النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ باب الصحابة لها مع عبد مناف ومخزوم تلك الحال، وإذا بطل اليسار الذي به كان رئيس أهل [٢١/٨] الجاهلية لم يبق إلا باب الدين فقدموه له، فأفحم ابن خالد. - عن حسين الكرابيسي قال: ما خص النبي وَل ﴿ علياً بفضيلة إلا وقد شركه فيها فلان وفلان وجليبيب. قال: فرأيت النبي 18َّ في النوم، فسمعته يقول: كذب، ما هو كهم، ولا محله كمحلهم، ولا منزلته كمنزلتهم. [٦٦/٨] - عن يحيى بن معين قال: تليد بن سليمان ليس بشيء، قعد فوق سطح مع مولى لعثمان بن عفان، فذكروا عثمان، فتناوله تليد، فقام إليه مولى عثمان، فأخذه فرمى به من فوق السطح، فكسر رجليه، فكان يمشي على عصا. [١٣٨/٧] - عن ابن أبي الدنيا قال: كنت في الجسر واقفاً، وقد حضر أبو حسان الزيادي القاضي، وقد وجه إليه المتوكل مِنْ سُرَّ مَنْ رأى بسياط جدد في منديل ديبقي مختومة، وأمره أن يضرب عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم، وقيل أحمد بن محمد بن عاصم صاحب خان عاصم ألف سوط لأنه شهد عليه الثقات، وأهل الستر أنه شتم أبا بكر، وعمر، وقذف عائشة، فلم ينكر ذلك، ولم يتب منه، وكانت السياط بثمارها، فجعل يضرب بحضرة القاضي، وأصحاب الشرط قيام: فقال: أيها القاضي قتلتني، فقال له أبو حسان: قتلك الحق لقذفك زوجة الرسول، ولشتمك الخلفاء الراشدين المهديين. قال طلحة: وقيل لما ضرب ترك في الشمس حتى مات، ثم رمي في دجلة. [٣٥٧/٧] - عن أبي زيد الحسين بن الحسن بن عامر الكوفي قال: قدم أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي إلى الكوفة، فاجتمعنا مع أبي العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة إليه لنسمع منه، فسألنا عنه، فقالت الجارية: قد أكل سمكاً وشرب فقاعاً ونام، فعجب أبو العباس من ذلك لكبر سنه، ثم أذن لنا فدخلنا إليه، فقال: يا أبا العباس حدثتني أختي أنها كانت نازلة في بني حمان، وكان في الموضع طحان، وكان يقول لغلامه: اصمد أبا بكر، فيصمد البغل إلى أن يذهب بعض الليل، ثم يقول: اصمد عمر، فيصمد الآخر، فقال له أبو العباس: يا أبا القاسم لا تحملك عصبيتك لأحمد بن حنبل أن تقول في أهل الكوفة ما ليس فيهم، ما روى خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وبعد أبي بكر عمر عن علي إلا أهل الكوفة، ولكن أهل المدينة رووا أن علياً لم يبايع أبا بكر إلا بعد ستة أشهر، فقال له أبو القاسم: يا أبا العباس لا تحملك عصبيتك لأهل الكوفة على أن تقول على أهل المدينة، ثم بعد ذلك انبسط وأخرج الكتب وحدثنا. [١١٤/١٠] ٣٨٢ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد محبة الصحابة ـع . - كان للحسن بن عرفة عشرة أولاد سماهم بأسامي الصحابة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن، وأبو [٣٩٥/٦] عبيدة . * تفضيل غير الصحابة على الصحابة: - عن المعافى بن عمران أن رجلاً سأله فقال: يا أبا مسعود أين عمر بن عبد العزيز من معاوية بن أبي سفيان؟ فغضب من ذلك غضباً شديداً وقال: لا يقاس بأصحاب رسول الله ® أحد، معاوية صاحبه، وصهره، وكاتبه، وأمينه على وحي الله وجل، وقد قال رسول الله وَلجر: ((دعوا لي أصحابي وأصهاري، فمن سبهم فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين)). [٢٠٩/١] * معاوية بن أبي سفيان - عن الربيع بن نافع قال: معاوية بن أبي سفيان ستر أصحاب رسول الله وَله، فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه. [٢٠٩/١] * سب الصحابة رضي الله تعالى عنهم: - عن أحمد بن عبد الله السوسنجردي أنه اجتاز يوماً في سوق الكرخ فسمع سب بعض الصحابة، فجعل على نفسه أن لا يمشي قط في الكرخ. [٢٣٧/٤] - عن الخطيب قال: لما منعت الديلم ببغداد الناس أن يذكروا فضائل الصحابة، وكتبت سب السلف على المساجد كان الشافعي يتعمد في ذلك الوقت إملاء الفضائل في جامع المدينة، وفي مسجده بباب الشام، ويفعل ذلك حسبة، [٤٥٧/٥] ويعده قربة. - عن علي بن عياش قال: حدثني حريز بن عثمان وسمعته يقول يعني لرجل: ويحك تزعم أني أشتم علي بن أبي طالب، والله ما شتمت علياً قط. [٢٦٨/٨] - عن عبد الخالق بن منصور قال: سألت يحيى بن معين عن خلف المخرمي، فقال: صدوق. فقلت له: يا أبا زكريا إنه يحدث بمساوئ أصحاب رسول الله، فقال: قد کان یجمعها، وأما أن يحدث بها فلا. [٣٢٩/٨] - عن زيد بن علي قال: البراءة من أبي بكر، وعمر، وعثمان البراءة من علي، والبراءة من علي البراءة من أبي بكر، وعمر، وعثمان. [٨٩/٢] - قيل ليزيد بن هارون: لم تحدث بفضائل عثمان، ولا تحدث بفضائل علي؟ ٣٨٣ باب الصحابة قال: إن أصحاب عثمان مأمونون على عليّ، وأصحاب عليّ ليسوا بالمأمونين على [٢ /٢٧٠] عثمان . - عن عثمان بن صالح قال: كان أهل مصر ينتقصون عثمان حتى نشأ فيهم الليث بن سعد، فحدثهم بفضائل عثمان، فكفوا عن ذلك، وكان أهل حمص ينتقصون علياً حتى نشأ فيهم إسماعيل بن عياش، فحدثهم بفضائله، فكفوا عن [٧/١٣] ذلك. - عن سعيد بن جبير قال: قالت عائشة: لا تسبوا حساناً فإنه قد أعان نبي الله بلسانه ويده. قالوا لها: يا أم المؤمنين أوليس من أعد الله له؟! قالت: كفى به عذاباً ذهاب بصره. [٩٤/١٣] - عن محمد بن عبد الرحمن قال: كان رجل بالكوفة يقول عثمان بن عفان كان يهودياً، فأتاه أبو حنيفة فقال: أتيتك خاطباً. قال: لمن؟ قال: لابنتك رجل شريف غني بالمال حافظ لكتاب الله سخي يقوم الليل في ركعة كثير البكاء من خوف الله. قال: في دون هذا مقنع يا أبا حنيفة. قال: إلا أن فيه خصلة، قال: وما هي؟ قال: يهودياً، قال: سبحان الله تأمرني أن أزوج ابنتي من يهودي؟ قال: لا تفعل؟ قال: لا، قال: فالنبي زوج ابنتيه من يهودي، قال: أستغفر الله إني تائب إلى الله رد. [٣٦٤/١٣] - عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة قال: كان لنا جار طحان رافضي، وكان له بغلان سمى أحدهما أبا بكر، والآخر عمر، فرمحه ذات ليلة أحدهما، فقتله، فأخبر أبو حنيفة، فقال: انظروا البغل الذي رمحه الذي سماه عمر، فنظروا فكان کذلك. [٣٦٤/١٣] - عن زحر بن قيس الجعفي قال: بعثني علي على أربعمائة من أهل العراق، وأمرنا أن ننزل المدائن رابطة. قال: فوالله إنا لجلوس عند غروب الشمس على الطريق إذ جاءنا رجل قد أعرق دابته. قال: فقلنا: من أين أقبلت؟ فقال: من الكوفة. فقلنا: متى خرجت؟ قال: اليوم. قلنا: فما الخبر؟ قال: خرج أمير المؤمنين إلى الصلاة صلاة الفجر، فابتدره ابن بجدة، وابن ملجم، فضربه أحدهما ضربة إن الرجل ليعيش مما هو أشد منها، ويموت مما هو أهون منها. قال: ثم ذهب، فقال عبد الله بن وهب السبائي، ورفع يده إلى السماء: الله أكبر، الله أكبر. قال: قلت له: ما شأنك؟ قال: لو أخبرنا هذا أنه نظر إلى دماغه قد خرج عرفت أن أمير المؤمنين لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه. قال: فوالله ما مكثنا إلا تلك ٣٨٤ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد الليلة حتى جاءنا كتاب الحسن بن علي: من عبد الله حسن أمير المؤمنين إلى زحر بن قيس أما بعد: فخذ البيعة على من قبلك. قال: فقلنا: أين ما قلت؟ قال: ما كنت [٤٨٨/٨] أراه يموت. - عن إسحاق الأزرق قال: كنا عند شريك بن عبد الله، فجاء ابن عمه أبو داود النخعي، فجرى شيء من ذكر علي بن أبي طالب، فقال أبو داود: نعم الرجل علي فقام إليه شريك، فقال: ألمثل علي، تقول هذا؟ قال أبو داود: يا جاهل إن الله أثنى على نفسه، فقال: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَدِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] وأثنى على نبيه فقال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَنَّ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ: أَوَّابٌ﴾ [صّ: ٣٠] فقال شريك: وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً . [١٥/٩] - عن سعيد بن المسيب قال: أن رجلاً كان يقع في علي، وطلحة والزبير، فجعل سعد بن مالك ينهاه، ويقول: لا تقع في إخواني، فأبى، فقام سعد، فصلى ركعتين، ثم قال: اللهم إن كان مسخطاً لك فيما يقول، فأرني به آفة، واجعله آية للناس، فخرج الرجل، فإذا هو ببختي يشق الناس، فأخذه بالبلاط، فوضعه بين كركرته، والبلاط فسحقه حتى قتله فأنا رأيت الناس يتبعون سعداً ويقولون: هنيئا لك أبا [٩٧/٩] إسحاق، أجيبت دعوتك. - عن سلم بن جنادة قال: دخلت على عبيد الله بن موسى لأسمع منه، فإذا هو [١٤٧/٩] يقرأ على قوم مثالب عثمان بن عفان، فخرجت ولم أسمع منه شيئاً. - عن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول قال: أخبرني أبي وعمي أنه كان بالأنبار قوم لا يرتقون في الخلافة والفضل بعلي بن أبي طالب منهم الوضاح بن حسان رجل من الأعاجم، وكان إسحاق بن البهلول يحضر مجلسه، والناس متوافرون عليه لعلو إسناده، فصار إسحاق إليه يوماً، وهو يحدث في مسجده، وحواليه زهاء ألف إنسان، فسأله عن علي بن أبي طالب فلم يلحقه بأبي بكر، وعمر، وعثمان، فخرق إسحاق دفتراً كان بيده فيه سماع منه له، وضرب به رأسه، فانفض الناس عن الوضاح، وأقعد إسحاق في مكانه رجلاً كان أقام بالأنبار، ثم خرج إلى الثغر يُعرف بسمرة بن حجر الخراساني صاحب سنة، فحدث بفضائل الأربعة من أصحاب النبي وَل﴿، وكتب عنه إسحاق فكتب الناس عنه. [٢٢٨/٩] - عن عبد الله بن مصعب أنه قال لشريك: ما حكمت على وكيلي بالحق. قال: ومن أنت؟ قال: من لا تنكر. قال: فقد نكرتك أشد النكير. قال: أنا عبد الله بن مصعب. قال: لا كثير، ولا طيب. قال: وكيف لا تقول هذا، وأنت تبغض ٣٨٥ باب الصحابة الشيخين؟ قال: ومن الشيخان؟ قال: أبو بكر، وعمر. قال: والله ما أبغض أباك، وهو دونهما فكيف أبغضهما؟ !. [٢٨٧/٩] - استأذن شريك على يحيى بن خالد، وعنده رجل من ولد الزبير بن العوام، فقال الزبيري ليحيى بن خالد: أصلح الله الأمير ايذن لي في كلام شريك، فقال: إنك لا تطيقه. قال: ايذن لي في كلامه. قال: شأنك، فلما دخل شريك، وجلس قال له الزبيري: يا أبا عبد الله إن الناس يزعمون أنك تسب أبا بكر، وعمر. قال: فأطرق ملياً، ثم رفع رأسه، فقال: والله ما استحللت ذاك من أبيك، وكان أول من نكث في الإسلام كيف أستحله من أبي بكر وعمر. [٢٨٧/٩] - عن أبي عبد الله بن مصعب قال: قال لي أمير المؤمنين المهدي: يا أبا بكر ما تقول فيمن ينقص أصحاب رسول الله؟ قال: قلت: زنادقة. قال: ما سمعت أحداً قال هذا قبلك. قال: قلت: هم قوم أرادوا رسول الله بنقص، فلم يجدوا أحداً من الأمة يتابعهم على ذلك، فتنقصوا هؤلاء عند أبناء هؤلاء، وهؤلاء عند أبناء هؤلاء، فكأنهم قالوا: رسول الله يصحبه صحابة السوء، وما أقبح بالرجل أن يصحبه صحابة [١٠ /١٧٥] السوء، فقال: ما أراه إلا كما قلت. - عن زائدة بن قدامة قال: قلت لمنصور بن المعتمر: اليوم الذي أصومه أقع في الأمراء؟ قال: لا. قلت: فأقع فيمن يتناول أبا بكر وعمر؟ قال: نعم لفظهما سواء. [١٧٩/١٠] - عن سويد بن غفلة قال: مررت بنفر من الشيعة يتناولون أبا بكر وعمر، وينتقصونهما بغير الذي هما له من الأمة أهل، فدخلت على علي بن أبي طالب، فقلت: يا أمير المؤمنين مررت بنفر من الشيعة، وهم ينتقصون أبا بكر وعمر بغير الذي هما له من الأمة أهل، ولولا أنهم يرون أنك تضمر لهما على مثل ما أعلنوا ما اجترؤوا على ذلك، فقال علي: أعوذ بالله أن أضمر لهما إلا الحسن الجميل، أخوا [١٨١/١٠] رسول الله وصاحباه، ووزيراه، وذكر الحديث بطوله. - عن عمر بن حبيب قال: حضرت مجلس هارون الرشيد، فجرت مسألة، فتنازعها الحضور، وعلت أصواتهم، فاحتج بعضهم بحديث يرويه أبو هريرة عن النبي وَ ر فرفع بعضهم الحديث، وزادت المدافعة والخصام حتى قال قائلون منهم: لا يحل هذا الحديث عن رسول الله، فإن أبا هريرة متهم فيما يرويه وصرحوا بتكذيبه، ورأيت الرشيد قد نحا نحوهم، ونصر قولهم، فقلت أنا: الحديث صحيح عن رسول الله، وأبو هريرة صحيح النقل صدوق فيما يرويه عن نبي الله وغيره، فنظر ٣٨٦ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد إلي الرشيد نظر مغضب، فقمت من المجلس، فانصرفت إلى منزلي، فلم ألبث حتى قيل صاحب البريد بالباب، فدخل عليَّ فقال لي: أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول، وتحنط، وتكفن، فقلت: اللهم إنك تعلم أني دفعت عن صاحب نبيك، وأجللت نبيك أن يُطعن على أصحابه، فسلمني منه، فأدخلت على الرشيد، وهو جالس على كرسي من ذهب حاسر عن ذراعيه بيده السيف، وبين يديه النطع، فلما بصر بي قال لي: يا عمر بن حبيب ما تلقاني أحد من الرد والدفع لقولي ليس بمثل ما تلقيتني به، فقلت: يا أمير المؤمنين إن الذي قلته، وجادلت عليه فيه إزراء على رسول الله، وعلى ما جاء به إذا كان أصحابه كذابين، فالشريعة باطلة، والفرائض، والأحكام في الصيام، والصلاة، والطلاق، والنكاح، والحدود كله مردود غير مقبول، فرجع إلى نفسه، ثم قال لي: أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله، أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله، وأمر لي بعشرة آلاف درهم. [١٩٧/١١] * متفرقات: - جاء الزبير إلى عمر، وكان رجلاً شجاعاً مهيباً قد كان يخاف منه الذي كان، فقال لعمر: ائذن لي أن أخرج، فأقاتل في سبيل الله. قال: حسبك قد قاتلت مع رسول الله، فانطلق الزبير، وهو يتذمر، فقال عمر: من يعذرني من أصحاب محمد لولا أني أمسك بفم هذا الشغب لأهلك أمة محمد. [٤٥٣/٧] - عن عدي بن حاتم: أنه أتى عمر بن الخطاب في أناس من طيء، أو قال: من قومه، فجعل يفرض للرجال من طيئ في ألفين ألفين، فاستقبلته فأعرض عني، فقلت: يا أمير المؤمنين أما تعرفني؟ قال: نعم! إني والله لأعرفك أسلمت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وإن أول صدقة بيضت وجه رسول الله وَلقول ووجوه أصحابه صدقة طيء، جئت بها إلى رسول الله وَله . [١٩٠/١] - عن الأعمش قال: إنما كان بيننا وبين أصحاب محمد ستر. قال أبو عبد الله: صدق هكذا كان قد رأى أصحاب النبي وَلعمال . [٥/٩] - عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن عثمان الحافظ قال: الذين وقع عليهم اسم الخلافة ثلاثة. قال لآدم: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ [البقرة: ٣٠]. قال ابن عباس: فأخرجه الله من الجنة قبل أن يدخله فيها لأنه خلقه للأرض خليفة فيها، وقوله تعالى لداود: ﴿إِنَّا جَعَلْتَكَ خَلِفَةً فِ الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦])) وأجمع المهاجرون والأنصار على خلافة أبي بكر قالوا له: يا خليفة رسول الله، ولم يسم أحد بعده ٣٨٧ باب الصحابة خليفة، وقيل: أنه قبض النبي ◌َ ◌ّ عن ثلاثين ألف مسلم كلٌّ قال لأبي بكر: يا خليفة رسول الله، ورضوا به من بعده، وإلى حيث انتهينا قيل لهم أمير المؤمنين. [١٣٠/١٠] - عن ابن عيينة قال: نظرت في أمر الصحابة، وأمر ابن المبارك فما رأيت لهم عليه فضلاً إلا بصحبتهم النبي ◌َّة، وغزوهم معه. [١٦٣/١٠] - عن عاصم الأحول قال: سئل أبو عثمان النهدي، وأنا أسمع قال: فقال له: هل أدركت النبي ◌َ﴾؟ قال: فقال له: نعم، أسلمت على عهد رسول الله، وأديت إليه ثلاث صدقات، ولم ألقه، وغزوت على عهد عمر بن الخطاب شهدت القادسية، وجلولا، وتستر، ونهاوند، والسروند، واليرموك، وأذربيجان، ومهران، ورستم، وكنا نأكل السمن، ونترك الودك، فسألته عن الطروف، فقال: لم نكن نسأل عنها يعني طعام المشركين. [١٠ /٢٠٤] - عن أبي الغطريف قال: كنا مقدمة الحسن بن علي اثنى عشر ألفاً بمسكن مستميتين تقطر أسيافنا من الجد على قتال أهل الشام، وعلينا أبو العمرطي، فلما جاءنا صلح الحسن بن علي كأنما كسرت ظهورنا من الغيظ، فلما قدم الحسن بن علي الكوفة قال له رجل منا - يقال له أبو عامر سفيان بن ليلى، وقال ابن الفضل سفيان بن الليل -: السلام عليك يا مذل المؤمنين. قال: فقال: لا تقل ذاك يا أبا عامر، لست بمذل المؤمنين، ولكني كرهت أن أقتلهم على الملك. [٣٠٥/١٠] - عن أنس بن مالك قال: لما حضرت وفاة أبي بكر الصديق سمعت علي ابن أبي طالب قال: المتفرسون في الناس أربعة: امرأتان ورجلان، فأما المرأة الأولى فصفرا بنت شعيب لما تفرست في موسى قال الله في قصتها: ﴿يَأَبَتِ اسْتَشْجِرَةٌ إِنَ خَيْرَ مَنِ أُسْتَثْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، والرجل الأول الملك العزيز على عهد يوسف والقوم فيه من الزاهدين. قال: ﴿وَقَالَ الَّذِى أَشْتَرَّئُهُ مِن مِصْرَ لِأَمْرَ أَذِهِ أَكْرِمِى مَثْوَنُهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [يوسف: ٢١]، وأما المرأة الثانية فخديجة بنت خويلد لما تفرست في النبي وَله، وقالت لعمها: قد تنسمت روحي روح محمد بن عبد الله إنه نبي لهذه الأمة، فزوجني منه، وأما الرجل الآخر فأبو بكر الصديق لما حضرته الوفاة قال لي: إني قد تفرست في أن أجعل الأمر من بعدي في عمر بن الخطاب، فقلت له: إن تجعلها في غيره لن نرضى به، فقال: سررتني والله لأسرنَّك في نفسك بما سمعته من رسول الله بَّه، فقلت: وما هو؟ قال: سمعت رسول الله يقول: إن على الصراط لعقبة لا يجوزها أحد إلا بجواز من علي بن أبي طالب، فقال علي له: أفلا أسرك في نفسك وفي عمر بما سمعته من رسول الله؟ ٣٨٨ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد فقال: ما هو؟ فقلت: قال لي: يا علي لا تكتب جوازاً لمن سب أبا بكر وعمر، فإنهما سيدا كهول أهل الجنة بعد النبيين. قال أنس: فلما أفضت الخلافة إلى عمر، قال لي علي: يا أنس إني طالعت مجاري القلم من في الكون، فلم يكن لي أن أرضى بغير ما جرى في سابق علم الله، وإرادته خوفاً من أن يكون مني اعتراض على الله، وقد سمعت رسول الله وسلم يقول: ((أنا خاتم الأنبياء، وأنت يا علي خاتم الأولياء)»، هذا الحديث موضوع من عمل القصاص وضعه عمر بن واصل أو وضع عليه والله أعلم. [٣٥٦/١٠] - عن سلمان الفارسي قال: كنت رجلاً من أهل فارس من أهل أصبهان من قرية يقال لها جيّ، وكان أبي دهقان قريته، وكان يحبني حباً شديداً لم يحبه شيئاً من ماله ولا ولده. فما زال به حبه إياي حتى حبسني في البيت كما تحبس الجارية، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار الذي يوقدها فلا يتركها تخبو ساعة، وكنت كذلك لا أعلم من أمر الناس شيئاً إلا ما أنا فيه، حتى بنى أبي بنياناً له وكانت له ضيعة فيها بعض العمل، فدعاني فقال: أي بني إنه قد شغلني ما ترى من بنياني [هذا] عن ضيعتي هذه، ولا بد لي من إطلاعها، فانطلق إليهم فمرهم بكذا وكذا ولا تحتبس عني فإنك إن احتبست عني شغلتني عن كل شيء، فخرجت أريد ضيعته، فمررت بكنيسة النصارى فسمعت أصواتهم فيها، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: هؤلاء النصارى يصلون، فدخلت أنظر فأعجبني ما رأيت من حالهم، فوالله ما زلت جالساً عندهم حتى غربت الشمس، وبعث أبي في طلبي في كل وجه حتى جئته حين أمسيت، ولم أذهب إلى ضيعته. فقال أبي: أين كنت؟ ألم أكن قلت لك؟ فقلت: يا أبتاه مررت بناس يقال لهم: النصارى، فأعجبني صلاتهم، ودعاؤهم، فجلست أنظر كيف يفعلون. فقال: أي بني دينك ودين هؤلاء قوم يعبدون الله، ويدعونه ويصلون له، ونحن نعبد ناراً نوقدها بأيدينا إذا تركناها ماتت، فخافني فجعل في رجلي حديداً، وحبسني في بيت عنده، فبعثت إلى النصارى فقلت لهم: أين أصل هذا الدين الذى أراكم عليه؟ فقالوا: بالشام، فقلت لهم: إذا قدم عليكم من هناك ناس فآذنوني. قالوا: نفعل! فقدم عليهم ناس من تجارهم فبعثوا إليّ أنه قد قدم علينا تجار من تجارنا، فبعثت إليهم إذا قضوا حوائجهم، وأرادوا الخروج، فآذنوني بهم. قالوا: نفعل! فلما قضوا حوائجهم وأرادوا الرحيل بعثوا إلي بذلك، فطرحت الحديد الذي في رجلي ولحقت بهم، فانطلقت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها - قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف صاحب الكنيسة، فجئته فقلت له: = ٣٨٩ باب الصحابة إني قد أحببت أن أكون معك في كنيستك، وأعبد الله فيها معك، وأتعلم منك الخير - قال: فكن معي. قال: فكنت معه، وكان رجل سوء، كان يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوها إليه اكتنزها، ولم يعط المساكين منها شيئاً، فأبغضته بغضاً شديداً لما رأيت من حاله، فلم ينشب أن مات، فلما جاؤوا ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا رجل سوء كان يأمركم بالصدقة يرغبكم فيها، حتى إذا جمعتموها إليه اكتنزها إليه ولم يعطها المساكين، فقالوا: وما علامة ذلك؟ فقلت: أنا أخرج إليكم كنزه. فقالوا: فهاته، فأخرجت لهم سبع قلال مملوءة ذهباً وورِقاً، فلما رأوا ذلك قالوا: والله لا يدفن أبداً، فصلبوه على خشبة، ورموه بالحجارة، وجاؤوا برجل آخر فجعلوه مكانه، فلا والله يا ابن عباس! ما رأيت رجلاً قط لا يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه، ولا أشد اجتهاداً، ولا أزهد في الدنيا، ولا أدأب ليلاً ونهاراً منه. ما أعلمني أحببت شيئاً قط قبله حبه، فلم أزل معه حتى حضرته الوفاة، فقلت: يا فلان قد حضرك ما ترى من أمر الله، وإني والله ما أحببت شيئاً قط حبي لك فماذا تأمرني؟ وإلى من توصيني؟ فقال لي: أي بني والله ما أعلمه إلا رجلاً بالموصل فأته فإنك ستجده على مثل حالي من الاجتهاد والزهادة في الدنيا، فقلت له: إن فلاناً أوصاني إليك أن آتيك وأكون معك. قال: فأقم أي بني. فأقمت عنده على مثل أمر صاحبه حتى حضرته الوفاة، فقلت له: إن فلاناً أوصاني إليك وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من؟ فقال: والله ما أعلمه أي بني إلا رجلاً بنصيبين، وهو على مثل ما نحن عليه فالحق به. فلما دفناه لحقت بالآخر، فقلت له: يا فلان إن فلان أوصى بي إلى فلان وفلان بي إليك. قال: فأقم أي بني. قال: فأقمت عندهم على مثل حالهم حتى حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان إنه قد حضرك من أمر الله ما ترى، وقد كان فلان أوصى بي إلى فلان، وأوصى بي فلان إليك، فإلى من؟ قال: أي بني والله ما أعلم أحداً على مثل ما كنا عليه، إلا رجلاً بعمورية من أرض الروم فأته ستجده على مثل ما كنا عليه، فلما واريته خرجت حتى قدمت على صاحب عمورية، فوجدته على مثل حالهم، فقلت: يا فلان إن فلاناً كان أوصى بي إلى فلان وفلان إلى فلان وفلان إليك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله ربك فإلى من توصيني؟ قال: أي بني والله ما أعلمه بقي أحد على مثل ما كنا عليه آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبي يبعث من الحرم، مهاجره بين حرتين إلى أرض سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفى، بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل، فإنه قد أظلك زمانه. ٣٩٠ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد فلما واريناه أقمت حتى مر رجال من تجار العرب من كلب، فقلت لهم: تحملوني معكم؟ قالوا: نعم! فأعطيتهم إياه وحملوني حتى إذا جاؤوا بي وادي القرى، ظلموني فباعوني عبداً من رجل من يهود بوادي القرى. فوالله لقد رأيت النخل وطمعت أن تكون البلد الذي نعت لي صاحبي، وما حقت عندي حتى قدم رجل من بني قريظة من يهود وادي القرى، فابتاعني من صاحبي الذي كنت عنده، فخرج بي حتى قدم بي المدينة؟ فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفت نعته. فأقمت في رقي مع صاحبي، وبعث الله رسوله وَ ﴿ قبا، وأنا أعمل في نخلة له، فوالله إني لفيها إذ جاء ابن عم له، فقال: يا فلان قاتل الله بني قريظة، والله إنهم الآن لفي قبا فأخذتني العزوى - يقول: الرعدة - حتى ظننت لأسقطن على صاحبي، ونزلت أقول: ما هذا الخبر؟ ما هو؟ فرفع مولاي يده فلكمني لكمة شديدة، وقال: ما لك وهذا، أقبل على عملك. فقلت: لأي شيء إنما سمعت خبراً فأحببت أن أعلمه. قال: فلما أمسيت وكان عندي شيء من طعام، فحملته، وأن معك أصحاباً لك غرباء، وقد كان عندي شيء للصدقة، فرأيتكم أحق من بهذه البلاد، فها هو فكل منه، فأمسك رسول الله وَ لو بيده، وقال لأصحابه: كلوا، ولم يأكل، فقلت في نفسي: هذه خلة مما وصف لي صاحبي، ثم رجعت وتحول رسول الله وَّجه إلى المدينة، فجمعت شيئاً كان عندي ثم جئته به، فقلت: إني رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية وكرامة ليست بالصدقة، فأكل رسول الله وَّله وأكل أصحابه. فقلت: هاتان خلتان. ثم جئت رسول الله ◌َ، وهو يتبع جنازة وعلى شملتان لي وهو في أصحابه فاستدرت به لأنظر إلى خاتم في ظهره، فلما رآني رسول الله استدبرته عرف أني استثبت شيئاً قد وصف لي، فرفع رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه كما وصف لي صاحبي، فأكببت عليه أقبله وأبكي، فقال: تحول يا سلمان هكذا، فتحولت فجلست بين يديه، وأحب أن يسمع أصحابه حديثي عنه، فحدثته يا ابن عباس كما حدثتك، فلما فرغت قال رسول الله وسلم: كاتب يا سلمان، فكاتبت صاحبي على ثلثمائة نخلة أحييها وأربعين أوقية، فأعانني أصحاب رسول الله وَله بالنخل ثلاثين ودية، وعشرين ودية، وعشراً، كل رجل منهم على قدر ما عنده. فقال رسول الله وَله: فقر لها فإذا فرغت فآذني، حتى أكون أنا الذي أضعها بيدي. ففقرتها وأعانني أصحابي. يقول : - حفرت لها حيث توضع - حتى فرغنا منها؛ فخرج معي حتى جاءها فكنا نحمل إليه الودي فيضعه بيده ويسوي عليها، فوالذي بعثه بالحق ما ماتت منها ودية واحدة، وبقيت علي الدراهم، فأتاه رجل من بعض المعادن بمثل البيضة من الذهب، فقال ٣٩١ باب الصحابة رسول الله فى: أين الفارسي المسلم المكاتب؟ فدُعيت له. فقال: خذ هذه يا سلمان فأدِّ بها ما عليك، فقلت: يا رسول الله وأين تقع هذه مما علي؟ قال: فإن الله سيؤدي بها عنك، فوالذي نفس سلمان بيده لوزنت لهم منها أربعين أوقية فأديتها إليهم وعتق سلمان، وكان الرق قد حبسني حتى فاتني مع رسول الله صل﴿ بدر وأحد، ثم عتقت، فشهدت الخندق، ثم لم یفتني معه مشهد. [١٦٥/١ - ١٦٩] - عن سلامة العجلي قال: جاء ابن أخت لي من البادية يقال له: قدامة. فقال لي ابن اختي: أحب أني ألقى سلمان الفارسي، فأسلّم عليه، فخرجنا إليه، فوجدناه بالمدائن، وهو يومئذ على عشرين ألفاً، ووجدناه على سرير يسف خوصاً، فسلمنا عليه. قلت: يا أبا عبد الله هذا ابن أخت لي قدم علي من البادية، فأحب أن يسلم عليك. قال: عليه السلام ورحمة الله، قلت: يزعم أنه يحبك. قال: أحبه الله. قال: فتحدثنا، وقلنا له: يا أبا عبد الله ألا تحدثنا عن أصلك، وممن أنت. قال: أما أصلي، وممن أنا فأنا من أهل رامهرمز، كنا قوماً مجوساً، فأتانا رجل نصراني من أهل الجزيرة كانت أمه منا، فنزل، واتخذ فينا ديراً، وكنت في كتاب الفارسية، وكان لا يزال غلام معي في الكُتَّاب يجيء مضروباً يبكي قد ضربه أبواه، فقلت له يوماً: ما يبكيك؟ قال: يضربني أبواي. قلت: ولم يضربانك؟ قال: آتي صاحب هذا الدير، فإذا علما ذاك ضرباني، وأنت لو أتيته سمعت منه حديثاً عجباً. قلت: فاذهب بي معك، فأتيناه، فحدثنا عن بدء الخلق، وعن بدء خلق السماء والأرض، وعن الجنة والنار. قال: فكنت أختلف إليه معه، ففطن لنا غلمان من الكُتَّاب، فجعلوا يجيئون معنا، فلما رأى ذلك أهل القرية أتوه فقالوا له: يا هناه، إنك قد جاورتنا، فلم تر من جوارنا إلا الحسن، وإنا نرى غلماننا يختلفون إليك، ونحن نخاف أن تفسدهم علينا، اخرج عنا. قال: نعم، فقال لذلك الغلام الذي كان يأتيه: اخرج معي. قال: لا أستطيع ذاك قد علمت شدة أبوي علي. قلت: لكني أنا أخرج معك، وكنت يتيماً لا أب لي، فخرجت معه، فأخذنا جبل رامهرمز، فجعلنا نمشي، ونتوكل، ونأكل من ثمر الشجر حتى قدمنا الجزيرة، فقدمنا نصيبين، فقال لي صاحبي: يا سلمان إن ههنا قوماً هم عبّاد أهل الأرض، وأنا أحب أن ألقاهم. قال: فجئنا إليهم يوم الأحد، وقد اجتمعوا، فسلم عليهم صاحبي فحيوه، وبشوا به، وقالوا: أين كانت غيبتك؟ قال: كنت في إخوان لي قبل فارس، فتحدثنا ما تحدثنا، ثم قال لي صاحبي: قم يا سلمان انطلق. فقلت: لا، دعني مع هؤلاء. قال: إنك لا تطيق ما يطيق هؤلاء يصومون الأحد إلى الأحد، ولا ينامون هذا الليل، وإذا ٣٩٢ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد فيهم رجل من أبناء الملوك ترك الملك، ودخل في العبادة، فكنت فيهم حتى أمسينا، فجعلوا يذهبون واحداً واحداً إلى غاره الذي يكون فيه، فلما أمسينا قال ذاك الذي من أبناء الملوك: هذا الغلام ما يصنع ليأخذه رجل منكم، فقالوا: خذه أنت، فقال لي: هلم يا سلمان، فذهب بي حتى أتى غاره الذي يكون فيه، فقال لي: يا سلمان هذا خبز، وهذا أدم، فكل إذا غرثت، وصم إذا نشطت، وصل ما بدا لك، ونم إذا كسلت، ثم قام في صلاته، فلم يكلمني إلا ذاك، ولم ينظر إلي، فأخذني الغم تلك السبعة الأيام لا يكلمني أحد حتى كان الأحد، فانصرف إلي، فذهبنا إلى مكانهم الذي كانوا يجتمعون. قال: وهم يجتمعون كل أحد يفطرون فيه، فيلقى بعضهم بعضاً، ويسلم بعضهم على بعض، ثم لا يلتقون إلى مثله. قال: فرجعنا إلى منزلنا، فقال لي مثل ما قال لي أول مرة: هذا خبز وأدم، فكل منه إذا غرئت، وصم إذا نشطت، وصل ما بدا لك، ونم إذا كسلت، ثم دخل في صلاته، فلم يلتفت إلي، ولم يكلمني إلى الأحد الآخر، فأخذني غم، وحدثتُ نفسي بالفرار، فقلت: أصبر أحدين أو ثلاثة، فلما كان يوم الأحد رجعنا إليهم، وأفطروا، واجتمعوا فقال لهم: إني أريد بيت المقدس، فقالوا له: وما تريد إلى ذلك؟ قال: لا عهد لي به، قالوا: إنا نخاف أن يحدث بك حدث، فيليك غيرنا، وكنا نحب أن نليك. قال: لا عهد لي به، فلما سمعته يذكر ذاك فرحت. قلت: نسافر، ونلقى الناس، فيذهب عني الغم الذي كنت أجد، فخرجنا أنا وهو، وكان يصوم من الأحد إلى الأحد، ويصلي الليل كله، ويمشي بالنهار، فإذا نزلنا قام يصلي، فلم يزل ذاك دأبه حتى انتهينا إلى بيت المقدس، وعلى الباب رجل مقعد يسأل الناس، فقال: أعطني، فقال: ما معي شيء، فذهبنا إلى بيت المقدس، فلما رآه أهل بيت المقدس بشوا إليه، واستبشروا به، فقال لهم: غلامي هذا فاستوصوا به، فانطلقوا بي، فأطعموني خبزاً ولحماً، ودخل في الصلاة، فلم ينصرف إلي حتى كان يوم الأحد الآخر، ثم انصرف، فقال لي: يا سلمان إني أريد أن أضع رأسي، فإذا بلغ الظل مكان كذا وكذا، فأيقظني فوضع رأسه، فنام فبلغ الظل الذي قاله، فلم أوقظه مأواة له مما دأب من اجتهاده ونصبه، فاستيقظ مذعوراً، فقال: يا سلمان ألم أكن قلت لك إذا بلغ الظل مكان كذا وكذا فأيقظني؟! قلت: بلى، ولكني إنما منعني مأواة لك من دأبك. قال: ويحك يا سلمان إني أكره أن يفوتني شيء من الدهر لم أعمل فيه الله خيراً، ثم قال لي: يا سلمان إن أفضل دين اليوم النصرانية. قلت: ويكون بعد اليوم دين أفضل من النصرانية، كلمة ألقيت على لساني؟ قال: نعم يوشك أن يبعث نبي يأكل الهدية، ولا ٣٩٣ باب الصحابة يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة، فإذا أدركته، فاتبعه وصدقه. قلت: وإن أمرني أن أدع النصرانية؟ قال: نعم فإنه نبي لا يأمر إلا بحق، ولا يقول إلا حقاً، والله لو أدركته ثم أمرني أن أقع في النار لوقعتها، ثم خرجنا من بيت المقدس، فمررنا على ذلك المقعد، فقال له: دخلت فلم تعطني، وهذا تخرج فأعطني، فالتفت فلم ير حوله أحداً. قال: فأعطني يدك، فأخذ بيده، فقال: قم بإذن الله، فقام صحيحاً سوياً فتوجه نحو أهله، فأتبعته بصري تعجباً مما رأيت، وخرج صاحبي، فأسرع المشي، وتبعته، فتلقاني رفقة من كلب أعراب فسبوني، فحملوني على بعير، وشدوني وثاقاً، فتداولني البياع حتى سقطت إلى المدينة، واشتراني رجل من الأنصار، فجعلني في حائط له من نخل، فكنت فيه. قال: ومن ثم تعلمت عمل الخوص أشتري خوصاً بدرهم، فأعمله فأبيعه بدرهمين، فأرد درهماً إلى الخوص وأستنفق درهماً أحب أن آكل من عمل يدي، وهو يومئذ على عشرين ألفاً، فبلغنا ونحن بالمدينة أن رجلاً قد خرج بمكة يزعم أن الله أرسله فمكثنا ما شاء الله أن نمكث، فهاجر إلينا، وقدم علينا، فقلت: والله لأجربنه فذهبت إلى السوق، فاشتريت لحم جزور بدرهم، ثم طبخته، فجعلت قصعة من ثريد، فاحتملتها حتى أتيته بها على عاتقي حتى وضعتها بين يديه، فقال: ما هذه أصدقة أم هدية؟ قلت: بل صدقة، فقال لأصحابه: كلوا باسم الله، وأمسك، ولم يأكل، فمكثت أياماً، ثم اشتريت لحم جزور أيضاً بدرهم، وأصنع مثلها فاحتملتها حتى أتيته بها، فوضعتها بين يديه، فقال: ما هذه هدية أم صدقة؟ قلت: لا بل هدية. قال لأصحابه: كلوا بسم الله وأكل معهم. قلت: هذا والله يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، فنظرت فرأيت بين كتفيه خاتم النبوة مثل بيضة الحمامة، فأسلمت، ثم قلت له ذات يوم: يا رسول الله أي قوم النصارى؟ قال: لا خير فيهم، وكنت أحبهم حباً شديداً لما رأيت من اجتهادهم، ثم إني سألته أيضاً بعد أيام يا رسول الله أي قوم النصارى؟ قال: لا خير فيهم، ولا فيمن يحبهم. قلت في نفسي: وأنا والله أحبهم. قال: وذاك والله حين بعث السرايا، وجرد السيف فسرية تدخل، وسرية تخرج، والسيف يقطر. قلت: يحدث بي الآن أني أحبهم، فيبعث إلي، فيضرب عنقي، فقعدت في البيت، فجاءني الرسول ذات يوم فقال: يا سلمان أجب، قلت: من؟ قال: رسول الله. قلت: هذا والله الذي كنت أحذر. قلت: نعم اذهب حتى ألحقك. قال: لا والله حتى تجيء، وأنا أحدث نفسي: أن لو ذهب أن أفر، فانطلق بي، فانتهيت إليه، فلما رآني تبسم، وقال لي: يا سلمان أبشر، فقد فرج الله عنك، ثم تلا عليَّ هؤلاء الآيات: ﴿الَّذِينَ ءَانَيْتَهُمُ الْكِتَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴿﴿ وَإِذَا يُثْلَى عَلَيْهِمْ قَالُواْ ءَامَنَا بِهِه إِنَّهُ الْحَقُّ مِن زَيْنَ ٣٩٤ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد أُوْلَئِكَ يُؤْتَوّنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِئَةَ ٥٣ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَم وَمَا رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٢، ٥٥]، قلت: والذي بعثك بالحق لقد سمعته يقول: لو أدركته فأمرني أن أقع في النار لوقعتها إنه نبي لا يقول إلا حقاً، ولا يأمر إلا بالحق. [١٩٨/٩ - ٢٠٢] باب الصحبة * صفات الجليس الصالح: - عن أبي الحسن بن أنس العطار قال: سمعت الشبلي قيل له: من أقرب أصحابك إليك؟ قال مسرعاً: ألهجهم بذكر الله، وأقومهم بحق الله، وأسرعهم مبادرة في مرضاته رجل . [٤٢٩/١٤] - عن بشر بن الحارث قال : - وهو عند أيوب العطار - قال لي أستاذي همام: يا بشر. فقلت: لبيك. فقال: كل صديق لك لا تنتفع بصداقته فانفِ صداقته عنك، قال: فقلت له: حبيبي بما أنتفع به؟ قال: يعلمك خيراً، أو يدلك إلى خير، أو [١٨/١٣] يصطنع لك خير. - عن الفضيل بن عياض قال: أنا منذ عشرين سنة أطلب رفيقاً إذا غضب لم يكذب علي. [٣٨٥/١٢] - عن نفطويه قال: عفٍّ عفيف الطرف عن عثراتي أحب من الإخوان كل مُوات ويحفظني حياً وبعد وفاتي يطاوعني في كل أمر أريده أقاسمه مالي ومن حسناتي ومن لي به يا ليتني قد أصبته [٢٤٩/٤] - عن ثعلب قال: فجرِّب ودّهُ عند الدراهم إذا ما شئت أن تبلوَ صديقاً وتعرف ثم أخلاق الأكارم فعند طلابها تبدو هنات [٢٠٦/٥] - عن أبي بكر محمد بن داود قال: سألت الزقاق أبا بكر لمن أصحب؟ فقال: لمن سقط بينك وبينه مؤونة التحفظ، ثم سألته مرة أخرى لمن أصحب؟ فقال: من يعلم منك بما يعلمه الله منك، فتأمنه على ذلك. [٢٦٧/٥] ٣٩٥ باب الصحبة - عن عبد الملك بن مروان أنه دخل على معاوية، وعنده عمرو بن العاص، فسلم وجلس، ثم لم يلبث أن نهض، فقال معاوية: ما أكمل مروءة هذا الفتى! فقال عمرو: يا أمير المؤمنين إنه أخذ بأخلاق أربعة، وترك أخلاق ثلاثة، إنه أخذ بأحسن البشر إذا لقي، وبأحسن الحديث إذا حدث، وبأحسن الاستماع إذا حُدِث، وبأيسر المؤونة إذا خولف، وترك مزاح من لا يوثق بعقله، ولا دينه، وترك مجالسة لئام الناس، وترك من الكلام كل ما يعتذر منه. [٣٨٨/١٠] * الحرص على الجليس الصالح: - عن علقمة قال: قدمت الشام. فقلت: اللهم وفق لي جليساً صالحاً. قال: فجلست إلى رجل فاذا هو أبو الدرداء، فقال لي: ممن أنت؟ فقلت: من أهل الكوفة. فقال: أليس فيكم صاحب الوساد والسواك؟ - يعني ابن مسعود -، ثم قال: أليس فيكم صاحب السر الذي لم يكن يعلمه غيره؟ - يعني حذيفة -. [١٦٢/١] - عن أمير المؤمنين الراضي بالله قال: لله أقوام هم مفاتيح الخير، وأقوام مفاتيح الشر، من أراد به خيراً قصد به أهل الخير وجعله الوسيلة إلينا فنقضي حاجته، فهو الشريك في الثواب والشكر، ومن أراد الله به سوءاً عدل به إلى غيرنا فهو الشريك في الوزر والإثم. والله المستعان على كل حال .. [١٤٣/٢] - عن أبي اليقين الحربي قال: قال لي بشر بن الحارث: رضتُ نفسي في كل شيء، فغلبتها ما خلا مجالستكم، فإني لست أصبر. [٤١٨/١٤] - عن أبي أيوب المقرئ قال: كلم موسى مائة ألف كلمة وأربعة وعشرين ألف كلمة فذكر كلمة كلمة، قال له: يا ابن عمران كل خدن لك لا يؤازرك على طاعتي فاتخذه عدواً كائناً من كان. [٤٨/٦] * مواقف للجليس الصالح: - عن مجظة قال: اتصلت عليَّ إضاقة أنفقت فيها كل ما كنت أملكه حتى بقيت ليس في داري غير البواري، فأصبحت يوماً، وأنا أفلس من طنبور بلا وتر - كما يقال في المثل - ففكرت كيف أعمل، فوقع لي أن أكتب إلى محبرة بن أبي عباد الكاتب، وكنت أجاوره، وكان قد ترك التصرف قبل ذلك بسنين، ولزم بيته، وحالفه النقرس فأزمنه حتى صار لا يتمكن من التصرف إلا محمولاً على الأيدي أو في محفة، وكان مع ذلك على غاية الظرف، وكبر النفس، وعظم النعمة، ومواصلة الشرب والقصف، وأن أتطايب عليه ليدعوني، وآخذ منه ما أنفقه مدة، وكتبت إليه: ٣٩٦ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد وفي غضار موارد ماذا ترى في جدي من نسل يحيى بن خالد ومسمع ليس يخطي فما شعرت إلا بمحفة محبرة يحملها غلمانه إلى داري، وأنا جالس على بابي، فقلت له: لم جئت؟ ومن دعاك؟ قال: أنت. فقلت له: إنما قلت لك ماذا ترى في هذا؟ وعنيت في بيتك وما قلت لك أنه في بيتي. وبيتي والله أفرغ من فؤاد أم موسى. فقال: الآن قد جئت، ولا أرجع، ولكن أدخل إليك، وأستدعي من داري ما أريد. قلت: ذاك إليك. فدخل، فلم ير في بيتي إلا بارية، فقال: يا أبا الحسن هذا والله فقر يصيح، هذا ضر مدمع، ما هذا؟! فقلت: هو ما ترى. فأنفذ إلى داره فاستدعى فرشاً، وآلة، وقماشاً، وغلماناً، وجاء فرَّاشوه ففرشوا ذلك، وجاؤوا من الصفر والشمع وغير ذلك بما يحتاج إليه، وجاء طباخه بما كان في مطبخه، وهو شيء كثير بآلات ذلك، وحاشر ابنه بالصواني، والمخروط، والفاكهة، وآلة التبخير، والبخور، وألوان الأنبذة، وجلس يومه ذلك وليلته عندي يشرب على غنائي، وعلى غناء مغنية أحضرتها له كنت آلفها، فلما كان من غد سلم إلى غلامه كيساً فيه ألفا درهم، ورزمة ثياب صحاح، ومقطوعة من مفاخر الثياب، واستدعى محفته، فجلس، وشيَّعته، فلما بلغ آخر الصحن قال: مكانك يا أبا الحسن احفظ بابك، فكل ما في ذلك لك، فلا تدع أحداً يحمل منه شيئاً، وقال للغلمان: اخرجوا فخرجوا بين يديه، وأغلقت الباب على قماش بألوف كثيرة. [٦٦/٤ _ ٦٨] - كان لأبي حمدون صحيفة فيها مكتوب ثلاثمائة من أصدقائه. قال: وكان يدعو لهم كل ليلة، فتركهم ليلة، فنام فقيل له في نومه: يا أبا حمدون لم تسرج مصابيحك الليلة. قال: فقعد فأسرج، وأخذ الصحيفة فدعا لواحد واحد حتى فرغ. [٣٦١/٩] - عن مصعب بن أحمد بن مصعب قال: قدم أبو محمد المروزي - يعني عبد الله الرباطي - إلى بغداد يريد مكة، وكنت أحب أن أصحبه، فأتيته واستأذنته وسألته الصحبة، فلم يأذن لي في تلك السنة، ثم قدم سنة ثانية، أو ثالثة، فأتيته، فسلمت عليه، وسألته. فقال: اعزم على شرط يكون أحدنا الأمير لا يخالفه الآخر. فقلت: أنت الأمير. فقال: يا أبا أحمد، لا بل أنت، فقلت: أنت أسن وأولى. فقال: نعم، فلا يجب أن تعصيني. فقلت: نعم. فخرجت معه فكان إذا حضر الطعام يؤثرني به، فإذا عارضته بشيء قال: ألم أشترط عليك أن لا تخالفني؟ وكان هذا دأبنا حتى ندمت على صحبته لما يلحق نفسه من الضرر، فأصابنا في بعض الأيام مطر شديد، ونحن نسير، فقال لي: يا أبا أحمد اطلب الميل، فلما رأينا الميل قال = ٣٩٧ باب الصحبة لي: اقعد في أصله، فأقعدني في أصله، وجعل يديه على الميل، وهو قائم قد حنى عليَّ، وعليه كساء قد تخلل به يظلني من المطر حتى تمنيت أني لم أخرج معه لما يلحق نفسه من الضرر، فلم يزل هذا دأبه حتى دخلنا مكة. [٣٧٤/٩] - خرج ابن المبارك من بغداد يريد المصيصة، فصحبه الصوفية، فقال لهم: أنتم لكم أنفس تحتشمون أن ينفق عليكم، يا غلام هات الطست فألقى على الطست منديلاً، ثم قال: يلقي كل رجل منكم تحت المنديل ما معه. قال: فجعل الرجل يلقي عشرة دراهم، والرجل يلقي عشرين، فأنفق عليهم إلى المصيصة، فلما بلغ المصيصة قال: هذه بلاد نفير، فنقسم ما بقي، فجعل يعطي الرجل عشرين ديناراً، فيقول: يا أبا عبد الرحمن إنما أعطيت عشرين درهماً، فيقول: وما تنكر أن يبارك الله [١٠ /١٥٧] للغازي في نفقته. - كان ابن المبارك إذا كان وقت الحج اجتمع عليه إخوانه من أهل مرو فيقولون: نصحبك يا أبا عبد الرحمن، فيقول لهم: هاتوا نفقاتكم، فيأخذ نفقاتهم، فيجعلها في صندوق، فيقفل عليها، ثم يكتري لهم، ويخرجهم من مرو إلى بغداد، فلا يزال ينفق عليهم، ويطعمهم أطيب الطعام، وأطيب الحلواء، ثم يخرجهم من بغداد بأحسن زي، وأجمل مروءة حتى يصلوا إلى مدينة الرسول وَ*، فإذا صاروا إلى المدينة قال لكل رجل منهم: ما أمروك عيالك أن تشتري لهم من المدينة من طُرَفها، فيقول: كذا، فيشتري لهم، ثم يخرجهم إلى مكة، فإذا وصلوا إلى مكة، وقضوا حجهم، قال لكل واحد منهم: ما أمروك عيالك أن تشتري لهم من متاع مكة فيقول: كذا وكذا، فيشتري لهم، ثم يخرجهم من مكة، فلا يزال ينفق عليهم إلى أن يصيروا إلى مرو فإذا وصل إلى مرو خصص أبوابهم ودورهم، فإذا كان بعد ثلاثة أيام صنع لهم وليمة، وكساهم فإذا أكلوا وسروا دعا بالصندوق، ففتحه، ودفع إلى كل رجل [١٥٨/١٠] منهم صرته بعد أن كتب عليها اسمه. - عن علقمة قال: خرجت مع عبد الله لحاجته، فصحبنا مجوسي فلما كنا ببعض الطريق تخلف عبد الله لحاجته، ولحقنا وقد عرض للمجوسي طريق، فأخذ فيه فأتبعه السلام، وقال: إن للصحبة حقاً . [١٤٨/١] - جمعت الرحلة بين محمد بن جرير، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد بن هارون الروياني بمصر، فأرملوا ولم يبق عندهم ما يقوتهم، وأضربهم الجوع فاجتمعوا ليلة في منزل كانوا يأوون إليه، فاتفق رأيهم على أن يستهموا، ويضربوا القرعة، فمن خرجت عليه القرعة سأل لأصحابه الطعام، ٣٩٨ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد فخرجت القرعة على محمد بن إسحاق بن خزيمة، فقال لأصحابه: أمهلوني حتى أتوضأ وأصلي صلاة الخيرة، قال: فاندفع في الصلاة فإذا هم بالشموع وخصي من قبل والي مصر يدق الباب، ففتحوا الباب فنزل عن دابته فقال: أيكم محمد بن نصر؟ فقيل: هو هذا، فأخرج صرة فيها خمسون ديناراً فدفعها إليه، ثم قال: أيكم محمد بن هارون؟ فقالوا: هو ذا، فأخرج صرة فيها خمسون ديناراً فدفعها إليه، ثم قال: أيكم محمد بن إسحاق بن خزيمة؟ فقالوا: هو ذا يصلي فلما فرغ دفع إليه الصرة وفيها خمسون ديناراً، ثم قال: إن الأمير كان قائلاً بالأمس فرأى في المنام خيالاً قال: إن المحامد طووا كشحمهم جياعاً. فأنفذ إليكم هذه الصرار، وأقسم عليكم إذا نفذت فابعثوا إليّ أمدكم. [٢ /١٦٥] - عن أبي عبد الله الواقدي القاضي قال: أضقت مرة من المرار، وأنا مع يحيى بن خالد البرمكي، وحضر عيد فجاءتني جارية فقالت: قد حضر العيد وليس عندنا من النفقة شيء، فمضيت إلى صديق لي من التجار فعرفته حاجتي إلى القرض، فأخرج إليّ كيساً مختوماً فيه ألف ومائتا درهم، فأخذته وانصرفت إلى منزلي، فما استقررت فيه حتى جاءني صديق لي هاشمي فشكى إليّ تأخر غلته، وحاجته إلى القرض، فدخلت إلى زوجتي فأخبرتها. فقالت: على أي شيء عزمت؟ قلت: على أن أقاسمه الكيس. قالت: ما صنعت شيئاً أتيت رجلاً سوقة فأعطاك ألفاً ومائتي درهم، وجاءك رجل له من رسول الله و98َ رحم ماسة تعطيه نصف ما أعطاك السوقة، ما هذا شيئاً، أعطه الكيس كله فأخرجت كله فدفعته إليه، ومضى صديق التاجر إلى الهاشمي، وكان له صديقاً فسأله القرض، فأخرج الهاشمي إليه الكيس، فلما رأى خاتمه عرفه، وانصرف إلي فخبرني بالأمر، وجاءني رسول يحيى بن خالد يقول: إنما تأخر رسولي عنك لشغلي بحاجات أمير المؤمنين، فركبت إليه فأخبرته بخبر الكيس، فقال: يا غلام هات تلك، فجاءه بعشرة آلاف دينار فقال: خذ ألفي دينار لك، وألفين [١٩/٣ - ٢٠] لصديقك، وألفين للهاشمي، وأربعة آلاف لزوجتك فإنها أكرمكم. - ذكر ابن أبي دؤاد المعتصم يوماً فأسهب في ذكره، وأكثر من وصفه، وأطنب في فضله، وذكر من سعة أخلاقه، وكرم أعراقه، وطيب مركبه، ولين جانبه، وجميل عشرته، ورضى أفعاله، وقال: قال لي يوماً : - ونحن بعمورية - ما تقول يا أبا عبد الله في البسر؟ فقلت: يا أمير المؤمنين نحن ببلاد الروم، والبسر بالعراق! قال: وقد وجهت إلى مدينة السلام فجاؤوني بكباستين، فجاء بكباسة بسر، فمد ذراعه وقبض عليها بيده. وقال: كل بحياتي عليك من يدي، فقلت: جعلني الله فداك يا ٣٩٩ باب الصحبة أمير المؤمنين، بل بعضها فآكل كما أريد. قال: لا والله إلا من يدي. فوالله ما زال حاسراً ذراعه وماداً يده في سفره ذلك إلى أن قلت له يوماً: يا أمير المؤمنين لو زاملك بعض مواليك وبطانتك، فاسترحت مني إليهم مرة، ومنهم إلي أخرى، فإن ذلك أنشط لقلبك، وأطيب لنفسك، وأشد لراحتك، قال: فإن سينما الدمشقي يزاملني اليوم، فمن يزاملك أنت؟ قلت: الحسن بن يونس. قال: فأنت وذاك. قال: فدعوت بالحسن بسير بعيري، فإذا أراد أن يكلمني رفع رأسه، وإذا أردت أن أكلمه خفضت رأسي، فانتهينا إلى واد لم نعرف غور الماء، واطلب قلته، واتبع أنت مسيري. قال: وتقدم رجل فدخل الوادي وجعل يطلب قلة الماء، وتبعه المعتصم، فمرة ينحرف عن يمينه وأخرى عن شماله، وتارة يمضي لسننه، ونتبع أثره حتى قطعنا الوادي. [٣٤٥/٣] - عن ابن وهب قال كتب مالك إلى الليث: إني أريد أن أدخل ابنتي على زوجها فأحب أن تبعث لي بشيء من عصفر. قال ابن وهب: فبعث إليه الليث بثلاثين جملاً عصفر، فصبغ منه لابنته، وباع منه بخمسمائة دينار، وبقي عنده فضلة. [٧/١٣] - عن الحسن بن زياد قال: رأى أبو حنيفة على بعض جلسائه ثياباً رثة، فأمره فجلس حتى تفرق الناس، وبقي وحده، فقال له: ارفع المصلى وخذ ما تحته. فرفع الرجل المصلى، فكان تحته ألف درهم، فقال له: خذ هذه الدراهم، فغير بها من حالك. فقال الرجل: إني موسر، وأنا في نعمة، ولست أحتاج إليها. فقال له: أما بلغك الحديث: ((إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده))، فينبغي لك أن تغير [٣٦١/١٣] حالك حتى لا يغتم بك صديقك. - عن أبي سعيد الكندي قال: كان أبو حنيفة يبيع الخز، فجاءه رجل فقال: يا أبا حنيفة قد احتجت إلى ثوب خز. فقال: ما لونه؟ فقال: كذا وكذا. فقال له: اصبر حتى يقع، وآخذه لك إن شاء الله. قال: فما دارت الجمعة حتى وقع، فمر به الرجل. فقال له أبو حنيفة: قد وقعت حاجتك. قال: فخرج إليه الثوب فأعجبه. فقال: يا أبا حنيفة كم أزن للغلام؟ قال: درهماً. قال: يا أبا حنيفة ما كنت أظنك تهزأ. قال: ما هزأت إني اشتريت ثوبين بعشرين ديناراً ودرهم، وإني بعت أحدهما بعشرين ديناراً، وبقي هذا بدرهم، وما كنت لأربح على صديق. [٣٦٢/١٣] * مواقف تبين أثر الصحبة على الإنسان: - عن عبيد الله بن عائشة العيشي قال: قال شعبة لأبي عوانة: كتابك صالح، = ٤٠٠ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد وحفظك لا يساوي شيئاً مع مَنْ طلبت الحديث؟ قال: مع منذر الصيرفي. قال: منذر [٤٦٤/١٣] صنع بك هذا. - عن محمد بن علي الوراق قال: سألت أحمد بن حنبل فقلت: أيما أحب إليك وكيع بن الجراح، أو عبد الرحمن بن مهدي؟ فقال: أما وكيع فصديقه حفص بن غياث البجلي، فلما ولي حفص القضاء ما كلمه وكيع حتى مات، وأما عبد الرحمن بن مهدي فصديقه معاذ بن معاذ العنبري، فلما ولي معاذ القضاء ما زال عبد الرحمن صدیقه حتى مات. [٤٧٧/١٣] * التحذير من صحبة أهل السوء: - عن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبا يوسف القاضي يقول: صحبة من لا يخشى [٢٤٨/١٤] العار عار يوم القيامة. - عن الجنيد بن محمد قال: كنت أعود السري في كل ثلاثة أيام عيادة السنَّة، فدخلت عليه، وهو يجود بنفسه، فجلست عند رأسه، فبكيت، وسقط من دموعي على خده، ففتح عينيه، ونظر إلي فقلت له: أوصني. فقال: لا تصحب الأشرار، ولا تشتغل عن الله بمجالسة الأخيار. [١٩١/٩ ] - قال التنوخي: أنشدني أبو العباس الزراري لنفسه: ورماني الزمان فيه بصد لي صديق قد صيغ من سوء عهد وظريف زوال وجد بوجد كان وجدي به فصار عليه [٣٧٨/١٠] * آداب التعامل مع الصاحب: - عن أبي عبد الله الروذباري قال: كأنك مملوك لكل رفيق إذا أنت صاحبت الرجال فكن فتى على الكبد الحرَّى لكل صديق وكن مثل طعم الماء عذباً وبارداً [٣٣٧/٤] - عن نصر بن أحمد قال: لشرب المُدام وعزف القيان وكان الصديق يزور الصديق لبث الهموم وشكوى الزمان فصار الصديق يزور الصديق [١٨٥/٥] - عن أبي محمد الزهري قال: كان الثعلب عزاء ببعض أهله، فتأخرت عنه لأنه