النص المفهرس

صفحات 481-500

ما رأيتُ أحدًا وصَفَ أبا حنيفة بمثل ما وَصَفتَه به. قال: هو كما قلتُ لك.
أخبرني عبدالله بن يحيى السُّكّري، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد
الصَّفَّار، قال: حدثنا أحمد بن منصور الرَّمادي، قال: حدثنا عبدالرزاق، قال:
شهدتُ أبا حنيفة في مسجد الخَيْف، فسأله رجلٌ عن شيءٍ فأجابه. فقال
رجل: إنَّ الحسن يقول كذا وكذا، قال أبو حنيفة: أخطأ الحسن. قال: فجاء
رجلٌ مُغَطَّى الوجه قد عَصَب على وجهه، فقال: أنت تقول أخطأ الحسن يا ابن
الزَّانية؟ ثم مَضَى، فما تَغَيَّر وجهه ولا تَلَوَّن، ثم قال: إي والله أخطأ الحسن
وأصابَ ابنُ مسعود(١).
أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن الحسن
الصَّوَّاف، قال: حدثنا محمود بن محمد المروزي، قال: حدثنا حامد بن آدم،
قال: سمعتُ سَهْل بن مُزاحم يقول: سمعتُ أبا حنيفة يقول: ﴿فَشِرْ عِبَادٍ
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَبَهٌ﴾ [الزمر] قال: كان أبو حنيفة يُكثرُ من
قول: اللهمَّ من ضاقَ بنا صَدْرُه فإن قلوبَنا قد انَّسعت له (٢).
أخبرنا الجَوْهري، قال: أخبرنا محمد بن عمْران المَرْزُباني، قال: حدثنا
عبدالواحد بن محمد الخصيبي، قال: حدثني أبو خازم القاضي، قال: حدثني
شُعيب بن أيوب الصَّريفيني، قال: سمعتُ الحسن بن زياد اللؤلؤي يقول:
سمعتُ أبا حنيفة يقول: قولنا هذا رأيٌ وهو أحسن ما قَدَرنا علیه، فمن جاءنا
بأحسنَ من قولنا فهو أولى بالصَّواب منَّا(٣).
وأخبرنا الجوهري، قال: أخبرنا محمد بن عبدالله الأبهري، قال: حدثنا
أبو عَروبة الحَرَّاني، قال: حدثنا سُليمان بن سيف، قال: سمعتُ أبا عاصم
يقول: قال رجل لأبي حنيفة: متى يَحْرُمُ الطَّعام على الصَّائم؟ قال: إذا طَلَع
الفجر، قال: فقال له السَّائل: فإن طَلَع نصف اللَّيل؟ قال: فقال له أبو حنيفة:
(١) إسناد الخبر صحيح، وهو يتفق مع ما عرف عن أبي حنيفة.
(٢) إسناده تالف، حامد بن آدم كذاب كما تقدم بيانه (وانظر الميزان ١ / ٤٤٧).
(٣) إسناده تالف، اللؤلؤي وإن كان فقيها إلا أنه متهم (الميزان ١ / ٤٩١).
٤٨١

قم يا أعرج(١).
ما ذُكرَ من عبادة أبي حنيفة ووَرَعه
أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، قال: حدثنا أحمد بن عليّ بن عُمر بن
حُبَيْش الرَّازي، قال: سمعتُ محمد بن أحمد بن عصام يقول: سمعتُ محمد
ابن سعد العَوْفي يقول: سمعتُ يحيى بن مَعين يقول: سمعتُ يحيى القَطَّان
يقول: جالَسْنا والله أبا حنيفة وسَمعنا منه، وكنتُ والله إذا نَظَرِتُ إليه غَرفتُ في
وجهه أنه يَتَّقي الله عزَّ وجلَّ (٢) .
أخبرنا الصَّيْمري، قال: قرأنا على الحُسين بن هارون، عن أبي العباس
ابن سعيد، قال: حدثنا إبراهيم بن الوليد، قال: حدثنا محمد بن إسحاق
البَلْخِي، قال: سمعتُ الحسن بن محمد الليثي يقول: قدمتُ الكوفة فسألتُ
عن أعبد أهلها فدُفعتُ إلى أبي حنيفة، ثم(٣) قدمتها وأنا شيخ، فسألت عن
أفقه أهلها فدفعتُ إلى أبي حنيفة (٤).
أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، قال: سمعتُ أبا نَصْر. وأخبرنا(٥)
الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا أبو نَصْر أحمد بن نَصْرِ بن محمد بن إشكاب
البُخاري، قال: سمعتُ أبا إسحاق إبراهيم بن محمد بن سُفيان يقول: سمعتُ
عليّ بنِ سَّلَمة يقول: سمعتُ سُفيان بن عيينة يقول: رَحمَ الله أبا حنيفة كان من
المُصَلِين، أعني أنه كانَ كَثيرَ الصَّلاةَ (٦).
(١) إسناده صحيح، سليمان بن سيف هو الحراني ثقة، وأبو عاصم هو الضحاك بن مخلد
النبيل الثقة .
(٢) إسناده حسن، محمد بن سعد العوفي صدوق، كما في ترجمته من هذا الكتاب
(٣/ الترجمة ٨٦٦).
(٣) من هنا إلى نهاية الفقرة سقط كله من م، وهو ثابت في النسخ.
(٤) إسناده جيد، الحسن بن محمد الليثي أبو محمد البلخي، كان على قضاء مرو، وكان
عبدالله بن المبارك يميل إليه، ذكر ذلك ابن حبان في كتاب الثقات ٨/ ١٦٨ .
(٥) في م: ((وأبا»، وهو تحريف.
(٦) خبر صحيح، رجال إسناده كلهم ثقات، أحمد بن نصر بن محمد البخاري ثقة كما
قال المصنف (٦/ الترجمة ٢٩٠١)، وشيخه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان =
٤٨٢

أخبرنا التَّنوخي، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا محمد بن حَمْدان بن
الصَّبَّاحِ، قال: حدثنا أحمد بن الصَّلت الحمَّاني قال: سمعتُ سُوَيْد بن سعيد
يقول: سمعتُ سُفيان بن عُيينة يقول: ما قدمَ مكةَ رجلٌ في وقتنا أكثرَ صلاةً من
أبي حنيفة(١).
أخبرنا محمد بن عبدالملك القُرَشي، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن
الحُسين الرَّازي، قال: حدثنا عليّ بن أحمد الفارسي، قال: حدثنا محمد بن
فُضيْل، قال: قال أبو مُطيع: كنتُ بمكة، فما دخلتُ الطَّواف في ساعة من
ساعات الليل إلّ رأيتُ أبا حنيفة وسُفيان في الطَّواف(٢).
أخبرنا إبراهيم بن مَخْلَد المُعَذَّل، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن
إبراهيم الحَكيمي، قال: حدثنا مُقاتل بن صالح أبو عليّ المُطَرِّز، قال: سمعتُ
يحيى بن أيوب الزَّاهد يقول: كان أبو حنيفة لا ينام الليل(٣).
أخبرنا أبو نُعيم الحافظ، قال: أخبرنا عبدالله بن جعفر بن فارس فيما
أذنَ لي أن أرويه عنه، قال: حدثنا هارون بن سُليمان، قال: حدثنا عليّ ابن
المَديني، قال: سمعتُ سُفيان بن عيينة يقول: كان أبو حنيفة له مروءةٌ، وله
صلاةٌ في أول زمانه. قال سُفيان: اشتَرَى أبي مملوكًا فأعتقَه، وكان له صلاةٌ
من الليل في داره، فكان الناسُ ينتابونه فيها يصلُّون معه من الليل، فكان أبو
حنيفة فيمن يجيء يصلِّي(٤).
هو راوية صحيح مسلم، وعلي بن سلمة هو ابن عقبة اللبقي ثقة كنا بيناه في تحرير
=
التقریب)).
(١) إسناده تالف، فإن أحمد بن الصلت الحماني كذاب، وخير منه الخبر الذي قبله.
(٢) إسناده حسن.
(٣) إسناده حسن، الحكيمي ثقة، ومقاتل بن صالح كان من المبرزين في الصلاح، ويحبى
ابن أيوب هو الغافقي أبو العباس المصري صدوق كما بيناه في ((تحرير التقريب».
لكن رسول الله 88* كان ينام من الليل، إلا أن يريد هنا الغلبة.
(٤) إسناده جيد رجاله ثقات، سوى هارون بن سليمان، فإننا لا نعرف فيه جرحًا ولا
تعديلاً، وهو هارون بن سليمان بن داود بن بهرام بن بطة السلمي الخراز، روى عن
يحيى القطان وغيره، وتوفي سنة (٢٦٥) كما في السير ١٢/ ٣٩١، وتوضيح ابن
ناصر الدين ١/ ٥٥٧ .
٤٨٣

أخبرني عبدالباقي بن عبدالكريم، قال: أخبرنا عبدالرحمن بن عُمر،
قال: حدثنا محمد بن أحمد بن يعقوب، قال: حدثنا جدي، قال: حدثني
محمد بن بكر، قال: سمعتُ أبا عاصم النَّبِيل يقول: كان أبو حنيفة يُسَمَّى
الوَتد لكثرة صّلاته(١).
أخبرني الصَّيْمري، قال: قرأنا على الحُسين بن هارون، عن ابن سعيد،
قال: حدثنا عبدالله بن محمد بن نُوح، قال: حدثنا محمد بن يزيد السُّلَمي،
قال: حدثنا حَفْص بن عبدالرحمن، قال: كان أبو حنيفة يُحيي اللّيل بقراءة
القُرآن في ركعة ثلاثين سنة(٢).
وقال ابن سعيد: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، قال: حدثنا أبي،
قال: سمعتُ زافر بن سُليمان يقول: كان أبو حنيفة يُحيي الليل بركعة يقرأ فيها
القُرآنَ(٣).
أخبرنا عليّ بن المُحَسِّن المُعَدَّل، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد
ابن يعقوب الکاغدي، قال: حدثنا أبو محمد عبدالله بن محمد بن يعقوب بن
الحارث الحارثي البُخاري ببُخارى، قال: حدثنا أحمد بن الحُسين البَلْخي،
قال: حدثنا حماد بن قُريش، قال: سمعتُ أسد بن عَمرو(٤) يقول: صَلَّى أبو
حنيفة فيما حُفظ عليه صلاة الفَجْر بوضوء صلاة العشاء أربعين سنة، فكان عامَّة
اللَّيل يقرأ جميعَ القُرآن في ركعة واحدة، وكان يُسمعُ بكاؤه بالليل حتى يَرحَّمُه
(١) إسناده صحيح، رجاله ثقات.
(٢) إسناده فيه مقال، محمد بن يزيد السلمي الواسطي ترجمه المصنف (٤/ الترجمة
١٧٦٢) ولم يذكر فيه جرجًا ولا تعديلاً، لكنه ساق حديثًا تالفًا من طريقه، فهو ممن
يروي المنكرات.
(٣) إسناده ضعيف، الضعف زافر بن سليمان كما حررناه في ((تحرير التقريب))! وما أظن
أبا حنيفة رحمه الله يفعل ذلك، فقد نهى النبي # أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث،
كما في حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وهو في الصحيحين
(البخاري ٣/ ٥٢ و٦/ ٢٤٣، ومسلم ٣/ ١٦٣).
(٤) في م: ((عمر)»، خطأ .
٤٨٤

جيرانُه، وحُفظ عليه أنه خَتَمَ القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعة آلاف
مرَّةٍ (١).
أخبرني الحُسين بن محمد أخو الخَلَّل، قال: حدثنا إسحاق بن محمد
ابن حَمْدان المُهَلَّبِي بُيُخارى، قال: حدثنا عبدالله بن محمد بن يعقوب، قال:
حدثنا قيس بن أبي قيس، قال: حدثنا محمد بن حَرْب المَرْوزي، قال: حدثنا
إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، عن أبيه، قال: لما ماتَ أبي سألنا الحسن
ابن عُمارة أن يتولَّى غَسْلَه ففعل، فلما غَسَّله، قال: رَحمَك الله وغَفَر لك لم
تُفطر منذ ثلاثين سنة ولم تَتَوسَّد يمينكَ بالليل منذ أربعين سنة، وقد أتعبتّ من
بعدك، وفَضَحتَ القُرَّاءِ(٢).
أخبرنا الحُسين بن عليّ بن محمد المُعَذَّل، قال: حدثنا القاضي أبو
نَصْر محمد بن محمد بن سَهْل النَّيْسابوري، قال: حدثنا أحمد بن هارون
الفقيه، قال: حدثني محمد بن المنذر بن سعيد الهَرَوي، قال: حدثنا محمد
ابن سَهْل بن منصور المَرْوزي، قال: حدثني أحمد بن إبراهيم، قال:
سمعتُ منصور بن هاشم يقول: كنَّا مع عبدالله بن المُبارك بالقادسية إذ جاءه
رجلٌ من أهل الكوفة فوقَع في أبي حنيفة، فقال له عبدالله: وَيْحك أتقعُ في
رجل صَلَّى خمسًا وأربعين سنة خمس صلوات على وضوء واحد؟ وكان
يجمعُ القُرآن في ركعتين في ليلة، وتعلمتُ الفقه الذي عندي من أبي
حنيفة (٣).
أخبرنا الخَلَّل، قال: أخبرنا الحَريري أنَّ النَّخَعي حدَّثهم، قال: حدثنا
محمد بن الحسن بن مُكْرَم، قال: حدثنا بشر بن الوليد، عن أبي يوسف،
قال: بينا أنا أمشي مع أبي حنيفة إذ سمع رجلاً يقول لرجل: هذا أبو حنيفة لا
(١) إسناده ضعيف، لضعف أسد بن عمرو البجلي الكوفي (الجرح والتعديل ٢/ الترجمة
١٢٧٩، والميزان ١/ ٢٠٦)، وفي تهذيب الكمال: ((سبعين ألف مرة"، وكلها
مبالغات لا تصح.
(٢) إسناده ضعيف، لضعف إسماعيل بن حماد انظر ٧/ الترجمة ٣٢٣٣، والميزان ١/
٢٢٦) .
(٣) في إسناده منصور بن هاشم لم أتبينه.
٤٨٥

ينام الليل، فقال أبو حنيفة: والله لا يُتَحدَّث عني بما لا أفعل، فكان يخبي
الليل صلاةٌ، ودعاءً، وَتَضَرُّعًا(١).
أخبرنا التَّنوخي والجَوْهري؛ قالا: حدثنا عبدالعزيز بن جعفر بن محمد
الخرقي، قال: حدثنا هيثم بن خلف الدُّوري، قال: حدثني محمد بن یزید بن
سُليم مولى بني هاشم، قال: حدثني يحيى بن فُضَيْل، قال: كنتُ مع جماعة
فأقبل أبو حنيفة، فقال بعضُ القوم: ما تّرونَه ما ينام هذا الليل. قال: وسمع
أبو حنيفة ذلك، فقال: أُراني عند الناس خلاف ما أنا عندالله، لا توسَّدَتُ
فراشًا حتى القَی الله. قال یجیی: كان أبو حنيفة يقومُ اللیل كُلَّه حتى توفي، أو
قال حتى مات(٢).
أخبرني أبو عليّ عبدالرحمن بن محمد بن أحمد بن فَضالة النَّيْسابوري
الحافظ بالرّي، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الحُسین المُذَگِّر، قال: حدثنا
عليّ بن أحمد بن موسى الفارسي، قال: حدثنا محمد بن فُضَيْل العابد، قال:
حدثنا أبو يحيى الحمَّاني، قال: حدثني سَلْم بن سالم، عن أبي الجويرية،
قال: صَحبتُ حماد بن أبي سُليمان ومُحارب بن دثار وعَلْقمة بن مَرْتَد وعَون
ابن عبدالله، وصَحبتُ أبا حنيفة فما كان في القوم رجل أحسن ليلاً من أبي
حنيفة، لقد صّحبتُه أشهرًا فما منها ليلة وضعَ فيها جَنْبَهِ(٣) .
(١) إسناده صالح، بشر بن الوليد هو الكندي العابد الفقيه، قال صالح جزرة: هو
صدوق، ولكنه لا يعقل، كان قد خرف. ووثقه الدارقطني، وضعفه أبو داود
والسليماني، لكن قال الذهبي في الميزان: ((ثم إنه شاخ واستولى عليه الهرم، وفي
آخر أمره يقال: إنه وقف في القرآن فأمسك أصحاب الحديث عنه وتركوه لذلك»
(٣٢٧/١)، فالظاهر أن من ضعّفه إنما ضعفه بسبب العقائد، والقول بالوقف في
القرآن علة غير قادحة .
(٢) في إسناده محمد بن يزيد بن سليم، لم أعرفه، وشيخه يحيى بن فضيل ذكره ابن أبي
حاتم في الجرح والتعديل، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً (٩/ الترجمة ٧٥٠).
(٣) إسناده ضعيف، لضعف سلم بن سالم، وهو البلخي، ضعفه أحمد بن حنبل، وابن
معين، وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، وعبدالله بن المبارك والجوزجاني وغيرهم
(الجرح والتعديل ٤/ الترجمة ١١٤٩، والميزان ٢/ ١٨٥).
٤٨٦

قال: وحدثنا أبو يحيى الحمَّاني عن بعض أصحابه أنَّ أبا حنيفة كان
يُصَلِّي الفَجْر بوضوء العشاء، وكان إذا أرادَ أن يصلِّي من الليل تزيّن حتى يسَرِّح
لحیته(١).
أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، قال: سمعتُ القاضي أبا نَصْر.
وأخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا القاضي أبو نَصْر أحمد بن نَصْر بن
محمد بن إشكاب البُخاري، قال: سمعتُ محمد بن خَلَف بن رجاء يقول:
سمعتُ محمد بن سلّمَة، عن ابن أبي مُعاذ، عن مسْعَر بن كدام، قال: أتيتُ
أبا حنيفة في مَسجده فرأيتُهُ يُصَلِّي الغَداةَ ثم يجلسُ للناس في العلم إلى أن
يصلّي الظهر، ثم يجلسُ إلى العصر فإذا صَلَّى العصرَ جلسَ إلى المغرب، فإذا
صلى المغرب جلسَ إلى أن يصلِّي العشاء، فقلتُ في نفسي: هذا الرجل في
هذا الشغل متى يتفرغ للعبادة؟ لأتعاهدنَّه الليلة، قال: فتَعاهدتُه فلما هدأ
الناسُ خرَجَ إلى المسجد فانتَصَب للصَّلاة إلى أن طَلَع الفجر، ودخَلَ منزلَه
ولَبسَ ثيابَه، وخرجَ إلى المسجد وصلَّى الغَداة، فجلسَ للناس إلى الظهر، ثم
إلى العصر، ثم إلى المغرب، ثم إلى العشاء. فقلت في نفسي: إنَّ الرجل قد
تَتَشَّط الليلة، لأتعاهدنَّه الليلة، فتَعاهَدتُه فلما هدأ الناسُ خرَجَ فانتَصَب
الصَّلاة، ففعَلَ كفعله في الليلة الأولى، فلما أصبح خرَجَ إلى الصَّلاة وفعل
كفعله في يومَيه، حتى إذا صلَّى العشاء قلتُ في نفسي: إنَّ الرجل ليَنشطُ
الليلة والليلة، لأتعاهدَنَّه الليلة، ففعل كفعله في ليلَتَّه، فلما أصبحَ جلسَ
كذلك، فقلت في نفسي: لألزمنَّه إلى أن يموتَ أو أموت، قال: فلازمته في
مسجده. قال ابن أبي مُعاذ: فيَلَغني أنَّ مسْعرًا ماتَ في مسجد أبي حنيفة في
سُجوده(٢).
أخبرنا الخَلَّل، قال: أخبرنا الحَريري أنَّ النَّخعي حدَّثهم، قال: حدثنا
محمد بن عليّ بن عَفَّان، قال: حدثنا عليّ بن حَفْص البَزَّاز، قال: سمعتُ
(١) إسناده ضعيف، لجهالة من روى عنه أبو يحيى الحماني هذا الخبر.
(٢) في إسناده ابن أبي معاذ لم أعرفه، وقد تأخرت وفاة مسعر عن وفاة أبي حنيفة، كما
في ترجمته من تهذيب الكمال ٢٧ / ٤٦٨.
٤٨٧

حَقْص بن عبدالرحمن يقول: سمعتُ مسْعر بن كدام يقول: دخلتُ ذاتَ ليلة
المسجدَ فرأيتُ رجلاً يصلِّي فاستَحْلَيت قراءتَهِ فقراً سُبْعًا، فقلتُ يركع، ثم قرأ
الثُّلُث، ثم النّصْفَ (١)، فلم يَزَل يقرأ القُرآن حتى خَتَمه كُلَّه في رَكْعةٍ، فَنَظَرتُ
فإذا هو أبو حنيفة(٢).
وقال النَّخَعي: حدثنا إبراهيم بن مَخْلَد البَلْخي، قال: حدثنا إبراهيم بن
رُسْتُمِ المَرْوَزي، قال: سمعتُ خارجة بن مُصعب يقول: ختم القرآن في
ركعة (٣) أربعة من الأئمة: عُثمان بن عفَّن، وتَميم الدَّاري، وسعيد بن جُبِّيْر،
وأبو حنيفة(٤) .
وقال إبراهيم بن مَخْلَد: حدثنا أحمد بن يحيى الباهلي، قال: حدثنا
يحيى بن نَصْر، قال: كان أبو حنيفة ربما ختم القُرآن في شهر رَمضان ستين
ختمة(٥) .
أخبرنا أبو بشر الوكيل وأبو الفَتْحِ الضَّبِّي؛ قالا: حدثنا عُمر بن أحمد
الواعظ، قال: حدثنا مُكْرَم بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن محمد الحمَّاني،
قال: حدثنا أحمد بن يونُس، قال: سمعتُ زائدة يقول: صَلَّيت مع أبي حنيفة
في مسجده عشاء الآخرة وخَرَج الناسُ ولم يعلم أني في المسجد، وأردتُ أن
أسأله عن مسألة من حيثُ لا يَراني أحد، قال: فقام فقرأ، وقد افتتَحَ الصَّلاةِ،
حتى بَلَغْ إلى هذه الآية: ﴿فَمَرَنَّ اللَّهُ عَيْنَا وَوَقَنَا عَذَابَ السَّمُومِ ﴾﴾﴾ [الطور]
فأقمتُ في المسجد أنتظرُ فراغَه فلم يَزَل يُرَدِّدها حتى أذَّن المؤذِّنَ لصَلاة
الفَجْرِ(٦).
(١) في م: ((ثم قرأ النصف»، وما هنا من النسخ وت.
(٢) إسناده حسن، حفص بن عبدالرحمن صدوق حسن الحديث، وباقي رجاله ثقات.
(٣).
في م: ((الكعبة)»، وهو غلط فاحش.
(٤) إسناده ضعيف جدًا، خارجة بن مصعب متروك، كما في التقريب.
(٥) إسناده ضعيف، لضعف يحيى بن نصر وهو ابن حاجب القرشي، ضعفه أبو زرعة وأبو
حاتم الرازيان (الجرح والتعديل ٩/ الترجمة ٨٠٥، والميزان ٤/ ٤١٢).
(٦) إسناده تالف، أحمد بن محمد الحماني كذاب، كما بيناه سابقًا ..
٤٨٨

وقال أحمد بن محمد: سمعتُ أبا نُعيم ضرار بن صُرَد يقول: سمعتُ
يزيد بن الكُمَيت وكان من خيار الناس يقول: كان أبو حنيفة شديدَ الخَوف من
الله، فقرأ بنا عليّ بن الحُسين المؤذِّن ليلةً في عشاء الآخرة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة
١] وأبو حنيفة خَلْفَه، فلما قَضى الصَّلاة وخَرَج الناسُ، نظرتُ إلى أبي حنيفة
وهو جالسٌ يفكر ويتنفّس، فقلتُ أقومُ لا يشتغل قلبه بي، فلما خرجتُ تركتُ
القنديل ولم يكن فيه إلّ زيت قليل، فجئتُ وقد طَلَع الفجر وهو قائم قد أخذ
بلحية نفسه وهو يقول: يا من يجزي بمثقال ذرة خَيْر خيرًا، ويا من يجزي
بمثقال ذرة شر شرًا، أجر النعمان عبدَكَ من النار، وما يقرِّبُ منها من السُّوء،
وأدخله في سعة رَحمتكَ. قال: فأذَّنتُ فإذا القنديل يزهر وهو قائم، فلما
دخلتُ قال لي(١): تريدُ أن تأخذَ القنديل؟ قال: قلت: قد أدَّنت لصلاة الغداة،
قال: اكتم عليَّ ما رأيت، ورَكع رَكْعتي الفجر وجلسَ حتى أقمتُ الصَّلاة
وصلَّى معنا الغَداة على وضوء أول الليل(٢).
أخبرنا الخَلَّل، قال: أخبرنا الحَريري أنَّ النَّخعي حدّثهم، قال: حدثنا
بَخْتَري بن محمد، قال: حدثنا محمد بن سماعة، عن محمد بن الحسن،
قال: حدثني القاسم بن مَعْن(٣): أنَّ أبا حنيفة قامَ ليلة بهذه الآية ﴿بَلِ السَّاعَةُ
مَّوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدَهَى وَأَمُّ هَ﴾ [القمر] يُردِّدها ويبكي ويَتَضرَّع(٤).
وقال النَّخعي: حدثنا سُليمان بن الرَّبيع، قال: حدثنا حبَّان بن موسى،
قال: سمعتُ عبد الله بن المُبارك يقول: قدمتُ الكوفةَ فسألتُ عن أورَعِ أهلِها،
فقالوا: أبو حنيفة(٥) .
وقال سُليمان: سمعتُ مكي بن إبراهيم يقول: جالستُ الكوفيين فما
(١) سقطت من م.
(٢) إسناده تالف، وعلته علة سابقه .
(٣) في م: ((معين))، محرف، وهو ثقة من رجال التهذيب.
(٤) هذا خبر إسناده صحيح ورجاله ثقات.
(٥) إسناده ضعيف، لضعف سليمان بن الربيع، وهو النهدي الكوفي، كما في ترجمته من
هذا الكتاب (١٠ / الترجمة ٤٥٩٠).
٤٨٩

رأيتُ منهم(١) أورَعَ منُ أبي حنيفة(٢).
وقال النَّخَعي: حدثنا الحُسين بن الحكم الحبري، قال: حدثنا عليّ بن
حَفْصِ البَزَّاز، قال: كان حَقْص بن عبدالرحمن شَريك أبي حنيفة، وكان أبو
حنيفة يُجَهِّز عليه، فبعث إليه في رفقة بمتاع وأعلَمَه أنَّ في ثوب كذا وكذا
عيبًا، فإذا بعته فبَيِّن، فباعَ حَفْص المتاعِ ونَسي أن يُبَيِّن، ولم يعلم ممن باعَه،
فلما علمَ أبو حنيفة تَصْدَّق بثمن المَتاع كُلِّ(٣).
i.
أخبرني أبو بشر الوكيل وأبو الفَتْحِ الضَّبِّي؛ قالا: حدثنا عُمر بن أحمد،
قال: حدثنا مُكْرَم بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن المُغَلِّس الحمَّاني، قال:
حدثنا مَليح بن وكيع، قال: حدثنا أبي، قال: كان أبو حنيفة قد جعلَ على
نفسه أن لا يَخلفَ بالله في عرض كلامه إلّ تصَدَّق بدرهم، فحَلَف فتَصدَّق به،
ثم جعلَ على نفسهِ إِنْ حَلَف أن يتصَدَّق بدينار، فكان إذا حَلَف صادقًا في
عرض الكلام تصدَّق بدينار، وكان إذا أنفَقَ على عياله نفقةً تصدَّق بمثلها،
وكان إذا اكتَسَى ثوبًا جديدًا كسَى بقدر ثمنه الشُّيوخ العُلماء، وكان إذا وُضِعَ
بين يَدَيْه الطَّعام أخذ منه فوَضَعه على الخُبْز حتى يأخذ منه بقدر ضعف ما كان
يأكل، فيَضَعُه على الخبر ثم يُعطيه إنسانًا فقيرًا، فإن كان في الدار من عياله
إنسانٌ يحتاجُ إليه دَفَعه إليه وإلاّ أعطاه مسكينًا(٤).
أخبرنا التَّوخي؛ قال: حدثني أبي، قال: حدثنا محمد بن حَمْدان،
قال: حدثنا أحمد بن الصَّلْت الحمَّاني، قال: سمعتُ مَليح بن وكيع يقول:
سمعتُ أبي يقول: كان والله أبو حنيفة عظيمَ الأمانة، وكان الله في قلبه جليلاً
كبيرًا عظيمًا، وكان يُؤْثِرُ رضا ربِّه على كلِّ شيء، ولو أخَذَته السُّيوف في الله
لاحتَمَل، رَحمه الله ورَضيَ عنه رضا الأبرار فلقد كان منهم (٥)
(١). سقطت من م، وهي ثابتة في النسخ وت.
(٢) إسناده ضعيف، وعلته علة سابقه.
(٣) إسناده جيد، رجاله ثقات، سوى الحسين بن الحكم الحبري لا نعلم فيه جرحًا، فهو
مستور.
(٤) إسناده تالف، أحمد بن محمد بن المغلس الحماني كذاب معروف.
(٥) إسناده تالف، وعلته علة سابقه.
٤٩٠

أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن الحسن
الصَّوَّاف، قال: حدثنا محمود بن محمد المَرْوَزي، قال: سمعتُ إبراهيم بن
عبدالله الخَلَّل ذكروا له عن حامد بن آدم أنه قال: سمعتُ عبد الله بن المُبارك
يقول: ما رأيتُ أحدًا أورَعَ من أبي حنيفة، فقال: من رأيي أن أخرجَ إلى حامد
في هذا الحرف(١) الواحد أسمع(٢) منه(٣).
وأخبرنا الحسن، قال: أخبرنا ابن الصَّوَّاف، قال: حدثنا محمود بن
محمد المَرْوَزي، قال: سمعتُ حامد بن آدم يقول: سمعتُ عبد الله بن المُبارك
يقول: ما رأيتُ أحدًا أورَعَ من أبي حنيفة، وقد جُرِّب بالسِّياط والأموال(٤).
أخبرنا عليّ بن أبي عليّ البَصري، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن
عبدالرحيم المازني، قال: حدثنا الحُسين بن القاسم الكَوْكَبي، قال: حدثني أبو
الحسن الدِّيباجي، قال: حدثنا زيد بن أخْزَم، قال: سمعتُ عبدالله بن صُهَيْب
الكَلْبِي يقول: كان أبو حنيفة النعمان بن ثابت يَتَمثَّلُ كثيرًا [من البسيط]:
عطاء ذي العَرْش خيرٌ من عطائكم وسيبه واسعٌ يرجى ويُنْتَظر
أنتم يُكَدِّر ما تُعطون مَنُكم والله يُعْطي بلا مَنَّ ولا كَدَر(٥)
أخبرنا الخَلَّل، قال: أخبرنا الحَريري أنَّ النَّخَعي حدَّثهم، قال: حدثنا
سعيد القَصَّار، قال: سمعتُ محمد بن أبي عبدالرحمن المَسْعودي، عن أبيه،
قال: ما رأيتُ أحسنَ أمانةً من أبي حنيفة، ماتَ يوم ماتَ وعنده ودائع
بخمسين ألفًا، ما ضاعَ منها ولا درْهم واحد (٦).
(١) في ت: ((الحديث))، وهو بمعنى.
(٢)
في ت: ((أسمعه)).
(٣) إسناده تالف، حامد بن آدم كذاب (الميزان ١/ ٤٤٧)، والواسطة بين إبراهيم بن
عبدالله الخلال وبينه مجهولة .
(٤) إسناده تالف، حامد بن آدم كذاب، كما بيناه.
(٥) في إسناده عبدالله بن صهيب الكلبي لم أعرفه، ولا هو مذكور في الرواة عن أبي
حنيفة .
(٦) أبو عبد الرحمن المسعودي هو القاسم بن معن، وهو ثقة، وابنه محمد لم أتبين حاله.
٤٩١

١
وقال النَّخَعي: حدثنا إبراهيم بن مَخْلَد، قال: حدثنا بكر العَمِّي، عن
هلال بن يحيى، عن يوسف السَّمْتي أنَّ أبا جعفر المنصور أجازَ أبا حنيفة
بثلاثين ألف درهم في ذُفعات، فقال: يا أميرَ المؤمنين إني ببغداد غريبٌ وليس
لها عندي موضعٌ، فأجعلها في بيت المال، فأجابَهُ المنصور إلى ذلك، قال:
فلما ماتَ أبو حنيفة أُخْرجَت ودائعُ الناس من بيته، فقال المتصور: خَدَعنا أبو
حنيفة(١).
وقال النَّخَعِي: حدثنا سوادة بن عليّ، قال: حدثنا خارجة بن مُصعب بن
خارجة، قال: سمعتُ مُغيث بن بُدَيْل يقول: قال خارجة بن مُصعب: أجازَ
المنصور أبا حنيفة بعشرة آلاف درهم فدُعي ليَقْبضَها، فشاوَرَني، وقال: هذا
رجلٌ إن رَدَدتها عليه غَضَبَ، وإن قَبَلْتها(٢) دخلَ عليَّ في ديني ما أكرهه(٣)؟
فقلت: إنَّ هذا المالَ عظيم في عينه، فإذا دُعيتَ لتَقبضَها، فقل: لم يكن هذا
أملي من أمير المؤمنين، فدُعي ليَقبضَها فقال ذلك، فرُفعَ إليه خَبِرُه فحبَبَ
الجائزة، قال: فكان أبو حنيفة لا يكادُ يشاورُ في أمره غيري(٤).
ما ذكر من جُودٍ أبي حنيفة وسماحه وحُسْن عهده
أخبرني أبو بشْر الوكيل وأبو الفَتْح الضَّبِّي؛ قالا: حدثنا عُمر بن أحمد
الواعظ، قال: حدثنا مُكْرَم بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن محمد الحمَّاني،
قال: حدثنا عاصم بن عليّ، قال: سمعتُ قيس بن الرَّبيع يقول: كان أبو حنيفة
رجلاً ورعًا فقيهًا محبنُودًا، وكان كثيرَ الصِّلة والبرِّ لكل من لجأ إليه، كثيرَ
الإفضال على إخوانه، قال: وسمعتُ قيسًا، يقول: كان النعمان بن ثابت من
عُقلاء الرِّجال(٥):
(١) إسناده ضعيف جدًا، يوسف بن خالد السمتي متروك وكذبه ابن معين، كما في
((التقریب)».
في م: ((قبضتها)»، محرفة، وما هنا من النسخ وت.
(٢)
(٣) في ت: ((أكره))، وما هنا من النسخ.
(٤) إسناده ضعيف جدًا، خارجة بن مصعب متروك، كما في ((التقريب)).
(٥) إسناده تالف، أحمد بن محمد الحماني كذاب.
٤٩٢

وقال مُكْرَم: حدثنا أحمد بن عطية، قال: حدثنا الحسن بن الرَّبيع،
قال: كان قيس بن الرَّبيع يحدثني عن أبي حنيفة أنه كان يبعثُ بالبضائع إلى
بغداد فيشتري بها الأمتعة ويحملها إلى الكوفة، ويجمعُ الأرباح عنده من سنة
إلى سنة، فيشتري بها حوائج الأشياخ المُحَدِّثين وأقواتهم وكسوتهم وجميعَ
خَوائجهم، ثم يدفعُ باقي الدَّناتير من الأرباح إليهم فيقول: أنفقوا في حوائجكم
ولا تحمدوا إلّ الله، فإني ما أعطيتُكم من مالي شيئًا، ولكن من فَضْل الله عليّ
فيكم، وهذه أرباحُ بَضائعكم فإنه هو والله مما يُجريه الله لكم على يَدي، فما
في رزق الله حَوْلٌ لغيره (١).
أخبرنا الحُسين بن عليّ الحَنيفي، قال: حدثنا عليّ بن الحسن الرَّازي،
قال: حدثنا محمد بن الحُسين الزَّعْفراني، قال: حدثنا أحمد بن زُهير، قال:
حدثنا سُليمان بن أبي شيخ، قال: حدثني حُجْر بن عبدالجبار، قال: ما رأى
الناسُ أكرمَ مُجالسةً من أبي حنيفة، ولا إكرامًا لأصحابه. قال حُجْر: كان
يقال: إنَّ ذوي الشَّرف أتمُّ عقولاً من غيرهم(٢).
أخبرنا الصَّيْمري، قال: قرأنا على الحُسين بن هارون عن أبي العباس بن
سعيد، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى الخازمي، قال: حدثنا حُسين بن
سعيد اللَّخْمي، قال: سمعتُ حَقْص بن حمزة القُرشي يقول: كان أبو حنيفة
ربما مَرّ به الرجلُ فيجلسُ إليه لغير قصد ولا مُجالسة، فإذا قامَ سأل عنه فإن
كانت به فاقةٌ وَصَلَه، وإن مَرضَ عادَه حتى يجرَّه إلى مواصَلَته، وكان أكرم
الناسُ مُجالسةٌ (٣).
(١) إسناده تالف، أحمد بن عطية هو الحماني الكذاب، ومتن الخبر منكر، فأين كانت
بغداد، وإنما قدمها أبو حنيفة عند تأسيسها، وتوفي ولم تكن قد أصبحت مدينة
حضرية فيها الأسواق.
(٢) إسناده حسن، سليمان بن أبي شيخ هو أبو أيوب الواسطي ثقة، وشيخه حجر بن
عبدالجبار، هو ابن وائل بن حجر الحضرمي، ذكره ابن حبان في الثقات ٦/ ٢٣٥ ولا
نعلم فيه جرحًا.
(٣) في إسناده حسين بن سعيد اللخمي، لا نعرف رأويًا عنه سوى عبدالله بن سعيد
الأشج، (الجرح والتعديل ٣/ الترجمة ٢٤٥)، وشيخه حفص بن حمزة القرشي هو =
٤٩٣

أخبرنا الخَلَّل، قال: أخبرنا الحَريري أنَّ النَّخَعي حدَّثهم، قال: حدثنا
أحمد بن عَمَّار بن أبي مالك الجَنْبي، عن أبيه، عن الحسن بن زياد، قال:
رأى أبو حنيفة على بعض جُلسائه ثيابًا رَثَّة، فأمَره فجلسَ حتى تَفَرَّقَ الناسُ
وبَقَيَ وحده. فقال له: ارفع المصلَّى وخُذ ما تحته، فرَفَع الرجل المصلَّى فكان
تحته ألف درهم، فقال له: خُذ هذه الدَّراهم فغَيِّر بها من حالك، فقال الرجل:
إني موسر وأنا في نعمة ولستُ أحتاجُ إليها، فقال له: أما بلغك الحديث ((إِنَّ
الله يحبُّ أن يرى أثرَ نعمته على عبده)»؟ فينبغي لك أن تغيِّرِ حالك حتى لا يَغْتَمَّ
بكَ صديقُك(١).
وقال النَّخَعي: حدثنا محمد بن علي بن عفَّان، قال: حدثنا إسماعيل
ابن يوسُفِ الشَّنبزي(٢) قال: سمعتُ أبا يوسُف يقول: كان أبو حنيفة لا يكادُ
يُسألُ حاجة إلّ قضاها، فجاءه رجلٌ، فقال له: إنَّ لفلان عليّ خمس مئة
درْهم وأنا مُضَيَّقَ، فِسَلْه أن (٣) يصبر عني ويؤخِّرَني بها. فكَلَّم أبو حنيفة
صاحبَ المال، فقال صاحب المال: هي له قد أبرأتهُ منها، فقال الذي عليه
الحق: لا حاجة لي فيها، فقال أبو حنيفة: ليسَ الحاجة لك، وإنما الحاجة
لي قُضيَت.
وقال النَّخَعي: حدثنا عبدالله بن أحمد بن البُهلول الكوفي، قال: حدثنا
القاسم بن محمد البَجّلي، عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة أنَّ أبا حنيفة
حين حذق حماد ابنه، وهب للمعلم خمس مئة درهم(٤).
وقال النَّخَعي: حدثنا محمد بن إسحاق البَكَّائي، قال: سمعتُ جعفر بن
عَون العُمري(٥) يقول أتت امرأة أبا حنيفة تطلبُ منه ثوبٍ خَرُّ، فأخرجَ لها
مولى المهدي مستور. كما يظهر من ترجمته عند المصنف (٩/ الترجمة ٤٢٦٨).
=
(١) إسناده تالف، الحسن بن زياد اللؤلؤي متهم، كما في الميزان ١ / ٤٩١.
هكذا فى أوهـ١٠، ولم أقف على هذه النسبة، ولا عرفت إسماعيل بن يوسف هذا.
(٢)
(٣) سقطت من م.
(٤) إسناده ضعيف، لضعف إسماعيل بن حماد، كما في ترجمته ٧/ الترجمة ٣٢٣٣،
والميزان ١/ ٢٢٦.
(٥) هكذا في النسخ، وذكر المزي في الرواة عن أبي حنيفة ((جعفر بن عون))، وهو جعفر=
٤٩٤

ثوبًا فقالت له: إني امرأةٌ ضعيفةٌ وإنها أمانة، فبعني هذا الثَّوب بما يقوم
عليك، فقال: خُذيه بأربعة دراهم، فقالت: لا تَسْخر بي وأنا عجوزٌ كبيرة.
فقال: إني اشتريت ثَوبَين فبعتُ أحدَهما برأس المال إلا أربعة دراهمْ، فَبَقِي
هذا الثَّوب عليَّ بأربعة دراهم (١).
أجاز لي محمد بن أسد الكاتب أنَّ جعفرًا الخُلْدي حدَّئهم. ثم أخبرني
الأزهري قراءةً، قال: حدثنا الحسن بن عُثمان، قال: حدثنا جعفرٌ الخُلدي،
قال: حدثنا أحمد بن محمد الطُّوسي، قال: حدثني أبو سعيد الكندي عبدالله
ابن سعيد، قال: حدثنا شيخٌ سَمَّاه أبو سعيد الكندي، قال: كان أبو حنيفة یبیعُ
الخَزَّ، فجاءه رجلٌ، فقال: يا أبا حنيفة قد احتجتُ إلى ثوب خَزِّ. فقال: ما
لونه؟ فقال: كذا وكذا. فقال له: اصبر حتى يقعَ وآخذَهُ لك إن شاء الله. قال:
فما دارت الجُمعة حتى وقعَ، فمرَّ به الرجل، فقال له أبو حنيفة: قد وَقَعت
حاجتُكَ، قال: فأخرجَ إليه الثَّوب فأعجَبَه فقال: يا أبا حنيفة كم أزن للغُلام؟
قال: درهمًا، قال: يا أبا حنيفة ما كنتُ أظنُّك تهزأ؟ قال: ما هزأت إني
اشتريتُ ثَوبين بعشرين دينارًا ودرْهم، وإني بعتُ أحدَهما بعشرين دينارًا وبَقيَ
هذا بدرْهم وما كنتُ لأربح على صديق(٢).
أخبرنا الحُسين بن عليّ الحَنيفي، قال: حدثنا عليّ بن الحسن الرَّازي،
قال: حدثنا محمد بن الحُسين الزَّعْفراني، قال: حدثنا أحمد بن زُهير، قال:
أخبرني سُليمان بن أبي شيخ، قال: قال مُساور الوَرَّاق [من البسيط]:
كُنَّا من الدِّين قبل اليوم في سَعة حتى ابتُلينا بأصحاب المَقّاييس
ابن عون بن جعفر بن عمرو بن حريث القرشي المخزومي أبو عون الكوفي الثقة، فإن
=
لم يكن هو، فهو مجهول، ولم يذكر المزي في الرواة عن جعفر بن عون المخزومي
محمد ابن إسحاق البكائي (٥/ ٧١ - ٧٢)، لكنه ذكر في ترجمة محمد بن إسحاق
البكائي (٢٤/ ٣٩٩) أنه روى عن ((جعفر بن عون))، ولم يزد على ذلك، ومحمد بن
إسحاق هو ابن عون العامري، فهل جعفر بن عون هذا عامري أيضًا، الله أعلم.
(١) إسناده حسن إن كان جعفر بن عون هو أبو عون الكوفي، ومحمد بن إسحاق البكائي
صدوق كما في التقريب.
(٢) إسناده ضعيف، لجهالة شيخ أبي سعيد الكندي.
٤٩٥

قاموا من السُّوق إذ قلَّت مكاسبُهم فاستعملوا الرأي عندَ الفَقْر والبُؤْس
أما العُرَيْبُ فأمسوا لا عطاءَ لهم وفي الموالي علامات المغاليس (١).
فلقيه أبو حنيفة، فقال: هَجَوتنا نحن نُرضيك، فَبَعَث إليه بدَراهم، فقال
[من الوافر]:
إذا ما أهل مصر بادهونا بداهية من الفُتيا لطيفه
أتيناهم بمقياس صحيح صَليب من طراز أبي حنيفه
وأثبته بحبر في صَحيفه (٢)
إذا سمِعَ الفقينهُ به حَوَاه
أخبرني عليّ بن أحمد الرَّزَّاز، قال: حدثنا أبو الليث نَصْر بن محمد
الزَّاهد البُخاري قدم علينا، قال: حدثنا محمد بن محمد بن سَهْل النَّيْسابوري،
قال: حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد الشُّعيبي(٣)، قال: حدثنا أسد بن نُوحَ،
قال: حدثنا محمد بن عَبَّاد، قال: حدثنا القاسم بن غسَّان، قال: أخبرني أبي،
قال: أخبرني عبدالله بن رجاء الغُدَاني، قال: كان لأبي حنيفة جارٌ بالكوفة
إسكاف يعملُ نهارَه أجمع، حتى إذا جَنَّه الليل رَجَع إلى منزله وقد حَمِّل لحمًا
فَطَبَخْهِ، أو سمكةً فيَشويها، ثم لا يزالُ يَشرب حتى إذا دَبَّ الشَّراب فيه غَنِّى
بصوت، وهو يقول [من الوافر]:
أضاعوني وأي فَتّى أضاعُوا ليوم كريهة وسَدَاد ثَّغْر
فلا يزالُ يشربُ ويُرَدِّد هذا البيت حتى يأخذَه النَّومِ، وكان أبو حنيفة
يسمعُ جَلَبته كل يوم(٤) وكان(٥) أبو حنيفة يصلّي الليل كُلَّه، ففقد أبو حنيفة
في م: ((المقاليس»، بالفاء، محرفة، وما هنا من النبخ وت.
(١)
(٢) إسناده تألف، علي بن الحسن الرازي كذبه الأزهري، وقال ابن أبي الفوارس: ذاهب
الحديث لا يساوي شيئًا، كما تقدم في ترجمته (١٣/ الترجمة ٦٢١٤).
(٣) ألف الشعيبي هذا كتابًا في فضل أبي حنيفة في عشرين جزءًا، جَوّده بلا تخليط مما
أحدثه بعض أصحابه، وتوفي سنة (٣٥٧)، ذکر ذلك الحاكم في «تاریخ نيسابور»، ونقله
عنه السمعاني في ((الشعيبي)) من الأنساب، وشيخه أسد بن نوح والقاسم بن غسان
وأبوه لم أعرفهم، وعبدالله بن رجاء الغداني ثقة، فالله أعلم بصحة هذه الحكاية.
٠٠
(٤) قوله: ((كل يوم)) سقط من م.
(٥) سقطت من م.
٤٩٦

صوتَه فسأل عنه فقيل: أخذَه العَسَس منذُ ليال وهو محبوسٌ، فصَلَّى أبو حنيفة
صلاة الفَجْر من غد، ورَكبَ بغلَتَه واستأذن على الأمير. قال الأمير: ائذنوا له
وأقبلوا به راكبًا ولا تدعوه يَنزل حتى يطأ البساط، فَفعلَ، فلم يزل الأمير يوسِّع
له من مَجلسه، وقال: ما حاجتك؟ قال: لي جارٌ إسكاف أخذَه العَسَس منذُ
ليال، يأمرُ الأمير بتَخْليته، فقال: نعم، وكلُّ من أُخذَ في تلك الليلة إلى يومنا
هذا، فأمرَ بَتَخْلَيَتهم أجمعين، فَرَكبَ أبو حنيفة والإسكاف يمشي وراءه فلما
نزَلَ أبو حنيفة مَضَى إليه، فقال: يا فتى أَضَعناك؟ فقال(١): لا بل حفظتَ
ورَعَيت جزاكَ الله خَيْرًا عن حُرمة الجوار ورعاية الحق، وتابَ الرجل ولم يَعُد
إلى ما كان.
ما ذُكرَ من وُفور عقل أبي حنيفة وفطنته وتَلَطُّفه
أخبرني أبو بشر الوكيل وأبو الفَتْح الضَّبِّي؛ قالا: حدثنا عُمر بن أحمد
الواعظ، قال: حدثنا مُكْرَم بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن عطية، قال:
حدثنا يحيى الحمَّاني، قال: سمعتُ ابن المُبارك يقول: قلت لسُفيان الثَّوري:
يا أبا عبدالله ما أبعد أبا حنيفة من الغيبة ما سمعتُه يغتابُ عَدوا له قَطْ. قال: هو
والله أعقلُ من أن يُسَلِّط على حَسَناته ما يُذهب بها(٢).
أخبرنا أبو الوليد الحسن بن محمد الدَّرْبندي، قال: أخبرنا محمد بن
أحمد بن محمد بن سليمان الحافظ ببُخارى، قال: حدثنا أبو حَفْص أحمد بن
أحيد بن حمدان، قال: حدثنا عليّ بن موسى القُمِّي، قال: سمعتُ محمد بن
شُجاع يقول: سمعتُ عليّ بن عاصم يقول: لو وزنَ عقلُ أبي حنيفة بعقل
نصف أهل الأرض لرَجَح بهم(٣) .
أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب، قال: أخبرنا محمد بن نُعيم
الضَّبِِّ، قال: سمعتُ أبا العباس أحمد بن هارون الفقيه يقول: حدثني محمد
(١) في م: ((قال))، وما هنا من النسخ.
(٢) إسناده تالف، أحمد بن عطية هو الحماني الكذاب.
(٣) إسناده ضعيف جدًا، محمد بن شجاع هو الثلجي متروك كما في تهذيب الكمال،
وكما بيناه سابقًا، وعلي بن عاصم ضعيف، كما بيناه في «تحرير التقريب)).
٤٩٧

ابن إبراهيم السَّرَخسي، قال: حدثنا سُليمان بن الرَّبيع النَّهدي الكوفي، قال:
سمعتُ هَمَّام بن مُسلمٍ يقول: سمعتُ خارجة بن مُصعب، وذُكرَ أبو حنيفة.
عنده، فقال: لقيتُ ألفًا مِن العُلماء فوجدتُ العاقل فيهم ثلاثة أو أربعة، فذَكَر
أبا حنيفة في الثلاثة أو الأربعة. قال خارجة بن مُصعب: من لا يرى المَسْحَ.
على الخُفَّين، أو يقع في أبي حنفية، فهو ناقص العَقْل(١) ..
أخبرنا الخَلَّل، قال: أخبرنا الحَريري أنَّ النَّخَعي حدَّثهم، قال: حدثنا
محمد بن عليّ بن عَقَّان، قال: حدثنا محمد بن عبدالملك الدَّقيقي، قال:
سمعتُ يزيد بن هارون يقول: أدركتُ الناسَ فما رأيتُ أحدًا أعقلَ، ولا
أفضلَ، ولا أورَعَ، من أبي حنيفة (٢).
· وقال النَّخَعي: حدثنا أبو قلابة(٣)، قال: سمعتُ محمد بن عبدالله.
الأنصاري، قال: كان أبو حنيفة يتبَيَّنُ(٤) عقلهُ في منطقه، ومشيته، ومَدخله،
ومخرجه(٥) .
. أخبرنا عليّ بن القاسم الشَّاهد بالبَصْرة، قال: حدثنا عليّ بن إسحاق
المادَرَائي، قال: حدثنا أحمد بن محمد الباهلي، قال: حدثنا محمد بن
عبدالرحمن، قال: كان رجلٌ بالكوفة يقول: عُثمان بن عفان كان يهوديًا، فأتاه
أبو حنيفة، فقال: أتيتُك خاطبا، قال: لمن؟ قال: لابنتك رجل شريفٌ غنيّ:
من المال(٦)، حافظُ لكتاب الله، سخيٌّ، يقومُ الليلَ في ركعة، كثيرُ البُكاء من
خَوف الله، قال: في دون هذا مقْنَعٌ يا أبا حنيفة، قال: إلّا أنَّ فيهِ خَصلةٌ، قال:
(١) إسناده ضعيف، لضعف سليمان بن الربيع كما في ترجمته (١٠/ الترجمة ٤٥٩٠).
(٢) إسناده صحيح، محمد بن عبدالملك هو ابن مروان الواسطي الدقيقي ثقة كما بيناه في:
((تحرير التقريب))، وباقي رجاله ثقات.
(٣) هو عبدالملك بن محمد الرقاشي الضرير الحافظ الصدوق المتوفى سنة (٢٧٦)، كما
بیناه في ((تحریر التقریب».
في م: ((ليتبين)»، محرفة، وما هنا من النسخ وت.
(٤)
(٥) إسناده حسن، محمد بن عبدالله الأنصاري، هو محمد بن عبدالله بن المثنى بن عبدالله
ابن أنس بن مالك، ثقة، من رجال التهذيب.
(٦) في م: ((بالمال)»، وما هنا من النسخ.
٤٩٨

وما هي؟ قال: يهودي. قال: سُبحان الله تأمرُني أن أزوِّج ابنتي من يهودي؟
قال: لا تفعل؟ قال: لا، قال: فالنبيُّ ◌َّهُ زَوَّج ابنتيه من يهودي. قال: أستغفر
الله، فإني(١) تائبٌ إلى الله عز وجل(٢) .
أخبرنا أبو نُعيم الحافظ، قال: حدثنا أبو محمد عبدالله بن محمد بن
جعفر بن حيَّان، قال: حدثنا أبو يحيى الرَّازي، قال: حدثنا سَهْل بن عُثمان،
قال: حدثنا إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، قال: كان لنا جارٌ طَحَّان
رافضيٌّ، وكان له بَغْلان، سمّى أحدهما أبا بكر، والآخر عُمر، فرَمَحه ذاتَ
ليلة أحدُهما فقَتَله. فأُخبرَ أبو حنيفة، فقال: انظرو البَغل الذي رَمَحه الذي
سَمَّاه عمر؟ فَتَظَرُوا فكان كَذلك(٣).
أخبرنا الحُسين بن عليّ بن محمد المُعَدَّل، قال: أخبرنا أبو القاسم
عبد الله بن محمد الحُلْواني، قال: حدثنا مُكْرَم بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن
عطية، قال: حدثنا الحمَّاني، قال: حدثنا ابن المُبارك، قال: رأيتُ أبا حنيفة
في طريقٍ مَّة وشُويَ لهم فصيلٌ سمينٌ، فاشتَهَوا أن يأكلُوه بخل، فلم يجدوا
شيئًا يصبُّون فيه الخَلِ فَتَحَيَّروا، فرأيتُ أبا حنيفة وقد حَفَر في الرَّمل حفرةً،
وبسَطَ عليها السفرة وسكَبَ الخلَّ على ذلك الموضع، فأكلوا الشِّواء بالخَل،
فقالوا له: تُحسنُ كلُ شيء. قال: عليكم بالشُّكر فإنَّ هذا شيء أُلهمتُه لكم
فضلاً من الله عليكم (٤).
أخبرنا الحسن بن محمد الخَلَّل، قال: أخبرنا عليّ بن عُمر الحَريري أنَّ
عليّ بن محمد بن كاس النَّخَعي حدَّثهم، قال: حدثنا محمد بن عليّ بن عفَّان،
قال: حدثنا نَمر بن جدار، عن أبي يوسُف، قال: دعا المنصور أبا حنيفة،
فقال الرَّبيع حاجب المنصور وكان يُعادي أبا حنيفة: يا أمير المؤمنين هذا أبو
حنيفة يُخالفُ جدَّك، كان عبدالله بن عباس يقول: إذا حُلفَ على اليمين ثم
-
(١) في م: (إني))، وما هنا من النسخ.
في إسناد الحكاية محمد بن عبدالرحمن لم أتبينه .
(٢)
(٣) إسناد الحكاية ضعيف، لضعف إسماعيل بن حماد كما في ترجمته (٧/ الترجمة
٣٢٣٣).
(٤) إسناده تالف، الحماني هو أحمد بن محمد بن المغلس كذاب كما بيناه غير مرة.
٤٩٩

استُثْني بعد ذلك بيوم أو يومين جاز الاستثناء، وقال أبو حنيفة: لا يجوز
الاستثناء إلّ مُتَّصلاً باليمن. فقال أبو حنيفة: يا أميرَ المؤمنين إنَّ الرَّبيعِ يزعِمُ
:
أنه ليس لك في رقاب جُنْدك بيعة، قال: وكيف؟ قال: يحلفون لك ثم
يَرجعونَ إلى منازلهم فَيَستَئنون فتبطل أيمانهم؟ قال: فَضَحكَ المنصور،
وقال: يا ربيع لا تَعَرَّض لأبي حنيفة، فلما خرَجَ أبو حنيفة، قال له الرَّبيع:
أردتَ أن تَشيطَ بدمي؟ قال: لا، ولكنك أردتَ أن تشيطً بدمي فخلَّصْتُك
وخَلَّصْتُ نفسَي(١).
أخبرنا أبو نُعيم الحافظ، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن
موسى، قال: حدثنا خالد بن النَّصْر، قال: سمعتُ عبدالواحد بن غياث يقول:
كان أبو العباس الطُّوسيّ سيء الرأي في أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة يعرفُ
ذلك، فدخلَ أبو حنيفة على أبي جعفر أمير المؤمنين وكَثُرَ الناسُ، فقال:
الطُّوسي: اليوم أقتلُ أبا حنيفة، فأقبَل عليه، فقال: يا أبا حنيفة إنَّ أميز
المؤمنين يَدعو الرجل منَّا فيأمُرُه بضَرب ◌ُنُق الرَّجل لا يدري ما هو، أيسَعُه أن
يَضربَ عُنُقَه؟ فقال: يا أبا العباس، أميرُ المؤمنين يأمرُ بالحق أو بالباطل؟.
قال: بالحق، قال: انفذ الحقَّ حيث كان ولا تَسَل عنه، ثم قال أبو حنيفةً لمن.
قرب منه: إنَّ هذا أراد أن يوثقني فرَبَطْتُه (٢) ..
أخبرنا محمد بن عبدالواحد، قال: أخبرنا محمد بن العباس، قال:
أخبرنا أحمد بن سعيد السُّوسي، قال: أخبرنا عباس بن محمد، قال(٣).
سمعتُ يحيى بن معين يقول: دخَلَ الخَوارِجِ مَسجدَ الكوفة وأبو حنيفة
وأصحابُه جلوسٌ، فقال أبو حنيفة: لا تَبْرحوا فجاؤا حتى وَقَفوا عليهم، فقالوا :
لهم: ما أنتم؟ فقال أبو حنيفة: نحن مُستَجيرونَ، فقال أميرُ الخوارج: دَعوهم
(١) في إسناده نمر بن جدار لم أجد له ترجمة، ومتن الحكاية منكر إذ يقتضي أن أبا حنيفة
كان على صلة حسنة بالمنصور يكثر الدخول عليه، ولم يكن الأمر كذلك.
(٢) إسناد الحكاية ضعيف لانقطاعه، فإن عبدالواحد بن غياث المتوفى سنة (٢٤٠) لم
يلحق أبا حنيفة. وانظر التعليق السابق.
(٣) تاريخ الدوري ٢/ ٦٠٧.
٥٠٠