النص المفهرس

صفحات 201-220

=
=
٢٠١
باب جوائز السلطان
المسجدين إذ بصرت بحبالة منصوبة فيها ظبي ميت، وبإزائها رجل على نعش ميت،
ورأيت امرأة حَرَّى تنعي، وهي تقول:
على الإثابة ما أودى بك البطل
يا خشف لو بطل لكنه أجل
وذاك يا خشف عندي كله جلل
يا خشف قلقل أحشائي وأزعجها
ويعلها في أكف القوم يبتذل
أمست فتاة بني نهد علانية
فحال من دون ضن الرغبة الأجل
قد كنت راغبة فيه أضن به
قال: فلما خرج من حضرته، قال لنا محمد بن عبد الله بن طاهر: أي شيء أفدنا
من الشيخ؟ قلنا له: الأمير أعلم، فقال: قوله:
أمست فتاة بني نهد علانية
أي ظاهرة، وهذا حرف لم أسمعه في كلام العرب قبل هذا.
[٤٦٩/٨]
- عن محمد بن حفص العجلي قال: ولد لأبي دلامة ابنة، فغدا على أبي جعفر
المنصور فقال له: يا أمير المؤمنين إنه ولد لي الليلة ابنة، قال: فما سميتها؟ قال:
أم دلامة، قال: وأي شيء تريد؟ قال: أريد أن يعينني عليها أمير المؤمنين، ثم
أنشده :
قوم لقيل اقعدوا يا آل عباس
لو كان يقعد فوق الشمس من کرم
إلى السماء فأنتم أكرم الناس
ثم ارتقوا في شعاع الشمس كلكم
قال: فهل قلت فيها شيئاً؟ قال: نعم، قلت:
ولم يكفلك لقمان الحكيم
فما ولدتك مريم أم عيسى
إلى لباتها وأب لئيم
ولكن قد تضمك أم سوء
قال: فضحك أبو جعفر، ثم أخرج أبو دلامة خريطة من خرق، فقال: ما هذه؟
قال: يا أمير المؤمنين اجعل فيها ما تحبوني به، قال: املؤوها له دراهم، فوسعت
ألفي درهم.
[٤٩٢/٨]
- عن أبي جعفر الضرير قال: حدثني شيخ على باب بعض المحدثين قال: سألت
وكيعاً عن مقدمه هو وابن إدريس وحفص على هارون الرشيد فقال لي: ما سألني
عن هذا أحد قبلك، قدمنا على هارون أنا، وعبد الله بن إدريس، وحفص بن غياث،
فأقعدنا بين السريرين، فكان أول ما دعا به أنا، فقال لي هارون: يا وكيع، قلت:
لبيك يا أمير المؤمنين، قال: إن أهل بلدك طلبوا مني قاضياً، وسموك لي فيمن
سموا، وقد رأيت أن أشركك في أمانتي، وصالح ما أدخل فيه من أمر هذه الأمة،
فخذ عهدك، وامض، فقلت: يا أمير المؤمنين أنا شيخ كبير، وإحدى عيني ذاهبة،

٢٠٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
والأخرى ضعيفة، فقال هارون: اللهم غفراً خذ عهدك أيها الرجل، وامض، فقلت:
يا أمير المؤمنين، والله لئن كنت صادقاً إنه لينبغي أن تقبل مني، ولئن كنت كاذباً فما
ينبغي أن تولي القضاء كذاباً، فقال: اخرج، فخرجت.
ودخل ابن إدريس، وكان هارون قد وسم له من ابن إدريس وسم - يعني خشونة
جانبه - فدخل، فسمعنا صوت ركبتيه على الأرض حين برك، وما سمعناه يسلم إلا
سلاماً خفياً، فقال له هارون: أتدري لم دعوتك؟ قال: لا، قال: إن أهل بلدك
طلبوا مني قاضياً، وإنهم سموك لي فيمن سموا، وقد رأيت أن أشركك في أمانتي،
وأدخلك في صالح ما أدخل فيه من أمر هذه الأمة، فخذ عهدك، وامض، فقال له
ابن إدريس: لست أصلح للقضاء، فنكت هارون بأصبعه، وقال له: وددت أني لم
أكن رأيتك، قال: ابن إدريس، وأنا وددت أني لم أكن رأيتك، فخرج، ثم دخل
حفص بن غياث، فقال له كما قال لنا، فقبل عهده، وخرج، فأتانا خادم معه ثلاثة
أكياس في كل كيس خمسة آلاف، فقال لي: إن أمير المؤمنين يقرئكم السلام،
ويقول لكم قد لزمتكم في شخوصكم مؤونة، فاستعينوا بهذه في سفركم، قال وكيع:
فقلت له: اقرئ أمير المؤمنين السلام، وقل له: وقعت مني بحيث يحب أمير
المؤمنين، وأنا عنها مستغن، وفي رعية أمير المؤمنين من هو أحوج إليها مني، فإن
رأى أمير المؤمنين أن يصرفها إلى من أحب.
وأما ابن إدريس، فصاح به: مرَّ من هاهنا، وقبلها حفص، وخرجت الرقعة إلى
ابن إدريس من بيننا، عافانا الله وإياك، سألناك أن تدخل في أعمالنا، فلم تفعل،
ووصلناك من أموالنا فلم تقبل، فإذا جاءك ابني المأمون، فحدثه إن شاء الله، فقال
للرسول: إذا جاءنا مع الجماعة حدثناه إن شاء الله، ثم مضينا، فلما صرنا إلى
الياسرية حضرت الصلاة، فنزلنا نتوضأ للصلاة قال وكيع: فنظرت إلى شرطي محموم
نائم في الشمس عليه سواده، فطرحت كسائي عليه، وقلت يدفأ إلى أن أتوضأ، فجاء
ابن إدريس فاستلبه، ثم قال لي: رحمته لا رحمك الله، في الدنيا أحد يرحم مثل
ذا؟! ثم التفت إلى حفص، فقال له: يا حفص قد علمت حين دخلت إلى سوق
أسد، فخضبت لحيتك، ودخلت الحمام أنك ستلي القضاء، لا والله لا كلمتك حتى
[٤١٦/٩ - ٤١٧]
تموت، قال: فما كلمه حتى مات.
- عن عبد الله بن نافع قال: بعث أبو عبد الله إلى عبد الله بن مصعب في أول ما
صاحب أمير المؤمنين المهدي بألفي دينار، فردها، وكتب إليه: إني لا أقبل صلة إلا
من خلیفة، أو ولي عهد.
[١٠ /١٧٤]

=
٢٠٣
باب جوائز السلطان
- عن علي بن محمد الواسطي قال: لما أصاب أبو الحسن الكرخي الفالج في
آخر عمره حضرته، وحضر أصحابه أبو بكر الدامغاني، وأبو علي الشاشي، وأبو
عبد الله البصري فقالوا: هذا مرض يحتاج إلى نفقة وعلاج، وهو مقل، ولا نحب
أن نبذله للناس، فيجب أن نكتب إلى سيف الدولة، ونطلب منه ما ينفق عليه، ففعلوا
ذلك، وأحس أبو الحسن بما هم فيه، فسأل عن ذلك، فأخبر به فبكى، وقال: اللهم
لا تجعل رزقي إلا من حيث عودتني، فمات قبل أن يحمل سيف الدولة إليه شيئاً،
ثم ورد كتاب سيف الدولة، ومعه عشرة آلاف درهم، ووعد أن يمد بأمثاله، فتصدق
به عنه.
[٣٥٥/١٠]
- عن العباس بن الفرج قال: ركب الأصمعي حماراً دميماً فقيل له: أبعد براذين
الخلفاء تركب هذا؟ فقال متمثلاً:
وتكديرها الشرب الذي كان صافيا
ولما أبت إلا طرافاً بودها
وليس يعاف الرنق من كان صاديا
شربنا برَنْقٍ من هواها مكدر
[١٠ / ٤١٧]
هذا - وأملك ديني ونفسي - أحب إلي من ذلك مع ذهابهما .
- عن بشر بن الحارث قال: كان أبو جعفر الرازي صديقاً لسفيان الثوري، وكان
له معه بضاعة، وكان يكثر الحج، فكان إذا قدم الكوفة تلقاه سفيان إلى القنطرة،
وإذا خرج إلى مكة شيعه إلى النجف، فقدم سنة من السنين مدينة السلام، فاجتمع
إليه الأضراء، فقالوا: يا أبا جعفر تكلم لنا أمير المؤمنين، فإنه قد ولى علينا رجلاً
يقتطع أرزاقنا، ويسيء فيما بيننا وبينه، فلم يجبهم إلى شيء، فبلغ ذلك سفيان،
فتلقاه أسفل القنطرة، وشيعه حتى جاوز النجف، وزاده في البر، فلما كان في العام
المقبل قدم أبو جعفر، وهو يريد الحج، فاجتمع إليه الأضراء، فكلموه بما كلموه به
في العام الماضي، فرقَّ لهم، فأتى باب الذهب، فقال للحاجب: استأذن لي على
أمير المؤمنين، وأخبره أن بالباب أبا جعفر الرازي، فأسرع الرسول أن ادخل،
فدخل على المنصور، فأكرمه بغاية الكرامة، وجعل يسأله عن أحواله، وسأله هل له
حاجة؟ فقال: نعم، فقص عليه قصة الأضراء، فقال: يعزل عنهم كاتبهم ويولى
عليهم من أحبوا، ونأمر لأبي جعفر بعشرة آلاف لسؤاله إيانا هذه الحاجة، فلما
صارت الدراهم بيده سقط في يديه، وعلم أنه قد أخطأ فجلس بسور القصر، ثم دعا
بِخِرَق، فجعلها صرراً، ففرقها على قوم، وقام فنفض ثوبه، وليس معه منها شيء،
فبلغ ذلك سفيان الثوري، فلما دخل أبو جعفر الرازي الكوفة توارى سفيان، فطلبه
فلم يقدر عليه، وسأل عنه فلم يدل عليه، فامتعض له بعض إخوان سفيان، فقال:

٢٠٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
ألك إليه حاجة؟ فقال: نعم، فقال: اكتب كتاباً، وادفعه إلي أوصله لك إليه، فكتب
كتاباً، ودفعه إليه، قال: فصرت بالكتاب إلى سفيان، فإذا أنا به في غرفة، وإذا هو
مستلق على قفاه قد وضع رجله على الأخرى مستقبل القبلة، فسلمت عليه، وأظهرت
الكتاب، فقال لي: مه؟ فقلت: كتاب أبي جعفر الرازي، فقال: اقرأه فقرأته، فقال
لي: اكتب جوابه في ظهره، فكتبت. قلت له: ماذا أكتب؟ قال: اكتب: ﴿لُمِنَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِي إِسْرَِّيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ﴾ الآية [المائدة: ٧٨] أردد إلينا بضاعتنا
لا حاجة لنا في أرباحها، قال: فأتيته بالكتاب، والناس إذ ذاك متوافرون بالكوفة،
فنظروا في الكتاب، وأجمع رأيهم على أنهم يوجهون بالكتابين إلى ابن أبي ليلى،
ولا يعلمونه ممن الكتاب، ولا من صاحب الجواب ليعرفوا ما عنده من الرأي،
فوجهوا بالكتابين، فنظر فيهما فقال: أما الأول: فكتاب رجل مداهن، وأما
[١١ /١٤٥]
الجواب: فكتاب رجل يريد الله بفعله.
- عن محمد بن عمر قال: لما ولي جعفر بن سليمان على المدينة المرة الأولى؛
أرسل إلى ابن أبي ذئب بمائة دينار، فاشترى منها ساجاً كردياً بعشرة دنانير، فلبسه
عمره، ثم لبسه ولده بعده ثلاثين سنة، وكانت حاله ضعيفة جداً، فأرسل إليه، فقدم
به عليهم بغداد، فلم يزالوا به حتى قبل منهم، فأعطوه ألف دينار، فلم يقبل،
فقالوا: خذها وفرقها فيمن رأيته، فأخذها، فانصرف يريد المدينة، فلما كان بالكوفة
[٢ /٣٠٤ _ ٣٠٥]
اشتکی ومات، فدفن بالكوفة.
- عن هارون بن عبد الله قال: كتب الواقدي رقعة إلى المأمون، يذكر فيها غلبة
الدين وغمّة ذلك، فوقع المأمون على ظهرها: فيك خلتان السخاء والحياء، فأما
السخاء فهو الذي أطلق ما ملكت، وأما الحياء فهو الذي منعك من إطلاعنا ما أنت
عليه، وقد أمرنا بكذا وكذا؛ فإن كنا أصبنا إرادتك في بسط يدك، فإن خزائن الله
مفتوحة، وأنت كنت حدثتني وأنت على قضاء الرشيد عن محمد بن إسحاق عن
الزهري عن أنس بن مالك أن رسول الله ( 8 قال للزبير: ((يا زبير إن باب الرزق
مفتوح بباب العرش؟ يُنزل الله على العباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم، فمن قلل قلل
له، ومن كثر كثر له))، قال الواقدي: وكنت قد أنسيت هذا الحديث، فكان تَذْكِرته
إیاي أحب إليَّ من جائزته.
[١٩/٣]
- قال خارجة بن مصعب: أجاز المنصور أبا حنيفة بعشرة آلاف درهم، فدعي
ليقبضها، فشاورني، وقال: هذا رجل إن رددتها عليه غضب، وإنْ قبضتها دخل عليَّ
في ديني ما أكرهه، فقلت: إن هذا المال عظيم في عينه، فإذا دعيت لتقبضها، فقل:

=
٢٠٥
باب الحب في الله
لم يكن هذا أملي من أمير المؤمنين، فدعي ليقبضها، فقال ذلك، فرفع إليه خبره،
[٣٥٩/١٣]
فحبس الجائزة، قال: فكان أبو حنيفة لا يكاد يشاور في أمره غيري.
- قال عبد السلام بن حرب: قدم أبو جعفر المنصور البصرة، فنزل عند الجسر
الأكبر، فبعث إلى عمرو بن عبيد، فجاءه، فأمر له بمال، فأبى أن يقبله، فقال
المنصور: والله لتقبلنه، فقال: لا والله لا أقبله، فقال له المهدي: يحلف عليك أمير
المؤمنين لتقبلنه فتحلف أن لا تقبله؟! فقال: أمير المؤمنين أقوى على كفارة اليمين
من عمك. فقال له المنصور: يا أبا عثمان سل حاجتك، فقال: أسألك أن لا
تدعوني حتى آتيك، ولا تعطيني حتى أسألك، قال: يا أبا عثمان علمت أني جعلت
هذا ولي عهد؟ قال: يا أمير المؤمنين يأتيه الأمر يوم يأتيه وأنت مشغول. قال: يا
أبا عثمان ذكرنا، قال أذكرك ليلة تمخض عن صبيحة يوم القيامة. [١٦٩/١٢ - ١٧٠]
- قال الفسطاطي: كان أبو عبيد مع ابن طاهر فوجه إليه أبو دلف يستهديه أبا
عبيدة مدة شهرين، فأنفذ أبا عبيد إليه فأقام شهرين، فلما أراد الانصراف وصله
بثلاثين ألف درهم، فلم يقبلها، وقال: أنا في جنبة رجل ما يحوجني إلى صلة
غيره، ولا أخذ ما فيه عليّ نقص، فلما عاد إلى طاهر وصله بثلاثين ألف دينار بدل
ما وصله أبو دلف، فقال له: أيها الأمير قد قبلتها، ولكن قد أغنيتني بمعروفك وبرك
وكفايتك عنها، وقد رأيت أن أشتري بها سلاحاً وخيلاً وأتوجه بها إلى الثغر ليكون
الثواب متوفراً على الأمير ففعل.
[٤٠٦/١٢]
٤ باب الحب في الله
- عن المشطامي قال: حضرت مجلس أبي عبد الله بن عرفة النحوي، فرفعني،
فزحمني الناس، فقال: ما ضاق مجلس بين محبين، ولا اتسع شيء لمبغضين، وإن
الرجل ليكون بجنبي، فأبغض جنبي الذي يليه من بغضي له.
۔ عن أبي بكر محمد بن داود قال:
لأعجز عن حمل القميص وأضعف
حملت جبال الحب فيك وإنني
ولكنه شيء به الروح تكلف
وما الحب من حسن ولا من سماجة
[٢٦٠/٥]
- عن محمد بن جامع أنه دخل الحمام، وأصلح من وجهه، وأخذ المرآة، فنظر
إلى وجهه فغطاه، وركب إلى محمد بن داود، فلما رآه مغطى الوجه خاف أن يكون
لحقته آفة، فقال: ما الخبر؟ فقال: رأيت وجهي الساعة في المرآة فغطيته، وأحببت
أن لا يراه أحد قبلك، فغشي على محمد بن داود.
. [٢٦٠/٥]
[٣١٧/٤]

٢٠٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن الحارث بن عميرة قال: قدمت إلى سلمان إلى المدائن، فوجدته في مدبغة
له يعرك إهاباً له بكفيه، فلما سلمت عليه قال: مكانك حتى أخرج إليك، قال
الحارث: والله ما أراك تعرفني يا أبا عبد الله، قال: بلى قد عرفت روحي روحك
قبل أن أعرفك، فإن الأرواح عند الله جنود مجندة فما تعارف منها في الله ائتلف،
وما كان في غير الله اختلف.
[٢٠٦/٨]
- عن خالد بن خداش قال: كنت ربما غبت عن حماد بن زيد فإذا جئت بعث
إلي، فأتيته، وقد خبأ لي الشيء من الفاكهة والحلواء، فيطعمني.
[٣٠٥/٨]
- عن ثابت البناني قال: أفضت من عرفات، وقد مضى الناس، فبينما أنا أسير
وحدي إذا أنا برجلين يقول أحدهما لصاحبه: يا حبيب، فقال الآخر: لبيك يا
محب، ما تقول؟ قال: أترى الذي تحاببنا فيه يعذبنا؟ قال: فسمعوا صوتاً: ليس
بفاعل، ليس بفاعل.
[٥٣/٩]
- عن علي بن هارون بن علي قال: كان أبي نازلاً في جوار عبيد الله بن عبد الله بن
طاهر، فانتقل عنه إلى دار ابتاعها بنهر المهدي، وهي دار إسحاق بن إبراهيم
الموصلي، فكتب إليه عبيد الله متوحشاً :
بعدت جداً فلأياً صرت تلقانا
يا من تحول عنا وهو يألفنا
بدلت جاراً وما بدلت إخوانا
واعلم بأنك إذا بدلت جيرتنا
فأجابه هارون بن علي :
ومحض ودي وعهدي کالذي كانا
بعدت عنكم بداري دون خالصتي
إلا هموماً أعانيها وأحزانا
وما تبدلت مذ فارقت قربكم
وليس أحبابه للدار جيرانا
وهل يُسَرُّ بسكنى داره أحد
[٣٤٢/١٠]
- التقى أخوان يتوادان فقال أحدهما لصاحبه: كيف ودك لي؟ فقال: حبك متوشج
بفؤادي، وذكرك سمير سهادي، فقال الآخر: أما أنا فأوجز في وصفي: ما أحب أن
يقع على سواك طرفي.
[١٨/١٢]
- عن شافع بن السائب الذي ينسب الشافعي إليه أنه قد لقي النبي بَ ل وهو
مترعرع، وأسلم أبوه السائب يوم بدر، فإنه كان صاحب راية بني هاشم، فأُسر وفَدَا
نفسه، ثم أسلم؛ فقيل له: لم لم تسلم قبل أن تفدى؟ فقال: ما كنت أحرم المؤمنين
طمعاً لهم فيَّ .
[٥٨/٢]

٢٠٧
باب الحج
- عن علي قال: القريب من قرَّبته المودة وإن بعد نسبه، والبعيد من بعَّدته العداوة
وإن قرب نسبه.
[٩٤/٣]
- روي أن - الخليفة - المتوكل قال: أشتهي أن أنادم أبا العيناء لولا أنه ضرير.
فقال أبو العيناء: إن أعفاني أمير المؤمنين من رؤية الأهلة، ونقش الخواتيم، فإني
أصلح.
[١٧٤/٣]
- عن الجنيد بن محمد قال: عبرت يوماً إلى أبي بكر بن مسلم في نصف النهار
فقال لي: ما كان لك في هذا الوقت عمل يشغلك عن المجيء إليّ؟ قلت: إذ كان
مجيئي إليك العمل، فما أعمل؟ !.
[٢٥٦/٣]
- عن قطبة بن العلاء قال: جاء مبارك بن سعيد بن مسروق إلى مشايخنا .. وفيه
فقال: أنا مبارك بن سعيد، قال: حياك الله لو توسل إلينا بك متوسل قمنا بحاجته،
فكيف بك؟ قال: فقال مبارك: أما لئن قلت ذاك، لقد أتيت الأعمش، فدققت عليه
بابه، فخرج إلي فشبك أصابعه في أصابعي، ثم قال لي: يا مبارك أتيت الشعبي
فخرج إلي فشبك أصابعه في أصابعي كما فعلت بك، ثم قال لي: إن المودة بين
كرام الناس أشد شيء اتصالاً، وأبطأ شيء انقطاعاً، مثل ذلك مثل الكوز من الفضة
بطيء الانكسار، سريع الانجبار، وإن مثل المودة بين لئام الناس مثل الكوز من
الفخار سريع الانكسار، بطيء الانجبار.
[٢١٧/١٣]
باب الحج
* هدي السلف في الحج:
- عن أحمد بن الجلاء قال: كنت بذي الحليفة، وأنا أريد الحج، والناس
يُحرمون، فرأيت شاباً قد صب عليه الماء يريد الإحرام، وأنا أنظر إليه، فقال: يا
رب أريد أن أقول: لبيك اللهم لبيك، فأخشى أن تجيبني: لا لبيك ولا سعديك،
وبقي يردد هذا القول مراراً كثيرة، وأنا أتسمع عليه، فلما أكثر قلت له: ليس لك بد
من الإحرام، فقل، فقال: يا شيخ أخشى إن قلت: لبيك اللهم لبيك، أجابني: بلا
لبيك، ولا سعديك، فقلت له: أحسن ظنك، وقل معي: لبيك اللهم لبيك، فقال:
لبيك اللهم، وطوَّلها، وخرجت نفسه مع قوله اللهم، وسقط ميتاً.
[٢٦٧/٥]
- دخل سفيان على المهدي، فقال: السلام عليكم، كيف أنتم أبا عبد الله؟ ثم
جلس، فقال: حج عمر بن الخطاب، فأنفق في حجته ستة عشر ديناراً، وأنت

٢٠٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
حججت، فأنفقت في حجتك بيوت الأموال، فقال: أي شيء تريد أكون مثلك؟
[١٦٠/٩]
قال: فوق ما أنا فيه، ودون ما أنت فيه.
كان أحمد بن إبراهيم المسوحي يحج بقميص ورداء ونعل طاق، ولا يحمل معه
شيئاً، لا ركوة ولا كوزاً، إلا كوز بلور فيه تفاح شامي يشمه من جوف بغداد إلى
مکة، وکان من أفاضل الناس.
[٤/ ١٢]
- عن أبي داود أنه ذكر ابن عيينة فقال: حج به أبوه سبعاً وعشرين حجة، حج به
وله ست سنين إلى أن بلغ نيفاً وثلاثين سنة.
[١٧٦/٩]
- قال أبو تراب النخشبي: وقفت خمساً وخمسين وقفة، فلما كان من قابل رأيت
الناس بعرفات ما رأيت قط أكثر منهم، ولا أكثر خشوعاً، وتضرعاً، ودعاء، فأعجبني
ذلك، فقلت: اللهم من لم تقبل حجته من هذا الخلق، فاجعل ثواب حجتي له،
وأفضنا من عرفات، وبتنا بجمع، فرأيت في المنام هاتفاً يهتف بي: تتسخى علينا،
وأنا أسخى الأسخياء، وعزتي وجلالي ما وقف هذا الموقف أحد قط إلا غفرت له،
فانتبهت فرحاً بهذه الرؤيا، فرأيت يحيى بن معاذ الرازي، وقصصت عليه الرؤيا
فقال: إن صدقت رؤياك، فإنك تعيش أربعين يوماً، فلما كان يوم أحد وأربعين جاؤوا
إلى يحيى بن معاذ الرازي، فقالوا: إن أبا تراب مات، فغسله، ودفنه.
[٣١٧/١٢]
- عن علي بن الموفق قال: لما تم لي ستون حجة خرجت من الطواف، وجلست
بحذاء الميزان، وجعلت أتفكر، لا أدري أيش حالي عند الله، وقد كثر ترددي إلى
هذا المكان، قال: فغلبتني عيناي، فكأن قائلاً يقول: يا علي أتدعو إلى بيتك إلا
امرءاً تحبه؟! قال: فانتبهت، وقد سري عني ما كنت فيه.
[١١١/١٢]
- قال ابن المقرئ: وزادني بعض أصحابنا عنه - أي السري السقطي - أنه
قال: وكان من بركة دعائه أني حججت أربعين حجة على رجلي من حلب ذاهباً
[٣٠/١٢]
وراجعاً .
- عن أبي إسحاق قال: حج مسروق، فلم ينم إلا ساجداً على وجهه حتى
[٢٣٤/١٣]
رجع .
- عن مكي قال: حججت ستين حجة، وتزوجت ستين امرأة، وجاورت بالبيت
عشر سنين، وكتبت عن سبعة عشر نفساً من التابعين، ولو علمت أن الناس يحتاجون
إلي لما كتبت دون التابعين عن أحد.
[١١٦/١٣]
- عن مكي بن إبراهيم قال: قطعت البادية من بلغ خمسين مرة حاجاً، ودفعت في
كراء بيوت مكة ألف دينار ومائتي دينار ونيفاً.
[١١٧/١٣]

٢٠٩
باب الحج
* مسائل في الحج:
ـ رمى عبد الله بن مسعود الجمرة سبع حصيات، فجعل الكعبة عن يساره، وعرفة
عن يمينه، وقال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة.
[٤٠٨/٧]
- سئل ابن عمر قبل موته بعام عن امرأة حاضت في أيام منى أترحل إلى بلادها،
[٢٦٦/٧]
وقد زارت البيت؟ فقال: قد كانت عائشة تروي رخصة في ذلك.
- عن ابن عباس قال: من شاء رمل، ومن شاء لم يرمل، ومن شاء سعى بين
الصفا والمروة، ومن شاء لم يسع.
[٢٩٢/٨]
- عن عطاء بن أبي رباح قال: على المحرم إذا قبَّل امرأته شاة، وعلى المحرمة
مثل ذلك إذا طاوعته.
[٦٧/١٠]
- عن منصور بن إبراهيم قال: لا بأس بالضرورة يحج عن من لم يحج. [٢٧١/٣]
- قال ابن الشاذكوني ليحيى بن سعيد القطان في حديث أبي عوانة عن منصور عن
إبراهيم في المرأة الموسرة تريد أن تحج فيمنعها زوجها؟ قال: تحج مع ذي محرم
من أهلها لا تطيعه، فقيل له: إن هذا لم يوجد في كتابه، فقال يحيى: إن أبا عوانة
كان مأموناً .
[٤٩١/١٣]
- عن ابن عباس: أنه كان يكبر غداة يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق يكبر في
العصر ويقطع في المغرب.
[٢٤٥/١]
* متفرقات:
- عن الليث بن سعد قال: حج سنة أربعين بالناس المغيرة بن شعبة وذلك أن
المغيرة كان معتزلاً بالطائف، فافتعل كتاباً عام الجماعة بأمارة الموسم، فقدّم الحج
يوماً خشية أن يجيء أمير، فتخلف عنه ابن عمر، وصار عظم الناس مع ابن عمر،
قال نافع: فلقد رأيتنا، ونحن غادون من منى، واستقبلونا مفيضين من جُمع، وأقمنا
بعدهم ليلة بمنى.
[١٩٢/١]
- عن أبي الحسن علي بن سعيد النيسابوري قال: سألت مالك بن أنس عن كسب
المعلم، فقال: لا بأس به. قلت: وأطلب ولا يعطوني. قال: لا بأس، قلت:
وألح. قال: لا بأس، وضحك. قلت: المحرم يلبس السراويل؟ قال: لا، يبيع
السراويل، ويشتري إزاراً. قلت: فالمحرم ينتقب؟ قال: لا. قلت: فالمحرم يلبس
الطيلسان؟ قال: لا بأس به.
[١٤ /٤٠٤]

٢١٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
باب الحجامة
- عن الرياشي قال: أقبل أبو العتاهية، ومعه سلة محاجم، فجلس إلينا،
وقال: لست أبرح أو تأتوني بمن أحجمه، فجئنا ببعض عبيدنا، فحجمه ثم أنشأ
يقول :
وحبك للدنيا هو الذل والعدم
ألا إنما التقوى هي العز والكرم
إذا صحح التقوى وإن حاك أو حجم
وليس على عبد تقي نقيصة
[٢٥٧/٦ - ٢٥٩ ]
- احتجم داود الطائي فدفع إلى الحجام ديناراً، فقيل له: هذا إسراف، فقال: لا
عبادة لمن لا مروءة له.
[٣٥٠/٨]
باب الحزم
- عن أحمد بن القاسم قال:
فإن سلمت فما بالحزم من باس
لا تترك الحزم في أمر هممت به
وأحزم الحزم سوء الظن بالناس
العجز ضر وما بالحزم من ضرر
[٣٥٢/٤]
- عن أبي مسلم صاحب الدولة قال: ارتديت الصبر، وآثرت الكتمان، وحالفت
الأحزان والأشجان، وسامحت المقادير والأحكام حتى بلغت غاية همتي، وأدركت
نهاية بغيتي، ثم أنشأ يقول:
عنه ملوك بني مروان إذا حشدوا
قد نلت بالحزم والكتمان ما عجزت
من رقدة لم ينمها قبلهم أحد
ما زلت أضربهم بالسيف فانتبهوا
والقوم في ملكهم بالشام قد رقدوا
طفقت أسعى عليهم في ديارهم
ونام عنها تولى رعيها الأسد
ومن رعى غنماً في أرض مسبعة
[٢٠٨/١٠]
باب الحزن
- عن إسماعيل قال: كل حزن بلاء إلا حزن التائب.
[٥٥/٦]
- عن أبي أسامة قال: اشتكى سفيان بن سعيد، فذهبت بمائه في قارورة فأريته
الديراني، فنظر إليه فقال: بول من هذا؟! ينبغي أن يكون هذا بول راهب، هذا رجل
قد فتت الحزن كبده! ما لهذا دواء.
[١٥٨/٩]

٢١١
باب الحسد
- عن محمد بن المسيب قال: لما مات بندار جاء رجل إلى أبي موسى فقال: يا
أبا موسى! البشرى مات بندار، قال: جئت تبشرني بموته؟ عليَّ ثلاثون حجة إن
حدثت أبداً بحديث، فبقي أبو موسى بعد بندار تسعين يوماً، ولم يحدث بحديث،
ومات.
[١٠٤/٢]
باب الحسد
- عن إسحاق الموصلي قال:
يُروى منها الصدي ويشفى الغليل
هل إلى نظرة إليك سبيل
وكثير من الحبيب القليل
إن ما قل منك يكثر عندي
قال لي: هذا والله الديباج الخسرواني، فقلت له: إنه ابن ليلته، فقال: لا جرم
إن أثر التوليد فيه، فقلت له: لا جرم إن أثر الحسد فيك.
[٣٤٢/٦]
- عن عمر بن الحسن بن علي بن مالك قال: سألت موسى بن هارون عن أبي
القاسم بن منيع، فقال: ثقة صدوق، لو جاز لإنسان أن يقال له فوق الثقة لقيل له،
قلت: يا أبا عمران فإن هؤلاء يتكلمون فيه! فقال: يحسدونه سمع ابن عائشة، ولم
نسمع، وذهب به إليه ولم يذهب بنا، ابن منيع لا يقول إلا الحق.
[١١٥/١٠]
- عن محمد بن يحيى قال: لما ورد محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور، قال:
اذهبوا إلى هذا الرجل العالم الصالح فاسمعوا منه. قال: فذهب الناس إليه، وأقبلوا
على السماع منه حتى ظهر الخلل في مجالس محمد بن يحيى، فحسده بعد ذلك،
وتكلم فيه.
[٣٠/٢]
- عن أبي حامد الأعمش قال: رأيت محمد بن إسماعيل البخاري في جنازة أبي
عثمان سعيد بن مروان، ومحمد بن يحيى يسأله عن الأسامي والكنى وعلل
الحديث، ويمر فيه محمد بن إسماعيل مثل السهم كأنه يقرأ ﴿قُلّ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾،
فما أتى على هذا شهر حتى قال محمد بن يحيى: ألا من يختلف إلينا فإنهم كتبوا
إلينا من بغداد أنه تكلم في اللفظ، ونهيناه فلم ينته، فلا تقربوه، ومن يقربه فلا
يقربنا، فأقام محمد بن إسماعيل ها هنا مدة، وخرج إلى بخارى.
[٣١/٢]
- عن يزيد بن هارون قال: لا ينبل أحد من أهل واسط بواسط لأنهم
حساد، وقيل: ولا أنت يا أبا خالد؟ فقال: ما عرفت حتى خرجت من
واسط .
[٣٤٥/١٤]

٢١٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن أبي العباس أحمد بن يعقوب قال: كان يحيى بن أكثم يحسد حسداً
شديداً، وكان مفتناً، فكان إذا نظر إلى رجل يحفظ الفقه سأله عن الحديث، فإذا
رآه يحفظ الحديث سأله عن النحو، فإذا رآه يعلم النحو سأله عن الكلام ليقطعه
ويخجله، فدخل إليه رجل من أهل خراسان ذكي حافظ، فناظره فرآه متقناً، فقال
له: نظرت في الحديث؟ قال: نعم. قال: فما تحفظ من الأصول؟ قال: أحفظ
شريك عن أبي إسحاق عن الحارث أن علياً رجم لوطياً، فأمسك فلم يكلمه
بشيء.
[١٩٥/١٤]
باب الحفظ
* اختبار حفظ الصغار قبل روايتهم للحديث:
- عن أحمد بن صالح أنه كان لا يحدث إلا ذا لحية، ولا يترك أمرد يحضر
مجلسه، فلما حمل أبو داود السجستاني ابنه إليه ليسمع منه، وكان إذ ذاك أمرد أنكر
أحمد بن صالح على أبي داود إحضاره ابنه المجلس، فقال له أبو داود: وهو وإن
كان أمرد أحفظ من أصحاب اللحى، فامتحنه بما أردت، فسأله عن أشياء أجابه ابن
أبي داود عن جميعها، فحدثه حينئذ، ولم يحدث أمرد غيره.
[٢٠١/٤]
- عن عبد الله بن محمد بن اللبان قال: أحضرت عند أبي بكر بن المقرئ،
ولي أربع سنين، فأرادوا أن يسمعوا لي فيما حضرت قراءته فقال بعضهم: إنه
يصغر عن السماع، فقال لي ابن المقرئ: اقرأ سورة الكافرين، فقرأتها، فقال
اقرأ سورة التكوير، فقرأتها، فقال لي غيره: اقرأ سورة والمرسلات فقرأتها، ولم
أغلط فيها، فقال ابن المقرئ: سمعوا له والعهدة عليَّ، ثم قال: سمعت أبا
صالح صاحب أبي مسعود يقول: سمعت أبا مسعود أحمد بن الفرات يقول:
أتعجب من إنسان يقرأ سورة المرسلات عن ظهر قلبه، ولا يغلط فيها، وحكي
أن أبا مسعود ورد أصبهان، ولم تكن كتبه معه، فأملى كذا كذا ألف حديث عن
ظهر قلبه، فلما وصلت الكتب إليه، قوبلت بما أملى فلم يختلف إلا في مواضع
يسيرة.
[١٠ / ١٤٤]
* قوة حفظ صبي:
- عن محمد بن أبي حاتم الوراق قال: سمعت سليم بن مجاهد يقول: كنت عند

=
٢١٣
باب الحفظ
محمد بن سلام البيكندي، فقال لي: لو جئت قبل لرأيت صبياً يحفظ سبعين ألف
حديث، قال: فخرجت في طلبه حتى لقيته. فقلت: أنت الذي تقول: أنا أحفظ
سبعين ألف حديث؟ قال: نعم، وأكثر منه، ولا أجيئك بحديث من الصحابة أو
التابعين إلا عرفت مولد أكثرهم، ووفاتهم، ومساكنهم، ولست أروي حديثاً من
حديث الصحابة أو التابعين إلَّا ولي في ذلك أصل، أحفظ حفظاً عن كتاب الله،
وسنة رسول الله آلڑ.
[٢٤/٢ - ٢٥]
* حفظ الإمام البخاري:
- عن أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري قال: كيف كان بدء أمرك في
طلب الحديث؟ قال: أُلهمت حفظ الحديث، وأنا في الكُتَّاب. قال: وكم أتى عليك
إذ ذاك؟ قال: عشر سنين، أو أقل، ثم خرجت من الكُتّاب بعد العشر، فجعلت
أختلف إلى الداخلي وغيره، وقال يوماً فيما كان يقرأ للناس: سفيان عن أبي الزبير
عن إبراهيم، فقلت له: يا أبا فلان إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت
له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل، ونظر فيه، ثم خرج فقال لي: كيف
هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدي عن إبراهيم، فأخذ القلم مني وأحكم كتابه،
فقال: صدقت، فقال له بعض أصحابه: ابن كم كنت إذ رددت عليه؟ فقال: ابن
إحدى عشرة، فلما طعنت في ست عشرة سنة، حفظت كتب ابن المبارك، ووكيع،
وعرفت كلام هؤلاء، ثم خرجت مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججت رجع
أخي بها، وتخلفت في طلب الحديث، فلما طعنت في ثمان عشرة جعلت أصنف
قضايا الصحابة، والتابعين، وأقاويلهم، وذلك أيام عبيد الله بن موسى، وصنفت
كتاب التاريخ إذ ذاك عند قبر الرسول ﴿ في الليالى المقمرة، وقال: قلَّ اسم في
[٦/٢ - ٧]
التاريخ إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهت تطويل الكتاب.
قال حاشد بن إسماعيل: كان أبو عبد الله محمد بن إسماعيل - البخاري - يختلف
معنا إلى مشايخ البصرة وهو غلام فلا يكتب حتى أتى على ذلك أيام وكنا نقول له:
إنك تختلف معنا ولا تكتب فما معناك فيما تصنع؟ فقال لنا بعد ستة عشرة يوماً:
إنكما قد أكثرتما عليَّ وألححتما فاعرضا عليَّ ما كتبتما، فأخرجنا ما كان عندنا فزاد
على خمسة عشر ألف حديث فقرأها كلها عن ظهر قلب حتى جعلنا نحكم كتبنا على
حفظه ثم قال: أترون أني اختلف هدراً وأضيع أيامي؟ فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد.

٢١٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
قال: وكان أهل المعرفة من أهل البصرة يعدون خلفه في طلب الحديث وهو شاب
حتى يغلبوه على نفسه ويجلسونه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف أكثرهم ممن
[٢ /١٤ _ ١٥ ]
یکتب عنه قال: وكان أبو عبد الله عند ذلك شاب لم يخرج وجهه.
- قال محمد بن حريث: سألت الفضل بن العباس الرازي فقلت: أيهما أحفظ أبو
زرعة أم محمد بن إسماعيل؟ فقال: لم أكن التقيت مع محمد بن إسماعيل فاستقبلني
ما بين حلوان وبغداد قال: فرجعت معه مرحلة قال: وجهدت الجهد على أن أجيء
بحديث لا يعرفه فما أمكنني.
[٢٣/٢]
حفظ الإمام أبي بكر الأنباري:
- عن أبي الحسن العروضي قال: اجتمعت أنا وهو - أي أبو بكر الأنباري - عند
الراضي على الطعام - وكان قد عرف الطباخ ما يأكل أبو بكر، فكان يسوي له قلية
يابسة، قال: فأكلنا نحن من ألوان الطعام، وأطايبه، وهو يعالج تلك القلية، ثم
فرغنا، وأتينا بحلواء، فلم يأكل منها، وقام وقمنا إلى الخيشين، فنام بين الخيشين،
ونمنا نحن في خيش ينافس فيه، ولم يشرب ماء إلى العصر، فلما كان مع العصر
قال لغلام: الوظيفة، فجاءه بماء من الحب، وترك الماء المزمل بالثلج، فغاظني أمره
فصحت بصيحة، فأمر أمير المؤمنين بإحضاري، وقال: ما قصتك؟ فأخبرته، وقلت:
هذا يا أمير المؤمنين يحتاج إلى أن يحال بينه وبين تدبير نفسه، لأنه يقتلها، ولا
يحسن عشرتها، قال: فضحك وقال له: في هذا لذة وقد جرت به العادة، وصار إلفاً
فلن يضره، ثم قلت: يا أبا بكر! لم تفعل هذا بنفسك؟ قال: أُبقي على حفظي،
قلت له: قد أكثر الناس في حفظك! فكم تحفظ؟ قال: أحفظ ثلاثة عشر صندوقاً.
قال محمد بن جعفر: وهذا ما لا يحفظ لأحد قبله ولا بعده، وكان يحفظ عشرين
[١٨٣/٣ - ١٨٤]
ومائة تفسير من تفاسير القرآن بأسانيدها ! .
* حفظ الإمام الشافعي:
- عن الشافعي قال: حفظت القرآن، وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ، وأنا
[٦٣/٢]
ابن عشر سنين.
- قال الشافعي: أردت مالك بن أنس، وقد حفظت الموطأ، فقدمت عليه، فقال
لي: اطلب من يقرأ لك، فقلت له: إن أعجبك قراءتي، فقرأت عليه الموطأ كله
حفظاً .
[٣١٣/٤]

٢١٥
باب الحفظ
حفظ الإمام أبي زرعة:
- عن أبي زرعة قال: إن في بيتي ما كتبته منذ خمسين سنة، ولم أطالعه منذ
كتبته، وإني أعلم في أي كتاب هو، في أي ورقة هو، في أي صفحة هو، في أي
سطر هو، قال: وسمعت أبا زرعة يقول: ما سمعت أذني شيئاً من العلم إلا وعاه
قلبي، وإني كنت أمشي في سوق بغداد، فأسمع من الغرف صوت المغنيات، فأضع
إصبعي في أذني مخافة أن يعيه قلبي.
[٣٣٣/١٠]
* حفظ الإمام أحمد بن حنبل:
- قال أبو زرعة الرازي: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له:
[٤/ ٤١٩ - ٤٢٠]
وما يدريك؟ قال: ذاكرته، فأخذت عليه الأبواب.
- عن أبي العباس بن عقدة قال: دخل البرديجي الكوفة، فزعم أنه أحفظ مني،
فقلت: لا تطول تتقدم إلى دكان وراق، وتضع القبان، وتزن من الكتب ما شئت، ثم
تلقي علينا، فنذكره، فبقي(١).
[١٦/٥]
- عن أبي الطيب أحمد بن الحسن بن هرثمة قال: كنا بحضرة أبي العباس بن
عقدة الكوفي المحدث نكتب عنه وفي المجلس رجل هاشمي إلى جانبه، فجرى
حديث حفاظ الحديث فقال أبو العباس: أنا أجيب في ثلاثمائة ألف حديث من
حديث أهل بيت هذا سوى غيرهم وضرب بيده على الهاشمي.
[١٦/٥]
- عن عمرو بن يحيى قال: يا أبا العباس قد أكثر الناس عليَّ في حفظك
الحديث، فأحب أن تخبرني بقدر ما تحفظ، فامتنع أبو العباس أن يخبره، وأظهر
كراهة ذلك، فأعاد المسألة، وقال: عزمت عليك إلا أخبرتني، فقال أبو العباس:
أحفظ مائة ألف حديث.
[١٧/٥]
- عن محمد بن عمر قال: كانت الرياسة بالكوفة في بني الفدان قبلنا، ثم فشت
رياسة بني عبيد الله، فعزم أبي على قتالهم، وجمع الجموع، فدخل إليه أبو
العباس بن عقدة، وقد جمع جزءاً فيه ست وثلاثون ورقة فيها حديث كثير لا أحفظ
قدره في صلة الرحم عن النبي ﴿ وعن أهل البيت وعن أصحاب الحديث،
فاستعظم أبي ذلك واستنكره، فقال له: يا أبا العباس بلغني من حفظك للحديث ما
استنكرته واستكثرته، فكم تحفظ؟ فقال له: أنا أحفظ منسقاً من الحديث بالأسانيد
(١) قوله: فبقي .. كذا في الأصلين، ولعله فبقي مبهوتاً أو مدهوشاً.

٢١٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
والمتون خمسين ومائتي ألف حديث، وأذاكر بالأسانيد وبعض المتون والمراسيل
والمقاطيع ستمائة ألف حديث.
[١٧/٥]
- عن عبد الله الفارسي قال: أقمت مع إخوتي بالكوفة عدة سنين نكتب عن ابن
عقدة، فلما أردنا الانصراف، ودعناه، فقال ابن عقدة: قد اكتفيتم بما سمعتم مني،
أقل شيخ سمعت منه عندي عنه مائة ألف حديث، قال: فقلت: أيها الشيخ نحن
إخوة أربعة قد كتب كل واحد منا عنك مائة ألف حديث.
[١٧/٥]
- عن ابن الجعابي قال: طلب ابن عقدة مني شيئاً من حديث يحيى بن صاعد
لينظر فيه، فجئت إلى ابن صاعد وسألته أن يدفع إليَّ شيئاً من حديثه لأحمله إلى ابن
عقدة، فدفع إلي مسند علي بن أبي طالب، فتعجبت من ذلك، وقلت في نفسي:
كيف دفع إلي هذا، وابن عقدة أعرف الناس به مع اتساعه في حديث الكوفيين؟!
وحملته إلى ابن عقدة، فنظر فيه، ثم رده علي فقلت: أيها الشيخ هل فيه شيء
يستغرب؟ فقال: نعم، فيه حديث خطأ، فقلت: أخبرني به، فقال: والله لا أعرفنك
ذلك حتى أجاوز قنطرة الياسرية، وكان يخاف من أصحاب ابن صاعد، فطالت علي
الأيام انتظاراً لوعده، فلما خرج إلى الكوفة سرت معه، فلما أردت مفارقته، قلت:
وعدك، فقال: نعم، الحديث عن أبي سعيد الأشج عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة
ومتى سمع منه؟ وإنما ولد أبو سعيد في الليلة التي مات فيها يحيى بن زكريا بن أبي
زائدة، فودعته، وجئت إلى ابن صاعد، فقلت له: ولد أبو سعيد الأشج في الليلة
التي مات فيها يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، فقال: كذا يقولون، فقلت له: في
كتابك حديث عن الأشج عنه، فما حاله؟ فقال لي: عرفك ذلك ابن عقدة، فقلت:
نعم، فقال: لأجعلن على كل شجرة من لحمه قطعة، ثم رجع يحيى إلى الأصول،
فوجد الحديث عنده عن شيخ غير أبي سعيد عن ابن أبي زائدة، وقد أخطأ في نقله،
فجعله على الصواب، أو كما قال.
[١٩/٥]
- عن أبي العباس قال: سمعت أحمد بن ملاعب يقول: ما أحدث إلا ما أحفظه
مثل حفظي للقرآن، ورأيته يفصل بين الفاء والواو في الحديث.
[١٦٩/٥]
- عن أبي أحمد الزبيري قال: لا أبالي أن سرق مني كتاب سفيان إني أحفظه
کله .
[٤٠٣/٥]
- عن علي بن محمد المالكي قال: كان القاضي أبو بكر الأشعري يهم بأن
يختصر ما يصنفه فلا يقدر على ذلك لسعة علمه وكثرة حفظه، قال: وما صنف أحد

٢١٧
باب الحفظ
خلافاً إلا احتاج أن يطالع كتب المخالفين غير القاضي أبي بكر، فإن جميع ما كان
یذکر خلاف الناس فيه صنفه من حفظه.
[٣٨٠/٥]
- عن أحمد بن حنبل أنه قال لأبي داود الضبي: يا أبا سليمان كان يحدثكم
إسماعيل بن عياش هذه الأحاديث بحفظه؟ قال: نعم، ما رأيت معه كتاباً قط، فقال
له: لقد كان حافظاً، كم كان يحفظ؟ قال: شيئاً كثيراً، قال له: كان يحفظ عشرة
آلاف؟ قال: عشرة آلاف، وعشرة آلاف، وعشرة آلاف، فقال له أبي: هذا كان مثل
[٢٢٤/٦]
وکیع.
- عن أبي عبد الله الهشامي قال: اعتبر أهلنا على إسحاق بأن دعوه، ومدوا
ستارة، وأقعدوا كاتبين ضابطين بحيث لا يراهما إسحاق، وقالوا: كلما غنت الستارة
صوتاً، فتكلم عليه إسحاق فاكتبا الصوت، واكتبا لفظه فيه، وجعل إسحاق كلما
سمع صوتاً أخبر بالشعر لمن هو، ونسب الصوت، وذكر جميع من تغنّى فيه، وخبراً
إن كان له خبر، كتب ذلك كله وحُفظ. ثم دعوا إسحاق بعد مدة طويلة، وضربوا
ستارة، وأمروا من خلفها أن يغنين بمثل ما كن غنين به في ذلك اليوم، ففعلن،
وابتدأ إسحاق يتكلم في الغناء بمثل ما كان تكلم به ما خرم حرفاً، قال: فعلموا
وعلم الناس أنه لا يقول إلا صواباً وحقاً، وعجبوا منه.
[٣٤٠/٦]
- عن إسحاق بن إبراهيم قال: عوتب أبو عبيدة فيما كان يعطيني من العلم، قال:
وما ينفعه مما أعطيه إنما ألقيه في وعاء منخرق الأسفل كلما ألقيت في أعلاه شيئاً
خرج من أسفله، فلقيت أبا عبيدة فقلت له: أنا عندك وعاء منخرق حتى قلت ما
قلت! قال: وأنت لا ترضى أن يأخذ الناس الكلام الذي لا يضرك، وتأخذ أنت
العلم وتسكت، ولا تجعل حجة علي.
[٣٤١/٦]
- عن الشعبي قال: ما كتبت سوداء في بيضاء إلى يومي هذا، ولا حدثني رجل
بحديث قط إلا حفظته، ولا أحببت أن يعيده علي، فحدثنا بهذا الحديث إسحاق بن
راهويه، فقال: تعجب من هذا؟ قلت: نعم، قال: كنت لا أسمع شيئاً إلا حفظته،
وكأني أنظر إلى سبعين ألف حديث، أو قال: أكثر من سبعين ألفاً في كتبي. [٣٥١/٦]
- عن إسحاق بن إبراهيم قال: أعرف مكان مائة ألف حديث كأني أنظر إليها،
وأحفظ سبعين ألف حديث عن ظهر قلبي، وأحفظ أربعة آلاف حديث مزورة، فقيل
له: ما معنى حفظ المزورة؟ قال: إذا مر بي منها حديث في الأحاديث الصحيحة
فليته منها فلياً .
[٣٥٢/٦]

٢١٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن أبي زرعة قال: ما روى أحفظ من إسحاق قال أبو حاتم: والعجب من
إتقانه، وسلامته من الغلط مع ما رزق من الحفظ، قال أحمد بن سلمة: فقلت لأبي
حاتم: إنه أملى التفسير عن ظهر قلبه، فقال أبو حاتم: وهذا أعجب فإن ضبط
الأحاديث المسندة أسهل وأهون من ضبط أسانيد التفسير وألفاظها .
[٣٥٣/٦]
- كان إسحاق بن راهويه عند الأمير عبد الله بن طاهر، وعنده إبراهيم بن أبي
صالح، فسأل الأمير إسحاق عن مسألة، فقال إسحاق: السنَّة فيها كذا وكذا،
وكذلك يقول من سلك طريق أهل السنَّة، وأما أبو حنيفة وأصحابه، فإنهم قالوا
بخلاف هذا، فقال إبراهيم: لم يقل أبو حنيفة بخلاف هذا، فقال إسحاق: حفظته
من كتاب جده، وأنا وهو في كتاب واحد، فقال إبراهيم: أصلحك الله، كذب
إسحاق على جدي، فقال إسحاق: ليبعث الأمير إلى جزء كذا وكذا من جامعه، فأتى
بالكتاب، فجعل الأمير يقلب الكتاب، فقال إسحاق: عد من الكتاب إحدى عشرة
ورقة، ثم عد تسعة أسطر، ففعل، فإذا المسألة على ما قال إسحاق، قال الأمير
عبد الله بن طاهر: قد تحفظ المسائل، ولكني أعجب لحفظك هذه المشاهدة، فقال
إسحاق: ليوم مثل هذا، لكي يخزي الله على يدي عدواً مثله.
[٣٥٣/٦]
- عن أبي داود الخفاف قال: أملى علينا إسحاق بن راهويه أحد عشر ألف حديث
من حفظه، ثم قرأها علينا، فما زاد حرفاً، ولا نقص حرفاً.
[٣٥٤/٦]
- عن إبراهيم بن أبي طالب قال: فاتني عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي من
مسنده مجلس، وكان يمليه حفظاً، فترددت إليه مراراً ليعيده علي فتعذر، فقصدته
يوماً لأسأله إعادته، وقد حمل إليه حنظلة من الرستاق، فقال لي: تقوم عندهم،
وتكتب وزن هذه الحنظلة، فإذا فرغت أعدت لك الفائت، قال: ففعلت ذلك، فلما
فرغت عرفته، وكان خرج من منزله، فمشيت معه حتى بلغ باب المنزل، فقلت له:
فما وعد من الفائت؟ فسألني عن أول حديث من المجلس، فذكرته له، فاتكأ على
عضادتي الباب، فأعاد المجلس إلى آخره حفظاً، وكان قد أملى المسند كله من
حفظه، وقرأه أيضاً من حفظه ثانياً كله.
[٣٥٤/٦]
- عن أبي طالب قال: قال لي أبي كنت ببغداد مع أبي، وأنا جالس على باب
داره، فخرج من عنده جماعة من أصحاب الحديث، وهم يقولون قد حدث بالحديث
الفلاني عن سفيان بن عيينة فأخطأ فيه، قال: كذا، وإنما هو كذا لم يقم أبو طالب
على ذكر الحديث، قال أبو جعفر: فدخلت على أبي، فأعلمته ما قالوا، فقال: يا
غلام ارددهم، فزدهم، فقال لهم: حدثني سفيان بن عيينة بهذا الحديث كما حدثتكم

٢١٩
باب الحفظ
به، وحدثني به سفيان بن عيينة مرة أخرى بكيت وكيت، فذكر الوجه الذي ذكره، ثم
[٣٦٨/٦]
قال: وأنا فيما حدثتكم به أثبت من يدي على زندي.
[٢١/٧]
- عن يحيى بن آدم قال: كان إسرائيل لا يحفظ، ثم حفظ بعده.
- عن أبي القاسم الأزهري قال: كنت أحضر عند عبد الله بن بكير، وبين يديه
أجزاء كبار قد خرج فيها أحاديث، فأنظر في بعضها، فيقول لي: أيما أحب إليك
تذكر لي متن ما تريد من هذه الأحاديث حتى أخبرك بإسناده، أو تذكر إسناده حتى
أخبرك بمتنه، فكنت أذكر له المتون، فيحدثني بالأسانيد من حفظه كما هي في
كتابه، وفعلت هذا معه مراراً كثيرة.
[١٣/٨]
- قال أبو زكريا - وهو يحيى بن معين -: جميع ما حدث به حفص بن غياث
ببغداد والكوفة إنما هو من حفظه، لم يكن يخرج كتاباً كتبوا عنه ثلاثة آلاف، أربعة
آلاف حدیث من حفظه.
[١٩٥/٨]
- عن يحيى بن أيوب قال: بلغني أن أبا داود كان في مسجد الرسول وَلّ قائماً
يصلي، وابن أبي حازم قاعد، قال: فقال لي الذي حدثني: أنا قلت لابن أبي
حازم: كم كان حديث أبيك يا أبا تمام؟ قال: والله ما عددتها، قال قلت: ترى هذا
الشيخ يحدث عنه بأكثر من ألف حديث، قال: فبعث إليه، فدعي فأتاه، وهو قريب
من قبر النبي ◌ِّر، فسلم على النبي ◌َّز، ثم ذكر محامده، ثم بدأ بأبي بكر، فذكر
منه محامد، وبعمر مثل ذلك، قال: فأطرق ابن أبي حازم، ثم التفت إلينا فسلم،
وقعد، وقال: ابن أبي حازم مطرق لما رأى منه ومن لسانه، قال: قلت له: يا أبا
داود إني ذكرت لأبي تمام أنك تروي ألف حديث عن أبي حازم، فأنكر ذلك، قال:
وكيف ينكر ذلك؟! فلقد كان يكرمني، وكنت آتيه، وكان اسم خادمته فلانة، وكان
وكان، فعدد من هذا أشياء حتى كأنه الساعة خرج من بيتهم، ثم التفت إلى ابن أبي
حازم، فقال: فلكأني بك تدرج بين أيدينا، قال: فأخذ ابن أبي حازم يعجب،
وقال: لا عليك أيها الشيخ أن تكثر، قال: فقام وتركنا.
[١٦/٩]
- عن محمد بن المنهال الضرير قال: قلت لأبي داود صاحب الطيالسة يوماً
سمعت من ابن عون شيئاً؟ قال: لا، قال: فتركته سنة، وكنت أتهمه بشيء قبل ذلك
حتى نسي ما قال، فلما كان بعد سنة قلت له: يا أبا داود سمعت من ابن عون
شيئاً؟ قال: نعم، قلت: كم؟ قال: عشرون حديثاً ونيف، قلت: عدها علي، فعدها
كلها، فإذا هي أحاديث يزيد ما خلا واحداً له لم أعرفه، قال ابن عدي: أراد به
[٢٥/٩]
یزید بن زريع.

٢٢٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن عمرو بن علي الفلاس قال: ما رأيت في المحدثين أحفظ من أبي داود
الطيالسي سمعته يقول: أسرد ثلاثين ألف حديث، ولا فخر، وفي صدري اثني عشر
ألف حديث لعثمان البزي ما سألني عنها أحد من أهل البصرة، فخرجت إلى أصبهان
[٢٧/٩]
فبثٹتها فیھم.
- عن ابن عرعرة قال: كنت عند يحيى بن سعيد، وعنده بلبل، وابن أبي خدویه،
وعلي، فأقبل ابن الشاذكوني، فسمع علياً يقول ليحيى القطان: طارق وإبراهيم بن
مهاجر، فقال يحيى: يجريان مجرى واحداً، فقال الشاذكوني: نسألك عما لا
ندري، وتكلف لنا ما لا تحسن، إنما نكتب عليك ذنوبك حديث إبراهيم بن مهاجر
خمسمائة، وحديث طارق مائتين عندك عن إبراهيم مائة، وعن طارق عشرة، فأقبل
بعضنا على بعض، فقلنا: هذا ذل، فقال يحيى: دعوه فإن كلمتموه لم آمن أن يقذفنا
بأعظم من هذا.
[٤٣/٩]
- عن أبي الحسين الدراج قال: بقيت أنا وأخي سنين يحفظ هو عليَّ، وأنا
أحفظ عليه هل يرجع واحد منا إلى معلومه، فلم يجد هو علي مغمزاً، ولا أنا
[١٠٥/٩]
عليه .
- عن الأشجعي قال: دخلت مع سفيان الثوري على هشام بن عروة، فجعل
سفيان يسأل، وهشام يحدثه، فلما فرغ قال: أعيدها عليك؟ قال: نعم، فأعادها
عليه، ثم خرج سفيان، وأذن لأصحاب الحديث، وتخلفت معهم، فجعلوا إذا سألوه
أرادوا الإملاء، فيقول: احفظوا كما حفظ صاحبكم، فيقولون: لا نقدر نحفظ كما
حفظ صاحبنا .
[١٦٣/٩]
- عن عبد الرحمن بن مهدي قال: ما رأيت صاحب حديث أحفظ من سفيان
الثوري حدث يوماً عن حماد بن أبي سليمان عن عمرو بن عطية عن سلمان الفارسي
قال: البصاق ليس بطاهر، فقلت: يا أبا عبد الله هذا خطأ، فقال لي: كيف، عمن
هذا؟ قلت: حماد عن ربعي عن سلمان قال: من يحدث به عن حماد؟ قلت: حدثنيه
شعبة عن حماد عن ربعي، قال: أخطأ شعبة فيه، ثم سكت ساعة، ثم قال: وافق
شعبة على هذا أحد؟ قلت: نعم، قال: من؟ قلت: سعيد بن أبي عروبة، وهشام
الدستوائي، وحماد بن سلمة، فقال: أخطأ حماد، هو حدثني عن عمرو بن عطية
عن سلمان، قال عبد الرحمن: فوقع في نفسي، قلت: أربعة يجتمعون على شيء
واحد يقولون عن حماد عن ربعي، فلما كان بعد سنة أخرى سنة إحدى وثمانين
ومائة أخرج إلى غندر كتاب شعبة، فإذا فيه عن حماد عن ربعي، وقد قال حماد