النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
باب الحياء * باب الحيض
وأحرى أن تنال به انتقاما
وفضل الحلم أبلغ في سفيه
[٨٧/١٣ - ٨٨]
- عن عباة بن كليب قال: أتاني المؤمل الشاعر فقال: أروي لك ثلاثة أبيات،
قلت له: أنت تقول في الغزل والنساء، قال: اسمعها، فإن أعجبتك فاروها، قلت:
هات، قال: إذا سفه عليك أحداً فاروها، ولا تكلمه:
فخير من إجابتك السكوت
إذا نطق اللئيم فلا تجبه
ولو دمه سفكت لما خطيت
لئيم القوم يشتمني فيخطئ
خزيت لمن يشاتمه خزيت
فلست مشاتماً أبداً لئيماً
[١٧٩/١٣]
باب الحياء
- عن أبي محمد الوراق قال: كنت بشارع الأنبار، وأنا صبي في يوم نيروز، فعبر
رجل راكب، فبادر بعض الصبيان، فأقلب عليه ماء، فأنشأ يقول، وهو ينفض رداءه
من الماء:
إذا قلَّ ماء الوجه قلَّ حياؤه ولا خير في وجه إذا قلَّ ماؤه
فلما عبر قيل لنا: هذا هو أبو إسحاق الزجاج.
[٩٣/٦]
- قال علي بن أبي طالب: إني لأستحي من الله أن يكون ذنب أعظم من عفوي، أو
جهل أعظم من حلمي، أو عورة لا يواريها ستري، أو خلة لا يسدها جودي. [٣٨١/١]
- عن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: دخلت على أحمد بن حنبل أسلم علیه،
فمددت يدي إليه فصافحني، فلما أن خرجت قال: ما أحسن أدب هذا الفتى لو
انكب علينا كنا نحتاج أن نقوم.
[٩٥/٦]
- عن ذي النون المصري قال: اعلموا أن الذي أقام الحياء من الله معرفته بإحسانه
إليهم، وعلمهم بتضييع ما افترض من شكره، فليس لشكره نهاية.
[٣٩٤/٨]
باب الحيض
- عن ابن خلاد قال: وقفت امرأة على مجلس فيه يحيى بن معين وأبو خيثمة
وخلف بن سالم في جماعة يتذاكرون الحديث، فسمعتهم يقولون: قال رسول الله،
ورواه فلان، وما حدث به غير فلان، فسألتهم عن الحائض تغسل الموتى، وكانت
غاسلة، فلم يجبها أحد منهم، وكانوا جماعة، وجعل بعضهم ينظر إلى بعض، فأقبل
أبو ثور، فقالوا لها: عليك بالمقبل، فالتفتت إليه، وقد دنا منها فسألته، فقال: نعم

٢٤٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
تغسل الميت لحديث القاسم عن عائشة أن النبي ◌َ * قال لها: أما إن حيضتك ليست
في يدك، ولقولها: كنت أفرق رأس النبي - ﴿ بالماء، وأنا حائض. قال أبو ثور:
فإذا فرقت رأس الحي، فالميت أولی به، فقالوا: نعم، رواه فلان، وحدثناه فلان،
وتعرفونه به من طريق كذا، وخاضوا في الطرق، والروايات، فقالت المرأة: وأين
كنتم إلى الآن؟.
[٦٧/٦]
باب الحيل
- دخل سفيان على المهدي، فقال: السلام عليكم، كيف أنتم أبا عبد الله؟ ثم
جلس، فقال: حج عمر بن الخطاب، فأنفق في حجته ستة عشر ديناراً، وأنت
حججت، فأنفقت في حجتك بيوت الأموال، فقال: أي شيء تريد أكون مثلك؟ قال:
فوق ما أنا فيه، ودون ما أنت فيه، فقال وزيره أبو عبيد الله: يا أبا عبد الله قد كانت
كتبك تأتينا فننفذها، قال: من هذا؟ قال: أبو عبيد الله وزيري، قال: احذره؛ فإنه
كذاب، أنا كتبت إليك! ثم قام، فقال له المهدي: أين أبا عبد الله؟ قال: أعود،
وكان قد ترك نعله حين قام فعاد فأخذها، ثم مضى، فانتظره المهدي فلم يعد، قال:
وعدنا أن يعود فلم يعد، قيل له: إنه قد عاد لأخذ نعله، فغضب.
[١٦٠/٩]
- عن يوسف السمتي: أن أبا جعفر المنصور أجاز أبا حنيفة بثلاثين ألف درهم
في دفعات، فقال: يا أمير المؤمنين: إني ببغداد غريب، وليس لها عندي موضع،
فاجعلها في بيت المال، فأجابه المنصور إلى ذلك، قال: فلما مات أبو حنيفة
أخرجت ودائع الناس من بيته، فقال المنصور: خدعنا أبو حنيفة.
[٣٥٩/١٣]
- عن أبي العباس بن سعيد قال: كان قد أتى كتاب فيه نحو خمسمائة حديث عن
حبيب بن أبي ثابت الأسدي لا أعرف له طريقاً، قال أبو الحسن: فلما كان يوم من
الأيام قال لبعض وراقيه: قمْ بنا إلى بجيلة موضع المغنيات، فقلت: إيش نعمل؟
فقال: بلى تعال، فإنها فائدة لك، قال: فامتنعت عليه فغلبني على المجيء، قال:
فجئنا جميعاً إلى الموضع، فقال لي: سل عن قصيعة المخنث، قال: فقلت: الله الله
يا سيدي أبا العباس ذا فضيحة لا تفضحنا، قال: فحملني الغيظ فدخلت فسألت عن
قصيعة، فخرج إلي رجل في عنقه طبل مخضب بالحناء، فجئت به إليه فقلت: هذا
قصيعة، فقال: يا هذا امض فاطرح ما عليك، والبس قميصك، وعاود، فمضى
ولبس قميصه، وعاد، فقال له: ما اسمك؟ قال: قصيعة، قال: دع هذا عنك هذا
شيء لقبك به هؤلاء، ما اسمك على الحقيقة؟ قال: محمد، قال: صدقت، ابن
من؟ قال: ابن علي، قال: صدقت، ابن من؟ قال: ابن حمزة، قال: صدقت، ابن

=
٢٤٣
باب الحيل
من؟ قال: لا أدري، والله يا أستاذي، قال: أنت محمد بن علي بن حمزة بن
فلان بن فلان بن حبيب بن أبي ثابت الأسدي، قال: فأخرج من كمه الجزء، فدفعه
إليه، فقال له: امسك هذا، فأخذه، ثم قال، ادفعه إلي، ثم قال لي: قم انصرف،
ثم جعل أبو العباس يقول: دفع إلي فلان بن فلان بن فلان بن حبيب بن أبي ثابت
کتاب جده، فکان فیه كذا وكذا.
[٢٠/٥]
- عن أبي العبر الهاشمي قال: خرج أخي الصغير إلى أحمد بن أبي دؤاد إلى سرّ
مَنْ رأى، فشكا إليه خلة، فأمر له بألفي درهم، فمضى أبي بعده فشكا مثل ذلك،
فلم يعطه شيئاً، فقدمت سرّ مَنْ رأى، فعرّفني أبي خبره، فقلت له: قف معي عند
باب ابن أبي دؤاد، وَكِلِ الكلام إليَّ فوقف معي، وقال: شأنك، فلما خرج قلت:
أصلح الله القاضي هذا محمد بن عبد الله بن عبد الصمد الهاشمي يسأل القاضي أن
يلحقه بالأصاغر من ولده، فضحك، ولعنني أبي وانصرف، فوجه إليه ابن أبي دؤاد
بثلاثة آلاف درهم، فقلت له: أعطني منها ألفاً فوالله لولا ما لعنتني عليه ما أخذت
شيئاً أبداً.
[٤٠/٥]
- أقبل أبو العتاهية يمدح المهدي، ويجتهد في الوصول إليه، فلما تطاولت أيامه
أحب أن يشهر نفسه بأمر يصل بها إليه، فلما بصر بعتبة راكبة في جمع من الخدم
تتصرف في حوائج الخلافة تعرض لها، وأمل أن يكون تولعه بها هو السبب الموصل
له إلى حاجته، وانهمك في التشبيب، والتعرض في كل مكان لها، والتفرد بذكرها،
وإظهار شدة عشقها، وكان أول شعر قاله فيها:
بحذاري للبين من أحبابي
راعني يا زيد صوت الغراب
وتعسي لطائر نغَّاب
يا بلائي ويا تقلقل أحشائي
أفصح البين بالنعيب وما أفصح لي في نعيبه بالإياب
ـه بدمع ينهل بالتسكاب
فاستهلت مدامعي جزءاً منـ
أرمد العين أو كحلت بصاب
ومنعت الرقاد حتى كأني
قلت للقلب إذ طوى وصل سعدي لهواه البعيد بالأنساب
أنت مثل الذي يفر من القطر حذار الندى إلى الميزاب
وهي طويلة، وقال في عتبة:
ولقد طربت إليك حتى صرت من ألم التصابي
يجد الجليس إذا دنا ريح الصبابة من ثيابي !!
[٢٥٦/٦]

٢٤٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن أبي الحسن الأزرق قال: إن الحسين بن منصور الحلاج كان قد أنفذ أحد
أصحابه إلى بلد من بلدان الجبل، ووافقه على حيلة يعملها، فخرج الرجل فأقام
عندهم سنين يظهر النسك والعبادة، ويقرأ القرآن ويصوم، فغلب على البلد حتى إذا
علم أنه قد تمكن أظهر أنه قد عمي، فكان يقاد إلى مسجده، ويتعامى على كل أحد
شهوراً، ثم أظهر أنه قد زمن، فكان يحبو، ويحمل إلى المسجد حتى مضت سنة
على ذلك، وتقرر في النفوس زمانته وعماه، فقال لهم بعد ذلك: إني رأيت في النوم
كأن النبي يقول لي: إنه يطرق هذا البلد عبد الله صالح مجاب الدعوة يكون عافيتك
على يده وبدعائه، فاطلبوا لي كل من يجتاز من الفقراء، أو من الصوفية، فلعل الله
أن يفرج عني على يد ذلك العبد وبدعائه كما وعدني رسول الله، فتعلقت النفوس
إلى ورود العبد الصالح، وتطلعته القلوب، ومضى الأجل الذي كان بينه وبين
الحلاج، فقدم البلد، فلبس الثياب الصوف الرقاق، وتفرد في الجامع بالدعاء،
والصلاة، وتنبهوا على خبره، فقالوا للأعمى فقال: احملوني إليه فلما حصل عنده،
وعلم أنه الحلاج قال له: يا عبد الله إني رأيت في المنام كيت وكيت، فتدعو الله
لي، فقال: ومن أنا وما محلي؟! فما زال به حتى دعا له، ثم مسح يده عليه، فقام
المتزامن صحيحاً مبصراً فانقلب البلد، وكثر الناس على الحلاج فتركهم، وخرج من
البلد، وأقام المتعامي المتزامن فيه شهوراً، ثم قال لهم: إن من حق نعمة الله عندي
ورده جوارحي علي أن أنفرد بالعبادة انفراداً أكثر من هذا، وأن يكون مقامي في
الثغر، وقد عملت على الخروج إلى طرسوس، فمن كانت له حاجة تحملتها، وإلا
فأنا أستودعكم الله، قال: فأخرج هذا ألف درهم، فأعطاه، وقال: اغز بها عني،
وأعطاه هذا مائة دينار قال: اخرج بها غزاة من هناك، وأعطاه هذا مالاً، وهذا مالاً
حتى اجتمع ألوف دنانير ودراهم، فلحق بالحلاج، فقاسمه عليها. [١٢٢/٨ - ١٢٣]
- عن أبي بكر محمد بن إسحاق بن إبراهيم الشاهد الأهوازي قال: أخبرني فلان
المنجم، وأسماه ووصفه بالحذق والفراهة، قال: بلغني خبر الحلاج، وما كان يفعله
من إظهار تلك العجائب التي يدعي أنها معجزات، فقلت: أمضي، وأنظر من أي
جنس هي من المخاريق، فجئته كأني مسترشد في الدين، فخاطبني وخاطبته، ثم قال
لي: تشه الساعة ما شئت حتى أجيئك به، وكنا في بعض بلدان الجبل التي لا يكون
فيها الأنهار، فقلت له: أريد سمكاً طرياً في الحياة الساعة، فقال: أفعل، اجلس
مكانك، فجلست، وقام، فقال: أدخل البيت، وأدعو الله أن يبعث لك به، قال:
فدخل بيتاً حيالي، وغلق بابه، وأبطأ ساعة طويلة، ثم جاءني، وقد خاض وحلاً إلى

٢٤٥
باب الحيل
ركبته، وماء، ومعه سمكة تضطرب كبيرة، فقلت له: ما هذا؟ فقال: دعوت الله
فأمرني أن أقصد البطائح، وأجيئك بهذا فمضيت إلى البطائح، فخضت الأهواز،
فهذا الطين منها حتى أخذت هذه، فعلمت أن هذه حيلة، فقلت له: تدعني أدخل
البيت، فإن لم ينكشف لي حيلة فيه آمنت بك، فقال شأنك، فدخلت البيت، وغلقته
على نفسي، فلم أجد فيه طريقاً ولا حيلة فندمت، وقلت: إن وجدت فيه حيلة،
فكشفتها لم آمن أن يقتلني في الدار، وإن لم أجد طالبني بتصديقه، كيف أعمل؟
قال: وفكرت في البيت فرفعت تأزيره، وكان مؤزراً بإزار ساج، فإذا بعض التأزير
فارغاً فحركت جسرية منه خمنت عليها، فإذا هي قد انفلقت، فدخلت فيها، فإذا هي
باب ممر، فولجت فيه إلى دار كبيرة فيها بستان عظيم فيه صنوف الأشجار، والثمار،
والريحان، والأنوار التي هي وقتها، وما ليس هو وقته مما قد غطى، وعتق، واحتيل
في بقائه، وإذا الخزائن مفتوحة فيها أنواع الأطعمة المفروغ منها، والحوائج لما
يعمل في الحال إذا طلب، وإذا بركة كبيرة في الدار فخضتها، فإذا هي مملوءة سمكاً
كباراً وصغاراً فاصطدت واحدة كبيرة، وخرجت فإذا رجلي قد صارت بالوحل والماء
إلى حد ما رأيت رجله، فقلت: الآن إن خرجت، ورأى هذا معي قتلني، فقلت:
أحتال عليه في الخروج، فلما رجعت إلى البيت أقبلت أقول: آمنت، وصدقت،
فقال لي: ما لك قلت ما ها هنا حيلة وليس إلا التصديق بك؟ قال: فاخرج،
فخرجت، وقد بعد عن الباب، وتموه عليه قولي، فحين خرجت أقبلت أعدو أطلب
باب الدار، ورأى السمكة معي، فقصدني، وعلم أني قد عرفت حيلته، فأقبل يعدو
خلفي، فلحقني فضربت بالسمكة صدره ووجهه، وقلت له: أتعبتني حتى مضيت إلى
البحر فاستخرجت لك هذه منه، قال: واشتغل بصدره وبعينه وما لحقهما من
السمكة، وخرجت فلما صرت خارج الدار طرحت نفسي مستلقياً لما لحقني من
الجزع والفزع، فخر إلي وضاحكني، وقال: ادخل، فقلت: هيهات، والله لئن
دخلت لا تركتني أخرج أبداً، فقال: اسمع والله لئن شئت قتلك على فراشك
لأفعلن، ولئن سمعت بهذه الحكاية لأقتلنك، ولو كنت في تخوم الأرض، وما دام
خبرها مستوراً، فأنت آمن على نفسك، امض الآن حيث شئت، وتركني ودخل،
فعلمت أنه يقدر على ذلك بأن يدس أحد من يطيعه، ويعتقد فيه ما يعتقده، فيقتلني
[١٢٣/٨]
فما حكيت الحكاية إلى أن قتل.
- عن أحمد بن يوسف الأزرق قال: إن الحسين بن منصور الحلاج لما قدم بغداد
يدعو استغوى كثيراً من الناس والرؤساء، وكان طمعه في الرافضة أقوى لدخوله من

٢٤٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
طريقهم، فراسل أبا سهل بن نوبخت يستغويه، وكان أبو سهل من بينهم مثقفاً فهماً
فطناً، فقال أبو سهل لرسوله: هذه المعجزات التي يظهرها قد تأتي فيها الحيل،
ولكن أنا رجل غزل، ولا لذة لي أكبر من النساء وخلوتي بهن، وأنا مبتلى بالصلع
حتى أني أطول قحفي، وآخذ به إلى جبيني، وأشده بالعمامة، وأحتال فيه بحيل،
ومبتلى بالخضاب لستر المشيب، فإن جعل لي شعراً ورد لحيتي سوداء بلا خضاب
آمنت بما يدعوني إليه كائناً ما كان، إن شاء قلت: إنه باب الإمام، وإن شاء الإمام،
وإن شاء قلت: إنه النبي، وإن شاء قلت: إنه الله، قال: فلما سمع الحلاج جوابه
أیس منه و کف عنه.
[١٢٤/٨]
- عن أبي يعقوب النهرجوري قال: دخل الحسين بن منصور مكة ومعه أربعمائة
رجل، فأخذ كل شيخ من شيوخ الصوفية جماعة، قال: وكان في سفرته الأولى كنت
آمر من يخدمه، قال: ففي هذه الكرة أمرت المشايخ، وتشفعت إليهم ليحملوا عنه
الجمع العظيم، قال: فلما كان وقت المغرب جئت إليه، وقلت له: قد أمسينا فقم
بنا حتى نفطر، فقال: نأكل على أبي قبيس، فأخذنا ما أردنا من الطعام، وصعدنا
إلى أبي قبيس، وقعدنا للأكل، فلما فرغنا من الأكل، قال الحسين بن منصور: لم
نأكل شيئاً حلواً، فقلت: أليس قد أكلنا التمر؟ فقال: أريد شيئاً قد مسته النار، فقام
وأخذ ركوته، وغاب عنا ساعة، ثم رجع ومعه جام حلواء، فوضعه بين أيدينا،
وقال: بسم الله فأخذ القوم يأكلون، وأنا أقول مع نفسي: قد أخذ في الصنعة التي
نسبها إليه عمرو بن عثمان، قال: فأخذت منه قطعة، ونزلت الوادي، ودرت على
الحلاويين أريهم ذلك الحلواء، وأسألهم هل يعرفون من يتخذ هذا بمكة؟ فما عرفوه
حتى حمل إلى جارية طباخة فعرفته، وقالت: لا يعمل هذا إلا بزبيد، فذهبت إلى
حاج زبيد، وكان لي فيه صديق، وأريته الحلواء فعرفه، وقال: يعمل هذا عندنا إلا
أنه لا يمكن حمله، فلا أدري كيف حمل؟ وأمرت حتى حمل إليه الجام، وتشفعت
إليه ليتعرف الخبر بزبيد هل ضاع لأحد من الحلاويين جام علامته كذا كذا، فرجع
الزبيدي إلى زبيد وإذا أنه حمل من دكان إنسان حلاوي، فصح عندي أن الرجل
[١٢٥/٨]
مخدوم .
- عن علي بن محمد بن أبي سليمان قال: قدم مؤمل بن إهاب الرملة، فاجتمع
عليه أصحاب الحديث، وكان ذعراً ممتنعاً، فألحوا عليه فامتنع أن يحدثهم، فمضوا
بأجمعهم، وألفوا منهم فئتين، فتقدموا إلى السلطان فقالوا: إن لنا عبداً خلاسياً له
علينا حق صحبة وتربية، وقد كان أدبنا وأحسن لنا التأديب، وآلت بنا الحال إلى

=
٢٤٧
باب حسن الخاتمة
الإضافة بحمل المحبرة وطلب الحديث، وإنا أردنا بيعه، فامتنع علينا، فقال لهم
السلطان: وكيف أعلم صحة ما ذكرتم؟ قالوا: إنا معنا بالباب جماعة من حملة
الآثار وطلاب العلم وثقات الناس، يُكتفى بالنظر إليهم دون المسألة عنهم، وهم
يعلمون ذلك، فتأذن بوصولهم إليك لتسمع منهم، فأدخلهم وسمع منهم مقالتهم،
ووجه خلف المؤمل بالشرط والأعوان يدعونه إلى السلطان، فتعذر، فجذبوه،
وجرروه، وقالوا: أخبرنا أنك قد استطعت الإباق، فصار معهم إلى السلطان، فلما
دخل عليه قال له: ما يكفيك ما أنت فيه من الإباق حتى تتعزز على سلطانك؟!
امضوا به إلى الحبس فحُبس، فكان مؤمل من هيئته أنه أصفر طوال خفيف اللحية
يشبه عبيد أهل الحجاز، فلم يزل في حبسه أياماً حتى علم بذلك جماعة من إخوانه،
فصاروا إلى السلطان، وقالوا هذا مؤمل بن إهاب في حبسك مظلوم، فقال لهم:
ومن ظلمه؟ فقالوا له: أنت، قال: ما أعرف من هذا شيئاً، ومَنْ مؤمل هذا؟ قالوا:
الشيخ الذي اجتمع عليه جماعة، فقال: ذاك العبد الآبق، فقالوا: ما هو بآبق. بل
هو إمام من أئمة المسلمين في الحديث، فأمر بإخراجه، وسأله عن حاله فأخبره كما
أخبره الذين جاؤوا يذكرون له حاله، فصرفه، وسأله أن يحله، فلم ير مؤمل بعد
[١٨٢/١٣ - ١٨٣]
ذلك ممتنعاً امتناعه الأول حتى لحق بالله ربَك.
- عن أحمد بن محمد بن أبان قال: سمعت أبي يقول: اشترى عطاء بن يزيد أبا
عوانة ليكون مع ابنه يزيد، وكان لأبي عوانة صديق قاص وكان أبو عوانة يحسن
إليه، فقال القاص: ما أدري أي شيء أكافئه؟ فكان بعد ذلك لا يجلسن مجلساً إلا
قال لمن حضره: ادعُ الله لعطاء البزاز فإنه قد أعتق أبا عوانة، فكان قل مجلس إلا
ذهب إلى عطاء من يشكره، فلما كثر عليه ذاك أعتقه.
[٤٦٠/١٣]
& باب حسن الخاتمة
- عن أبي الحسن قال: قال لي أبو العباس بن سريج في علته التي مات فيها:
أُريت البارحة في المنام كأن قائلاً يقول لي: هذا ربك تعالى يخاطبك، قال:
فسمعت بماذا أجبتم المرسلين؟ قال: فقلت: بالإيمان والتصديق، قال: فقيل:
بماذا أجبتم المرسلين؟ قال: فوقع في قلبي أنه يراد مني زيادة في الجواب،
فقلت: بالإيمان ولا تصديق غير أنا قد أصبنا من هذه الذنوب، فقال: أما إني
سأغفر لك.
[٢٩٠/٤]

٢٤٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن عبد الله التميمي قال: سأل جعفر بن نصير بكران الدينوري - وكان يخدم
الشبلي - ما الذي رأيت منه - يعني عند وفاته ـ؟ فقال: قال لي: عليَّ درهم مظلمة،
وتصدقت عن صاحبه بألوف فما على قلبي شغل أعظم منه، ثم قال: وضيني
للصلاة، ففعلت فنسيت تخليل لحيته وقد أمسك على لسانه، فقبض على يدي
وأدخلها في لحيته ثم مات، فبكى جعفر وقال: ما تقولون في رجل لم يفته في آخر
عمره أدب من آداب الشريعة؟ !.
[٣٩٦/١٤]
- عن جعفر بن محمد الصائغ قال: بصر عيناي وإلا فعَمِيَتا، وسمع أذناي وإلا
فصُمَّتا، أحمد بن نصر الخزاعي حيث ضربت عنقه يقول رأسه: لا إله إلا الله، أو
[١٧٧/٥]
كما قال.
- عن أبي بكر المطوعي قال: لما جيء برأس أحمد بن نصر صلبوه على الجسر
كانت الريح تديره قبل القبلة، فاقعدوا له رجلاً معه قصبة أو رمح، فكان إذا دار نحو
القبلة أداره إلى خلاف القبلة.
[١٧٩/٥]
- عن أبي بكر النيسابوري قال: حضرت إبراهيم بن هانئ عند وفاته فجعل يقول
لابنه إسحاق: يا إسحاق ارفع الستر، قال: يا أبت الستر مرفوع، قال: أنا عطشان،
فجاءه بماء، قال: غابت الشمس؟ قال: لا، قال: فرده، ثم قال: لمثل هذا فليعمل
العاملون، ثم خرجت روحه.
[٢٠٦/٦]
- عن أبي علي المقدسي قال: لما حضرت آدم بن أبي إياس الوفاة ختم القرآن،
وهو مسجى، ثم قال: بحبي لك إلا رفقت بي، بهذا المصرع كنت أؤملك، لهذا
اليوم كنت أرجوك، ثم قال: لا إله إلا الله، ثم قضى.
[٢٩/٧]
- عن أبي محمد جعفر المرتعش قال: انظروا ديوني، فنظروا فقالوا: بضعة عشر
درهماً، فقال: انظروا خريقاتي، فلما قربت منه، قال: اجعلوها في ديوني، وأرجو
أن الله يعطيني الكفن، ثم قال: سألت الله ثلاثاً عند موتي، فأعطانيها: سألته أن
يميتني على الفقر رأساً برأس، وسألته أن يجعل موتي في المسجد، فقد صحبت
فيه أقواماً، وسألته أن يكون حولي من آنس به وأحبه، وغمض عينيه، ومات بعد
ساعة .
[٢٢٢/٧]
- عن الجنيد أنه دخل عليه أبو العباس بن عطاء وهو في النزع، فسلم عليه، فلم
يرد عليه، ثم رد عليه بعد ساعة، وقال اعذرني، فإني كنت في وردي، ثم حوَّل
[٢٤٥/٧]
وجهه إلى القبلة وكبّر، ومات.
- عن جعفر الخلدي قال: رأيت شاباً دخل على الجنيد، وهو في مرضه الذي

٢٤٩
باب حسن الخاتمة
مات فيه، ووجهه قد تورم، وبين يديه مخدة يصلي إليها، فقال له الشاب: وفي هذه
الساعة أيضاً لا تترك الصلاة؟ فلما سلم دعاه وقال: هذا شيء وصلت به إلى الله،
ولا أحب أن أتركه، فمات بعد ساعة.
[٢٤٧/٧]
- عن أبي محمد الحريري قال: كنت واقفاً على رأس الجنيد في وقت وفاته،
وكان يوم جمعة ويوم نيروز وهو يقرأ القرآن، فقلت له: يا أبا القاسم ارفق بنفسك،
فقال: يا أبا محمد رأيت أحداً أحوج إليه مني في هذا الوقت، وهو ذا تطوى
صحيفتي .
[٢٤٨/٧]
- عن أبي بكر العطوي قال: كنت عند الجنيد حين مات، فختم القرآن، ثم ابتدأ
من البقرة، فقرأ سبعين آية ثم مات.
[٢٤٨/٧]
- عن جعفر ابن أخي أبي ثور قال: حضرت وفاة الحارث - يعني المحاسبي -
فقال: إن رأيت ما أحب تبسمت إليكم، وإن رأيت غير ذلك تبينتم في وجهي، قال:
[٢١٥/٨]
فتبسم، ثم مات.
- عن علي بن هارون الحربي يحكي عن غير واحد ممن حضر موته من أصحابه
أنه غشي عليه عند صلاة المغرب ثم أفاق، ونظر إلى ناحية من باب البيت، فقال:
قف عافاك الله فإنما أنت عبد مأمور، وأنا عبد مأمور، ما أمرت به لا يفوتك، وما
أمرت به يفوتني، فدعني أمضي لما أمرت به، ثم امض أنت لما أمرت به، ودعا
بماء فتوضأ للصلاة وصلى، ثم تمدد وغمض عينيه وتشهد فمات، فرآه بعض أصحابه
في المنام، فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: لا تسألني عن هذا، ولكن استرحت من
[٣٤٧/٨]
دنياكم الوَضِرة.
- عن حفص بن بغيل المرهبي قال: رأيت داود الطائي في منامي، فقلت: أبا
سليمان كيف رأيت خير الآخرة؟ قال: رأيت خيرها كثيراً، قال: قلت: فماذا صرت
إليه؟ قال: صرت إلى خير والحمد لله، قال: قلت: فهل لك من علم بسفيان بن
سعيد؛ فقد كان يحب الخير وأهله؟ قال: فتبسم، وقال: رقاه الخير إلى درجة أهل
[٣٥٥/٨]
الخير.
- عن الحارث الغنوي قال: آلى الربيع بن حراش أن لا يفتر أسنانه ضاحكاً حتى
يعلم أين مصيره؟ فما ضحك إلا بعد موته، وآلى أخوه ربعي بعده أن لا يضحك
حتى يعلم أفي الجنة هو أو في النار؟ قال الحارث الغنوي: فلقد أخبرني غاسله أنه
لم يزل متبسماً على سريره، ونحن نغسله حتى فرغنا منه.
[٨ /٤٣٤]
- عن عطاء بن السائب قال: دخلنا على عبد الله بن حبيب وهو يقضي في

٢٥٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
مسجده، فقلنا: يرحمك الله لو تحولت إلى فراشك؟ فقال: حدثني من سمع النبي وَلـ
يقول: ((لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، تقول الملائكة:
اللهم اغفر له، اللهم ارحمه))، قال: فأريد أن أموت، وأنا في مسجدي. [٤٣١/٩]
- عن محمد بن فضيل بن عياض قال: رأيت عبد الله بن المبارك في المنام،
فقلت: أي الأعمال وجدت أفضل؟ قال: الأمر الذي كنت فيه، قلت: الرباط
والجهاد؟ قال: نعم، قلت: وأي شيء صنع بك؟ قال: غفر لي مغفرة ما بعدها
مغفرة، وكلمتني امرأة من أهل الجنة، أو امرأة من الحور العين.
[١٦٨/١٠]
- عن أبي جعفر التستري قال: حضرنا أبا زرعة - يعني الرازي - بماشهران، وكان
في السَّوْق، وعنده أبو حاتم محمد بن مسلم، والمنذر بن شاذان، وجماعة من
العلماء، فذكروا حديث التلقين، وقوله: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله)، قال:
فاستحيوا من أبي زرعة، وهابوه أن يلقنوه، فقالوا: تعالوا نذكر الحديث، فقال:
محمد بن مسلم حدثنا الضحاك بن مخلد عن عبد الحميد بن جعفر عن صالح،
وجعل يقول ولم يجاوز، وقال أبو حاتم: حدثنا بندار حدثنا أبو عاصم عن
عبد الحميد بن جعفر عن صالح ولم يجاوز، والباقون سكتوا، فقال أبو زرعة : - وهو
في السَّوق - حدثنا بندار حدثنا أبو عاصم حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن صالح بن
أبي عريب عن كثير بن مرة الحضرمي عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله وَله:
((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)) وتوفي.
[٣٣٥/١٠]
- عن أبي الحسن محمد بن أحمد الرقي قال: رأيت في منامي أبا أحمد الفرضي
بهيئة جميلة أجمل مما كنت أراه في الدار الدنيا، فقلت له: يا أبا أحمد كيف رأيت
الأمر؟ فقال: الفوز والأمن للذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، ثم لقيت الرقي، وكان
[٣٨١/١٠]
من أهل الدين والقرآن.
- عن أبي عبد الله أحمد بن يحيى الجلاء قال: مات أبي، فلما وضع على
المغتسل رأيناه يضحك، فالتبس على الناس أمره، فجاءوا بطبيب، وغطوا
وجهه، فأخذ مجسه (١)، فقال: هذا ميت، فكشفوا عن وجهه الثوب فرأوه
يضحك، فقال الطبيب: ما أدري حي هو أو ميت؟ وكان إذا جاء إنسان ليغسله
لبسته منه هيبة لا يقدر على غسله حتى جاء رجل من إخوانه، فغسله وكفن
وصلوا عليه ودفن.
[١٤ /٢٠٤، ٢٠٥]
(١) كذا في المطبوع.

باب حسن الخلق
٢٥١
=
- عن سعيد بن جبير قال: مات ابن عباس بالطائف، فجاء طائر لم ير على
خلقته، فدخل نعشه، ثم لم ير خارجاً منه، فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر
فادخُلِ فِ
أَرْجِعِىّ إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةٌ فَهِيَّةً
لا يرى من تلاها: ﴿يَأَيَّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ
وَادْخُلِ جَنَِّى﴾ [الفجر: ٢٧، ٣٠].
عِبَدِی
[١٤٧/١٣]
- عن أبي القاسم إبراهيم بن محمد بن أيوب بن بشير الصائغ قال: إن ابن قتيبة أكل
هريسة فأصاب حرارة، ثم صاح صيحة شديدة ثم أغمي عليه إلى وقت صلاة الظهر،
ثم اضطرب ساعة ثم هدأ، فما زال يتشهد إلى وقت السحر ثم مات.
[١٧٠/١٠]
- عن أبي المنذر إسماعيل بن عمر قال: دخلنا على ورقاء بن عمر اليشكري وهو
في الموت، فجعل يهلل ويكبر ويذكر الله رَ، وجعل الناس يدخلون عليه أرسالاً،
فيسلمون عليه فيرد عليهم، فلما أكثروا التفت إلى ابنه فقال: يا بني، اكفني، رد
السلام على هؤلاء لا يشغلوني عن ربي رَ.
[٤٨٧/١٣]
غل باب حسن الخلق
- عن حارث المحاسبي قال: ثلاثة أشياء عزيزة، أو معدومة: حسن الوجه مع
الصيانة، وحسن الخلق مع الديانة، وحسن الإخاء مع الأمانة.
[٢١٢/٨]
- عن أبي عبيدة قال: كان المهدي يصلي بنا الصلوات في المسجد الجامع
بالبصرة لما قدمها، فأقيمت الصلاة يوماً، فقال أعرابي: يا أمير المؤمنين ليس لي
طهر، وقد رغبت إلى الله في الصلاة خلفك، فمُر هؤلاء أن ينتظروني، فقال:
انتظروه رحمكم الله، ودخل إلى المحراب، ووقف إلى أن قيل له: قد جاء الرجل،
فكبّر، فعجب الناس من سماحة أخلاقه.
[٤٠٠/٥]
- قال رجل لأحمد بن يوسف كاتب المأمون: والله ما أدري أيك أحسن ما
وليه الله من خَلقك، أم ما وليته من أخلاقك؟.
[٢١٦/٥]
- عن محمد بن عبد الله قال: جمعتنا أمنا فاطمة بنت الحسين بن علي
فقالت: يا بني إنه والله ما نال أحد من أهل السفه بسفههم شيئاً، ولا أدركوا ما
أدركوه من لذاتهم إلا وقد ناله أهل المروءات بمروءاتهم، فاستتروا بجميل
[٣٨٦/٥]
ستر الله رشبت .
- عن أحمد بن عبد الحميد قال: ما رأيت أحسن خلقاً من الحسن بن زياد،
ولا أقرب مأخذاً، ولا أسهل جانباً، قال: وكان الحسن يكسو مماليكه كما
یکسو نفسه.
[٣١٥/٧]

٢٥٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- قدم عبد الله بن صالح في خلافة الرشيد مدينة السلام، فدخل عليه أحداث من
أهل بيته، فرآهم على غير منهاج آبائهم، فلما مضوا من عنده تمثل:
سوء التأدب أرداهم وغيَّرهم وقد يشين صحيح المنصب الأدب
قال: وسمرت ليلة عند عبد الله بن صالح، فذكرنا ما حدث من الاشتهار
باللذات، فقال عبد الله: ما عرف فينا أهل البيت رجل بشرب نبيذ ولا استماع غناء
حتى ولى، ولقد أدركت من مضى من أهل بيتي يصونون من الدنس أعراضهم،
ويحفظون من العار أحسابهم، ثم خلف من بعدهم خلف كما قال حسان بن ثابت:
إني رأيت من المكارم حسبكم أن تلبسوا حر الثياب وتشبعوا
[٤٧٦/٩]
- عن محمد بن حميد قال: عطس رجل عند ابن المبارك قال: فقال له ابن
المبارك: أيش يقول الرجل إذا عطس؟ قال: يقول الحمد لله، قال: فقال له ابن
المبارك: يرحمك الله. قال: فعجبنا كلنا من حسن أدبه.
[١٠ /١٥٥]
- عن محمد بن عيسى قال: كان عبد الله بن المبارك كثير الاختلاف إلى
طرسوس، وكان ينزل الرقة في خان، فكان شاب يختلف إليه، ويقوم بحوائجه،
ويسمع منه الحديث، قال: فقدم عبد الله الرقة مرة، فلم ير ذلك الشاب، وكان
مستعجلاً، فخرج في النفير، فلما قفل من غزوته، ورجع الرقة سأل عن الشاب،
قال: فقالوا: إنه محبوس لدين ركبه، فقال عبد الله: وكم مبلغ دينه؟ فقالوا: عشرة
آلاف درهم، فلم يزل يستقصي حتى دل على صاحب المال، فدعا به ليلاً ووزن له
عشرة آلاف درهم، وحلفه أن لا يخبر أحداً ما دام عبد الله حياً، وقال: إذا أصبحت
فأخرج الرجل من الحبس، وأدلج عبد الله، فَأُخرج الفتى من الحبس، وقيل له:
عبد الله بن المبارك كان ها هنا، وكان يذكرك، وقد خرج، فخرج الفتى في أثره،
فلحقه على مرحلتين، أو ثلاث من الرقة، فقال: يا فتى أين كنت لم أرك في الخان؟
قال: نعم يا أبا عبد الرحمن كنت محبوساً بدَين، قال: فكيف كان سبب خلاصك؟
قال: جاء رجل فقضى ديني، ولم أعلم له حتى أخرجت من الحبس، فقال له
عبد الله: يا فتى احمد الله على ما وفق لك من قضاء دينك، فلم يخبر ذلك الرجل
[١٥٩/١٠ ]
أحداً إلا بعد موت عبد الله.
- عن إسحاق بن راهويه قال: بلغ الرشيد سناء أخلاق ابن أبي عائشة، فبعث إليه
فأحضره، فعدد عليه جميع ما سمع، يقول: بفضل الله، ثم فضل أمير المؤمنين،
فلما أن صمت الرشيد، قال له ابن عائشة: يا أمير المؤمنين، وما هو أحسن من

=
٢٥٣
باب حسن الظن
هذا؟ قال: ما هو يا عم؟ قال: المعرفة بقدري، والقصد في أمري، قال: يا عم
[٣١٥/١٠]
أحسنت.
- عن عبد الملك بن مروان أنه دخل على معاوية، وعنده عمرو بن العاص، فسلم
وجلس، ثم لم يلبث أن نهض، فقال معاوية: ما أكمل مروءة هذا الفتى! فقال
عمرو: يا أمير المؤمنين إنه أخذ بأخلاق أربعة، وترك أخلاق ثلاثة، إنه أخذ بأحسن
البشر إذا لقي، وبأحسن الحديث إذا حدث، ويأحسن الاستماع إذا حُدث، وبأيسر
المؤونة إذا خولف، وترك مزاح من لا يوثق بعقله، ولا دينه، وترك مجالسة لئام
الناس، وترك من الكلام كل ما يعتذر منه.
[٣٨٩/١٠]
- عن محمد بن القاسم بن خلاد قال: لما دخل عبد العزيز بن يحيى المكي على
المأمون، وكانت خلقته شنيعة جداً، فضحك المعتصم، فأقبل عبد العزيز على
المأمون فقال: يا أمير المؤمنين لم ضحك هذا؟ لم يصطف الله يوسف لجماله،
وإنما اصطفاه لدينه وبيانه، وقد قص ذلك في كتابه بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُمٍ قَالَ إِنَّكَ
اَلْيَّوْمَ لَدَيْنَا مَكِيْنُ أَمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] لم يقل: لما رأى جماله، فبياني يا أمير المؤمنين
أحسن من وجه هذا، فضحك المأمون، وأعجبه قوله، وقال للمعتصم: إن وجهي لا
[٤٤٩/١٠ - ٤٥٠]
يكلمك، وإنما يكلمك لساني.
- عن أبي علي الروذباري قال: أنفقت على الفقراء كذا وكذا ألفاً، فما وضعت
شيئاً في يد فقير، فإني كنت أضع ما أدفع إلى الفقراء في يدي فيأخذونه من يدي
حتی تکون تحت أیدیهم ولا تکون یدي فوق ید فقیر.
[٣٣٢/١]
- عن محمد بن علي الكتاني قال: التصوف خُلُق، من زاد عليك في الخلق زاد
عليك في التصوف.
[٧٥/٣]
- عن سليمان بن موسى قال: إذا كان علم الرجل حجازياً، وخلقه عراقياً،
وطاعته شامياً، فقد كمل.
[٥٠/١]
- يذكر عن الحكماء أنهم يقولون: إذا أقام الغريب على دجلة من بلاد الموصل
تبين في بدنه قوة، وإذا أقام بين دجلة والفرات بأرض بابل تبين في فطنته ذكاء وحدة
وفي عقله زيادة وشدة.
[١٢٨/١، ١٢٩]
باب حسن الظن
- عن الزبيري قال: سأل أمير المؤمنين عبد الله بن مصعب عن سعيد بن
عبد الرحمن وهو يومئذ قاضيه، فقال: يا أمير المؤمنين إني أحسب سعيد بن

٢٥٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
عبد الرحمن لو دخل المسجد الحرام، فنظر إلى رجل وامرأة على فاحشة ما ظن
[٦٨/٩]
بهما إلا خيراً لبعده من الآفات.
=& باب حسن الظن بالله
- عن سعيد بن سلام المغربي قال: كنت ببغداد، وكان بي وجع في ركبتي حتى
نزل إلى مثانتي، واشتد وجعي، وكنت أستغيث بالله، فناداني بعض الجن: ما
استغاثتك بالله وغوثه بعيد، فلما سمعت ذلك رفعت صوتي، وزدت في مقالتي حتى
سمع أهل الدار صوتي، فما كان إلا ساعة حتى غلب عليَّ البول، فقدم إلي سطل
أهريق فيه الماء، فخرج من مذاكيري شيء بقوة، وضرب وسط السطل حتى سمعت
له صوتاً، فأمرت من كان في الدار، فطلب فإذا هو حجر قد خرج من مثانتي،
وذهب الوجع مني، وقلت: ما أسرع الغوث، وهكذا الظن به.
[١١٢/٩]
- عن أبي بكر الصولي قال: كان القاسم بن عبيد الله الوزير قد تقدم عند وفاة
المعتضد بالله إلى صاحب الشرطة مؤنس الخادم أن يوجه إلى عبد الله بن المعتز،
وقصي بن المؤيد، وعبد العزيز بن المعتمد، فيحبسهم في دار، ففعل ذلك فكانوا
محبسين(١) خائفين إلى أن قدم المكتفي بالله بغداد، فعرف خبرهم، فأمر بإطلاقهم،
ووصل كل واحد منهم بألف دينار، قال: فحدثنا عبد الله بن المعتز قال: سهرت ليلة
دخل في صبيحتها المكتفي إلى بغداد، فلم أنم خوفاً على نفسي، وقلقاً بوروده،
فمرت بي في السحر طير، فصاحت فتمنيت أن أكون مخلى مثلها لما يجري علي من
النكبات، ثم فكرت في نعم الله علي، وما خاره لي من الإسلام والقربة من
رسول الله، وما أؤمله من البقاء الدائم في الآخرة، فقلت في الحال:
خانتك من بعد طول الأمن دنياك
يا نفس صبراً لعل الخير عقباك
طوباك يا ليتني إياك طوباك
مرت بنا سحراً طير فقلت لها
قرب مثلك تنزو بين أشراك
لكن هو الدهر فالقيه على حذر
[٩٨/١٠]
- عن الفضل بن سهل قال: رأيت جملة البخل سوء الظن بالله تعالى، وجملة
السخاء حسن الظن بالله تعالى، قال: ﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ اٌلْفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، وقال:
﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّنِ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِّفُةٌ وَهُوَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩].
[٣٤٢/١٢]
(١) كذا في المطبوع.

=
٢٥٥
باب حفظ الدين * باب الخاتم
- عن أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الكثير قال: دخلنا على أبي نواس نعوده في
مرضه الذي مات فيه، فقال له عيسى بن موسى الهاشمي: يا أبا علي أنت في آخر
يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيام الآخرة، وبينك وبين الله هنات، فتب إلى الله،
قال لهم أبو نواس: أسندوني، فلما استوى جالساً، قال: إياي تخوف بالله، وقد
حدثني حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: قال نبي الله وليته:
(لكل نبيِّ شفاعة، وإني اختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة))، أفترى
لا أكون منهم؟ !.
[٣٩٦/١]
- عن إبراهيم بن أبي بكر بن عياش قال: بكيت عند أبي حين حضرته الوفاة، فقال
لي: ما يبكيك؟ أترى الله يضيع لأبيك أربعين سنة يختم فيها القرآن كل ليلة !. [١/ ٤٠٧]
- قال المأمون لمحمد بن عباد المهلبي: أبا محمد بلغني أنه لا يقدم أحد البصرة
إلا أدخل دار ضيافتك قبل أن يتصرف في حاجاته، فكيف تسع هذا؟ فقال: يا أمير
المؤمنين منع الموجود سوء ظن بالمعبود. فاستحسنه منه، وأوصل إليه المأمون ما
مبلغه ستة آلاف ألف درهم، ومات وعليه خمسون ألف دينار ديناً .
[٣٧٢/٢]
باب حفظ الدين
- عن سالم بن عبد الله عن أبيه أنه كلم أباه في الاستخلاف، فقال: إن الله حافظ
دينه وأي ذلك أفعل، فقد بيّن لي أن لا أستخلف، فإن النبي ◌َّ لم يستخلف، وإن
[٢٥٨/١]
أستخلف فقد استخلف أبو بكر .
- عن خرزاذ القائد قال: كنت عند الرشيد، فدخل أبو معاوية الضرير وعنده
رجل من وجوه قريش، فجرى الحديث إلى أن خرج أبو معاوية إلى حديث
الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة: أن موسى لقي آدم فقال: أنت آدم الذي
أخرجتنا من الجنة .. وذكر الحديث، فقال القرشي: أين لقي آدم موسى؟ قال:
فغضب الرشيد وقال: النطع والسيف، زنديق والله يطعن في حديث رسول الله وَلقتله،
قال: فما زال أبو معاوية يسكنه ويقول: كانت منه بادرة ولم يفهم يا أمير
المؤمنین، حتی سگَّنه.
[٧/١٤]
® باب الخاتم &
=
- عن ابن عباس قال: كان خاتم النبي وَلقر حلقة من فضة.
[١٨٢/٥]
- مات خلف بن عمرو العكبري سنة ست وتسعين ومائتين، وكان له ثلاثون
خاتماً، وثلاثون عكازاً، يلبس كل يوم خاتماً، وعكازاً طول شهره، فإذا جاء الشهر

٢٥٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
المقبل استأنف لبسها، وكان له سوط معلق، فقلت له: ما هذا؟ فقال: ما روي:
علق سوطك يرهبك عيالك، وكان ظريفاً .
[٣٣٢/٨]
- عن هارون بن محمد بن إسحاق قال: نقش خاتم المنتصر بالله: محمد
[١٢٠/٢]
رسول الله، وله خاتم آخر نقشه: المنتصر بالله.
- عن جعفر بن علي الهاشمي قال: نقش خاتم المنتصر بالله: محمد رسول الله،
وله خاتم آخر نقشه المعتز بالله.
[٢ / ١٢٤]
باب الخصومة
- قال حفص بن غياث: سمعت حجاجاً - أي ابن أرطاة - يقول: ما خاصمت
أحداً قط، ولا جلست إلى قوم يختصمون.
[٢٣٢/٨]
- عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: رأيت سلمان بن ربيعة جالساً بالمدائن على
قضائها، واستقضاه عمر بن الخطاب أربعين يوماً، فما رأيت بين يديه رجلين
يختصمان لا بالقليل ولا بالكثير، فقلنا لأبي وائل: فمم ذاك؟ قال: من انتصاف
[٢٠٦/٩]
الناس فيما بينهم.
- عن عبيد الله بن عبد الكريم قال: كان محمد بن داود خصماً لأبي العباس بن
سريج القاضي وكانا يتناظران ويترادَّان في الكتب، فلما بلغ ابن سريج موت محمد بن
داود نحى مخاده ومشاوره وجلس للتعزية وقال: ما آسى إلا على تراب أكل لسان
محمد بن داود.
[٢٥٩/٥]
- عن خالد بن الوليد قال: كان بيني وبين عمار شيء، فانطلق عمار يشكو خالداً
إلى رسول الله * فجعل لا يزيده إلا غلظاً ورسول الله صل﴿ ساكت، فبكى عمار
وقال: يا رسول الله ألا تراه؟ فرفع رسول الله صل﴿ رأسه فقال: ((من أبغض عماراً
أبغضه الله، ومن عادى عماراً عاداه الله))، قال خالد: فخرجت وليس شيء أحب إلي
من رضى عمار، فلقيته فاسترضيته حتى رضي عني.
[١٥٢/١]
باب الخطابة
- عن أبي بكر بن داود قال: سمعت أبي يقول: خير الكلام ما دخل الأذن بغير
[٣٧٢/٨]
إذن.
- عن الأصمعي قال: خطبنا أعرابي بالبادية فحمد الله، وأثنى عليه ووخَّده،
واستغفره، وصلى على نبيه، فبلغ في إيجاز، ثم قال: أيها الناس إن الدنيا دار
بلاغ، والآخرة دار قرار، فخذوا لمقركم من ممركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا

٢٥٧
باب الخلاف وآدابه
تخفى عليه أسراركم، في الدنيا أنتم ولغيرها خلقتم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله،
والمصلى عليه رسول الله، والمدعو له الخليفة، والأمير جعفر بن سليمان. [٣٦٣/٩]
- عن الأصمعي قال: صعد أبو جعفر المنصور المنبر فقال: الحمد لله أحمده،
وأستعينه، وأؤمن به، وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أذكرك من أنت في ذكره، فقال أبو جعفر:
مرحباً لقد ذكرت جليلاً، وخوفت عظيماً، وأعوذ بالله أن أكون ممن إذا قيل له
اتق الله أخذته العزة بالإثم، والموعظة منا بدت، ومن عندنا خرجت، وأنت يا
قائلها، فأحلف بالله ما الله أردت بها، وإنما أردت أن يقال: قام، فقال، فعوقب،
فصبر، فأهون بها من قائلها، واهتبلها لله، ويلك إني غفرتها، وإياكم معشر الناس
وأمثالها، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فعاد إلى خطبته كأنما يقرأها من
قرطاس.
[٥٦/١٠]
- عن موسى بن طلحة بن عبيد الله قال: ما رأيت أحداً أخطب ولا أغرب من
عائشة، لقد رأيتها يوم الجمل، وثار الناس إليها، فقالوا: يا أم المؤمنين أخبرينا عن
عثمان وقتله، فاستجلست الناس، فحمدت الله وأثنت عليه، ثم قالت: أيها الناس
إنا نقمنا على عثمان خصالاً ثلاثة: إمرة الفتى، وضربة السوط، وموقع الغمامة
المحماة، حتى إذا اعتبنا منهن مصتموه(١) موص الثوب بالصابون عدوتم إليه الحرم
الثلاث: حرمة الشهر الحرام، والبلد الحرام، وحرمة الخلافة، والله لعثمان كان
أتقاهم أو أتقاكم للرب، وأوصلهم للرحم، وأحصنهم فرجاً، أقول قولي هذا
وأستغفر الله لي ولكم.
[٢٦٢/١٢]
- عن أبي خالد قال: لما استُخلف عمر بن عبد العزيز صعد المنبر، فحمد الله،
وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس لتحسننَّ سرائركم يحسن الله لكم علانیتکم،
واعملوا لآخرتكم تكفوا دنياكم، إن امرءاً ليس بينه وبين آدم إلا ميت لمعرق له في
[٢٨٩/١٣ - ٢٩٠]
الموت، ثم بکی ونزل.
باب الخلاف وآدابه
- عن محمد بن المسيب قال: لما مات بندار جاء رجل إلى أبي موسى فقال: يا
أبا موسى! البشرى مات بندار، قال: جئت تبشرني بموته؟ علي ثلاثون حجة إن
(١) كذا في المطبوع ولعلها: مصصتموه.

٢٥٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
حدثت أبداً بحديث، فبقي أبو موسى بعد بندار تسعين يوماً، ولم يحدث بحديث،
[١٠٤/٢]
ومات.
- عن عبيد الله بن عبد الكريم قال: كان محمد بن داود خصماً لأبي العباس بن
سريج القاضي وكانا يتناظران ويترادان في الكتب، فلما بلغ ابن سريج موت محمد بن
داود نحى مخاده ومشاوره وجلس للتعزية وقال: ما آسى إلا على تراب أكل لسان
[٢٥٩/٥]
محمد بن داود.
- قال أبو إسحاق: حضر أبو سعيد يوماً مجلس النظر مع أبي العباس بن سريج،
وتناظرا، فجرى بينهما كلام، فقال له أبو العباس: أنت سئلت عن مسألة، فأخطأت
فيها، وأنت رجل كثرة أكل الباقلاء قد ذهب بدماغك، فقال له أبو سعيد في الحال:
وأنت فكثرة أكل الخل والمري قد ذهب بدينك.
[٢٦٩/٧]
- حج الأعمش من الكوفة، ومالك بن أنس من المدينة، وعثمان البتي من
البصرة، فجلسوا في المسجد الحرام يفتون يخالف بعضهم بعضاً، فقال رجل
للأعمش: أتخالف أهل المدينة؟ فقال: قديماً ما اختلفنا وإياهم، فرضينا بعلمائنا،
ورضوا بعلمائهم.
[٢٦٦/٨]
باب الخمر
- عن محمد بن ضو بن الصلصال قال: كان أبو نواس يزورني إلى الكوفة، فيأتي
بيت خمار بالحيرة يقال له: حابر، وكان نظيفاً نظيف الثوب، وكان يعتِّق الشراب،
فيكون عنده ما يأتي عليه سنون، قال: فرأى في يدي يوماً منه شيئاً عجيباً في نهاية
الحسن، وطيب الرائحة، فقال لي: يا أبا جعفر لا يجتمع هذا والهم في صدر،
قال: وكان معجباً بضرب الطنبور، فكان إذا جاءني جمعت له ضراب الطنابير،
ومعدنهم الكوفة، فكان يسكر في الليلة سكرات، قال: فجاءني مرة من ذاك، فقال:
قد حدث أمر، فقلت: ما هو؟ قال: نهاني أمير المؤمنين محمد عن شرب الخمر
وأنشدني :
أيها الرائحان باللوم لوماً لا أذوق المُدام إلا شميما
القصيدة، فقلت: ما تريد أن تفعل؟ فقال: لا أشربها، أخاف أن يبلغه أني
شربتها، فأتيناه بنبيذ، وجلسنا في منزل جابر، فلما دارت الكأس بيننا أنشأت أقول،
فأذكره قوله لي:
عتبت عليك محاسن الخمر
أم غيّرتك نوائب الدهر

٢٥٩
باب الخمر
تفتر عن حلق من الشذر
فصرفت وجهك عن معتقة
متنعم الوجنات بالسحر
يسعى بها ذو غنة غنج
فتزول مثل كواكب النسر:
ونسيت قولك حين تمزجها
والهم يجتمعان في صدر
لا تحسبن عفار خابية
قال: فقال: هاتها في كذا وكذا من أم محمد، فأخذها، فشرب، ثم شخص إلى
محمد فقال له: أين كنت؟ قال: عند صديقي الكوفي، وحدثه الحديث، قال: فقال
لي: ما صنعت حين أنشدك الشعر؟ قال: شربتها والله يا أمير المؤمنين، قال:
أحسنت، وأجملت، ثم قال: اشخص حتى تحمل إلى صديقك هذا، قال: فشخص
فحملني إليه، فلم أزل مع محمد حتى قتل.
[٣٧٥/٥ - ٣٧٦]
- عن علي بن خشرم قال: قلت لوكيع: رأيت ابن علية يشرب النبيذ حتى يحمل
على الحمار يحتاج من يرده إلى منزله، فقال وكيع: إذا رأيت البصري يشرب
فاتهمه، وإذا رأيت الكوفي يشرب فلا تتهمه، قلت: وكيف؟ قال الكوفي: يشرب
تديناً .
[٢٣٧/٦]
- عن أسد بن الحارث قال: سألت أبا عبيد القاسم بن سلام عن إمام لنا يشرب
هذا النبيذ، فقال: إن كان يتأول فصل خلفه في حال فراغه.
[٢٠/٧]
- عن الأصمعي قال: كان آدم بن عبد العزيز - وهو ابن عمر بن عبد العزيز - في
أيام حداثته يشرب الخمر، ويفرط في المجون، والخلاعة، ويقول الشعر، فرفع إلى
المهدي أنه زنديق، وأنشد شعراً له كان قاله في أيام الحداثة على طريق المجون،
فأخذه فضربه ثلاثمائة سوط يقرره بالزندقة، فقال: والله لا أقر على نفسي بباطل،
ولو قطعت عضواً عضواً، ووالله ما أشركت بالله طرفة عين قط، فقال المهدي فأين
قولك :
في مدى الليل الطويل
اسقني واسق خليلي
سُبيت من نهربيل
قهوة صهباء صرفاً
من فقيه أو نبيل
قل لمن يلحاك فيها
من رحيق السلسبيل
أنت دعها وارج أخرى
فقال: يا أمير المؤمنين كنت من فتيان قريش أشرب النبيذ، وأتمجن مع الشباب،
واعتقادي مع ذلك الإيمان بالله وتوحيده، فلا تؤاخذني بما أسلفت من قولي، قال:
فخلی سبیله.
[٢٦/٧]
- عن الحسن بن أبي المنذر قال: كان أبو نواس يشرب عند عبيد بن المنذر فبات

٢٦٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
ليلة، ثم قال: لا بد لي من عمي، فقوموا بنا، فأتيناها، ودخلنا حانة خمار قد كان
يعرفه، ومعه غلام قد كان أفسده على أبويه، وغيبه عنهما زماناً، ونحن في أطيب
موضع، فذكرنا الجنة، وطيبها، والمعاصي، وما يحول عنه منها، وهو ساكت،
فقال :
لا قدر صح ولا جبر
يا ناظراً في الدين ما الأمر
تذكره إلا الموت والقبر
ما صح عندي من جميع الذي
فامتعضنا من قوله، وأطلنا توبيخه، وأعلمناه أنا نتخوف صحبته، فقال: ويلكم
والله إني لأعلم بما تقولون، ولكن المجون يفرط علي، وأرجو أن أتوب،
ويرحمني الله، ثم قال:
وأي جد بلغ المازح
أية نار قدح القادح
وناصح لو حذر الناصح
لله در الشيب من واعظ
ومنهج الحق له واضح
يأبى الفتى إلا اتباع الهوى
مهورهن العمل الصالح
فاعمد بعينيك إلى نسوة
لا يجتلي العذراء من خدرها
إلا امرؤ ميزانه راجح
سيق إليه المتجر الرابح
من اتقى الله فذاك الذي
فاغد فما في الدين أغلوطة
ورح بما أنت له رائح
ثم قال: هذا عمل الشيطان ألقى أكثر هذا الكلام ليفسد نومكم، فلم نزل في
أطيب موضع، فلما أردنا الانصراف قال: أمهلوا، ثم أنشدنا :
والليل مستحلس في ثوب ظلماء
يا رب مجلس فتيان لهوت به
تعشى عيون نداماها بلألاء
نسف صافية من صدر خابية
[٤٤١/٧]
- عن علي بن المديني قال: كنا عند عبد الرحمن بن مهدي عشية إذ جيء
بسليمان الشاذكوني، وهو سكران ببنجه، فلما رآه عبد الرحمن قال لغلمانه:
احملوه، فأدخل إلى منزله، فلم أزل حتى أفاق، فلما أفاق أتاه ابن مهدي، فوعظه،
فقال: والله ما سكرت ولكنهم بنجوني، فقال ابن مهدي: دع النبيذ، ولك عندي
ألف درهم فقال: نعم، فأعطاه ألف درهم، فأقام عنده حتى تغدى، ثم انصرف.
قال علي: فما تركه حتى عاد إليه.
[٤٥/٩]
- عن أبي القاسم إبراهيم بن إسماعيل المصري قال: كنا بأرّجان مع الأستاذ
الرئيس أبي الفضل ابن العميد في مجلس شرابه، ومعنا أبو بكر ابن الجعابي الحافظ