النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
باب الزكاة
فاجهد بوسعك كله أن تنفعا
فإذا ملكتَ فجُد وإن لم تستطع
[٣٢٢/٧]
- عن ابن عباس في الرجل يستفيد المال؟ فقال: يزكيه حين يستفيده. قال: وقال
ابن عمر: ليس عليه زكاة حتى يحول عليه الحول. قال ميمون: ما اختلف ابن عمر
وابن عباس في شيء إلا أخذ ابن عمر بأوثقهما إلا في هذا.
[٢٩٦/٨]
- عن وكيع بن الجراح قال: زكاة الفطر لشهر رمضان كسجدتي السهو للصلاة
تجبر نقصان الصوم كما يجبر السهو نقصان الصلاة.
[٢٨٣/١٠]
- لما كانت الردة قام أبو بكر، فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: الحمد لله الذي
هدى وكفى، وأعطى فأغنى، إن الله بعث محمداً، والعلم شريد، والإسلام غريب
طريد، وقد رث حبله، وخلق عهده، وضل أهله منه، ومقت الله أهل الكتاب فلا
يعطيهم خيراً لخير عندهم، ولا يصرف عنهم شراً لشر عندهم، قد غيروا كتابهم،
وأتوا عليه ما ليس فيه، والعرب الأميون صفر من الله لا يعبدونه ولا يدعونه.
أجهدهم عيشاً، وأضلهم ديناً في ظلف من الأرض مع قلة السحاب، فجمعهم الله
بمحمد، وجعلهم الأمة الوسطى، نصرهم بمن أتبعهم، ونصرهم على غيرهم حتى
قبض الله نبيه، فركب منهم الشيطان مركبه الذي أنزله الله عنه، وأخذ بأيديهم وبغى
هلكتهم، ﴿وَمَا تُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولُ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِ الرُّسُلُ أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَ
أَعْقَلِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّكِرِينَ﴾ [آل عمران:
١٤٤]. إن من حولكم من العرب منعوا شاتهم وبعيرهم، ولم يكونوا في دينهم، وإن
رجعوا إليه أزهد منهم يومهم هذا، ولم تكونوا في دينكم أقوى منكم يومكم هذا
على ما قد فقدتم من بركة نبيكم، ولقد وكلكم إلى الكافي الذي وجده ضالّاً فهداه،
وعائلاً فأغناه، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، والله لا أدع أن أقاتل
على أمر الله حتى ينجز الله وعده، ويوفي لنا عهده، ويقتل من قتل منا شهيداً من
أهل الجنة، ويبقى من بقي منا خليفته وورثته في أرضه قضاء الله الحق، وقوله الذي
لا خلف له: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَِلُواْ الصَّالِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ﴾ الآية
[١٤٩/١١]
[النور: ٥٥]، ثم نزل رحمة الله عليه.
- كان دخل الليث بن سعد في كل سنة ثمانين ألف دينار ما أوجب الله عليه زكاة
[١١/١٣]
درهم قط.

٣٢٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
باب الزندقة
- قال محمد بن مصعب العابد: من زعم أنك لا تكلم ولا ترى في الآخرة، فهو
كافر بوجهك لا يعرفك، أشهد أنك فوق العرش، فوق سبع سماوات ليس كما يقول
[٢٨٠/٣]
أعداؤك الزنادقة.
- كان آدم بن عبد العزيز، وهو ابن عمر بن عبد العزيز في أيام حداثته يشرب
الخمر، ويفرط في المجون والخلاعة، ويقول الشعر، فرفع إلى المهدي أنه زنديق،
وأنشد شعراً له كان قاله في أيام الحداثة على طريق المجون، فأخذه، فضربه
ثلاثمائة سوط يقرره بالزندقة، فقال: والله لا أقر على نفسي بباطل، ولو قطعت
عضواً عضواً، ووالله ما أشركت بالله طرفة عين قط، فقال المهدي فأين قولك:
في مدى الليل الطويل
أسقني وأسق خليلي
سبيت من نهر بيل
قهوة صهباء صرفاً
قل لمن يلحاك فيها
من فقيهٍ أو نبيل
من رحيق السلسبيل
أنت دعها وارج أخرى
فقال: يا أمير المؤمنين كنت من فتيان قريش أشرب النبيذ، وأتمجن مع الشباب،
واعتقادي مع ذلك الإيمان بالله وتوحيده، فلا تؤاخذني بما أسلفت من قولي. قال:
فخلی سبیله.
[٢٦/٧]
- دخل الحسن بن هانئ على أمير المؤمنين الأمين فقال: يا حسن بن هانئ،
قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: إنك زنديق، فقلت: يا أمير المؤمنين وأنا أقول
مثل هذا الشعر:
وأشهد بالتوحيد لله خاضعا
أصلي صلاة الخمس في حین وقتها
وإن جاءني المسكين لم أك مانعا
وأحسن غسلاً إن ركبت جنابة
إلى بيعة الساقي أجبت مسارعا
وإني وإن حانت من الكأس دعوة
وجدي كثير الشحم أصبح راضعا
وأشربها صرفاً على لحم ماعز
وما زال للمخمور مذ كان نافعا
بجوذاب جودي وجوز وسكر
لفقحة بختيشوع في النار طابعا
واجعل تخليط الروافض كلهم
فقال لي: كيف وقعت على فقحة بختيشوع ويلك؟! قلت: بها تمت القافية،
[٤٤٠/٧]
فضحك، وأمر لي بجائزة، وانصرفت.
- وحكي عن عمرو المكي أنه قال: كنت أماشي الحلاج في بعض أزقة مكة
وكنت أقرأ القرآن فسمع قراءتي فقال: يمكنني أن أقول مثل هذا ففارقته.
[١٢١/٨]

٣٢٣
باب الزندقة
- عن عمرو بن عثمان أنه لعن الحلاج وقال: لو قدرت عليه لقتلته بيدي، فقلت:
إيش الذي وجد الشيخ عليه؟ قال: قرأت آية من كتاب الله فقال: يمكنني أن أؤلف
مثله وأتكلم به.
[١٢١/٨ ]
- لما أرادوا قتل الحسين بن منصور أحضر لذلك الفقهاء والعلماء، وأخرجوه،
وقدموه بحضرة السلطان، فسألوه، فقالوا: مسألة؟ فقال: هاتوا. فقالوا له: ما
البرهان؟ فقال: البرهان شواهد يلبسها الحق أهل الإخلاص يجذب النفوس إليها
جاذب القبول. فقالوا: بأجمعهم هذا كلام أهل الزندقة، وأشاروا على السلطان
بقتله .
[١٢٧/٨ - ١٢٨]
- قال المهدي لشريك - بن عبد الله النخعي -: كأني أرى رأس زنديق يضرب
الساعة، فقال شريك: يا أمير المؤمنين إن للزنادقة علامات تركهم الجماعات،
وشربهم القهوات، وتخلفهم عن الجماعات. فقال المهدي: يا أبا عبد الله لم نعنك
بهذا .
[٢٩٤/٩]
- عن عبد الكريم بن هوازن قال: كنت يوماً بين يدي أبي علي الحسن بن علي
الدقاق، فجرى حديث أبي عبد الرحمن السلمي، وأنه يقوم في السماع موافقة
للفقراء. فقال أبو علي: مثله في حاله، لعل السكون أولى به، ثم قال لي: امض
إليه فستجده قاعداً في بيت كتبه، وعلى وجه الكتب مجلدة حمراء مربعة صغيرة فيها
أشعار الحسين بن منصور، فاحمل تلك المجلدة ولا تقل له شيئاً وجئني بها، وكان
وقت الهاجرة فدخلت على أبي عبد الرحمن، وإذا هو في بيت كتبه، والمجلدة
موضوعة بحيث ذكر، فلما قعدت أخذ أبو عبد الرحمن في الحديث، وقال: كان
بعض الناس ينكر على واحد من العلماء حركته في السماع، فرئي ذلك الإنسان يوماً
خالياً في بيت وهو يدور كالمتواجد، فسئل عن حاله فقال: كانت مسألة مشكلة عليّ
فتبين لي معناها فلم أتمالك من السرور حتى قمت أدور، فقيل له: مثل هذا يكون
[٢٤٨/٢ - ٢٤٩]
حالهم.
- اتهم المهدي أمير المؤمنين صالح بن عبد القدوس الشاعر بالزندقة، فأمر بحمله
إليه، وأحضره بين يديه، فلما خاطبه أعجب بغزارة أدبه، وعلمه، وبراعته، وحسن
بيانه، وكثرة حكمته، فأمر بتخلية سبيله، فلما ولَّى رده، وقال له ألست القائل:
حتى يوارى في ثرى رمسه
والشيخ لا يترك أخلاقه
كذي الضنى عاد إلى نكثه
إذا ارعوى عاد إلى جهله
قال: بلى يا أمير المؤمنين. قال: فأنت لا تترك أخلاقك، ونحن نحكم فيك

٣٢٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
بحكمك في نفسك، ثم أمر به فقتل وصلب على الجسر. ويقال: إن المهدي أبلغ
عنه أبيات يعرِّض فيها بالنبي ◌َّز، فأحضره المهدي، وقال له: أنت القائل هذه
الأبيات؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين، والله ما أشركت بالله طرفة عين، فاتق الله،
ولا تسفك دمي على الشبهة، وقد قال النبي 9: ((ادرؤوا الحدود بالشبهات))،
وجعل يتلو عليه القرآن حتى رق له وأمر بتخليته، فلما ولَّى قال: أنشدني قصيدتك
السينية، فأنشده حتى بلغ البيت أوله:
والشيخ لا يترك أخلاقه
[٣٠٣/٩]
فأمر به حينئذ فقتل.
- عن عثمان بن حكيم قال: إني لأرجو لأبي يوسف في هذه المسألة رفع إلى
هارون زندیق، فدعا أبا یوسف یکلمه، فقال له هارون: كلمه وناظره. فقال له: يا
أمير المؤمنين ادع بالسيف والنطع، وأعرض عليه الإسلام؛ فإن أسلم وإلا فاضرب
عنقه، هذا لا يناظر، وقد ألحد في الإسلام.
[١٤/ ٢٥٣]
=﴿ باب الزنى
- عن الحسن قال: يتوب على الزاني، والزانية، ولا يتوب على القواد. [٣٢٢/٦]
16
باب الزهد
=
- قيل لأبي الحسين بن سمعون: أيها الشيخ أنت تدعو الناس إلى الزهد في الدنيا
والترك لها، وتلبس أحسن الثياب، وتأكل أطيب الطعام فكيف هذا؟ فقال: كل ما
يصلحك الله فافعله إذا صلح حالك مع الله بلبس لين الثياب، وأكل الطعام، فلا
يضرك.
[٢٧٥/١]
[١٣٨/٢]
- عن يحيى قال: الدنيا بحر التلف، والنجاة منها الزهد فيها .
- كان أحمد بن سلمان النجاد يصوم الدهر، ويفطر كل ليلة على رغيف، ويترك
منه لقمة، فإذا كان ليلة الجمعة تصدق بذلك الرغيف، وأكل تلك اللقم التي
[١٩١/٤]
استفضلها .
- كان القاضي أبي العباس الأبيوردي يصوم الدهر، وأن غالب إفطاره كان على
الخبز والملح، وكان فقيراً يظهر المروءة. قال: ومكث شتوة كاملة لا يملك جبة
يلبسها، وكان يقول لأصحابه: بي علة تمنعني من لبس المحشو، فكانوا يظنونه يعني
المرض، وإنما كان يعني بذلك الفقر، ولا يظهره تصوناً ومروءة.
[٥١/٥]
- عن أبي عبد الله الجلاء قال: كنت بمكة مجاوراً مع ذي النون فجعنا أياماً كثيرة

٣٢٥
باب الزهد
لم يفتح لنا بشيء، فلما كان ذات يوم قام ذو النون قبل صلاة الظهر ليصعد إلى
الجبل يتوضأ للصلاة، وأنا خلفه فرأيت قشور الموز مطرحاً في الوادي، وهو طري.
فقلت في نفسي: آخذ منه كفاً أو كفين أتركه في كمي، ولا يراني الشيخ حتى إذا
صرنا في الجبل، ومضى الشيخ يتمسح أكلته. قال: فأخذته، وتركته في كمي،
وعيني إلى الشيخ لئلا يراني، فلما صرنا في الجبل، وانقطعنا عن الناس التفت إلي
وقال: اطرح ما في كمك يا شَرِهِ، فطرحته وأنا خجل، وتمسحنا للصلاة ورجعنا إلى
المسجد، وصلينا الظهر والعصر والمغرب وعشاء الآخرة، فلما كان بعد ساعة إذا
إنسان قد جاء، ومعه طعام عليه مكبة فوقف ينظر إلى ذي النون، فقال له ذو النون:
مر فدعه قدام ذاك، وأومأ إليّ بيده، فتركه بين يدي، فانتظرت الشيخ ليأكل، فلم أره
يقوم من مكانه، ثم نظر إلي، وقال: كل. فقلت: آكل وحدي! فقال: نعم. أنت
طلبت نحن ما طلبنا شيئاً، يأكل الطعام من طَلَبه. فأقبلت آكل، وأنا خجل مما
[٢١٣/٥]
جرى.
- عن محمد بن منصور قال: كان بالكوفة رجل متعبد يأكل في كل يوم نصف
رغيف، وكان قاعداً لا ينضجع، ويضع جبهته على ركبته من صلاة إلى صلاة لا
يتطوع بشيء غير الفرائض، ولا يتكلم البتة. فقلت له: لو تطوعت. فقال: افهم ما
ألقيه إليك إني لست أعصيه.
[٤٤٤/٥]
- عن أبي علي الخياط قال: كنت يوماً جالساً مع إبراهيم على باب داره، فلما
أن أصبحنا قال لي: يا أبا علي قم إلى شغلك فإن عندي فجلة قد أكلت البارحة
خضرها أقوم أتغذى بجزرتها .
[٣١/٦]
- عن سليمان بن عبد الملك أنه قدم المدينة، فأرسل إلى أبي حازم فأتاه فقال له
سليمان: يا أبا حازم ما هذا الجفاء؟! قال: وأي جفاء رأيت مني؟ قال: أتاني أهل
المدينة، ولم تأتني. قال: يا أمير المؤمنين وكيف يكون إتيان من غير معرفة
متقدمة؟! والله ما عرفتني قبل هذا اليوم، ولا أنا رأيتك، فاعذر. قال: فالتفت
سليمان إلى الزهري، فقال: أصاب الشيخ، وصدق. قال سليمان: يا أبا حازم ما
لنا نكره الموت؟ قال: لأنكم أخربتم آخرتكم، وعمرتم دنياكم، فكرهتم أن تنقلوا
من العمران إلى الخراب. قال سليمان: صدقت يا أبا حازم كيف القدوم على الله
تعالى؟ قال: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله مسروراً، وأما المسيء فكالآبق
يقدم على مولاه محزوناً .
[٦٩/٦]
- عن عاصم بن بهدلة قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز، وعليه ثياب غسيلة،

٣٢٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
فقوَّمتها ثمانين درهماً مع عمامة كانت عليه، وعنده رجل رافع صوته فقال له عمر:
اخفض من صوتك، فإنما يكفي الرجل من الكلام قدر ما يسمع.
[١٠٥/٦]
- عن إسماعيل الديلمي قال: كنت في البيت عند أحمد بن حنبل فإذا نحن بداق
يدق الباب. قال: فخرجت إليه فإذا أنا بفتى عليه أطمار شعر قال: فقلت: ما
حاجتك؟ قال: أريد أحمد بن حنبل. قال: فدخلت إليه، فقلت: يا أبا عبد الله
بالباب شاب عليه أطمار شعر يطلبك. قال: فخرج إليه وسلم عليه، فقال له الفتى:
يا أبا عبد الله أخبرني ما الزهد في الدنيا؟ فقال له أحمد: حدثنا سفيان عن الزهري:
((إن الزهد في الدنيا قصر الأمل))، فقال له: يا أبا عبد الله صفه لي، قال: وكان
الفتى قائماً في الشمس، والفيء بين يديه، فقال: هو أن لا تبلغ من الشمس إلى
الفيء. قال: ثم ذهب ليولي. قال: فقال له أحمد: قف. قال: فدخل فأخرج له
صرة، فدفعها إليه، فقال: يا أبا عبد الله من لا يبلغ من الشمس إلى الفيء أيش
یعمل بهذه؟ قال: ثم تركه وولی.
[٦/ ٢٧٤]
- جاء رجل إلى حاتم الأصم فقال: يا أبا عبد الرحمن أي شيء رأس الزهد،
ووسط الزهد، وآخر الزهد؟ فقال: رأس الزهد الثقة بالله، ووسطه الصبر، وآخره
[٢٤٥/٨]
الإخلاص.
- عن بشر بن الحارث قال: دخلت على حماد بن زيد، فرأيت في بيته بساطاً ما
أعجبني، ما هكذا يكون العلماء !.
[٦٩/٧]
- عن عطاء قال: كان لداود الطائي ثلاثمائة درهم، فعاش بها عشرين سنة ينفقها
على نفسه. قال: وكنا ندخل على داود الطائي، فلم يكن في بيته إلا بارية ولبنة يضع
[٣٤٨/٨]
عليها رأسه، وإجانة فيها خبز، ومطهرة يتوضأ منها، ومنها يشرب.
- ورث داود الطائي من أمه داراً، فكان ينتقل في بيوت الدار، كلما تخرب بيت
من الدار انتقل منه إلى آخر، ولم يعمره حتى أتى على عامة بيوت الدار. قال:
وورث من أبيه دنانير، فكان يتقوتها حتى كُفِّنَ بآخرها .
[٣٤٨/٨]
- عن سليمان بن حرب قال: لو نظرت إلى ثياب شعبة لم تكن تسوى عشرة
دراهم: إزاره، ورداءه، وقميصه، وكان شيخاً كثير الصدقة.
[٢٦١/٩]
- عن قراد أبو نوح قال: رأى عليَّ شعبة قميصاً فقال: بكم أخذت هذا؟ قلت:
بثمانية دراهم. قال لي: ويحك أما تتقي الله تلبس قميصاً بثمانية دراهم ألا اشتريت
قميصاً بأربعة دراهم، وتصدقت بأربعة.
[٢٦٢/٩]
- كان عبد الله بن إدريس من عباد الله الصالحين من الزهاد، وكنيته أبو محمد.

٣٢٧
باب الزهد
قال: وكان ابنه أعبد منه. قال: واشتريت جبة، وعليه جبة، فقال: بكم أخذت
جبتك؟ قلت: بكذا. فقال: أخذت جبتي بسبعة ونصف. قال: ولم أر بالكوفة أحداً
أفضل من ابن إدريس، وعبدة.
[٤١٩/٩]
- عن محمد بن إسحاق قال: رأيت سالم بن عبد الله بن عمر يلبس الصوف،
وكان علج الخلق يعالج بیدیه ويعمل.
[٢١٨/١]
- عن أبي الحسن العروضي قال: اجتمعت أنا وهو - أي أبو بكر الأنباري - عند
الراضي على الطعام - وكان قد عرف الطباخ ما يأكل أبو بكر، فكان يسوي له قلية
يابسة، قال: فأكلنا نحن من ألوان الطعام، وأطايبه، وهو يعالج تلك القلية، ثم
فرغنا، وأتينا بحلواء، فلم يأكل منها، وقام وقمنا إلى الخيشين، فنام بين الخیشین،
ونمنا نحن في خيش ينافس فيه، ولم يشرب ماء إلى العصر، فلما كان مع العصر
قال لغلام: الوظيفة، فجاءه بماء من الحب، وترك الماء المزمل بالثلج، فغاظني أمره
فصحت بصيحة، فأمر أمير المؤمنين بإحضاري، وقال: ما قصتك؟ فأخبرته، وقلت:
هذا يا أمير المؤمنين يحتاج إلى أن يحال بينه وبين تدبير نفسه، لأنه يقتلها، ولا
يحسن عشرتها، قال: فضحك وقال له: في هذا لذة وقد جرت به العادة، وصار إلغاً
فلن يضره، ثم قلت: يا أبا بكر! لم تفعل هذا بنفسك؟ قال: أُبقي على حفظي،
قلت له: قد أكثر الناس في حفظك! فكم تحفظ؟ قال: أحفظ ثلاثة عشر صندوقاً.
قال محمد بن جعفر: وهذا ما لا يحفظ لأحد قبله ولا بعده، وكان يحفظ عشرين
ومائة تفسير من تفاسير القرآن بأسانيدها !.
[١٨٣/٣ - ١٨٤]
ـ تخرق إزار بشر - ابن الحارث - فقالت له أخته: يا أخي قد تخرق إزارك، وهذا
البرد، فلو جئت بقطن حتى أغزل. قال: فكان يجيء بالإستارين والثلاثة. قال:
فقالت له: إن الغزل قد اجتمع أفلا تسلم إزارك إن أردت السرعة؟ قال لها: هاتيه.
قال: فأخرجته فوزنه، وأخرج ألواحه، وأخذ يحسب الأساتير، فلما رآها قد زادت
فیه قال: كما أفسدتیه فخذيه.
[٧ /٧٤]
- عن أبي حفص ابن أخت بشر بن الحارث قال: اشتهى بشر سفرجلة في علته،
فقالت لي أمي: يا بني أطلب لي سفرجلة. قال: فجئت بها. قال: فأخذها، فجعل
يشمها. قال: ثم وضعها بين يديه. قال: فقالت أمي: يا أبا نصر كلها. قال: ما
أطيب ريحها، فما زال يشمها حتى مات، وما ذاقها .
[٧ /٧٤]
- عن عمر ابن أخت بشر بن الحارث قال: دخل علينا بشر بن الحارث يوم
أضحى. قال: فقالت لي أمي: أحسب أن الكلاب قد شبعت من اللحم في هذا

٣٢٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
اليوم. قال: فخرج، فلما كان العصر جاءنا، ومعه خرقة فيها رطل لحم، فقال لها:
اطبخي هذا. قال: قالت: إيش أطبخه؟ قال: اطبخيه بماء وملح. قال: فطبخت
نصفه بماء، وملح، واشترت بحبة سلقاً، وطبخت النصف الآخر به. قال: فلما كان
المغرب جاء، ومعه رغيف، وما رأيناه قط أكل عندنا شيئاً. قال: فقال لها: اثردي
هذا الرغيف في الماء والملح، وهاتيه. قال: ففعلت، وقدمته إليه. قال: فجعل
يأكل الثريد، ويدع اللحم. قال: فشالته فلما كان من الغد جاءنا، ومعه رغيف.
قال: فقال لها: إن كان قد بقي من ذلك الماء والملح شيء فاثردي هذا الرغيف
فيه، وهاتيه. قالت: ما بقي من الماء والملح شيء، ولكن كنت قد اشتريت بحبة
سلقاً، وعملت باقي اللحم، وقد بقي منه شيء. فقال: ولا هذا أيضاً لي فيه حاجة.
قالت له: ولم؟ قال: لأن الماء والملح قلت لك بقي شيء منه، فقلت: لا، وكذبت
فيه، وهذا أفسدتيه بسلق، لا أدري من أين هو؟ !!.
[٧ /٧٥]
- عن بدر المغازلي أن امرأته باعت داراً لها بثلاثين ديناراً، فقال لها بدر: نفرق
هذه الدنانير في إخواننا، ونأكل رزق يوم بيوم، فأجابته إلى ذلك، وقالت: تزهد
[٧ /١٠٤]
أنت، ونرغب نحن هذا ما لا يكون !.
- عن نوف البكالي قال: بايت علياً فأكثر الدخول والخروج، والنظر في السماء،
ثم قال لي: أنائم أنت يا نوف؟ قلت: رامق أرمقك بعيني منذ الليلة يا أمير
المؤمنين. قال: فقال لي: يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا، الراغبين في الآخرة،
أولئك اتخذوا أرض الله بساطاً، وترابها فراشاً، وماءها طيباً، والكتاب شعاراً،
والدعاء دثاراً، ثم قرضوا الدنيا قرضاً قرضاً على منهاج المسيح ابن مريم. يا نوف
إن الله أوحى إلى عبده المسيح أن قل لبني إسرائيل لا تدخلوا بيتاً من بيوتي إلا
بقلوب طاهرة، وأبصار خاشعة، وأكف نقية، وذكر باقي الحديث.
- سئل ابن المبارك: من الناس؟ قال: العلماء. قال: فمن الملوك؟ قال: الزهاد.
قال: فمن السفلة؟ قال: الذي يأكل بدينه.
[١٩٢/٧]
[١٦٢/٧]
- دخل الحسين بن منصور إلى مكة، وكان أول دخلته، فجلس في صحن
المسجد سنة لا يبرح من موضعه إلا للطهارة، أو للطواف، ولا يبالي بالشمس،
ولا بالمطر، وكان يحمل إليه كل عشية كوز ماء للشرب، وقرص من أقراص مكة،
فيأخذ القرص، ويعض أربع عضات من جوانبه، ويشرب شربتين من الماء: شربة
قبل الطعام، وشربة بعده، ثم يضع باقي القرص على رأس الكوز، فيحمل من
عنده .
[١١٨/٨]

٣٢٩
باب الزهد
- عن أبي عبد الله بن خفيف قال: دخل أبو طالب خزرج بن علي شيراز، فاعتل
علة، فكنت أخدمه، وأقدم إليه الطست في الليل مراراً، وكنت في ذلك الوقت في
حال الرياضة، فكنت لا أفطر إلا على الباقلاء اليابسة، فسمع أبو طالب ليلةً كسري
الباقلاء بأسناني، فقال لي: ما هذا؟ فعرَّفته حالي، فبكى، وقال: الزم هذا يا أبا
عبد الله فإني كنت كذلك حتى حضرت ليلة مع أصحابنا في دعوة ببغداد، فقدم إلينا
حمل مشوي، فأمسكت يدي، فقال لي بعض أصحابنا: كل بلا أنت، فأكلت لقمة،
وأنا منذ أربعين سنة إلى خلف.
[٣٤٤/٨]
- عن أبي الربيع الأعرج قال: دخلت على داود الطائي ببيته بعد المغرب، فقرب
إلي كسيرات يابسة، فعطشت، فقمت إلى دن فيه ماء حار فقلت: رحمك الله لو
اتخذت إناء غير هذا يكون فيه الماء، فقال لي: إذا كنت لا أشرب إلا بارداً، ولا
آكل إلا طيباً، ولا ألبس إلا ليناً، فما أبقيت لآخرتي؟! قال: قلت: أوصني. قال:
صم الدنيا، واجعل إفطارك فيها الموت، وفر من الناس فرارك من السبع، وصاحب
أهل التقوى إن صحبت، فإنهم أقل مؤنة، وأحسن معونة، ولا تدع الجماعة. حسبك
هذا إن عملت به .
[٨/ ٣٥٠ - ٣٥١ ]
- باع داود الطائي جارية له. قال: فقال له بعض إخوانه: لو دفعت إلي ثمنها،
فضاربت لك بها، فعشت في فضلها، وكانت هي على حالها، فلما ولى دعاه،
فقال: هاتها عسى أن لا أفنيها حتى أموت وقال: فوالله ما أفناها حتى مات. قال:
وبقي منها شيء، فاشترينا له كفناً.
[٣٥٣/٨]
- عن أبي عبد الله بن المحاملي قال: صليت صلاة العيد يوم فطر في جامع
المدينة، فلما انصرفت قلت في نفسي: أدخل على داود بن علي أهنيه، وكان ينزل
قطيعة الربيع. قال: فجئته، وقرعت عليه الباب، فأذن لي، فدخلت عليه، وإذا بين
يديه طبق فيه أوراق هندبا، وغصارة فيها نخلة، وهو يأكل فهنيته، وتعجبت من
حاله، ورأيت أن جميع ما نحن فيه من الدنيا ليس بشيء، فخرجت من عنده،
ودخلت على رجل من مجندي القطيعة يعرف بالجرجاني، فلما علم بمجيئي إليه
خرج إلي حاسر الرأس حافي القدمين، وقال لي: ما عنى القاضي أيده الله؟ فقلت:
مهم. قال: وما هو؟ قلت: في جوارك داود بن علي، ومكانه من العلم، وأنت
فكثير البر والرغبة في الخير تغفل عنه، وحدثته بما رأيت، فقال لي: داود شرس
الخلق أعلم القاضي أني وجهت إليه البارحة ألف درهم مع غلامي ليستعين بها في
بعض أموره، فردها مع الغلام، وقال للغلام: قل له بأي عين رأيتني؟ وما الذي

٣٣٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
بلغك من حاجتي وخلتي حتى وجهت إلي بهذا؟ قال: فتعجبت من ذلك، فقلت له:
هات الدراهم فإني أحملها إليه أنا، فدعا بها، ودفعها إلي، ثم قال: يا غلام ناولني
الكيس الآخر، فجاءه بكيس فوزن ألفاً أخرى، فقال: تيك لنا، وهذه لموضع
القاضي، وعنايته. قال: فأخذت الألفين، وجئت إليه فقرعت بابه، وكلمني من وراء
الباب أو قال: ما رد القاضي؟ قلت: حاجة أكلمك فيها فدخلت، وجلست ساعة،
ثم أخرجت الدراهم، وجعلتها بين يديه، فقال: هذا جزاء من ائتمنك على سره إنما
بأمانة العلم أدخلتك إلي. ارجع فلا حاجة لي فيما معك. قال المحامي: فرجعت،
وقد صغرت الدنيا في عيني، ودخلت على الجرجاني، فأخبرته بما كان، فقال: أما
أنا فقد أخرجت هذه الدراهم الله تعالى لا ترجع في مالي هذا فليتول القاضي
إخراجها في أهل الستر والعفاف من المتجملين بالستر، والصيانة على ما يراه، فقد
[٣٧١/٨ - ٣٧٢]
أخرجتها عن قلبي.
- عن أبي عمرو الزجاجي قال: نهاني الجنيد أن أدخل على رويم، فدخلت عليه
يوماً، وكان قد دخل في شيء من أمور السلطان، فدخل عليه الجنيد، فرآني عنده،
فلما أن خرجنا قال الجنيد: كيف رأيته يا خراساني؟ قلت: لا أدري. قال: إن
الناس يتوهمون أن هذا نقصان في حاله ووقته، وما كان رويم أعمر وقتاً منه في هذه
الأيام، ولقد كنت أصحبه بالشونيزية في حال الإرادة، وكنت معه في خرقتين، وهو
الساعة أشد فقراً منه في تلك الحالة، وفي تلك الأيام.
[٤٣١/٨]
- عن سري بن المغلس قال: أشتهي منذ ثلاثين سنة جزرة أغمسها في الدبس،
وآكلها فما تصح لي.
[١٩٠/٩]
- عن سري بن المغلس السقطي قال: أتاني حسين الجرجاني إلى عبدان، فدق
عليَّ باب الغرفة التي كنت فيها، فخرجت إليه، فقال لي: سري؟ فقلت: سري،
فقال لي: ملحك مدقوقة؟ قلت: نعم. قال: لا تفلح، ثم قال لي: سري لولا أن الله
عقم الآذان عن فهم القرآن ما زرع الزارع، ولا تجر التاجر، ولا تلاقى الناس في
الطرقات، ثم مضى، فأتعبني، وأبكاني.
[١٩٠/٩]
- قال البرقاني: ودفع إلي الأبندوني يوماً قدحاً فيه كسر يابسة، وأمرني أن أحمله
إلى الباقلاني ليطرح عليه ماء الباقلاء، ففعلت ذلك، فلما ألقى الباقلاني عليه الماء،
وقع في القدح من الباقلاء اثنتين، أو ثلاث، فبادر الباقلاني إلى رفعها، فقلت له:
ويحك ما مقدار هذا حتى ترفعه من القدح؟! فقال: هذا الشيخ يعطيني في كل شهر

=
٣٣١
باب الزهد
دانقاً حتى أبل له الكسر اليابسة فكيف أدفع إليه الباقلاء مع الماء؟ وجعل البرقاني
[٤٠٨/٩]
يصف أشياء من تقلله وزهده.
- رأت جارية المنصور قميصه مرقوعاً فقالت: أخليفة وقميصه مرقوعاً؟ فقال:
ويحك أما سمعت ما قال ابن هرمة:
خَلِقٌ وجيب قميصه مرفوع
قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه
[١٠ / ٥٧]
- عن علي بن أبي جميلة عن أبيه قال: رأيت على معاوية، وهو على المنبر قباء
مرقع.
[٧/١١]
- عن علي بن الفضيل قال: سمعت أبي وهو يقول لابن المبارك: أنت تأمرنا
بالزهد، والتقلل، والبلغة، ونراك تأتي بالبضائع من بلاد خراسان إلى البلد الحرام
كيف ذا؟! فقال ابن المبارك: يا أبا علي إنما أفعل ذا لأصون به وجهي، وأكرم به
عرضي، وأستعين به على طاعة ربي، لا أرى الله حقاً إلا سارعت إليه حتى أقوم به.
فقال له الفضيل: يا ابن المبارك: ما أحسن ذا إن تم ذا.
[١٦٠/١٠]
- قال ابن عمار: رأيت عمر بن أيوب أخرج صوفاً من قفته فدفعه إلى ابنه،
فذهب به فباعه، فجاء بخبز، فوضعه بين أيدينا، فأبينا أن نأكل. قال: وبات ليلته،
ولم يكن عنده شيء حتى أخرج الصوف إما قال: من فراش، أو من قفة حتى بيع،
واشترى خبزاً. قال: وما رأيته يذكر الدنيا بواحدة، وكان من أشد الناس حياء،
ويضع الناس منه كأنه على الكبر.
[١٨٦/١١]
- جاء رجل إلى عبد الصمد بمائة دينار ليدفعها إليه فقال: أنا غني عنها، ولست
بمحتاج إليها. قال: ففرقها على أصحابك هؤلاء. فقال: ضعها على الأرض،
ففعل، ثم قال عبد الصمد للجماعة: من احتاج منكم إلى شيء، فليأخذ على قدر
حاجته، فتوزعتها الجماعة على صفات مختلفة في القلة والكثرة، ولم يمسها هو
بيده، ثم جاء ابنه بعد ساعة، فطلب منه شيئاً فقال له: اذهب إلى البقال، فخذ علي
منه ربع رطل تمر.
[١١ / ٤٤]
- كان لأبي عمرو بن العلاء كل يوم فلسين: فلس يشتري به ريحاناً يشمه، وفلس
[٣١٨/١١ - ٣١٩]
يشتري به كوزاً يشرب فيه ماء.
- عن عيسى بن علي بن عيسى الوزير قال: حضر أبو الحسين عمر بن أبي عمر
القاضي، فرأى أبي عليه ثوباً، فاستحسنه فأدخل يده فيه يستشفه، وقال: بكم اشترى
القاضي هذا الثوب؟ فقال: بسبعين ديناراً، فقال أبي: لكني لم ألبس ثوباً قط يزيد

٣٣٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
ثمنه على ما بين ستة دنانير إلى سبعة. فقال أبو الحسين: ذاك لأن الوزير يجمل
[١٦/١٢]
الثياب، ونحن نتجمل بلبس الثياب.
- عن جنيد وقد قال له أبو القاسم النهاوندي: عمرو المكي يوافي وينزل عند
فلان. قال: لا أحب أن أسلم عليه، وذلك أني معزم على أن لا أكلم أحداً ممن
كان يظهر الزهد، ويقول به، ثم تبدو منه المذمومات من الإيثار في طلب الدنيا،
والاتساع في طلبها إلا أن يتوب.
[١٢ /٢٢٤]
- كان عطية زاهداً، وكان لا يضع جنبه على الأرض، وإنما ينام محتبياً. [٣٢٣/١٢]
- عن جعفر بن حمدويه قال: كنا على باب قبيصة بن عقبة بالكوفة، ومعنا دلف بن
أبي دلف أبو عبد العزيز، ومعه الخدم يكتب الحديث، فصار إلى باب قبيصة، فدق
عليه الباب، فأبطأ قبيصة بالخروج، فعاوده الخدم، وقيل ابن ملك الجبل على الباب،
وأنت لا تخرج إليه. قال: فخرج، وفي طرف إزاره كسر من الخبز، فقال: رجل قد
رضي من الدنيا بهذا، ما يصنع بابن ملك الجبل؟ والله لا حدثته فلم يحدثه. [١٢/ ٤٧٦]
- عن ابن سيرين قال: كان عمر بن الخطاب إذا بعث أميراً كتب إليهم: (إني قد
بعثت إليكم فلاناً وأمرته بكذا وكذا، فاسمعوا له وأطيعوه)، فقالوا: هذا الرجل له
شأن، فركبوا ليتلقوه، فلقوه على بغل تحته أكاف، وهو معترض عليه رجلاه من
جانب واحد، فلم يعرفوه، فأجازوه فلقيهم الناس فقالوا لهم: أين الأمير؟ قالوا: هو
الذي لقيتم. قالوا: فركضوا في أثره، فأدركوه، وفي يده رغيف، وفي الأخرى
عرق، وهو يأكل، فسلموا عليه، فنظر إلى عظيم منهم، فناوله العرق والرغيف.
قال: فلما غفل ألقاه، أو قال أعطاه خادمه.
[١٦٢/١]
- عن بشر بن الحارث قال: من أراد أن يكون عزيزاً في الدنيا، سليماً في الآخرة،
[١٥٦/٣ - ١٥٧]
فلا يحدّث، ولا يشهد، ولا يؤم قوماً، ولا يأكل لأحد طعاماً.
- عن أبي بكر أحمد بن محمد الحجاج المروذي قال: دخلت على أبي بكر بن
مسلم - صاحب قنطرة بردان - يوم العيد، فوجدت عليه قميص مرقوع نظيف مطبق،
وقدامه قليل خرنوب يقرضه، فقلت: يا أبا بكر اليوم عيد الفطر وتأكل خرنوباً؟ فقال
[٢٥٦/٣]
لي: لا تنظر إلى هذا، ولكن انظر، إن سألني من أين هو إيش أقول؟ !.
- عن أبي العباس هاشم بن القاسم قال: كنت بحضرة المهتدي عشية من
العشايا، فلما كادت الشمس تغرب، وثبت لأنصرف - وذلك في شهر رمضان - فقال
لي: اجلس. فجلست ثم إن الشمس غابت وأذن المؤذن لصلاة المغرب وأقام،
فتقدم المهتدي فصلی بنا، ثم ركع وركعنا، ودعا بالطعام، فأحضر طبق خلاف،

=
٣٣٣
باب الزهد
وعليه رغيف من الخبز النقي، وفيه آنية في بعضها ملح، وفي بعضها خل، وفي
بعضها زيت. فدعاني إلى الأكل فابتدأت آكل معذراً ظاناً أنه سيؤتى بطعام له نيقة،
وفيه سعة، فنظر إليّ وقال لي: ألم تك صائماً؟ قلت: بلى. قال: أفلست عازماً
على صوم غد؟ فقلت: كيف لا، وهو شهر رمضان؟! فقال: فكل واستوف غداءك،
فليس ها هنا من الطعام غير ما ترى. فعجبت من قوله، ثم قلت: والله لأخاطبنه في
هذا المعنى، فقلت: ولم يا أمير المؤمنين وقد أسبغ الله نعمه، وبسط رزقه، وكثر
الخير من فضله؟ فقال: إن الأمر لعلى ما وصفت فالحمد لله، ولكنني فكرت في أنه
كان في بني أمية عمر بن عبد العزيز وكان من التقلل والتقشف على ما بلغك، فغرت
على بني هاشم أن لا يكون في خلفائهم مثله، فأخذت نفسي بما رأيت، وذكر أنه
وجد له سفط فيه جبة صوف وكساء، وبرنس كان يلبسه بالليل ويصلي فيه، وكان
يقول: أما يستحي بنو العباس أن لا يكون فيهم مثل عمر بن عبد العزيز؟! وكان قد
اضطرح الملاهي، وحرّم الغناء، والشراب، وحسم أصحاب السلطان عن الظلم،
وضرب جماعة من الرؤساء، وكان مع حسن مذهبه، وإيثار العدل الإشراف على أمر
الدواوين والخراج، يجلس بنفسه في الحسبانات، ولا يخل بالجلوس يوم الاثنين
[٣٥٠/٣]
والخمیس، والكتاب بین یدیه.
- عن حكيم بن جعفر قال: كنا نأتي أبا عبد الله بن أبي جعفر الزاهد وكان يسكن
براثاً، وكانت له امرأة متعبدة يقال لها جوهر، وكان أبو عبد الله يجلس على جلة
خوص بحرانية، وجوهر جالسة حذاءه على جلة أخرى مستقبل القبلة في بيت واحد.
قال: فأتيناه يوماً وهو جالس على الأرض ليس الجلة تحته، فقلنا: يا أبا عبد الله ما
فعلت الجلة التي كنت تقعد عليها؟ قال: إن جوهراً أيقظتني البارحة، فقالت: أليس
يقال في الحديث: ((إن الأرض تقول لابن آدم: تجعل بيني وبينك ستراً، وأنت غداً
في بطني))، قال: قلت: نعم. قالت: فأخرج هذه الجلال لا حاجة لنا فيها، فقمت
والله فأخرجتها .
[٤٠٣/١٤]
- مكث أبو جعفر الحداد عشرين سنة يكسب كل يوم ديناراً يتصدق به. أو
قال: ينفقه على الفقراء، وهو أشد الناس اجتهاداً، ويخرج بين العشاءين فيتصدق
من الأبواب، ولا يفطر إلا في وقت أحل الله عليه الميتة، وكان من رؤساء
[٤١٢/١٤]
المتصوفة .
- قال أبو محمد الجريري: دخلت يوماً على سري السقطي وهو يبكي فقلت له:
ما يبكيك؟ قال: جاءتني البارحة الصبية فقالت لي: يا أبت هذا الليلة حارة، وهذا

٣٣٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
الكوز فيه ماء هو ذا أعلقه ها هنا، فإذا برد فاشربه. قال: فعلقته وقمت إلى أمر
كنت أقوم إليه فغلبتني عيناي فنمت فرأيت كأن جارية من أحسن الخلق نزلت من
السماء وإذا الدنيا قد أشرقت لحسنها وعليها قميص فضة يتخشخش كأني أقول لها:
لمن أنت يا جارية؟ قالت: أنا لمن لا يشرب الماء المبرد في الكيزان. قال:
وتناولت الكوز فضربت به الأرض فكسرته، ثم قالت: سري، تدعي المحبة وتشرب
الماء البارد في الكيزان؟ هذا محال. قال: فرأيت الخزف المكسور في غرفته، لم
یشله ولم يمسه حتى عفى عليه التراب.
[٤٣١/٤]
باب الزواج
- قال الوليد بن أبان الكرابيسي: ليس ينبغي للعاقل أن يخطب إلى من يظن أنه
[٤٤١/١٣]
یرده .
- عن محمد بن عيسى قال: أراد شعيب بن حرب أن يتزوج بامرأة فقال لها: إني
سيء الخلق. قالت: أسوأ منك خُلُقاً من أحوجك أن تكون سيء الخلق. فقال:
أنت إذن امرأتي.
[٢٤٠/٩]
- لما أراد المأمون أن يزوج ابنته من الرضي؛ قال لي: يا يحيى تكلم، فأجللته
أن أقول له: أنكحت. قال. فقلت له: يا أمير المؤمنين أنت الحاكم الأكبر، وأنت
أولى بالكلام، فقال: الحمد لله الذي تصاغرت الأمور بمشيئته، ولا إله إلا الله
إقراراً بربوبيته، وصلى الله على محمد عند ذكره. أما بعد: فإن الله جعل النكاح
الذي رضيه لكما سبباً للمناسبة، ألا وإني قد زوجت زينب ابنتي من علي بن موسى
الرضي، وأمهرنا عنه أربعمائة درهم.
[٧ /٦٢]
- خطب عمر بن الخطاب إلى علي بن أبي طالب ابنته من فاطمة، وأكثر تردده
إليه، فقال: يا أبا الحسن ما يحملني على كثرة ترددي إليك إلا حديث سمعته من
رسول الله وهو يقول: ((كل سبب وصهر منقطع يوم القيامة إلا سبي ونسبي))، فأحببت
أن يكون لي منكم أهل البيت سبب وصهر، فقام علي فأمر بابنته من فاطمة فزيِّنت،
ثم بعث بها إلى أمير المؤمنين عمر، فلما رآها قام إليها فأخذ بساقها، وقال: قولي
لأبيك: قد رضيت .. قد رضيت .. قد رضيت .. فلما جاءت الجارية إلى أبيها قال
لها: ما قال لك أمير المؤمنين؟ قالت: دعاني وقبلني، فلما قمت أخذ بساقي،
وقال: قولي لأبيك قد رضيت، فأنكحها إياه، فولدت له زيد بن عمر بن الخطاب،
فعاش حتى كان رجلاً ثم مات.
[٦ / ١٨٢]

٣٣٥
باب الزواج
- لما قيل لأبي عبد الله أحمد بن حنبل مات بشر بن الحارث قال: مات وما له
نظير في هذه الأمة إلا عامر بن عبد قيس، فإن عامراً مات، ولم يترك شيئاً، وهذا
قد مات ولم يترك شيئاً، ثم قال: لو تزوج كان قد تم أمره.
[٧٣/٧]
- قال طلق بن غنام: خرج حفص بن غياث يريد الصلاة، وأنا خلفه في الزقاق،
فقامت امرأة حسناء، فقالت: أصلح الله القاضي زوجني فإن لي إخوة يضرون بي.
قال: فالتفت إلي، فقال: يا طلق اذهب فزوجها إن كان الذي يخطبها كفؤاً، فإن
كان يشرب النبيذ حتى يسكر، فلا تزوجه، وإن كان رافضياً فلا تزوجه. قلت:
أصلح الله القاضي لم قلت هذا؟ قال: إنه إن كان رافضياً فإن الثلاث عنده واحدة،
وإن كان يشرب النبيذ حتى يسكر، فهو يطلق ولا يدري.
[١٩٣/٨]
- عن مريم امرأة أبي عثمان قالت: صادفت من أبي عثمان خلوة فاغتنمتها،
فقلت: يا أبا عثمان أي عملك أرجى عندك؟ فقال: يا مريم لما ترعرعت، وأنا
بالري، وكانوا يريدونني على التزويج فأمتنع جاءتني امرأة، فقالت: يا أبا عثمان قد
أحببتك حباً ذهب بنومي وقراري، وأنا أسألك بمقلب القلوب، وأتوسل به إليك أن
تتزوج بي. قلت: ألك والد؟ قالت: نعم فلان الخياط في موضع كذا وكذا،
فراسلت أباها أن يزوجها مني ففرح بذلك، وأحضرت الشهود، فتزوجت بها، فلما
دخلت بها وجدتها عوراء عرجاء مشوهة الخلق، فقلت: اللهم لك الحمد على ما
قدرته لي، وكان أهل بيتي يلومونني على ذلك، فأزيدها براً وإكراماً إلى أن صارت
بحيث لا تدعني أخرج من عندها، فتركت حضور المجالس إيثاراً لرضاها وحفظاً
لقلبها، ثم بقيت معها على هذه الحال خمس عشرة سنة، وكأني في بعض أوقاتي
على الجمر، وأنا لا أبدي لها شيئاً من ذلك إلى أن ماتت، فما شيء أرجى عندي
[١٠١/٩]
من حفظي عليها ما كان في قلبها من جهتي.
- عن أبي بكر النيسابوري قال: تعرف من أقام أربعين سنة لم ينم الليل، ويتقوت
كل يوم بخمس حبات، ويصلي صلاة قال تعرف الغداة على طهارة العشاء الآخرة،
ثم قال: أنا هو، وهذا كله قبل أن أعرف أم عبد الرحمن أيش لمن زوجني! ثم
قال: في أثر هذا ما أريد إلا الخير.
[١٢٢/١٠]
- أن الديباج محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وعبد العزيز بن عبد الله بن
عبد الله بن عمر بن الخطاب خطبا امرأة من قريش فاختلفا عليها في جمالها،
فجعلت تسأل، وتستبحث إلى أن خرجت تريد صلاة العتمة في المسجد، فرأتهما
قائمين في القمر يتعاتبان في أمرها ووجه عبد العزيز إليها، وظهر محمد إليها،
فنظرت إلى بياض عبد العزيز وطوله، فقالت: ما يسأل عن هذين؟ وتزوجت

٣٣٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
عبد العزيز فجمع الناس، وأولم لدخولها، فبعث إلى محمد بن عبد الله بن عمرو،
فدعاه فيمن دعا فأكرمه، وأجلسه في مجلس شريف، فلما فرغ الناس برك له محمد
وخرج، وهو يقول:
وبينما أرجى أن أكون وليها رميت بعرق من وليمتها سخن
[٤٣٥/١٠]
- عن أبي القاسم عبيد الله بن عمر تزوج ابن المحرم. قال: فلما حملت المرأة
إليّ جلست في بعض الأيام على العادة أكتب شيئاً، والمحبرة بين يدي، فجاءت
أمها فأخذت المحبرة فلم أشعر بها حتى ضربت بها الأرض وكسرتها! فقلت لها في
[٣٢١/١]
ذلك؟ فقالت: بس، هذه شر على ابنتي من ثلثمائة ضرة.
- عن الأصمعي قال: مررت بالبادية على رأس بئر، وإذا على رأسه جوار، وإذا
واحدة منهن كأنها البدر، فوقع عليّ الرعدة وقلت لها:
هل باشتكائي إليك الحب من باس
يا أحسن الناس إنساناً وأملحهم
أبالصريمة تمضي عنك أم ياس؟
فبيِّني لي بقول غير ذي خلف
قال: فرفعت رأيها وقالت لي: اخسأ. فوقع في قلبي مثل جمر الغضا، فانصرفت
عنها وأنا حزين. قال: ثم رجعت إلى رأس البئر فإذا هي على رأس البئر فقالت:
ونحدث الآن إقبالاً من الراس
هلم نمح الذي قد كان أوله
مثل الذي يحتذي نعلاً بمقياس
حتى نكون ثبيراً في مودتنا
[٣٢٧/١]
فانطلقت معها إلى أبيها فتزوجتها فابني عليّ منها .
- عن أبي قبيصة محمد بن عبد الرحمن قال: تزوجت أم أولادي هؤلاء، فلما
كان بعد الأملاك بأيام قصدتهم للسلام، فاطلعت من شق الباب فرأيتها، فبغضتها،
[٣١٥/٢]
وهي معي منذ ستين سنة.
- عن موسى بن عبد الله أنه اختفى بالبصرة، فأخذه المنصور وعفا عنه، وكان
يقول شيئاً من الشعر. كتب من العراق إلى زوجته أم سلمة بنت محمد بن طلحة بن
عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر أم ابنه عبد الله بن موسى يستدعيها إلى الخروج
إليه، فلم تفعل فكتب إليها :
بلاد بها أس الخيانة والغدر
لا تتركيني بالعراق فإنا
مقابلة الأجداد طيبة النشر
فإني زعيم أن أجيء بضرة
ومرة لم تحفل بفضل أبي بكر
إذا انتسبت من آل شيبان في الذرى
[٢٦/١٣]

=
٣٣٧
باب زمزم
- عن أحمد بن محمد الزيادي قال: كان سبب تزويج أبي أحمد القلانسي بعد
تعزبه وتفرده ولزومه المساجد والصحارى كان يصحبه شاب يعرف بمحمد الغلام،
وهو محمد بن يعقوب المالكي، وكان حدث السن، فقال: أنا أحب أن أتزوج،
فسأل أبو أحمد بريهة أتطلب له زوجة، فكلمت إنساناً يقال له ابن المطبخي من
النساك في بنت له، فأجاب بها، واتعدنا منزل بريهة ليعقد أبو أحمد النكاح، ومعنا
رويم، والقطيعي، وجماعة فحضر أبو الصبية، فلما عزموا على النكاح جزع محمد
الغلام، وقال: قد بدا لي، فغضب أبو أحمد عليه، وقال: تخطب إلى رجل كريمته،
ثم تأبى؟! لا يتزوجها غيري، فتزوجها في ذلك اليوم فلما عقدنا النكاح قام أبوها،
وقبَّل رأس أبي أحمد، وقال: ما كنت أظن أن قدري عند الله أن أصاهرك، ولا قدر
ابنتي أن تكون أنت زوجها، وكانت معه حتى مات عنها.
[١١٥/١٣]
- عن مكي قال: حججت ستين حجة، وتزوجت ستين امرأة، وجاورت بالبيت
عشر سنين، وكتبت عن سبعة عشر نفساً من التابعين، ولو علمت أن الناس يحتاجون
[١١٦/١٣]
إلي لما كتبت دون التابعين عن أحد.
- كان أبو شعيب البراثي أو من سكن براثا في كوخ يتعبد فيه، فمرت بكوخه
جارية من بنات الكبار من أبناء الدنيا كانت ربيت في قصور الملوك، فنظرت إلى أبي
شعيب، فاستحسنت حاله، وما كان عليه فصارت كالأسير له، فعزمت على التجرد
من الدنيا، والاتصال بأبي شعيب، فجاءت إليه وقالت أريد أن أكون لك خادمة،
فقال لها: إن أردت ذلك فغيري من هيئتك، وتجردي عما أنت فيه حتى تصلحي لما
أردت، فتجردت عن كل ما تملكه، ولبست لبسة النساك، وحضرته فتزوجها، فلما
دخلت الكوخ رأت قطعة خصاف كانت مجلس أبي شعيب تقيه من الندى، فقالت:
ما أنا بمقيمة فيها حتى تخرج ما تحتك لأني سمعتك تقول: ((إن الأرض تقول يا ابن
آدم تجعل اليوم بيني وبينك حجاباً وأنت غداً في بطني))، فما كنت لأجعل بيني
وبينها حجاباً، فأخذ أبو شعيب الخصاف ورمى بها، فمكثت معه سنين كثيرة يتعبدان
أحسن عبادة وتوفيا على ذلك متعاونين.
[٤١٨/١٤]
باب زمزم
- عن سويد بن سعيد قال: رأيت عبد الله بن المبارك بمكة أتى زمزم، فاستقى منه
شربة، ثم استقبل الكعبة، ثم قال: اللهم إن ابن أبي الموال حدثنا عن محمد بن
المنكدر عن جابر عن النبي وَالر أنه قال: ((ماء زمزم لما شرب له)) وهذا أشربه لعطش
القيامة، ثم شربه.
[١٦٦/١٠]

٣٣٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
باب السؤال عما لا يعني ؟
- عن عبد الله بن المبارك قال: قيل لداود الطائي وحائطه قد تصدع: لو أمرت
برمه، فقال داود: كانوا يكرهون فضول النظر.
[٣٤٩/٨]
باب السب
- شتم رجل عبيد الله بن الحسن العنبري القاضي، فقال عبيد الله وقبض على
[٣٠٩/١٠]
لحيته: شيبتي تمنعني من أن أرد عليك.
- قال عمرو بن العاص: انتهى عجبي عند ثلاث: المرء يفر من القدر وهو لاقيه،
والرجل يرى في عين أخيه القذاة؛ فيعيبها، ويكون في عينه مثل الجذع فلا يعيبه،
والرجل يكون في دابته الصغَّرَ(١) فيقوِّمها جهده ويكون في نفسه الصعر فلا يقوِّم
نفسه ! .
[١٠٦/٨]
- سبَّ رجل عبد الله بن حسن بن حسن، فأعرض عنه عبيد الله، فقيل له: لم لا
تجبه؟ قال: لم أعرف مساويه، وكرهت بهته بما ليس فيه.
[٣٤٨/١٠]
- عن ابن أبي سلمة قال: حدثني أبي قال: كنت ببغداد عند باب الذهب قال:
فقيل الحسن بن زيد يخرج من السجن ينازع محمد بن عبد العزيز، وكان على قضاء
مدينة أبي جعفر: الجمحي، فأمر أن ينظر بينهما، أمره أمير المؤمنين بذلك، قال:
فجاء الحسن بن زيد، وجاء محمد بن عبد العزيز، فجلس إلى جانبه في مجلس
الحكم، فأقبل الحسن بن زيد على ابن المولى، فقال: تعال فاجلس بيني وبين هذا
الرجس، وكره أن يلتزق به، فأقبل أخ لمحمد بن عبد العزيز - يقال له سندلة - على
الحسن بن زيد فقال: إيها يا ابن أم رقوق، وباسور المراق، يا ابن عم من يزعم أن
في السماء إلهاً، وفي الأرض إلهاً، ولّاك أمير المؤمنين، فكفرت نعمته وأردت
الخروج عليه، يا معشر الملأ هل ترون وجه خليفة؟! قال: فأقبل عليه الحسن بن
زيد، فقال: مثلي ومثلك كما قال الشاعر:
وليس بنصف أن أسب مجاشعاً
بآبائي الشم الكرام الخضارم
بنو عبد شمس من مناف وهاشم
ولكن نصفاً لو سببت وسبني
قال: فتركهم الجمحي ساعة يتنازعون، ثم إن الجمحي أقبل عليهم فقال: دعونا
(١) الصعر: ميل في الوجه أو في أحد الشقين، وداء في البعير يلوي عنقه منه، والتصعر إمالة
الخد عن الناس كبراً. عن القاموس.

٣٣٩
باب الستر على الناس
منكم، هات يا ابن عبد العزيز ما تقول؟ قال: أصلح الله القاضي جلدني مائة،
وشقق قضاياي، وعلقها في عنقي، وأقامني على البلس، فقال: ما تقول يا حسن؟
قال: أمرني أمير المؤمنين بذلك، قال: حجتك؟ فأخرج كتاباً من كمه. وقال: هذا
حجتي قال: هاته، قال: ما كنت لأدفع حجتي إلى غيري، ولكن إن أردت أن
تنسخه فانسخه، ثم أعاده إلی کمه.
[٣١٢/٧]
- عن المطلب بن عكاشة المزني قال: قدمنا إلى أمير المؤمنين الهادي شهوداً
على رجل منا شتم قريشاً، وتخطى إلى ذكر رسول الله، فجلس لنا مجلساً أحضر فيه
فقهاء زمانه، ومن كان بالحضرة على بابه، وأحضر الرجل، وأحضرنا فشهدنا عليه
بما سمعنا منه، فتغير وجه الهادي، ثم نكس رأسه ورفعه، فقال: إني سمعت أبي
المهدي يحدث عن أبيه المنصور عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن عبد الله
عن أبيه عبد الله بن عباس قال: (من أراد هوان قريش أهانه الله)، وأنت يا عدو الله
لم ترض بأن أردت ذلك من قريش حتى تخطيت إلى ذكر رسول الله اضربوا عنقه،
فما برحنا حتى قتل.
[٢٣/١٣]
باب الستر على الناس
- عن محمد بن النضر الحارثي قال: قرأت في بعض الكتب: ابن آدم لو يعلم
الناس منك ما أعلم لنبذوك، ولكن سأغفر لك ما لم تشرك بي.
[٩٦/٨]
- جاءت امرأة فسألت حاتماً عن مسألة، فاتفق أن خرج منها في تلك الحالة
صوت فخجلت، فقال حاتم بن الأصم: ارفعي صوتك، وأرى من نفسه أنه أصم،
فسرت المرأة لذلك، وقالت: إنه لم يسمع الصوت، فغلب عليه الصمم. [٢٤٤/٨]
- عن مريم امرأة أبي عثمان قالت: صادفت من أبي عثمان خلوة فاغتنمتها فقلت:
يا أبا عثمان أي عملك أرجى عندك، فقال: يا مريم لما ترعرعت، وأنا بالري،
وكانوا يريدونني على التزويج فأمتنع، جاءتني امرأة، فقالت: يا أبا عثمان قد أحببتك
حباً ذهب بنومي وقراري، وأنا أسألك بمقلب القلوب، وأتوسل به إليك أن تتزوج
بي. قلت: ألك والد؟ قالت: نعم فلان الخياط في موضع كذا وكذا، فراسلت أباها
أن يزوجها مني ففرح بذلك، وأحضرت الشهود، فتزوجت بها، فلما دخلت بها
وجدتها عوراء عرجاء مشوهة الخلق، فقلت: اللهم لك الحمد على ما قدرته لي،
وكان أهل بيتي يلومونني على ذلك، فأزيدها براً وإكراماً إلى أن صارت بحيث لا
تدعني أخرج من عندها، فتركت حضور المجالس إيثاراً لرضاها وحفظاً لقلبها، ثم

٣٤٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
بقيت معها على هذه الحال خمس عشرة سنة، وكأني في بعض أوقاتي على الجمر،
وأنا لا أبدي لها شيئاً من ذلك إلى أن ماتت، فما شيء أرجى عندي من حفظي
عليها ما كان في قلبها من جهتي.
[١٠١/٩]
- كان صالح قد افتصد فدعا إخوانه. قال: وأنفق في ذلك اليوم نحواً من عشرين
ديناراً في طيب وغيره. وأحسب قال: كان في الدعوة ابن أبي مريم، وذكر عدة.
قال: فإذا أبو عبد الله قد دق الباب. قال: فقال له ابن أبي مريم: اسبل علينا الستر
لا نفتضح، ولا يشم أبو عبد الله رائحة الطيب. قال: فدخل أبو عبد الله فقعد في
الدار، وسأله عن أحواله، وقال له: خذ هذين الدرهمين فأنفقها اليوم، وقام
فخرج، فقال ابن أبي مريم لصالح: فعل الله بك وفعل، لم أردت أن تأخذ
الدرهمين منه.
[٣١٩/٩]
باب السحر والكهانة
- عن الأوزاعي قال: أردت بيت المقدس، فرافقت يهودياً، فلما صرنا إلى
طبرية نزل، فاستخرج ضفدعاً فشد في عنقه خيطاً فصار خنزيراً، فقال: حتى أذهب
فأبيعه من هؤلاء النصارى، فذهب فباعه، وجاء بطعام، فركبنا فما سرنا غير بعيد
حتى جاء القوم في الطلب، فقال لي: أحسبه صار في أيديهم ضفدعاً. قال:
فحانت مني التفاتة فإذا بدنه ناحية، ورأسه ناحية. قال: فوقفت وجاء القوم فلما
نظروا إليه فزعوا من السلطان ورجعوا عنه. قال: تقول لي الرأس: رجعوا؟ قال:
قلت: نعم. قال: فالتأم الرأس إلى البدن، وركبنا، وركب، قال: فقلت: لا
رافقتك أبداً اذهب عني.
[٢٩٥/٦]
- عن علي بن أحمد الحاسب قال: سمعت والدي يقول: وجهني المعتضد إلى
الهند لأمور أتعرفها ليقف عليها، وكان معي في السفينة رجل يعرف بالحسين بن
منصور، وكان حسن العشرة، طيب الصحبة، فلما خرجنا من المركب، ونحن على
الساحل، والحمالون ينقلون الثياب من المركب إلى الشط، فقلت له: إيش جئت إلى
ها هنا؟ قال: جئت لأتعلم السحر، وأدعو الخلق إلي. قال: وكان على الشط
كوخ، وفيه شيخ كبير، فسأله الحسين بن منصور هل عندكم من يعرف شيئاً من
السحر؟ قال: فأخرج الشيخ كبة غزل وناول طرفه الحسين بن منصور، ثم رمى الكبة
في الهواء فصارت طاقة واحدة، ثم صعد عليها ونزل، وقال للحسين بن منصور:
مثل هذا تريد ثم فارقني ولم أره بعد ذلك إلا ببغداد.
[١٢٠/٨]