النص المفهرس

صفحات 561-580

=
٥٦١
باب العلماء
من مالك، وابن أبي ذئب أصلح في دينه، وأورع ورعاً، وأقوم بالحق من مالك عند
السلاطين، وقد دخل ابن أبي ذئب على أبي جعفر فلم يهبه أن قال له الحق، قال:
الظلم فاش ببابك.
[٣٠٢/٢]
وأبو جعفر أبو جعفر !!.
- عن أبي حاتم بن أبي الفضل الهروي قال: بلغني أن صالحاً - يعني جزرة -
سمع بعض الشيوخ يقول: إن السين والصاد يتعاقبان. قال: فسأل بعض تلامذته عن
كنية الشيخ، فقال له: أبو صالح. قال: فقلت للشيخ: يا أبا سالح أسلحك الله هل
يجوز أن تقرأ نحن نقس عليك أحسن القسس؟ قال: فقال لي بعض تلامذته: أتواجه
الشيخ بهذا، فقلت: إنه يكذب إنما تتعاقب السين والصاد في بعض المواضع، وهذا
[٣٢٦/٩]
يذكره على الإطلاق.
حرص العالم على جمع الكلمة ودرء الفتنة:
- عن علي بن المديني قال: قدم علينا أبو بكر بن أبي شيبة، ويحيى وعبد الرحمن
باقيين. قال: فأراد الخائب - يعني سليمان الشاذكوني - أن يذاكره، فاجتمع الناس
في مسجد الجامع. قال: فقال لي عبد الرحمن بن مهدي: اذهب فامنعهما فإني
أخشى أن تقع فتنة يتعصب مع هذا قوم، ومع هذا قوم.
[٦٩/١٠]
العالم والتجارة:
- عن علي بن الفضيل قال: سمعت أبي وهو يقول لابن المبارك: أنت تأمرنا
بالزهد والتقلل والبلغة، ونراك تأتي بالبضائع من بلاد خراسان إلى البلد الحرام كيف
ذا؟ فقال ابن المبارك: يا أبا علي إنما أفعل ذا لأصون به وجهي، وأكرم به عرضي،
وأستعين به على طاعة ربي، لا أرى لله حقّاً إلا سارعت إليه حتى أقوم به، فقال له
الفضيل: يا ابن المبارك ما أحسن ذا إن تم ذا .
[١٦٠/١٠]
جَلَد العلماء في العلم:
[٣٣/٦]
- عن إبراهيم قال: بقيت على سور الرهينة عشرين سنة أكتب.
- قال محمد بن إسماعيل البخاري: كتبت عن ألف شيخ وأكثر، ما عندي حديث
[١٠/٢]
لا أذكر إسناده.
- عن عبد الرحمن قال: قلت على باب أبي الوليد الطيالسي: من أغرب علي
حديثاً غريباً مسنداً صحيحاً لم أسمع به، فله عليّ درهم يتصدق به، وقد حضر على
باب الوليد خلق من الخلق، أبو زرعة فمن دونه، وإنما كان مرادي أن يلقى علي ما

٥٦٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
لم أسمع به ليقولوا: هو عند فلان فأذهب فأسمع، وكان مرادي أن أستخرج منهم ما
[٧٥/٢]
ليس عندي، فما تهيأ لأحد منهم أن يغرب علي حديثاً.
* منهج العلماء في الفتوى:
- عن أبي يوسف القاضي أنه قال - عند وفاته -: كل ما أفتيت به فقد رجعت عنه
[٢٥٤/١٤]
إلا ما وافق كتاب الله وسنة رسول الله آلڑ .
- عن أبي أيوب حميد بن أحمد البصري قال: قلت للشافعي ما تقول في مسألة
كذا وكذا؟ قال: فأجاب فيها. فقلت: من أين قلت؟ هل فيه حديث أو كتاب؟ قال:
بلى، فنزع في ذلك حديثاً للنبي وَلّ وهو حديث نص.
[٦٦/٢ - ٦٧]
- عن عيسى بن أحمد بن عثمان الهمداني قال: كان عبد العزيز بن عبد الله
الداركي إذا جاءته مسألة يستفتى فيها تفكر طويلاً، ثم أفتى فيها، وربما كانت
فتواه خلاف مذهب الشافعي وأبي حنيفة رضي الله تعالى عنهما، فيقال له في
ذلك، فيقول: ويحكم حدث فلان عن فلان عن رسول الله وَ ط8 بكذا وكذا،
والأخذ بالحديث عن رسول الله ﴿ أولى من الأخذ بقول الشافعي وأبي حنيفة
إذا خالفاه.
[١٠ /٤٦٤]
- عن أبي عمر الزاهد قال: كنت في مجلس أبي العباس ثعلب فسأله سائل عن
شيء، فقال: لا أدري. فقال له: أتقول لا أدري؟! وإليك تضرب أكباد الإبل،
وإليك الرحلة من كل بلد. فقال له ثعلب: لو كان لأمك بعدد ما لا أدري بعر.
[٢٠٩/٥]
لا ستغنت .
- عن أبي الحسن أحمد بن يوسف الأزرق قال: سمعت أبا هاشم الجبائي يقول:
سألني بعض أصحابنا عن مسألة فأجبته عنها، فقال لي: يا أبا هاشم لا تظنني لم
أكن أعرف هذا، فقلت له: الصاحي بموضع رجلي السكران أعرف من السكران
بموضع رجلي نفسه، يعني أن العالم أعلم بمقدار ما يحسنه الجاهل من الجاهل بقدر
[١١ /٥٥]
ما يحسن.
- عن أبي بكر محمد قال: إن سليمان بن عبد الملك عام حج جمع رجالاً من
أهل العلم منهم عمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد، وابن شهاب، وخارجة بن
زيد، وسالم وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر، فسألهم عن الطيب قبل الإفاضة فكلهم
أمره بالطيب. قال القاسم: حدثتني عائشة أنها طيبت رسول الله قبل أن يطوف
بالبيت .
[١٨٥/١١]

٥٦٣
باب العلماء
* استشارة العالم فيمن يُسأل بعده:
- عن عبادة بن نسي قال: قيل لابن عمر إنكم معشر أشياخ قريش توشكون أن
تنقرضوا فمن نسأل بعدكم؟ فقال: إن لمروان ابناً فقيهاً فسلوه.
[٣٨٩/١٠]
* منهج العالم في التعليم:
- عن أبي الفضل الزجاج قال: لما قدم الشافعي إلى بغداد وكان في الجامع إما
نيف وأربعون حلقة أو خمسون حلقة، فلما دخل بغداد ما زال يقعد في حلقة حلقة
ويقول لهم: قال الله وقال الرسول، وهم يقولون: قال أصحابنا، حتى ما بقي في
[٦٨/٢ - ٦٩]
المسجد حلقة غيره.
* أسلوب العالم في الحوار مع المخالفين:
- عن محمد بن سماعة قال: كان عيسى بن أبان حسن الوجه وكان يصلي معنا،
وكنت أدعوه أن يأتي محمد بن الحسن فيقول: هؤلاء قوم يخالفون الحديث، وكان
عيسى حسن الحفظ للحديث فصلى معنا يوماً الصبح، وكان يوم مجلس محمد فلم
أفارقه حتى جلس في المجلس، فلما فرغ محمد أدنيته إليه، وقلت: هذا ابن أخيك
أبان بن صدقة الكاتب، ومعه ذكاء ومعرفة بالحديث، وأنا أدعوه إليك فيأبى،
ويقول: إنا نخالف الحديث، فأقبل عليه وقال له: يا بني ما الذي رأيتنا نخالفه من
الحديث؟ لا تشهد علينا حتى تسمع منا، فسأله يومئذ عن خمسة وعشرين باباً من
الحديث، فجعل محمد بن الحسن يجيبه عنها، ويخبره بما فيها من المنسوخ، ويأتي
بالشواهد والدلائل، فالتفت إلي بعد ما خرجنا، فقال: كان بيني وبين النور ستر
فارتفع عني، ما ظننت أن في ملك الله مثل هذا الرجل يظهره للناس، ولزم محمد بن
الحسن لزوماً شديداً حتى تفقه به.
[١٥٨/١١]
* إذا حدَّث العالم ثم نسي:
- عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسِ كَانَ مِزَاجُهَا
كَافُورًا﴾ [الإنسان: ٥] في قصة طويلة فكتبته، ثم أتيته من الغد فدفعته إليه، فقال:
من يروي هذا؟ ما أحسنه! ما طن على أذني ممن يفيدني، فاستحييت أن أقول له
أنت حدثتنیه أمس.
[١١/ ٢١٢]
* أثر التلاميذ في الخلاف بين العلماء:
- عن أبي عبد الله الزعفراني قال: روى ابن صاعد ببغداد في أيامه حديثاً أخطأ في

٥٦٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
إسناده، فأنكر عليه ابن عقدة الحافظ فخرج عليه أصحاب ابن صاعد، وارتفعوا إلى
الوزير علي بن عيسى وحبس ابن عقدة، فقال الوزير: من يُسأل ويرجع إليه؟ فقال:
ابن أبي حاتم. قال: فكتب إليه الوزير يسأله عن ذلك فنظر وتأمل فإذا الحديث على
ما قال ابن عقدة، فكتب إليه بذلك، فأطلق ابن عقدة، وارتفع شأنه.
[١٨/٥]
* معرفة العالم لقدر علمه:
- عن أبي العباس محمد بن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال لي أبي: حضرت
مجلس أخي محمد بن عبد الله بن طاهر؛ وحضره أبو العباس أحمد بن يحيى وأبو
العباس محمد بن يزيد المبرد النحويان؛ فقال لي أخي محمد بن عبد الله قال: قد
حضر هذان الشيخان، وأنا أحب أن أعرف أيهما أعلم، أو نحو هذا من الكلام،
فاجلس في الدار الفلانية قد سماها، ويحضر هذان الشيخان بحضرتك ويتناظران،
ففعلت ما أمر، وحضرا فتناظرا في شيء من علم النحو مما أعرفه، فكنت أشاركهما
فيه إلى أن دققا، فلم أفهم، ثم عدت إليه بعد انقضاء المجلس، فسألني، فقلت:
إنهما تكلما فيما أعرف فشاركتهما في معرفتي، ثم دققا فلم أعرف ما قالا، ولا والله
يا سيدي ما يعرف علمهما إلا من هو أعلم منهما، ولست ذاك الرجل، فقال لي
[٢٠٨/٥]
أخي: أحسنت والله هذا أحسن يعني اعترافه بذلك.
- عن أبي بكر أحمد بن السري قال: اجتمع المبرد وأبو العباس ثعلب عند
إسماعيل القاضي، فتكالما في مسألة، فطال بينهما الكلام، فقال المبرد الثعلب: قد
رضينا بالقاضي فسألاه الحكومة بينهما، فقال لهما: تكالما فتكالما. فقال القاضي:
لا يسعني الحكم بينكما لأنكما قد خرجتما إلى ما لا أعلم.
[٢٨٩/٦]
- عن التنوخي قال: إن أبا محمد بن معروف جلس يوماً للحكم في جامع
الرصافة فاستدعى أصحاب القصص إليه، فتتبعها ووقع على أكثرها، ثم نظر في
بعضها، فإذا فيها ذكر له بالقبيح، وموافقته على وضاعته، وسقوط أصله، ثم تنبيهه
وتذكيره لأحوال غير جميلة، وتعديد ذلك عليه، فقلب الرقعة وكتب على ظهرها :
أغناه جنس علمه عن جنسه
العالم العاقل ابن نفسه
فإنما المرء بفضل كيسه
كن ابن من شئت وكن كيساً
وبين من تكرمه لنفسه
كم بين من تكرمه لغيره
فيومه أولى من أمسه
من إنما حياته لغيره
[٣٦٦/١٠]

٥٦٥
باب العلماء
* أثر العالم في مجتمعه:
- عن أبي عوانة قال: رأيت محمد بن سيرين مر في السوق عند أصحاب، فكان
لا يمر بقوم إلا سبحوا وذكروا الله رحمن.
[٣٣٧/٥]
- عن ابن شبرمة قال: عجباً لهذا الرازي - أي جرير بن عبد الحميد الضبي -
عرضت عليه أن أجري عليه مائة درهم في الشهر من الصدقة، فقال: يأخذ
المسلمون كلهم مثل هذا؟ قلت: لا. قال: فلا حاجة لي فيها.
[٢٥٨/٧]
- عن خرزاذ القائد قال: كنت عند الرشيد، فدخل أبو معاوية الضرير وعنده
رجل من وجوه قريش، فجرى الحديث إلى أن خرج أبو معاوية إلى حديث
الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة: أن موسى لقي آدم فقال: أنت آدم الذي
أخرجتنا من الجنة .. وذكر الحديث، فقال القرشي: أين لقى آدم موسى؟ قال:
فغضب الرشيد وقال: النطع والسيف، زنديق والله يطعن في حديث رسول الله وَ له،
قال: فما زال أبو معاوية يسكنه ويقول: كانت منه بادرة ولم يفهم يا أمير
المؤمنین، حتی سکنه.
[١٤ /٧]
* عزة العالم:
- عن أبي سعيد بكر بن منير بن خليد بن عسكر قال: بعث الأمير خالد بن أحمد
الذهلي والي بخارى إلى محمد بن إسماعيل، أن احمل إلي كتاب الجامع والتاريخ
وغيرهما لأسمع منك، فقال محمد بن إسماعيل لرسوله: أنا لا أذل العلم، ولا
أحمله إلى أبواب الناس، فإن كانت لك إلى شيء منه حاجة فأحضرني في مسجدي
أو في داري، وإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان فامنعني من الجلوس ليكون لي عذر
عند الله يوم القيامة، لأني لا أكتم العلم لقول النبي ◌َّلر: ((من سئل عن علم فكتمه
ألجم بلجام من نار)). قال: فكان سبب الوحشة بينهما هذا.
[٣٣/٢]
- عن أبي بكر بن أبي عمرو الحافظ قال: كان سبب مفارقة أبي عبد الله محمد
ابن إسماعيل البخاري البلد - يعني بخارى - أن خالد بن أحمد الذهلي الأمير خليفة
الظاهرية ببخارى سأل: أن يحضر منزله فيقرأ الجامع والتاريخ على أولاده فامتنع أبو
عبد الله عن الحضور عنده، فراسله أن يعقد مجلساً لأولاده لا يحضره غيرهم،
فامتنع عن ذلك أيضاً، وقال: لا يسمعني أن أخص بالسماع قوماً دون قوم، فاستعان
خالد بن أحمد بحريث بن أبي الورقاء، وغيره من أهل العلم ببخارى عليه، حتى
تكلموا في مذهبه ونفاه عن البلد، فدعا عليهم أبو عبد الله محمد بن إسماعيل،

٥٦٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
فقال: اللهم أرهم ما قصدوني به في أنفسهم وأولادهم وأهاليهم، فأما خالد فلم
يأت عليه إلا أقل من شهر حتى ورد أمر الظاهرية بأن ينادى عليه، فنودي عليه، وهو
على أتان وأُشخص على إكاف، ثم صار عاقبة أمره إلى ما قد اشتهر وشاع، وأما
حريث بن أبي الورقاء فإنه ابتلي بأهله فرأى فيها ما يجل عن الوصف، وأما فلان
أحد القوم - وسماه - فإنه ابتلي بأولاده وأراه الله فيهم البلايا.
[٣٣/٢ - ٣٤]
- عن علي بن الحسن الرسمي قال: دخل ابن الطباع من سامراء إلى بغداد
فنزل في البغويين، فاجتمع أصحاب الحديث، فسمع محمد بن عبد الله بن طاهر
الضوضاء من الكلام أصحاب الحديث، فقال لحاجبه: ما هذا؟ فقال: ابن الطباع
قدم من سر من رأى، وهذا كلام أصحاب الحديث، فقال: وقد قدم؟ قال: نعم،
فكتب إليه رقعة يسأله أن يصير إليه ليحدث فتيانه، فكتب جواب رقعته: بسم الله
الرحمن الرحيم، أكرمك الله كرامة تكون لك في الدنيا عزّاً، وفي الآخرة من النار
حرزاً، قرأت رقعتك، ولم أتخلف عنك صيانة، إنما تخلفت عنك ديانة، والعلم
يؤتى ولا يأتي، فقال: صدق. فصار إليه محمد بن عبد الله وبنوه، وكان نازلاً في
غرفة فصعد إليه، فحدثه عامة الليل، وقال محمد بن عبد الله - يعني لحاجبه -
سله ما يريد؟ فكلمه الحاجب بالفارسية، وكان ابن الطباع يحسن الفارسية، فقال:
قل له يبعث لنا شيئاً نتغطى به في هذا البرد، فبعث إليه بمطرف خز يساوى
خمسمائة دينار، فاحتاج ابن الطباع إلى بيعه فدفعه إلى بعض البزازين فباعه بخمسة
وخمسين ديناراً، وقال: لو صبرت عليه حتى يجيء طالبه لأخذت لك خمسمائة
دینار .
[٣٩٤/٣ - ٣٩٥]
* عدم اهتمام العالم بالمظاهر:
- عن عيسى بن موسى قال لابن أبي ليلى: اجمع الفقهاء، قال: فجمعهم، فجاء
الأعمش في جبة فرو، وقد ربط وسطه بشريط فأبطئوا، فقام الأعمش فقال: إن
أردتم أن تعطونا شيئاً، وإلا فخلوا سبيلنا، فقال: يا ابن أبي ليلى، قلت لك: تأتي
بالفقهاء تجيء بهذا! قال: هذا سيدنا، هذا الأعمش.
[٨/٩]
* حكمة العالم وحنكته:
- عن يحيى ابن أكثم قال لنا المأمون: لولا مكان يزيد بن هارون لأظهرت القرآن
مخلوق، فقال بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين ومن يزيد حتى يكون يُتقى. قال:
فقال: ويحك إني لا أتقيه لأن له سلطاناً أو سلطنة، ولكن أخاف إن أظهرته فيرد

٥٦٧
باب العمل بالعلم
علي فيختلف الناس، وتكون فتنة، وأنا أكره الفتنة. قال: فقال له الرجل: فأنا أخبر
لك ذلك منه. قال: فقال له: نعم. قال: فخرج إلى واسط فجاء إلى يزيد فدخل
عليه المسجد، وجلس إليه، فقال له: يا أبا خالد إن أمير المؤمنين يقرئك السلام،
ويقول لك إني أريد أن أظهر القرآن مخلوق. قال: فقال: كذبت على أمير المؤمنين،
أمير المؤمنين لا يحمل الناس على ما لا يعرفونه، فإن كنت صادقاً فاقعد إلى
المجلس، فإذا اجتمع الناس، فقل قال، فلما أن كان من الغد اجتمع الناس فقام
فقال: يا أبا خالد رضي الله عنك إن أمير المؤمنين يقرئك السلام، ويقول لك إني
أردت أن أظهر القرآن مخلوق فما عندك في ذلك؟ قال: كذبت على أمير المؤمنين،
أمير المؤمنين لا يحمل الناس على ما لا يعرفونه وما لم يقل به أحد، قال: فقدم.
فقال: يا أمير المؤمنين كنت أنت أعلم. قال: كان من القصة كيت وكيت. قال:
فقال له: ويحك تلعب بك.
[٣٤٢/١٤]
* متفرقات :
- عن ابن أبي الدنيا قال: دخل المكتفي على الموفق ولوحه بيده، فقال: ما لك
لوحت بيدك؟ قال: مات غلامي، واستراح من الكتاب. قال: ليس هذا من كلامك،
هذا كان الرشيد أمر أن يعرض عليه ألواح أولاده في كل يوم اثنين وخميس، فعرضت
عليه، فقال لابنه: ما لغلامك ليس لوحك معه؟ قال: مات واستراح من الكتاب قال:
وكأن الموت أسهل عليك من الكتاب؟ قال: نعم. قال: فدع الكتاب. قال: ثم جئته
فقال لي: كيف محبتك لمؤدبك؟ قال: كيف لا أحبه، وهو أول من فتق لساني
بذكر الله، وهو مع ذلك إذا شئت أضحكك، وإذا شئت أبكاك. قال: يا راشد
أحضرني هذا. قال: فأحضرت فقربت قريباً من سريره، وابتدأت في أخبار الخلفاء
ومواعظهم، فبكى بكاء شديداً. قال: فجاءني راغب أو يأنس، فقال لي: كم تبكي
الأمير، فقال: قطع الله يدك ما لك وله يا راشد تنح عنه. قال: وابتدأت فقرأت عليه
نوادر الأعراب. قال: فضحك ضحكاً كثيراً، ثم قال: شهرتني شهرتني، وذكر الخبر
بطوله. قال أبو ذر: فقال لأحمد بن محمد بن الفرات: أجر له خمسة عشر ديناراً في
كل شهر. قال أبو ذر: فكنت أقبضها لابن أبي الدنيا إلى أن مات.
[٨٩/١٠]
﴿ باب العمل بالعلم
- عن مالك - بن دينار - قال: قرأت في التوراة: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه
زلت موعظته من القلوب كما يزل المطر على الصفا.
[١١٠/٤]

٥٦٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن سفيان بن عيينة قال: إنما العلم ليتقى الله به، ويعمل به لآخرته، ويصرف
عن نفسه سوء الدنيا والآخرة، وإلا فالعالم كالجاهل إذا لم يتق الله بعلمه. [٢١٣/٤]
- عن ابن عمر قال: كان عمر إذا نهى الناس عن شيء دخل على أهله أو قال:
جمع أهله فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم كما ينظر
الطير إلى اللحم، فإن وقعتم وقعوا، وإن هبتم هابوا، وإني والله لا أؤتى برجل منكم
وقع فيما نهيت الناس عنه إلا أضعفت له العقوبة لمكانه مني فمن شاء منكم فليتقدم،
ومن شاء منکم فليتأخر.
[٢١٩/٤]
- عن أبي عبد الله الروذباري قال: من خرج إلى العلم يريد العمل بالعلم نفعه
قليل العلم. قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: العلم موقوف على العمل به، والعمل
موقوف على الإخلاص، والإخلاص لله يورث الفهم.
[٣٣٧/٤]
- عن عبد الرحمن بن إبراهيم الفهري قال: إن ابن سماك كان يعاتب نفسه يقول
فيما يعاتبها به: تقولين قول الزاهدين، وتعملين عمل المنافقين، والجنة تطمعين
تدخلين، هيهات للجنة قوماً آخرين.
[٣٧٠/٥]
- عن عبد الله بن سليمان قال: قلت لعلي بن خشرم لما أخبرني أن سماعه
وسماع بشر بن الحارث بن عيسى واحد قلت: فأين حديث أم زرع؟ فقال: سماعي
معه، وكتبت إليه أن يوجه به إلي فكتب إلي: هل عملت بما عندك حتى تطلب ما
[؟/٦٨]
ليس عندك؟ !.
- عن بشر بن الحارث قال: العلم حسن لمن عمل به، ومن لم يعمل به ما
أضره! وقال: هذه حجج، أو قال: هذه حجة - يعني على من علم - قال: وسمعت
يعقوب بن سواك يقول: سمعت بشر بن منصور يقول من كلام المسيح فظلّل *: من
علم وعمل وعلَّم فذاك يدعى عظيماً في ملكوت السموات.
[٢٣٠/٢]
- عن أبي جعفر المخولي وكان عابداً عالماً قال: حرام على قلب صحب الدنيا
أن يسكنه الورع الخفي، وحرام على نفس عليها ربانية الناس أن تذوق حلاوة
[٤١١/١٤]
الآخرة، وحرام على كل عالم لم يعمل بعلمه أن يتخذه المتقون إماماً.
= باب العيد
- عن زياد بن عبيد الله قال: رأيت عبد الجبار بن وائل، وعلقمة بن مرثد،
وطلحة الأيامي، وزبيد الأيامي يصومون يوم النيروز، ويعتكفون في المسجد الأكبر،
فكانوا يقولون: هذا يوم عيد للمشركين يريدون به الخلاف على المشركين. [٤٧٥/٨]

٥٦٩
باب العين
- قال الشعبي: شهد أو شهدت عيداً بالأنبار فقال : - يعني عياضاً الأشعري - ما
لي لا أراكم تقلسون؟ وقد كانوا في زمان رسول الله - * يفعلونه. قال يوسف بن
عدي: التقليس: أن يقعد الجواري والصبيان على أفواه الطرق يلعبون بالطبل وغير
ذلك.
[٢٠٧/١]
3 8
باب العين
- عن أحمد بن عمر بن بكير النحوي قال: لما قدم الحسن بن سهل العراق
قال: أحب أن أجمع قوماً من أهل الأدب، فيخرجون بحضرتي في ذلك، فحضر
أبو عبيدة معمر بن المثنى، والأصمعي، ونصر بن علي الجهضمي، وحضرت معهم
فابتدأ الحسن فنظر في رقاع كانت بين يديه للناس في حاجاتهم ووقع عليها فكانت
خمسين رقعة، ثم أمر فدفعت إلى الخازن، ثم أقبل علينا فقال: قد فعلنا خيراً،
ونظرنا في بعض ما نرجو نفعه من أمور الناس والرعية، فنأخذ الآن فيما نحتاج
إليه، فأفضنا في ذكر الحفاظ، فذكرنا الزهري، وقتادة، ومررنا فالتفت أبو عبيدة
فقال: ما الغرض أيها الأمير في ذكر ما مضى؟ وإنما نعتمد في قولنا على حكاية
عن قوم مضوا، ونترك ما نحضره ها هنا من يقول أنه ما قرأ كتاباً قط فاحتاج إلى
أن يعود فيه، ولا دخل قلبه شيء فخرج عنه، فالتفت الأصمعي فقال: إنما يريدني
بهذا القول يا أمير المؤمنين، والأمر في ذلك على ما حكى، وأنا أقرب عليه قد
نظر الأمير فيما نظر فيه من الرقاع، وأنا أعيد ما فيها، وما وقع به الأمير على
رقعة رقعة على توالي الرقاع. قال: فأمر فأحضر الخازن، وأحضرت الرقاع، وإذا
الخازن قد شكها على توالي نظر الحسن فيها، فقال الأصمعي: سأل صاحب
الرقعة الأولى كذا، واسمه كذا، فوقع له كذا، والرقعة الثانية، والثالثة حتى مر في
نيف وأربعين رقعة، فالتفت إليه نصر بن علي فقال: يا أيها الرجل اتق على نفسك
[١٠ /٤١٥ - ٤١٦]
من العين، فكف الأصمعي.
- عن التنوخي قال: أخبرنا أبي حدثني أبي قال: سمعت أبي ينشد يوماً ولي إذ
ذاك خمسة عشر سنة بعض قصيدة دعبل الطويلة التي يفخر فيها باليمن، ويعد
مناقبهم، ويرد على الكميت فيها فخره بنزار، فأولها :
كفاك اللوم مر الأربعينا
أفيقي من ملامك يا ظعينا
وهي نحو ستمائة بيت، فاشتهيت حفظها لما فيها من مفاخر اليمن أهلي، فقلت
له: سيدي تخرجها لي حتى أحفظها فدافعني، فألححت عليه، فقال: كأني بك

٥٧٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
تأخذها فتحفظ منها خمسين بيتاً أو مائة بيت، ثم ترمى بالكتاب، وتخلقه عليّ،
فقلت: ادفعها إليّ، فأخرجها، وسلمها إليّ، وقد كان كلامه أثر فيّ، فدخلت
حجرة لي كانت برسمي من داره، فخلوت فيها، ولم أتشاغل يومي وليلتي بشيء
غير حفظها، فلما كان في السحر كنت قد فرغت من جميعها، وأتقنتها، فخرجت
إليه غدوة على رسمي، فجلست بين يديه، فقال: هيه كم حفظت من قصيدة دعبل؟
فقلت: قد حفظتها بأسرها، فغضب، وقد رآني قد كذبته، وقال: هاتها، فأخرجت
الدفتر من كمي، وفتحته، فنظر فيه، وأنا أنشد إلى أن مضيت في أكثر من مائة
بيت، فصفح منها عدة أوراق، وقال أنشد من ها هنا فأنشدته إلى أن مضيت في
أكثر من مائة بيت آخر، فصفح إلى أن قارب آخرها بمائة بيت، وقال: انشد من
ها هنا، فأنشدته من مائة بيت منها إلى آخرها، فهاله ما رآه من حسن حفظي
فضمني إليه، وقبّل رأسي وعيني، وقال: بالله يا بني لا تخبر بهذا أحداً؛ فإني
أخاف عليك العين.
[٧٨/١٢ - ٧٩]
باب علم الكلام
- عن أبي يوسف القاضي قال لبشر المريسي: طلب العلم بالكلام هو الجهل،
والجهل بالكلام هو العلم، وإذا صار رأساً في الكلام قيل زنديق، أو رمي بالزندقة،
يا بشر بلغني أنك تتكلم في القرآن، إن أقررت لله علماً خُصمت، وإن جحدت العلم
کفرت.
[٦١/٧]
- عن ثمامة بن أشرس قال: خرجت من البصرة أريد المأمون، فصرت إلى دير
هرقل، فإذا مجنون مشدود فقال لي: ما اسمك؟ قلت: ثمامة. قال: المتكلم؟
قلت: نعم. قال: لم جلست على هذه الآجرة ولم يأذن لك أهلها؟ قلت: رأيتها
مبذولة، فجلست عليها. قال: فلعل لأهلها فيها تدبيراً غير البذل، ثم قال لي:
أخبرني متى يجد صاحب النوم لذة النوم؟ إن قلت قبل أن ينام أحلت لأنه يقظان،
وإن قلت في حال النوم أبطلت لأنه لا يعقل شيئاً، وإن قلت بعد قيامه، فقد خرج
[١٤٦/٧]
عنه، ولا يوجد الشيء بعد فقده. فوالله ما كان عندي فيها جواب.
- عن سعيد بن عمرو البرذعي قال: كنا عند أبي زرعة فاختلف رجلان من
أصحابنا في أمر داود الأصبهاني والمزني، وهم فضل الرازي وعبد الرحمن بن
خراش البغدادي فقال ابن خراش: داود كافر، وقال فضل المزني: جاهل، ونحو
هذا من الكلام، فأقبل عليهما أبو زرعة يوبخهما، وقال لهما: ما واحد منهما لكما

٥٧١
باب علم الكلام
بصاحب، ثم قال: من كان عنده علم فلم يصنه، ولم يقتصر عليه، والتجأ إلى الكلام
فما في أيديكما منه شيء، ثم قال: إن الشافعي لا أعلم تكلم في كتبه بشيء من هذا
الفضول الذي قد أحدثوه، ولا أرى امتنع من ذلك إلا ديانة، وصانه الله لما أراد أن
ينفذ حكمته، ثم قال: هؤلاء المتكلمون لا تكونوا منهم بسبيل، فإن آخر أمرهم يرجع
إلى شيء مكشوف ينكشفون عنه، وإنما يتموه أمرهم سنة سنتين، ثم ينكشف فلا أرى
لأحد أن يناضل عن أحد من هؤلاء، فإنهم إن تهتكوا يوماً قيل لهذا المناضل: أنت
من أصحابه، وإن طلب يوماً طلب هذا به لا ينبغي لمن يعقل أن يمدح هؤلاء، ثم
قال لي: ترى داود هذا لو اقتصر على ما يقتصر عليه أهل العلم لظننت أنه يكمد أهل
البدع بما عنده من البيان والآلة، ولكنه تعدى لقد قدم علينا من نيسابور فكتب إلى
محمد بن رافع، ومحمد بن يحيى، وعمرو بن زرارة، وحسين بن منصور، ومشيخة
نيسابور بما أحدث هناك فكتمت ذلك لما خفت من عواقبه، ولم أبدله شيئاً من ذلك
فقدم بغداد، وكان بينه وبين صالح بن أحمد حسن، فكلم صالحاً أن يتلطف له في
الاستئذان على أبيه، فأتى صالح أباه، فقال له: رجل سألني أن يأتيك. قال: ما
اسمه؟ قال: داود. قال: من أين؟ قال: من أهل أصبهان. قال: أي شيء صناعته؟
قال: وكان صالح يروغ عن تعريفه إياه، فما زال أبو عبد الله يفحص عنه حتى فطن،
فقال: هذا قد كتب إلى محمد بن يحيى النيسابوري في أمره أنه زعم أن القرآن
محدث، فلا يقربني. قال: يا أبت ينتفي من هذا، وينكره، فقال أبو عبد الله:
أحمد بن محمد بن يحيى أصدق منه لا تأذن له في المصير إلي.
[٣٧٣/٨ - ٣٧٤]
- عن أبي الحسن أحمد بن يحيى بن المنجم قال: لقي الهذيل العلاف مسقف
فنال به انزع ثيابك ـ وأخذ بمجامع جيبه - فقال أبو الهذيل: استحالت المسألة.
قال: وكيف؟ قال: تمسك بموضع النزع، وتقول لي: انزع! أتراني أنزع القميص من
ذيله أم من جيبه؟ فقال له: أنت أبو الهذيل؟ قال: نعم! قال: امض راشداً. [٣٦٨/٣]
- عن المأمون قال لحاجبه يوماً: انظر من بالباب من أصحاب الكلام، فخرج
وعاد إليه فقال: بالباب أبو الهذيل العلاف، وهو معتزلي، وعبد الله بن أباض
الأباضي، وهشام بن الكلبي الرافضي، فقال المأمون: ما بقي من أعلام أهل جهنم
[٣٦٩/٣]
أحد إلا وقد حضر.
- عن أحمد بن سنان قال: كان الوليد الكرابيسي خالي، فلما حضرته الوفاة قال
لبنيه: تعلمون أحداً أعلم بالكلام مني؟ قالوا: لا. قال: فتتهموني؟ قالوا: لا. قال:
فإني أوصيكم تقبلون؟ قالوا: نعم. قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث، فإني

٥٧٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
رأيت الحق معهم لست أعني الرؤساء، ولكن هؤلاء الممزقين ألم تر أحدهم يجيء
إلى الرئيس منهم، فيخطئه ويهجيه. قال أبو بكر بن سليمان بن الأشعث: كان أعرف
الناس بالكلام بعد حفص الفرد الكرابيسي، وكان حسين الكرابيسي قد تعلم منه
[٤٤١/١٣]
الكلام.
باب الغدر والخيانة
- عن هلال بن الخباب قال: جمع الحسن بن علي رؤوس أصحابه في قصر
المدائن، فقال: يا أهل العراق لو لم تذهل نفسي عنكم إلا لثلاث خصال لذهلت:
بقتلكم أبي، ومطعنكم بغلتي، وانتهابكم ثقلي، أو قال: ردائي عن عاتقي، وإنكم قد
بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، وتحاربوا من حاربت، وإني قد بايعت
معاوية فاسمعوا له وأطيعوا. قال: ثم نزل فدخل القصر.
[١٣٩/١]
- عن محمد بن زياد قال: سألت إبراهيم الخواص عن أعجب ما رآه في البادية.
فقال: كنت ليلة من الليالي في البادية، فنمت على حجر، فإذا أنا بشيطان قد جاء
وقال: قم من ها هنا. فقلت: اذهب. فقال: إني أرفسك فتهلك. فقلت: افعل ما
شئت فرفسني فوقعت رجله علي كأنها خرقة. فقال: أنت ولي الله من أنت؟ قلت:
أنا إبراهيم الخواص. قال: صدقت، ثم قال: يا إبراهيم معي حلال وحرام، فأما
الحلال فرمان من الجبل المباح، وأما الحرام فحيتان مررت على صيادين، وهما
يصطادان، فتخاونا فأخذت الخيانة، فكل أنت الحلال، ودع الحرام.
[٢٨٥/٥]
- قال مروان بن أبي الجنوب في أبيات يذكر فيها أمر ابن الزيات:
فقلت أتاني الله بالفتح والنصر
وقيل لي الزيات لاقى حمامه
فألقاه فيها ما نواه من الغدر
لقد حفر الزيات بالغدر حفرة
[١٥٣/١٣]
باب الغربة
- عن علي بن محمد بن الحسن الحربي قال: جاء رجل إلى أبي بكر الأبهري
يشاوره في السفر فأنشده:
وإن تخبر يقلوا في الحساب
متى تحسب صديقك لا يقلوا
ومطلبها يذل عرى الرقاب
وتركك مطلب الحاجات عز
من العيش الموسع في اغتراب
وقرب الدار في الإقتار خير
[٤٦٣/٥]

٥٧٣
باب الغربة
- عن إبراهيم الحربي قال: من تعدون الغريب في زمانكم هذا؟ فقال واحد منهم:
الغريب من نأى عن وطنه، وقال آخر: الغريب من فارق أحبابه، وقال كل واحد
منهم شيئاً، فقال إبراهيم: الغريب في زماننا رجل صالح عاش بين قوم صالحين إن
أمر بالمعروف آزروه، وإن نهى عن المنكر أعانوه، وإن احتاج إلى سبب من الدنيا
مانوه، ثم ماتوا وتركوه.
[٣٦/٦]
- عن محمد بن يزيد المبرد قال:
فالجسم في غربة والروح في وطن
جسمي معي غير أن الروح عندكم
لا روح فيه ولي روح بلا بدن
فليعجب الناس مني أن لي بدناً
ثم قال: ما أظن قالت الشعراء أحسن من هذا، فقلت: ولا قول الآخر. قال:
هيه. قلت: الذي يقول:
ما هكذا كان الذي يجب
فارقتكم وجئت بعدكم
فالآن ألقى الناس معتذراً
من أن أعيش وأنتم غيب
قال: ولا هذا. قلت: ولا قول خالد الكاتب:
روحان لي روح تضمنها
جسدي وأخرى حازها بلد
بمكانها تجد الذي أجد
وأظن غائبتي كشاهدتي
قال: ولا هذا. قلت: أنت إذا هويت الشيء ملت إليه، ولم تعدل إلى غيره.
قال: لا، ولكنه الحق، فأتيت ثعلباً فأخبرته، فقال ثعلب: ألا أنشدته:
ما تنظر العين له فيا
غابوا فصار الجسم من بعدهم
بأي وجه أتلقاهم
إذا رأوني بعدهم حيا
يا خجلتي منه ومن قوله
ما ضرك الفقدلنا شيا
قال: فأتيت إبراهيم بن إسحاق الحربي فأخبرته فقال: ألا أنشدته:
يا حيائي ممن أحب إذا ما
قال بعد الفراق أني حييت
لما نأى لكنت تموت
لو صدقت الهوى حبيباً على الصحة
[٣٨/٦]
قال: فرجعت إلى المبرد، فقال: أستغفر الله إلا هذين البيتين.
- عن أبي العباس محمد بن إسحاق السراج قال: ما الذي حملك على الخروج
منها؟ قال: أقام بها أخي إسماعيل خمسين سنة، فلما توفي ورفعت جنازته سمعت
رجلاً على باب الدرب يقول لآخر: من هذا الميت؟ قال: غريب كان ها هنا،
فقلت: إنا لله بعد طول مقام أخي بها، واشتهاره بالعلم والتجارة يقال غريب كان ها
هنا، فحملتني هذه الكلمة على الانصراف إلى الوطن.
[٢٩٣/٦]

٥٧٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن ذي النون المصري قال: بينا أنا في بعض مسيري إذ لقيتني امرأة فقالت لي:
من أين؟ قلت: رجل غريب، فقالت لي: ويحك، وهل يوجد مع الله إخوان الغربة؟!
وهو مؤنس الغرباء، ومعين الضعفاء، فبكيت فقالت لي: ما يبكيك؟ قلت: وقع
الدواء على داء قد قرح فأسرع في نجاحه. قالت: إن كنت صادقاً، فلم بكيت؟
قلت: والصادق لا يبكي! قالت: لا. قلت: ولم؟ قالت: لأن البكاء راحة القلب،
وملجأ يلجأ إليه، وما كتم القلب شيئاً أحق من الشهيق والزفير، فإذا أسبلت الدمعة
استراح القلب، وهذا ضعف عند الألباء يا بطال، فبقيت متعجباً من كلامها، فقالت:
ما لك؟ قلت: تعجباً من هذا الكلام. قالت: وقد أنسيت القرحة التي سألت عنها.
قلت: لا. قلت: علميني شيئاً ينفعني الله به. قالت: وما أفادك الحكيم في مقامك
هذا من الفوائد ما تستغني به عن طلب الزوائد. قلت: لا، ما أنا بمستغن عن طلب
الزوائد. قالت: صدقت أحب ربك واشتق إليه فإن له يوماً يتجلى فيه على كرسي
كرامته لأوليائه وأحبائه فيذيقهم من محبته كأساً لا يظمؤون بعدها أبداً. قال: ثم
أخذت في البكاء والزفير والشهيق، وهي تقول: سيدي: إلى كم تخلفني في دار لا
أجد فيها أحداً يساعدني على البكاء أيام حياتي، ثم تركتني ومضت. [٣٩٣/٨ - ٣٩٤]
- عن محلّم بن أبي محلم الشاعر قال: شخصت مع عبد الله بن طاهر إلى
خراسان في الوقت الذي شخص، وكنت أعادله وأسامره، فلما صرنا إلى الري مررنا
بها سَحَراً، فسمعنا أصوات الأطيار من القماري وغيرها، فقال لي عبد الله: لله در
أبي كبير الهذلي حيث يقول:
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر وغصنك ميَّاد ففيم تنوح
قال: ثم قال: يا أبا محلم هل يحضرك في هذا شيء؟ فقلت: أصلح الله الأمير
كبرت سني، وفسدت ذهني، ولعل شيئاً أن يحضرني، ثم حضر شيء فقلت:
أصلح الله الأمير قد شيء تسمعه، فقال: هاته، فقلت:
أما للنوى من ونية فنريح
أفي كل عام غربة ونزوح
فهل أرين البين وهو طليح
لقد طلح البين المشت ركائبي
فنحت وذو الشجو الحزين ينوح
وذكرني بالري نوح حمامة
ونحت وأسراب الدموع سفوح
على أنها ناحت ولم تذر دمعة
ومن دون أفراخ مَهَامِهَ فيح
فنلقي عصى التطواف وهي طريح
وناحت وفرخاها بحيث تراهما
عسى جود عبد الله أن يعكس النوى
قال: فقال: يا غلام أنخ، لا والله لا جزت معي حافراً ولا خفاً حتى ترجع إلى

٥٧٥
باب الغش = باب الغضب
أفراخك، كم الأبيات؟ فقلت: ستة، قال: يا غلام أعطه ستين ألفاً، ومركباً،
وکسوة، وودعته وانصرفت.
[٤٨٦/٩ - ٤٨٧]
- عن محمد بن موسى قال: شهدت منصور بن عمار القاص، وقد كلمه قوم
فقالوا: هذا رجل غريب يريد الخروج إلى عياله. فقال لابنه أحمد بن منصور: يا
أحمد امض معهم إلى أبي العوام البزاز، فقل له: أعطه ثياباً بألف درهم، بل بأكثر
من ذلك حتى إذا باعها صح له ألف درهم.
[٧٥/١٣]
باب الغش
- عن أبي يعقوب الأقطع قال: زوجت ابنتي من الحسين بن منصور لما رأيت من
حسن طريقته واجتهاده، فبان لي بعد مدة يسيرة أنه ساحر محتال خبيث كافر. [١٢١/٨]
- عن أبي الحسن قال: أخبرني جماعة من أصحابنا أنه لما افتتن الناس بالأهواز
وكورها بالحلاج، وما يخرجه لهم من الأطعمة والأشربة في غير حينها، والدراهم
التي سماها دراهم القدرة، حدث أبو علي الجبائي بذلك فقال لهم: هذه الأشياء
محفوظة في منازل يمكن الحيل فيها، ولكن ادخلوه بيتاً من بيوتكم لا من منزله هو،
وكلفوه أن يخرج منه جرزتين شوكاً فإن فعل فصدقوه، فبلغ الحلاج قوله، وأن قوماً
قد عملوا على ذلك فخرج عن الأهواز.
[١٢٥/٨]
=& باب الغضب %=ـ
- عن القاضي محمد بن أحمد بن المحرم قال: جرى بين إبراهيم السري الزجاج
النحوي، وبين المعروف بمسينة، وكان من أهل العلم شر، فاتصل، ونسجه إبليس
وأحكمه حتى خرج إبراهيم بن السري الزجاج إلى حد الشتم، فكتب إليه مسينة:
أبى الزجاج إلا شتم عرضي
لينفعه فآئمه وضره
وأقسم صادقاً ما كان حر
ليطلق لفظه في شتم حره
ولو أني كررت لفر مني
ولكن للمنون علي كره
ليوم لا وقاه الله شره
فأصبح قد وقاه الله شري
فلما اتصل هذا بالزجاج قصده راجلاً حتى اعتذر إليه، وسأله الصفح. [٩٢/٦]
- عن إبراهيم بن أبي محمد قال: كنت يوماً عند المأمون وليس معنا إلا
المعتصم، فأخذت الكأس من المعتصم فعربد علي فلم أحتمل ذلك وأجبته، فأخفى
ذلك المأمون، ولم يظهر ذلك الإظهار، فلما صرت من الغد إلى المأمون كما كنت
أصير قال لي الحاجب: أمرت أن لا آذن لك، فدعوت بدواة وقرطاس وكتبت:

=
٥٧٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
ولو لم يكن ذنب لما عُرف العفو
أنا المذنب الخطاء والعفو واسع
سكرت فأبدت مني الكأس بعض ما
كرهت وما أن يستوي السكر والصحو
ولا سيما إذا كنت عند خليفة
ولولا حُمَيّا الكأس كان احتمال ما
وفي مجلس ما أن يليق به اللغو
بدهت به لا شك فيه هو السرو
إلى من إليه يغفر العمد والسهو
تنصلت من ذنبي تنصل ضارع
فإن يعف عني ألف خطوي واسعاً
وإلا يكن عفو فقد قصر الخطو
قال: فأدخلها الحاجب، ثم خرج إلي فأدخلني، فمد المأمون باعيه فأكببت على
يديه، فقبلتهما فضمني إليه، وأجلسني، قال المرزباني: وحدثني العباس بن أحمد
النحوي أن المأمون وقع على ظهر هذه الأبيات:
للمودات بينهم وضعوه
إنما مجلس الندامى بساط
من حديث ولذة رفعوه
فإذا ما انتهوا إلى ما أرادوا
[٢٠٩/٦]
- عن الوضاح بن حبيب بن بديل التميمي قال: كنت يوماً عند أبي جعفر
المنصور، وعبد الله بن عياش الهمداني المنتوف، وعبد الله بن الربيع الحارثي،
وإسماعيل بن خالد بن عبد الله القسري، وكان أبو جعفر ولَّى سلم بن قتيبة البصرة،
وولى مولى له كور البصرة والأبلة، فورد الكتاب من مولى أبي جعفر يخبر أن سلماً
ضربه بالسياط، فاستشاط أبو جعفر وضرب إحدى يديه على الأخرى، وقال: أعليَّ
يجترئ سلم! والله لأجعلنه نكالاً وعظة، وجعل يقرأ كتباً بين يديه. قال: فرفع ابن
عياش رأسه، وكان أجرأنا عليه، فقال: يا أمير المؤمنين لم يضرب سلم مولاك
بقوته، ولا قوة ابنه، ولكنك قلدته سيفك، وأصعدته منبرك، فأراد مولاك أن يطأطئ
من سلم ما رفعت، ويفسد ما صنعت، فلم يحتمل له ذلك يا أمير المؤمنين، إنَّ
غضب العربي في رأسه، فإذا غضب لم يهدأ حتى يخرجه بلسانه، أو يده، وإن
غضب النبطي في استه فإذا خري ذهب غضبه، فضحك أبو جعفر، وقال: قبحك الله
[١٥/١٠ - ١٦ ]
یا منتوف، وکف عن سلم.
باب الغفلة
- عن أيوب الحمال قال: عقدت على نفسي أن لا أمشي غافلاً ولا أمشي إلا
ذاكراً، فمشيت غفلة فأخذتني عرجة، فعلمت من أين أتيت، فبكيت، واستغثت،

٥٧٧
باب الغناء
وتبت، فزالت العلة والعرجة، ورجعت إلى الموضع الذي غفلت فيه، فرجعت إلى
الذكر فمشيت سليماً.
[٨/٧]
- عن عباس الآجري قال: سئل الشبلي عن قول النبي والقرن: ((إذا رأيتم أهل البلاء
فاسألوا الله العافية))، قال: من هم أهل البلاء؟ قال: أهل الغفلة عن الله. [١٦١/١٢]
باب الغناء 8=
- عن أبي بكر بن الجعابي قال: كنت يوماً عند أبي بكر بن مجاهد في مسجده،
فأتاه بعض غلمانه، فقال له: يا أستاذ إن رأيت أن تجملني بحضورك غداً دارنا،
فقال له أبو بكر: ومن معنا، فقال له: أصحابنا المسجدية، ومن يرى الشيخ، فقال
أبو بكر: ينبغي أن تدعو أبا بكر يعينني، فأقبل الفتى علي يسألني، فقلت له: هو ذا
تطفل بي لو أرادني الرجل لأفردني بالسؤال، فقال: دع هذا يا بغيض، فقلت له:
السمع والطاعة، فقال لي الرجل: إن الأستاذ قد آثرك، فمن تؤثر أنت أن أدعو لك؟
فقلت له: الحسين بن غريب. قال: السمع والطاعة، ونهض الفتى، فلما كان من
الغد وافى إلى مسجد أبي بكر، فسألنا النهوض معه إلى منزله، فقال أبو بكر
لأصحابه: قوموا وامضوا متقطعين، وخالفوا الطرق ففعلوا، ثم أقبل على الفتى،
فقال له: اسبقنا فإني أنا وأبو بكر نجيئك، فقلت أنا له: إيش عملت في إحضار ابن
غريب؟ فقال لي: قد أخذت الوعد عليه من أمس، وأنا أنفذ إليه رسولاً ثانياً،
ومضى، وجلس أبو بكر، ففرغ من شغيلات له، ثم إنا نهضنا جميعاً، وعبرنا
للجانب الغربي، وصعدنا درب النخلة، وكانت دار الفتى فيه، فوجدناه مترقباً لنا،
فدخلنا، فدعا بماء، فغسلنا أيدينا، ثم أتى بجونة فوضعها بين أيدينا، فقلت في
نفسي: ما أدري مروءة هذا الفتى أيش في الجونة مما يعمنا؟ ففتحها فإذا فيها
بزماورد وأوساط ولفات وسنبوسج، فأكلنا أكلاً عظيماً مفرطاً، والجونة على حالها
وما فيها من هذا الطعام على غاية الكثرة والوفور، وشلنا أيدينا فاستدعى الحلوى،
فأتى بفالوذج غرف حار بماء ورد على مائدة كبيرة، فاستكثرنا منه فعجبت من ظرف
طعامه ونظافته وطيبه وحسنه، وتمام مروءته من غير إجحاف، ولا إسراف، وغسلنا
أيدينا، فقلت له: أين ابن غريب؟ فقال لي: عند بعض الرؤساء، وقد حال بيننا
وبينه، فشق علي، وتبين أبو بكر بن مجاهد ذلك مني، فقال لي: ها هنا من ينوب
عن ابن غريب فتحدثنا ساعة، فقلت له: لا أرى للنائب عن ابن غريب خبراً ولا
أثراً، فدافعني، فصبرت ساعة، ثم كررت الخطاب عليه وألححت، ولست أعلم من

=
٥٧٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
هو النائب بالحقيقة عن ابن غريب، فقال للفتى: هات قضيباً، فأتاه به، فأخذه أبو
بكر، ووقع واندفع يغني، فغناني نيفاً وأربعين صوتاً في غاية الحسن والطيبة
والإطراب، فأشجاني وحيرني، فقلت له: يا أستاذ متى تعلمت هذا؟ وكيف تعلمته؟
فقال: يا بارد تعلمته لبغيض مثلك لا يحضر الدعوة إلا بمغن، ومضى لنا يوم طيب
معه .
[١٤٦/٥ - ١٤٧]
- عن عبد الله بن أحمد قال: كنت أدعو ابن الخبازة، وكان أبي ينهانا عن
التغبير، فكنت إذا كان عندي أكتمه من أبي لئلا يسمع. قال: فكان ذات ليلة عندي،
وكان يقول، فعرضت لأبي عندنا حاجة، وكانوا في زقاق، فجاء فسمعه يقول،
فتسمعٍ فوقع في سمعه شيء من قوله، فخرجت لأنظر، فإذا بأبي يترجح ذاهباً
وجائياً، فرددت الباب ودخلت، فلما أن كان من الغد قال لي: يا بني إذا كان مثل
هذا نعم، هذا الكلام أو معناه.
[٤٢٥/٥]
- عن جعفر بن سليمان قال: قدم أشعب أيام أبي جعفر بغداد، فأطاف به فتيان
بني هاشم فغناهم، فإذا ألحانه طربة وحلقه على حاله، وقال: أخذت الغناء عن
معبد، وكنت آخذ عنه اللحن فإذا سئل عنه قال: عليكم بأشعب، فإنه أحسن تأدية له
مني، وقيل إن اسم أبيه جبير.
[٣٨/٧]
- عن إبراهيم بن إسحاق الموصلي قال: كنا يوماً عند موسى الهادي، وعنده ابن
جامع، ومعاذ بن الطيب، فكان أول من دخل عليه معاذ، وكان حاذقاً بالغناء، عارفاً
بقديمه، فقال: من أطربني منكم اليوم، فله حكمه، فغناه ابن جامع غناء، فلم
يحركه، وعرفت غرضه في الأغاني، فقال: هات يا إبراهيم فغنيته:
فأين لقاؤنا أينـا
سليمى أزمعت بينا
فطرب حتى قام من مجلسه ورفع صوته، وقال: أعد بالله، فأعدت، فقال: هذا
غرضي فاحتكم فقلت: يا أمير المؤمنين حائط عبد الملك بن مروان، وعينه الخرارة
بالمدينة. قال: فدارت عينه في رأسه حتى صارتا كأنهما جمرتان، ثم قال: يا ابن
اللخناء أردت أن تسمع العامة أنك أطربتني، وأني حكمتك فأقطعتك، والله لولا
بادرة جهلك التي غلبت على صحيح عقلك لضربت الذي فيه عيناك، ثم أطرق.
قال إبراهيم: فرأيت ملك الموت بيني وبينه ينتظر أمره، ثم دعا حاجبه فقال: خذ
بيد هذا الجاهل فأدخله بيت المال، فليأخذ منه ما شاء، فقال لي الحاجب: كم
تأخذ؟ قلت: مائة بدرة. قال: دعني أؤامره، فقلت: خذ أنت ثلاثين، وأعطني
سبعين، فرضي بذلك. قال: فانصرفت بسبعمائة ألف درهم، وانصرف ملك الموت
عن وجهي.
[٢٤/١٣ - ٢٥]

=
٥٧٩
باب الغنائم والفيء * باب الغنى
- كان الرشيد قد أمر بحبس إبراهيم الموصلي لشيء جرى بينه وبين ابن جامع في
مجلسه فتاب إبراهيم من الغناء فأمر الرشيد بحبسه حتى يغني، فكتب أبو العتاهية إلى
سالم الخاسر:
حبس الموصلي فالعيش مر
سلم يا سلم ليس دونك سر
رأس اللذات في الأرض حر
ما استطاب اللذات قد سكن المطبق
الأرض شيء يلهى به ويسر
حبس اللهو والسرور فما في
[٦ /١٧٧]
باب الغنائم والفيء
عن يزيد بن أبي حبيب قال كتب عمر إلى سعد حين افتتح العراق: أما بعد فقد
بلغني كتابك تذكر أن الناس سألوك أن تقسم بينهم مغانمهم وما أفاء الله عليهم؛
فإذا أتاك كتابي هذا فانظر ما أجلب الناس به عليه إلى العسكر من كراع أو مال
واقسمه بين من حضر من المسلمين، واترك الأرضين والأنهار لعمالها؛ ليكون ذلك
في أعطيات المسلمين، فإنك إن قسمتها بين من حضر لم يكن لمن بقي بعدهم
[٨/١ _ ٩]
شيء.
=
باب الغنى
[٤ / ٤٤]
- عن سفيان الثوري قال: كان يقال سُمِّ المال؛ لأنه يميل.
- عن أبي العباس قال: لا يكون غناء النفس إلا للأولياء خاصة، وقد يكون
المؤمن غني القلب، ولا يكون غني النفس، وكذلك إسلام النفس لا يكون إلا
للأولياء خاصة، وقد يكون المؤمن سليم القلب، ولا يكون سليم النفس .. [٢٧/٥]
- عن أبي محمد الجريري: أنه سئل عن الفقر والغنى أيهما أفضل؟ فقال: لو لم
يكن من فضل الفقر إلا ثلاث: إسقاط المطالبة، وقطع عن المعصية، وتقديم
الدخول إلى الجنة لكفى. فنقل هذا الكلام إلى أبي العباس بن عطاء فقال: يا
سبحان الله، وأي فضل يكون أفضل مما أضافه الله إلى نفسه؟ وأي شيء يكون أعجز
من شيء تنافى الله عنه لأن الله أضاف الغنى إلى نفسه، وتنافى عن الفقر، واعتد
على نبيه فقال: ﴿وَوَجَدَكَ عَآَيِلًا فَأَغْنَ﴾، ولم يقل فأفقر، فكان اعتداد الله بالعطاء لا
بالفقر، ثم ذكر عند موضع تشريف أسماء العطاء ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًّا﴾، ولم يقل إن ترك
فقراً، ثم قال بعد ذلك: فإن احتج محتج بأنه عرض عليه مفاتيح الدنيا فلم يقبلها،
ولم يردها، وتركها اختياراً، فهذا صفة التاركين، والتارك لا يكون إلا غنياً. [٢٨/٥]

٥٨٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن أبي القاسم بن الجبلي قال: اعتل إبراهيم الحربي علة حتى أشرف على
الموت، فدخلت إليه يوماً فقال لي: يا أبا القاسم أنا في أمر عظيم مع ابنتي، ثم
قال لها: قومي اخرجي إلى عمك، فخرجت فألقت على وجهها خمارها، فقال
إبراهيم: هذا عمك كلميه، فقالت لي: يا عم نحن في أمر عظيم، لا في الدنيا، ولا
في الآخرة، الشهر والدهر ما لنا طعام إلا كسر يابسة وملح، وربما عدمنا الملح،
وبالأمس قد وجه إليه المعتضد مع بدر ألف دينار، فلم يأخذها، ووجه إليه فلان
وفلان، فلم يأخذ منها شيئاً، وهو عليل، فالتفت الحربي إليها، وتبسم، فقال لها:
يا بنية، إنما خفت الفقر. قالت: نعم، فقال لها: انظري إلى تلك الزاوية، فنظرت
فإذا كتب، فقال: هناك اثنا عشر ألف جزء لغة وغريب كتبتها بخطي، إذا مت
فوجهي في كل يوم بجزء تبيعيه بدرهم، فمن كان عنده اثنا عشر ألف درهم ليس هو
[٣٣/٦]
فقير.
- عن علي بن أبي طالب قال ليهوديين سألاه عن الدرهم لم سمي درهماً، وعن
الدينار لم سمي ديناراً قال: أما الدرهم فسمي دُرُّهم، وأما الدينار، فضربته المجوس
فسمته دي ناراً.
[٣٣٣/٩]
- كتب زياد بن عبيد الحارثي إلى المنصور يسأله الزيادة في عطائه وأرزاقه، وأبلغ
في كتابه، فوقع المنصور في القصة: إن الغنى والبلاغة إذا اجتمعا في رجل أبطراه،
[٥٦/١٠]
وأمير المؤمنين يشفق عليك من ذلك، فاكتف بالبلاغة.
- عن قيس بن سعد قال: اللهم ارزقني مالاً وفعالاً؛ فإنه لا تصلح الفعال إلا
[١٧٩/١]
بالمال.
- عن هاني بن المتوكل الإسكندراني قال:
بطر الغنى ومذلة الفقر
خُلُقان لا أرضى طريقهما
وإذا افتقرتَ فته على الدهر
فإذا غنيتَ فلا تكن بطراً
[٢ /١٦٥ - ١٦٦ ]
- عن هاني بن المتوكل الإسكندراني قال: قلت لحيوة بن شريح: أراك رجلاً
صالحاً، وأراك مأوى للخير، وأراك تنتقل من مكان إلى مكان، ولست أرى عليك
أثر غنى بك. فقال حيوة: ولم سألتني عن هذا؟ فقلت: أردت أن ينفعني الله
[٣٣٢/٣]
بك.
- عن أبي بكر بن الجراح قال: كتبي بعشرة آلاف درهم وجاريتي بعشرة آلاف
درهم وسلاحي بعشرة آلاف درهم ودوابي بعشرة آلاف درهم.
[٨٢/٥]