النص المفهرس

صفحات 501-520

=
٥٠١
باب العدل والإنصاف
من هذا مر به إلى الحبس، فألقى شريك كساءه ودخل داره فأخرج سوطاً ربذياً، ثم
ضرب بيده إلى مجامع ثوب النصراني، وقال للرجل: انطلق إلى أهلك، ثم رفع
السوط فجعل يضرب به النصراني، وهو يقول له: يا صبحى قد مر قفا جمل لا
يضرب والله المسلم بعدها أبداً، فهمّ أعوانه أن يخلصوه من يديه فقال: من هاهنا
من فتيان الحي: خذوا هؤلاء فاذهبوا بهم إلى الحبس، فهرب القوم جميعاً، وأفردوا
النصراني فضربه أسواطاً فجعل النصراني يعصر عينيه ويبكي ويقول له: ستعلم فألقى
السوط في الدهليز، وقال: يا أبا حفص ما تقول في العبد يتزوج بغير إذن مواليه؟
وأخذ فيما كنا فيه كأنه لم يصنع شيئاً، وقام النصراني إلى البرذون ليركبه فاستعصى
عليه، ولم يكن له من يأخذ بركابه فجعل يضرب البرذون. قال: يقول له شريك:
أرفق به ويلك فإنه أطوع الله منك فمضى. قال: يقول هو: خذ بنا فيما كنا فيه.
قال: قلت: ما لنا ولذا قد والله فعلت اليوم فعلة ستكون لها عاقبة مكروهة. قال:
أعز أمر الله يعزك الله، خذ بنا فيما نحن فيه، قال: وذهب النصراني إلى موسى بن
عيسى فدخل عليه، فقال: من فعل هذا بك؟ وغضب الأعوان، وصاحب الشرط،
فقال: شريك فعل بي كيت وكيت. قال: لا والله ما أتعرض لشريك، فمضى
النصراني إلى بغداد فما رجع.
[٢٨٨/٩ - ٢٨٩]
- عن عمر بن الهياج قال: أتته امرأة يوماً يعني شريكاً من ولد جرير بن عبد الله
البجلي صاحب النبي وهو في مجلس الحكم فقالت: أنا بالله، ثم بالقاضي امرأة من
ولد جرير بن عبد الله صاحب النبي ورددت الكلام فقال: أيها عنك الآن من
ظلمك. فقالت: الأمير موسى بن عيسى كان لي بستان على شاطئ الفرات لي فيه
نخل ورثته من آبائي، وقاسمت إخوتي، وبنيت بيني وبينهم حائطاً وجعلت فيه فارسياً
في بيت يحفظ النخل ويقوم ببستاني، فاشترى الأمير موسى بن عيسى من إخوتي
جميعاً، وساومني وأرغبني فلم أبعه، فلما كان في هذه الليلة بعث بخمسمائة فاعل
فاقتلعوا الحائط فأصبحت لا أعرف من نخلي شيئاً، واختلط بنخل إخوتي، فقال: يا
غلام طينة فختم، ثم قال لها: أمضٍ إلى بابه حتى يحضر معك، فجاءت المرأة
بالطينة فأخذها الحاجب، ودخل على موسى فقال: أعدى شريك عليك. قال: ادع
لي صاحب الشرط، فدعا به، فقال: امض إلى شريك فقل: يا سبحان الله ما رأيت
أعجب من أمرك، امرأة ادعت دعوى لم تصح أعديتها علي. قال: يقول له صاحب
الشرط: إن رأى الأمير أن يعفيني فليفعل، فقال: امض ويلك فخرج فأمر غلمانه أن
يتقدموا إلى الحبس بفراش وغيره من آلة الحبس، فلما جاء فوقف بين يدي شريك،

٥٠٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
فأدى الرسالة. قال: خذ بيده فضعه في الحبس. قال: قد والله يا أبا عبد الله عرفت
أنك تفعل بي هذا، فقدمت ما يصلحني إلى الحبس، وبلغ موسى بن عيسى يعني
الخبر، فوجه الحاجب إليه، فقال: هذا من ذاك رسول أي شيء عليه، فلما وقف
بين يديه، وأدى الرسالة قال: ألحقه بصاحبه فحبس، فلما صلى الأمير العصر بعث
إلى إسحاق بن الصباح الأشعثي، وجماعة من وجوه الكوفة من أصدقاء شريك،
فقال: امضوا إليه، وأبلغوه السلام، وأعلموه أنه قد استخف بي، وإني لست
كالعامة، فمضوا، وهو جالس في مسجده بعد العصر فدخلوا، فأبلغوه الرسالة، فلما
انقضى كلامهم قال لهم: ما لي لا أراكم جئتم في غيره من الناس كلمتموني من ها
هنا من فتيان الحي، فيأخذ كل واحد منكم بيد رجل، فيذهب به إلى الحبس لا ينام
والله إلا فيه. قالوا: أجاد أنت. قال: حقاً حتى لا تعودوا برسالة ظالم فحبسهم،
وركب موسى بن عيسى في الليل إلى باب الحبس ففتح الباب، وأخرجهم جميعاً،
فلما كان الغد وجلس شريك للقضاء جاء السجان فأخبره، فدعا بالقمطر فختمها
ووجه بها إلى منزله، وقال لغلامه: الحقني بثقلي إلى بغداد والله ما طلبنا هذا الأمر
منهم، ولكن أكرهونا عليه، ولقد ضمنوا لنا الإعزاز فيه إذا تقلدناه لهم ومضوا نحو
قنطرة الكوفة إلى بغداد، وبلغ موسى بن عيسى الخبر فركب في موكبه فلحقه، وجعل
يناشده الله ويقول: يا أبا عبد الله تثبت، انظر إخوانك تحبسهم دع أعواني. قال:
نعم لأنهم مشوا لك في أمر لم يجب عليهم المشي فيه، ولست ببارح، أو يردوا
جميعاً إلى الحبس وإلا مضيت إلى أمير المؤمنين، فاستعفيته مما قلدني، وأمر بردهم
جميعاً إلى الحبس، وهو والله واقف في مكانه حتى جاءه السجان فقال: قد رجعوا
إلى الحبس، فقال لأعوانه: خذوا بلجامه قودوه بين يدي جميعاً إلى مجلس الحكم،
فمروا به بين يديه حتى أدخل المسجد، وجلس مجلس القضاء، ثم قال: الجويرية
المتظلمة من هذا، فجاءت فقال: هذا خصمك قد حضر وهو جالس معها بین یدیه،
فقال: أولئك يخرجون من الحبس قبل كل شيء. قال: أما الآن فنعم، أخرجوهم.
قال: ما تقول فيما تدعيه هذه؟ قال: صدقت. قال: فرُدّ جميع ما أخذ منها، وتبني
حائطاً في وقت واحدٍ سريعاً كما هدم. قال: أفعل. قال: بقي لك شيء. قال:
تقول المرأة: بيت الفارسي ومتاعه. قال: يقول موسى بن عيسى: ويرد ذلك، بقي
لك شيء تدعينه. قالت: لا، وجزاك الله خيراً. قال: قومي وزبرها، ثم وثب من
مجلسه، فأخذ بيد موسى بن عيسى، فأجلسه في مجلسه، ثم قال: السلام عليك أيها
[٢٨٩/٩ _ ٢٩١]
الأمير تأمر بشيء. قال: أي شيء آمر؟! وضحك.

٥٠٣
باب العدل والإنصاف
- عن يحيى بن أكثم قال: كنت أمشي يوماً مع المأمون في بستان موسى في
ميدان البستان، والشمس علي وهو في الظل، فلما رجعنا قال لي: كن الآن أنت في
الظل فأبيت عليه، فقال: أول العدل أن يعدل الملك في بطانته، ثم الذين يلونهم
[١٨٨/١٠]
حتى يبلغ إلى الطبقة السفلى.
- عن الحسين بن زيد قال: سب رجل عبد الله بن حسن بن حسن فأعرض عنه
عبيد الله، فقيل له: لم لا تجبه؟ قال: لم أعرف مساويه، وكرهت بهته بما ليس
[٣٤٨/١٠]
فيه .
- عن محمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر قال: بلغني أن أبا خازم القاضي جلس
في الشرقية، وهو قاضيها للحكم فارتفع إليه خصمان فاجترا أحدهما بحضرته بما
أوجب التأديب فأمر بتأديبه وأدب فمات في الحال، فكتب إلى المعتضد من المجلس
أعلم أمير المؤمنين أطال الله بقاءه أن خصمين حضراني فاجترا أحدهما بما أوجب
عليه معه الأدب عندي فأمرت بتأديبه فأدب فمات، فإذا كان المراد به مصلحة
المسلمين فمات في الأدب فالدية واجبة في بيت مال المسلمين، فإن رأى أمير
المؤمنين أطال الله بقاءه أن يأمر بحمل الدية إلي لأحملها إلى ورثته فعل. قال: فعاد
الجواب إليه بأنا قد أمرنا بحمل الدية إليك، وحمل إليه عشرة آلاف درهم، فأحضر
[١١ /٦٥]
ورثة المتوفى ودفعها إليهم.
- عن الهرمزان قال: إنه مرّ بعمر بن الخطاب، وهو مضطجع في المسجد. فقال:
هذا والله الملك الخفي.
[٨٥/٣]
- عن أبي الحسن الدارقطني قال: أنه حضره في المجلس أملاه يوم الجمعة
فصحف اسماً أورده في إسناد حديث، إما كان حبان، فقال حيان، أو حيان فقال
حبان، قال أبو الحسن: فأعظمت أن يحمل عن مثله في فضله وجلالته وهم، وهبته
أن أوقفه على ذلك، فلما انقضى الإملاء تقدمت إلى المستملي وذكرت له وهمه،
وعرفته صواب القول فيه، وانصرفت، ثم حضرت الجمعة الثانية مجلسه فقال أبو
بكر للمستملي: عرِّف جماعة الحاضرين أنا صحفنا الاسم الفلاني لما أملينا حديث
كذا في الجمعة الماضية، ونبهنا ذلك الشاب على الصواب، وهو كذا، وعرّف ذلك
الشاب أنا رجعنا إلى الأصل فوجدناه كما قال.
[١٨٣/٣]
- عن أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري قال: كنت بحضرة أبي عمر القاضي
وجماعة من شهوده وخلفائه الذين يأنس بهم، فأحضروا ثوباً يمانياً قيل له في ثمنه
خمسين ديناراً، فاستحسنه كل من حضر المجلس. فقال: يا غلام، هات القلانسي.

٥٠٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
فجاء، فقال: اقطع جميع هذا الثوب قلانس، واحمل إلى كل واحد من أصحابنا
قلنسوة، ثم التفت إلينا فقال: إنكم استحسنتموه بأجمعكم، ولو استحسنه واحد
لوهبته له، فلما اشتركتم في استحسانه لم أجد طريقاً إلى أن يحصل لكل واحد شيء
منه إلا بأن أجعله قلانس، فيأخذ كل واحد منكم واحدة منها .
[٤٠٣/٣]
- عن سفيان بن عيينة قال: إذا وافقت السريرة العلانية فذلك العدل، وإذا كانت
السريرة أفضل من العلانية فذلك الفضل، وإذا كانت العلانية أفضل من السريرة
فذلك الجور.
[١٧٣/١٣]
- قال إسماعيل بن إسحاق السراج: قال لي أحمد بن حنبل يوماً يبلغني أن
الحارث هذا - يعني المحاسبي - يكثر الكون عندك، فلو أحضرته منزلك وأجلستني
من حيث لا يراني فأسمع كلامه؟ فقلت: السمع والطاعة لك يا أبا عبد الله وسرني
هذا الابتداء من أبي عبد الله، فقصدت الحارث وسألته أن يحضرنا تلك الليلة،
فقلت وتسل أصحابك أن يحضروا معك، فقال: يا إسماعيل فيهم كثرة فلا تزدهم
على الكُسْب والتمر، وأكثر منهما ما استطعت، ففعلت ما أمرني به، وانصرفت إلى
أبي عبد الله فأخبرته، فحضر بعد المغرب وصعد غرفة في الدار، فاجتهد في ورده
إلى أن فرغ، وحضر الحارث وأصحابه فأكلوا، ثم قاموا لصلاة العتمة ولم يصلّوا
بعدها، وقعدوا بين يدي الحارث، وهم سكوت لا ينطق واحد منهم إلى قريب من
نصف الليل، فابتدأ واحد منهم وسأل الحارث عن مسألة، فأخذ في الكلام
وأصحابه يستمعون، وكأن على رؤوسهم الطير، فمنهم من يبكي، ومنهم من يزعق،
وهو في كلامه. فصعدت الغرفة لأتعرَّف حال أبي عبد الله، فوجدته قد بكى حتى
غشي عليه، فانصرفت إليهم ولم تزل تلك حالهم حتى أصبحوا فقاموا وتفرقوا،
فصعدت إلى أبي عبد الله وهو متغير الحال، فقلت: كيف رأيت هؤلاء يا أبا
عبد الله؟ فقال: ما أعلم أني رأيت مثل هؤلاء القوم، ولا سمعت في علم الحقائق
مثل كلام هذا الرجل، وعلى ما وصفت من أحوالهم فإني لا أرى لك صحبتهم ثم
قام وخرج.
[٢١٤/٨ _ ٢١٥]
باب العزة
- عن مصعب بن عبد الله عن عمر بن الهياج بن سعيد أخي مجالد بن سعيد قال:
كنت من صحابة شريك فأتيته يوماً، وهو في منزله باكراً فخرج إليّ في فرو ليس تحته
قميص عليه كساء فقلت له: قد أضحت عن مجلس الحكم، فقال: غسلت ثيابي

٥٠۵
باب العزة
أمس، فلم تجف، فأنا أنتظر جفوفها، اجلس فجلست، فجعلنا نتذاكر باب العبد
يتزوج بغير إذن مواليه، فقال: ما عندك فيه؟ ما تقول فيه؟ وكانت الخيزران قد
وجهت رجلاً نصرانياً على الطراز بالكوفة، وكتب إلى موسى بن عيسى أن لا يعصي
له أمراً فكان مطاعاً بالكوفة، فخرج علينا ذلك اليوم من زقاق يخرج إلى النخع معه
جماعة من أصحابه عليه جبة خز وطيلسان على برذون فاره، وإذا رجل بين يديه
مكتوف، وهو يقول: واغوثا بالله أنا بالله، ثم بالقاضي، وإذا آثار سياط في ظهره
فسلّم على شريك، وجلس إلى جانبه، فقال الرجل المضروب: أنا بالله، ثم بك،
أصلحك الله، أنا رجل أعمل هذا الوشي كراء مثلي مائة في الشهر أخذني هذا مذ
أربعة أشهر، فاحتبسني في طراز يجري على القوت ولي عيال قد ضاعوا فأفلت اليوم
منه فلحقني، ففعل بظهري ما ترى، فقال: قم يا نصراني فاجلس مع خصمك،
فقال: أصلحك الله يا أبا عبد الله هذا من خدم السيدة مُر به إلى الحبس. قال: قم
ويلك فاجلس معه كما يقال لك، فجلس فقال: ما هذه الآثار التي بظهر هذا الرجل
من أثرَّها به؟ قال: أصلح الله القاضي إنما ضربته أسواطاً بيدي، وهو يستحق أكثر
من هذا مُر به إلى الحبس، فألقى شريك كساءه ودخل داره فأخرج سوطاً ربذياً، ثم
ضرب بيده إلى مجامع ثوب النصراني، وقال للرجل: انطلق إلى أهلك، ثم رفع
السوط فجعل يضرب به النصراني، وهو يقول له: يا صبحى قد مر قفا جمل لا
يضرب والله المسلم بعدها أبداً، فهمّ أعوانه أن يخلصوه من يديه فقال من ها هنا من
فتيان الحي: خذوا هؤلاء فاذهبوا بهم إلى الحبس، فهرب القوم جميعاً، وأفردوا
النصراني فضربه أسواطاً فجعل النصراني يعصر عينيه ويبكي ويقول له: ستعلم فألقى
السوط في الدهليز، وقال: يا أبا حفص ما تقول في العبد يتزوج بغير إذن مواليه؟
وأخذ فيما كنا فيه كأنه لم يصنع شيئاً، وقام النصراني إلى البرذون ليركبه فاستعصى
عليه، ولم يكن له من يأخذ بركابه فجعل يضرب البرذون. قال: يقول له شريك:
ارفق به ويلك فإنه أطوع لله منك فمضى. قال: يقول هو: خذ بنا فيما كنا فيه.
قال: قلت: ما لنا ولذا قد والله فعلت اليوم فعلة ستكون لها عاقبة مكروهة. قال:
أعز أمر الله يعزك الله، خذ بنا فيما نحن فيه، قال: وذهب النصراني إلى موسى بن
عيسى فدخل عليه، فقال: من فعل هذا بك؟ وغضب الأعوان، وصاحب الشرط،
فقال: شريك فعل بي كيت وكيت. قال: لا والله ما أتعرض لشريك، فمضى
[٢٨٨/٩ - ٢٨٩]
النصراني إلى بغداد فما رجع.

٥٠٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن أبي القاسم علي بن الحسن بن علي أبي عثمان الدقاق قال: إن الملك
الملقب بعضد الدولة كان قد بعث القاضي أبا بكر ابن الباقلاني في رسالة إلى ملك
الروم، فلما ورد مدينته عرف الملك خبره وتبين له محله من العلم وموضعه، فأفكر
الملك في أمره وعلم أنه لا يكفر له إذا دخل عليه كما جرى رسم الرعية أن تقبل
الأرض بين يدي الملوك، ثم نتجت له الفكرة أن يضع سريره الذي يجلس عليه وراء
باب لطيف لا يمكن أحداً أن يدخل منه إلا راكعاً ليدخل القاضي منه على تلك
الحال، فيكون عوضاً من تكفيره بين يديه، فلما وضع سريره في ذلك الموضع أمر
بإدخال القاضي من الباب، فسار حتى وصل إلى المكان، فلما رآه تفكر فيه، ثم
فطن بالقصة، فأدار ظهره، وحنا رأسه راكعاً، ودخل من الباب، وهب يمشي إلى
خلفه قد استقبل الملك بدبره حتى صار بين يديه، ثم رفع رأسه ونصف ظهره، وأدار
وجهه حينئذ إلى الملك، فعجب من فطنته ووقعت له الهيبة في نفسه.
[٣٧٩/٥]
- عن المنتصر بالله قال: والله ما عز ذو باطل، ولو طلع القمر من جبينه، ولا ذل
ذو حق، ولو أطبق العالم عليه.
[١٢٠/٢]
- عن أبي سعيد بكر بن منير بن خليد بن عسكر قال: بعث الأمير خالد بن أحمد
الذهلي والي بخارى إلى محمد بن إسماعيل: أن احمل إلي كتاب الجامع والتاريخ
وغيرهما لأسمع منك. فقال محمد بن إسماعيل لرسوله: أنا لا أذل العلم ولا أحمله
إلى أبواب الناس، فإن كانت لك إلى شيء منه حاجة فاحضرني في مسجدي أو في
داري، وإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان فامنعني من الجلوس ليكون لي عذر عند الله
يوم القيامة؛ لأني لا أكتم العلم لقول النبي ◌ُّيقول: ((من سئل عن علم فكتمه ألجم
بلجام من نار)). قال: فكان سبب الوحشة بينهما هذا.
[٣٣/٢]
- عن أبي بكر بن أبي عمرو الحافظ قال: كان سبب مفارقة أبي عبد الله محمد بن
إسماعيل البخاري البلد - يعني بخارى - أن خالد بن أحمد الذهلي الأمير خليفة
الظاهرية ببخارى سأل أن يحضر منزله فيقرأ الجامع والتاريخ على أولاده فامتنع أبو
عبد الله عن الحضور عنده، فراسله أن يعقد مجلساً لأولاده لا يحضره غيرهم،
فامتنع عن ذلك أيضاً، وقال: لا يسعني أن أخص بالسماع قوماً دون قوم، فاستعان
خالد بن أحمد بحريث بن أبي الورقاء وغيره من أهل العلم ببخارى عليه، حتى
تكلموا في مذهبه ونفاه عن البلد، فدعا عليهم أبو عبد الله محمد بن إسماعيل،
فقال: اللهم أرهم ما قصدوني به في أنفسهم وأولادهم وأهاليهم. فأما خالد فلم
يأت عليه إلا أقل من شهر حتى ورد أمر الظاهرية بأن ينادى عليه، فنودي عليه وهو

=
٥٠٧
باب العزلة
على أتان وأشخص على أكاف، ثم صار عاقبة أمره إلى ما قد اشتهر وشاع، وأما
حريث بن أبي الورقاء فإنه ابتلي بأهله فرأى فيها ما يجل عن الوصف، وأما فلان
أحد القوم - وسماه - فإنه ابتلي بأولاده، وأراه الله فيهم البلايا.
[٣٣/٢ - ٣٤]
باب العزلة
- عن أبي العلاء محمد بن علي الواسطي قال:
عدمت نفع الخروج
لزمت بيتي لأني
أضيع بين العلوج
وإن خرجت فإني
[٥٠/٥]
- عن أحمد بن موسى بن عبد الله عن إسحاق قال: وكان له بيت إلى جنب
مسجده يدخله ويغلقه على نفسه، ويشتغل فيه بالعبادة، ولا يخرج منه إلا لصلاة
[١٤٩/٥]
الجماعة .
- عن علي بن محمد بن موسى التمار قال: كتبت عنه في قريته، وكان فاضلاً
صالحاً من أهل القرآن كثير التعبد، وكان له بيت ينفرد فيه، ولا يخرج منه إلا في
أوقات الصلوات، ويشتغل فيه بالعبادة.
[١٥٩/٥]
- عن بشر قال: وقد عذله أبو نصر التمار على انقطاعه عن الناس فقال: هذا
أوان السكوت، ولزوم البيوت.
[١٢٦/٦]
- عن أبي القاسم قال: كلمت يوماً حسن المسوحي في شيء من الأنس، فقال
لي: ويحك ما الأنس، لو مات من تحت السماء ما استوحشت.
[٣٦٧/٧]
- عن الجنيد قال: كنت كثيراً أقول للحارث: عزلتي أنسي تخرجني إلى وحشة
رؤية الناس والطرقات فيقول لي: كم أنسي وعزلتي لو أن نصف الخلق تقربوا مني
ما وجدت بهم أنساً، ولو أن النصف الآخر ناء عني ما استوحشت لبعدهم. [٢١٣/٨]
- عن الجنيد بن محمد قال: كان الحارث المحاسبي يجيء إلى منزلنا ويقول:
أخرج معنا نصحر، فأقول له: تخرجني من عزلتي وأمني على نفسي إلى الطرقات،
والآفات، ورؤية الشهوات، فيقول: أخرج معي، ولا خوف عليك، فأخرج معه،
فكأن الطريق فارغ من كل شيء لا نرى شيئاً نكرهه، فإذا حصلت في المكان الذي
يجلس فيه قال لي: سلني، فأقول له: ما عندي سؤال أسألك، فيقول لي: سلني
عما يقع في نفسك، فتنثال عليّ السؤالات، فأسأله عنه، فيجيبني عنها للوقت، ثم
يمضي إلى منزله فيعملها كتباً .
[٢١٣/٨]

٥٠٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن محمد بن عبد الرحمن الصيرفي قال: رحل أبو ربيع الأعرج إلى داود
الطائي من واسط ليسمع منه شيئاً، ويراه فأقام على بابه ثلاثة أيام لم يصل إليه.
قال: كان إذا سمع الإقامة خرج، فإذا سلم الإمام وثب فدخل منزله. قال: فصليت
في مسجد آخر، ثم جئت وجلست على بابه، فلما جاء ليدخل من باب الدار قلت:
ضيف رحمك الله. قال: إن كنت ضيفاً فادخل. قال: فدخلت فأقمت عنده ثلاثة
أيام لا يكلمني، فلما كان بعد ثلاث قلت: رحمك الله أتيتك من واسط، وإني
أحببت أن تزودني شيئاً، فقال: صم الدنيا، واجعل فطرك الموت. فقلت: زدني
رحمك الله. قال: فر من الناس كفرارك من السبع غير طاعن عليهم، ولا تارك
لجماعتهم. قال: فذهبت أستزيده، فوثب إلى المحراب، وقال: الله أكبر. [٣٥١/٨]
باب العشق والمحبة
- عن أحمج بن أبي فنن قال:
حبيه فوق نهاية الحب
صب بحب متيم صب
فاقتص ناظره من القلب
أدميت باللحظات وجنته
عن علي بن أيوب القمي: أخبرنا محمد بن عمران المرزباني حدثني علي بن
هارون قال: حدثني عمي يحيى بن علي قال: قال أحمد بن أبي فنن قولي:
حبيه فوق نهاية الحب
صب بحب متيم صب
فيقول مت بتأثر الخطب
أشكو إليه صنيع جفوته
أخرجته عطلاً من الذنب
وإذا نظرت إلى محاسنه
فاقتص ناظره من القلب
أدميت باللحظات وجنته
قال علي بن هارون: وهذا البيت الأخير من هذه الأبيات هو عينها وأخذه ابن
أبي فنن مما أنشدنيه أبي لإبراهيم بن المهدي:
في جسد من لؤلؤ رطب
يا من لقلب صيغ من صخرة
برحت حتى اقتص من قلبي
جرحت خديه بلحظي فما
[٢٠٢/٤]
- عن أبي بكر بن داود الأصبهاني قال:
أفتنا في قواتل الأحداق
يا بن داود يا فقيه العراق
أم حلال لها دم الـعـشـاق
هل عليها القصاص في القتل يوماً
فأجابه ابن داود:

٥٠٩
باب العشق والمحبة
عندي جواب مسائل العشاق
لما سألت عن الهوى أهل الهوى
أخطأت في نفس السؤال وإن تصب
لو أن معشوقاً يعذب عاشقاً
اسمه من قلق الحشا مشتاق
أجريت دمعاً لم يكن بالراق
تك في الهوى شنقاً من الأشناق
كان المعذب أنعم العشاق
[٢٥٧/٥]
- قال أبو علي الروذباري:
وأمنع نفسي أن تنال المحرّما
أنزّه في روض المحاسن مقلتي
على جامد الصلت الأصمّ تهدما
وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه
ويُظْهر سري عن مترجم خاطري
فلولا اختلاس الطرف عنه تكلما
فما إن أرى حبّاً صحيحاً مسلماً
رأيتُ الهوى دعوى من الناس كلّهم
[٣٣٢/١]
- عن أحمد بن محمد بن مسروق قال: الحب قيد المحبين إذا صح، وزمام
[١٠٠/٥]
المحبوبين إلى المحبين، تعطف من الحق على المحبوب بصدقه.
- قال الأصمعي: كان الرشيد شديد الحب لهيلانة، وكانت قبله ليحيى بن خالد،
فدخل يوماً إلى يحيى قبل الخلافة فلقيته في ممر فأخذت بكميه فقالت: نحن لا
يصيبنا منك يوم مرة. فقال لها: بلى! فكيف السبيل إلى ذلك؟ قالت: تأخذني من
هذا الشيخ، فقال ليحيى: أحب أن تهب لي فلانة، فوهبها له حتى غلبت عليه،
وكانت تكثر أن تقول: هي إلانه فسماها هيلانة.
فأقامت عنده ثلاث سنين ثم ماتت، فوجد عليها وجداً شديداً وأنشد:
وجالت الحسرة في صدري
أقول لما ضمّنوك الثرى
بعدك شيء آخر الدهر
اذهب فلا والله لا سرني
أخبرنا محمد بن أبي علي الأصبهاني قال: أنبأنا أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن
سعيد العسكري عن محمد بن يحيى الصولي قال: أنبأنا الغلابي قال: نبأنا محمد بن
عبد الرحمن قال: لما توفيت هيلانة جارية الرشيد أمر العباس بن الأحنف أن يرثيها
فقال :
قصد الزمان مساءتي فرماك
يا من تباشرت القبور لموتها
إلا التردد حيث كنت أراك
أبغي الأنيس فلا أرى لي مؤنساً
لو يستطيع بملكه لفداك
ملكٌ بكاك وطال بعدك حزنه
كيلا يحل حمى الفؤاد سواك
يحمي الفؤاد عن النساء حفيظة

٥١٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
فأمر له بأربعين ألف درهم لكل بيت عشرة آلاف درهم وقال: لو زدتنا
[٩٧/١ _ ٩٨]
لزدناك.
- عن نفطويه قال: دخلت على محمد بن داود الأصبهاني في مرضه الذي مات
فيه فقلت له: كيف تجدك؟ فقال: حب من تعلم أورثني ما ترى، فقلت: ما منعك
من الاستمتاع به مع القدرة عليه؟ فقال: الاستمتاع على وجهين، أحدهما: النظر
المباح، والثاني: اللذة المحظورة، فأما النظر المباح، فأورثني ما ترى، وأما اللذة
المحظورة، فإنه منعني منها ما حدثني به أبي حدثنا سويد بن سعيد حدثنا علي بن
مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي وَّ ر أنه قال: ((من
عشق وكتم وعف وصبر غفر الله له وأدخله الجنة))، ثم أنشد لنفسه:
وانظر إلى دعج في طرفه الساجي
انظر إلى السحر يجري في لواحظه
كأنهن نمال دب في عاج
وانظر إلى شعرات فوق عارضه
وأنشدنا لنفسه :
ولا ينكرون ورد الغصون
ما لهم أنكروا سواداً بخديه
فعيب العيون شعر الجفون
إن يكن عيب خده بدد الشعر
فقلت له: نفيت القياس فيه، وأثبته في الشعر، فقال: غلبة الهوى، وملكة النفوس
[٢٦٢/٥]
دعوا إليه.
- عن سكينة مرت بعروة بن أذينة فقالت له: يا أبا عامر أنت الذي تقول:
حتى متى لي هذا الضر في نظري
يا نظرة لي ضرت يوم ذي سلم
قد كنت عندي تحب الستر فاستتر
قالت وأبسستها سري فبحت به
غطي هواك وما ألقى على بصري
ألست تبصر من حولي فقلت لها
وأنت القائل:
أقبلت نحو سقاء القوم أبترد
إذا وجدت أذى للحب في كبدي
فمن لحر على الأحشاء يتقد
هذا بردت ببرد الماء ظاهره
قالت: هن حرائر - وأشارت إلى جواريها - إن كان خرج هذا من قلب
[٣٧٨/٥]
سلیم.
- عن ابن السكيت قال: إن محمد بن عبد الله بن طاهر عزم على الحج، فخرجت
إليه جارية له شارعة، فبكت لما رأت آلة السفر، فقال محمد بن عبد الله:
على الخد الأسيل
دمعة كاللؤلؤ الرطب
من الطرف الكحيل
هطلت في ساعة البين

=
٥١١
باب العشق والمحبة
ثم قال لها: أجيزيني، فقالت:
عنا بالأفول
حين هم القمر الباهر
في وقت الرحـيل
إنما تفتضح العشاق
[٤٢١/٥]
- كتب محمد بن عبد الله بن طاهر إلى جارية كان يحبها :
من جهد حبك حتى صار حيرانا؟
ماذا تقولين فيمن شفه سقم
فأجابته :
جهد الصبابة أوليناه إحسانا
إذا رأينا محباً قد أضربه
[٤٢١/٥]
- عن إبراهيم الحربي قال:
أحسن من ذلة المحب
أنكرت ذلي فأي شيء
وضعف جسمي شهود حبي
أليس شوقي وفيض دمعي
قال إبراهيم: هؤلاء شهود ثقات.
[٣٨/٦]
- عن أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني قال: كان أبو حامد المروذي قليل
الدخول على ابن أبي حامد صاحب بيت المال الذي كان يسكن في الدار المنسوبة
إلى ابن فسانجس على نهر عيسى، وكان في مجلسه رجل من المتفقهة فغاب عنه
أياماً فسأل عنه، فأخبر أنه متشاغل بأمر قد قطعه عن حضور المجلس، فأحضره
وسأله عن حاله، فذكر أنه كان قد اشترى جارية لنفسه، وأنه انقطعت به النفقة،
وضاقت يده في تلك السنة لانقطاع المادة عنه من بلده، وكان عليه دين لجماعة من
السوقة لم يجد قضاء لذلك دون أن باع الجارية، فلما أن قبض الثمن تذكرها وتشوق
إليها واستوحش من بعدها عنه حتى لم يمكنه التشاغل بفقه ولا بغيره من شدة تعلق
قلبه بها، وذكر أن ابن أبي حامد قد اشتراها فأوجبت الحال مضى أبي حامد الفقيه
إلى ابن أبي حامد يسأله الإقالة وأخذ المال من البائع فمضى ومعه الرجل فحين
استأذن على ابن أبي حامد أذن له في الحال، فلما دخل عليه قربه، واستقبله وقام
إليه، وأكرمه غاية الإكرام، وسأله عن حاله، وعما جاء له، فأخبره أبو حامد بخبر
الفقيه وبيع الجارية، وسأله قبض المال ورد الجارية على صاحبها، فلم يعرف ابن
أبي حامد للجارية خبراً، ولا كان عنده علم من أمرها، وذاك أن امرأته كانت
اشترتها ولم يعلم بذلك، فورد عليه من ذلك مورد تبين في وجهه، ثم قام ودخل
على امرأته فسألها عن جارية اشتريت من سوق النخاسين على الصفة والنعت،

٥١٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
فصادف ذلك أن امرأته كانت جالسة والجارية حاضرة وهم يصلحون وجهها وقد
زينت بالثياب الحسان والحلي وما جرى مجرى ذلك من الزينة، فقالت: يا سيدي
هذه الجارية التي التمست فسُر بذلك سروراً تاماً إذ كانت عنده رغبة في قضاء حاجة
أبي حامد وإنجاز ما قصد له، فعاد إلى أبي حامد وقال له: خفت أن لا تكون
الجارية في داري والآن فهي بحمد الله عندنا، والأمر للشيخ أعزه الله في بابها فأمر
ابن أبي حامد بإخراج الجارية إلى الجماعة، فحين أخرجت تغير وجه الفتى تغيراً
شديداً فعلم بذلك أن الأمر كما ذكره الفقيه من حبه لها وصبابته إليها، فقال له ابن
أبي حامد: هذه جاريتك؟ فقال: نعم هذه جاريتي، واضطرب كلامه من شدة ما نزل
به عند رؤيتها، فقال له: خذها بارك الله لك فيها، فجزاه أبو حامد خيراً وتشكر له
وسأله قبض المال فإنه كان على حاله وقدره ثلاثة آلاف درهم، فأبى أن يأخذه وطال
الكلام في بابه، وقال له أبو حامد: إنما قصدنا نسأله الإقالة، ولم نقصد بأخذها
على هذا الوجه، فقال له ابن أبي حامد: هذا رجل فقيه وقد باعها لأجل حاجته
وقلة ذات يده، ومتى أخذ المال منه خيف عليه من أن يبيعها ثانية ممن لا يردها
عليه، والمال يكون في ذمة فإذا جاءه نفقة من بلده جاز أن يرد ذلك، فوهب المال
له، وكان عليها من الحلي والثياب شيء له قدر كثير، فقال له أبو حامد: إن رأى
الشيخ أيده الله أن يتفضل وينفذ مع الجارية من يقبض هذه الثياب والحلي التي عليها
فما لهذا الفقيه أحد ينفذ به على يده، فقال له: يا سبحان الله هذا شيء أسعفناها به
ووهبناه لها سواء كانت في ملكنا أو خرجت عن قبضتنا، ولسنا نرجع فيما وهبناها
من ذلك، ولا يجوز. فعرف أبو حامد أن الوجه ما قاله فلم يلح عليه في ذلك بل
حسن موقعه من قلبه وقلب صاحب الجارية حيث رجعت عليه بلا ثمن ومعها ما
معها من الحلي والثياب، فلما أراد أن ينهض ويودعه قال ابن أبي حامد: أريد
أسألها قبل انصرافها عن شيء، فقال لها: يا جارية أيما أحب إليك نحن أو مولاك
هذا الذي باعك وأنت الآن له؟ فقالت: يا سيدي أما أنتم فأحسن الله عونكم، وفعل
بكم وفعل، فقد أحسنتم إلي، وأعنتموني، وأما مولاي هذا فلو ملكت منه ما ملك
مني لما بعته بالرغائب العظيمة، فاستحسن الجماعة منها ذلك، وما هي عليه من
[٩١/٥]
العقل مع الصبا، ثم انصرفوا وودعوه.
- عن أبي العتاهية قال: أحدثك قدمنا من الكوفة ثلاثة فتيان شباباً أدباء، وليس
لنا ببغداد من نقصده فنزلنا غرفة بالقرب من الجسر، فكنا نبكر فنجلس في المسجد
الذي بباب الجسر في كل غداة، فمرت بنا يوماً امرأة راكبة معها خدم سودان فقلنا :

٥١٣
باب العشق والمحبة
من هذه؟ قالوا: خالصة. فقال أحدنا: قد عشقت خالصة، وعمل فيها شعراً فأعناه
عليه، ثم لم نلبث أن مرت أخرى راكبة معها خدم بيضان فقلنا: من هذه؟ فقالوا:
عتبة. فقلت: قد عشقت عتبة فلم نزل كذلك في كل يوم إلى أن التأمت لنا أشعار
كثيرة، فدفع صاحبي بشعره إلى خالصة، ودفعت أنا بشعري إلى عتبة، وألححنا
إلحاحاً شديداً فمرة تقبل أشعارنا، ومرة نطرد إلى أن أجدوا في طردنا، فجلست عتبة
يوماً في أصحاب الجوهر ومضيت فلبست ثياب راهب، ودفعت ثيابي إلى إنسان كان
معي، وسألت عن رجل كبير من أهل السوق، فدللت على شيخ صايغ فجئت إليه
فقلت: إني قد رغبت في الإسلام على يد هذه المرأة، فقام معي وجمع جماعة من
أهل السوق وجاءها فقال: إن الله قد ساق إليك أجراً هذا راهب قد رغب في
الإسلام على يديك، فقالت: هاتوه فدنوت منها، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن
محمدا عبده ورسوله، وقطعت الزنار، ودنوت فقبلت يدها، فلما فعلت ذلك رفعت
البرنس فعرفتني، فقالت: نخُّوه، لعنه الله. فقالوا: لا تلعنيه فقد أسلم، فقالت: إنما
فعلت ذلك لقذره فعرضوا علي كسوة، فقلت: ليس لي حاجة إلى هذه، وإنما أردت
أن أشرف بولائها، فالحمد لله الذي منّ علي بحضوركم، وجلست فجعلوا يعلمونني
الحمد، وصليت معهم العصر، وأنا في ذاك بين يديها أنظر إليها لا تقدر لي على
حيلة، فلما انصرفت لقيت خالصة فشكت إليها، فقالت: ليس يخلو هذان من أن
يكونا عاشقين أو مستأكلين، فصح عزمهما على امتحاننا بمال على أن ندع التعرض
لهما، فإن قبلنا المال فنحن مستأكلان، وإن لم نقبله فنحن عاشقان، فلما كان الغد
مرت خالصة فعرض لها صاحبها فقال له الخدم: اتبعنا فاتبعهم، ثم لم نلبث أن
مرت عتبة، فقال لي الخدم: اتبعنا فاتبعتهم، فمضت بي إلى منزل خليط لها بزاز
فلما جلست دعت بي فقالت لي: يا هذا إنك شاب، وأرى لك أدباً، وأنا حرمة
خليفة، وقد تأنيتك فإن أنت كففت، وإلا أنهيت ذلك إلى أمير المؤمنين، ثم لم آمن
عليك. قلت: فافعلي بأبي أنت وأمي فإنك إن سفكت دمي أرحتني فأسألك بالله إلا
فعلت ذلك إذ لم يكن لي فيك نصيب، فإما الحبس والحياة لا أراك فأنت في حرج
من ذاك. فقالت: لا تفعل يا هذا، وابق على نفسك، وخذ هذه الخمس المائة
الدينار، واخرج عن هذه البلد، فلما سمعت ذكر المال وليت هارباً، فقالت: ردوه،
فلم تزل تردني، فقلت: جعلت فداك ما أصنع بعرض من الدنيا، وأنا لا أراك وإنك
لتبطئين يوماً واحداً عن الركوب، فتضيق بي الأرض بما رحبت، وهي تأبى إلا ذكر
المال حتى جعلت لي ألف دينار فأبيت وجاذبتها مجاذبة شديدة، وقلت: لو أعطيتني

=
=
٥١٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
جميع ما يحويه الخليفة ما كانت لي فيه حاجة، وأنا لا أراك بعد أن أجد السبيل إلى
رؤيتك وخرجت فجئت الغرفة التي كنا ننزلها فإذا صاحبي مورم الأذنين، وقد امتحن
بمثل محنتي، فلما مد يده إلى المال صفعوه وحلفت خالصة لئن رأته بعد ذلك
لتودعنه الحبس، فاستشارني في المقام، فقلت: أخرج وإياك أن تقدر عليك، ثم
التقتا فأخبرت كل واحدة صاحبتها الخبر، وأحمدتني وصح عندها أني محب محق
فلما كان بعد أيام دعتني عتبة، فقالت: بحياتي عليك إن كنت تعزها إلا أخذت ما
يعطيك الخادم فأصلحت به من شأنك فقد غمني سوء حالك، فامتنعت فقالت: ليس
هذا مما تظن ولكني لا أحب أن أراك في هذا الزي، فقلت: لو أمكنني أن تريني في
زي المهدي لفعلت ذلك، فأقسمت علي فأخذت الصرة، فإذا فيها ثلاثمائة دينار،
[٦/ ٢٥٤ - ٢٥٦ ]
فاكتسيت كسوة حسنة، واشتريت حماراً.
- عن الأصمعي قال: قلت لأعرابي حدثني عن ليلتك مع فلانة. قال: نعم،
خلوت بها والقمر يرينيها، فلما غاب أرتنيه. قلت: فما كان بينكما؟ قال: أقرب ما
أحل الله مما حرم الإشارة لغير ما باس، والدنو لغير إمساس، ولعمري لئن كانت
الأيام طالت بعدها لقد كانت قصيرة معها، وحسبك بالحب.
[٢٨١/٦]
- عن محمد بن موسى الأنصاري قال: كان إسحاق بن غرير معجباً بعبادة جارية
المهلبية، وكانت المهلبية منقطعة إلى الخيزران أم أمير المؤمنين ذات منزلة منها.
قال: فركب يوماً عبد الله بن مصعب بن الزبير، وإسحاق بن غرير إلى أمير المؤمنين
المهدي، وكانا يأتيانه في كل عشية إذا صلى الناس العصر، فيقيمان معه إلى أن
ينقضي سهره، فلقيا في طريقهما عبادة جارية المهلبية، فقال إسحاق بن غرير
لعبد الله بن مصعب: يا أبا بكر هذه عبادة التي كنت تسمعني أذكرها، وركض دابته
حتى استقبلها، فنظر إليها، ثم رجع فضحك عبد الله بن مصعب مما صنع، ثم
مضيا، فدخلا على أمير المؤمنين المهدي، فحدثه عبد الله بن مصعب حديث
إسحاق بن غرير وعبادة، وما كان منه في أمرها تلك العشية، فقال لإسحاق: أنا
اشتريها لك، وقام فدخل على الخيزران، فقال: أين المهلبية؟ فأمرت بها فدعيت
له، فقال لها: تبيعيني عبادة بخمسين ألف درهم، فقالت له: يا سيدي إن كنت
تريدها لنفسك فبها فداك الله. قال: إنما أريدها لإسحاق بن غرير، فبكت وقالت:
يدي ورجلي ولساني في حوائجي تنزعها مني لإسحاق بن غرير. قال: فقالت
الخيزران: ما يبكيك لا يقدر والله إسحاق عليها، وقالت لأمير المؤمنين المهدي:

٥١٥
باب العشق والمحبة
صار ابن غرير يتعشق جواري الناس، فخرج أمير المؤمنين المهدي، فأخبر إسحاق
الخبر وأمر له بالخمسين الألف الدرهم، فأخذها فقال في ذلك أبو العتاهية:
من صدق الحب لأحبابه
فإن حب بن غرير غرور
أنساه عبادة ذات الهوى
وأذهل الحب لديه الضمير
خشن لها في كل كيس صرير
خمسون ألفاً كلها وازن
قال: وقال في ذلك أيضاً أبو العتاهية:
يا فاضح المحبينا
حبك المال لا كحبك عبادة
كما قلت لما بعتها بخمسينا
لو كنت أخلصتها الوفاء
[٣١٧/٦ - ٣١٨]
- عن الفضل بن يعقوب قال: لما اجتمع ثمامة بن أشرس ويحيى بن أكثم عند
المأمون قال ليحيى: أخبرني عن العشق ما هو؟ قال: يا أمير المؤمنين سوانح تسنح
للعاشق يؤثرها، ويهتم بها تسمى عشقاً. فقال له ثمامة: يا يحيى أنا بمسائل الفقه
أبصر منك بهذا الباب ونحن بهذا أحذق منك. قال المأمون: فهات ما عندك،
فقال: يا أمير المؤمنين إذا امتزجت جواهر النفوس بوصل المشاكلة نتجت لمح نور
ساطع يستضيء به بواصر العقل، وتهتز لإشراقه طبائع الحياة، ويتصور من ذلك
اللمح نور خاص بالنفس متصل بجوهرها يسمى عشقاً، فقال المأمون: هذا وأبيك
[١٤٧/٧ - ١٤٨ ]
الجواب.
- عن أبي العباس الأسدي قال: لقيت جعيفران فقلت له: تجيز لي بيت الشعر.
قال: نعم بدرهم صحيح. قلت له: نعم. قال: هات فأعطيته الدرهم وأنشدته:
عيون المها باللحظ بين الجوانح
وما الحب إلا لوعة قذفت بها
ففكر ساعة ثم قال :
كفعل الذي جادت به كف قادح
ونار الهوى تطفي عن القلب فعلها
وأنشدنا إسماعيل الحيري قال: أنشدنا الحسن بن محمد بن حبيب لجعيفران:
فـرق كـبــ ويـون
بين السماح وعون
وحاتم البخل عون
للجود حاتم طي
والعرض أسود جون
له مطابخ بيض
[١٦٤/٧]
- عن الخلدي قال: البيتان للحسين بن منصور وهما:
ولكني أريدك للعقاب
أريدك لا أريدك للثواب

=
٠ ٥١٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
سوى ملذوذ وجدي بالعذاب
وكل مآربي قد نلت منها
فلما سمع بذلك ابن عطاء قال: هذا مما يتزايد به عذاب الشغف، وهيام الكلف،
واحتراق الأسف، وشغف الحب، فإذا صفا ووفا علا إلى مشرب عذب، وهطل من
الحق دائم سكب.
[١١٦/٨]
- سئل رويم عن المحبة فقال: الموافقة في جميع الأحوال وأنشد:
ولو قلت لي متْ متُّ سمعاً وطاعة وقلت لداعي الموت أهلاً ومرحبا
وقال: الأنس أن تستوحش مما سوى محبوبك.
[٤٣١/٨]
- عن الجرمي قال: دخلت حماماً في درب الثلج فإذا فيه سوار بن عبد الله
القاضي في البيت الداخل قد استلقى وعليه المئزر فجلست بقربه، فساكتني ساعة،
ثم قال: قد أحشمتني يا رجل فإما أن تخرج أو أخرج، فقلت: جئت أسألك عن
مسألة. قال: ليس هذا موضع المسائل، فقلت: إنها من مسائل الحمام، فضحك
وقال: هاتها، فقلت من الذي يقول:
عواري مما نالها تتكسر
سلبت عظامي لحمها فتركتها
قوارير في أجوافها الريح تصفر
وأخليت منها مخها فتركتها
مفاصلها خوفاً لما تنتظر
إذا سمعت ذكر الفراق تراعدت
بلى جسدي لكنني أتستر
خذي بيدي ثم ارفعي الثوب تنظري
فقال سوار: أنا والله قلتها. قلت: فإنه يغني بها ويجود. فقال: لو شهد عندي
الذي یغني بها لأجزت شهادته.
[٢١٠/٩]
- عن عبد الله بن القاسم قال: عشق التيمي جارية عند بعض النخاسين، فشكا
وجده بها إلى أبي عيسى بن الرشيد، فقال أبو عيسى للمأمون: يا أمير المؤمنين إن
التيمي يجد بجارية لبعض النخاسين، وقد كتب إليّ بيتين يسألني فيهما. فقال: وما
کتب به إليك؟ فأنشده:
وأخو الصبر إذا عيل اشتكى
يا أبا عيسى إليك المشتكى
وأعاف المشرب المشتركا
ليس لي صبر على هجرانها
فأمر له بثلاثين ألف درهم فاشتراها .
[٤١٢/٩]
- عن منصور البرمكي قال: كانت لهارون الرشيد جارية غلامية تصب على يده
وتقف عند رأسه، وكان المأمون يعجب بها وهو أمرد، فبينا هي تصب على هارون
من أبريق معها والمأمون مع هارون قد قابل بوجهه وجه الجارية إذ أشار إليها بقبلة
فزبرته بحاجبها، وأبطأت عن الصب في مهلة ما بين ذلك، فنظر إليها هارون فقال:

٥١٧
باب العشق والمحبة
ما هذا؟ فتلكأت عليه فقال: ضعي ما معك على كذا إن لم تخبريني لأقتلنك،
فقالت: أشار إلي عبد الله بقبلة، فالتفت إليه، وإذا هو قد نزل به من الحياء والرعب
ما رحمه منه فاعتنقه، وقال: أتحبها؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: قم فادخل
بها في تلك القبلة، فقام ففعل، فقال له هارون: قل في هذا شعراً فأنشأ يقول:
عن الضمير إليه
ظبي كنيت بطرفي
فاعتل من شفتيه
قبلته من بعيد
بالكسر من حاجبيه
ورد أخـبث رد
حتى قدرت عليه
فما برحت مكاني
[١٨٥/١٠]
- عن أبي عبد الله الحسن بن علي بن سلمة قال: أنشدت أبا الحسن عبيد الله بن
الحسين الكرخي :
إلا وجدت فتوراً بين أحشائي
ما إن ذكرتك في قوم أحدثهم
فأنشدني لنفسه يريد تضمين هذا البيت:
كم لوعة في الحشا أبقت به سقماً
لا تهجرني فإني لست ذا جلد
الله يعلم ما حملت من سقم
لو أن أعضاء صب خاطبت بشراً
فارْعَ حقوق فتى لا يبتغي شططاً
هذا على وزن بيت كنت منشده
ما إن ذكرتك في قوم أحدثهم
ولا هممت بشرب الماء من عطش
خوفاً لهجرك أو خوفاً من النائي
ولا اصطباراً على هجر الأخلاء
وما تضمنته من شدة الداء
لخاطبتك بوجدي كل أعضائي
إلا السلام بإيحاء وإيماء
عار إذا كان من لجن وإقواء
إلا وجدت فتوراً بين أحشائي
إلا رأيت خيالاً منك في الماء
[٣٥٣/١٠]
- عن الأصمعي قال: بعث إليَّ محمد الأمين وهو ولي عهد فصرت إليه فقال: إن
الفضل بن الربيع كتب عن أمير المؤمنين يأمر بحملك إليه على ثلاث دواب من
دواب البريد، وبين يدي محمد السندي بن شاهك، فقال له: خذه فاحمله وجهزه
إلى أمير المؤمنين، فوكل به السندي خليفته عبد الجبار فجهزني وحملني، فلما
دخلت الرقة أوصلت إلى الفضل بن الربيع فقال لي: لا تلقين أحداً ولا تكلمه حتى
أوصلك إلى أمير المؤمنين وأنزلني منزلاً أقمت فيه يومين أو ثلاثة، ثم استحضرني
فقال: جئني وقت المغرب حتى أدخلك على أمير المؤمنين، فجئته فأدخلني على

٥١٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
الرشيد، وهو جالس منفرد فسلمت فاستدناني، وأمرني بالجلوس، فجلست وقال
لي: يا عبد الملك وجهت إليك بسبب جاريتين أهديتا إلي وقد أخذتا طرفاً من
الأدب أحببت أن تبور ما عندهما وتشير علي فيهما بما هو الصواب عندك، ثم قال:
ليمض إلى عاتكة فيقال لها احضري الجاريتين فحضرت جاريتان ما رأيت مثلهما
قط، فقلت لأجلهما: ما اسمك؟ قالت: فلانة. قلت: ما عندك من العلم؟ قالت:
ما أمر الله به في كتابه، ثم ما ينظر الناس فيه من الأشعار والآداب والأخبار،
فسألتها عن حروف من القرآن، فأجابتني كأنها تقرأ الجواب من كتاب، وسألتها عن
النحو والعروض والأخبار، فما قصرت، فقلت: بارك الله فيك فما قصرت في
جوابي في كل فن أخذت فيه فإن كنت تقرضين الشعر فأنشدينا شيئاً فاندفعت في هذا
الشعر :
ما يريد العباد إلا رضاك
يا غياث البلاد في كل محل
ما أطاع الإله عبد عصاك
لا ومَن شرَّف الإمام وأعلى
ومرت في الشعر إلى آخره، فقلت: يا أمير المؤمنين ما رأيت امرأة في مسك
رجل مثلها، وقالت الأخرى، فوجدتها دونها، فقلت: ما تبلغ هذه من منزلتها إلا
أنها إن ووظب عليها لحقت. فقال: يا عباسي. فقال الفضل: لبيك يا أمير
المؤمنين، فقال ليردا إلى عاتكة، ويقال لها تصنع هذه التي وصفتها بالكمال لتحمل
إلي الليلة، ثم قال لي: يا عبد الملك أنا ضجر، وقد جلست أحب أن أسمع حديثاً
أتفرج به فحدثني بشيء، فقلت: لأي الحديث يقصد أمير المؤمنين؟ قال: لما
شاهدت وسمعت من أعاجيب الناس وطرائف أخبارهم، فقلت: يا أمير المؤمنين،
صاحب لنا في بدو بني فلان كنت أغشاه، وأتحدث إليه، وقد أتت عليه ست
وتسعون سنة أصح الناس ذهناً، وأجودهم أكلاً، وأقواهم بدناً، فغبرت عنه زماناً،
ثم قصدته فوجدته ناحل البدن، كاسف البال متغير الحال، فقلت له: ما شأنك
أأصابتك مصيبة؟ قال: لا، قلت: أفمرض عراك؟ قال: لا، قلت: فما سبب هذا
التغيير الذي أراه بك؟ فقال: قصدت بعض القرابة في حي بني فلان، فألفيت عندهم
جارية قد لائت رأسها وطلت بالورس ما بين قرنها إلى قدمها، وعليها قميص وقناع
مصبوغان، وفي عنقها طبل توقع عليه، وتنشد هذا الشعر:
مريَّشة بأنواع الخطوب
محاسنها سهام للمنايا
تصيب بنصله مهج القلوب
برى ريب المنون لهن سهماً
فأجبتها :

٥١٩
باب العشق والمحبة
كما قد أبحت الطبل في جيدك الحسن
قفي شفتي في موضع الطبل ترتقي
تمتع فيها بين نحرك والذقن
هبيني عوداً أجوفاً تحت شنة
فلما سمعت الشعر مني نزعت الطبل، فرمت به في وجهي، وبادرت إلى الخباء،
فدخلت فلم أزل واقفاً إلى أن حميت الشمس على مفرق رأسي لا تخرج إلي ولا
ترجع إلي جواباً، فقلت: أنا معها والله كما قال الشاعر:
فوالله يا سلمى لطال إقامتي على غير شيء يا سليمى أراقبه
ثم انصرفت سخين العين قريح القلب، فهذا الذي ترى بي من التغير من عشقي
لها، فضحك الرشيد حتى استلقى، وقال: ويحك يا عبد الملك ابن ست وتسعين
سنة يعشق. قلت: قد كان هذا يا أمير المؤمنين، فقال: يا عباسي. فقال الفضل بن
الربيع: لبيك يا أمير المؤمنين، فقال أعط عبد الملك مائة ألف درهم، ورده إلى
مدينة السلام، فانصرفت فإذا خادم يحمل شيئاً، ومعه جارية تحمل شيئاً فقال: أنا
رسول بنتك يعني الجارية التي وصفتها وهذه جاريتها، وهي تقرأ عليك السلام
وتقول: إن أمير المؤمنين أمر لي بمال وثياب هذا نصيبك منها، فإذا المال ألف
دينار، وهي تقول: لن نخليك من المواصلة بالبر، فلم تزل تتعهدني بالبر الواسع
[٤١١/١٠ - ٤١٢]
الكثير حتى كانت فتنة محمد، فانقطعت أخبارها عني.
- عن أبي الهفان قال: كان لأبي دلف العجلي جارية تسمى جنان، وكان
يتعشقها، وكان لفرط فتوته وظرفه يسميها صديقتي فمن قوله فيها :
مكان الروح من جسد الجبان
أحبك يا جنان وأنت مني
خشيت عليك بادرة الزمان
ولو أني أقول مكان روحي
الإقدامي إذا ما الخيل كرَّت
قال أبو هفان: ثم ماتت فرثاها بمراث حسان.
[٤٢٠/١٢]
وهاب كُماتها حر الطعان
- عن صالح بن سليمان العبدي قال: كان محمد بن عبد الملك الزيات يعشق
جارية من جواري القيان، فبيعت من رجل من أهل خراسان، فأخرجها. قال: فذهل
محمد بن عبد الملك الزيات حتى غشي عليه، ثم أنشأ يقول:
وطول رعيته للنجم في السدف
يا طول ساعات ليل العاشق الدنف
كأنما الجسم منه دقة الألف
ماذا تواري ثيابي من أخى حرق
إلا لطول الذى لاقى من الأسف
ما قال يا أسفي يعقوب من كمد
من سره أن يرى ميت الهوى دنفاً
فليستدل على الزيات وليقف
[٣٤٣/٢]

٥٢٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن أبي الحسين ابن النحوي قال: سألت أحمد بن يحيى عن حديث أبي
الدرداء عن النبي وَير: ((حبك الشيء يعمي ويصم))، فقال: يعمي العين عن النظر إلى
مساويه، ويصم الآذان عن استماع العذل فيه، وأنشأ يقول:
وكذّبتُ طرفي فيك والطرف صادق وأسمعت أذني منك ما ليس تسمع
[١١٧/٣]
- عن محمد ابن أبي محمد قال:
تارةً يأس، وأحياناً رجا
الهوى أمر عجيب شأنه
إنما يُعجب ممن قدنجا
ليس فيمن مات منه عجب
وقال أيضاً:
وهو جليل ماله قدر؟
كيف يطيق الناس وصف الهوى
عيش وفيه البين والهجر؟
بل كيف يصفو لحليف الهوى
[٤١٣/٣]
- عن أبي بكر الصولي قال:
وكل شيء من المعشوق معشوق
أحببت من أجله من كان يشبهه
كأن سقمي من جفنيه مسروق
حتى حكيت بجسمي ما بمقلته
[٤٢٩/٣]
باب العفة
- عن إبراهيم بن إسحاق الحربي قال: ابن أبي عوف عفيف اللسان، عفيف
الفرج، عفيف الكف.
[٢٤٦/٤]
- عن إسماعيل بن إسحاق القاضي قال: دخلت على المعتضد وعلى رأسه
أحداث روم صباح الوجوه، فنظرت إليهم فرآني المعتضد وأنا أتأملهم، فلما أردت
القيام أشار إلي فمكثت ساعة، فلما خلا قال: أيها القاضي، والله ما حللت
سراويلي على حرام قط.
[٤ /٤٠٤]
- عن محمد بن سيرين قال: ما أتيت امرأة في نوم ولا يقظة إلا أم عبد الله يعني
زوجته. قال: وقال ابن سيرين: إني أرى المرأة في المنام فأعرف أنها لا تحل لي،
[٣٣٦/٥]
فأصرف بصري عنها .
- قال أبو جعفر الفروي: قال لي بشر بن الحارث كم تعمل مغازل؟ قلت: مائتين
في اليوم والليلة. قال لي: اعمل. قلت: يا أبا نصر أنا شاب وأنا أعزب يجوز