النص المفهرس

صفحات 701-720

فأخرجَ هذا ألف درهم فأعطاهُ وقال: اغز بها عنّي، وأعطاهُ هذا مئة دينار،
وقال: أَخْرِج بها غزاة من هُناك، وأعطاه هذا مالاً، وهذا مالاً حتى اجتمع
ألوف دنانير ودراهمَ، فلحق بالخَلَّجِ فقاسمَهُ عليها.
أخبرنا عليّ بن أبي عليّ(١)، قال: حدثني أبي، قال: أخبرني أبو بكر
محمد بن إسحاق بن إبراهيم الشَّاهد الأهوازي، قال: أخبرني فلان المُنَجم،
وأسماهُ ووَصَفه بالحذق والفَرَاهة، قال: بَلَغني خبر الحَلَّجِ وما كان يفعله من
إظهار تلك العَجائب التي يَدَّعي أنها مُعجزات. فقلتُ: أَمضي وأنظُر من أيّ
جنس هي من المَخاريق، فجِئْتُهُ كأنِّي مسترشدٌ في الدِّين، فخاطَبني وخاطبتُهُ ثم
قال لي: تَشّة السّاعة ما شئتَ حتى أجِيئَكَ به، وكنا في بعض بُلدان الجَبَل التي
لا يكون فيها الأنهار، فقلت له: أريد سمكًا طريًا في الحياة السّاعة، فقال:
أفعل، اجلس مكانك فجلستُ، وقامَ، فقال: أدخلُ البيتَ وأدعو الله أن يبعثَ
لك به. قال: فدخلَ بيتًا حيالي، وغَلَقَ بابَهُ وأبطأ ساعةً طويلةً، ثم جاءني وقد
خاضَ وَحَلاً إلى رُكبته وماءً، ومعه سمكةٌ تضطَربُ كبيرةٌ، فقلت له: ما هذا؟
فقال: دعوتُ اللهَ فأمرني أن أقصدَ البَطائح وأجيئَكَ بهذه، فمضَيتُ إلى البطائح
فخضتُ الأهوار، فهذا الطِّين منها حتى أخذتُ هذه. فعلمتُ أنَّ هذه حيلة،
فقلت له: تدعني أدخل البيت فإن لم ينكشف لي حيلة فيه آمنتُ بكَ. فقال:
شأنكَ، فدخلتُ البيتَ وغَلَقتُه على نفسي فلم أجد فيه طريقًا ولا حيلةً،
فنَدِمتُ، وقلت: إن وجدتُ فيه حيلةً فكشَفتُها، لم آمن أن يقتلني في الدار،
وإن لم أجد طالَبَتي بتَصدِيقِهِ، كيفَ أعمل؟ قال: وفكرتُ في البيت فرفعت
تأزيرَةً، وكان مؤزرًا بإزار ساج، فإذا بعض التأزير فارغًا، فحركتُ جسرية منه
خَمَّنتُ عليها فإذا قد انقَلَعتْ(٢)، فدَخلتُ فيها فإذا هي باب ممر، فوَلَجتُ فيه
إلى دارٍ كبيرة، فيها بُستانٌ عظيم، فيه صنوف الأشجار والثِّمار، والرَّيحان،
(١) نشوار المحاضرة ١/ ١٦٥ - ١٦٨.
(٢) في م: ((فإذا هي قد انفلقت»، وما أثبتناه من النسخ.
٧٠١

والأنوار التي هو (١) وقتُها وما ليسَ هو وقتُّهُ مما قد غُطِّيَ وعُثِّقَ، واحتيلَ في
بقائه، وإذا الخزائن مُفتَّحةٌ (٢) فيها أنواعُ الأطعمة المَفروغ منها والحوائج لما
يُعمل في الحال إذا طُلِبَ، وإذا بركةٌ كبيرةٌ في الدار فخضتها فإذا هي مملوءة
سمكًا كبارًا وصغارًا، فاصطدتُ واحدةٌ كبيرةً وخرجتُ، فإذا رجلي قد صارت
بالوَحْلِ والماء إلى حد ما رأيت رجلَهُ، فقلتُ: الآن إن خرجتُ ورأى هذا معي
قَتَلني، فقلت: أحتالُ عليه في الخُروج، فلما رَجَعتُ إلى البيت أقبلتُ أقول:
آمنت وصَدَّقتُ، فقال لي: مالك؟ قلت: ما هاهنا حيلة، وليس إلا التَّصديقُ.
بك. قال: فاخرج فخرجتُ وقد بَعُدَ عن الباب، وتَمَوَّه عليه قولي، فحينَ
خرجتُ أقبلتُ أعدو أطلب باب الدَّار، ورأى السَّمكة معي، فقَصَدني وعَلِمٌ
أني قد عرفت حيلتَهُ، فأقبل يعدو خَلْفي فَلَحِقني، فضربتُ بالسَّمكة صَدرهُ
ووَجْههُ، وقلتُ له: أتعبتني حتى مَضَيتُ إلى البحر، فاستخرجتُ لك هذه منه!
قال: واشتغلَ بصَدْرِهِ وبَعَيْنِهِ وما لَحِقَهما من السَّمكة وخرجتُ. فلما صرتُ
خارج الدَّار طرحتُ نفسي مُستلقيًا لما لَحِقَني من الجَزَعِ والفَزَعِ. فخرجَ إليَّ
وضاحَكَني وقال: ادخل. فقلت: هيهاتٍ والله لئن دخلتُ لا تركتني أُخرجُ
أبدًا. فقال: اسمع، والله لئن شئتُ قَتلَكَ على فِراشِكَ لأفعلنَّ، ولئن سمعتُ
بهذه الحكاية لأقتلنَّكَ ولو كنتَ في تُخوم الأرض وما دامَ خَبَرُها مستورًا فأنت
آمن على نفسِكَ، امض الآن حيثُ شئتَ. وتَرَكَني ودخلَ فَعلمتُ أنه يقدرُ على
ذلك بأن يَدُسَّ أحدَ من يُطيعُهُ ويَعتقِدُ فيه ما يَعتقدُه فيَقتُلَنِي، فما حكيتُ
الحكاية إلى أن قُتِل.
أخبرنا عليّ بن أبي عليّ (٣)، عن أبي الحسن أحمد بن يوسف الأزرق
أنَّ الحُسين بن منصور الحَلَّج لما قَدِمَ بغدادَ يدعو، استغوَى كثيرًا من الناس
والرُّؤْساء، وكان طَمَعه في الرَّافضة أقوى لدُخولِهِ من طريقهم، فراسَلَ أبَا سَهْل
(١) في م: (هي))، وما هنا من النسخ.
(٢) في م: ((مفتوحة))، وما هنا من النسخ.
(٣) نشوار المحاضرة ١/ ١٦١.
٧٠٢

ابن نوبَخْت يَسْتَغويه، وكان أبو سَهْل من بينهم مُثَقَّفًا فَهْمًا فَطِنَا، فقال أبو سَهْل
لرسوله: هذه المُعجزات التي يُظهِرُها قد تأتي فيها الحِيَلُ، ولكن أنا رجلٌ
غَزَلٍ، ولا لَذَّة لي أكبر من النِّساءِ وَخَلْوتي بهنّ، وأنا مُبتَلَى بالصَّلَع حتى أَنِّي
أطوِّلُ شعر(١) قحفي وآخذُ به إلى جَبِيني وأشدُّه بالعِمامة وأحتالُ فيه بحيلٍ،
ومُبتلى بالخِضابِ لسِتْرِ المَشِيبِ، فإن جعلَ لي شَعْرًا وردَّ لحيَتِي سَوداء بلا
خِضاب آمنتُ بما يدعوني إليه كائنًا ما كان، إن شاء قلت: إنه باب الإمام،
وإن شاء الإمام، وإن شاء قلت: إنه النبيُّ، وإن شاء قلت: إنه الله! قال: فلما
سمع الحَلَّج جوابَه أيِسَ منه، وكَفَّ عنه.
قال أبو الحسن(٢): وكان الحَلَّج يدعو كلَّ قَومٍ إلى شيءٍ من هذه
الأشياء التي ذكرها أبو سَهْل على حَسبِ ما يَسْتَبْله طائفة طائفة.
وأخبرني جماعةٌ من أصحابِنا أنه لما افتِنَ الناسُ بالأهواز وكُوَرِها
بالحَلَّجِ وما يُخرجُه لهم من الأطعمة والأشربة في غير حينها، والدَّراهم التي
سمّاها دراهم القُدرة حُدِّث أبو عليّ الجُبَّائي بذلك، فقال لهم: هذه الأشياء
محفوظةٌ في منازل يمكن الحِيّل فيها، ولكن أدخلوه بيتًا من بيوتكم لا من
مَنْزِلِهِ هو، وكَلِّفوه أن يُخرِجَ منه جَرْزَتين شوكًا فإن فعل فصَدُّقوه، فبَلَغَ الحَلاَّج
قوله وأنَّ قومًا قد عَمِلوا على ذلك، فخرجَ عن الأهواز.
حدثني مسعود بن ناصر، قال: حدثنا أبو عبدالله بن باکو الشيرازي،
قال: سمعتُ أبا عبد الله بن خَفِيف، وقد سأله أبو الحسن بن أبي تَوبة عن
الحُسين بن منصور، فقال: سمعتُ أبا يعقوب النَّهْرَجُوري يقول: دخل
الحُسين بن منصور مكةَ ومعه أربع مئة رجل، فأخذَ كلُّ شيخٍ من شُيوخ
الصُّوفية جماعةٌ، قال: وكان في سَفْرته الأولى كنتُ آمرُ مَن يَخدمه. قال: ففي
هذه الكَرَّة أمرتُ المَشايخ وتَشفَّعتُ إليهم ليَحملوا عنه الجَمْعِ العَظيم، قال:
فلما كان وقتُ المغرب جئتُ إليه وقلت له: قد أمسينا فقُم بنا حتى نُفطِر،
(١) سقطت من م، وهي في النشوار أيضًا.
(٢) نشوار المحاضرة ١/ ١٧٢ .
٧٠٣

فقال: نأكل على أبي قُبَيْس فأخذنا ما أرَدْنا من الطَّعام وصَعِدنا إلى أبي
قُبِيس، وقَعَدنا للأكلِ، فلما فَرَغْنا من الأكل قال الحُسين بن منصور: لم نأكل
شيئًا حُلوًا. فقلتُ: أَليسَ قد أكلنا الثَّمْر؟ فقال: أريدُ شيئًا قد مَسَّته النَّار. فقامَ
وأخذَ ركوته وغابَ عنَّا ساعةً ثم رجعَ ومعه جام حلواء فوضَعَه بين أيدينا
وقال: بسم الله، فأخذَ القومُ يأكلون وأنا أقولُ مع نفسي قد أخذ في الصَّنْعةِ
التي نَسَبها إليه عَمرو بِنَّ عُثمان. قال: فأخذتُ منه قطعةً ونزلتُ الوادي
ودرتُ على الحلاويين أُريهم ذلك الحُلواء وأسألهم هل يَعرِفون من يتَّخذ هذا
بمكة؟ فما عَرفوه حتى حُمِلَ إلى جاريةٍ طَبَّاخة فعَرَفته، وقالت: لا يُعْمَلُ هذا
إلّ بزَبِيد (١)، فَذَهَبَت إلى حاج زَبِيد، وكان لي فيه صديقٌ، وأرَيتُهُ الحَلواء
فَعَرَفَه، وقال: يُعمل هذا عندنا إلّ أنه لا يمكن حَمْله فلا أدري كيفَ حُمِل.
وأمرتُ حتى حُمِل إليه الجامَ وتَشَفَّعتُ إليه ليتعرَّفَ الخَبَرَ بزَبِيد هل ضاعَ لأحدٍ
من الحلاويين جام علامتَهُ كذا كذا. فَرَجَع الزَّبِيدي إلى زَبِيد، وإذا أنه حمل من
دُكان إنسان حَلاَوي، فصحَّ عندي أنَّ الرجلَ مَخدومٌ:
وقال ابن باكو: أخبرنا أبو عبدالله بن مُفْلِح، قال: حدثنا طاهر بن أحمد
التُّسْتَري، قال: تعَجَّبتُ من أمرِ الحَلَّجِ، فلم أزل أتَبَّع وأطلب الحِيّل، وأتعلّم
النّيرنجات لأقفَ على ما هو عليه، فدخلتُ عليهِ يومًا من الأيام، وسلمتُ،
وجَلَستُ ساعةً، ثم قال لي: يا طاهر لا تتعنَّ، فإنَّ الذي تراهُ وتسمَعُهُ من فعل
الأشخاص لا من فعلي، لا تظن أنه كرامةٌ أو شعوذةٌ، فصحَّ عندي أنه كما يقول.
حدثني أبو سعيد السُّجزي، قال: أخبرنا محمد بن عبدالله بن عبيد الله
الصُّوفي الشِّيرازي، قال: سمعت عليّ بن الحسن الفارسي بالمَوصل يقول:
سمعتُ أبا بكر بن سَعْدان يقول: قال لي الحُسين بن منصور: تؤمن بي حتى
أبعثَ إليك بعصفورةٍ تطرحُ من ذَرقها وزنَ حبةٍ على كذا مَنَّا نحاس(٢) فيصِيرُ
ذهبًا؟! قال: فقلت له: بل أنت تُؤمن بي حتى أبعثَ إليك بفيلٍ يَستلقي فتصيرُ
(١) مدينة في اليمن.
(٢) في م: ((من نحاس))، وأثبتنا ما في النسخ.
: ٧٠٤

قوائمهُ في السماء؛ فإذا أردتَ أن تُخفيّه أخفيتَهُ في إحدى عَينيك؟ قال: فبُهِت
وسَگت.
أنبأنا إبراهيم بن مَخْلَد، قال: أخبرنا إسماعيل بن عليّ الخُطَبي في
تاريخه، قال: وظهرَ أمرُ رجلٍ يعرف بالحَلَّجِ يقال له: الحُسين بن منصور،
وكان في حَبْس الشُّلطان بسعاية وَقَعَت به في وزارة عليّ بن عيسى الأولى،
وذُكرَ عنه ضروب من الزَّنْدَقة، ووَضَع الحِيّل على تَضْليلِ الناسِ من جهاتٍ
تشبه الشَّعوذةَ والسِّحرَ، وادِّعاء الثُّبوَّة، فكشفَهُ عليّ بن عيسى عندَ قَبْضه عليه،
وأنهَى خَبَرَهِ إلى الشُّلطان، يعني المُقتدر بالله، فلم يقر بما رُمِيَ به من ذلك،
وعاقَبَه وصَلَبه حيًّا أيامًا متوالية في رَحْبة الجَسْر في كلِّ يوم غدوة، ويُنادى عليه
بما ذُكِرَ عنه، ثم ينزلُ به. ثم حُبِسَ(١) ، فأقامَ في الحَبْس سنينَ كثيرة، يُنْقَل
من حَبْسٍ إلى حَبْس حتى حُبِسَ بأخرة في دار السُّلطان، فاستَغْوَى جماعةً من
غِلمان الشُّلطان، ومَوَّه عليهم واستَمالَهم بضروبٍ من حِيّله حتى صاروا
يحمونَهُ، ويَدَفَعون عنه، ويُرَفِّهونَهُ، ثم راسلَ جماعةٌ من الكتَّاب وغيرهم
ببغداد وغيرها، فاستجابوا له، وتَراقَى به الأمرُ حتى ذُكِرَ أنَّه اذَّعى الرُّبوبية،
وسُعِيَ بجماعةٍ من أصحابِهِ إلى الشُّلطان، فقُبِضَ عليهم، ووُجِدَ عند بعضهم
كتبٌ (٢) له تدلُّ على تصديقِ ما ذُكِرَ عنه، وأقَرَّ بعضُهُم بلسانِهِ بذلك، وانتشَرَ
خَبَرُه، وتكلَّم الناسُ في قَتْلُه، فأمرَ أميرُ المؤمنين بتسليمه إلى حامد بن
العباس، وأمر أن يكشفه بحَضْرة القُضاة، ويجمع بَيْنه وبينَ أصحابِهِ، فجرى
في ذلك خُطوبٌ طِوالٌ ثم استَيْقَن السُّلطان أمرَهُ، ووَقَفَ على ما ذُكِرَ له عنه،
فأمرَ بقتله وإحراقِهِ بالنَّار. فأَحْضِرَ مجلس الشُّرطة بالجانب الغربي يومَ الثلاثاء
لسبع بَقِينَ من ذي القَعدة سنة تسع وثلاث مئة، فضُرِبَ بالسّياط نحوًا من ألف
سَوْط، وقُطعَت يداه ورجلاه، وضُرِبَت عُنُقُه وأُحرقت(٣) جُثَتُه بالنار، ونُصِبَ
(١) في م: ((يحبس))، وأثبتنا ما في النسخ.
(٢) في م: ((كتبًا»، خطأ .
(٣) في م: ((وحرقت))، وأثبتنا ما في النسخ.
٧٠٥

رأسُه للناس على سور السّجن الجديد، وعُلِّقَت يداهُ ورجلاهُ إلى جانب رأسِهِ.
حدثني محمد بن أبي الحسن السَّاحلي، عن أبي العباس أحمد بن محمد
النَّسوي، قال: سمعت محمد بن الحُسين الحافظ يقول: سمعت إبراهيم بن
محمد الواعظ يقول: قال أبو القاسم الرَّازي: قال أبو بكر بن حمشاذ: حَضَر
عندنا بالدّينور رجلٌ ومعه مخلاة فما كان يُفارِقُها بالليل ولا بالنهار، ففَتَّشوا
المخلاةَ فِوَجدوا فيها كتابًا للحَلَّجِ عنوانه: من الرحمن الرحيم إلى فلان بن
فلان، فوجه إلى بغداد، قال: فأحضِرَ وعُرِضَ عليه، فقال: هذا خَطِّي وَأنَا
كتبتُهُ. فقالوا: كنتَ تدَّعي النُّوة فصرتَ تدَّعي الرُّبوبية؟ فقال: ما أدَّعي
الرُّبوبية، ولكن هذا عينُ الجمع عندنا، هل الكاتب إلّ الله، وأنا واليدُ فيه آلةٌ،
فقيل: هل معك أحد؟ فقال: نعم، ابنُ عطاء، وأبو محمد الجَرِيري، وأبو بكر
الشِّبلي. وأبو محمد الجريري يَستَتِرِ، والشُّبلي يَستَتِر، فإن كان فابن عطاء ..
فَأُحْضِرَ الجريري، فسُئِل فقال: هذا كافرٌ يُقتَل ومن يقول هذا؟ وسُئِل الشِّبلي،
فقال: من يقول هذا يُمْنَع. ثم سُئِل ابنُ عطاء عن مقالة الحَلاَّج، فقال بمقالته،
فكان سبب قَتْله .
أخبرنا إسماعيل بن أحمد الحِيري، قال: أخبرنا أبو عبدالرحمن
السُّلمي(١)، قال: سمعت محمد بن عبدالله الرَّازي يقول: كان الوزير حيث(٢).
أحضِرَ الحُسين بن منصور للقَتْل، حامد بن العباس فأمرَهُ أن يكتبَ اعتقادَهُ،
فكتبَ اعتقادَهُ، فعَرضه الوزير على الفُقهاء ببغداد فأنكروا ذلك، فقيلَ للوزير:
إنَّ أبا العباس بن عطاء يُصَوِّبُ قولَهُ، فأمرَ أن يُعْرَضَ ذلك على أبي العباس بن
عطاء، فعُرِض عليه، فقال: هذا اعتقادٌ صحيح، وأنا أعتقد هذا الاعتقاد، ومن
لا يَعتقد هذا فهو بلا اعتقاد. فأمرَ الوزير بإحضارِهِ فأحضرَ، وأُدْخِلَ عليه
فجلس في صدرِ المَجلس فغاظَ الوزير ذلك، ثم أخرجَ ذلك الخط، فقال: هذا
!
(١) في م وهـ ٥: ((الشبلي)، محرف.
(٢) في م: ((حين))، وأثبتنا ما في النسخ.
٧٠٦

۔۔
خطُك؟ فقال: نعم، فقال: تُصوِّب مثل هذا الاعتقاد؟ فقال: مالك ولهذا،
عليكَ بما نُصِبْتَ له من أخذِ أموال الناس، وظُلِمِهم، وقَتْلهم، مالك ولكلام
هؤلاء السَّادة. فقال الوزير: فكَّيْه، فضُرِبَ فَكَّاه، فقال أبو العباس: اللهم إنك
سَلَّطت هذا عليّ عقوبة لدخولي عليه. فقال الوزير: خفَّهُ يا غُلام، فَزَع خفَّهُ
فقال: دِماغَه، فما زال يضربُ رأسه حتى سال الدم من منْخريه، ثم قال:
الحَبْس، فقيل: أيها الوزير يتشوشُ العامةُ لذلك، فحُمِلَ إلى منزِلِهِ. فقال أبو
العباس: اللهم اقتلهُ أخبثَ قِتْلة، واقطَع يدَيْهِ ورِجليه. فمات أبو العباس بعدَ
ذلكَ بسبعة أيام، وقُتِلَ حامد بن العباس أفظعَ قِتلة وأوحشها، بعد أن قُطعت
يداه ورجلاه، وأُحرِقَ دارُهُ،، وكانوا يقولون: أدرَكَتْهُ دعوةُ أبي العباس بن
عطاء .
أخبرنا محمد بن عليّ بن الفَتْح، قال: أخبرنا محمد بن الحُسين
النَّيْسابوري، قال: سمعتُ أبا بكر بن غالب يقول: سمعتُ بعض أصحابنا
يقول: لما أرادوا قتل الحُسين بن منصور أُحضِرَ لذلك الفُقهاء، والعُلماء،
وأخرجوهُ، وقَدَّموه بحَضْرةِ السُّلطان، فسَألوه فقالوا مسألة، فقال: هاتوا.
فقالوا له: ما البُرهان؟ فقال: البُرهان شواهد يُلْبِسُها الحقُّ أهلَ الإخلاص،
يجذبُ النُّقُوسَ إليها جاذبُ القُبول. فقالوا بأجمعهم: هذا كلامُ أهل الزَّندقة!
وأشاروا على السُّلطان بقَتْله.
قلت: قد أحالّ هذا الحاكي عن الفُقهاء بأنَّ هذا كلام أهل الزَّندقة، وهو
رجلٌ مجهول، وقولُه غير مقبول، وإنما أوجب الفُقهاء قَتْله بأمر آخر.
حدثني مسعود بن ناصر، قال: أخبرنا محمد بن عبدالله بن باكو
الشِّيرازي، قال: سمعتُ عيسى (١) بن بزول القَزْويني، وقد سأل أبا عبدالله بن
خَفيف عن معنى هذه الأبيات(٢) [من السريع]:
(١) سقطت من م.
(٢) ديوانه ٣٢.
٧٠٧

سُبْحان من أظهرَ ناسوتُهُ سِرَّ سَنا لاهوتِهِ الثَّاقسبِ
ثم بَدَا في خَلْقِه ظاهرًا في صورة الآكل والشَّارِبِ
حتى لقد عايْنَهُ خَلْقُهُ كَلَحْظةِ الحاجبُ بالحاجب
فقال الشيخ: على قائلها لعنةُ الله. فقال عيسى بن بزول: هذا للحُسين
ابن منصور. فقال : إن کان هذا اعتقادہ فھو کافرٌ. إلاّ أنه لم یصح أنه له، ربما
یکون مقولاً علیه ..
وقال ابن باكو: سمعتُ أبا القاسم يوسف بن يعقوب النُّعماني يقول:
سمعتُ والدي يقول: سمعتُ أبا بكر محمد بن داود الفقيه الأصبهاني يقول:
إنْ كان ما أنزلَ اللهُ على نَبِّهِ بَ﴿ حقًّا، وما جاء به حقٌّ، فما يقول الحَلاَّج
باطلٌ. وكان شديدًا عليه.
: أخبرنا ابن الفَتْح، قال: أخبرنا محمد بن الحُسين، قال: سمعتُ أبا بكر
الشَّاشي يقول: قال أبو الجديد، يعني المصري: لما كان الليلة التي قُتِلَ في
صَبِيحِتِها الحُسين بِن منصور قامَ من الليل فصلَّى ما شاءَ اللهُ، فلما كان آخِرُ
الليلِ قامَ قائمًا فتغَطَّى بكِسائِهِ، ومدَّ يدَيْه نحو القِيْلة فتكلَّم بكلام جائزِ الحفظِ،
وكان مما حفظتُ أن قال: نحنُ شواهدك، فلو دلتنا عزتك، لتبَدَّى ما شئتَ مِن
شأنك ومشيئتكَ، وأنت الذي في السماء إله وفي الأرض إلَه. تتجلَّ لما تشاء
مثل تجليك في مَشيئتك كأحسن الصُورة، والصُّورة فيها الرُّوح الناطقة بالعِلم
والبيان والقُدْرة ثم أوعزتَ إلى شاهِدكَ، الآني (١) في ذاتِكَ الهَوى، كيفَ أنتَ
إذا مثلت بذاتي عند عَقِب كراتي، ودعوتَ إلى ذاتي بذاتي، وأبديت حَقائق
عُلومي ومُعجزاتي، صاعدًا في مَعارجي إلى عُرِوشٍ أزليَّاتي، عند القول من
بَريَّاتي؛ إني احتُضِرْتُ وقُتِلِتُ، وصُلبتُ، وأُحرِقتُ، واحتملتْ سافياتي
الذاريات، ولَجَّجتْ بي(٢) الجاريات، وإنَّ ذرةً من ينجوج مكان هاكول
(١) في م: ((ثم أوعزت إليَّ شاهدك، لأني)»، محرفة من سوء القراءة.
(٢) في م: ((ونجحتُ في))، محرفة، أي: خاضت اللُّجة.
٧٠٨

متجلياتي، لأعظم من الرَّاسيات ثم أنشأ يقول(١) (من البسيط]:
أنْعَى إليكَ نُفُوسًا طاحَ شاهِدُها فيما ورا الحَيْثُ أو في شاهد القِدَمِ
أنْعَى إليك قُلوبًا طالما هَطَلَت سحائبُ الوَحِي فيها أبحرَ الحِكْمِ
أودَى وتِذْكاره في الوَهْم كالعَدَمِ
أنْعَى إليكَ لسانَ الحقِّ منك ومن
أنْعَى إليكَ بيانًا تَستكينُ له أقوالُ كُلِّ فَصِيحِ مِقْوَلٍ فَهِمِ
أنْعَى إليكَ إشاراتِ العُقولِ معًا لم يبق منهنَّ إلا دارسُ العَدَمِ
كانت مطاياهم من مَكْمّدِ الكَظِمِ
أنْعَى وحُبّك أخلاقًا لطائفةٍ
مضَى الجميعُ فلا عينٌ ولا أثرٌ مُضِيَّ عادٍ وفُقْدان الأُلَى إِرَمِ
وخَلَّفوا مَعْشِرًا يُجْرون(٢) لُبُسَتَهُم أعمَى من البَهْم بل أعمَى من النَّعَم
حدثني محمد بن عليّ الصُّوري، قال: سمعتُ إبراهيم بن جعفر بن أبي
الكرامِ البَزَّاز بمصر يقول: سمعتُ أبا محمد الياقوتي يقول: رأيتُ الحَلَّج عند
الجَسْر وهو على بقرةٍ ووَجْهِه إلى عَجْزِها، فسمعتُه يقول: ما أنا بالحَلَّج،
ألقَى عليَّ شَبَهَه وغابَ، فلما أُدنِيَ إلى الخَشبةِ ليُصلَبَ عليها سمعتُه يقول:
يا مُعين الضَّنَا عليَّ، أعني على الضَّنَا.
أخبرنا القاضي أبو العلاء الواسطي، قال: لما أُخرِجَ الحُسين بن منصور
الحلاج (٣) ليُقتَل أنشد(٤) [من الوافر]:
طلبتُ المُسْتَقَرَّ بكلِّ أرضٍ فلم أرَ لي بأرضٍ مُسْتَقَرًا
أطعتُ مطامعي فاستعبدتني ولو أني قَنَعْتُ لكنتُ حُرّا
أخبرنا إسماعيل الحِيري، قال: أخبرنا أبو عبدالرحمن السُّلَمي، قال:
(١) وتنسب إلى أبي الحسين النوري، وهي في ملحق الديوان ١٢٠ .
(٢) في م: ((يحذون))، وما هنا من النسخ والديوان.
(٣) سقطت من م.
(٤) هذا البيتان ينسبان إلى أبي العتاهية، وهما في ملحق الديوان ١١٠.
٧٠٩

سمعتُ محمد بن أحمد بن الحسن الوَرَّاق يقول: سمعتُ أبا إسحاق إبراهيم
ابن محمد القلانسي الرَّازي يقول: لمَّا صُلِب الحُسين بن منصور، وقفتُ عليه
وهو مَصلوبٌ، فقال: إلهي(١) أصبحتُ في دار الرَّغائب أنظرُ إلى العَجائب،
إلهي إنكَ تتودّدُ إلى من يُؤْذِيكَ، فكيفَ لا تتوذَّدُ إلى من يؤذَى فيك.
وقال الشُّلمي: سمعتُ عبدالواحد بن عليّ يقول: سمعتُ فارسًا
البغدادي يقول: لما حُبِس الجَلَّج قُيِّد من كَعْبِه إلى ركبتِهِ بثلاثة عشر قَيْدًا،
( وكان يصلِّي مع ذلك في كلِّ يومٍ وليلة ألف ركعة!
قال: وسمعتُ فارسًا يقول: قُطُّعت أعضاؤه يوم قُتِلَ عُضوًا عُضوًا وما
تَغْيَّر لونُه .
وقال السُّلمي: سمعتُ أبا عبدالله الرَّازي يقول: سمعتُ أبا بكر العَطَوفي
يقول: كنتُ أقربَ الناس من الخَلَّجَ، فضُربَ كذا وكذا سوطًا، وقُطُعت يداه
ورجلاه فما نَطَق!
أخبرنا ابن الفَتْح، قال: أخبرنا محمد بن الحُسين، قال: سمعتُ الحُسين
ابن أحمد يعني الرَّازي يقول: سمعت أبا العباس بن عبدالعزيز يقول: كنتُ
أقرب الناس من الجَلَّج حين ضُربَ وكان يقولُ مع كلِّ صَوت: أحدٌ، أحد.
حدثنا عُبيد الله بن أحمد بن عُثمان الصَّيْرفي، قال: قال لنا أبو عُمر بن
حَيُّويه: لما أُخرج حُسين الحَلَّجِ لِيُقتَلِ مَضَيتُ في جُملة الناس، ولم أزل
أُزاحِم حتى رأيتُهُ، فقال لأصحابه: لا يَهولَنَّكم هذا، فإني عائدٌ إليكم بعد
ثلاثین یومًا، ثم قُتِل.
أخبرنا محمد بن أحمد بن عبدالله الأزْدَستاني بمكة، قال: أخبرنا أبو
عبدالرحمن محمد بن الحُسين الشُّلمي بنّيْسابور، قال: سمعتُ أبا العباس
الرَّزَّازِ يقول: كان أخي خادمًا للحُسين بن منصور، فسمعتُهُ يقول: لما كانت
الليلة التي وُعِدَ من الغَدِ قَتْله، قلت له: يا سيدي أوصني، فقال لي: عليك
(١) في م: ((إلهي إلهي))، مكررة، وليست في النسخ.
٧١٠

نَفْسَكَ إن لم تَشْغَلها شَغَلَتكَ. قال: فلما كان من الغد وأُخْرِجَ للقَتْل، قال: حسبُ
الواجد (١) إفراد الواحد له، ثم خرج يَتَبَختر في قَيْده ويقول(٢) [من الهزج]:
إلى شيءٍ من الحَيْفِ
نَدِيمي غيرُ مَنْسوبٍ
بُ فِعْلَ الضَّيْفِ بالضَّيْفِ
سَقَاني مِثْل ما يَشْر
دعا بالنِّطْعِ والسَّيْفِ
فلما دارت الكأسُ
مع التِّنِّين في الصَّيْف
كَذَا من يَشْرِبُ الرَّاحَ
ثم قال: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَاْ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا
وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى ١٨] ثم ما نطقَ بعد ذلك حتى فُعِلَ به ما فُعِل.
أخبرنا ابن الفَتْح، قال: أخبرنا محمد بن الحُسين، قال: سمعتُ عبدالله
ابن عليّ يقول: سمعتُ عيسى القَصَّار يقول: آخرُ كلمةٍ تكلَّم بها الحُسين بن
منصور عند قَتْله وصَلْبه أن قال: حسبُ الواجد إفراد الواحد له. فما سمع بهذه
الكلمة أحد من المشايخ إلّ رَقَّ له واستحسن هذا الكلام منه.
أخبرنا إسماعيل الحِيري، قال: أخبرنا أبو عبدالرحمن الشُّلَمي، قال:
سمعتُ أبا بكر البَجَلي يقول: سمعتُ أبا الفاتك البغدادي، وكان صاحبَ
الحَلَّجِ، قال: رأيتُ في النوم بعد ثلاث من قَتلِ الحَلَّج، كأنِّي واقفٌ بين يدي
ربِّي تعالى فأقول: يارب ما فعل الحُسين بن منصور؟ فقال: كاشفتُهُ بمعنى
فدعا الخَلق إلى نفسه، فأنزلتُ به ما رأيتَ.
ذکر أخبار الحلاج بعد حصوله في ید حامد بن العباس
وشرحها على التَّفصيل إلى حين مَقْتَله
قد ذكرنا ما انتهى إلينا من أخبار الحَلَّجِ المنثورة، وأنا أسوقُ ههنا قصَّتَه
ببغداد مُفَصَّلة، وسببَ القَبْض عليه، وشرحَ ما بعد ذلك إلى أن قُتِل:
فبلغنا أنه أقامَ ببغداد في أيام المُقتدر بالله زمانًا يَصحبُ الصُّوفية وينتسِبُ
(١) في م: ((الواحد)» بالحاء المهملة، وما هنا مجود في النسخ.
(٢) وتنسب إلى الحسين بن الضحاك الخليج، وهي في ملحق الديوان ١١٦ .
٧١١

إليهم، والوزير إذ ذاك حامدُ بنُ العباس، فانتهى إليه أنَّ الخَلَّجِ قد مُؤَه على
جماعةٍ من الحَشَم والحُجَّاب في دار السُّلطان، وعلى غِلْمَان نَصْرِ القُشوري
الحاجِب وأسبابه، بأنه يُحيي الموتى، وأنَّ الجِنَّ يَخدمونَهُ ويُحضِرونَ ما يَختارُهُ
ويَشْتَهِيه، وأظهرَ أنه قد أحيى عدةً من الطَّير، وأظهر أبو عليّ الأوارجي لعليّ
ابن عيسى أنَّ محمد بن عليّ القُنَّائي، وكان أحدَ الكتاب، يعبدُ الحَلَّجِ،
ويدعو الناسَ إلى طاعته، فوجَّه عليّ بن عيسى إلى محمد بن عليّ القُنَّائي من
كَبَس منزِلَه وقبضَ عليه، وقَرَّره عليٍّ بن عيسى فأقَرَّ أنه من أصحاب الخَلاَّج،
وحملَ من داره إلى عليّ بن عيسى دفاترَ ورقاعا بخط الجَلَّجِ، فالتمسَّ حامد
ابن العباس من المُقتدر بالله أن يسلّم إليه الخَلَّج ومن وُجِدَ من دُعَاتِهِ، فدفعَ
عنه نَصْر الحاجب، وكان يُذْكَرُ عنه الميل إلى الحَلَّجِ، فَجَرَّد حامد في
المسألة، فأمرَ المُقتدر بالله أن يُدْفعَ إليه، فقبضَهُ واحتفظَ به، وكان يُخرجُه كلَّ
يوم إلى مجلسِهِ ويتسقطه ليتعلق عليه بشيءٍ يكون سبيلاً له إلى قَتْله، فكان
الحَلَّجِ لا يزيدُ على إظهار الشَّهادَتين والتَّوحيد، وشَرائع الإسلام، وكان حامدٌ
قد سَعَى إليه بقوم أنهم يعتقدون في الحَلَّج الإلهية، فقبضَ حامد عليهم
وناظرهم فاعتَرَفوا أنَّهم من أصحاب الحَلَّجُ ودُعاته، وذكروا لحامد أنهم قد
صحَّ عندهم أنه إلهٌ، وأنه يُحيي المَوتَى، وكاشفوا الحَلَّج بذلك فجَجَده
وكَذَّبهم، وقال: أعوذُ بالله أن أدَّعيَ الرُّبوبية، أو التُّوةَ، وإنما أنا رجلٌ أعبدُ
الله، وأُكثِرُ الصَّوم، والصلاة، وفعلَ الخير، ولا أعرفُ غيرَ ذلك(١).
فأخبرني (٢) عليّ بن المُحَسِّن القاضي، عن أبي القاسم إسماعيل بن
محمد بن زَنْجي الكاتب، عن أبيه، وهو المعروف بزَنْجي، مما أسوقه من
أخبار الحَلَّج إلى حين مَقتله، وكان زنجي يُلازِمُ مجلسَ حامد بن العباس
ويرى الحَلَّجِ، ويسمعُ مناظرات أصحابه، قال زنجي: كان(٣) أول ما انكشفَ
(١) هذا هو آخر المجلد الخامس من النسخة الأزهرية الذي رمزنا له هـ٥.
(٢) في م: ((حدثنا))، خطأ.
(٣) سقطت من م، وهي ثابتة في هـ ٦ وغيرها.
٧١٢٠

من أمره في أيام وزارة حامد بن العباس، أنَّ رجلاً شيخًا حسنَ السَّمت يُعرف
بالدَّيَّاس، تَنَصَّحَ فيه، وذكر انتشار أصحابه، وتفرُّقَ دُعاتِه في النَّواحي، وأنه
كان ممن استجابَ له ثم تبيَّن مَخرقتَه (١) ، ففارقَهُ وخرجَ عن جُملته، وتقرَّب
إلى الله بكشفِ أمرِهِ، واجتمعَ معه على هذه الحال أبو عليّ هارون بن
عبدالعزيز الأوارجي الكاتب الأنباري، وكان قد عَمِلَ كتابًا ذكر فيه مَخاريقَ
الخَلَّجِ، والحِيلة فيها، والحَلَّجِ حينئذ مُقيمٌ عند نَصْر القُّشُوري، في بَعض
حُجَرِهِ، مُوسَعٌ عليه، مأذونٌ لمن يدخلُ إليه، وللحَلَّج اسمان: أحدهما
الحُسين بن منصور، والآخر محمد بن أحمد الفارسي. وكان قد استَغْوِى نَصْرًا
وجازَ تَمويهُهُ عليه، حتى كان يُسمِّيه العبدَ الصالح، ويحدِّث الناسَ أنَّ عِلَّةً
عَرَضتِ للمُقتدر بالله في جَوْفِهِ، وقَفَ نَصْر على خَبرِها، فوصفَه له واستأذنَهُ في
إدخاله إليه فأذِنَ له، ووضعَ يده على المَوضع الذي كانت العِلَّةُ فيه وقرأ عليه،
فاتفق أن زالت العِلَّةُ، ولَحِقَ والدة المُقتدر بالله مثل تلك العِلَّة، وفعلَ بها مثل
ذلك فزالَ ما وَجَدَتهُ، فقامَ للحَلَّجِ بذلك سوقٌ في الدار، وعند والدة المُقتدر
والخَدم والحاشية وأسباب نَصْر خاصة، ولما انتشرَ كلامُ الدَّبَّاس وأبي علي
الأوارجي في الحَلَّجِ بعثَ به المُقتدر بالله إلى أبي الحسن عليّ بن عيسى
ليُناظِرَه فأحضَرَه مجلسَهُ وخاطَبَه خطابًا فيه غِلْظة، فحُكِيَ في ذلك الوقت أنه
تقدَّم إليه وقال له فيما بينه وبينه: قِفِ حيثُ انتهيت ولا تَزِد عليه شيئًا، وإلّ
قلبتُ الأرضَ عليك، وكلامًا في هذا المعنى، فتَهَّيبَ عليٌّ بن عيسى مُناظرته
واستَعفَى منه، ونُقِلَ حينئذ إلى حامد، وكانت بنت السَّمَّري صاحب الحَلَّج قد
أُدخِلَت إليه، وأقامَت عنده في دار الشُّلطان مدَّةً، وبعثَ بها إلى حامد ليَسألها
عَمَّا وَقَفت عليه وشاهَدَتَهُ من أحوالِهِ، فدخلتُ إلى حامد في يوم شاتٍ باردٍ،
وهذه المرأةُ بحَضْرته، وكانت حسنَةَ العِبارة، عذبةَ الألفاظ، مقبولةَ الصُّورة،
فسألها عن أمره فذكرتْ أنَّ أباها السُّمَّري حملها إليه، وأنها لما دَخَلت عليه
وَهَب لها أشياءَ كثيرة، عذَّدت أصنافَها منها رَيطة خضراء، وقال لها: قد
(١) في م: ((تبين له مخرقته))، وأثبتنا ما في النسخ.
٧١٣

زَوَّجتُك من ابني سُليمان، وهو أعزُّ وَلَدِي عَلَيَّ، وهو مُقِيمٌ بنَيْسابور في
مَوضع، قد ذَكَرَتْهُ وأُنْسيتِهِ، وليس يَخلو أن يقعَ بين المرأة وزَوجِها خلافٌ، أو
تُنْكرَ مِّنه حالاً من الأحوال، وقد أوصيتُهُ بكِ، فمتى جَرَى شيء تنكرينه من جهته
فصُومي يومك، واصعدي آخر النهار إلى السّطح وقومي على الرَّماد واجعلي
فطرَك عليه وعلى مِلح جريش، واستقبليني بوجهك، واذكري لي ما أنكرته (١).
منه، فإني أسمع وأرى. قالت: وكنتُ ليلةً نائمةً في السّطح وابنة الخَلَّاج معي
في دار الشُّلطان، وهو معنا، فلما كان في الليل أحسستُ به وقد غَشِيَني،
فانتبهتُ مذعورةٌ مُنكِرةً لما كان منه، فقال: إنما جئتك لأوقِظَكِ للصلاة. ولما
أصبحنا نزلتُ إلى الدار ومعي بنته ونزلَ هو، فلما صارَ على الدَّرجة بحيث
يرانا ونراهُ قالت بنته: اسجدي له، فقلتُ لها: أوَ يَسجدُ أحدٌ لغير الله؟! وسمعَ
كلامي لها فقال: نعم، إله في السماء وإله في الأرض. قالت: ودعاني إليه
وأدخلَ يَده في كُمُّه وأخْرَجَها مملؤةً مِسْكًا فدفَعَه إليَّ وفعلَ هذا مرَّات، ثم
قال: اجعلي هذا في طييكِ فإنَّ المرأةَ إذا حَصَلت عند الرجل احتاجت إلى
الطيب، قالت: ثم دعاني وهو جالسٌ في بيت البواري، فقال: ارفعي جانبٍ
البارية وخذي من تحته ما تُريدين، وأومأ إلى زاوية البَيت فجئتُ إليها ورفعتُ
الباريةَ فوجدتُ الدَّنانير تحتَها مفروشةً ملءَ البيت، فبَهَرني ما رأيتُ من ذلك.
قال زنجي: وأقامَت هذه المرأةُ مُعتَقَلة في دار حامد إلى أن قُتِل
الخَلَّج. ولما حصل الخَلَّج في يد حامد جَدَّ في طلب أصحابِهِ، وأذكى
العُيونَ عليهم، وحَصَل في يده منهم: حَيْدَرة، والسِّمَّري، ومحمد بن علي
القُنَّاتي، والمعروف بأبي المُغيث الهاشمي، واستَتّر المعروف بابن حَمَّاد وكُبِسَ
منزلُهُ وأخذتُ منه دفاترَ كثيرةً وكذلك من منزل محمد بن عليّ القُنَّائي، في
ورق صِيني، وبعضُها مكتوبٌ بماء الذَّهب، مُبَطَّنة بالدِّيباج والحرير، مُجَلَّدة
بالأديم الجَيِّد، وكان فيما خاطَبَه به حامد أول ما حُمِلَ إليه: ألستَ تعلم أني
(١) في م: (( أنكرتيه»، وما هنا من النسخ.
:
۔۔
٧١٤

قَبضتُ عليكَ بدور الرَّاسبي وأحضرتُك إلى واسط، فذكرتَ لي(١) دُفعةً أنك
المهدي، وذكرتَ في دفعةٍ أخرى أنك رجلٌ صالحٌ تدعو إلى عبادة الله والأمرِ
بالمعروف، فكيفَ اذَّعَيتَ بعدي الإلهية؟! وكان في الكتب الموجودة عجائب
من مُكاتَباتِهِ أصحابه النافذين إلى النَّواحي وتَوصِيَتهم بما يدعونَ الناسَ إلیه وما
يأمرهم به من نَقْلهم من حالٍ إلى أُخرى، ومرتَبة إلى مرتبة، حتى يَبلغوا الغايةَ
القُصوى وأن يُخاطِبوا كلَّ قومٍ على حَسبِ عُقولهم وأفهامِهم، وعلى قَدر
استجابَتِهِم وانقيادِهِم، وجواباتٍ لقومٍ كاتَبوهُ بألفاظِ مَرموزة لا يعرِفُها إلّ من
كَتَبها ومَن كتبتْ إليه، ومدارج فيها ما يجري هذا المَجْرى، وفي بَعضِها صورةٌ
فيها اسم الله تعالى مكتوبٌ على تعويج، وفي داخل ذلكَ التَّعويج مكتوبٌ :
عليٌّ عليه السلام! كتابةً لا يقفُ عليها إلّ من تأمَّلَها.
وحضرتُ مجلسَ حامد وقد أحضَرَ السِّقَّري صاحبَ الحَلَّجِ وسألَه عن
أشياء من أمر الخَلَّج، وقال له: حدثني بما شاهَدْتَهُ منه، فقال له: إن رأى
الوزير أن يعفيني فعل، فأعلمه أنه لا يعفيه، وعاوَدَ مَسألتِه عَمَّا شاهَدَه، فعاوَدَ
استِعِفاءَهُ وألحّ عليه في الشُّؤال، فلما ترددَ القولُ بينهما قال: أعلم أنّي إن
حَذَثْتُكَ كذَّبتَني ولم آمن مكروهًا يلحقني، فوعَدَه أن لا يَلحَقَهُ مكروهٌ. فقال:
كنتُ معه بفارس فخَرَجْنا نريدُ إصطخر في زمان شاتٍ، فلما صِرنا في بعض
الطَّريق أعلمتُهُ بأنِّي قد اشتهيتُ خيارًا، فقال لي: في هذا المكان، وفي مثل
هذا الوقت من الزَّمان؟ فقلت: هو شيءٌ عَرَض لي، ولما كان بعد ساعات قال
لي: أنتَ على تلك الشَّهوة؟ فقلت: نعم. قال: وسِرنا إلى سَفْح جَبَل ثَلج
فأدخل يَدَه فيه وأخرج إليَّ منه خيارةً خضراء ودفعها إليَّ. فقال له حامد:
فأكلْتَها؟ قال: نعم، فقال له: كذبتَ يا ابن مئة ألف زانية في مئة ألف زانية،
أوجِعوا فكَّهُ، فأسرعَ الغِلمانُ إليه وامتثلوا(٢) ما أمَرّهم به وهو يَصيحُ أليس من
هذا خِفنا؟ ثم أمرَ به فأُقِيم من المجلس، وأقبلَ حامد يتحدَّث عن قومٍ من
(١) في م: ((في" وأثبتنا ما في النسخ.
(٢) في م: ((فامتثلوا»، وأثبتنا ما في النسخ.
٧١٥

أصحاب النيرنجات كانوا يَغدون بإخراج الثِّين، وما يجري مجراهُ من الْفَواكه،
فإذا خَصَل ذلك في يد الإنسان وأرادَ أن يأْكُلَه صارَ بَعْرًا .
وحضرتُ مجلسَ حامد وقد أُخْضِر سفط خيازر لَطيف حُمِلَ من دار
محمد بن عليّ القُنَّائي، أكبر ظني، فتقدَّم بفَتْحِه فَفُتح فإذا فيه قِدَرٌ جافَّةٌ خُضر،
وقواريرٌ فيها شيءٌ يشبه لَون الزُئيق، وكِسَر خُبزٍ جافَّة، وكان السِّمَّري حاضرًا
جالسًا بالقُرب من أبي، فَعجِبَ من تلك القِدَر وتَصييرِها في سفط مختومٍ،
ومن تلك القوارير، وعندنا أنها أدهان، ومن كِسَر الخُبز، وسأل أبي (١).
السِّمَّري عن ذلك فدافَعَه عن الجواب واستعفاهُ منه، وألَحَّ عليه في السُّؤالِ،
فعَرَّفه أنَّ تلكَ القدر رجميعُ الحَلَّجِ، وأنَّه يُسْتَشْفَى به، وأنَّ الذي في القوارير
بَولَهُ! فَعَرَفَ حامد ما قاله فعَجِبَ منه وعجب(٢) من كان في المجلس، واتَّصل
القول في الطَّعن على الخَلَّجِ، وأقبَلَ أبي يُعيد ذكر تلك الكِسَر ويَتَعَجَّب منها
ومن(٣) احتفاظهم بها حتى غاظَ السَّمَّري ذلك، فقال له: هو ذا أسمع ما
تقول، وأرى تُعجِبُك من هذه الكِسَر وهي بين يَديْك فكُل منها ما شئتَ ثم انظر
كيفَ يكون قلبُك للحَلَّجِ بعد أكلِكَ ما تأكُله منها فتَهَيَّب أبي أن يَأْكُلَهَا،
وتخَوَّف أن يكون فيها سُم، وأحضَرَ حامد الخَلَّجِ وسأله عمَّا كان في السَّفط،
وعن احتفاظِ أصحابِهِ بِرَجْيعه وبَوله؟، فذكر أنَّه شيءٌ ما عَلِمَ بِه ولا عَرَفه .. .
وكان يَتَّفْق في كثيرٍ من الأيام جلوسَ الحَلَّج في مجلس حامد إلى جنبي
فأسمعُه يقول دائمًا: سبحانك لا إله إلّ أنت، عملتُ سوءًا وظَلَمْتُ نفسي
فاغفِر لي إنَّه لا يغفرُ الذُّنُوبَ إلّا أنتَ. وكانت عليه مدرعة سوداء من صُوف،
وكنتُ يومًا وأبي بين يَديْ حامد، ثم نهَضَ عن مجلسِه وخَرَجنا إلى دار العامة
وجَلَسَنا في رواقها، وحَضَرِ هارون بن عِمْرَان الجِهْيذ، فجلسَ بين يدي أبي
(١) في م: ((حامد))، وما أثبتناه من هـ ٦، وهو الأحسن.
(٢) سقطت من م.
(٣) في م: ((وفي))، وأثبتنا ما في النسخ.
٧١٦

ولم يُحادِثْه، فهو في ذاكَ إذ جاء غُلام حامد الذي كان مُوَّلاً بالحَلَّجِ، وأوما
إلى هارون بن عِمْران أن يَخرُجَ إليه، فنهَضَ عن المجلس مُسرعًا ونحنُ لا
ندري ما السَّبَب، فغابَ عنا قليلاً ثم عادَ وهو مُتغير اللَّون جدًا، فأنكرَ أبي ما
رآه منه وسألهُ عنه، فقال: دعاني الغُلام المُؤَكَّل بالحَلَّجِ فخرجتُ إليه
فأعلَمَني أنه دَخَل إليه ومعه الطَّبق الذي رُسِمَ أن يقدِّمه إليه في كلٌّ يوم، فوجَدَه
مَلأ البيتَ من سَقْفه إلى أرضِهِ، ومَلأ جَوانِبَه فهالَهُ ما رأى من ذلك ورَمَى
بالطَّبَق من يَدِهِ وخرج من البيت مُسرعًا، وأن الغُلامَ ارتعَدَ وانتفَضَ وحُمَّ!،
وبَقِيَ هارون يتَعَجَّب من ذلك.
وبلَغ حامدًا عن بعض أصحاب الحَلَّجِ أنه ذكر أنه دخلَ إليه إلى
المَوضع الذي هو فيه وخاطَبَه بما أرادَهُ فأنكرَ ذلك كلَّ الإنكار، وتقدَّمَ بمسألة
الحُجَّاب والبَوَّابين عنه وقد كان رسم أن لا يدَخُلَ إليه أحدٌ، وضربَ بعض
البَوَّابين فَحَلفوا بالأيْمان المُغَلَّظة أنهم ما أدخلوا أحدًا من أصحاب الحَلَّج إليه
ولا اجتازَ بهم، وتقدَّم بافتقاد الشُّطوح وجَوانِبَ الحيطان، فافتقدوا ذلك
أجمع، ولم يُوجد له أثرٌ ولا خَلَل، فسأل الحَلَّج عن دخولٍ من دَخَل إليه،
فقال: من القُدْرةِ نَزل، ومن المَوضع الذي وَصَل إليَّ منه خَرَج، وكان يُخرِجُ
إلى حامد في كلِّ يومٍ دفاترَ مما حُمِلَ من دور أصحاب الخَلَّجِ، ويجعلُ بِينَ
يدَيه فيدفَعُها إلى أبي، ويتقدَّم إليه بأن يقرأها عليه، فكانَ يفعلُ ذلك دائمًا،
فقرأ عليه في بعض الأيام من كتب الحَلَّج والقاضي أبو عُمر حاضر والقاضي
أبو الحُسين ابن الأُشناني كتابًا حكى فيه أنَّ الإنسان إذا أرادَ الحَجّ ولم يمكنه
أفردَ في داره بيتًا لا يَلحَقُه شيءٌ من النَّجاسة، ولا يدخُلُه أحدٌ، ومنعَ من تطرقه
فإذا حَضَرت أيامُ الحجِّ طافَ حولَهُ طوافَهُ حول البَيتِ الحَرامِ، فإذا انقضَى
ذلك، وقضَى من المناسك ما يُقْضَى بمكة مثله، جمعَ ثلاثين يتيمًا وعَمْلَ لهم
أمرأ ما يُمكنه من الطَّعام وأحْضَرهم إلى ذلك البيت، وقدَّم إليهم ذلك الطَّعام
وتولَّى خِدمَتَهم بنفسه، فإذا فَرغوا من أكلهم وغَسْل أيديهم كسَا كلَّ واحدٍ منهم
قميصًا ودفع إليه سبعةَ دراهم، أو ثلاثة، الشك مني، فإذا فعلَ ذلك قامَ له مقام
٧١٧

الحجِّ، فلما قرأ أبي هذا الفصل التفتَ أبو عُمر القاضي إلى الحَلَّج وقال له:
من أينَ لكَ هذا؟ قال: من كتاب (الإخلاص)) للحسن البَصْري. فقال له أبو
عُمر: كذبتَ يا حلالَ الدَّم، قد سمعنا كتاب ((الإخلاص)) للحسن البَصْري بمكة
وليسَ فيه شيءٌ مما ذكرتَهُ فلما قال أبو عُمر كذبتَ يا حلال الدَّم، قال له
حامد: اكتُب بهذا، فتشاغلَ أبو عُمر بخطاب الحَلَّج، فأقبلَ حامد يُطالِبُه
بالكِتاب بما قالَهُ، وهو يُدافعُ ويَتشاغل إلى أن مدَّ حامد الدَّواة من بين يديه إلى
أبي عُمر، ودعا بدُرْج فدفَعَه إليه وألَخَّ عليه حامد بالمُطالبة بالكتاب إلحاحًا لم
يمكنه معه المخالفة، فکتب بإحلال دَمِه، و کتبَ بعده من حَضَر المجلس، ولما
تبيَّن الحَلَّجِ الصُّورة قالٍ: ظهري حِمَّى ودمي حرامٌ، وما يَحِلُّ لكم أن تتأولوا
عليَّ بما يُبيحه، واعتقادِي الإسلام، ومَذهبي السُّنة وتَفْضِيلُ أبي بكر وعُمِر
وعُثمان وعليّ وطَّلْحة والزُّبير وسعد وسعيد وعبدالرحمن بن عَوْف وأبني عُبيدة
ابن الجَرَّحِ، وَلِيَ كتبٌ في السُّنة موجودةٌ في الوَرَّاقين، فالله الله في دمي، ولم
يزل يُرَدِّد هذا القول والقوم يكتُبون خطوطَهُم إلى أن استكمَلُوا ما احتاجوا
إليه، ونهَضُوا عن المجلس. ورُدَّ الحَلَّجِ إلى موضعِهِ الذي كان فيه، ودفعَ
حامد ذلك المَحضر إلى والدي وتقدَّمَ إليه أن يكتب إلى المُقتدر بالله بخير
المجلس وما جَرى فيه، وينفذ الفتوى(١) درج الرقعة ويستأذنه في قتله، ویکتب
رقعة إلى نصر الحاجب يسأله فيها إيصال الرقعة إلى المقتدر بالله، وتَنَتُز
الجواب عنها، فكتَبَ الزُّقعتَيْن وأنفَذَ الفَتْوى درج الرُّقعة إلى المُقتدر بالله،
وأبطأ الجوابَ يومَيْن، فَغَلَظ ذلك على حامد ولَحِقَه ندمٌ على ما كتب بهِ؛
وتَخَوَّف أن يكون قد وقعَ غير مَوقعِهِ، ولم يجد بُدًّا من نُصْرة ما عَمِلَه فكتِبُّ
بخطٍّ والدي رُقعةً إلى المُقتدر بالله في اليوم الثالث يقتَضي فيها ما تَضَمَّنَه
الأولى ويقول: إنَّ ما جُّرَى في المجلس قد شاعَ وانتشرَ، ومتى لم يتبعه قتل
الحَلَّجِ افْتَتَنَ الناسُ به، ولم يختلف عليه اثنان، ويَستأذن في ذلك، وأنفَذَ
(١) من هنا إلى قوله ((وتنجز)) سقط كله من م.
٧١٨

الرُّقعة إلى مُفلِح، وسألَهُ إيصاله وتَنَجُّز (١) الجواب عنها وإنفاذه إليه، فعادَ
الجوابُ من المُقتدر بالله من غَدِ ذلك اليوم من جهة مُفلِح؛ بأنَّ القُضاة إذا كانوا
قد أفْتَوا بقَتْله، وأباحوا دَمَه؛ فلتُحْضِر محمد بن عبد الصمد صاحبَ الشُّرطة،
وليتقَدَّم إليه بتَسَلُّمِه وضَرْبه ألفَ سَوْط، فإن تلف تحتَ الضَّرْب وإلّ ضُرِبَ
عُنُقُه فسُرَّ حامدٌ بهذا الجَواب، وزالَ ما كان عليه من الاضطِراب، وأحضَرَ
محمد بن عبدالصمد وأقرأه إيَّاه، وتقَدَّم إليه بتَسَلُّم الحَلَّج، فامتَنَع من ذلك
وذكرَ أنه يتَخَوَّف أن يُنْتَزَعَ، فأعلَمَه حامد أنه يبعثُ معه غِلمانَه حتى يَصِيروا به
إلى مجلس الشُّرطة في الجانب الغربي، ووَقَع الاتفاقُ على أن يَخْضُر بعد عشاء
الآخرة ومعه جماعةٌ من أصحابِهِ، وقومٌ على بِغالٍ مؤكفة يَجرون مَجرى
السَّاسة، ليُجعلَ على واحدٍ منها ويدخل في غِمار القَوم، وأوْصاهُ بأن يَضْربَه
ألف سَوْط فإن تلف حَزَّ رأسَه واحتفَظَ به، وأخْرَقَ جُثَّتَه، وقال له حامد: إن
قال لك: أُجري لك القُرات ذهبًا وفضَّة فلا تَقْبل منه! ولا تَرْفع الضَّرْبَ عنه،
فلما كان بعدَ عِشاء الآخرة وافى محمد بن عبدالصمد إلى حامد ومعه رِجالُه
والبِغال المؤكفة، فتقدَّمَ إلى غِلمانه بالرُّكوب معه حتى يَصِلَ إلى مجلس
الشُّرطة، وتقدَّمَ إلى الغُلامِ المُؤَكل به بإخراجه من المَوضع الذي هو فيه،
وتَسليمِهِ إلى محمد (٢) بن عبدالصمد، فحكى الغُلام أنَّه لما فَتَح الباب عنه
وأمَّرَه بالخُروج، وهو وقتٌ لم يكن يُفْتَح عنه في مِثلِهِ، قال له: مَنْ عند الوزير؟
فقال: محمد بن عبدالصمد، فقال: ذهبنا والله. وأُخرِجَ وأُرْكِبَ بعضَ تلكَ
البِغال المؤكفة واختلَطَ بجُملة السَّاسة، ورَكِبَ غِلمانُ حامد معه حتى أو صَلُوه
إلى الجَسْر ثم انصَرَفوا، وباتَ هناك محمد بن عبدالصمد ورجالُهُ مُجتمعون
حول المَجلس. فلما أصبَحَ يومُ الثلاثاء لستِّ بَقِينَ من ذي القَعدة، أُخْرِجَ
الخَلَّجِ إلى رَحْبة المجلس، وأُمِرَ الجَلَّدُ بضَرْبِه بالسَّوْط، واجتمَعَ من العامَّة
(١) في م: ((إيصالها وتنجيز))، وأثبتنا ما في النسخ.
(٢) في م: ((أصحاب محمد)»، وأثبتنا ما في هـ ٦.
٧١٩

خَلقٌ كثيرٌ لا يُحصَى عَددُهم، فضُرِبَ إلى تمام الألف السَّوْط وما استَعْفَى وَلا
تَأْوَّهَ، بل لما بلَغَ ست مئةٍ سَوْط، قال لمحمد بن عبدالصمد: ادعُ بي إليك فَإِنَّ
عندي نَصيحةٌ تَعدِلُ فَتْح قسطنطينية(١)، فقال له محمد، قد قيل لي إنك
ستقولُ هذا وما هو أكثر منه! وليس إلى رَفع الضَّربِ عنك سَبيل. وَلِمَا بَلَغَّ
ألف سَوْط قُطِعَت يَدُه، ثم رِجلُه، ثم يَدُه، ثَم رِجِلُهُ، وحُزَّ رأسُه، وأُحرِقَتْ
جُثَتُهُ، وحضرتُ في هذا الوقت وكنتُ واقفًا على ظهر دابَّتِي خارج المُجلس،
والجُثَّة تُقَلَّب على الجمر، والنِّيرانُ تَتَوقَّد، ولما صارَت رَمادًا أُلْقِيَتْ فِي دجلة
ونُصِبَ الرَّأسُ يومَيْن ببغدادَ على الجَسْر، ثم حُمِلَ إلى خُراسان وطِيفَ به فِي
النَّواحي، وأقبلَ أصحابُه يعدون أنفسَهُم برُجوِهِ بعد أربعين يومًا، واتَّفْقَ أَنْ
زادَتِ دِجلة في تلك السَّنة زيادةً فيها فَضل، فادَّعى أصحابُه أنَّ ذلك بسببه،
ولأنَّ الرَّمادَ خالطَ الماءِ، وزَعَم بعضُ أصحابِ الحَلَاَجِ أنَّ المَضروبَ عدِقٌ
للحلاج(٢) أَلْقَى شَبَهَهُ عليه، وإذَّعى بعضُهُم أنهم رأوهُ في ذلك اليوم بعد الذي
عايَنوهُ من أمرِهِ، والحالُ التي(٣) جَرَت عليه، وهو راكبٌ حمارًا في طريق
النَّهْروان فَفَرِحوا به، وقال: لعلكم مثلُ هؤلاء البَقَر الذين ظَنُّوا أنِّي أنا هو (٤)
المَضروبِ والمَقتول. وزَعَمَ بَعضُهُم أنَّ دابَّةٌ حُوَّلَت في صُورَتِهِ، وكَان نَصْرِ
الحاجب بعد ذلك يظهر الثَّرَفِّي له ويقول: إنَّه مظلومٌ، وإنه رجلٌ من العُبَّاد.
وأحضَّرَ جماعةً من الورّاقين(٥) وأُحلفوا على أن لا يبيعوا شيئًا من كُتُب
الحَلَّج ولا يشتروها.
٤١٨٦- الحُسين بن مهدية الفَخَّام.
حدَّث عن الحسن بن أبي زكريا الأنصاري عن عبدالعزيز بن أبي رَوَّادُ.
(١) في م: ((القسطنطينية))، وأثبتنا ما في النسخ.
!
(٢) في م: ((الخلاج))، وما هنا من النسخ.
(٣) في م: ((الذي))، وما هنا من النسخ.
(٤) : سقطت من م.
(٥) في م: ((الوارقين))، محرفة.
٧٢٠