧٧/٧]

٥٩٧
باب الفتوى * باب الفراسة
باب الفتوى
- عن أبي العيناء قال: لما ولي إسماعيل البصرة دس إليه الأنصاري يعني محمد بن
عبد الله إنساناً يسأله عن مسألة، فقال: أبقى الله القاضي، رجل قال لامرأته، فقطع
عليه إسماعيل وقال: قل للذي دسك: إن القضاة لا تفتي.
[٢٤٤/٦]
- عن البراء قال: لقد رأيت ثلاثمائة من أهل بدر ما منهم من أحد إلا وهو يحب
أن يكفيه صاحبه الفتوى.
[٢٨١/٨]
- عن الربيع بن سليمان قال: كان الشافعي يفتي، وله خمس عشرة سنة، وكان
يحيي الليل إلى أن مات.
[٦٤/٢]
- قال الحميدي بن عبد الله سمعت مسلم بن خالد الزنجي ـ ومَرّ على الشافعي
وهو يفتي، وهو ابن خمس عشرة سنة - فقال: يا أبا عبد الله أفت فقد آن لك أن
[٦٤/٢]
تفتي.
- عن القاضي أبي العلاء محمد بن علي بن يعقوب قال: انحدر القضاة والفقهاء
وكبار العلماء من بغداد إلى واسط لاستقبال بعض الملوك الواردين إلى بغداد - سماه
أبو العلاء فذهب عليَّ اسمه - وفيهم ابن صبر، فسألوا بواسط عن حادثة نزلت،
فأفتوا بموجب حكمها، وكتبوا خطوطهم بذلك، ثم سئل ابن صبر أن يكتب خطه
فامتنع، فقيل له: حكم هذه المسألة بالفتوى، فانتهى الأمر إلى قاضي القضاة، فسأله
عن سبب إمساكه فقال: إني صرفت عناني إلى علم الأصول، وهذه من مسائل
الفروع، فقال قاضي القضاة: ليست من المسائل المشكلة، وحكمها ظاهر، فقال:
أخشى إن أفتيت اليوم في هذه المسألة سئلت في غد في غيرها بما فيه غموض
وإشكال، فاسترجع قاضي القضاة عقله، وصوبه في فعله.
[٣٢١/٢]
- عن أبي الحسن العروضي قال: كان يتردد ابن الأنباري إلى أولاد الراضي،
فكان يوماً من الأيام قد سألته جارية عن شيء من تفسير الرؤيا، فقال: أنا حاقن ثم
مضى، فلما كان من غد عاد وقد صار معبراً للرؤيا، وذلك أنه مضى من يومه،
فدرس کتاب الكرماني وجاء.
[١٨٤/٣]
=
باب الفراسة
- عن محمد بن سيرين قال: حج بنا أبو الوليد، ونحن سبعة ولد سيرين، فمر بنا
على المدينة، فلما دخلنا على زيد بن ثابت قيل له: هؤلاء بنو سيرين. قال: فقال
زيد: هذان لأم، وهذان لأم، وهذان لأم، وهذا لأم. قال: فما أخطأ، وكان معبد
أخا محمد لأمه.
[٣٣٢/٥ - ٣٣٣]

٥٩٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن ابن عرفة قال: بلغني أن المهدي لما فرغ من بناء عيسى باذ ركب في
جماعة يسير لينظر، فدخله مفاجأة، وأخرج من كان هناك من الناس، وبقي رجلان
خفيا عن أبصار الأعوان، فرأى المهدي أحدهما، وهو دهش ما يعقل، فقال: من
أنت؟ قال: أنا .. أنا .. أنا. قال: ويلك، من أنت؟ قال: لا أدري. قال: ألك
حاجة؟ قال: لا .. لا. قال: أخرجوه أخرج الله نفسه، فدفع في قفاه، فلما خرج
قال لغلام له: اتبعه من حيث لا يعلم، فاسأل عن أمره ومهنته، فإني أخاله حائكاً،
فخرج الغلام يقفوه، ثم رأى الآخر فاستنطقه، فأجابه بقلب جريء ولسان منبسط،
فقال: من أنت؟ فقال: رجل من أبناء رجال دعوتك. قال: فما جاء بك إلى ها
هنا؟ قال: جئت لأنظر إلى هذا البناء الحسن، فأتمتع بالنظر، وأكثر الدعاء لأمير
المؤمنين بطول المدة، وتمام النعمة، ونماء العز والسلامة. قال: أفلك حاجة؟ قال:
نعم، خطبت ابنة عمي، فردني أبوها، وقال: لا مال لك، والناس يرغبون في
الأموال، وأنا بها مشغوف، ولها وامق. قال: قد أمرت لك بخمسين ألف درهم.
قال: جعلني الله فداءك يا أمير المؤمنين، قد وصلت فأجزلت الصلة، ومننت
فأعظمت المنة، فجعل الله باقي عمرك أكثر من ماضيه، وآخر أيامك خيراً من أولها،
وأمتعك بما أنعم به، وأمتع رعيتك بك، فأمر أن تعجل له صلته، ووجه ببعض
خاصته معه، وقال: سل عن مهنته، فإني أخاله كاتباً، فرجع الرسولان معاً فقال
الأول: وجدت الأول حائكاً، وقال الآخر: وجدت الرجل كاتباً، فقال المهدي: لم
تَخْفَ علي مخاطبة الكاتب والحائك.
[٣٩٨/٥ - ٣٩٩]
- عن يعقوب بن السِّكِيت قال: كان أمية بن أبي الصلت يشرب، قال: فجاء
غراب فنعب نعبة، فقال له أمية: بفيك التراب، ثم نعب نعبة أخرى. فقال: بفيك
التراب، ثم أقبل على أصحابه فقال: تدرون ما قال هذا الغراب؟ زعم أني أشرب
هذا الكأس، ثم أتكئ فأموت، ثم نعب نعبة أخرى، فقال: وآية ذلك أني أقع على
هذه المزبلة، فأبتلع عظماً، ثم أقع فأموت. قال: فوقع الغراب على المزبلة فابتلع
عظماً فمات، فقال أمية: أما هذا فقد صدقني عن نفسه، ولكن لأنظرن أيصدقني عن
نفسي. قال: فشرب الكأس، ثم اتكأ فمات.
[١٦/٦]
- عن عبد الله بن سلمة قال: دخلنا على عمر بن الخطاب في وفد مذحج، ومعنا
الأشتر، فجعل ينظر إلى الأشتر، ويصرف بصره عنه فقال: ويل لهذه الأمة منك،
ومن ولدك، إن للمؤمنين منك يوماً عصيباً .
[١٢٠/٧]

٥٩٩
باب الفراسة
- عن صافي الحرمي الخادم مولى المعتضد قال: مشيت يوماً بين يدي المعتضد،
وهو يريد دور الحرم، فلما بلغ إلى باب شغب أم المقتدر وقف يسمع ويطلع من
خلل في الستر، فإذا هو بالمقتدر وله إذ ذاك خمس سنين أو نحوها، وهو جالس،
وحواليه مقدار عشر وصائف من أقرانه في السن، وبين يديه طبق فضة فيه عنقود
عنب في وقت فيه العنب عزيز جداً، والصبي يأكل عنبة واحدة، ثم يطعم الجماعة
عنبة عنبة على الدور حتى إذا بلغ الدور إليه أكل واحدة مثل ما أكلوا حتى أفنى
العنقود، والمعتضد يتميز غيظاً قال: فرجع ولم يدخل الدار، ورأيته مهموماً فقلت:
يا مولاي ما سبب ما فعلته، وما قد بان عليك؟ فقال: يا صافي، والله لولا النار
والعار لقتلت هذا الصبي اليوم، فإن في قتله صلاحاً للأمة، فقلت: يا مولاي
حاشاه، أي شيء عمل أعيذك بالله يا مولاي ألعن إبليس، فقال: ويحك أنا أبصر
بما أقوله، أنا رجل قد سست الأمور، وأصلحت الدنيا بعد فساد شديد، ولا بد من
موتي، وأعلم أن الناس بعدي لا يختارون غير ولدي، وسيجلسون ابني علياً - يعني
المكتفي -، وما أظن عمره يطول للعلة التي به، فقال صافي: يعني الخنازير التي
كانت في حلقه فيتلف عن قرب، ولا يرى الناس أخرجها عن ولدي، ولا يجدون
بعده أكبر من جعفر فيجلسونه، وهو صبي وله من الطبع في السخاء هذا الذي قد
رأيت من أنه أطعم الصبيان مثل ما أكل، وساوى بينه وبينهم في شيء عزيز في
العالم، والشح على مثله في طباع الصبيان، فيحتوي عليه النساء لقرب عهده بهن،
فيقسم ما جمعته من الأموال كما قسم العنب، ويبذر ارتفاع الدنيا، ويخربها فتضيع
الثغور، وتنتشر الأمور، وتخرج الخوارج، وتحدث الأسباب التي يكون فيها زوال
الملك عن بني العباس أصلاً، فقلت: يا مولاي بل يبقيك الله حتى ينشأ في حياة
منك، ويصير كهلاً في أيامك، ويتأدب بآدابك، ويتخلق بخلقك، ولا يكون هذا
الذي ظننت، فقال: احفظ عني ما أقوله، فإنه كما قلت. قال: ومكث يومه مهموماً
وضرب الدهر ضربته، ومات المعتضد، وولي المكتفي، فلم يطل عمره، ومات،
وولي المقتدر، فكانت الصورة كما قاله المعتضد بعينها، فكنت كلما وقفت على
رأس المقتدر، وهو يشرب، ورأيته قد دعا بالأموال فأخرجت إليه، وحلت البدر،
وجعل يفرقها على الجواري والنساء، ويلعب بها ويمحقها ويهبها، ذكرت مولاي
[٢١٦/٧]
المعتضد، وبکیت.
- دخل عبد الله بن علي بن عبد الله على هشام بن عبد الملك فأدنى مجلسه حتى
أقعده معه، وأكرم لقاءه، وأظهر بره، ثم قال: ما أقدمك؟ فذكر له حاجته وما أصابه

٦٠٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
من خلة الزمان، وخرج بني لهشام بن عبد الملك صغير معه قوس ونشاب وهو يلعب
كما تلعب الصبيان فجعل الصبي يأخذ السهم فيرمي به عبد الله بن علي حتى فعل
ذلك مرات، قال وعبد الله بن علي ينظر إليه، ثم قام عبد الله فخرج، وذلك بعين
مسلمة بن عبد الملك، فقال مسلمة: يا أمير المؤمنين أما رأيت ما صنع الصبي،
والله لا يكون قتله وقتل رجال أهل بيته إلا على يديه، فقال هشام: لا تقل هذا،
فإنك لا تزال تأتينا بشيء لا نعرفه، قال: هو والله ذاك وما أقول لك، قال: فوالله
ما مضت الأيام والليالي حتى ورد عبد الله والياً على الشام من قبل أبي العباس،
فقتل ثلاثة وثمانين رجلاً من بني أمية، فأتي بالصبي فيمن أتى به. فقال: أنت
صاحب القوس، فقدم فضربت عنقه.
[١٠ _ ٨]
- عن المعافى بن زكريا قال: حدثني بعض شيوخنا أن بعضهم حدثه أنه لما كان
من خلع المقتدر في المرة الأولى ما كان، وبويع عبد الله بن المعتز بالخلافة دخل
على شيخنا أبي جعفر الطبري، فقال: ما الخبر؟ وكيف تركت الناس؟ أو نحو هذا
من القول، فقال له: قد بويع عبد الله بن المعتز. قال: فمن رشح للوزارة؟ فقال:
محمد بن داود بن الجراح. قال: فمن ذكر للقضاء؟ فقال: الحسن بن المثنى. قال:
فأطرق قليلاً، ثم قال: هذا أمر لا يتم ولا ينتظم. قال: فقلت له: وكيف؟ فقال:
كل واحد من هؤلاء الذين سميت متقدم في معناه عالي الرتبة في أبناء جنسه،
والزمان مدبر، والدنيا مولية، وما أرى هذا إلا اضمحلال وانتقاص، ولا يكون
لمدته طول، فكان الأمر كما قال.
[٩٨/١٠ _ ٩٩]
- عن أنس بن مالك قال: لما حضرت وفاة أبي بكر الصديق سمعت علي بن أبي
طالب قال: المتفرسون في الناس أربعة: امرأتان ورجلان، فأما المرأة الأولى
فصفرا بنت شعيب لما تفرست في موسى قال الله في قصتها: ﴿يَأَبَتِ اسْتَفْجِرَةٌ إِنكَ
خَيْرَ مَنِ أُسْتَنْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، والرجل الأول الملك العزيز على
عهد يوسف والقوم فيه من الزاهدين قال: ﴿وَقَالَ الَّذِى أَشْتَرَنُهُ مِن مِّصْرَ لِأَمْرَأَِ:
أَكْرِى مَثْوَنُهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَآ أَوْ نَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [يوسف: ٢١].
وأما المرأة الثانية فخديجة ابنة خويلد لما تفرست في النبي ◌ّه وقالت لعمها: قد
تنسمت روحي روح محمد بن عبد الله إنه نبي لهذه الأمة، فزوجني منه، وأما الرجل
الآخر فأبو بكر الصديق لما حضرته الوفاة قال لي: إني قد تفرست في أن أجعل
الأمر من بعدي في عمر بن الخطاب، فقلت له: إن تجعلها في غيره لن نرضى به،
فقال: سررتني والله لأسرنك في نفسك بما سمعته من رسول الله صل﴾، فقلت: وما