النص المفهرس
صفحات 541-560
حرف الهاء ذکر من اسمه محمد واسم أبيه هارون ١٧١٧ - محمد أمير المؤمنين الأمين ابن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبدالله المنصور بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب، يُكْنَى أبا عبدالله، ويقال: أبا موسى(١) . ولد برُصافة بغداد؛ كما أخبرنا الحسن بن أبي طالب، قال: حدثنا أحمد ابن محمد بن عِمْران، قال: أخبرنا محمد بن يحيى الصُّولي، قال: ولد الأمين بالژُصافة سنة إحدى وسبعين ومئة. وأخبرنا محمد بن أحمد بن رِزْق، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدَّقَّاق، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن البَرَّاء قال: الأمين محمد ابن الرشيد، وكنيته أبو موسى، ولد ببغداد بالرُّصافة . قال ابن البراء: استُخْلِفَ ثم خُلِعَ بعد ثلاث سنين وخمسة وعشرين يومًا، فمكثَ مخلوعًا محبوسًا إلى أن قتله طاهر بن الحُسين بن مُصعب ببغداد، لستٍ بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومئة، وكان عمره ثلاثًا وثلاثين سنة (٢) . أخبرنا محمد بن الحُسين القطان، قال: أخبرنا عبدالله بن جعفر بن درستويه، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان. قال(٣): واستخلف محمد بن هارون في سنة ثلاث وتسعين ومئة في شهر ربيع الآخر. (١) اقتبسه ابن الجوزي في المصباح المضيء ٤٧١/١، والذهبي في الطبقة العشرين من تاريخه، وفي السير ٩/ ٣٣٤. وانظر الطبري ٣٦٥/٨، والكامل لابن الأثير ٢٢١/٦، والوافي بالوفيات ١٣٥/٥. (٢) هكذا ذكر ابن البراء سنة، وفيه نظر، فالمحفوظ أنه مات وله سبع وعشرون سنة. (٣) المعرفة والتاريخ ١/ ١٨٢. ٥٤١ أخبرنا علي بن أحمد بن عمر المُقرىء (١) ، قال: أخبرنا علي بن أحمد ابن أبي قيس الرَّفَّاء، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، قال: حدثنا عباس بن هشام، عن أبيه، قال: ولد محمد بن هارون في شوال سنة سبعين ومئة، وأتته الخلافة بمدينة السلام لثلاث عشرة بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومئة، وقتل ليلة الأحد الخمس بقين من المحرم، قتله قُرَيش الدَّنْدَاني وحمل رأسه إلى طاهر بن الحُسين فنصبه على رُمح وتلا هذه الآية ﴿قُلِ اللَّهُوَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِ الْمُلْلَكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران ٢٦]. وكانت ولايته أربع سنين وسبعة أشهر وثمانية أيام. وأمه أم جعفر بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور. وكان طويلاً سَمِينًا أبيض ويُكْنَى أبا عبد الله .. أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا محمد بن عبدالله بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو بكر عمر بن حفص السَّدُوسي، قال: حدثنا محمد بن يزيد، قال: واستُخْلِفَ محمد بن هارون المَخْلُوع، قال أبو بكر السَّدوسي: وهو الأمين، في جُمادى الآخرة لثلاث عشرة بقين منه سنة ثلاث وتسعين ومئة. وقُتِلَ في المحرم سنة ثمان وتسعين ومئة، فكانت خلافته أربع سنين وستة أشهر وأربعة وعشرين يومًا، وقُتِلَ وله ثمان وعشرون سنة. وأمه أم جعفر بنت جعفر بن أبي جعفر. قال أبو بكر السدوسي: وكنيته أبو عبدالله . أخبرني الحسن بن أبي طالب وبَاي بن جعفر الجِيْلي، قال الحسن: حدثنا، وقال باي: أخبرنا أحمد بن محمد بن عِمْزان، قال: أخبرنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا المُغيرة بن محمد المُهَلَبي، قال: رأيتُ عند الحُسين بن الضحاك الخَلِيع جماعة من بني هاشم فيهم بعض أولاد المتوكل، فسألوه عن الأمين وأدبه، فوصف الحُسين أدبًا كثيرًا، فقيل له: فالفقه، فإن المأمون كان فقيهًا؟ فقال: ما سمعتُ فقها ولا حديثًا إلا مرة واحدة، فإنه نُعي إليهِ غلام له (١) في م: ((المنقري))، محرف. ٥٤٢ بمكة فقال: حدثني أبي، عن أبيه، عن المنصور، عن أبيه، عن علي بن عبد الله ابن عباس، عن أبيه، قال: سمعت النبيِ وَّهُ يقول: ((من مات محرمًا حُشِرَ ملبيًّا))(١) . أخبرني أبو يَعْلى أحمد بن عبدالواحد الوكيل، قال: أخبرنا إسماعيل بن سعيد المُعَدَّل، قال: حدثنا أبو علي الحُسين بن القاسم الكَوْكَبي، قال: حدثنا أبو العيناء محمد بن القاسم، قال: أخبرني محمد بن عُبيد الله السُّهيلي، قال: لما أتت الخلافة محمد بن هارون خطب ببغداد، فقال: أيها الناس إنَّ المَنُون تراصد ذوي الأنفاس حتمًا من الله، لا يُدفع حلولها، ولا يُنْكَرُ نزولها، فاسترجعوا قلوبكم عن الجزع على الماضي، إلى البهج للباقي، تُعْطَوا أجور (٢) الصابرين، وجزاء الشاكرين أخبرني أبو القاسم الأزهري، قال: حدثنا عُبيد الله بن محمد البَزَّاز، قال: حدثنا أبو بكر الصُّولي، قال: حدثنا عون بن محمد، عن أبي محمد عبدالله بن أيوب الشاعر، قال: أنشدتُ محمدًا، يعني الأمين، أول ما وَلي الخلافة [من المنسرح]: لابد من سَكْرَةٍ على طربٍ لعل رُوْحًا بُدَالُ من كُرَب فعاطنيها صهباءَ صافيةٌ تضحكُ من لؤلؤ على ذَهَب خليفةً الله أنتَ مُنْتخب لخير أمّ، من هاشم، وأب فأمر لي بمئتي ألف درهم، صالحوني منها على مئة ألف درهم. أخبرنا علي بن أيوب القُمِّي، قال: أخبرنا محمد بن عِمْران المَرْزُباني، قال: أخبرنا الصُّولي، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن خَلَّد، قال: حدثني محمد بن عَمرو الرُّومي، قال: خرجَ كوثر خادم الأمين ليَرى الحربَ، فأصابته رجمة في وجهه، فجلسَ يبكي، فوجه محمد من جاء به وجعل يمسح الدَّم عن (١) إسناده تالف، الحُسين بن الضحاك الخليع ماجن لا علاقة له بالحديث. (٢) المصباح المضيء ١٩/٢ - ٢٠. ٥٤٣ وجهه، ثم قال [من مجزوء الرمل]: ضربوا قُرّة عَيْنِي. وَمِنْ أجلي ضَرَبـوه أخذَ الله لقلبي من أناس حرقوه(١). وأرادَ زيادةٌ في الأبيات فلم يواته طبعُه، فقال الفضل بن الربيع: مَن ههنا من الشُّعراء؟ قال: الساعة رأيتُ أبا محمد عبدالله بن أيوب التَّيمي، فقال: عليّ به، فلما أُدخِلَ (٢) أنشده البيتين، وقال: قل عليهما، فقال [من مجزوء الرمل]: ما لِمَنْ أهوى شبيهُ فيهِ الدُّنيا تتيه وصلُهَ حلوٌ ولكن هجره مرٌّ كَرِيه من رأى النَّاس له الـ ـفضل عليهم حَسَدوه مثل ما قد (٣) حسدَ القائمَ بالمُلْك أخوه فقال محمد: أحسنتَ والله، هذا خير مما أردتُ، بحياتي يا عباسي إلا نظرت، فإن كان جاءَ على الظَّهْر ملأتُ أحمال ظَهْره دراهم، وإن كان جاء في زَوْرق ملأته له. فأوقرَ له ثلاثة(٤) أبغل دراهم. : أخبرني أبو الحسن علي بن عُبيدالله بن عبدالغفار اللغوي، قال: أخبرنا محمد بن الحسن بن الفضل ابن المأمون، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري، قال: حدثنا عبدالله بن خَلَف، قال: حدثني عبدالله بن سُفيان، قال: حدثني أبو عبد الله الخُزاعي، عن ابن مُنادِر(٥) الشاعر، قال: دخل سُليمان بن المنصور على محمد الأمين فرفع إليه أنَّ أبا نؤاس هجاه، وأنه زنديق كافر حلال الدم. وأنشده من أشعاره المنكرة أبياتًا فقال: يا عم، أقتله بعد قوله [من الكامل]: (١) في م: ((أحرقوه))، وما هنا من النسخ. (٢). في م: ((دخل))، وما هنا من النسخ. (٣) سقطت من م .. (٤) في م: ((ثلاث»، وما هنا هو الصحيح. (٥). في م: ((مناذر)) بالذال المعجمة، وما هنا مجود الضبط في النسخ. ٥٤٤٠ أهدى الثناء إلى الأمين محمدٍ ما بعده بتجارة مُتّربـصُ صَدَقَ الثناءَ على الأمين محمدٍ ومن الشَّاء تكذُّب وتَخَرُّص قد يَنْقص القمرُ المنيرُ إذا استوى وبهاءُ نور محمد ما (١) ينقصُ وإذا بنو المنصور عُدَّ حَصاهم فمحمدٌ ياقوتُها المُتَخَلَّصُ فغضب سُليمان، وقال: والله لو شكوت من عبدالله، يعني ابن الأمين، ما شكوت من هذا الكافر لوجب أن تعاقبه. فكيف منه! فقال: ياعم، فكيف أعمل بقوله [من المسرح]: قد أصبح الملك بالمُنَى ظَفَرًا كأنما كان عاشقًا قَدَرَا قيَّدَ سُلطانه (٢) إلى مَلِك ما عشق المُلْكُ قبلَه بشرا حسبك وَجْهُ الأمين من قمر إذا طوى الليلُ دونك القَمَرا خليفة يعتني بأمّتِه وإن أتته ذُنوبُها اغتفرا حتى لو اسطاع من يُحَتّه(٣) دافَعَ عنها القضاءَ والقَدَرا فازداد سليمان غَضَبًا، فقال: ياعم فكيف (٤) أعمل بقوله [من المديد]: يا كثيرَ النَّوحِ في الدِّمنِ لا عليها، بل على السَّكّنِ سنّة العُشّاق واحدة فإذا أحببتَ فاستكنِ فهو يجفوني على الظُّنَنِ ظنَّ بي من قد كلِفْتُ به عينُ ممنوع من الوسنِ خَلَتِ الدُّنيا من الفِتَن بات لا يعنيه ما لَقِيَتْ رشأُ لولا ملاحَتُهُ فاسقني كأسًا على عَذَلِ كرهتْ مَسْمُوعَهُ أُذُني من كُمَيتِ اللون صافيةٌ خير ما سَلْسَلْتَ في بَدَن (١) في م: ((لا))، وما هنا من النسخ. (٢) في م: ((أشطانه))، محرفة. (٣) في م: ((محبته))، وما أثبتناه من النسخ. (٤) في م: ((كيف))، وما هنا من النسخ. ٥٤٥ ما استقرت في فؤاد فتى قدرى ما لوعَةُ الحلزنِ حللتها الريح من مُزُن مُزِجَتْ من صوب غادية تَضْحَكُ الدُّنيا إلى ملكِ قام بالآثار والسُّنْنَ يا أمينَ اللهِ عبش أبدًا دُمْ على (١) الأيَّام والزمن أنت تبقى والفَنَاءُ لنا فإذا أفنيتنا فَكُن! سَنَّ للنَّاسِ النَّدَّى فَتَدَوْا فكأنَّ الْبُخْلَ لم يكن قال: فانقطع سُليمان عن الركوب، فأمر الأمين بحبس أبي نؤاس، فلما طال حبسه كتب إليه هذه الأبيات واجتهد حتى وصلت إلى الأمين (من الطويل: تذكر، أمينَ اللهِ، والعَهْد يُذكر مقامي وانشاديك والناسُ حُضَّرُ ونثري عليك الدرَّ يإِدُرَّ هاشم فيامن رأى دُرًا على الدُّرِّ يُشِرُ أبوك الذي لم يملك الأرض مثلُه وعمك موسى، عدلُه المتخيرُ أبو أمك الأدنى، أبو الفضل جعفرٌ وجدك مهدِيُّ الهدى وشقيقُهُ وما مثل منصورَيْك منصور هاشم ومنصور قحطان إذا عُدَّ مفخَرُ وعبدُ مناف والداكَ وِحِمَيْرٌ؟ هو الصُّبح، إلا أنه الدهْرَّ مُسِفِرُ عليه، له منه رداءٌ وَمِثْزَرُ وينظُرُ من أعطافه حيثُ ينظرُ كأني قد أذنبتُ ما ليسْ يُغْفَرُ فمن ذا الذي يرمي بسهمیكَ في العلا تحسّنت الدنيا بحسُنِ خليفةٍ أمين يسوسُ الناسَ تبعينَ حجة يشير إليه الجودُ منْ وَجَناتِهِ مضتِ لي شهور مُذْ حُبِست ثُلاثةٌ فإن أَكُ لِم أذْنِبْ؟ ففيم عقوبتي، وإن كنت ذا ذنب؟ فعفوك أكبر. فلما قرأ محمد هذه الأبيات، قال: أخرجوه وأجيزوه ولو غضب وَلَد المنصوركلهم(٢) . (١) في م: ((إلى))، وما هنا من النسخ. (٢) هذا هو اخر المجلد الرابع من التاريخ المحفوظ بدار التحف البريطانية، من نسخة لها مجلدات أُخر في غير هذه الدار، نحمد الله على مننه، وجاء في آخره: ((تم الجزء= ٥٤٦ : ۔۔۔ أخبرنا علي بن أيوب القُمي، قال: حدثنا محمد بن عمران المرزباني، قال: أخبرني محمد بن يحيى قال: مما يروى لمحمد الأمين، وشُهر من شعره، أنشدنيه له جماعة، وأنشدته أنا (١) عبدالله المعتز، فلم يَعْرفه، ثم قال لي بعد ذلك: قد وجدتُ الشعر عندي، قوله في خادمه گؤثر، وقد رُفعت له(٢) الأخبار بأنَّ الناسَ يلومونه فيه وفي تركه(٣) النَّظَرَ في أمور الناس [من مجزوء الرمل]: ما يريدُ النَّاسُ من صَ بٍ بمن يَهَوى كَثِيبٍ ليسَ إن قِيْس خَلِيًا قلبُهُ مثل القُلُوبِ ي وسَقَمي وطَبيبي كوثر ديني ودُنيا أعجزُ النَّاسِ الذي يَل ـحى مُحِبًا في حبيبٍ ١٧١٨ - محمد أمير المؤمنين المعتصم بالله بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبدالله المنصور بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب، يُكْنَى أبا إسحاق(٤) . وأمه أمُّ وَلَد تسمَّى ماردة، لم تُدْرك خلافته، والمُعْتصم يقال له: الثماني؛ لما أخبرنا محمد بن أحمد بن رِزْق، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الذَّقاق، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن البَرَّاء، قال: المعتصم بالله أبو إسحاق محمد بن الرَّشيد وُلِدَ بالخُلْد في سنة ثمانين ومئة في الشَّهْر الثامن، وهو ثامن الخلفاء، والثَّامن من وَلَد العباس، وفتحَ ثمانيةَ فُتوح، وولد له ثمانية بَنِين، الرابع بحمد الله ومنه ويتلوه في الجزء الخامس: أخبرنا علي بن أيوب القمي، قال: أخبرنا محمد بن عمران المرزباني، والحمد لله حق حمده، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين وسلامه)). (١) في م: ((أبا))، محرفة. (٢) في م: ((إليه))، وما هنا من النسخ. (٣) في م: ((ترك))، وما هنا من النسخ. (٤) اقتبس من هذه الترجمة معظم الذين ترجموا للمعتصم، ومنهم الذهبي في كتبه، لا سيما في وفيات الطبقة الثالثة والعشرين من تاريخ الإسلام، وفي السير ٢٩٠/١٠. ٥٤٧ وثمانٍ بنات، ومات بالخاقاني من سُرَّ مَن رأى، وكان عمره ثمانيًا وأربعين سنة، وخلافته ثماني سنين وثمانية أشهر ويومين. ! · أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا محمد بن عبدالله بن إبراهيم، قال: حدثنا عُمر بن حفص السَّدُوسي، قال: حدثنا محمد بن يزيد، قال: واستُخْلِفَ أبو إسحاق محمد بن هارون في رَجَب سنة ثمان عشرة ومئتين. أخبرني الحُسين بن علي الصَّيْمَري، قال: حدثنا محمد بن عِمْران بن موسى، قال: أخبرني الصُّولي، قال: حدثني عَوْن بن محمد، قال: رأيتُ المعتصمَ أول ركبة رَكبها ببغدادَ وهو خليفةٌ حينَ قَدِمَ من الشام، وكان أول يوم من شهر رمضان سنة ثماني عشرة ومئتين، وأحمد بن أبي دُؤاد يُسَايره، وهو مُقْبِلٌ عليه ما يسايره غيره. أخبرنا أبو منصور باي بن جعفر الجيلي، قال: أخبرنا أحمد بن محمد ابن عِمْران، قال: أخبرنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن سعيد الأصم، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن إسماعيل الهاشميُّ، قال: كانَ مع المعتصم غُلامٌ في الكُتَّابِ يتعلَّمُ معه، فماتَ الغُلام، فقال له الرشيد: يا محمد ماتَ غُلامك. قال: نعم يا سيدي، واستراحَ من الكُتَّاب! قال الرشيد: وإن الكُتَّاب ليبلغ منك هذا المَبْلَغ؟ دعوه إلى حيثُ انتهى، لا تُعلموه شيئًا. قال: فكان يكتبُ كِتَابًا ضعيفًا، ويقرأ قراءة ضعيفةً. أخبرني عُبيد الله بن أبي الفَتْح، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عَرَفة النَّخوي، قال: وكانَ في المعتصم مناقب، منها: أنه كان ثامن الخُلفاء من بني العباس، وثامنُ أمراءِ المؤمنين من وَلَّد عبد المطلب، ومَلَك ثماني سنين وثمانية أشهر، وفتحَ ثمانية فُتوح: بلاد بابك على يد الأفشين، وفتح عمُوريَّة بنفسه، والزَّطْ بعُجَيْفٍ، وبَخر البَصْرة، وقلعة الأجْراف(١) ، وأعراب ديار ربيعة، والشَّاري، وفتح مصر. وقتل ثمانية أعداء: بَابَكْ، ومازيار، (١) في م: ((الأحراف)) بالحاء المهملة، مصحفة، وما هنا من النسخ. ويعضده ما نقله الذهبي في السير ٠.٣٠٢/١٠ ٥٤٨ وباطِس، ورئيس الزَّنادقة، والأفشين، وعُجَيْفًا، وقارن(١)، وقائد الرافضة. أخبرنا باني بن جعفر، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عِمْران، قال: أخبرنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، قال: حدثنا عبدالله بن الضحاك الهَدَادي، قال: حدثني هشام بن محمد الكَلْبِي: أنه كانَ عندَ المُعتصم في أول أيام المأمون حينَ قَدِمَ المأمونُ بغدادَ، فذكر قومًا بسوء السِّيرة، فقلت له: أيها الأمير إنَّ الله تعالى أمهلَهُم فطغوا، وحَلمَ عنهم فبغوا. فقال لي: حدثني أبي الرشيد، عن جدي المهدي، عن أبيه المنصور، عن أبيه محمد بن علي، عن علي بن عبدالله بن عباس، عن أبيه: أنَّ النبيَّ وَّ نَظَرَ إلى قوم من بني فُلان يَتَبَخترون في مشيهم فعُرِفَ الغضبُ في وجهه ثم قرأ ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْمُونَةَ فِ الْقُرْءَانِ﴾ [الإسراء ٦٠] فقيل له: أي الشُّجَر هي يا رسول الله حتى نجتثها؟ فقال: «ليست بشجرة نّبَات، إنما هم بنو فلان، إذا ملكوا جارُوا، وإذا ائتمنوا خانوا» ثم ضربَ بيده على ظهر العباس. قال: ((فَيُخْرِجُ اللهُ من ظهركَ يا عَمُّ رجلاً يكونُ هلاكُهم على يديه))(٢). أخبرنا أبو نُعيم الحافظ، قال: حدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم القاضي بالأهواز، قال: حدثنا محمد بن نُعَيْم، قال: حدثنا حَمْدون بن إسماعيل، قال: حدثنا أبي، عن المعتصم، عن المأمون، عن الرَّشيد، عن المهدي، عن المنصور، عن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس، عن أبيه، عن ابن عباس أنَّ النبيَّمَ ﴿ قال: ((لا تَحْتَجِمُوا يوم الخميس فإنَّهُ مَن يحتجم فيه فينالُهُ مكروهٌ فلا يلومنَّ إلا نفسه))(٣). (١) في السير ٣٠٢/١٠ والوافي ١٤٠/٥: ((قارون))، وما هنا من النسخ، وهو الصواب. (٢) موضوع، الكلبي ومحمد بن زكريا الغلابي متهمان. (٣) موضوع، وآفته محمد بن إسحاق بن إبراهيم، فهو كذاب أقر بالوضع (الميزان ٤٧٨/٣). أخرجه الشيرازي في الألقاب وابن النجار، كما ذكر السيوطي في الجامع الكبير ١ /٠٨٢٢ ٥٤٩ حدثني أبو القاسم الأزْهرُّ وعُبيد الله بن علي بن عُبيد الله الرَّقِّي؛ قالا: حدثنا عُبيد الله بن محمد المُقرىء، قال: حدثنا محمد بن يحيى النَّديم، قال: حدثنا عبدالواحد بن العباس بن عبدالواحد، قال: سمعتُ العَبَّاس بن الفَرَج يقول: كتب مَلِكُ الرُّومِ إلى المعتصم كتابًا يتهدَّدُه فيه، فأمرَ بجوابه، فلما قُرىء عليه الجواب لم يرضه، وقال للكاتب: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فقد قرأتُ كتابكَ وسمعتُ خطابَكَ، والجوابُ ما تَرَى لا ما تَسْمع، وسيعلم الكُفّار لمنْ عُقْبَى الدَّار. قلتُ: غَزَا المُعتضم بلاد الرُّوم في سنة ثلاث وعشرين ومئتين فأنْكَى في العدو نكايةً عظيمةً، ونَصَبَ على عَقُّورِيَّةَ المَجَانيقَ، وأقامَ عليها حتى فَتَحَها ودخلها، فقتلَ فيها ثلاثين ألفًا، وسَبَى مثلَهُم وكان في سَنِيهِ ستون بَطْريقًا. وطرحَ الثَّارَ في عُموريةَ من سائر نواحيها فأحرقها، وجاءَ ببابها إلى العراق، وهو باق حتى الآن منصوبٌ على أحدٍ أبواب دار الخلافة، وهو البابُ الملاصقُ مسجد الجامع في القَصْر. أخبرني عبيد الله بن أبي الفَتْح، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عَرَفة، قال: حدثني عبدالعزيز بن سُليمان بن يحيى ابن مُعاذ، عن أبيه، قال: كنتُ أنا ويحيى بن أكثم نَسيرُ مع المعتصم وهو يريدُ بلادَ الروم. قال: فمررنا براهبٍ في صَوْمعته، فوقفنا عليه، فقلنا: أيها الرَّاهب، أتَرَى هذا الملكَ يدخل عمورية؟ فقال: لا، إنما يدخلها ملكٌ أكثر أصحابه أولاد زِنَى. قال: فأتينا المعتصم فأخبرناه، فقال: أنا والله صاحبُها، أكثر جُنْدي أولادُ زنا، إنما هم أتراك وأعاجم. .: أخبرني الحُسين بن عليّ الصَّيْمَري، قال: حدثنا محمد بن عِمْران بن موسى، قال: أخبرني علي بن هارون، قال: أخبرني عُبيدالله بن أحمد بن أبي طاهر عن أبيه، قال: ذكر ابن أبي دؤاد المعتصم يومًا فأسْهَبَ في ذكره، وأكثُرَ مَن وَصْفِهِ، وأطنبَ في فَضْلِهِ، وذكر من سعة أخلاقهِ، وكَرم أعراقِهِ، وطيب مَرْكبه، ولين جانبه، وجميل عِشْرَتِهِ، ورِضَى أفعاله، وقال: قال لي يومًا ونحن ٥٥٠ بعَمُورية: ما تقول يا أبا عبدالله في البُسْر؟ فقلتُ: يا أمير المؤمنين نحن ببلاد الرُّومِ، والبُسْرُ بالعراق. قال: قد (١) وجهت إلى مدينة السلام فجاؤني بكباستين، وقد علمتُ أنك تشتهيه، ثم قال: يا إيتاخ، هاتِ إحدى الكباستين. فجاءَ بكباسة بُسْرٍ، فمد ذِراعه وقبضَ عليها بيده، وقال: كُل بحياتي عليكَ من يدي، فقلت: جعلني الله فداكَ يا أمير المؤمنين، بل تَضَعُها(٢) فآكلٌ كما أُريد. قال: لا والله إلا من يدي. فوالله ما زالَ حاسِرًا ذِرَاعه وماذًا يده وأنا أجتني من العِذْق حتى رَمَى به خاليًا ما فيه بُسْرة. قال: وكنتُ كثيرًا ما أزامله في سَفَرِه ذلك إلى أن قلتُ له يومًا: يا أمير المؤمنين لو زاملكَ بعضُ مواليكَ وبطانتكَ، فاسترحتَ مني إليهم مرة ومنهم إليَّ أُخرى، فإن ذلك أنشطُ لقلبكَ، وأطيبُ لنفسك، وأشدُّ لراحتك. قال: فإن سيما (٣) الدِّمشقي يزاملني اليوم، فمن يزاملك أنتَ؟ قلت: الحسن بنُ يونُس. قال: فأنتَ وذاكَ. قال فدعوت بالحسن فزاملني وتهيأ أن ركب بَغْلاً، واختار أن يكون مُنْفَردًا، قال: وجعلَ يسيرُ بسير بَعِيري، فإذا أرادَ أن يُكَلِّمني رفعَ رأسَهُ، وإذا أردتُ أن أكلِّمه خفضتُ رأسي، فانتهينا إلى وادٍ لم نعرف غور مائِهِ، وقد خَلَّفنا العَسْكَر وراءَنا، فقال لرخَّالي (٤) : مكانك، حتى أتقدم فأعرفُ غَوْرَ الماء وأطلب قِلَّته، واتبع أنت مَسِيري. قال: وتقدمَ رجلٌ فدخل الوادي وجعلَ يطلب قِلَّة الماء، وتبعه المعتصم، فمرة يَنْحَرف عن يمينه وأخرى عن شماله، وتارة يمضي لسننه، ونتبع أثَرهُ حتى قطعنا الوادي. أخبرني الصَّيْمري، قال: حدثنا محمد بن عِمْران، قال: حدثني علي بن عبدالله، قال: أخبرني الحسن بن علي بن العباس، عن علي بن الحسين بن عبدالأعلى الإسكافي، قال: قال لنا ابن أبي دُؤاد: كانَ المعتصمُ يُخْرِجُ ساعدَهُ (١) في م: ((وقد»، ولم أجد الواو في النسخ، ولا معنى لها. (٢) في م: ((بعضها))، محرفة. (٣) في م: ((سينما»، محرف، وهنا يعضده ما قيده الذهبي في السير ٥٣٨/١٢. (٤) هو المسؤول عن الغير، ودليل السفر. ٥٥١ إليّ ويقول: يا أبا عبدالله، عَض ساعِدِي بأكثرِ قُوَّتك، فأقول: والله يا أمير المؤمنين ما تطيبُ نفسي بذلك، فيقول: إنه لا يضرني فأرومُ ذلك، فإذا هو لا تعمل فيه الأسنة فضلاً عن الأسنان. وانصرفَ يومًا من دارِ المأمون إلى داره وكانَ شارعُ المَيْدان منتظمًا بالخِيَم فيها الجُنْد، فمر المعتصمُ بامرأةٍ تبكي وتقول: ابني ابني. وإذا بعضُ الجُنْدِ قد أخذ ابنها. فدعاه المُعتصم وأمَرَهُ أن يردَّ ابنها عليها، فأبَى، فاستدناه فدَنَى منه، فقبضَ عليه بيده، فسُمِعَ صوتُ عظامه، ثم أطلقَهُ من يده فسقطَ، وأمر بإخراج الصَّبي إلى أُمه. أخبرنا الأزهري، قال: أخبرنا محمد بن العباس الخَزَّاز، قال: حدثنا عَلانِ بن أحمد الرَّزَّاز، قال: حدثنا علي بن أحمد بن العباس الجَامَاسِبي، قال: حدثنا أبو الحسن الطّويل، قال: سمعتُ عيسى بن أبان بن صَدَقة، عن علي بن يحيى المُنَّجُّم، قال: لما أن استتمَّ المعتصمُ عِدَّةَ غِلْمانه الأتراك بضعة عشر ألفًا، وعُلِّق له خمسون ألف مخلاة على فَرَس، وبِرْذون. وبَغْلٍ، وَذَلَّلَ العدو بكُلِّ النواحي، أنته المَنِيَّة على غَفْلة، فقيل: إنه قال في حُمّاهُ التي مات فيها ﴿ حَّ إِذَا فَرِحُواْ بِعَآ أُوْنُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْنَةً فَإِذَا هُم ◌ُبْلِسُونَ (٤)﴾ [الأنعام]. قلت: ولكثرةٍ عَسْكر المُعتصم وضِيق بغدادُ عنه، وتأذِي النَّاس به بَنَّى المعتصمُ سُرَّ من رأى، وانتقلَ إليها، فَسَكَنَها بعسكره، وسُمِّيت العَسْكَرِ، وذلك في سنة إحدى وعشرين ومثتین. أخبرنا علي بن الحُسين صاحب العَيَّاسي، قال: أخبرنا علي بن الحسن الرَّازي، قال: أخبرنا الحُسين بن القاسم الكَوْكَبي، قال: حدثني جعفر بن هارون، قال: أخبرني أبي، قال: سمعتُ المعتصمَ بالله يقول: اللهم إنَّكَ تعلم أني أخافك من قبلي ولا أخافك من قِبَلك، وأرجوك من قبلك ولا أرجوكَ من قبلي . أخبرنا عليّ بن أحمد بن عُمر المُقرىء، قال: أخبرنا علي بن أحمد بن أبي قَيْس، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي الدُّنيا، قال: المعتصم محمد بن هارون ابن محمد وُلِدَ يوم الاثنين لعشرٍ خَلَونَ من شعبان سنة ثمانين ومئة، وبُویعَ يوم ٥٥٢ مات المأمون في رَجَب سنة ثمانِ عشرة ومئتين، ودخل، يعني بغدادَ، على بَغْلٍ كُمَّيْتٍ بسرجٍ مَكْشوفٍ، وعليه قُلنسوة لاطئة، وسَيْفٌ بمعاليق، فأخذَ على باب الشام حتى عبرَ الجَسْر، ثم دخلَ من باب الرُّصافة. وماتَ المُعتصمُ بسُرَّ مَن رأى يوم الخميس لتسع عشرة خَلَت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومئتين، فكانت خلافته ثمانٍ سنين وثمانية أشهر ويومين. وكان المعتصمُ أبيضَ، أَصْهَبَ اللُّحية طويلَهَا، مَرْبوعًا مُشْرَبَ اللَّون، وأُّهُ أمّ وَلَدٍ يقال لها: ماردة. قلت: وكان لهارون الرشيد أولاد جماعة، قيل: إن اسم كل واحد منهم محمد؛ أخبرنا بذلك القاضي أبو العلاء محمد بن عليّ الواسطيُّ قال: قرأنا على الحُسين بن هارون الضَّبِّيِّ، عن أبي العباس بن سعيد، قال: أخبرنا محمد ابن أحمد بن أبي عَرَابة، قال: حدثنا محمد بن حبيب، عن هشام بن محمد وغيرِه من أصحابه، قال: أبو العباس، وأبو أحمد، وأبو إسحاق، وأبو عيسى، وأبو يعقوب، وأبو أيوب، بنو هارون الرشيد بن محمد المهدي، وكُلٌّ اسمه محمد . ١٧١٩- محمد بن هارون البغداديُّ. ذكره أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد، فقال فيما أخبرنا محمد بن علي المقرىء، قال: قرأنا على الحُسين بن هارون، عن ابن سعيد، قال: محمد بن هارون البَغْدادي، سَمِعَ جريرًا، وهُشَيْمًا، وابنَ عُلَيَّة، وهذه الطبقة. معروفُ الحديث. حدثنا عنه إبراهيم بن إسحاق الصَّوَّاف وغيرُه. ١٧٢٠- محمد أمير المؤمنين المُهْتَدي بالله بن هارون الواثقُ بالله ابن أبي إسحاق المُعْتَصم بالله، يُكْنى أبا إسحاق، ويقال: أبا عبدالله(١). ولد بالقاطُول، وكانَ منزله بِسُرَّ مَن رأى. وأمّه أمّ وَلَد يقال لها قُرب. (١) اقتبسه الذهبي في كتبه، ومنها السير ٥٣٥/١٢، والصفدي في الوافي ١٤٤/٥ وغيرهما . ٥٥٣ . ... وكانت البيعة له بالخلافة بعد خَلْع المعتز بالله؛ فأخبرنا عبدالعزيز بن عليّ الوَرَّاق، قال: أخبرنا محمد بن أحمد المُفيد، قال: حدثنا أبو بشر الدُّولابي، قال: أخبرنا جعفر بن علي بن إبراهيم الهاشمي، قال: خَلَعَ المعتز بالله الخلافةَ من نفسه يوم الاثنين لثلاثٍ بقينَ من رَجَب سنة خمس وخمسين ومئتين، وبايعَ لمحمد ابن الواثق يوم الأربعاء ليوم بقي من رَجَب . أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا محمد بن عبدالله بن إبراهيم، قال: حدثنا عُمر بن حَفْصِ السَّدُوسي، قال: ودُعِيَ لمحمد ابن الواثق بالله المهتدي يوم الجُمُعة بِسُرَّ مَن رأى أول يوم من شعبان سنة خمس وخمسين ومئتين، ولم يُدعَ له ببغدادَ، ودُعِيَ للمعتز ببغدادَ، وقُتِلَ المعتز يوم السبت ليومين من شعبان ودُعِيُّ لمحمد ابن الواثق المهتدي بالله في الجمعة الثانية ببغداد لثمانٍ خَلَوْنَ من شعبان سنة خمس وخمسين ومئتين، وأُّه أمُّ وَلَد تُسَمَِّى قُرْب . أخبرنا عبدالعزيز بن عليّ، قال: أخبرنا محمد بن أحمد المفيد، قال: حدثنا أبو بشر الدُّولابي، قال: حدثني القاسم بن عبدالجبار الهاشمي، قال: حدثني عليّ بن الحَسن بن إسماعيل بن العباس الهاشمي: أنَّ ميلاد المهتدي بالله سنة ثمان أو تسع عشرة ومئتين .. أخبرنا عُبيد الله بن عُمر الواعظ، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا إسماعيل ابن علي، قال: أخبرني عبدالواحد ابن المهتدي بالله أنَّ أباه وُلد يوم الأحد لخَمْسٍ خَلَون من ربيع الأول سنة تسع عشرة، وتُوفي وله من السن سبع وثلاثون سنة وأربعة أشهر وعشرة أيام. قلت: وقد قيل أيضًا: أنه ولد سنة خمس عشرة ومئتين. أخبرنا علي بن أحمد بن عُمر المقرىء، قال: أخبرنا عليّ بن أحمد بن أبي قَيْس، قال: حدثنا ابن أبي الدُّنيا، قال: كانَ المُهْتَدي أسمَرَ رَقِيقًا أجْلَى؛ حسنَ اللُّحْية، أشيبٌ، حسنَ العينين، يُكْنَى أبا عبد الله. ٥٥٤ قلت: وكان المهتدي بالله من أحسن الخُلَفاء مَذْهبًا وأجملِهِم طريقةً وأظهرِهم ورعًا وأكثرهم عبادةً، ورُوِيّ عنه حديث واحد مسند؛ أخبرناه محمد ابن أحمد بن رِزْق البَزَّاز(١) ومحمد بن الحُسين بن الفَضْلِ القَطَّان؛ قالا: حدثنا محمد بن عُمر القاضي الحافظ، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن سَعْدان المَرْوَزي، قال: حدثنا محمد بن عبدالكريم بن عُبيد الله السَّرخسي، قال: حدثني المهتدي بالله أميرُ المؤمنين، قال: حدثنا علي بن أبي (٢) هاشم ابن طِبْرَاخ(٣) ، عن محمد بن الحسن الفقيه، عن ابن أبي ليلى، عن داود بن علي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال العباس: يا رسولَ الله ما لنا في هذا الأمر؟ قال: ((لي النبوة ولكم الخلافة بكم يُفْتَحُ هذا الأمر وبكم يختم)). هذا آخر حديث ابن الفَضْل وزاد ابن رِزْق، قال: وقال النبيُّ لَّ للعباس: ((مَن أحبَّكَ نالته شَفَاعتي، ومَن أبغضك فلا نالته شَفَاعتي)) (٤). أخبرني عُبيد الله بن أبي الفَتْح، قال: حدثنا علي بن الحَسن الجَرَّاحي، قال: حدثنا محمد بن أحمد القَرَاريطي، قال: قال لي عمي عبدالله بن إبراهيم الإسكافي: حضرتُ مجلسَ المُهْتَدي وقد جلسَ للمظالم، فاستعداه رجلٌ على ابنِ له، فأمر بإحضارِهِ، فَأُخْضِرَ وأقامَهُ إلى جنبِ الرَّجُل، فسأله عما اذَّعاهُ عليه، فأقرَّ به، فأمرَهُ بالخروج له من حقه، فكتبَ له بذلك كتابًا، فلما فرغَ، قال له الرجل: والله يا أمير المؤمنين ما أنت إلا كما قال الشاعر [من السريع]: حَكَمْتُمُوه فَقَضَى بينكم أبلجُ مثلُ القَمَرِ الزَّاهر لا يقبل الرَّشْوة في حُكْمِه ولا يبالسي غَبَنَ الخاسِر (١) في م: ((البزار)) آخره راء، مصحف. (٢) سقطت من م، واسم أبي هاشم عُبيدالله، وهو من رجال التهذيب. (٣) قيده ناشر م بفتح الطاء، فأخطأ. (٤) خبر باطل وإسناد تالف، وسيماء الوضع ظاهرة في ألفاظه، داود بن علي بن عبدالله ابن عباس ضعيف، ومحمد بن عمر الجعابي كان فاسقًا رقيق الدين لا يتورع، وتفرد الخطيب بروايته، وعنه نُقِل (انظر تاريخ ابن كثير ٢٦/١١). ٥٥٥ فقال له المُهْتَدي: أما أنتَ أيها الرجل فأحسنَ اللهُ مقالتك، وأما أنا فما جلستُ هذا المجلس حتى قرأتُ المُصحفَ ﴿ وَنَضَعُ الْمَوْزِينَ اَلْقِسْطَ لِيَّؤْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَنٍَّ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا. حَسِينَ ﴾﴾ [الأنبياء] فقال لي عمي: فما رأيتُ باكيًا أكثرَ من ذلك اليوم. أخبرنا عبدالعزيز بن علي، قال: أخبرنا محمد بن أحمد المُفيد، قال: حدثنا أبو بِشْر الدُّولابي، قال: أخبرني أبو موسى العَيَّاسي، قال: لم يزل المهتدي ضائمًا منذُ جلس للخلافة إلى أن قُتِلَ(١). أخبرنا أحمد بن عُمر بن رَوْح النَّهرواني، قال: حدثنا المعانى بن زکریا · الجَرِيري، قال: حدثني بعض الشيوخ ممن شاهدَ جماعةٌ من العُلماءِ، وخالَطَ كثيرًا من الرُّؤساء: أن هاشم بن القاسم الهاشمي حَدَّثه. قال المُعافَى: وقد حَذَّثَ هاشم هذا حديثًا كثيرًا وكتبنا عنه إلا أن هذه الحكاية حَدَّثني بها هذا الشيخُ الذي قدِمتُ ذِكْرَهُ، قال أبو العباس هاشم بن القاسم: كنتُ بحضرة المُهْتَدِي عَشِيَةً من العَشَايا، فلما كادت الشَّمسِ تَغْرِبُ، وَثَبْتُ لأنْصرفَ، وذلك في شهر رمضان، فقال لي: اجلس. فجلستُ، ثم إنَّ الشمسَ غابت، وأذَّنَ المُؤْذِّنُ لصلاة المَّغْرب، وأقامَ، فتقدَّمَ المهتدي فصلَّى بنا، ثم ركعَ وركِعنا. ودَعَا بالطَّعام فأُحْضِرَ طَبَق ◌ِخِلَف(٢) ، وعليه رُغُف من الخُبْزِ النَّقي، وفيه آنيةٌ في بعضها مِلْحُ، وفي بَعضها خَلٌّ، وفي بعضها زَيْتٌ. فدعاني إلى الأكل، فابتدأتُ آكلُ مُعْذِرًا ظانًا أنه سيُؤْتَى بطعام له نِيقة(٣) ، وفيه سَعَةٌ. فنظرَ إليَّ، وقال لي: ألم تَكُ صائمًا؟ قلت: بلى. قَالَ: أَفَلَستَ عازمًا على صَوْمٍ غدٍ؟ فقلت: كيف لا وهو شهر رَمَضان؟! فقال: فَكُل واستوفٍ غَدَاءَك فليسَ هاهنا من الطعام، غير ما تَرَى. فعجبتُ من قوله، ثم قلت: والله لأخاطبنَّهُ في (١). من هنا يبدأ خرم في نسخة الجزائر (جـ ١) وإلى أول ترجمة محمد بن يوسف أبي جعفر الإسكافي. (٢) الخلاف: صنف من الصفصاف، ومن عيدانه تُصْنَع الأطباق ... (٣) تَنَّق في مطعمه: تجوَّد وبالغ، والاسم: النيقة. ٥٥٦ هذا المعنى، فقلت: ولم يا أمير المؤمنين وقد أسبخَ اللهُ نِعَمَهُ، وبَسَطَ رِزْقَّهُ، وكَثَّرَ الخَيْرَ من فَضْله؟ فقال: إنَّ الأمرَ لعلى ما وصفتَ فالحمدُ لله، ولكنني فكّرتُ في أنه كان في بني أُمية عمر بن عبدالعزيز، وكانَ من التَّقُلُّلِ والتَّقَشّف على ما بَلَغَك، فغرتُ على بني هاشم أن لا يكون في خُلفائهم مثله، فأخذتُ نفسي بما رأيتَ. أخبرني عبيدالله بن أبي الفتح، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم البزاز، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة، وذكر المُهتدي، فقال: حَدَّثني بعضُ الهاشميين أنه وُجِدَ له سَفَط فيه جُبّة صُوفٍ وكِساء وبُرّنس كان يلبسه بالليل ويصلي فيه، وكان يقول: أما يستحي بنو العباس أن لا يكونَ فيهم مثل عُمر بن عبدالعزيز؟! وكان قد اطَرَح(١) الملاهي، وحَرَّم الغناء، والشَّراب، وحَسَمَ أصحابَ السُّلطان عن الظُّلْم، وضربَ جماعةً من الرُّؤساء، وكان مع حُسْن مَذْهَبه وإيثار العَدْل شديدَ الإشراف على أمر الدواوين والخَرَاج، يجلس بنفسه في الحُسبانات ولا يخل بالجلوس يوم الاثنين والخميس والكُتّاب بين يديه. أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا عيسى بن موسى بن أبي محمد ابن المتوكل على الله، قال: حدثنا محمد بن خَلَف بن المرزُبان، قال: حدثني العباس بن يعقوب، قال: حدثني أحمد بن سعيد الأموي، قال: كانت لي حلقة وأنا بمكة أجلسُ فيها في المسجد الحرام ويجتمعُ إليَّ فيها أهلُ الأدب، فإنّا يومًا لنتناظرُ في شيءٍ من النّحو والعَرُوض، وقد عَلَت أصواتنا وذلك في خلافة المُهتدي، إذ وقف علينا مجنونٌ فنظرَ إلينا ثم قال [من الطويل]: أما تَسْتَحونَ اللهَ يا معدنَ الجَهْلِ شُغِلْتُم بذا والناسُ في أعظم الشُّغْلِ إمامكم أضحَى قَتِيلاً مُجَدّلاً وقد أصبحَ الإسلامُ مفترق الشَّمْلِ وأنتُم على الأشعار والنَّحو عُكَّفًا تَصِيحون بالأصوات في است أم ذا العَقْل فانصرفَ المجنونُ وتَفَرَّقنا، وقد أفزعنا ما ذَكَرَهُ المجنون، وحَفِظنا (١) في م: ((اضطرح))، محرفة. ٥٥٧ الأبيات، فَخَبَّرتُ بذلك إسماعيل بن المتوكل، فحدَّث به قَبِيحة أم المعتز بالله، فقالت: إنَّ لهذا لنبأ، فاكتبوا هذه الأبيات، وأرِّخوا هذا اليوم، واطووا هذا الخَبَر عن العامة. ففعلنا، فلما كانَ يوم الخامس عَشَر وردَ الخَبرُ من مدينة السلام بقَتْل المهتدي . أخبرنا محمد بن أحمد بن رِزْق، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن البَرَّاء، قال: وبقي المُهتدي ابن الواثق إلى أن خُلِعَ بسُرَّ مَن رأى يوم الأحد الأربع عشرة خَلَت من رجب سنة ست وخمسين ومئتين، أحد عَشَر شهرًا وستة عشرَ يومًا، وكان عُمُره إحدى وأربعين سنة. أخبرنا علي بن أحمد بن عُمر المقرىء، قال: أخبرنا عليّ بن أحمد بن أبي قَيْس، قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي الدنيا، قال: المهتدي كانت خلافته أحد عشر شهرًا وسبعة عشر يومًا. أخبرني الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا محمد بن عبدالله بن إبراهيم، قال: حدثنا عمر بن حفص السَّدُوسي، قال: وقعت الفتنةُ بسُرَّ مَن رأى في يوم الأحد مع الزَّوال، وخرجَ المُهتدي فحاربَهُم، فَجُرح وصار في يدي الأتراك، فمكثَ بقية يومه ويوم الاثنين، ثم قُتِلَ وصُلِّ عليه يوم الثلاثاء لأربع عشرة بقين من رَجب . ١٧٢١ - محمد بن هارون بن إبراهيم، أبو جعفر، ويُعرف بأبي نَشِيطِ الرَّبَعِيُّ(١). سمع رَوْح بن عُبادة، ويحيى بن أبي بكر، ومحمد بن يوسف الفِرْيابي، وأبا المغيرة عبدالقدوس بن الحَجَّاجِ، والحَكَم بن نافع الحِمْصيين، وعمرو بن الربيع بن طارق المِصْري، ونُعيم بن حماد المَرْوَزي. (١) اقتبسه ابن الجوزي في المنتظم ١٥/٥، والمزي في تهذيب الكمال ٥٦٠/٢٦-٥٦١، والذهبى في وفيات الطبقة السادسة والعشرين من تاريخه، وفي السير ١٢/ ٣٢٤. ٥٥٨ روى عنه أبو بكر بن أبي الدُّنيا، وجُنيد بن حَكِيم، وأبو القاسم البَغَوي، ويحيى بن محمد بن صاعد، والحُسين بن إسماعيل المَحَامِلي. وقال ابن أبي حاتم (١) : سمعتُ منه مع أبي ببغداد، وهو صدوقٌ. أخبرنا أحمد بن عبدالله بن الحُسين المحاملي، قال: وجدتُ في كتاب جدي: حدثنا محمد بن هارون أبو نَشِيط، قال: حدثنا عبدالقدوس بن الحَجَّاجِ الحِمْصي. وأخبرنا الحسن بن علي الجَوْهري، قال: أخبرنا عيسى بن علي بن عيسى، قال: أخبرنا عبدالله بن محمد البَغَوي، قال: حدثنا محمد بن هارون الحَرْبي، قال: حدثنا أبو المغيرة الحِمْصي، قال: حدثنا صَفْوان بن عَمرو، قال: حدثنا عبدالرحمن بن جُبير، عن أبي الطّويل شَطْبٌ المَمْدود: أنه أتَى رسولَ اللهَِه، فقال: أرأيتَ رَجُلاً عَمِلَ الذُّنوبَ كُلَّها فلم يترك منها شيئًا، وهو في ذلك لم يترك حاجَّةً ولا داجَّةً إلا اقتطعها بيمينه، فهل لذلك من تَوْبة؟ قال: ((هل أسلمتَ))؟ قال: أما أنا فأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شَرِيك له وأنك رسوله. قال. ((نعم، تفعلُ الخَيْرات، وتترك الشَّرَّات، يجعلهن الله لك كُلَّهن خيرات)). قال: وغَدراتي وفَجراتي؟ قال: ((نعم)). قال: الله أكبر، فما زالَ يُكَبِّر حتى توارى(٢) . هذا لفظ البَغَوي، وزاد في حديثه: قال أبو المغيرة: سمعتُ مُبَشِّر بن عُبيد، وكان عارفًا بالنَّحو والعربية يقول: الحاجّةُ الذي يقطعُ على الحاج إذا (١) الجرح والتعديل ٨/ الترجمة ٥٢٥ . (٢) حديث صحيح غريب تفرد به أبو المغيرة الحمصي، كما قال ابن مندة (الإصابة ١٥٢/٢) . أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٣٢٤٤)، وابن عبدالبر في الاستيعاب ٧٠٨/٢ من طريق محمد بن هارون، به. وأخرجه أحمد ٤/ ٣٨٥، وابن أبي الدنيا في كتاب حسن الظن بالله (١٤٤) من طريق مكحول عن عمرو بن عبسة نحوه مختصرًا. وهذا إسناد منقطع، مكحول لم يسمع من عمرو بن عبسة (جامع التحصيل ٢٨٥). ٥٥٩ توجهوا، والدَّاجّة الذي يقطع عليهم إذا رجعوا. قال أبو القاسم البغوي: روى . هذا الحديث غير محمد بن هارون، عن أبي المغيرة، عن صفوان، عن عبدالرحمن بن جُبير: أن رجلاً أتَى النبي ◌َ﴿ طويلاً شَطْب الممدود وأحسب أنَّ محمد بن هارون صَحَّف فيه، والصواب ما قالَ غيرِه. قلت: قد رواه أبو القاسم سُليمان بن أحمد الطَّراني(١) عن أحمد بن عبد الوهاب(٢) بن نَجْدَة الحَوْطي عن أبي المغيرة كرواية أبي نَشِيط. أخبرنا أبو الفرج عبدالسلام بن عبدالوَهَّاب القُرشي بأصبهان، قال: حدثنا سُليمان بن أحمد الطَّبَراني، عن أحمد بن عبدالوهاب بن نَجْدَّة الحَوْطِي عن أبي المغيرة، قال: حدثنا صفوان بن عمرو، عن عبدالرحمن بن جبير بن نُفير، عن أبي طَويل شَطْبِ المَمْدُود: أنه أتَى رسول اللهِوَِّ، وذكرَ الحديثَ بطوله نحو ما تقدم. أخبرني الحسن بن أبي طالب، عن أبي الحسن الدَّارقُطني، قال: محمد ابن هارون الحربي أبو نَشِيط ثقةٌ .. أخبرني أبو الفرج الطَّنَاجيري، قال: أخبرنا عمر بن أحمد الواعظ، قال: قال محمد بن مَخْلَد العَطَّار، فيما قرأتُ عليه: ومات أبو نَشِيط محمد بن هارون في شوال سنة ثمان وخمسين ومئتين. ١٧٢٢- محمد بن هارون، أبو جعفر الفَلَّس المُخَرِّمُي يُلَقَّب شِيْطا(٣). وكانَ من المذكورين بالمعرفة والحِفْظ. سمع أبا نُعيم الفَضْل بن دُكين، (١). في المعجم الكبير (٧٢٣٥). (٢) في المعجم الكبير: (يزيد))، محرف، وانظر ((الحوطي)) من أنساب السمعاني. (٣) اقتبسه ابن ماكولا في الإكمال ٨٩/٧، والسمعاني في ((الفلاس)) من الأنساب، وأبن. الجوزي في المنتظم ٥٥/٥، والذهبي في وفيات الطبقة السابعة والعشرين من : تاريخه، وفي السير ١٢/ ٣٢٧. ٥٦٠