النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
باب طالب العلم
قال: فجعل أبو السائب يحفظها، فلما انصرف إلى منزله تذكرها فشذ عنه
بعضها، فرجع إلى الحسن بن زيد، فلما وقف على الباب صاح بأعلى صوته أبا
فلان، فسمع ذلك الحسن. فقال: افتحوا الباب لأبي السائب، فقد دهاه أمر، فلما
دخل عليه قال: أجاء من أهلنا خبر؟ قال: أعظم من ذاك. قال: ما هو ويحك؟
قال: تعيد علي:
لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا
وخبرتماني أن تيماء منزل
[٤٦١/٩]
فأعادها عليه حتى حفظها .
- عن الأصمعي قال: مر أبو السائب ذات يوم بغلام من آل أبي لهب يردد بيتاً من
شعر فاستمع له ففطن به الغلام، فأمسك، فقال له: فديتك أعد عليّ هذا البيت.
فقال: قد ذهب عني. قال: فإني لا أفارقك أبداً حتى تذكره، فآخذه عنك، واتبع
الغلام حتى عرف منزله، فمضى أبو السائب، فجاء بفراشه، ودثاره، فبسطه بباب
الغلام، واستلقى عليه، ولج الغلام، فلم يخبره به ثلاثاً، وهو بمكانه حتى سأله فيه
أقاربه، وجيرانه، وجعل الناس يجيئون أفواجاً ينظرون إلى أبي السائب، ويعجبون
منه حتى إذا كان بعد ثلاث أخبره الغلام بالبيت، فجعل يردده حتى حفظه، ثم
[٤٦٢/٩]
انصرف.
- عن أبي بكر بن أبي داود قال: دخلت الكوفة، ومعي درهم واحد، فاشتريت به
ثلاثين مداً باقلاء، فكنت آكل منه كل يوم مداً، وأكتب عن أبي سعيد الأشج ألف
حديث، فلما كان الشهر حصل معي ثلاثين ألف حديث. قال أبو ذر: من بين
مقطوع ومرسل وموقوف.
[٤٦٧/٩]
الإنفاق على طلاب العلم:
- أبي إسحاق الطبري قال: من قال إن أحداً أنفق على أهل العلم مائة ألف دينار
[١٤١/١٠]
غير أبي محمد الأكفاني فقد كذب.
- عن عمرو بن علي قال: كانت غلة عبد الوهاب بن عبد المجيد في كل سنة ما
بين أربعين ألفاً إلى خمسين ألفاً، وكان إذا أتت عليه السنة لم يبق منها شيئاً كان
ينفقها على أصحاب الحديث.
[٢٠/١١]
- عن ابن أبي حاتم قال: وكان خالد يختلف مع هؤلاء المسمين إلى أبواب
المحدثين ليسمع منهم، وكان يمشي برداء ونعل يتواضع بذلك، وبسط يده بالإحسان
إلى أهل العلم، فغَشَوه، وقدموا عليه من الآفاق.
[٣١٥/٨]

٤٨٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن أبي سعيد بن الأعرابي قال: إنه ورث مالاً كثيراً، فأخرج جميعه، وأنفقه
في طلب العلم، وعلى الفقراء والنساك والصوفية.
[٣٨٧/٣]
- عن أبي عبيد الله المرزباني قال: كان في داري خمسون ما بين لحاف ودواج
معدة لأهل العلم الذين يبيتون عندي.
[١٣٦/٣]
العلم :
وصايا لطالب
- قال أحمد بن يحيى - ثعلب - لإبراهيم الحربي -: متى يستغني الرجل عن ملاقاة
العلماء؟ فقال له إبراهيم: إذا علم ما قالوا، وإلى أي شيء ذهبوا فيما قالوا. [٣٧/٦]
- عن سلمة بن عقار قال: إذا كان لك رغيفان، فكل أحدهما على أبواب
[١٣٤/٩]
العلماء.
- عن شبيب بن شيبة قال: اطلبوا العلم بالأدب، فإنه دليل على المروءة، وزيادة
في العقل، وصاحب في الغربة.
[٢٧٦/٩]
[٤٣/١]
- عن يحيى بن معين قال: إذا كتبت فقمش، وإذا حدثت ففتش.
- عن أبي الفضل صالح بن أحمد بن محمد التميمي الحافظ قال: ينبغي لطالب
الحديث ومن عني به، أن يبدأ بكتب حديث بلده، ومعرفة أهله، وتفهمه، وضبطه
حتى يعلم صحيحه وسقيمه، ويعرف أهل التحديث به، وأحوالهم معرفة تامة إذا
كان في بلده علم وعلماء قديماً وحديثاً، ثم يشتغل بعد بحديث البلدان، والرحلة
فيه .
[١ / ٢١٤]
- عن بشر بن الحارث قال: ما أحب إلي إذا نشأ الغلام أن يقع في يد صاحب
حدیث یسدده.
[٣٥٥/١١]
- عن بشر قال: ربما وقع في يدي الشيء أريد أن أخرجه فلا يصح لي يعني من
الحديث. قال: ليس ينبغي لأحد يحدث حتى يصح له، فمن زعم أنه قد صحح
قلنا: أنت ضعيف. وقال: لا أعلم شيئاً أفضل منه إذا أريد به الله، يعني طلب
[٧ /٧١]
العلم.
- عن إبراهيم الحربي قال: تدري أيش قال أبو يوسف وكان من عقلاء الناس
قال: لا تطلب الحديث بكثرة الرواية فترمى بالكذب، ولا تطلب الدنيا بالكيميا
أفتفلس، ولا تحصل بيدك شيء ولا تطلب العلم بالكلام فإنك تحتاج تعتذر كل
ساعة إلى واحد.
[١٤/ ٢٥٣]

٤٨٣
باب طالب العلم
- عن أبي يوسف قال: من أراد أن يتعلم الرأي فليأكل خبزاً دبناً (١) حتى يحرق
كبده، ولا يأكل التين والعنب.
[٢٤٩/١٤]
- عن صالح بن سليمان قال: كان شعبة بصرياً مولى الأزد ومولده ومنشأه واسط،
وعلمه كوفي، وكان له ابن يقال له: سعد بن شعبة، وكان له أخوان بشار، وحماد،
وكانا يعالجان الصرف، وكان شعبة يقول لأصحاب الحديث ويلكم الزموا السوق،
فإنما أنا عيال على إخوتي. قال: وما أكل شعبة من كسبه درهماً قط.
[٢٥٧/٩]
- عن محمد بن إدريس الشافعي قال: الناس عيال على هؤلاء الخمسة، من أراد
أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة. قال: وسمعته يعني الشافعي: يقول
كان أبو حنيفة ممن وفق له الفقه، ومن أراد أن يتبحر في الشعر فهو عيال على
زهير بن أبي سلمى، ومن أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على محمد بن
إسحاق، ومن أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي، ومن أراد أن يتبحر
في تفسير القرآن فهو عيال على مقاتل بن سليمان.
[٣٤٦/١٣]
* دور الوالدين في حث الأبناء على طلب العلم:
- عن حجاج بن الشاعر قال: جمعت لي أمي مائة رغيف فجعلتها في جراب،
وانحدرت إلى شبابة بالمدائن، فأقمت ببابه مائة يوم كل يوم أجيء برغيف، فأغمسه
في دجلة، فآكله، فلما نفد خرجت.
[٢٤٠/٨]
- عن عبد الرحمن بن بشر بن الحكم قال: حملني بشر بن الحكم على عاتقه في
مجلس سفيان بن عيينة، فقال: يا معشر أصحاب الحديث أنا بشر بن الحكم بن
حبيب النيسابوري سمع أبي الحكم بن حبيب من سفيان بن عيينة، وقد سمعت أنا
[١٠/ ٢٧٢]
منه، وحدثت عنه بخراسان، وهذا ابني عبد الرحمن قد سمع منه.
- عن علي بن عاصم بن صهيب قال: دفع إليّ أبي مائة ألف درهم وقال: اذهب
فلا أرى لك وجهاً إلا بمائة ألف حديث.
[١١ /٤٤٧]
- عن علي بن عاصم قال: أعطاني أبي مائة ألف درهم فأتيته بمائة ألف حديث.
قال: وكنت أردف هشيم بن بشير خلفي ليسمع معي الشيء بعد الشيء. [٤٤٧/١١]
- عن محمد بن إدريس قال: ولدت باليمن، فخافت أمي عليّ الضيعة. وقالت:
الحق بأهلك فقدمتها وأنا يومئذ ابن عشر أو شبيه بذلك، فصرت إلى نسيب لي
(١) الدبنة: بالضم اللقمة الكبيرة، القاموس (دبن).

٤٨٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
وجعلت أطلب العلم. فيقول لي: لا تشتغل بهذا وأقبل على ما ينفعك. فجعلت
لذتي في هذا العلم وطلبه حتى رزقني الله منه ما رزق.
[٥٩/٢]
- عن محمد أبو عبد الله المدني أنه كان يطلب الحديث مع أبيه ولقي عامة
شيوخه، وكان بينهما في السن سبع عشرة سنة.
[٣٠٥/٢]
* الصبر على تعليم الناس:
- عن شيخ خضيب من الظاهرية قال: لو علمت ما لك من الأجر في إفادة الناس
العلم لصبرت على أذاهم، فقال: لولا ذاك ما تعذبت، ثم أنشد بعقب هذا:
به الظلم لم تفلل لهن غروب
يعابثن بالقبضان كل مفلج
من الصرو أو غصن الأراك قضيب
رضاباً كطعم الشهد يحلو متونه
لحاج وما استقبلت برد جنوب
أولئك لولاهن ما سقت نضوة
[٢١٠/٥]
* متفرقات :
- عن دعلج بن أحمد بن دعلج قال: بلغني أنه بعث بكتابه المسند إلى أبي
[٣٨٨/٨]
العباس بن عقدة لينظر فيه، وجعل في الأجزاء بين كل ورقتين ديناراً.
- عن بشر بن عمرو بن سام قال: قال لي أبو القاسم الأزهري: قرئ عليه في
جامع المنصور في أيام الدارقطني، وكنت إذ ذاك عليلاً فلم أتمكن أسمع منه، وأخذ
لي أبو عبد الله بن بكير إجازته.
[١٥٧/٢]
- عن أبي عبد الله الصوري قال: إنه لم يكن سمع الحديث في صغره، وإنما طلبه
بنفسه على حال الكبر.
[١٠٣/٣]
- عن أبي بكر محمد بن حريث قال: سأل رجل أبا موسى محمد بن المثنى عمن
آخذ العلم؟ فقال: عني. ثم سأله: عمن آخذ العلم؟ فقال عني. حتى سأله مراراً
يجيبه ابن المثنى كذلك، حتى سأله بأخرة فقال: إن كان من أحد فعشرة أحاديث من
هذا الحائك - يعني به بنداراً -.
[٢٨٤/٣، ٢٨٥]
- عن الحسن بن محمد الزعفراني قال: قدم علينا الشافعي واجتمعنا إليه فقال:
التمسوا من يقرأ لكم، فلم يجترئ أحد يقرأ عليه غيري، وكنت أحدث القوم سناً ما
كان في وجهي شعرة وإني لأتعجب اليوم من انطلاق لساني بين يدي الشافعي،
وأتعجب من جسارتي يومئذ، فقرأت عليه الكتب كلها إلا كتابين، فإنه قرأهما علينا
كتاب المناسك، وكتاب الصلاة، ولقد كتبنا كتب الشافعي يوم كتبناها، وقرأناها

=
٤٨٥
باب طالب العلم
عليه، وإنا لنحسب أنا في اللعب، وما يحصل في أيدينا شيء، وأنه ضرب من
اللعب، ولا نصدق أنه يكون آخر أمره إلى هذا، وذلك أنه قد كان غلب علينا قول
[٤٠٨/٧]
الکوفیین.
- عن أحمد بن محمد بن غالب أنه كان حريصاً على العلم منصرف الهمة إليه،
وسمعته يوماً يقول لرجل من الفقهاء معروف بالصلاح وقد حضر عنده: ادع الله أن
ينزع شهوة الحديث من قلبي؛ فإن حبه قد غلب علي فليس لي اهتمام بالليل والنهار
إلا به، أو نحو هذا من القول. وكنت كثيراً أذاكره بالأحاديث فيكتبها عني،
[٤/ ٣٧٤]
ويضمنها جموعه.
- عن الحسين بن علي التميمي قال: سألني محمد بن إسحاق بن خزيمة. فقال
لي: ممن سمعت ببغداد؟ فذكرت له جماعة ممن سمعت منهم فقال: هل سمعت
من محمد بن جرير شيئاً؟ فقلت له: لا! إنه ببغداد لا يدخل عليه لأجل الحنابلة،
وكانت تمنع منه، فقال: لو سمعت منه لكان خيراً لك من جميع من سمعت منه
[١٦٤/٢]
سواه .
- عن أحمد بن جعفر أبو الحسن البرمكي جحظة قال: كنا جلوساً على باب
عبد الصمد بن علي، ومعنا رجل ينشدنا أشعار عبد الصمد بن المعدل، إذ أقبل أبو
الهيثم خالد بن يزيد الكاتب فجلس إلينا، فقال: فيم كنتم؟ فقلنا: بجهلنا هذا ينشدنا
شيئاً من أشعار عبد الصمد، فالتفت إليه خالد فقال: يا فتى من الذي يقول:
كأنك بعد الضر خال من النفع
تناسيت ما أوعيت سمعك يا سمعي
ثم قال له: يا فتى هل أحسن عبد الصمد أن يجعل للسمع سمعاً؟ قال: لا. ثم
أنشده :
فإن على خدي غديراً من الدمع
لئن كان أضحى فوق خديه روضة
ثم نهض فقال لنا المنشد: من هذا؟ فقلنا: خالد، فعدا خلفه، وانقطعت نعله،
[٣٠٩/٨]
وانقلبت محبرته حتى كتب البيتين.
- عن خلف قال: قدمت الكوفة، فصرت إلى سليم بن عيسى، فقال لي: ما
أقدمك؟ قال: قلت: أقرأ على أبي بكر بن عياش بحرف عاصم. فقال لي: لا
تزيد. قال: قلت: بلى. قال: فدعا ابنه، وكتب معه رقعة إلى أبي بكر بن عياش،
ولم أدر ما كتب فيها. قال: فأتينا منزل أبي بكر، فاستأذن عليه ابن سليم، فدخل
فأعطاه الرقعة. قال أبو يعقوب - يعني ابن أبي حسان - وكان لخلف سبع عشرة
سنة. قال: فلما قرأها. قال: أدخل الرجل. قال: فدخلت فسلمت عليه. قال:

٤٨٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
فصعَّد فيَّ النظر، ثم قال لي: أنت خلف؟ قال: قلت: نعم، أنا خلف. قال: أنت
لم تخلف ببغداد أحداً أقرأ منك. قال: فسكت. قال: فقال لي: اقعد هات اقرأ.
قال: قلت: عليك؟ قال: نعم. قال: قلت: لا والله لا أقرأ على رجل يستصغر
رجلاً من حملة القرآن. قال: ثم تركته، وخرجت. قال: فوجه إلي سليم يسألني أن
يردني إليه. قال: فلم أرجع. قال: فندمت، واحتجت، فكتبت قراءة عاصم عن
يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش.
[٣٢٣/٨]
- عن محمد بن المنهال الضرير قال: قلت لأبي داود صاحب الطيالسة يوماً
سمعت من ابن عون شيئاً؟ قال: لا. قال: فتركته سنة، وكنت أتهمه بشيء قبل ذلك
حتى نسي ما قال، فلما كان بعد سنة قلت له: يا أبا داود سمعت من ابن عون
شيئاً؟ قال: نعم. قلت: كم؟ قال: عشرون حديثاً ونيف. قلت: عدها علي، فعدها
كلها فإذا هي أحاديث يزيد ما خلا واحداً له لم أعرفه. قال ابن عدي: أراد به
يزيد بن زريع.
[٢٥/٩]
- عن أبي حاتم قال: لقد حضرت مجلس سليمان بن حرب ببغداد فحزروا من
حضر مجلسه أربعين ألف رجل، وكان مجلسه عند قصر المأمون فبنى له شبه منبر،
فصعد سليمان، وحضر حوله جماعة من القواد عليهم السواد، والمأمون فوق قصره
قد فتح باب القصر، وقد أرسل ستر يشف، وهو خلفه يكتب ما يملي، فسئل أول
شيء حديث حوشب بن عقيل، فلعله قد قال: حدثنا حوشب بن عقيل أكثر من
عشر مرات، وهم يقولون: لا نسمع، فقال: مستمل ومستمليان وثلاثة كل ذلك
يقولون: لا نسمع حتى قالوا: ليس الرأي إلا أن يحضروا هارون المستملي،
فذهب جماعة فأحضروه، فلما حضر. قال: من ذكرت فإذا صوته خلاف الرعد،
فسكتوا، وقعد المستملون كلهم واستملى هارون، وكان لا يسئل عن حديث إلا
حدث من حفظه، فقمنا من مجلسه فأتينا عفان، فقال: ما حدثكم أبو أيوب؟ وإذا
هو يعظمه.
[٣٣/٩]
- عن ابن عيينة قال: حضرت ابن جريج فسمعته يقول: حدثنا رجل عن ابن
عباس، وحدثنا رجل قال: سألت ابن عباس. فقلت: ينبغي أن يكون هذا حياً، فلما
كان يوم الجمعة تصفحت الأبواب فإذا أنا بشيخ قد دخل من ههنا، وأشار ابن عيينة
إلى بعض أبواب المسجد، فقلت: رأيت ابن عباس؟ فقال: نعم، سألت ابن عباس
ورأيت عبد الله بن عمر، وحدثنا ابن عباس، وسمعت ابن عباس فسمعت منه،

=
٤٨٧
باب طالب العلم
فجلست مع ابن جريج، فلما قال: حدثنا رجل قال: سمعت ابن عباس. قلت: يا
أبا الوليد حدثنا عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس، فقال: قد غصت عليه يا
غواص.
[١٧٧/٩]
- عن أبي أحمد الزبيري قال: كنت إذا جلست إلى الحسن بن صالح رجعت،
وقد نغص علي ليلتي، وكنت إذا جلست إلى سفيان الثوري رجعت وقد هممت أن
أعمل عملاً صالحاً، وكنت إذا جلست إلى شريك بن عبد الله رجعت، وقد استفدت
أدباً حسناً .
[٢٨١/٩]
- عن هاشم بن يونس أبي صالح قال: قال لي الليث بن سعد ونحن ببغداد سل
عن قطيعة بني جدار، فإذا أرشدت إليها فسل عن منزل هشيم الواسطي، فقل له:
أخوك ليث المصري يقرئك السلام، ويسألك أن تبعث إليه شيئاً من كتبك، فلقيت
هشيماً فدفع إلي شيئاً، فكتبنا منه، وسمعتها مع الليث.
[٤٧٩/٩]
- عن ابن أبي مليكة قال: كان عكرمة بن أبي جهل يأخذ المصحف، فيضعه على
وجهه، ويقول: كلام ربي، كلام ربي. قال القواريري: كتب عني أبو عبد الله
أحمد بن حنبل هذا الحديث في الحبس، وحديثاً آخر. قال: وكتب عني يحيى بن
معین أيضاً حدیثین.
[٣٢١/١٠]
- عن أبي القاسم الخرقي قال: حدث عن أبيه حديثاً واحداً رواه عنه ابنه، وهو
شيخنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله المعروف بابن الخرقي. قال: حدثني أبي
من لفظه قال: حدثني أبي عبد الله بن محمد حدثنا أبو جعفر حمدان بن علي الوراق
حدثنا أبو نعيم حدثنا مصعب بن سليم قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ((أهدي
إلى النبي (وَل تمر، أو بسر، فرأيته يأكل مقيعاً من الجوع))، قال عبد الرحمن: قال
لي أبي: قال لي حمدان بن علي: اكتب هذا الحديث، فإنه حديث أسأل عنه. وقال
عبد الرحمن أيضاً: قال أبي: كان عند أبي حديث كثير، فحدثني بهذا الحديث،
واستحييت أن أقول له يزيدني، فلم أسمع منه غير هذا الحديث. قال عبد الرحمن:
وكان عند أبي حديث كثير فلم أسمع منه غير هذا الحديث. قلت: ولم أسمع من
[٣٧٦/١٠]
عبد الرحمن هذا الحديث لکن حدثتیه محمد بن علي الصوري عنه.
- عن أبي عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد قال: دخلت على أبي الحسين ابن
أبي عمر القاضي معزياً له عن أبيه، فلما وقع طرفي عليه قلت:
ولا غاب من أمسى له منك شاهد
وما مات من تبقى له بعد موته
[٢٣٢/١١]

٤٨٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن أبي مسحل قال: كان إسماعيل بن صبيح أقدم أبا عبيدة في أيام الرشيد من
البصرة إلى بغداد، وأحضر الأثرم، وكان وراقاً في ذلك الوقت، وجعله في دار من
دوره، وأغلق عليه الباب، ودفع إليه كتب أبي عبيدة، وأمره بنسخها. قال: فكنت
أنا وجماعة من أصحابنا نصير إلى الأثرم، فيدفع إلينا الكتاب من تحت الباب،
ويفرق علينا أوراقاً، ويدفع إلينا ورقاً أبيض من عنده، ويسألنا نسخه وتعجيله،
ويوافقنا على الوقت الذي نرده عليه فيه، فكنا نفعل ذلك، وكان الأثرم يقرأ على أبي
عبيدة ويسمعها. قال: وكان أبو عبيدة من أضن الناس بكتبه، ولو علم بما فعله
الأثرم لمنعه منه، ولم يسامحه.
[١٠٨/١٢]
- عن أبي عاصم النبيل قال: كنت عند أبي عاصم النبيل فرأيت عنده غلاماً فقلت
له: من أين أنت؟ قال: من بخارى. قلت: ابن من؟ فقال: ابن إسماعيل. فقلت
له: أنت قرابتي فعانقته، فقال لي رجل في مجلس أبي عاصم: هذا الغلام يناطح
الكباش.
[١٨/٢]
=
باب طبقات الناس
- عن علي بن أبي طالب قال: قيمة كل امرئ ما يُحسن. قال ابن أبي الدنيا: قال
عمرو بن بحر: لا أعلم في كلام الناس كلمة أحكم من هذه الكلمة.
[٣٥/٥]
- عن إبراهيم الخواص قال: الناس في طريق الآخرة على ثلاثة أوجه: صوفي
وليفي وشعري. فأما الليفي: فهو الذي يحب اللفيف فإن مر في طريق كان معه قوم
فيزن مجلسه، ويصف للناس موضعه، والشعري: الذي استشعر ما يدور في العامة
من ذكره غير حال يعرفه مع ربه فهو مستشعر لذلك مسرور به، والصوفي: هو الذي
اشتق اسمه من الصفاء فصفا ونأى.
[٨/٦]
- عن ابن عيينة قال: اعرف الناس ودعهم.
[١٨٩/٦ ]
- عن عبد الله بن مسعود قال: شر الليالي والأيام والشهور والأزمنة أقربها إلى
الساعة.
[٣٧٤/٦]
- عن ابن مبارك قال: أنه سُئل: من الناس؟ قال: العلماء. قال: فمن الملوك؟
قال: الزهاد. قال: فمن السفلة؟ قال: الذي يأكل بدينه.
[١٩٢/٧]
- عن أبي تراب الأعمشي قال: بينا أبو هفان الشاعر يمشي في بعض طرق بغداد
إذا نظر إلى رجل من العامة على فرس فقال: من هذا؟ فقيل: كاتب فلان. ثم مر به
آخر فقال: من هذا؟ فقيل: كاتب فلان. فأنشأ أبو هفان يقول:

٤٨٩
باب طول الأمل
ورجلي من رحلتي داميه
أيا رب قد ركب الأرذلون
وإلا فأرجل بني الزانيه
فإن كنت حاملنا مثلهم
[٣٧٠/٩]
- عن عدي بن حاتم قال: إنه أتى عمر بن الخطاب في أناس من طيئ، أو قال:
من قومه، فجعل يفرض للرجال من طيئ في ألفين ألفين، فاستقبلته فأعرض عني.
فقلت: يا أمير المؤمنين أما تعرفني؟ قال: نعم! إني والله لأعرفك أسلمت إذ كفروا،
وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وإن أول صدقة بيضت وجه رسول الله وَليه
ووجوه أصحابه صدقة طيئ جئت بها إلى رسول الله وكله.
[١٩٠/١]
- عن أبي حمزة قال: خرجت من بلاد الروم فوقفت على راهب. فقلت: هل
عندك من خبر من قد مضى؟ فقال: نعم! فريق في الجنة، وفريق في السعير. [٣٩١/١]
- عن جعفر بن ياسين قال: كنت عند المزني فوقف عليه رجل فسأله عن مسألة
فأجابه، فقال له الرجل: يا أبا عبد الله خالفك الفقهاء. فقال له الشافعي: وهل
رأيت فقيهاً قط؟ اللهم إلا أن تكون رأيت محمد بن الحسن فإنه كان يملأ العين
والقلب، وما رأيت مبدناً قط أذكى من محمد بن الحسن.
[١٧٦/٢]
باب طول الأمل
- عن أحمد بن إبراهيم بن أيوب المسوحي قال: دخلت على حسن المسوحي
فقلت: يا أبا علي ما الذي ينقض العزم؟ قال: طول الآمال، وحب الراحات. [١١/٤]
- عن الحارث بن الحكم قال الله: أنا الله لا إله إلا أنا لولا أني قضيت النتن
على الميت لحبسه أهله في البيوت، وأنا الله لا إله إلا أنا لولا أني قضيت السوس
على الطعام لخزنه الملوك، وأنا الله لا إله إلا أنا مرخص الأسعار والبلاد مجدبة،
وأنا الله لا إله إلا أنا مغلي الأسعار والأهراء ملأى، وأنا الله لا إله إلا أنا لولا أني
أسكنت الأمل القلوب لأهلكها التفكر.
[٤٢٩/٥]
- عن مصعب بن عبد الله قال: جعل أبو العباس أمير المؤمنين يطوف ببناية
بالأنبار ومعه عبد الله بن الحسن بن الحسن فجعل يريه ويطوف به، فقال عبد الله بن
الحسن بن الحسن يا أمير المؤمنين:
بيوتاً نفعها لبني نفيله
ألم تر حوشباً أمسى يبني
وأمر الله يحدث كل ليله
يؤمل أن يعمر عمر نوح

٤٩٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
فقال له أبو العباس: ما أردت إلى هذا؟ قال: أردت أن أزهدك في هذا القليل
[٤٣٢/٩]
الذي أريتنيه.
- عن عبدان قال: أجاز بندار بن خراش بألفي درهم، فبنى بذلك حجرة ببغداد
ليحدِّث بها فما متع بها، ومات حين فرغ منها .
[٢٨١/١٠]
- عن أبي بكر العبدي النحوي قال: لما قدم سيبويه إلى بغداد فناظر الكسائي
وأصحابه فلم يظهر عليهم سأل من يبذل من الملوك ويرغب في النحو فقيل له:
طلحة بن طاهر، فشخص إليه إلى خراسان فلما انتهى إلى ساوة مرض مرضه الذي
مات فيه فتمثل عند الموت:
فوافى المنية دون الأمل
يؤمل دنيا لتبقى له
فعاش الفسيل ومات الرجل
حثيثاً يروي أصول الفسيل
[١٩٨/١٢]
باب الظلم
- عن أبي عبيد الله قال: سمعت أمير المؤمنين المنصور يقول: الخليفة لا يُصلحه
إلا التقوى، والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة، والرعية لا يصلحها إلا العدل، وأولى
الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلاً من ظلم من هو دونه. [١٠/
٥٦]
- عن الهيثم بن معاوية قال: من ظُلِم فلم ينتصر بيد ولا بلسان، ولم يحقد
بقلب، فذاك يضيء نوره في الناس.
[١٢/٤]
- عن أبي العباس عبد الله بن المعتز قال: حدث إبراهيم بن المدبر ورأيته يستجيد
شعر أبي تمام، ولا يوفيه حقه بحديث حدثنيه أبو عمرو بن أبي الحسن الطوسي،
وجعلته مثلاً له. قال: بعثني أبي إلى ابن الأعرابي لأقرأ عليه أشعاراً، وكنت معجباً
بشعر أبي تمام، فقرأت عليه من أشعار هذيل، ثم قرأت عليه أرجوزة أبي تمام على
أنها لبعض شعراء هذيل:
وعاذل عذلته في عذله فظن أني جاهل لجهله
حتى أتممتها فقال: اكتب لي هذه فكتبتها له ثم قلت: أحسنة هي؟ قال: ما
[٢٥٠/٨ _ ٢٥١ ]
سمعت بأحسن منها، قلت: إنها لأبي تمام، قال: خرق خرق.
- عن إبراهيم بن محمد بن عرفة قال: غلب عبد الله بن طاهر على الشام، ووهب
له المأمون ما وصل إليه من الأموال هنالك ففرقه على القواد، ثم وقف على باب

=
٤٩١
باب العامة
مصر فقال: أخزى الله فرعون ما كان أخسه وأدنى همته، ملك هذه القرية فقال: أنا
ربكم الأعلى، والله لا دخلتها .
[٤٨٣/٩]
- عن أبي عبيد الله المرزباني قال: وثب عبيد الله بن أحمد بن غالب على مسجد
يصلي فيه طائفة من المسلمين، فجعله حانوتاً يستغله الطفيف فكتب إليه عتاهية ابن
أبي العتاهية:
وإن كان مفقوداً إذا كان شاهداً
فقدت الذي لم يرع عماً ووالداً
وألزمته وسماً على الدهر خالدا
جعلت له ذكراً وإن كان خاملاً
كفتني مخازيه الفضاح القصائدا
إذا كان يوماً يستغل المساجدا
إذا استغلق المعنى عليَّ بسبِّه
متى يتق الله الذي لا يخافه
قال: وله في ابن غالب:
إذ صرت تقعد مقعد الحكام
أبكي وأندب بهجة الإسلام
وأراك بعض حوادث الأيام
إن الحوادث ما علمت كثيرة
[٣١٨/١٠]
=
باب العامة
- عن عبد الواحد بن أيمن قال: قال عطاء: لا بأس بنتف لحى الغوغاء. [٣٤٧/١٠]
- عن حسن الوصيف قال: قعد المهدي قعوداً عاماً للناس، فدخل رجل وفي يده
نعل في منديل فقال: يا أمير المؤمنين، هذه نعل رسول الله قد أهديتها لك، فقال:
هاتها، فدفعها إليه، فقبل باطنها، ووضعها على عينيه، وأمر للرجل بعشرة آلاف
درهم، فلما أخذها وانصرف قال لجلسائه: أترون أني لم أعلم أن رسول الله لم ير
النعل هذه فضلاً عن أن يكون لبسها، ولو كذبناه قال للناس: أتيت أمير المؤمنين
بنعل رسول الله فردها علي، وكان من يصدقه أكثر ممن يدفع خبره، وإذا كان من
شأن العامة الميل إلى أشكالها والنصرة للضعيف على القوي وإن كان ظالماً فاشترينا
لسانه، وقبلنا هديته وصدَّقنا قوله، ورأينا الذي فعلناه أنجح وأرجح.
[٣٩٤/٥]
- عن أبي الحسن يعقوب بن موسى الفقيه قال: لقيت جماعة يحدثون عن
محمد بن عبد السمرقندي أحاديث موضوعة قد حدث بها في بلدان شتى، فسألت
جعفر بن محمد بن الحجاج المعروف ببكار الموصلي عنه، قال: قدم علينا الموصل
وحدث بأحاديث مناكير، فاجتمع جماعة من الشيوخ وصرنا لننكر عليه، فإذا هو
جالس في مسجد يعرف بمسجد النبي وَ ل﴿ وله مجلس، وعنده خلق من كتبة الحديث

٤٩٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
ومن العامة. قال: فلما بصر بنا من بعيد علم أنا قد اجتمعنا للإنكار عليه. فقال قبل
أن نصل إليه: حدثنا قتيبة بن سعيد عن ابن لهيعة عن جابر بن عبد الله: أن
رسول الله ◌َ﴿ل قال: ((القرآن كلام الله غير مخلوق))، قال: فوقفنا ولم نجسر أن نقدم
عليه خوفاً من العامة، قال: فرجعنا ولم نجسر أن نكلمه.
[٣٨٩/٢]
باب العبادة
- عن أبي الحسن علي بن داود البغدادي قال: سئل أبو محمد الجريري ما
العبادة؟ فقال: حفظ ما كلفت، وترك ما كفيت.
[٤/ ٤٣٢]
- عن أبي الحسين بن حبيش قال: سئل أبو العباس بن عطاء ما العبودية؟ قال:
ترك الاختيار، وملازمة الافتقار.
[٢٨/٥]
- عن أبي جعفر الفرغاني قال: مكث أبو الحسين النوري عشرين سنة يأخذ من بيته
رغيفين ويخرج ليمضي إلى السوق فيتصدق بالرغيفين، ويدخل إلى المسجد فلا يزال
يركع حتى يجيء وقت سوقه، فإذا جاء الوقت مضى إلى السوق فيظن أستاذه أنه قد
[١٣١/٥]
تغدى في منزله، ومن في بيته عندهم أنه أخذ معه غداءه، وهو صائم.
- عن سفيان قال: أول العبادة الصمت، ثم طلب العلم، ثم حفظه ثم العمل به،
ثم نشره.
[٦/٦]
- عن البرقاني قال: صحبت أبا منصور نحواً من عشرين سنة أدام فيها الصيام.
قال: وكان وقت العتمة كل ليلة يصلي أربع ركعات يقرأ فيها سبع القرآن كل ركعة
جزءاً .
[٦٠/٦]
- عن يحيى بن معين قال: ما رأيت أفضل من وكيع بن الجراح، قيل له: ولا ابن
المبارك؟ قال: قد كان لابن المبارك فضل ولكن ما رأيت أفضل من وكيع كان
يستقبل القبلة، ويحفظ حديثه، ويقوم الليل، ويسرد الصوم، ويفتي بقول أبي حنيفة،
[٤٧٠/١٣]
وكان قد سمع منه شيئاً كثيراً.
- عن جعفر الخلدي قال: بلغني عن أبي القاسم أنه كان في سوقه، وكان ورده
في كل يوم ثلاثمائة ركعة وثلاثين ألف تسبيحة، وكان يقول لنا: لو علمت أن الله
علماً تحت أديم السماء أشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا، وإخواننا
لسعیت إليه وقصدته.
[٢٤٢/٧]
- عن اللؤلؤي قال: رأيت سلم بن سالم مكث أربعين سنة لم نر له فراشاً ولم ير
مفطراً إلا يوم فطر أو أضحى، ولم يرفع رأسه إلى السماء أكثر من أربعين سنة. [١٤١/٩]

٤٩٣
باب العبادة
- عن أبي سليمان قال: كل ما شغلك عن الله من أهل أو مال أو ولد فهو عليك
مشؤوم. قال: فحدثت به مروان بن محمد فقال: صدق والله أبو سليمان. [٢٤٩/١٠]
- عن عمار بن أبان قال: حبس أبو الحسن موسى بن جعفر عند السندي فسألته
أخته أن تتولى حبسه، وكانت تتدين ففعل فكانت تلي خدمته فحكى لنا أنها قالت:
كان إذا صلى العتمة حمد الله ومجَّده ودعاه، فلم يزل كذلك حتى يزول الليل، فإذا
زال الليل قام يصلي حتى يصلي الصبح، ثم يذكر قليلاً حتى تطلع الشمس، ثم يقعد
إلى ارتفاع الضحى، ثم يتهيأ ويستاك ويأكل، ثم يرقد إلى قبل الزوال، ثم يتوضأ
ويصلي حتى يصلي العصر، ثم يذكر في القبلة حتى يصلي المغرب، ثم يصلي ما بين
المغرب والعتمة فكان هذا دأبه فكانت أخت السندي إذا نظرت إليه قالت: خاب قوم
تعرضوا لهذا الرجل، وكان عبداً صالحاً.
[٣١/١٣]
- عن مسعر بن كدام قال: أتيت أبا حنيفة في مسجده فرأيته يصلي الغداة، ثم
يجلس للناس في العلم إلى أن يصلي الظهر، ثم يجلس إلى العصر، فإذا صلى
العصر جلس إلى المغرب، فإذا صلى المغرب جلس إلى أن يصلي العشاء، فقلت
في نفسي: هذا الرجل في هذا الشغل متى يتفرغ للعبادة لأتعاهدنه الليلة. قال:
فتعاهدته، فلما هدأ الناس خرج إلى المسجد، فانتصب للصلاة إلى أن طلع الفجر،
ودخل منزله، ولبس ثيابه، وخرج إلى المسجد، وصلى الغداة، فجلس للناس إلى
الظهر، ثم إلى العصر، ثم إلى المغرب، ثم إلى العشاء، فقلت في نفسي: إن الرجل
قد تنشط الليلة لأتعاهدنه الليلة فتعاهدته، فلما هدأ الناس خرج فانتصب للصلاة
ففعل كفعله في الليلة الأولى، فلما أصبح خرج إلى الصلاة، وفعل كفعله في يوميه
حتى إذا صلى العشاء قلت في نفسي: إن الرجل لينشط الليلة والليلة لأتعاهدنه الليلة
ففعل كفعله في ليلتيه فلما أصبح جلس كذلك، فقلت في نفسي: لألزمنه إلى أن
يموت أو أموت. قال: فلازمته في مسجده. قال ابن أبي معاذ: فبلغني أن مسعراً
مات في مسجد أبي حنيفة في سجوده.
[٣٥٦/١٣]
- عن يحيى بن أكثم القاضي قال: صحبت وكيعاً في السفر والحضر، فكان يصوم
الدهر، ويختم القرآن كل ليلة.
[٤٧٠/١٣]
- عن يحيى بن أيوب قال: حدثني بعض أصحاب وكيع الذين كانوا يلزمونه
قالوا: كان لا ينام يعني وكيعاً حتى يقرأ حزبه في كل ليلة ثلث القرآن، ثم يقوم في
آخر الليل، فيقرأ المفصل، ثم يجلس فيأخذ في الاستغفار حتى يطلع الفجر، فيصلي
الركعتين.
[٤٧١/١٣]

٤٩٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
باب العجب والغرور
- عن ابن عباس أنه دخل على عمر حين طعن فقال: أبشر يا أمير المؤمنين،
أسلمت مع رسول الله حين كفر الناس، وقاتلت مع رسول الله حين خذله - يعني
الناس - وتوفي رسول الله وهو عنك راض، ولم يختلف في خلافتك رجلان، فقال
عمر: أعد، فأعدت، فقال عمر: المغرور من غررتموه، لو أن لي ما على ظهرها
من بيضاء وصفراء لافتديت به من هول المطلع.
[٣٢٥/٧]
- عن إسحاق الألباني قال: رأيت مرة في نفسي أنه قد صفا لي حال من الذكر،
ثم أني احتجت إلى دخول الحمام فدخلته وقضيت حاجتي، فخرجت ولبست ثياب
إنسان على بدني ولبست ثيابي فوق تلك الثياب، وأنا لا أعلم، وخرجت، ومشيت
فإذا صائح يصيح بي: يا شيخ، فالتفت فإذا صاحب الحمام، فقال لي: ثياب
الرجل، والرجل في الحمام عريان. فقلت له: وأين ثياب الرجل؟ فقال: عليك،
فنزع ثيابي، ونزع ثياب الرجل فصرت أعرف في ذلك الموضع بسارق الثياب من
الحمامات.
[٧ /٣٨٧]
- عن ابن عيينة قال: كان داود الطائي ممن علم وفقه قال: وكان يختلف إلى أبي
حنيفة حتى نفد في ذلك الكلام. قال: فأخذ حصاة فحذف بها إنسان، فقال له: يا
أبا سليمان طال لسانك وطالت يدك. قال: فاختلف بعد ذلك سنة لا يسأل ولا
يجيب، فلما علم أنه يصبر عمد إلى كتبه فغرقها في الفرات، ثم أقبل على العبادة
وتخلى.
[٣٤٧/٨ - ٣٤٨]
- عن نصر بن أحمد قال: مر الشاذكوني يوماً بالبصرة على حمار، فمر على بندار
فقام إليه، وقال: سلام الله عليك يا أبا أيوب، فقال الشاذكوني لبندار: من أنت؟
قال: أنا بندار. قال: فقنعه بالسوط - يعني - وقال: يا كذا وكذا، أتحدث وأنا
حيّ؟ !.
[١٠٢/٢]
- عن زكريا الساجي قال: جاء محمد بن مسلم بن واره إلى أبي كريب - وكان في
ابن واره بأو (١) - فقال لأبي كريب: ألم يباغك خبري؟ ألم يأتك نبئي؟ أنا ذو
الرحلتين، أنا محمد بن مسلم، أنا ابن واره. فقال له أبو كريب: واره، وما واره،
وما أدراك ما واره !! قم فوالله لا حدثتك، ولا حدثت قوماً أنت فيهم.
[٢٥٩/٣]
(١) أي: شيء من العجب.

٤٩٥
باب العجب والغرور
- عن إبراهيم قال: قعد مقاتل بن سليمان فقال: سلوني عما دون العرش إلى
لوياثا، فقال له رجل: آدم حين حج من حلق رأسه؟ قال: فقال له: ليس هذا من
عملكم، ولكن الله أراد أن يبتليني بما أعجبتني نفسي.
[١٦٣/١٣]
- عن سفيان بن عيينة قال: قال مقاتل بن سليمان يوماً: سلوني عما دون
العرش، فقال له إنسانا: يا أبا الحسن أرأيت الذرة أو النملة أمعاؤها في مقدمها
أو مؤخرها؟ قال: فبقي الشيخ لا يدري ما يقول له. قال: سفيان فظننت أنها
[١٦٦/١٣]
عقوبة عوقب بها .
- عن القاضي قال: كان علي شديد التوقي فأصرم على عبد الرحمن، وكان
عبد الرحمن يعرف حديثه وحديث غيره. قال: وكان يذكر له الحديث عن الرجل،
فيقول: خطأ، ثم يقول: ينبغي أن يكون أتى هذا الشيخ من حديث كذا من وجه
كذا، فنجده كما قال. قال: وقلت له: قد كتبت حديث الأعمش، وكنت عند نفسي
أني قد بلغت فيها، فقلت: ومن يفيدنا عن الأعمش. قال: فقال لي: من يفيدك عن
الأعمش، قلت: نعم. قال: فأطرق ثم ذكر ثلاثين حديثاً ليست عندي. قال: وتتبع
أحاديث الشيوخ الذين لم ألقهم أنا، ولم أكتب حديثهم عن رجل.
[٢٤٥/١٠]
- عن النضر بن محمد قال: دخل قتادة الكوفة ونزل في دار أبي بردة فخرج يوماً،
وقد اجتمع إليه خلق كثير، فقال قتادة: والله الذي لا إله إلا هو ما يسألني اليوم أحد
عن الحلال والحرام إلا أجبته، فقام إليه أبو حنيفة فقال: يا أبا الخطاب ما تقول في
رجل غاب عن أهله أعواماً فظنت امرأته أن زوجها مات فتزوجت ثم رجع زوجها
الأول ما تقول في صداقها؟ وقال لأصحابه الذين اجتمعوا إليه: لئن حدث بحديث
ليكذبن، ولئن قال برأي نفسه ليخطئن، فقال قتادة: ويحك أوقعت هذه المسألة؟
قال: لا. قال: فلم تسألني عما لم يقع؟ قال أبو حنيفة: إنا نستعد للبلاء قبل نزوله،
فإذا ما وقع عرفنا الدخول فيه والخروج منه.
قال قتادة: والله لا أحدثكم بشيء من الحلال والحرام سلوني عن التفسير. فقام
إليه أبو حنيفة فقال له: يا أبا الخطاب ما تقول في قول: ﴿قَالَ الَّذِى عِنْدَهُ عِرٌ مِنَ
اُلْكِتَبِ أَنْ ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ يَرََّّدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكْ﴾ [النمل: ٤٠] قال: نعم، هذا آصف بن
برخيا بن شمعيا كاتب سليمان بن داود كان يعرف اسم الله الأعظم، فقال أبو
حنيفة: هل كان يعرف الاسم سليمان؟ قال: لا. قال: فيجوز أن يكون في زمن نبي
من هو أعلم من النبي؟ قال: فقال قتادة: والله لا أحدثكم بشيء من التفسير سلوني
عما اختلف فيه العلماء.

٤٩٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
قال: فقام إليه أبو حنيفة فقال: يا أبا الخطاب أمؤمن أنت؟ قال: أرجو. قال:
ولم؟ قال: لقول إبراهيم عليّ: ﴿وَلَّذِىّ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيْفَقِ يَوْمَ الّذِينِ﴾
[الشعراء: ٨٢]، فقال أبو حنيفة: فهلًا قلت كما قال إبراهيم علّلها: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ
بَلَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] فهلا قلت بلى. قال: فقام قتادة مغضباً، ودخل الدار، وحلف أن
لا یحدثهم.
[٣٤٨/١٣ - ٣٤٩]
- عن أبي حنيفة قال: كنت أنظر في الكلام حتى بلغت فيه مبلغاً يشار إلي فيه
بالأصابع، وكنا نجلس بالقرب من حلقة حماد بن أبي سليمان، فجاءتني امرأة
فقالت: رجل له امرأة أمة أراد أن يطلقها للسنّة كم يطلقها؟ فلم أدر ما أقول فأمرتها
تسأل حماداً، ثم ترجع فتخبرني، فسألت حماداً فقال: يطلقها، وهي طاهر من
الحيض والجماع تطليقة، ثم يتركها حتى تحيض حيضتين فإذا اغتسلت فقد حلت
للأزواج، فرجعت فأخبرتني فقلت: لا حاجة لي في الكلام، وأخذت نعلي فجلست
إلى حماد فكنت أسمع مسائله، فأحفظ قوله ثم يعيدها من الغد، فأحفظها ويخطئ
أصحابه، فقال: لا يجلس في صدر الحلقة بحذائي غير أبي حنيفة فصحبته عشر
سنين، ثم نازعتني نفسي الطلب للرياسة، فأحببت أن أعتزله، وأجلس في حلقة
لنفسي، فخرجت يوماً بالعشي، وعزمي أن أفعل، فلما دخلت المسجد فرأيته لم
تطب نفسي أن أعتزله، فجئت وجلست معه فجاءه في تلك الليلة نعي قرابة له قد
مات بالبصرة، وترك مالاً وليس له وارث غيره، فأمرني أن أجلس مكانه، فما هو
إلا أن خرج حتى وردت علي مسائل لم أسمعها منه، فكنت أجيب وأكتب جوابي،
فغاب شهرين، ثم قدم فعرضت عليه المسائل، وكانت نحواً من ستين مسألة فوافقني
في أربعين، وخالفني في عشرين، فآليت على نفسي أن لا أفارقه حتى يموت، فلم
[٣٣٣/١٣]
أفارقه حتى مات.
باب العجلة
- عن أبي كعب الخزاعي قال: وفد دعبل بن علي الخزاعي إلى عبد الله بن طاهر
فلما وصل إليه قام تلقاء وجهه، ثم أنشأ يقول:
إليك إلا بحرمة الأدب
أتيت مستشفعاً بلا سبب
غير ملح عليك في الطلب
فاقض ذمامي فإنني رجل
فانتعل عبد الله ودخل ووجه إليه برقعة معها ستون ألف درهم وفي الرقعة بيتان
فکانا :

٤٩٧
باب العدل والإنصاف
قلّاً ولو أخرته لم يقلل
أعجلتنا فأتاك أول برنا
ونكون نحن كأننا لم نفعل
فخذ القليل وكن كمن لم يقبل
[٣٨٤/٨]
= باب العدل والإنصاف
- عن أبي يوسف - لما ولَّى حفص - أنه قال لأصحابه: تعالوا نكتب نوادر
حفص، فلما وردت أحكامه وقضاياه على أبي يوسف، قال له أصحابه: أين النوادر
التي زعمت نكتبها؟ قال: ويحكم إن حفصاً أراد الله فوفقه.
[١٩٣/٨]
- عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: رأيت سلمان بن ربيعة جالساً بالمدائن على
قضائها، واستقضاه عمر بن الخطاب أربعين يوماً، فما رأيت بين يديه رجلين
يختصمان لا بالقليل، ولا بالكثير، فقلنا لأبي وائل: فمم ذاك؟ قال: من انتصاف
[٢٠٦/٩]
الناس فيما بينهم.
- عن أبي القاسم عبيد الله بن سليمان قال: كنت أكتب لموسى بن بغا، وكنا
بالري، وقاضيها إذ ذاك أحمد بن بديل الكوفي فاحتاج موسى أن يجمع ضيعة هناك
كان فيها سهام ويعمرها، وكان فيها سهم ليتيم فصرت إلى أحمد بن بديل أو
فاستحضرت أحمد بن بديل، وخاطبته في أن يبيع علينا حصة اليتيم، ويأخذ الثمن
فامتنع، وقال: ما باليتيم حاجة إلى البيع، ولا آمن أن أبيع ماله، وهو مستغن عنه،
فيحدث على المال حادثة فأكون قد ضيعته عليه، فقلت: إنا نعطيك في ثمن حصته
ضعف قيمتها. فقال: ما هذا لي بعذر في البيع، والصورة في المال إذا أكثر مثلها
إذا قل. قال: فأدركته بكل لون، وهو يمتنع فأضجرني فقلت له: أيها القاضي ألا
تفعل فإنه موسى بن بغا، فقال لي: أعزك الله إنه قال فاستحييت من الله أن أعاوده
بعد ذلك وفارقته، فدخلت على موسى فقال: ما عملت في الضيعة؟ فقصصت عليه
الحديث، فلما سمع أن الله بكى، وما زال يكررها، ثم قال: لا تعرض لهذه
الضيعة، وانظر في أمر هذا الشيخ الصالح فإن كانت له حاجة فاقضها. قال:
فأحضرته، وقلت له: إن الأمير قد أعفاك من أمر الضيعة، وذلك أني شرحت له ما
جرى بيننا، وهو يعرض عليك قضاء حوائجك. قال: فدعا له وقال: هذا الفعل
أحفظ لنعمته، وما لي حاجة إلا إدرار رزقي فقد تأخر منذ شهور، وأضرني ذلك.
[٥٠/٤ - ٥١ ]
قال: فأطلقت له جارية.

٤٩٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن عبد الله بن عمر قال: شرب عبد الرحمن بن عمر وشرب معه أبو سروعة
عقبة بن الحارث، ونحن بمصر في خلافة عمر بن الخطاب فسكرا، فلما صحوا
انطلقا إلى عمرو بن العاص، وهو أمير مصر فقال: طهرنا فإنا قد سكرنا من شراب
شربناه. قال عبد الله بن عمر: ولم أشعر أنهما أتيا عمرو بن العاص. قال: فذكر لي
أخي أنه قد سكر فقلت له: ادخل الدار أطهرك فأذنني أنه قد حدث الأمير. قال
عبد الله بن عمر: فقلت: والله لا تحلق اليوم على رؤوس الناس، أدخل أحلقك،
وكانوا إذ ذاك يحلقون مع الحد، فدخل معي الدار. قال عبد الله: فحلقت أخي
بيدي، ثم جلدهم عمرو بن العاص، فسمع عمر بن الخطاب، فكتب إلى عمرو أن
ابعث إلي بعبد الرحمن بن عمر على قتب، ففعل ذلك عمرو، فلما قدم عبد الرحمن
على عمر جلده وعاقبه من أجل مكانه منه، ثم أرسله فلبث أشهراً صحيحاً، ثم أصابه
قدره، فيحسب عامة الناس أنه مات من جلد عمر، ولم يمت من جلده.
[٤٥٥/٥]
- عن أبي عبد الله قال: كان معنا رجل من الأنصار يختلف فأدخلني على
إسماعيل، فلما رآني غضب، وقال: من أدخل هذا علي؟ فلم يزل مبغضاً لأهل
الحديث بعد ذلك الكلام لقد لزمته عشر سنين إلا أن أغيب، ثم جعل يحرك رأسه
كأنه يتلهف، ثم قال: وكان لا ينصف في الحديث. قلت: كيف كان لا ينصف؟
قال: كان يحدث بالشفاعات، ما أحسن الإنصاف في كل شيء.
[٢٣٨/٦]
- عن أبي عبد الله محمد بن القاسم قال: لما عزل إسماعيل بن حماد عن البصرة
شيَّعوه فقالوا: عففت عن أموالنا، وعن دمائنا، فقال إسماعيل بن حماد: وعن
أبنائكم. يعرض بيحيى بن أكثم في اللواط.
[٦ / ٢٤٤]
- عن يحيى بن الليث قال: باع رجل من أهل خراسان جمالاً بثلاثين ألف درهم
من مرزبان المجوسي وكيل أم جعفر فمطله بثمنها، وحبسه، فطال ذلك على الرجل،
فأتى بعض أصحاب حفص بن غياث، فشاوره فقال: اذهب إليه فقل له: أعطني
ألف درهم، وأحيل عليك بالمال الباقي، واخرج إلى خراسان فإن فعل هكذا،
فالقني حتى أشير عليك، ففعل الرجل وأتى مرزبان فأعطاه ألف درهم، فرجع إلى
الرجل، فأخبره فقال: عد إليه فقل له: إذا ركبت غداً فطريقك على القاضي تحضر،
وأوكل رجلاً يقبض المال، واخرج فإذا جلس إلى القاضي فادع عليه ما بقي لك من
المال، فإذا أقر حبسه حفص، وأخذت مالك فرجع إلى مرزبان، فسأله فقال:
انتظرني بباب القاضي، فلما ركب من الغد وثب إليه الرجل فقال: إن رأيت أن تنزل
إلى القاضي حتى أوكل بقبض المال، وأخرج فنزل مرزبان فتقدما إلى حفص بن

٤٩٩
باب العدل والإنصاف
غياث، فقال الرجل: أصلح الله القاضي، لي على هذا الرجل تسعة وعشرون ألف
درهم، فقال حفص: ما تقول يا مجوسي؟ قال: صدق، أصلح الله القاضي. قال:
ما تقول يا رجل فقد أقر لك؟ قال: يعطيني مالي أصلح الله القاضي، فأقبل حفص
على المجوسي فقال: ما تقول؟ قال: هذا المال على السيدة. قال: أنت أحمق
تقر، ثم تقول على السيدة، ما تقول يا رجل؟ قال: أصلح الله القاضي إن أعطاني
مالي، وإلا حبسته. قال حفص: ما تقول يا مجوسي؟ قال: المال على السيدة. قال
حفص: خذوا بيده إلى الحبس، فلما حبس بلغ الخبر أم جعفر فغضبت، وبعثت إلى
السندي وجه إلى مرزبان، وكانت القضاة تحبس الغرماء في الحبس، فعجل السندي
فأخرجه، وبلغ حفصاً الخبر، فقال: أحبس أنا، ويخرج السندي لا جلست مجلسي
هذا أو يرد مرزبان إلى الحبس، فجاء السندي إلى أم جعفر فقال: الله الله فيّ، إنه
حفص بن غياث، وأخاف من أمير المؤمنين أن يقول لي: بأمر من أخرجته رديه إلى
الحبس، وأنا أكلم حفصاً في أمره، فأجابته فرجع مرزبان إلى الحبس، فقالت أم
جعفر: يا هارون قاضيك هذا أحمق حبس وكيلي، واستخف به فمره لا ينظر في
الحكم، وتُولي أمره إلى أبي يوسف، فأمر لها بالكتاب وبلغ حفصاً الخبر، فقال
للرجل: احضر لي شهوداً حتى أسجل لك على المجوسي بالمال، فجلس حفص،
فسجل على المجوسي وورد كتاب هارون مع خادم له فقال: هذا كتاب أمير
المؤمنين. قال: مكانك نحن في شيء حتى نفرغ منه، فقال: كتاب أمير المؤمنين.
قال: انظر ما يقال لك، فلما فرغ حفص من السجل أخذ الكتاب من الخادم، فقرأه
فقال: اقرأ على أمير المؤمنين السلام وأخبره أن كتابه ورد، وقد أنفذت الحكم،
فقال الخادم: قد والله عرفت ما صنعت أبيت أن تأخذ كتاب أمير المؤمنين حتى
تفرغ مما تريد، والله لأخبرن أمير المؤمنين بما فعلت، فقال حفص: قل له ما
أحببت، فجاء الخادم، فأخبر هارون فضحك وقال للحاجب: مر لحفص بن غياث
بثلاثين ألف درهم فركب يحيى بن خالد فاستقبل حفصاً منصرفاً من مجلس القضاء،
فقال: أيها القاضي قد سررت أمير المؤمنين اليوم، وأمر لك بثلاثين ألف درهم،
فما كان السبب في هذا، قال: تمم الله نور أمير المؤمنين، وأحسن حفظه وكلاءته،
ما زدت على ما أفعل كل يوم، ثم قال: على ذاك ما أعلم إلا أن يكون سجلت على
مرزبان المجوسي بما وجب عليه، فقال يحيى بن خالد: فمن هذا سُرَّ أمير
المؤمنين، فقال حفص: الحمد لله كثيراً، فقالت أم جعفر لهارون: لا أنا ولا أنت
إلا أن تعزل حفصاً فأبى عليها، ثم ألحت عليه، فعزله عن الشرقية، وولاه القضاء
[١٩١/٨ - ١٩٣]
على الكوفة، فمكث عليها عشر سنين.

٥٠٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن الحسين بن إسحاق قال: قلت للبحتري الناس يزعمون أنك أشعر من أبي
تمام، فقال: والله ما ينفعني هذا القول ولا يضير أبا تمام، والله ما أكلت الخبز إلا
به، ولوددت أن الأمر كما قالوا، ولكني والله تابع له، لائذ به، آخذ منه، نسيمي
یرکد عند هوائه، وأرضي تنخفض عند سمائه.
[٢٥٠/٨]
- عن محمد بن عيسى الأنصاري قال: تقدم هشيم بن بشير مع خصم له إلى
سلمة بن صالح، وهو على قضاء واسط في زمن الرشيد، فكلم الخصم هشيماً بكلمة
فرفع هشيم يده فلطم الخصم بين يدي سلمة بن صالح، فأمر سلمه بهشيم فضرب
عشر درر، وقال: تتعدى على خصمك بحضرتي، فأغضب ذلك مشيخة واسط،
فخرجوا إلى بغداد إلى الرشيد، فأقاموا ببابه إلى أن خرج الرشيد إلى مكة فخرجوا
بأجمعهم معه، وهم عباد بن العوام، ومحمد بن يزيد، وخالد بن عبد الله، وغيرهم
من المشيخة، فلما صاروا إلى مكة اعترضوا الرشيد، وهو يطوف بالبيت، فكلموه في
أمر سلمة فقالوا: يا أمير المؤمنين لسنا نطعن على سلمة، ولكن رجل مكان رجل،
فَرَقَّ لهم الرشيد، وقال: أما هذا فنعم، فأمر بعزله، وتقليد رجل سواه.
[١٣٠/٩]
- عن مصعب بن عبد الله عن عمر بن الهياج بن سعيد أخي مجالد بن سعيد قال:
كنت من صحابة شريك فأتيته يوماً، وهو في منزله باكراً فخرج إليّ في فرو ليس تحته
قميص عليه كساء فقلت له: قد أضحت عن مجلس الحكم، فقال: غسلت ثيابي
أمس، فلم تجف، فأنا أنتظر جفوفها اجلس فجلست، فجعلنا نتذاكر باب العبد
يتزوج بغير إذن مواليه، فقال: ما عندك فيه؟ ما تقول فيه؟ وكانت الخيزران قد
وجهت رجلاً نصرانياً على الطراز بالكوفة، وكتب إلى موسى بن عيسى أن لا يعصي
له أمراً فكان مطاعاً بالكوفة، فخرج علينا ذلك اليوم من زقاق يخرج إلى النخع معه
جماعة من أصحابه عليه جبة خز وطيلسان على برذون فاره، وإذا رجل بين يديه
مكتوف، وهو يقول: واغوثا بالله أنا بالله، ثم بالقاضي، وإذا آثار سياط في ظهره
فسلم على شريك، وجلس إلى جانبه، فقال الرجل المضروب: أنا بالله، ثم بك،
أصلحك الله، أنا رجل أعمل هذا الوشي كراء مثلي مائة في الشهر أخذني هذا مذ
أربعة أشهر، فاحتبسني في طراز يجري على القوت ولي عيال قد ضاعوا فأفلت اليوم
منه فلحقني، ففعل بظهري ما ترى، فقال: قم يا نصراني فاجلس مع خصمك،
فقال: أصلحك الله يا أبا عبد الله هذا من خدم السيدة مر به إلى الحبس. قال: قم
ويلك فاجلس معه كما يقال لك، فجلس فقال: ما هذه الآثار التي بظهر هذا الرجل
من أثرها به؟ قال: أصلح الله القاضي إنما ضربته أسواطاً بيدي، وهو يستحق أكثر