النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ باب العلماء - عن عبد الله بن مسعود قال: في ذهاب العلماء يذهب العالم فيخلو مكانه إلى يوم القيامة، ثم أنشا يقول: أين فلان؟ أين فلان؟. [٣٧٤/٦] - عن رجاء بن حيوة قال: أتانا نعي ابن عمر ونحن في مجلس ابن محيريز، فقال ابن محيريز: والله إن كنت لأعد بقاء ابن عمر أماناً لأهل الأرض. [١٧٢/١] - عن أحمد بن حمدون قال: دخل هارون بن زياد مؤدب الواثق على الواثق فأكرمه وأظهر من بره ما شهر به فقيل له: من هذا يا أمير المؤمنين الذي فعلت به ما فعلت؟ فقال: هذا أول من فتق لساني بذكر الله، وأدناني من رحمة الله رشَ. [١٧/١٤] - عن منذر الثوري قال: قال محمد بن علي - حين مات ابن عباس -: اليوم مات رباني هذه الأمة. [١ /١٧٥] - عن شعيب بن شعبة المصيصي قال: قدم هارون الرشيد أمير المؤمنين الرقة، فانجفل الناس خلف عبد الله بن المبارك وتقطعت النعال، وارتفعت الغبرة، فأشرقت أم ولد لأمير المؤمنين من برج من قصر الخشب، فلما رأت الناس قالت: ما هذا؟ قالوا: عالم من أهل خراسان قدم الرقة يقال له عبد الله بن المبارك، فقالت: هذا والله الملك، لا. ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان. [١٥٦/١٠] - عن يوسف بن موسى المروروذي قال: كنت بالبصرة في جامعها إذ سمعت منادياً ينادي: يا أهل العلم قد قدم محمد بن إسماعيل البخاري، فقاموا في طلبه وكنت معهم، فرأينا رجلاً شاباً لم يكن في لحيته شيء من البياض يصلي خلف الأسطوانة، فلما فرغ من الصلاة أحدقوا به وسألوه أن يعقد لهم مجلس الإملاء فأجابهم إلى ذلك، فقام المنادي ثانياً فنادى في جامع البصرة: قد قدم أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، فسألناه أن يعقد مجلس الإملاء فقد أجاب بأن يجلس غداً في موضع كذا. قال: فلما أن كان بالغداة حضر الفقهاء والمحدثون والحفاظ والنظار حتى اجتمع قريب من كذا وكذا ألفاً، فجلس أبو عبد الله محمد بن إسماعيل للإملاء فقال قبل أن أخذ في الإملاء قال لهم: يا أهل البصرة أنا شاب وقد سألتموني أن أحدثكم، وسأحدثكم بأحاديث عن أهل بلدكم تستفيدون الكل. قال: فبقي الناس متعجبين من قوله، ثم أخذ في الإملاء، فقال: نبأنا عبد الله بن عثمان بن حبلة بن أبي رواد العتكي بلديكم قال: أنبأنا أبي عن شعبة عن منصور وغيره عن سالم بن أبي الجعد عن أنس بن مالك أن أعرابياً جاء إلى النبي وَ ل* فقال: يا رسول الله الرجل يحب القوم. فذكر الحديث: ((المرء مع من أحب))، ثم قال محمد بن إسماعيل: هذا ليس عندكم، إنما عندكم عن غير منصور عن سالم. ٥٤٢ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد قال يوسف بن موسى: وأملى عليهم مجلساً على هذا النسق، يقول في كل حديث: روى شعبة هكذا، الحديث عندكم كذا، فأما من رواية فلان فليس عندكم أو كلاماً ذا معناه. قال يوسف بن موسى: وكان دخولي البصرة أيام محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، وهلال الرأي، وأحمد بن عبدة الضبي، وحميد بن [١٥/٢ - ١٦ ] مسعدة، وغيرهم، ثم دخلت البصرة مرات بعد ذلك. - عن أبي معشر حمدويه بن الخطاب قال: لما قدم أبو عبد الله محمد بن إسماعيل من العراق قدمته الأخيرة، وتلقاه من تلقاه من الناس، وازدحموا عليه بالغوا في بره، فقيل له في ذلك وفيما كان من كرامة الناس وبرهم له، فقال: فكيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة !. [١٩/٢] - عن أحمد بن بديل الكوفي قال: بعث إلي المعتز رسولاً بعد رسول، فلبست كمتي، ولبست نعلي طاق فأتيت بابه، فقال الحاجب: يا شيخ اخلع نعليك، فلم التفت إليه، فدخلت إلى الثالث فقال: يا شيخ نعليك، فقلت: أبالواد المقدس أنا فأخلع نعلي! فدخلت بنعلي فرفع مجلسي، وجلست على مصلاة، فقال: أتعبناك أبا جعفر. فقلت: أتعبتني وأذعرتني، فكيف بك إذا سئلت عني؟ فقال: ما أردنا إلا الخير، أردنا نسمع العلم. فقلت: وتسمع العلم أيضاً؟ ألا جئتني فإن العلم يؤتى ولا يأتي. قال: نعتب أبا جعفر. قلت له: غلبتني بحسن أدبك اكتب، قال: فأخذ الكاتب القرطاس والدواة فقلت له: أتكتب حديث رسول الله في قرطاس بمداد؟ قال: فيما نكتب؟ قلت: في رق بحبر. فجاؤوا برق وحبر، فأخذ الكاتب يريد أن يكتب، فقلت: اكتب بخطك فأومأ إلي أنه لا يكتب فأمليت عليه حديثين أسخن الله بهما عينيه، فسأله ابن البنا أو ابن النعمان: أي حديثين؟ فقال: قلت: قال رسول الله وقال: ((من استرعى رعية فلم يحطها بالنصيحة، حرم الله عليه الجنة))، والثاني: ((ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولاً)). [٥١/٤] - قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: ما رأيت ممن كتبنا عنه أفصح من أبي مسهر، وما رأيت أحداً في كورة من الكور أعظم قدراً ولا أجل عند أهلها من أبي مسهر بدمشق، وكنت أرى أبا مسهر إذا خرج إلى المسجد اصطف الناس يسلمون عليه ويقبلون یده. * أماني العلماء: - عن ابن رزقيه قال: والله ما أحب الحياة في الدنيا لكسب ولا تجارة، ولكني أحبها لذكر الله، ولقراءتي عليكم الحديث. [٣٥٢/١] [٧٣/١١] ٥٤٣ باب العلماء * الشمولية في العالم: - عن أبي حاتم سهل بن محمد السجستاني قال: ورد علينا عامل من أهل الكوفة لم أر في عمال السلطان بالبصرة أبرع منه، فدخلت مُسَلماً عليه، فقال لي: يا سجستاني من علماؤكم بالبصرة؟ قلت: الزيادي أعلمنا بعلم الأصمعي، والمازني أعلمنا بالنحو، وهلال الرأي أفقهنا، والشاذكوني من أعلمنا بالحديث، وأنا رحمك الله أُنسب إلى علم القرآن، وابن الكلبي من أكتبنا للشروط. قال: فقال لكاتبه: إذا كان غد فاجمعهم إلي، قال: فجمعنا فقال: أيكم المازني؟ قال أبو عثمان: ها أنا ذا يرحمك الله، قال: هل يجزي في كفارة الظهار عتق عبد أعور؟ فقال المازني: لست صاحب فقه رحمك الله أنا صاحب عربية. فقال: يا زيادي كيف يكتب بين رجل وامرأة خالعها على الثلث من صداقها؟ قال ليس هذا من علمي، هذا من علم هلال الرأي. قال: يا هلال كم أسند ابن عون عن الحسن؟ قال: ليس هذا من علمي، هذا من علم الشاذكوني. قال: يا شاذكوني من قرأ يثنوني صدورهم؟ قال: ليس هذا من علمي، هذا من علم أبي حاتم. قال: يا أبا حاتم كيف تكتب كتاباً إلى أمير المؤمنين تصف فيه خصاصة أهل البصرة، وما أصابهم في الثمرة، وتسأله لهم النظر، والنظرة؟ قال: لست رحمك الله صاحب بلاغة وكتابة أنا صاحب قرآن، فقال: ما أقبح الرجل يتعاطى العلم خمسين سنة لا يعرف إلا فناً واحداً حتى إذا سئل عن غيره لم يجل فيه ولم يمر، ولكن عالمنا بالكوفة الكسائي لو سئل عن كل هذا لأجاب. [٤٠٧/١١] - عن أبي عمرو بن العلاء قال: فما جبنوا أنا نشد عليهم ولكن رأوا ناراً تحس وتلفع فذكرته لشعبة فقال: ويلك ما تقول إنما هو: فما جبنوا أنا نشد عليهم ولكن رأوا ناراً تُحش وتلفع قال الأصمعي: وأصاب شعبة، وأخطأ أبو عمرو بن العلاء، وما رأيت أحداً أعلم بالشعر من شعبة. [٢٥٨/٩] - عن عطاء قال: ما رأيت مجلساً قط كان أكرم من مجلس ابن عباس، أكثر علماً وأعظم جفنة، وأن أصحاب القرآن عنده يسألونه، وأصحاب النحو عنده يسألونه، وأصحاب الشعر عنده يسألونه، وأصحاب الفقه عنده يسألونه كلهم يصدرهم في واد واسع. [١٧٤/١، ١٧٥] ٥٤٤ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد - عن الشافعي قال: ولدت بعسقلان فلما أتى عليّ سنتان حملتني أمي إلى مكة، وكانت نهمتي في شيئين؛ في الرمي وطلب العلم، فنلت من الرمي حتى كنت أصيب من عشرة عشرة، وسكت عن العلم، فقلت له: أنت والله في العلم أكثر منك في [٥٩/٢] الرمي. - عن محمد بن عطية العطوي قال: كان عند يحيى بن أكثم في مجلس له يجتمع الناس فيه فوافى إسحاق بن إبراهيم الموصلي، فأخذ يناظر أهل الكلام حتى انتصف منهم، ثم تكلم في الفقه فأحسن وقاس واحتج، وتكلم في الشعر واللغة ففاق من حضر، فأقبل على يحيى فقال: أعز الله القاضي أفي شيء مما نظرت فيه، وحكيته نقص أو مطعن؟ قال: لا. قال: فما بالي أقوم بسائر هذه العلوم قيام أهلها، وأنسب إلى فن واحد قد اقتصر الناس عليه؟ قال العطوي: فالتفت إلي يحيى بن أكثم فقال: جوابه في هذا عليك، قال: وكان العطوي من أهل الجدل، فقلت: نعم أعز الله القاضي الجواب عليّ ثم أقبلت على إسحاق فقلت: يا أبا محمد أنت كالفراء والأخفش في النحو؟ قال: لا، قلت: أفأنت في اللغة وعلم الشعر كالأصمعي وأبي عبيدة قال: لا، قلت: أفأنت في الأنساب كالكلبي وأبي اليقظان؟ قال: لا، قلت: أفأنت في الكلام كأبي الهذيل والنظام؟ قال: لا، قلت: أفأنت في الفقه كالقاضي قال: لا، قلت: أفأنت في قول الشعر كأبي العتاهية وأبي النواس؟ قال: لا، قلت: فمن ها هنا نسبت إلى ما نسبت إليه لأنه لا نظير لك فيه ولا شبيه وأنت في غيره دون رؤساء أهله، فضحك وقام فانصرف، فقال لي يحيى بن أكثم: لقد وفيت الحجة حقها وفيها ظلم قليل لإسحاق [٣٤٢/٦ - ٣٤٣] وإنه لممن يقل في الزمان نظيره. - قال عبد الله بن فايد: كنا إذا جلسنا إلى محمد بن إسحاق فأخذ في فن من العلم قضى مجلسه في ذلك الفن. [٢٢٠/١] * دور العالم في توجيه طلابه: - عن عبد الله بن أحمد قال: لم يسمع أبي من شعيب بن حرب ببغداد إنما سمع منه بمكة، قال أبي: جئنا إليه أنا وأبو خيثمة، وكان ينزل مدينة أبي جعفر على قرابة له، قال: فقلت لأبي خيثمة: سله، قال: فدنا إليه فسأله فرأى كمه طويلاً، فقال: من يكتب الحديث يكون كمه طويلاً! يا غلام هات الشفرة، قال: فقمنا ولم يحدثنا بشيء. [٢٤١/٩] ٥٤٥ باب العلماء - كان شعبة يتفقد أصحاب الحديث. فقال يوماً: ما فعل ذلك الغلام الجميل [٢٩٥/٩] ۔ یعني شبابة ؟. - قال محمد بن إسحاق: رأيت أبا سلمة بن عبد الرحمن يأخذ بيد الصبي من الكُتّاب فيذهب به إلى البيت فيملي عليه الحدیث یکتب له. [٢١٨/١] - عن أبي إسحاق الحربي قال: كان هشيم رجلاً كان أبوه صاحب صحبنا يقال له بشير فطلب ابنه هشيم الحديث فاشتهاه، وكان أبوه يمنعه، فكتب الحديث حتى جالس أبا شيبة القاضي فكان يناظر أبا شيبة في الفقه، فمرض هشيم فقال أبو شيبة: ما فعل ذلك الفتى الذي كان يجيء إلينا؟ قالوا: عليل. قال: فقال: قوموا بنا حتى نعوده، فقام أهل المجلس جميعاً يعودونه حتى جاؤوا إلى منزل بشير، فدخلوا إلى هشيم، فجاء رجل إلى بشير ويده في الصحناة، فقال: الحق ابنك قد جاء القاضي إليه يعوده، فجاء بشير، والقاضي في داره، فلما خرج قال لابنه: يا بني قد كنت أمنعك من طلب الحديث، فأما اليوم فلا، صار القاضي يجيء إلى بابي، متى أملت أنا هذا؟ !. [٨٧/١٤] - عن ابن جريج قال: أتيت عطاء، وأنا أريد هذا الشأن، وعنده عبد الله بن عبيد بن عمير، فقال لي عبد الله بن عبيد: قرأت القرآن؟ قلت: لا. قال: فاذهب فاقرأ القرآن، ثم اطلب العلم. قال: فذهبت، فعبرت زماناً حتى قرأت القرآن، ثم جئت إلى عطاء، وعنده عبد الله بن عبيد، فقال: تعلمت القرآن، أو قرأت كل القرآن؟ قلت: نعم. قال: تعلمت الفريضة؟ قلت: لا. قال: فتعلم الفريضة، ثم اطلب العلم. قال: فطلبت الفريضة، ثم جئت، فقال: تعلمت الفريضة؟ قلت: نعم. قال: الآن فاطلب العلم. قال: فلزمت عطاء سبع عشرة سنة. [٤٠١/١٠ - ٤٠٢] - عن إسحاق بن إبراهيم قال: جاء رجل إلى أبي بكر بن عياش فقال: يا أبا بكر ألا تحدث الناس؟ قال: قد حدثت الناس خمسين سنة. ثم قال أبو بكر للرجل: اقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ [الاخلاص: ١]، فقرأ ثم قال: الثانية، فقرأ حتى بلغ عشرين مرة، فكأن الرجل وجد في نفسه من ذلك، فقال: أنا لا أضجر وقد حدثت الناس خمسين سنة وأنت في ساعة تضجر. [٣٧٩/١٤] - عن الفضل بن غانم قال: كان أبو يوسف مريضاً شديد المرض فعاده أبو حنيفة مراراً فصار إليه آخر مرة فرآه مقبلاً فاسترجع، ثم قال: لقد كنت أؤملك بعدي للمسلمين ولئن أصيب الناس بك ليموتن معك علم كثير، ثم رزق العافية وخرج من العلة، فأخبر أبو يوسف بقول أبي حنيفة فارتفعت نفسه وانصرفت وجوه الناس إليه، ٥٤٦ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد فعقد لنفسه مجلساً في الفقه وقصر عن لزوم مجلس أبي حنيفة، فسأل عنه، فأخبر أنه قد عقد لنفسه مجلساً، وأنه قد بلغه كلامك فيه، فدعا رجلاً كان له عنده قدر فقال: صر إلى مجلس يعقوب فقل له: ما تقول في رجل دفع إلى قصار ثوباً ليقصره بدرهم، فصار إليه بعد أيام في طلب الثوب فقال له القصار: ما لك عندي شيء وأنكره، ثم إن رب الثوب رجع إليه فدفع إليه الثوب مقصوراً أله أجرة؟ فإن قال: له أجرة فقل: أخطأت، وإن قال: لا أجرة له فقل: أخطأت. فصار إليه فسأله، فقال أبو يوسف: له الأجرة. فقال: أخطأت. فنظر ساعة ثم قال: لا أجرة له. فقال: أخطأت، فقام أبو يوسف من ساعته، فأتى أبا حنيفة فقال له: ما جاء بك إلا مسألة القصار. قال: أجل. قال: سبحان الله من قعد يفتي الناس وعقد مجلساً يتكلم في دين الله وهذا قدره لا يحسن أن يجيب في مسألة من الإجارات! فقال: يا أبا حنيفة علمني. فقال: إن كان قصره بعد ما غصبه فلا أجرة له لأنه قصره لنفسه، وإن كان قصره قبل أن يغصبه فله الأجرة لأنه قصره لصاحبه، ثم قال: من ظن أنه يستغني عن [٣٤٩/١٣] التعلم فليبك على نفسه. - عن يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف القاضي قال: توفي أبي إبراهيم بن حبيب وخلفني صغيراً في حجر أمي فأسلمتني إلى قصار أخدمه فكنت أدع القصار وأمر إلى حلقة أبي حنيفة فأجلس أستمع، فكانت أمي تجيء خلفي إلى الحلقة فتأخذ بيدي وتذهب بي إلى القصار، وكان أبو حنيفة يعنى بي لما يرى من حضوري وحرصي على التعلم، فلما كثر ذلك على أمي وطال عليها هربي قالت لأبي حنيفة: ما لهذا الصبي فساد غيرك، هذا صبي يتيم لا شيء له، وإنما أطعمه من مغزلي، وآمل أن یکسب دانقاً يعود به على نفسه. فقال لها أبو حنيفة: مري يا رعناء هذا هوذا يتعلم أكل الفالونج بدهن الفستق، فانصرفت عنه وقالت له: أنت شيخ قد خرفت، وذهب عقلك، ثم لزمته فنفعني الله بالعلم ورفعني حتى تقلدت القضاء، وكنت أجالس الرشيد وآكل معه على مائدته، فلما كان في بعض الأيام قدم إلي هارون فالوذجة فقال لي هارون: يا يعقوب كل منه فليس كل يوم يعمل لنا مثله. فقلت: وما هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذه فالوذجة بدهن الفستق فضحكت. فقال لي: مم ضحكت؟ فقلت: خيراً أبقى الله أمير المؤمنين. قال: لتخبرني، وألح عليَّ فخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها، فعجب من ذلك وقال: لعمري إن العلم ليرفع وينفع ديناً ودنيا، وترحم على أبي حنيفة وقال: كان ينظر بعين عقله ما لا يراه بعين رأسه. [١٤ / ٢٤٤] ٥٤٧ باب العلماء - عن أبي يوسف قال: كنت أطلب الحديث والفقه، وأنا مقل رث الحال فجاء أبي يوماً وأنا عند أبي حنيفة فانصرفت معه. فقال: يا بني لا تمدن رجلك مع أبي حنيفة فإن أبا حنيفة خبزه مشوي، وأنت تحتاج إلى المعاش فقصرت عن كثير من الطلب آثرت طاعة أبي، فتفقدني أبو حنيفة وسأل عني فجعلت أتعاهد مجلسه، فلما كان أول يوم أتيته بعد تأخري عنه قال لي: ما شغلك عنا؟ قلت: الشغل بالمعاش وطاعة والدي، جلست فلما انصرف الناس دفع إلي صرة، وقال: استمتع بهذه فنظرت فإذا فيها مائة درهم. فقال لي: الزم الحلقة وإذا نفدت هذه فأعلمني فلزمت الحلقة فلما مضت مدة يسيرة دفع إلي مائة أخرى، ثم كان يتعاهدني، وما أعلمته نحلة قط ولا أخبرته بنفاد شيء وكان كأنه يخبر بنفادها حتى استغنيت، وتمولت. وحكي أن والد أبي يوسف مات وخلف أبا يوسف طفلاً صغيراً وأن أمه هي التي [٢٤٤/١٤] أنكرت عليه حضوره حلقة أبي حنيفة. - قال أبو العيناء محمد بن القاسم: أتيت عبد الله بن داود الخريبي فقال: ما جاء بكم؟ قلت: الحديث. قال: اذهب فتحفظ القرآن. قال: قلت: قد حفظت القرآن. قال: اقرأ ﴿وَآَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ [يونس: ٧١]. قال: فقرأت العشر حتى أنفدته. قال: فقال لي: اذهب الآن فتعلم الفرائض، قال: قلت: قد تعلمت الصلب والجد والكبر. قال: فأيما أقرب إليك؟ ابن أخيك أو ابن عمك؟ قال: قلت: ابن أخي. قال: ولم؟ قال: قلت: لأن أخي من أبي وعمي من جدي. قال: اذهب الآن فتعلم العربية، قال: قلت: علمتها قبل هذين. قال: فلم قال عمر بن الخطاب - يعني حين طعن - يال الله يال المسلمين، لم فتح تلك وكسر هذه؟ قال قلت: فتح تلك اللام على الدعاء وكسر هذه على الاستغاثة والاستنصار. قال فقال: لو حدثت أحداً حدثتك. [١٧٢/٣] - عن خلف بن هشام قال: أتيت سليم بن عيسى لأقرأ عليه، قال: وكان بين يديه قوم فأظنهم سبقوني، فلما جلست قال لي: من أنت؟ قلت: خلف. فقال لي: بلغني أنك تريد الترفع في القراءة، فلست آخذ عليك شيئاً. قال: فكنت أحضر المجلس، ولا يأخذ علي شيئاً. قال: فبكرت يوماً في الغلس، وخرج، فقال: مَن ههنا يتقدم يقرأ، فتقدمت فجلست بين يديه. قال: فاستفتحت سورة يوسف وهي من أشد القرآن إعراباً، فقال لي: من أنت فما سمعت أقرأ منك؟! فقلت: أنا خلف، فقال لي: فعلتها ما يحل لي أن أمنعك، اقرأ. قال: فكنت أقرأ عليه حتى قرأت يوماً حم المؤمن، فلما بلغت إلى قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [غافر: ٧] بكى بكاء شديداً، ٥٤٨ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد ثم قال لي: يا خلف أما ترى ما أعظم حق المؤمن تراه نائماً على فراشه، والملائكة [٣٢٣/٨] يستغفرون له. - عن أبي زيد الهروي قال: كنا عند شعبة، فجاءه رجل فسأله عن حديث، وكانت في الرجل عجلة، فقال شعبة: يجيء الرجل فيسألني عن الحديث كمثل قوم مروا على دار، فقالوا: ما أحسنها، ودخلها رجل فتخيرها بيتاً بيتاً. لا والله حتى يلزمني كما لزمني هذا، وروح بن عبادة بين يديه، وهو یومئ إليه. [٤٠٥/٨] - عن الكسائي قال: أتى الأعمش رجل، فقال أقرأ عليك؟ قال: اقرأ. وكان الأعمش يقرأ عليه عشرون آية، فقرأ عليه عشرين وجاوز، فقال: لعله يريد الثلاثين، فجاوز الثلاثين حتى بلغ المائة، ثم سكت فقال له الأعمش: اقرأ فوالله إنه مجلس لا عدت إليه أبداً . [٧/٩] - عن سعيد بن تركان بدمشق قال: صحبت أنا، وأخي علي يعقوب بن الوليد بعد صحبته الجنيد، فما عظم في قلوبنا أحد ولا تجاوز حد الجنيد لأنه كان مؤدبنا تأديب شفقة، والآخرون كانوا يؤدبونا تأديب رياضة، وإظهار أستاذية. [١٠٨/٩] - عن أبي عبد الله بن بطة العكبري قال: انحدرت لأقرأ على أبي بكر بن مجاهد، فوافيت إلى مسجده، فجلست فيه بالقرب منه، فلما قرأ الجماعة نظرت، فإذا سبقي بعيد، فدنوت منه، وقلت: يا أستاذ خذ علي، فقال: ليس السبق لك. فقلت له: أنا غريب، وينبغي أن تقدمني، فقال: لعمري، من أي بلد أنت؟ فقال: من بلد يقال له عكبرا. فقال لأصحابه: بلد غريب، ما سمعنا به، ومسافة شاسعة، ثم ضحك، فالتفت إلي، فقال لي: لا رد الله غربتك، مع أمك تغديت وجئت إلي. [٣٧٢/١٠] - عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي قال: كنت عند أبي حفص أحمد بن حفص أسمع كتاب الجامع - جامع سفيان - في كتاب والدي، فمر أبو حفص على حرف ولم يكن عندي ما ذكر، فراجعته فقال: الثانية كذلك، فراجعته الثانية، فقال: كذلك، فراجعته الثالثة، فسكت سويعة، ثم قال: من هذا؟ قالوا: هذا ابن إسماعيل بن إبراهيم بن بردزبة. فقال أبو حفص: هو كما قال، واحفظوه فإن هذا يوماً يصير رجلاً. [١١/٢ ] * أخذ الأجرة على التعليم: - عن أبي نعيم قال: قلت لصالح بن أحمد بن حنبل: عندنا شيخ يروي حكاية عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل أنه قال: قد رجعت عما رواه إسحاق الكوسج عني ٥٤٩ باب العلماء وذكرت له هذه الحكاية، فقال لي صالح: إني قلت لأبي بلغني أن إسحاق بن منصور روى بخراسان هذه المسائل التي سألك عنها، ويأخذ عليها الدراهم، فغضب أبي من ذلك، واغتم مما أعلمته فقال: تسألوني عن المسائل، ثم تحدثون بها، وتأخذون عليها، وأنكر إنكاراً شديداً. قال صالح: فقلت له: إن أبا نعيم الفضل بن دكين كان يأخذ على الحديث، فقال: لو علمت هذا ما رويت عنه شيئاً. [٣٦٣/٦] - عن أبي العالية قال: علِّم مجاناً كما عُلِّمت مجاناً. فقال: تعرضت بي يا أبا علي، فقلت: ما تعرضت بك، بل قصدتك. [٣٢٦/٩] - عن جعفر بن يحيى بن خالد قال: ما رأينا في القراء مثل عيسى بن يونس أرسلنا إليه فأتانا بالرقة، فاعتل قبل أن يرجع فقلت له: يا أبا عمر قد أمر لك بعشرة آلاف، فقال: هيه. فقلت: هي خمسون ألفاً. قال: لا حاجة لي فيها، فقلت: ولم؟ أما والله لأهنيتكها هي والله مائة ألف. قال: لا والله لا يتحدث أهل العلم أني أكلت للسنة ثمناً، ألا كان هذا قبل أن ترسلوا إلي، فأما على الحديث فلا، والله ولا شربة ماء ولا هليلجة. [١١ /١٥٤] - عن إسحاق بن البهلول قال: قدم علينا وكيع بن الجراح فنزل في المسجد على الفرات فكنت أصير إليه لاستماع الحديث منه فطلب مني نبيذاً فجئته بمخيسة ليلاً فأقبلت أقرأ عليه الحديث وهو يشرب، فلما نفد ما كنت جئته به أطفأ السراج. [٥٠٢/١٣] فقلت له: ما هذا؟ فقال: لو زدتنا لزدناك. - عن الزجاج قال: كنت أخرط الزجاج، فاشتهيت النحو فلزمت المبرد لتعلمه، وكان لا يعلم مجاناً، ولا يعلم بأجرة إلا على قدرها، فقال لي: أي شيء صناعتك؟ قلت: أخرط الزجاج وكسبي في كل يوم درهم، ودانقان، أو درهم ونصف، وأريد أن تبالغ في تعليمي، وأنا أعطيك كل يوم، وأشرط لك أني أعطيك إياه أبداً إلى أن يفرق الموت بيننا استغنيت عن التعليم، أو احتجت إليه. قال: فلزمته، وكنت أخدمه في أموره مع ذلك، وأعطيه الدرهم فينصحني في العلم حتى استقللت، فجاءه كتاب بعض بني مارمة من الصراة يلتمسون معلماً نحوياً لأولادهم فقلت له: أسمني لهم، فأسماني فخرجت، فكنت أعلمهم، وأنفذ إليه كل شهر ثلاثين درهماً، وأتفقده بعد ذلك بما أقدر عليه، ومضت مدة على ذلك، فطلب منه عبيد الله بن سليمان مؤدباً لابنه القاسم، فقال له: لا أعرف لك إلا رجلاً زجاجاً بالصراة مع بني مارمة. قال: فكتب إليهم عبيد الله، فاستنزلهم عني، فتركوني له، فأحضرني، وأسلم القاسم إلي، ٥٥٠ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد فكان ذلك سبب غناي، وكنت أعطي المبرد ذلك الدرهم في كل يوم إلى أن مات، [٩٠/٦] ولا أخليه من التفقد معه بحسب طاقتي. - عن إبراهيم الحربي قال: ما أخذت على علم قط أجراً إلا مرة واحدة، فإني وقفت على بقال فوزنت له قيراطاً إلا فلساً فسألني عن مسألة فأجبته، فقال للغلام: أعطه بقيراط، ولا تنقصه شيئاً فزادني فلساً. [٣٤/٦] * أخذ الأجرة على الكتابة: - عن أبي القاسم ابن بنت منيع قال: كنت أورق فسألت جدي أحمد بن منيع أن يمضي معي إلى سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي يسأله أن يعطيني الجزء الأول من المغازي عن أبيه عن ابن إسحاق حتى أورقه عليه، فجاء معي وسأله فأعطاني الجزء الأول فأخذته وطفت به، فأول ما بدأت بأبي عبد الله بن مغلس، وأريته الكتاب وأعلمته أني أريد أن أقرأ المغازي على سعيد الأموي، فدفع إلي عشرين ديناراً، وقال اكتب لي منه نسخة، ثم طفت بعده بقية يومي فلم أزل آخذ من عشرين ديناراً إلى عشرة دنانير، وأكثر، وأقل إلى أن حصل معي في ذلك اليوم مائتا دينار، فكتبت نسخاً لأصحابها بشيء يسير من ذلك وقرأتها لهم، واستفضلت الباقي. [١٠/ ١١٣] * المذاكرة بين أهل العلم: - عن أحمد بن محمد قال: اجتمع المبرد، وأحمد بن يحيى - يعني ثعلباً - عند محمد بن طاهر أمير بغداد فتناظرا في مسألة من أصول النحو عقلية ودقَّقا، وكان الحسين بن إسماعيل المحاملي جالساً فقالا: إن رأى القاضي أن يحكم بيننا، فقال: لا يسعني الحكومة بينكما لأنكما تجاوزتما ما أعرفه، ولا يجوز حكمي إلا بعد معرفة . [٢١/٨] - قال محمد بن إسحاق ـ بن راهويه - فذاكرت بهذا الحديث أبا عُمَير ببيت المقدس فقال: ما ظننت أن في هذا حديثاً مُسنداً إلا عندي. [١ /٢٤٤] - عن أبي يحيى - يعني عبد الصمد بن الفضل - قال: بلغني عن القاسم بن زريق، وكان من تلاميذ أبي مطيع قال: دخلت أنا وأبو مطيع بغداد فاستقبلنا أبو يوسف فقال: يا أبا مطيع كيف قدمت؟ قال: ثم نزل عن دابته، فدخلا المسجد، فأخذا في المناظرة . [٢٢٣/٨] - عن أحمد بن عمر بن روح أن المعافى بن زكريا حضر في دار لبعض الرؤساء، وكان هناك جماعة من أهل العلم والأدب، فقالوا له: في أي نوع من العلوم نتذاكر؟ ٥٥١ باب العلماء فقال المعافى لذلك الرئيس: خزانتك قد جمعت أنواع العلوم وأصناف الأدب، فإن رأيت أن تبعث بالغلام إليها، وتأمره أن يفتح بابها، ويضرب بيده إلى أي كتاب قرب منها، فيحمله، ثم تفتحه، وتنظر في أي نوع هو، فنتذاكره، ونتجارى فيه. [٢٣٠/١٣] - عن حماد بن زيد قال: قدم علينا جرير بن حازم من المدينة فأتيناه فسلمنا عليه، فما برحنا حتى تذاكرنا الحديث، فقال في بعض ما يقول: حدثنا قيس بن سعد عن الحجاج بن أرطأة، فلبثنا ما شاء الله، فقدم علينا الحجاج ابن ثلاثين، أو إحدى وثلاثين، فرأيت عليه من الزحام ما لم أر على حماد بن أبي سليمان، رأيت عنده مطراً الوراق، وداود بن أبي هند، ويونس بن عبيد جثاة على أرجلهم يقولون له: يا [٢٣١/٨] أبا أرطاة ما تقول في كذا. - عن عبد الرحمن بن مهدي قال: كنا بمكة نتذاكر الحديث، فبينما نحن كذلك إذا إنسان قد دخل فيما بيننا، فسمع حديثنا فقلنا له: من أنت؟ قال: أنا معاوية بن [٨ / ٤٤٤] صالح. قال: فاحتوشناه. - عن أبي مسعود الأصبهاني قال: كنا نتذاكر الأبواب. قال: فخاضوا في باب فجاؤوا فيه بخمسة أحاديث. قال: فجئتهم أنا بآخر فصار سادساً. قال: فنخس أحمد بن حنبل في صدري يعني لإعجابه به. [٣٤٣/٤] - عن القاضي أبي طالب قال: كنت مع أبي في جنازة بعض أهل بغداد من الوجوه، وإلى جانبه في الحق جالس أبو جعفر الطبري، فأخذ أبي يعظ صاحب المصيبة ويسليه، وينشده أشعاراً، ويروي له أخباراً، فداخله الطبري في ذلك، ودأب معه ثم اتسع الأمر بينهم في المذاكرة، وخرجا إلى فنون كثيرة من الأدب والعلم استحسنها الحاضرون وعجبوا منها، وتعالى النهار وافترقا، فلما جعلت أسير خلفه قال لي أبي: يا بني هذا الشيخ الذي داخلنا اليوم في المذاكرة من هو أتعرفه؟ فقلت: يا سيدي كأنك لم تعرفه، فقال: لا، فقلت: هذا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري. فقال: تالله ما أحسنت عشرتي يا بني. فقلت: كيف يا سيدي؟ قال: ألا قلت لي في الحال، فكنت أذاكره غير تلك المذاكرة، هذا رجل مشهور بالحفظ والاتساع في صنوف من العلم، وما ذاكرته بحسبها. قال: ومضت على هذا مدة فحضرنا في حق آخر، وجلسنا فإذا بالطبري يدخل إلى الحق، فقلت له: قليلاً قليلاً أيها القاضي هذا أبو جعفر الطبري قد جاء مقبلاً. قال: فأومأ إليه بالجلوس عنده، فعدل إليه، فأوسعت له حتى جلس إلى جنبه، وأخذ أبي يجاريه، فكلما جاء إلى قصيدة ذكر الطبري منها أبياتاً. قال أبي: هاتها يا أبا جعفر إلى آخرها، فيتلعثم ٥٥٢ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد الطبري، فينشدها أبي إلى آخرها، وكلما ذكر أشياء من السير قال أبي: كان هذا في قصة فلان ويوم بني فلان، مر يا أبا جعفر فيه، فربما مر وربما تلعثم، فيمر أبي في جميعه حتى يشقه. قال: فما سكت أبي يومه ذلك إلى الظهر، وبان للحاضرين تقصير الطبري عنه، ثم قمنا فقال لي أبي: الآن شفيت صدري. [٣٢/٤ - ٣٣] - عن القاضي أبي نصر يوسف قال: كنت أحضر دار المقتدر وأنا غلام حدث بالسواد مع أبي الحسن وهو يومئذ يخلف أباه أبا عمر، فكنت أرى في بعض المواكب القاضي أبا جعفر يحضر بالسواد، فإذا رآه أبي عدل إلى موضعه فجلس عنده فيتذاكران بالشعر والأدب والعلم حتى يجتمع عليهما من الخدم عدد كثير كما يجتمع على القصاص استحساناً لما يجري بينهما، فسمعته يوماً قد أنشد بيتاً لا أذكره الآن، فقال له أبي: أيها القاضي إني أحفظ هذا البيت بخلاف هذه الرواية فصاح عليه صيحة عظيمة وقال: اسكت إليّ تقول هذا، فأنا أحفظ لنفسي من شعري خمسة عشرة ألف بيت، وأحفظ للناس أضعاف ذلك وأضعافه، يكررها مراراً. [٤/ ٣٢] - عن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز قال: سمعت أبا بكر بن زنجويه يقول: قدمت مصر وأتيت أحمد بن صالح، فسألني: من أين أنت؟ قلت: من بغداد. قال: منزلك من منزل أحمد بن حنبل. قلت: أنا من أصحابه. قال: تكتب لي موضع منزلك، فإني أريد أوافي العراق حتى تجمع بيني وبين أحمد بن حنبل، فكتبت له، فوافى أحمد بن صالح سنة اثنتي عشرة إلى عفان فسأل عني فلقيني، فقال: الموعد الذي بيني وبينك، فذهبت به إلى أحمد بن حنبل، واستأذنت له فقلت: أحمد بن صالح بالباب، فأذن له فقام إليه ورحب به، وقربه، وقال له: بلغني أنك جمعت حديث الزهري، فتعال نذاكر ما روى الزهري عن أصحاب رسول الله، فجعلا يتذاكران، ولا يغرب أحدهما عن الآخر حتى فرغا. قال: وما رأيت أحسن من مذاكرتهما . ثم قال أحمد بن حنبل لأحمد بن صالح: تعال حتى نذاكر ما روى الزهري عن أولاد أصحاب رسول الله، فجعلا يتذاكران أحدهما على الآخر إلى أن قال أحمد بن حنبل لأحمد بن صالح: عند الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف قال النبي وقالير: ((ما يسرني أن لي حمر النعم وأن لي حلف المطيبين))، فقال أحمد بن صالح لأحمد بن حنبل: أنت الأستاذ، وتذكر مثل هذا، فجعل أحمد بن حنبل يبتسم، ويقول: رواه عن الزهري رجل مقبول أو صالح: عبد الرحمن بن إسحاق، فقال: من رواه عن عبد الرحمن، فقال حدثناه رجلان ٥٥٣ باب العلماء تقيان: إسماعيل بن علية، وبشر بن الفضل، فقال أحمد بن صالح لأحمد بن حنبل: سألتك بالله إلا أمليته علي، فقال أحمد: من الكتاب، فقام ودخل وأخرج الكتاب، وأملى عليه، فقال أحمد بن صالح لأحمد بن حنبل: لو لم أستفد بالعراق إلا هذا الحدیث کان کثیراً، ثم ودعه وخرج. [١٩٧/٤] * أدب الخلاف بين العلماء: - عن محمد بن المسيب قال: لما مات بندار جاء رجل إلى أبي موسى فقال: يا أبا موسى! البشرى مات بندار، قال: جئت تبشرني بموته؟ علي ثلاثون حجة إن حدثت أبداً بحديث، فبقي أبو موسى بعد بندار تسعين يوماً، ولم يحدث بحديث، [١٠٤/٢] ومات. - عن عبيد الله بن عبد الكريم قال: كان محمد بن داود خصماً لأبي العباس بن سريج القاضي وكانا يتناظران ويترادَان في الكتب، فلما بلغ ابن سريج موت محمد بن دؤاد نحى مخاده ومشاوره وجلس للتعزية وقال: ما آسى إلا على تراب أكل لسان [٢٥٩/٥] محمد بن داود. - عن أبي عبد الله - أحمد بن حنبل - قال: شهدت هشيماً يوماً وذكر عباداً فقال: ادع الله لأخينا عباد، فإنه مريض، وشهدت عباداً يوماً يقول في حديث ذكره: أخطأ هشيم. قال أبو عبد الله: فانظر هشيم يدعو له، وهو يخطئه. [١٠٤/١١] * أخلاق العلماء مع بعضهم: - عن قتيبة بن سعيد قال: لما احترقت كتب ابن لهيعة بعث إليه الليث بن سعد کاغداً بألف دينار. [١٠/١٣] - عن عبد الله بن المبارك قال: قدمت الشام على الأوزاعي فرأيته ببيروت، فقال لي: يا خراساني من هذا المبتدع الذي خرج بالكوفة يكنى أبا حنيفة؟ فرجعت إلى بيتي فأقبلت على كتب أبي حنيفة فأخرجت منها مسائل من جياد المسائل وبقيت في ذلك ثلاثة أيام، فجئت يوم الثالث وهو مؤذن مسجدهم وإمامهم، والكتاب في يدي فقال: أي شيء هذا الكتاب؟ فناولته فنظر في مسألة منها وقعت عليها، قال النعمان: فما زال قائماً بعد ما أذن حتى قرأ صدراً من الكتاب، ثم وضع الكتاب في كمه، ثم أقام وصلى، ثم أخرج الكتاب حتى أتى عليها فقال لي: يا خراساني مَن النعمان بن ثابت هذا؟ قلت: شيخ لقيته بالعراق، فقال: هذا نبيل من المشايخ اذهب فاستكثر منه. قلت: هذا أبو حنيفة الذي نهيت عنه. [٣٣٨/١٣] ٥٥٤ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد - عن هارون بن عبد الله الحمال قال: جاءني أحمد بن حنبل بالليل فدق الباب علي، فقلت: من هذا؟ فقال: أنا أحمد، فبادرت أن خرجت إليه فمسَّاني ومسَّيته. قلت: حاجة يا أبا عبد الله؟ قال: شغلت اليوم قلبي. قلت: بماذا يا أبا عبد الله؟ قال: جزت عليك اليوم، وأنت قاعد تحدث الناس في الفيء، والناس في الشمس بأيديهم الأقلام والدفاتر، لا تفعل مرة أخرى إذا قعدت، فاقعد مع الناس. [٢٢/١٤] - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: كان يحيى بن سعيد يجالس ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فإذا غاب ربيعة حدثهم يحيى أحسن الحديث، وكان يحيى بن سعيد كثير الحديث، فإذا حضر ربيعة كف يحيى إجلالاً لربيعة، وليس ربيعة بأسن منه، وهو فيما هو فيه، وكان كل واحد منهما مُجِلّاً لصاحبه. [٤٢٣/٨] - قال محمد بن عمر الجعابي الحافظ: قصدت عبدان الأهوازي فقصدت مسجده، فرأيت شيخاً وحده قاعداً في المسجد ربعاً حسن الشيبة، عليه كساء بركان حسن، فذاكرني بأكثر من مائتي حديث في الأبواب، وكنت قد سلبت في الطريق فأعطاني الذي كان عليه، فلما دخل عبدان المسجد ورآه اعتنقه وبشَّ به، فقلت لهم: من هذا الشيخ؟ قالوا: هذا أبو علي الروذباري، ثم كان له معاودة في الحديث، [٣٣٠/١، ٣٣١] فرأيت من حفظه للحديث ما تعجبت. - عن أبي بكر الأعين قال: أتيت آدم العسقلاني فقلت له: عبد الله بن صالح كاتب الليث يقرئك السلام، قال: لا تقريه مني السلام، فقلت له: لم؟ قال: لأنه قال: القرآن مخلوق، قال فأخبرته بعذره، وأنه أظهر الندامة، وأخبر الناس بالرجوع، قال: فأقرئه السلام، فقلت له بعد: إني أريد أن أخرج إلى بغداد فلك حاجة؟ قال: نعم إذا أتيت بغداد فأت أحمد بن حنبل، فأقرئه مني السلام، وقل له: يا هذا اتق الله، وتقرب إلى الله بما أنت فيه، ولا يستفزنك أحد، فإنك إن شاء الله مشرف على الجنة، وقل له: حدثنا الليث بن سعد عن محمد بن عجلان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلجر: ((من أرادكم على معصية الله فلا تطيعوه))، فأتيت أحمد بن حنبل في السجن، فدخلت عليه، فسلمت عليه، وأقرأته السلام، وقلت له هذا الكلام، والحديث، فأطرق أحمد إطراقة، ثم [٢٨/٧، ٢٩] رفع رأسه فقال: حياً وميتاً، فلقد أحسن النصيحة. - عن أبي الحسن الدارقطني قال: كتبت ببغداد من أحاديث السوداني أحاديث تفرد بها، ثم مضيت إلى الكوفة لأسمع منه فجئت إليه، وعنده أبو العباس بن عقدة، فدفعت إليه الأحاديث في ورقة فنظر فيها أبو العباس، ثم رمى بها، ٥٥٥ باب العلماء واستنكرها وأبى أن يقرأها، وقال: هؤلاء البغداديون يجيئونا بما لا نعرفه. قال أبو الحسن: ثم قرأ أبو العباس عليه، فمضى في جملة ما قرأه حديث منها، فقلت له: هذا الحديث من جملة الأحاديث، ثم مضى آخر فقلت: وهذا أيضاً من جملتها، ثم مضى ثالث فقلت: وهذا أيضاً منها، وانصرف، وانقطعت عن العود إلى المجلس لحمى نالتني، فبينما أنا في الموضع الذي كنت نزلته إذا أنا بداق يدق على الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: ابن سعيد، فخرجت وإذا بأبي العباس فوقعت في صدره أقبله، وقلت: يا سيدي لم تجشمت المجيء؟ فقال: ما عرفناك إلا بعد انصرافك، وجعل يعتذر إلي، ثم قال: ما الذي أخرك عن الحضور؟ فذكرت له أني حممت، فقال: تحضر المجلس لتقرأ ما أحببت، فكنت بعد إذا حضرت أكرمني، ورفعني في [٣٧/١٢] المجلس. - عن أبي عثمان المازني قال: كنا عند أبي زيد فجاء الأصمعي فأكب على رأسه، وجلس وقال: هذا عالمنا، ومعلمنا منذ ثلاثين سنة، فنحن كذلك إذ جاء خلف الأحمر، فأكب على رأسه، وجلس، وقال: هذا عالمنا، ومعلمنا منذ عشر سنین . [٧٧/٩] - عن أبي محمد عبدان بن أحمد بن الخطيب قال: اجتاز أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي بنهر طابق على باب المسجد. قال: فسمع صوت مستمل، فقال: من هذا؟ فقالوا: ابن صاعد. فقال: ذاك الصبي، قالوا: نعم. قال: والله لا أبرح من موضعي حتى أملي ها هنا. قال: فصعد الدكة، وجلس ورآه أصحاب الحديث فقاموا، وترکوا ابن صاعد. [١٠ /١١٣] - عن صالح أحمد بن حنبل قال: مشى أبي مع بغلة الشافعي، فبعث إليه يحيى بن معين فقال له: يا أبا عبد الله! أما رضيت إلا أن تمشي مع بغلته؟ فقال: يا أبا زكريا لو مشيت من الجانب الآخر كان أنفع لك. [٦٦/٢] - عن الحمدوني قال: إن إسماعيل القاضي ببغداد كان يحب الاجتماع مع إبراهيم الحربي، فقيل لإبراهيم لو لقيته، فقال: ما أقصد من له حاجب، فقيل ذلك الإسماعيل، فنحى الحاجب عن بابه أياماً، فذكر ذلك لإبراهيم فقصده، فلما دخل تلقاه أبو عمر محمد بن يوسف القاضي، وكان بين يدي إسماعيل قائماً، فلما نزع إبراهيم نعله أمر أبو عمر غلاماً له أن يرفع نعل إبراهيم في منديل معه، فلما طال المجلس بين إبراهيم وإسماعيل، وجرى بينهما من العلم ما تعجب منه الحاضرون، ٥٥٦ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد وأراد إبراهيم القيام، نفذ أبو عمر إلى الغلام أن يضع نعله بين يديه من حيث رآها إبراهيم ملفوفة في المنديل، فقال - إبراهيم - لأبي عمر: رفع الله قدرك في الدنيا والآخرة. فقيل: أدركتني دعوة الرجل الصالح إبراهيم فغفر لي. [٤٠٤/٣] - عن محمد بن قريش بن سليمان بن قريش المروذي قال: دخلت على موسى بن هارون الحمال منصرفي من مجلس الكديمي فقال لي: ما الذي حدثكم الكديمي اليوم؟ فقلت: حدثنا عن شاصوية بن عبيد اليمامي بحديث وذكرته له، وهو حديث مبارك اليمامة، فقال موسى بن هارون: أشهد أنه حدث عمن لم يخلق بعد، فنقل الكلام إلى الكديمي، فلما كان من الغد خرج فجلس على الكرسي وقال: بلغني أن هذا الشيخ - يعني موسى بن هارون - تكلم فيّ ونسبني إلى أن حدثت عمن لم يخلق، وقد عقدت بيني وبينه عقدة لا نحلها إلا بين يدي الملك الجبار. [٤٤٣/٣] - عن علي بن المديني قال: قدمت الكوفة فعنيت بحديث الأعمش فجمعته، فلما قدمت البصرة لقيت عبد الرحمن فسلمت عليه، فقال: هات يا علي ما عندك، فقلت: ما أحد يفيدني عن الأعمش شيئاً. قال: فغضب، فقال: هذا كلام أهل العلم، ومن يضبط العلم، ومن يحيط به، مثلك يتكلم بهذا أمعك شيء يكتب فيه؟ قلت: نعم. قال: اكتب. قلت: ذاكرني فلعله عندي. قال: اكتب لست أملي عليك إلا ما ليس عندك. قال: فأملى علي ثلاثين حديثاً لم أسمع منها حديثاً، ثم قال: لا تعد. قلت: لا أعود. قال علي: فلما كان بعد سنة جاء سليمان إلى الباب فقال: امض بنا إلى عبد الرحمن أفضحه اليوم في المناسك. قال علي: وكان سليمان من أعلم أصحابنا بالحج. قال: فذهبنا فدخلنا عليه فسلمنا، وجلسنا بين يديه فقال: هاتاه ما عندكما، وأظنك يا سليمان صاحب الخطبة. قال: نعم. ما أحد يفيدنا في الحج شيئاً فأقبل عليه بمثل ما أقبل علي، ثم قال: يا سليمان ما تقول في رجل قضى المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، فوقع على أهله، فاندفع سليمان فروى يتفرقان حيث اجتمعا، ويجتمعان حيث تفرقا. قال: ارو، ومتى يجتمعان؟ ومتى يفترقان؟ قال: فسكت سليمان، فقال: اكتب وأقبل يلقي عليه المسائل، ويملي عليه حتى كتبنا ثلاثين مسألة في كل مسألة يروي الحديث والحديثين، ويقول: سألت مالكاً، وسألت سفيان، وعبيد الله بن الحسن. قال: فلما قمت قال: لا تعد ثانياً تقول مثلما قلت، فقمنا وخرجنا. قال: فأقبل عليَّ سليمان فقال: إيش خرج علينا من صلب مهدي هذا، كأنه كان قاعداً معهم، سمعت مالكاً وسفيان، وعبيد الله. [٢٤٥/١٠ - ٢٤٦] = ٥٥٧ باب العلماء - قال محمد بن إسماعيل البخاري: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني وربما كنت أغرب عليه. [١٧/٢] - قال فتح بن نوح النيسابوري: أتيت علي بن المديني فرأيت محمد بن إسماعيل جالساً عن يمينه وكان إذا حدث التفت إليه كأنه یهابه. [١٨/٢] - عن محمد بن إسماعيل البخاري قال: دخلت بغداد آخر ثمان مرات كل ذلك أجالس أحمد بن حنبل! فقال لي في آخر ما ودعته: يا أبا عبد الله تترك العلم والناس، وتصير إلى خراسان؟ قال أبو عبد الله: فأنا الآن أذكر قوله. [٢٢/٢ -٢٣] - قال يونس بن عبد الأعلى: أبو زرعة وأبو حاتم إماما خراسان، ودعا لهما وقال: بقاؤهما صلاح للمسلمين. [٧٦/٢] - عن عمر بن حفص الأشقر قال: لما قدم رجاء بن مرجي المروزي الحافظ بخارى يريد الخروج إلى الشاش نزل الرباط، وصار إليه مشايخنا، وصرت فيمن صار إليه، فسألني عن أبي عبد الله محمد بن إسماعيل، فأخبرته بسلامته، وقلت له: لعله يجيئك الساعة، فأملى علينا، وانقضى المجلس، ولم يجئ أبو عبد الله، فلما كان اليوم الثاني لم يجئه، فلما كان اليوم الثالث، قال رجاء: إن أبا عبد الله لم يرنا أهلاً للزيارة، فمروا بنا إليه نقضي حقه، فأبى علي الخروج، وكان كالمترغم عليه، فجئنا بجماعتنا إليه، ودخلنا على أبي عبد الله، وسأل به، فقال له رجاء: يا أبا عبد الله كنت بالأشواق إليك وأشتهي أن تذكر شيئاً من الحديث؛ فأبى عليّ الخروج، قال: ما شئت؟ فألقى عليه رجاء شيئاً من حديث أيوب، وأبو عبد الله يجيب، إلى أن سكت رجاء عن الإلقاء، فقال لأبي عبد الله: ترى بقي شيء لم نذكره؟ فأخذ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل يلقي، ويقول رجاء: من روى هذا؟ وأبو عبد الله يجيء بإسناده إلى أن ألقى قريباً من بضعة عشر حديثاً أو أكثر أعدها، وتغير رجاء تغيراً شديداً، وحانت من أبي عبد الله محمد بن إسماعيل نظرة إلى وجهه فعرف التغير فيه فقطع الحديث، فلما خرج رجاء قال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل: أردت أن أبلغ به ضعف ما ألقيته إلا أني خشيت أن يدخله شيء فأمسکت. [٢٦/٢] - عن أحمد بن حمدون الحافظ قال: كنا عند محمد بن إسماعيل البخاري فجاء مسلم بن الحجاج فسأله عن حديث عبيد الله بن عمر عن أبي الزبير عن جابر قال: بعثنا رسول الله ﴿ في سرية ومعنا أبو عبيدة، فقال محمد بن إسماعيل: حدثنا ابن ٥٥٨ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد أبي أويس قال: حدثني أخي أبو بكر عن سليمان بن بلال عن عبيد الله عن أبي الزبير عن جابر: القصة بطولها، فقرأ عليه إنسان حديث حجاج بن محمد عن ابن جريج عن موسى بن عقبة قال: حدثني سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: ((كفارة المجلس إذا قام العبد أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك)). فقال له مسلم: في الدنيا أحسن من هذا الحديث؟ ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل. يعرف بهذا الإسناد في الدنيا حديثاً؟ قال له محمد: لا، إلا أنه معلول. فقال مسلم: لا إله إلا الله وارتعد وقال: أخبرني به. قال: استر ما ستر الله، فإن هذا حديث جليل رواه الخلق عن حجاج بن محمد عن ابن جريج، فألح عليه وقبل رأسه، وكاد أن يبكي مسلم فقال له أبو عبد الله: اكتب إن كان لا بد: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نبأنا وهيب قال: حدثني موسى بن عقبة عن عون بن عبد الله قال: قال رسول الله وَاليه: ((كفارة المجلس)). فقال له مسلم: لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك. [٢٩/٢] * أخلاق العلماء: - عن إبراهيم الخواص قال: أول ما يهب الله تعالى للعالم الرباني خشيته. [٤٢٨/١٤] - عن بشر بن الحارث قال: دخلت على حماد بن زيد، فرأيت في بيته بساطاً ما أعجبني، ما هكذا يكون العلماء !. [٦٩/٧] - عن إسماعيل بن محمد عن الوليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وابن جريج: لمن طلبتم العلم؟ قال: كلهم يقول: لنفسي، غير ابن جريج فإنه قال: طلبته للناس. [٤٠٢/١٠] - عن عباس بن عبد العظيم العنبري قال: كنا عند أحمد بن حنبل، فذاكره إنسان بحديث رواه عيسى بن يونس فقال أحمد: ما روى عيسى بن يونس هذا الحديث، ثم قال: أستغفر الله، ما أدري إن صحت رواية عيسى بن يونس لهذا الحديث؟ ثم قال: أستغفر الله، فما يوجد إلا عند بشر بن الحارث، قال عباس: فقلت: أنا ما أجد سبيلاً إلى وصلة بشر إلا بهذا الحديث، فجئت، فسلمت عليه، وحكيت القصة، وما قال أحمد، قال: فجعل يقول: ألبسني العافية، ألبسني العافية، إن هذا لبلاء وفتنة، يُذكر حديث فيقال: لا يصح إلا عند رجل، قال: أقول أنا في نفسي: كم بین الرجلين؟ ! . [٧٧/٧] ٥٥٩ باب العلماء - عن أبي القاسم منصور بن عمر الفقيه الكرخي قال: لم أر في الشيوخ من يعلم العلم الله خالصاً لا يشوبه بشيء من الدنيا غير أحمد الفرضي، فإنه كان يكره أدنى سبب حتى المديح لأجل العلم. قال: وكان قد اجتمعت فيه أدوات الرياسة من علم وقرآن وإسناد، وحالة متسعة في الدنيا، وغير ذلك من الأسباب التي يداخل بمثلها السلطان، وتنال بها الدنيا، وكان مع ذلك أورع الخلق، وكان يبتدئ كل يوم بتدريس القرآن ويحضر عنده الشيخ الكبير ذو الهيئة، فيقدم عليه الحدث لأجل سبقه إذا فرغ من إقراء القرآن تولى قراءة الحديث علينا بنفسه، فلا يزال كذلك حتى تستنفد قوته، ويبلغ النهاية من جهده في القراءة، ثم يضع الكتاب من يده، فحينئذ يقطع المجلس وينصرف، وكنت أجالسه فأطيل القعود معه، وهو على حالة واحدة لا يتحرك، ولا يعبث بشيء من أعضائه، ولا يغير من هيئته حتى أفارقه، وبلغني أنه كان يجلس مع [٣٨٠/١٠] أهله على هذا الوصف، ولم أر في الشيوخ مثله. - عن أشهب بن عبد العزيز قال: كان الليث له كل يوم أربعة مجالس يجلس فيها: أما أولها، فيجلس لنائبة السلطان في نوائبه وحوائجه، وكان الليث يغشاه السلطان، فإذا أنكر من القاضي أمراً، أو من السلطان كتب إلى أمير المؤمنين، فيأتيه العزل، ويجلس لأصحاب الحديث، وكان يقول نجحوا أصحاب الحوانيت، فإن قلوبهم معلقة بأسواقهم، ويجلس للمسائل يغشاه الناس، فيسألونه، ويجلس لحوائج الناس لا يسأله أحد من الناس فيرده كبرت حاجته أو صغرت، قال: وكان يطعم الناس في الشتاء الهرايس بعسل النحل، وسمن البقر، وفي الصيف سويق اللوز [٩/١٣] بالسكر. - عن عبد الله بن محمد قال: رأى رجل محمد بن كناسة يحمل بيده بطن شاة فقال له: أنا أحمله لك، فقال: لا ينقص الكامل من كماله ما جر من نفع إلى عياله [٤٠٦/٥] - عن أحمد بن حنبل قال: تدري ما قال لي يحيى بن آدم؟ قلت: لا. قال: يجيئني الرجل الذي أبغضه وأكره مجيئه، فأقرأ عليه كل شيء معه حتى أستريح منه ولا أراه، ويجيء الرجل الذي أوده فأرده حتى يرجع إلي. [٧ /٤٥٦] - عن محمد بن أبي عبد الرحمن المسعودي عن أبيه قال: ما رأيت أحسن أمانة من أبي حنيفة: مات يوم مات، وعنده ودائع بخمسين ألفاً ما ضاع منها ولا درهم واحد. [٣٥٩/١٣] ٥٦٠ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد - عن أبي الفراج محمد بن عمران الخلال قال: كان ورد القاضي أبي بكر محمد بن الطيب في كل ليلة عشرين ترويحة ما يتركها في حضر ولا سفر. قال: وكان كل ليلة إذا صلى العشاء، وقضى ورده وضع الدواة بين يديه، وكتب خمساً وثلاثين ورقة تصنيفاً من حفظه، وكان يذكر أن كتبه بالمداد أسهل عليه من الكتب بالحبر، فإذا صلى الفجر دفع إلى بعض أصحابه ما صنفه في ليلته، وأمره بقراءته عليه، وأملى عليه الزيادات فيه. [٣٨٠/٥] - عن أبي بكر الخراساني قال: تبعت أحمد بن حنبل يوم الجمعة إلى مسجد الجامع، فقام عند قبة الشعراء يركع والأبواب مفتحة، وكان يتطوع ركعتين ركعتين، فمر بين يديه سائل فمنعه منعاً شديداً، وأراد السائل أن يمر بين يديه، فقمنا إلى السائل فنحيناه. [٣٨٧/١٤] - سأل جعفر بن نصير بكران الدينوري - وكان يخدم الشبلي ما الذي رأيت منه - يعني عند وفاته ـ؟ فقال: قال لي: علي درهم مظلمة، وتصدقت عن صاحبه بألوف فما على قلبي شغل أعظم منه، ثم قال: وضيني للصلاة، ففعلت فنسيت تخليل لحيته وقد أمسك على لسانه، فقبض على يدي وأدخلها في لحيته ثم مات، فبكى جعفر وقال: ما تقولون في رجل لم يفته في آخر عمره أدب من آداب الشريعة؟ !. [٣٩٦/١٤] خطأ العالم الذي لا بد من ذكره: - عن عاصم الأحول قال: جلست إلى قتادة فذكر عمرو بن عبيد، فوقع فيه، فقلت: لا يا أبا الخطاب إني أرى العلماء يقع بعضهم في بعض! فقال: يا أحول أو لا تدري أن الرجل إذا ابتدع بدعة، فينبغي لها أن تُذكر حتى تُحذر، قال: فجئت من عند قتادة، وأنا مهتم بقوله في عمرو بن عبيد، وما رأيت من نسك عمرو بن عبيد، فوضعت رأسي في نصف النهار، فإذا أنا بعمرو بن عبيد في النوم، والمصحف في حجره، وهو يحك آية من كتاب الله، فقلت: سبحان الله تحك آية من كتاب الله؟! فقال: إني سأعيدها، فتركته حتى حكها، فقلت له: أعدها، فقال: لا أستطيع. [١٧٨/١٢ - ١٧٩ ] - بلغ ابن أبي ذئب أن مالكاً لم يأخذ بحديث البيّعين بالخيار، قال: يستتاب وإلا ضربت عنقه، ومالك لم يردّ الحديث، ولكن تأوله على غير ذلك. فقال شامي: من أعلم مالك أو ابن أبي ذئب؟ فقال: ابن أبي ذئب في هذا أكبر