النص المفهرس

صفحات 381-400

عبدالله بن عُلائة هو عندي واهي الحديث، لا يحل كَتْب حديثه عن الأوزاعي.
وقال البُخاري(١) : روى عنه وكيع، في حفظه نظر .
قال أبو الفتح: ولسنا نقنعُ بهذا من البخاري، محمد بن عُلاثة حديثه
يدل على كَذبه، وكان أحد العُضل في التزيد عن الأوزاعي (٢).
قلتُ: قد أفرط أبو الفتح في المَيْل على ابن علائة، وأحسبه وقعت إليه
روايات لعَمرو بن الحُصين عن ابن عُلاثة فنسبه إلى الكَذِب لأجلها، والعلة في
تلك من جهة عمرو بن الحصين، فإنه كان كذّابًا. وأما ابن عُلاثة فقد وصفه
يحيى بن معين بالثِّقة، ولم أحفظ لأحدٍ من الأئمة فيه خلاف ما وصفه به
یحیی .
أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل الصَّيْرفي، قال: سمعت أبا
العباس محمد بن يعقوب الأصم يقول: سمعت العباس بن محمد الدُّوري
يقول(٣): سمعت يحيى بن معين يقول: محمد بن عُلاثة ثقة، يروي عنه
حفص بن غياث وغيرُه.
أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن محمد الأشْناني، قال: سمعت أبا
الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس الطرائفي يقول: سمعت عثمان بن سعيد
الدارمي يقول(٤): وسألته يعني يحيى بن مَعِين عن محمد بن عُلاثة من هو؟
فقال : ثقة .
أنبأنا محمد بن أحمد بن رِزْق، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن يحيى
(١) تاريخه الكبير ١/ الترجمة ٣٩٩.
(٢) تهذيب الكمال ٥٢٦/٢٥.
(٣) تاريخه ٢/ ٥٢٤.
(٤) تاريخ الدارمي، الترجمة (٨٠٨).
٣٨١

المُزَكِّي، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي، قال: حدثنا حاتم بن الليث
الجَوْهري، قال: حدثنا علي بن الجَعْد، قال: كان محمد بن عبدالله بن علائة
من أهل حَرَّانِ، وَلَّه المهدي قضاء بغداد عسكر المهدي فرأيتُ ابنَ عُلاثة
ببغداد في مسجد الجامع بالرُّصافة في زمان المهدي، وأظن أنه مات في سنة
ثلاث وستين ومئة أو نحو ذلك فيما أعلم (١) .
قلت: وحَكَى ابن الجعابي عن رجل لقيه بالجزيرة من ولد ابن علاثة أنه
مات في سنة ثمان وستين ومئة (٢).
٩٣٧ - محمد أمير المؤمنين المهدي بن عبدالله المنصور بن محمد
ابن علي بن عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب، يُكْنَى أبا عبدالله(٣)
وأمه أمُّ موسى بنت منصور الحميرية. ولد بإيْذَج(٤) في سنة سبع
وعشرين ومئة، واستُخلف يوم مات المنصور بمكةَ، وقام بأمر بيعته الرّبيع بْنِ
يونس، وأتاه بالخبر منارة البَزْبري مولاه في يوم الثلاثاء لست عشرة ليلة خلت
من ذي الحجة، والمهدي إذ ذاك ببغداد، فأقام بعد قدوم منارة يومين لم يُظْهِر
الخَيَر. ثم خطب الناس يوم الخميس ونَعى لهم المنصور وبويع بيعةَ العامة،
وذلك في سنة ثمان وخمسين ومئة.
: أخبرني علي بن أحمد الرَّزاز، قال: أخبرنا أحمد بن سَلْمان النجاد،
قال: حدثنا محمد بن عثمان العَبْسي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا وكيع،
قال: حدثنا فَضْل بن مَرْزوق، عن مَيْسرة يعني ابن حَبيب، عن المنهال، يعني
(١) تهذيب الكمال ٥٢٨/٢٥.
(٢) نفسه .
(٣) اقتبس من هذه الترجمة غير واحد ممن كتب سيرته، ومنهم ابن الجوزي في المصباح
المضيىء ١/ ٤١٤ - ٤٣٦ والذهبي في كتبه ومنها السير ٧/ ٤٠٠ - ٤٠٣.
(٤) بلدة بين خوزستان وأصبهان، جبلية.
٣٨٢

ابن عَمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: منا ثلاثة؛ منا المنصور،
ومنا السفاح، ومنا المهدي(١). وقد ذُكِرَ هذا الحديث من رواية الضحاك عن
ابن عباس، عن النبي 98َّ مرفوعًا في أول الكتاب، فغنينا عن إعادته هاهنا.
أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا سُليمان بن أحمد الطَّبَراني،
قال(٢): حدثنا أبو زيد عبدالرحمن بن حاتم المرادي، قال: حدثنا نُعيم بن
حماد، قال: حدثنا يحيى بن يَمَان، قال: حدثنا سفيان وزائدة، عن عاصم أبي
وائل، عن زر، عن عبدالله، عن النبي وَلجر. قال: ((المهدي يواطىء اسمه اسمي
واسم أبيه اسم أبي)» .
وأخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا الطبراني، قال (٣): حدثنا أبو
زيد، قال: حدثنا نُعيم بن حماد، قال: حدثنا بقية وعبدالقُدوس، يعني ابن
· الحجاج، عن صفوان، عن شريح بن عبيد، عن كعب، قال: ما المهدي إلا
من قريش وما الخلافة إلا فيهم غير أن له أصلاً ونسبًا في اليمن.
أخبرني الحسن بن أبي بكر، قال: كتب إليّ محمد بن إبراهيم الجُوري
يذكر أن أحمد بن حَمْدان بن الخضر أخبرهم، قال: حدثنا أحمد بن يونس
(١) باطل، قال ابن حبان فيما نقله ابن الجوزي في العلل المتناهية ٢٩٢/١: ((كل هذه
الأشياء - يعني الأحاديث التي ذكر فيها السفاح والمنصور والمهدي - لا تثبت موقوفة
ولا مرفوعة)»، وقال ابن القيم في المنار المنيف ١١٧ : ((وكل حديث في مدح
المنصور والسفاح والرشید فهو كذب)).
أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٩٧.
(٢) لعله ذكره في معجمه الأوسط، وقد أخلت النسخة التي طبع عليها الكتاب بأكثر
أحاديث عبدالرحمن بن حاتم المرادي، ولم يستطع ناشره استدراكها لاعتماده نسخة
واحدة ٣٦٦/٥، ونسبه صاحب الكنز (٣٨٦٧٨) إلى ابن عساكر.
(٣) انظر الهامش السابق، وهو حديث باطل، شيخ الطبراني متروك الحديث (ضعفاء ابن
الجوزي ١٨٥٩)، ونعيم بن حماد صاحب كتاب ((الفتن والملاحم)) الذي ينقل منه
الطبراني ضعيف، وقد شحن كتابه هذا بالأحاديث الباطلة والموضوعة.
٣٨٣

--
الضَّبِّي، قال: حدثني أبو حَسَّان الزِّيادي، قال: سنة ثمان وخمسين ومئة بها
بويع المهدي محمد بن عبدالله بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس، ويُكْنَى
أبا عبدالله وأمه أم موسى بنت منصور بن عبدالله بن شهر بن ذي شهير بن أبي
سَرْح بن شُرَحبيل بن زيد بن ذي مثوب بن الأشهل بن مثوِّب بن الحارث بن
شمر ذي الجناح بن لَهيعة بن يَنْعم بن يَعْفر بن يكنف من وَلَد ذي رُعين من
حِمير، وأمها بَرْبَرية (١) يقال لها أروى. بويع يوم مات أبو جعفر بمكة. وكان
مولده سنة سبع وعشرين ومئة، وكان طويلاً أسمر جَعْدًا بعينه اليُمنى نُكتة بياض
أخبرنا الحسن بن محمد الجوهري، قال: أخبرنا أبو عُبيد الله محمد بن
عِمْران المرزباني، قال: أحدثنا أحمد بن محمد بن عيسى المكي، قال: حدثنا
محمد بن القاسم بن خَلادِ، قال: حدثنا المعاذي، قال: لما جدد المهدي
البيعة لنفسه بعد وفاة المنصور كان أول من هنأه بالخلافة وعزاه أبو دلامة فقال
[من الكامل]:
عيناي واحدة تُرى مسرورة بأميرها جَذْلى، وأُخرى تذرفُ
تبكي وتَضْحك تارةً، ويسوؤها ما أنكرت ويسرُّها ما تعرفُ
فيسوءهنا موت الخليفة محرمًا ويَسرها أن قام هذا الأراف
ما إن رأيتُ كما رأيْتُ ولا أرى شعرًا أرجله وآخر ينتفُّ
هلكَ الخليفة يال أمة أحمد وأتاكم من بعده مَن يخلف
أهْدى لهذا اللهُ فضلَ خلافة ولذاكَ جنات النَّعيم تزخرفُ
قال: فأمر المهدي بالنِّداء بالرصافة: إن الصلاة جامعة، وخطب فنعى
المنصور، وقال: إنَّ أمير المؤمنين عبد دُعِي فأجابَ، وأُمِرَ فأطاع، واغرورقت
عيناه، فقال: إنَّ رسول ◌َاللهِوَ ◌ّه قد بكى عند فِراق الأحبة ولقد فارقت عظيمًا
وقُلْدتُ جسيمًا، وعند الله أحتسب أمير المؤمنين، وبه عز وجل أستعين على
(١) في م: ((بريْرية)) مُصحف، وانظر جمهرة ابن حزم ٢١.
٣٨٤٠

-
خلافة المُسلمين.
أخبرني أبو القاسم الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا
إبراهيم بن محمد بن عَرَفة النَّحوي، قال(١) : أخبرني أبو العباس المَنْصوري،
قال: لما حصلت في يد المهدي الخزائن والأموال وذخائر المنصور أخذَ في
ردُّ المظالم، وأخرجَ ما في الخزائن ففرقه حتى أكثرَ من ذلك، وبَرَّ أهلَهُ
وأقرباءَهُ ومواليه وذوي الحرمة به، وأخرج لأهل بيته أرزاقًا لكل واحد منهم في
كل شهر خمس مئة درهم لكل رجل ستة آلاف درهم في السنة (٢) ، وأخرج
لهم في الأقسام لكل رجل عشرة آلاف درهم، وزاد بعضهم، وأمر ببناء مسجد
الرُّصافة، وحاط حائطها، وخَنْدق خندقها، وذلك كله في السنة التي قَدِمَ فيها
مدينة السلام.
أخبرنا الحسن بن علي الجوهري، قال: أخبرنا محمد بن العباس
الخَزَّاز، قال: حدثنا عُبيد الله بن أحمد المرُّوذي، قال: حدثني أبي، قال:
حُكِي لنا عن الربيع أنه قال: مات المنصور وفي بيت المال شيء لم يجمعه
خليفة قط قبله مئة ألف ألف درهم وستون ألف ألف درهم، فلما صارت
الخلافة إلى المهدي قَسَّم ذلك وأنفقه. وقال الربيع: نظرنا في نفقة المنصور
فإذا هو ينفق في كل سنة ألفي درهم مما يجيء من مال الشراة.
وأخبرنا الجوهري، قال: أخبرنا محمد بن العباس، قال: حدثنا عبيدالله
ابن أحمد، قال: حدثني أبي. قال: أُخبرت أنَّ الربيع قال: فتحَ المنصورُ يومًا
خزانة مما قبض من خزائن مروان بن محمد فأُحصي فيها اثنا عشر ألف عدل
خز، فأخرجَ منها ثوبًا وقال: يا ربيع، اقطع من هذا الثوب جُبتين، لي واحدة
(١) هو المعروف بنفطويه، وقد تصحف اسمه في المطبوع من سير أعلام النبلاء إلى:
(يقطونه)»!
(٢) إلى هنا اقتبسه ابن الجوزي في المصباح المضيء ٤١٦/١.
٣٨٥

ولمحمد واحدة. فقلت: لا يجيء منه هذا. قال: فاقطع لي منه جبة وقلنسوة، .
وبخل بثوبٍ آخرٍ يُخرجه للمهدي. فلما أفضت الخلافة إلى المهدي أمر بتلك
الخزانة بعينها ففرِّقت على الموالي والغِلْمان والخدم.
· أخبرنا علي بن عبدالعزيز الطاهري، قال: أخبرنا علي بن عبدالله بن
المغيرة الجَوْهري، قال: حدثنا أحمد بن سعيد الدِّمشقي، قال: أخبرنا الزبير:
ابن بكار ، قال: أخبرني يونس بن عبدالله الخَيَّاط، قال: دخل ابن الخياط
المكي على أمير المؤمنين المهدي وقد مدحه، فأمر له بخمسين ألف درهم،
فلما قبضها فَرَّقها على الناس وقال:
أخذتُ بكفي كَفَّهُ أَيْتَغِي الغِنَى ولم أدر أنّ الجودَ مَن كَفِّهِ يُعْدِي
فلا أنَا منه ما أفادِ ذَوُو الغِنَى أفدتُ، وأعْدائي، فَبَدَّدْتُ مَا عَنْدِي
فنمی إلی المهدي، فأعطاه بدل کل درهم دینارًا .
أخبرنا سلامة بن الحُسين المقرىء، قال: أخبرنا علي بن عُمر الحافظ،
قال: حدثنا الحُسين بن إسماعيل، قال: حدثنا عبدالله بن أبي سعد، قال:
حدثنا هارون بن ميمون الخُزاعي، قال: حدثنا أبو خُزَيمةٍ(١) الباذغيسي،
قال: قال المهدي أمير المؤمنين: ما توسَّل إليَّ أحدٌ بوسيلة، ولا تذرَّع
بذريعة، هي أقرب إلى ما يحب من تَذْكيري يدًا سَلَفت مني إليه أُتبعها أختها،
وأُحْسِنُ رَبَّها، لأنَّ منع الأواخر يقطع شكرَ الأوائل.
أخبرني محمد بن عبدالواحد بن محمد الأكبر، قال: أخبرنا محمد بن
العباس، قال: أخبرنا محمد بن خلف بن المَرْزُبان، قال: أخبرني محمد بن
الفضل، قال: أخبرني بعضُ أهل الأدب عن حُسن الوصيف، قال: قعد
المهدي قعودًا عامًا للناس، فدخلَ رجلٌ وفي يده نَعْل في منديل، فقال: يا أمير
(١) في م: ((حزية)) محرف، وما هنا يعضده ما نقله ابن الجوزي في المصباح المضيىء
٤١٧/١.
٣٨٦٠

-
المؤمنين، هذه فعلُ رسول اللهِ وَّهِ، قد أهديتها لك. فقال: هاتها، فدفعها
إليه، فقبل باطنها ووضعها على عينيه، وأمر للرجل بعشرة آلاف درهم. فلما
أخذها وانصرف، قال لجلسائه: أترون أني لم أعلم أنَّ رسولَ اللهِوَالْ لم
يَرَها(١) فضلاً عن أن يكون لبسها؟ ولو كَذَّبناه، قال للناس: أتيتُ أمير
المؤمنين بنعل رسول اللهَ﴿ فردها عليَّ، وكان مَن يُصَدِّقه أكثر ممن يدفع
خبرَهُ، إذ كان من شأن العامة المَيْل إلى أشكالها، والنُّصرة للضعيف على
القوي وإن كان ظالمًا، فاشترينا لسانَهُ، وقبلنا هديتَهُ، وصدَّقنا قولَه، ورأينا
الذي فعلناه أنجحَ وأرجحَ .
أخبرنا أبو الحسن الطَّاهري، قال: أخبرنا علي بن عبدالله بن المغيرة،
قال: حدثنا أحمد بن سعيد، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني
المدائني، قال: دخل على المهدي رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إنَّ المنصور
شَتَمني وقذف أبي، فإما أمرتني أن أحلله وإما عوضتني فاستغفرت له. قال:
ولمَ شتمك؟ قال: شتمتُ عدوه بحضرته فغضب. قال: ومَن عدوه الذي
غَضِب لشتمه؟ قال: إبراهيم بن عبدالله بن حسن. قال: إن إبراهيم أمس به
رَحِمًا وأوجب عليه حَقًّا؛ فإن كان شتمك كما زعمت فعن رحمه ذب، وعن
عِرْضه دفع، وما أساء من انتصر لابن عمه. قال: إنه كان عدوًا له. قال: فلم
ينتصر للعداوة إنما انتصر للرَّحم. فأسكتَ الرجل، فلما ذهب ليولي، قال:
لعلك أردتَ أمرًا فلم تجد له ذريعةً عندك أبلغ من هذه الدعوى؟ قال: نعم.
فتبسم ثم أمرَ له بخمسة آلاف درهم.
أخبرنا عُبيد الله بن أبي الفتح الفارسي، قال: حدثنا محمد بن العباس
الخَزَّاز، قال: حدثنا محمد بن خلف بن المَرْزُبان، قال: حدثني أبو الحسن
عبدالله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن زياد، قال: دخل مروان بن أبي
(١) في م: «لم ير النعل هذه))، وهي من إضافات الناشر، وما أثبتناه هو الصواب الذي
يدل عليه ما نقله ابن الجوزي في المصباح المضيء ٤١٩/١.
٣٨٧

حفصة على المهدي وعنده جماعة، فأنشده [من الطويل]:
صَحًا بعد جَهْل واستراخت عوادله
قال: فقال لي: ويلك كم هي بيتًا؟ قلت: يا أمير المؤمنين سبعون بيتًا.
قال: فإن لك عندي سبعين ألفًا. قال: فقلتُ في نفسي: بالتَّسيئة، إنا لله وإنا
إليه راجعون. ثم قلت: يا أميرَ المؤمنين، اسمع مني أبياتًا حضرت، فما في
الأرض أنبل من كفيلي قال: هات. فاندفعت فأنشدته [من الطويل]:
كفاكم بعباس أبي الفضل وَالدًا فما من أبٍ إلاّ أبو الفضل فاضلة
كأنَّ أميرَ المؤمنين محمدًا أبا جعفر (١) في كل أمر يحاولة
إليكَ قصرنا النّصف من صَلَواتنا مسيرةَ شَهْر بعد شهر تواصله
فلا نحن نخشى أن يخيب مسيرنا إليك، ولكنَّ أهنأً الخير عاجلة
قال: فتبسم، وقال: عجلوها له، فحُمِلت إليَّ من وقتها.
أخبرنا أبو الفرج أحمد بن عمر بن عثمان الغَضَاري، قال: أخبرنا جعفر
ابن محمد بن نُصير الخُّلْدي(٢)، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن
مسروق الطُّوسي، قال : حدثني عبدالله بن هارون بن موسى الفَرْوي، قال: حدثنا
عبدالملك بن عبدالعزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن أبيه، قال: دخل أبي
وأصحابهُ على المهدي بالمدينة، فدخل عليه المُغيرة بنُ عبدالرحمن المخزومي
وأبو السائب والعثماني وابن أخت الأحوص، فقال لهم: أنشدوني، فأنشده
عبدالعزيز الماجِشُون [من الطويل]:
وللناس بدرٌ في السماء يرونه وأنتّ لنا بدرٌ على الأرضُ مُقْمِرُ
فبالله يابدرَ السَّماء وضوءَهُ تراكَ تُكافي عشر مالك أضمر؟
وما البدرُ إلا دون وجهك في الدُّجَى يغيبُ فتبدو حينَ غابَ فَتُقْمِر
(١) في م: ((أبو جعفر)) خطأ ..
(٢) في م: ((الخالدي)) مخرف.
٣٨٨.

وما نَظَرت عيني إلى البدر طالعًا وأنتُ تَمَشَّى في الثِّياب فتسحرٌ
وأنشده ابنُ أخت الأحوص [من البسيط]:
قالت كُلابةٍ: من هذا؟ فقلت لها: هذا الذي أنتِ من أعدائه زَعَمُوا
إني امرؤ لجَّ بي حُب فأخْرَضني حتى بليتُ وحتى شَفَّنِي السَّقَم
وأنشدهُ المغيرةُ بنُ عبد الرحمن [من الطويل]:
رَمَى البينُ من قلبي السوادَ فأوجعا وصاحَ فصيحٌ بالرَّحيل فأسمعا
وغَرَّدَ حادي البَيْنِ وانشقت العَصَا وأصبحتُ مسلوبَ الفُؤاد مُفجعا
كَفا حُزْنا من حادث الدهر أنني أرَى البينَ لا أستطيعُ للبينِ مَذْفعا
وقد كنتُ قبلَ البين بالبين جاهلاً فيالك بَيْنٌ، ما أمَرَّ وأفظعا
وأنشده أبو السائب [من الطويل]:
أصِيخا لداعي حُب ليلى فَيَمِّما صدورَ المطايا نحوها فتسمعا
خليلي، إنَّ ليلى أقامت فإنني مقيمٌ وإن بانَت فَبِينًا بنا معا
وإن أثبتت ليلى بربع غدوها فعِيدا لنا بالله أن نَتَزعزعا
قال: والله لأغنينكم فأجاز أربعة بعشرة آلاف دينار عشرة آلاف دينار.
أخبرني الحسن بن محمد بن الحسن الخَلَّل، قال: أخبرنا أحمد بن
محمد بن عِمْران، قال: حدثنا محمد بن القاسم الأنباري، قال: حدثنا الحسن
ابن علي العَنَزي، قال: حدثنا العباس بن عبدالله بن جعفر بن سُليمان بن علي
ابن عبدالله بن العباس، قال: حدثتني جدتي فائقة بنت عبدالله أم عبد الواحد بن
جعفر بن سُليمان، قالت: إنا يومًا عند المهدي أمير المؤمنين وكان قد خرج
متنزها إلى الأنبار، إذ دخل عليه الرَّبيع ومعه قطعة من جرابٍ فيه كتابة برمادٍ
وخاتم(١) من طين قد عُجن بالرَّماد، وهو مطبوع بخاتم الخلافة، فقال: يا أمير
(١) في ل": ((فيه كتاب وخاتم))، وما هنا أحسن.
٣٨٩

المؤمنين، ما رأيتُ أعجبَ من هذه الرُّقعة، جاءني بها رجل أعرابي وهو
ينادي: هذا كتاب أمير المؤمنين المهدي دلوني على هذا الرجل الذي يُسمَّى
· الربيع، فقد أمرني أن أدفعها إليه، وهذه الرقعة. فأخذها المهدي وضحك،
وقال: صدق، هذا خطي وهذا خاتمي أفلا أخبركم بالقِصّة كيف كانت؟ قلنا:
أمير المؤمنين أعلِ أعيننا (١). في ذلك. قال: خرجتُ أمس إلى الصيد فيّ
عَب(٢) سماء، فلما أصَخَّت هاجَ علینا ضبابٌ شديد وفقدتُ أصحابي حتى ما
رأيتُ منهم أحدًا وأصابني من البرد والجُوعِ والعَطَش ما الله به أعلم، وتحيّرتُ
عند ذلك، فذكرت دعاءً سمعتُه من أبي یحکیه، عن أبيه، عن جده، عن ابن
عباس رفعه قال: ((من قال إذا أصبح وإذا أمسى بسم الله وبالله ولا حول ولا
قوة إلا بالله، اعتصمتُ بالله وتوكلت على الله، حسبي الله لا حول ولا قوة إلا
بالله العلي العظيم؛ وُقي وكُفي وشُفي من الحرق والغَرق والهَدْم وميتة
السوء)»(٣) فلما قلتُها رُفع لي ضوء نار، فقصدتُها، فإذا بهذا الأعرابي في خيمة
له، وإذا هو يُوقد نارًا بين يديه، فقلت: أيها الأعرابي، هل من ضيافة؟ قال:
انزل. فنزلتُ. فقال لزوجته: هاتي ذاكَ الشعير، فأتت به، فقال: اطحنيه،
فابتدأت تطحنه، فقلت له: اسقني ماء، فأتاني بسقاء فيه مذقة من لَبَن أكثرها
ماء، فشربتُ منها شربةً ما شربت شيئًا قط إلا هي أطيب منه. قال: وأعطاني
حِلْسًا، فوضعتُ رأسي عليه فنمتُ نومةً ما نمتُ نومة أطيب منها وألذ، ثم
. انتبهت فإذا هو قد وثب إلى شويهةٍ فذبحها، وإذا امرأته تقول له: ويحك قتلت
نفسكَ وصبيتك، إنما كان معاشكم من هذه الشاة فذبحتها فيأي شيء نعيش؟
قال: فقلت: لا عليكِ هاتِ الشَّاة، فشققتُ جوفَها واستخرجتُ كبدها بسکین
كانت في خُفي، فشرحتها ثم طرحتُها على النار فأكلتُها، ثم قلت: هل عندك
:
(١) في م: ((أعلي عينا))، ولا معنى لها، وما هنا من ل٢.
. (٢) في م: ((غب)) ولا معنى لها، والمراد: سماء ممطرة مطرًا شديدًا.
(٣) هذا حديث لا أصل له في حديث رسول الله وَل.
٣٩٠

شيء أكتب لكَ فيه؟ فجاءني بهذه القطعة الجراب، فأخذتُ عودًا من الزناد
الذي كان بين يديه فكتبت له هذا الكتاب، وختمته بهذا الخاتم، وأمرته أن
يجيءَ ويسأل عن(١) الربيع فيدفعها إليه، فإذا في الرقعة خمس مئة ألف
درهم. فقال: والله ما أردتُ إلا خمسين ألف درهم، ولكن جرت بخمس مئة
ألف درهم لا أُنقِص والله منها دِرْهمًا واحدًا ولو لم يكن في بيت المال غيرها،
احملوها معه. فما كان إلا قليلاً حتى كثرت إبله وشاؤه وصارَ منزلاً من
المنازل ينزله الناس ممن أراد الحج من الأنبار إلى مكة، وسُمِّ منزل مُضَيِّف
أمير المؤمنين المهدي.
أخبرني أبو القاسم الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم، قال:
حدثنا إبراهيم بن محمد بن عَرَفة، قال: وخرجَ المهدي يومًا إلى الصَّيد فانقطع
عن خاصته، فدفعَ فرسه (٢) إلى أعرابي، وهو يريد البول، فقال: يا أعرابي،
احفظ عليَّ فرسي حتى أبول، فسعى نحوه وأخذَ بركابه، فنزل المهدي ودفع
الفرس إليه، فأقبل الأعرابي على الشَّرْج يقلع حليته، وفطن المهدي وقد أخذَ
حاجته، فقدم إليه فرسه وجاءت الخيل نحوه وأحاطت به، ونذِرَ بها الأعرابي
فولى هاربًا، فأمر برده فقال، وخاف أن يكون قد غُمز به (٣) : خذوا ما أخذنا
منكم ودعونا نذهب إلى حَرْق اللهِ وناره! فقال المهدي، وصاح به: تعالَ لا
بأس عليك. فقال: ما تشاء، جعلني الله فداءَ فرسك. فضحك مَن حضره
وقالوا: ويلك، هل رأيت إنسانًا قط قال هذا؟ قال: فما أقول؟ قالوا: قل
جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين. قال: أو هذا أمير المؤمنين؟! قالوا: نعم!
قال: والله لَئِن أرضاه هذا مني ما يرضيني ذاك فيه، ولكن جعل الله جبريل
(١) في م: ((على)) خطأ، وما أثبتناه من ل ٢.
(٢) سقطت من م.
(٣) بعد هذا في م: ((فقال)).
٣٩١

وميكائيل فداءه وجعلني فداءهما. فضحك المهدي واستطابه، وأمر له بعشرة
آلاف درهم، فأخذها وانصرف.
قال ابنُ عرفة: وبلغني أنَّ المهدي لما فرغ من بناء عيسى باذ ركب في
جماعة يسير لينظر، فدخله مفاجأة وأخرج من كان هناك من الناس، وبقي
رجلان خفيًا عن أبصار الأعوان، فرأى المهدي أحدهما، وهو دهِشٌ ما يعقل،
فقال: من أنت؟ قال: أنا، أنا، أنا. قال: ويلك من أنت؟ قال: لا أدري.
قال: ألك حاجة؟ قال: لا، لا. قال: أخرجوه أخرج الله نَفْسَه. فدُفع في قفاه
فلما خرج قال لغلام له: اتبعه من حيث لا يعلم، فاسأل عن أمره ومهنته فإني
أخاله حائكًا. فخرج الغُلام يقفوه. ثم رأى الآخر فاستنطقه، فأجابه بقلب
جريء ولسان منبسط، فقال: من أنت؟ فقال: رجل من أبناء رجال دعوتك.
قال: فما جاء بك إلى هاهنا؟ قال: جئت لأنظر إلى هذا البناء الحَسن فأتمتع
بالنَّظر، وأُكثر الدعاءَ لأمير المؤمنين بطول المُدةِ وتَمَام النِّعمة، ونَمَاء العز
والسلامة. قال: أفلك حاجة؟ قال: نعم، خطبت ابنةً عمي فردني أبوها،
وقال: لا مال لك. والناس يرغبون في الأموال، وأنا بها مشغوف، ولها
وامق. قال: قد أمرتُ لك بخمسين ألف درهم. قال: جعلني الله فداءك يا أمير
المؤمنين قد وصلتَ فأجزلت الصِّلة، ومَنَنْتَ فأعظمت الِمِنَّة، فجعلَ اللهُ باقي
عمرك أكثر من ماضيه، وآخر أيامك خيرًا من أولها، وأمتعكَ بما أنعمَ به،
وأمتع رعيتك بكَ فأمر أن تُعجّل له صلته، ووجَّه ببعض خاصته معه وقال:
سل عن مهنته فإني أخالهُ كاتبًا. فرجع الرسولان معًا، فقال الأول: وجدت
الأول حائكًا، وقال الآخر: وجدت الرجل كاتبًا. فقال المهدي: لم تَخْفُ
عليّ مخاطبة الكاتب والجائك.
أخبرنا محمد بن علي بن مَخْلَد الورّاق، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن
عِمْران، قال: حدثنا محمد بن يحيى الصُّولي، قال: قال عمرو بن أبي عمرو
الأعجمي: اعترضت امرأةٌ المهديَّ، فقالت: يا عَصَبة رسول الله وَّر، انظر في
٣٩٢

حاجتي. فقال المهدي: ما سمعتها من أحدٍ قَبْلَها، ثم قال: اقضوا حاجتها
واعطوها عشرة آلاف درهم.
أخبرنا علي بن أحمد الرَّزَّاز، قال: أخبرنا أحمد بن قانع بن مَرْزوق
القاضي، قال: حدثنا أبو شعيب الحراني، قال: حدثنا أبو زيد، قال: سمعت
الضَّحاك، قال قَدِمَ المهدي علينا البصرةَ فخرج يصلي العصرَ، فقام إليه
أعرابي، فقال: يا أمير المؤمنين، مر المؤذن لا يقيم حتى أتوضأً! فضحكَ
المهدي، وقال للمؤذن: لا تقم حتى يتوضأ الأعرابي.
أخبرني القاضي أبو العلاء محمد بن علي الواسطي، قال: أخبرنا سَهْل
ابن أحمد الدِّيباجي، قال: حدثنا أبو خليفة، قال: حدثنا رُفَيع بن سلمة عن
أبي عُبيدة، قال: كان المهدي يُصلِّي بنا الصَّلَوات في المسجد الجامع بالبصرة
لما قَدِمها، فأقيمت الصلاةُ يومًا، فقال أعرابي: يا أميرَ المؤمنين، لستُ على
طُهْرٍ، وقد رغبتُ إلى الله في الصلاة خلفك فمر هؤلاء أن ينتظروني. فقال:
انتظروه رحمكم الله، ودخل إلى المحراب ووقف إلى أن قيل له: قد جاء
الرجل فكَبَّر. فعَجب الناس من سماحة أخلاقه(١) .
أخبرنا القاضي أبو الحسن علي بن عبدالله بن إبراهيم الهاشمي، قال:
حدثنا محمد بن عمرو بن البَخْتَري الرزاز. وأخبرنا علي بن محمد بن عبدالله
المُعَدَّل، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق؛ قالا: حدثنا محمد بن أحمد
ابن البَرَّاء، قال: حدثني عُبيدالله بن فَرْقد مولى المهدي، قال: هاجت ريحٌ
زمن المهدي، فدخل المهدي بيتًا في جوف بيت، فألْزَق خده بالُّراب، ثم
قال: اللهم إني بريء من هذه الجناية كِلْ هذا الخلقَ غيري، فإن كنتُ
المطلوب من بين خلقك فها أنذا بين يديك اللهم لا تشمُّت بي أهلَ الأديان.
(١) المصباح المضيء ٤٢٠/١.
٣٩٣

فلم يزل كذلك حتى انجلَتِ الريحُ. واللفظ لحديث الرَّزاز(١).
أخبرنا علي بن أحمد بن عُمر المقرىء، قال: أخبرنا علي بن أحمد بن
أبي قيس، قال: حدثنا عبدالله بن محمد بن أبي الدُّنيا، قال: حدثنا عباس
يعني ابن هشام، عن أبيه، قال: توفِّي المهدي بقرية يقال لها: الرذ (٢)، ليلة
الخميس لثمانٍ بقينَ من المحرم سنة تسع وستين.
أخبرنا محمد بن أحمد بن رِزْق، قال: حدثنا عثمان بن أحمد، قال:
حدثنا أبو الحسن(٣) ابن البَرَّاء، قال: ومات المهدي بالرذ من ماسبذان لثمان
بقين من المحرم سنة تسع وستين ومئة، وكان نقش خاتمه العزة لله، وكان
عمره ثلاثًا وأربعين سنة، وخلافته عشر سنين وشهر وخمسة أيام.
أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا محمد بن عبدالله بن إبراهيم
قال: قال أبو بكر السَّدوسي: توفي المهدي بماسبذان، وصلَّى عليه الرشيد،،
وتوفي وله ثلاث وأربعون سنة . ..
أخبرنا علي بن أحمد المقرىء، قال: أخبرنا علي بن أحمد بن أبي.
قيس، قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي الدنيا، قال: حدثني العِجْلي، عن عمرو بن
محمد، عن أبي مَعْشَر، قال: توفي المهدي وهو ابن ثلاث وأربعين سنة .
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن صالح، قال: حدثني عبد الله بن
محمد الظَّفَري(٤) ، قال: توفي المهدي وهو ابن خمس وأربعين سنة.
٩٣٨- محمد بن عبدالله بن رَزِين، أبو الشِّيص الشاعر، يُكْنَى أبا
جعفر، وأبو الشيص لقبُ، وهو ابن عم دِعْبل بن علي الخُزاعي، وقيل:
(١) نفسه ٤٢١/١.
(٢) قرية قرب البندنيجيين (مندلي الحالية)، وتسمى اليوم: ((بلدروز)).
(٣) في م: ((الحسین)) محرف.
(٤) في م: «المظفري)) خطأ، وهو منسوب إلى الظفرية محلة مشهورة ببغداد.
٣٩٤

هو محمد بن رَزِين، وكان عم دعبل، والأول أصح.
كان أحد شعراء الرَّشيد، وله فيه مدائح كثيرة. ولما مات الرشيد رثاه
ومَدح الأمين. ومما يُسْتَحسن من شعره قصيدته الضادية التي أولها [من
الكامل] :
أبقَى الزَّمانُ به ندوب عضاض ورَمَى سوادَ قُرونه ببياضٍ
وهي قصيدة مشهورة سائرة.
قرأتُ على الحسن بن علي الجَوْهري عن أبي عُبيد الله المَرْزُباني، قال:
رُوِيّ عن عبدالله بن المعتز، عن أبي خلف العامري، من بني عامر بن
صعصعة، قال: من قال: إنه كان في الدنيا أشعر من أبي الشِّيص فكَذِّبه، والله
للشعرُ على لسانه كان أسهل من شُرب الماء على العِطاش، ولقد كان يفضل
على شُعراء زمانه يُقرُّون له بذلك لا يستنكفون، وكان من أعذبِ الناس
ألفاظًا، وأجودِهم كلامًا، وأحكمهم رَصْفًا، وكان وَصَّافًا للشرابِ، مَدَاحًا
للملوك. ودِعْبل بن علي ابنُ عمه، ويقال: إنه منه استقَى وحَفِظَ أشعاره كلَّها،
فاحتذی علیھا .
وقال المرزباني: حدثني علي بن هارون، قال: أخبرني أبي، قال: مِن
بارعٍ شعر أبي الشيص قوله يمدح الرشيد عند ورود الخبر بهزيمة نَقْفور وفتح
بلد الروم من قصيدة [من الطويل]:
شَدَدتَ أمير المؤمنين قوى الملك صدعتَ بفتح الرُّوم أفئدةَ الثُّرك
قريت سيوفُ الله هام عدوه وطأطأت للإسلام ناصيةُ الشرك
فأصبحتَ مسرورًا ولا يغي ضاحكًا وأصبح نقفور على ملكه يبكي
أخبرنا علي بن أبي علي المُعَدَّل، قال: حدثنا محمد بن عبدالرحيم
الأزْدي الكاتب، قال: حدثنا الحُسين بن القاسم الكوكبي، قال: أنشدني أحمد
ابن صدقة لأبي الشُّيص [من البسيط]:
٣٩٥

جاء الرسول ببشرى منكَ تطمعني فكان أكبر وَهْمي أنه وَهما
فما فرحبتُ ولكن زادني حُزنًا عِلْمي بأنَّ رسولي لم يكنِ فَهِمَّا
كم من سريرة حب قد خلوت بها ودمعة تملأ القِرْطاس والقَلَّما(١).
٩٣٩- محمد بن عبدالله بن الزبير بن عُمر بن دِرْهم، أبو أحمد
الكُوفِيُّ الزُّبيرُّ، مولى بني أسد(٢) .
سمِعَ مِسْعَر بن كِدام، ومالك بن مِغْول، وسُفيان الثوري، ومالك بن
أنس، وإسرائيل بن يونس، وبشير بن سَلْمان.
روى عنه أحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعُبيدالله بن عُمر
القواربري، وأبو خَيْئمة زُهير بن حرب، والفَضْل بن سهل الأعرج، وأحمد بن
الوليد الفَخَّام، وغیرُهم.
قدم أبو أحمد بغداد وحدَّث بها، وذكر ابن الجِعابي أنَّ له أخّا يسمى
حَسَنًا من وجوه الشيعة يروي عنه.
أنبأنا أحمد بن علي اليَزْدي، قال: أخبرنا أبو أحمد الحافظ، قال: أبو
أحمد محمد بن عبدالله بن الزُّبير الأسدي مولىّ لبني أسد، وليس من وَلَد الزبير:
ابن العوام، کوفي قدم بغداد.
أخبرنا محمد بن عبدالواحد الأكبر، قال: أخبرنا محمد بن العباس
الخَزَّاز، قال: حدثنا أحمد بن سعيد بن مرابا الشُّوسي، قال: حدثنا عباس بن
محمد، قال(٣): سمعتُ يحيى بن معين يقول: الزُّبيري كان يبيع القبّ
(١) جمع ديوانه صديقنا الأستاذ الدكتور أبو الربيع عبدالله الجبوري، وطبع ببغداد سنة
١٩٦٧ :
:
(٢) اقتبس السمعاني هذه الترجمة في (الزبيري)) من الأنساب، والمزي في تهذيب الكمال:
٤٧٦/٢٥ - ٤٨٠، والذهبي في كتبه ومنها السير ٩/ ٥٢٩.
(٣) تاريخه: ٢ / ٥٢٣.
٣٩٦

بزبالة(١) وإنما سَمَّاه أهل بغداد الزُّبيري، وهو محمد بن عبدالله بن الزبير
وليس هو من الزُّبیریین.
قلت: وكل ما أذكره عن يحيى بن مَعِين بهذا الإسناد فهو عن محمد بن
عبدالواحد الأكبر المُكَنَّى أبا عبدالله، ولم يكن سماع أخيه محمد المُكَنَّى أبا
الحسن .
أخبرنا أبو عبدالله أحمد بن محمد بن عبدالله الكاتب، قال: أخبرنا إبراهيم
ابن محمد بن يحيى المُزَكِّي، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن عبدالرحمن
الدَّغُولي السَّرخسي، قال: حدثنا عبدالله بن جعفر بن خاقان المَرْوَزي السُّلمي،
قال: سمعت نصر بن علي يقول: سمعت أبا أحمد الزُّبيري يقول: لا أبالي إن
سُرِقَ مني كتاب سفيان، إني أحفظه كله(٢).
أخبرنا علي بن أبي علي البَصْري، قال: قرأنا على الحُسين بن هارون،
عن أبي العباس بن سعيد، قال: حدثني عبدالله بن إبراهيم بن قتيبة، قال:
سمعتُ ابنَ نُمير يقول: أبو أحمد الزُّبيري صدوق، وهو في الطبقة الثالثة من
أصحاب الثوري، ما علمتُ إلا خيرًا، مشهور بالطَّلَب، ثقةٌ صحيحُ الكتاب،
وكان صديقَ أبي نُعيم، وسماعهما قريب، أبو نعيم أسن منه وأقدم سماعًا(٣).
أخبرني علي بن الحسن بن محمد الدَّقاق، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم
ابن الحسن، قال: أخبرنا عُمر بن محمد بن شُعيب الصَّابوني، قال: حدثنا
حنبل بن إسحاق، قال: قال أبو عبدالله، يعني أحمد بن حنبل: أبو أحمد
الزُّبيري كان كثيرَ الخطأ في حديث سُفيان(٤) .
(١) بلد بطريق مكة .
(٢) تهذيب الكمال ٤٧٨/٢٥.
(٣) تهذيب الكمال ٤٧٩/٢٥.
(٤) نفسه .
٣٩٧

أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد الأُشناني، قال: سمعت أحمد بن محمد
ابن عبدوس الطّرائفي يقول: سمعتُ عثمان بن سعيد الدارمي يقول(١): قلت
ليحيى بن معين: فالزبيري، أعني أبا أحمد؟ قال: ليس به بأس .
أخبرنا حمزة بن محمد بن طاهر الدَّقاق، قال: حدثنا الوليد بن بكر
الأندلسي، قال: حدثنا علي بن أحمد بن زكريا الهاشمي، قال: حدثنا أبو
مسلم صالح بن أحمد بن عبدالله العِجْلي، قال: حدثني أبي، قال(٢) :: محمد
ابن عبدالله بن الزُّبير الأسَدي يُكْنَى أبا أحمد كوفي ثقة وکان یتشیع.
أخبرنا علي بن طلحة المقرىء، قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم
الطَّرَسوسي، قال: أخبرنا محمد بن محمد بن داود الكَرَجي، قال: حدثنا
عبدالرحمن بن يوسف بن خِراش، قال: محمد بن عبدالله الأسدي أبو أحمد
الزُّبيري صدوق(٣) .
حدثنا محمد بن علي الصُّوري، قال: أخبرنا الخَصِيب بن عبد الله
القاضي، قال: أخبرنا عبدالكريم بن أبي عبدالرحمن النَّسائي، قال: أخبرني
أبي، قال: أبو أحمد محمد بن عبدالله بن الزُّبير الأسدي كوفي ليس به
بأس (٤) .
أخبرني الحُسين بن علي الصَّيْمري، قال: أخبرنا علي بن الحسن
الرازي، قال: حدثنا محمد بن الحُسين الزَّعفراني، قال: حدثنا أحمد بن
زهير، قال: حدثنا محمد بن يزيد، قال: كان محمد بن عبدالله الأسدي يصومُ
الدَّهر، وكان إذا تسحر برغيف لم يُصَدَّع، فإذا تسحر بنصف رغيف صُدع من
(١) تاريخه، الترجمة ٩٥
(٢) ثقاته (١٦١١).
(٣) تهذيب الكمال ٢٥ /٤٨٠.
(٤) نفسه .
٣٩٨

نصفِ النهار إلى آخره، فإن لم يتسحر صدع يومه أجمع(١).
أخبرنا محمد بن أحمد بن رِزْق، قال: أخبرنا إسماعيل بن علي الخُطَبي
وأبو علي ابن الصَّوّاف وأحمد بن جعفر بن حَمْدان؛ قالوا: أخبرنا عبدالله بن
أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: مات أبو أحمد سنة ثلاث ومئتين.
أخبرنا محمد بن الحُسين القطان، قال: أخبرنا جعفر بن محمد
الخُلْدي(٢)، قال: حدثنا محمد بن عبدالله الحَضْرَمي، قال: سنة ثلاث ومثتين
فيها مات أبو أحمد محمد بن عبدالله بن الزُّبير الزُّبيري الأسَدي في جُمادى
الأولى بالأهواز(٣).
٩٤٠- محمد بن عبدالله بن عبدالأعلى بن عبدالله بن خليفة بن
زُهَيْر بن نَضْلة بن معاوية بن مازن(٤) بن كعب بن ذؤيبة بن أسامة بن نَصر
ابن قُعَیْن بن الحارث بن ثعلبة بن دُودان، ويُعرف بابن كناسة، أبو يحيى
الكُوفِيُّ الأسَدِيُّ (٥) .
ويقال: إنَّ كُناسة لقب أبيه عبدالله، وقيل: لقب جده عبدالأعلى، وهو
ابن أخت إبراهيم بن أدهم الزَّاهد.
وكان عالمًا بالعربية، وأيام الناس، والشعر. وردَ بغدادَ، وحدَّث بها عن
هشام بن عروة، وإسماعيل بن أبي خالد، وسُلَيْمان الأعمش، وجعفر بن
برقان .
(١) نفسه .
(٢) في م: ((الخالدي»، محرف.
(٣) تهذيب الكمال ٤٨٠/٢٥.
(٤) في م: ((ماذن)) بالذال المعجمة، محرف.
(٥) اقتبس السمعاني هذه الترجمة في ((الكناسي)) من الأنساب، والمزي في تهذيب
الكمال ٤٩٢/٢٥ - ٤٩٧، والذهبي في كتبه ومنها السير ٥٠٨/٩ .
٣٩٩

روى عنه أحمد بن حنبل، وأبو خَيْثَمة النَّسائي، ومحمد بن إسحاق
الصَّاغاني، ومحمد بن سَعْد العَوْفي، وعبدالله بن الحسن الهاشمي، وأحمد بن
منصور الرَّمادي، وأحمد بن سعيد الجمال، والحارث بن أبي أسامة،
وغيرُهم.
أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا أحمد بن كامل القاضي، قال:
حدثنا محمد بن سَعْد العَوْفي وأحمد بن سعيد الجَمّال؛ قالا: أخبرنا محمد
ابن كُناسة، قال: حدثنا هشام بن عُروة، عن عثمان بن عُروة، عن أبيه، عن
الزبير، قال: قال رسول اللهِ مَّ﴾: ((غَيِّروا الشيب ولا تَشَبَّهوا باليهود))(١)،
واللفظ لمحمد بن سَعْد، وسياقه له.
أخبرنا محمد بن عبدالواحد، قال: أخبرنا محمد بن العباس، قال:
حدثنا أحمد بن سعيد السُّوسي، قال: حدثنا عباس بن محمد، قال (٢):
سمعت يحيى بن مَعِين يقول: حديث ابن كناسة حديث «غَيِّروا الشيب)» إنما هو
عن عروة مرسل . :
أخبرنا أحمد بن محمد بن غالب، قال(٣): سُئِل أبو الحسن الدارقطني
عن حديث عروة بن الزبير، عن الزُّبير، عن النبيِّهِ، قال: ((غيروا الشيب ولا.
تشبهوا باليهود» فقال: هو حديث يرويه محمد بن كُناسة عن هشام بن عروة،
عن أخيه عثمان بن عروة، عن أبيه، عن الزبير، ولم يتابع عليه. وروي عن
(١) أخرجه من طريق محمد بن كناسة: ابن سعد ٤٣٩/١، وأحمد ١٦٥/١، والنسائي
١٣٧/٨، وفي الكبرى (٩٣٤٥)، وأبو يعلى (٦٨١)، والشاشي (٤٥)، وأبو نعيم في
الحلية ٢/ ١٨٠، والمزي في تهذيب الكمال ٤٩٦/٢٥، وانظر المسند الجامع
٤٦٠/٥ حديث (٣٧٦٢)، وإسناده ضعيف، لأنه معلول، إذ لا يصح موصولاً كما
سيأتي بيانه.
(٢) تاريخه ٢ /٥٢٣.
(٣) العلل ٢٣٤/٤ س ٥٣١.
٤٠٠