النص المفهرس

صفحات 421-440

وأدخل رُسل صاحب الرُّوم من دهليز باب العامة الأعظم إلى الدَّار
المعروفة بخان الخَيْل، وهي دارٌ أكثرها أروِقة بأساطين رُخام، وكان فيها من
الجانب الأيمن خمس مئة فرس عليها خمس مئة مركب ذهبا وفضة بغير
أغشية، ومن الجانب الأيسر خمس مئة فرس عليها الجِلال الدِّيباج بالبَراقع
الطُّوال، وكل فرس في يدي شاكري بالبزَّة الجميلة .
ثم أدخلوا من هذه الدار إلى الممرَّات والدَّهاليز المُتَّصلة بحير الوَحْش،
وكان في هذه الدار من أصناف الوَحش التي أخرجت إليها من الحِير قُطْعان
تَقْرُب من الناس وتَتَشمَّمهم وتأكل من أيديهم.
ثم أُخرجوا إلى دار فيها أربعة فيلة مزيَّنة بالدِّيباج والوشي، على كلُّ فيلٍ
ثمانية نَفَر من السُّند والزَّرَّاقين بالنار، فهالّ الرسل أمرُها .
ثم أُخرجوا إلى دار فيها منة سَبُع خمسون يمنةً وخمسون يسرةً، كُلُّ سَبُع
منها في يد سَبَّاع وفي رؤوسها وأعناقها السَّلاسل والحديد.
ثم أخرجوا إلى الجَوْسَقِ المُحْدَث، وهي دَارٌ بين بُستانين(١) في وَسَطها
بركة رَصاص قَلْعَيّ، حواليها نهر رصاص قَلْعي أحسن من الفِضَّة المجلوَّة،
طُول البركة ثلاثون ذراعًا في عشرين ذراعًا، فيها أربع طيّارات لِطاف بمجالس
مُذْهَبة مُزَيَنة بالذَّبِيقي(٢) المُطَرَّز وأغشيتها دَبِيقي(٣) مُذْهَب. وحوالي هذه البركة
بُستان بميادين فيه نخلٌ قيل(٤): إن(٥) عدده أربع مئة نخلة، وطولٍ كلُّ واحدةٍ
خمسة أذرع، قد لُبْس جميعها ساجًا منقوشًا من أصلها وإلى (٦) حد الجمَّارةِ
(١) في م: ((بساتين))، محرفة .
(٢) في م: ((بالديبقي)»، مصحفة.
(٣) في م: ((ديبقي"، مصحفة.
(٤) سقطت من م، وهي ثابتة في النسخ.
(٥) في م: ((وأن))، وما هنا من النسخ.
(٦) سقطت الواو من م.
٤٢١

بِحَلَق من شَبَه (١) مُذْهَبةٍ، وجميعُ النَّخْل حاملٌ بغرائبِ البُسْرِ الذي أكثره خلال
لم يتغيّر(٢) . وفي جوانب البُستان أترج حامِلٌ ودَسْتَنْبَوَا(٣) ومُقَفَّع وغير ذلك.
ثم أخرجوا من هذه الدَّار إلى دارِ الشَّجرة، وفيها شجرةٌ في وسط بركةٍ
كبيرة، مدوَّرة فيها ماءٌ صافٍ، وللشجرة ثمانية عشرَ غُصْنَا لكلِّ غُصْنٍ منها
شاخات كثيرة عليها الطُّيور والعصافير من كُلِّ نوعِ مُذْهَبةٍ ومُفَضَّضة، وأكثر
قِضْبان(٤) الشَّجرةِ فِضّةٍ، وبعضها مُذْهَب. وهي تَتَمايل في أوقات، ولها ورقٌ
مختلفُ الألوان يتحرّك كما تُحرِّك الرِّيح ورَقَ الشَّجَر، وكل من هذه الطَّيور
يَصْفِرِ ويَهْدِرُ. وفي جانب الدار يمنة البركة تماثيل خمسة عشر فارسًا على
خمسة عشر فرسًا قد ألبسوا الدِّيباج وغيرَهُ، وفي أيديهم مطاردُ على رِماحِ
يدورونَ على خَطُّ واحدٍ في النَّاورد (٥) خَبَبًا وتقريبًا، فَيُظَنُّ أَنَّ كُلَّ واحد منهم
إلى صاحبه قاصد(٦) . وفي الجانب الأيسرِ مثلُ ذلك.
ثم أُدخلوا إلى القَصرِ المعروف بالفِرْدوس، فكان فيه من الفَرش
والآلات مالا يُحصَى ولا يُحصر كَثْرَةً، وفي دَهاليز الفِرْدوس عشرة آلاف
جوّشن مُذْهَبة معلّقة.
ثم أخرجوا منه إلى ممر طوله ثلاث مئة ذِراع، قد عُلِّق من جانِبَيَه نحوٌ
من عشرة آلاف دَرَقَة وِخُوذة وبَيضة ودِرْع وزَرْدِيَة وجَعْبَة محلَّة وقسِيَ، وقد
أقيمَ نحو ألفي خادم بيضًا وسودًا صَفَّينَ يَمِنْهُ ويَسْرَة.
ثم أُخرجوا بعد أن طِيفَ بهم ثلاثة وعشرين قَصْرًا إلى الصَّحْن التسعيني
=
(١) الشبه: ضرب من النحاس.
(٢) في م: ((يتطير))، محرفة ولا معنى لها، وما هنا من النسخ.
(٣) في م: «دَسْتَلنبوا)»، محرفة، وما أثبتناه من النسخ وهو لفظ فارسي معناه (الشمام)).
(٤) وتضم القاف أيضًا.
(٥) الناورد: لفظة فارسية معناها الدوران، فهم يدورون في السكة المدورة.
(٦) قوله: ((فيظن أن كل واحد منهم إلى صاحبه قاصد)) ليست في ب ١ ول ٢؛ وهي ثابتة
في بقية النسخ ومعجم البلدان لياقوت ٢/ ٥٢١.
٤٢٢

وفيه الغِلْمانِ الحُجْريّة، بالسِّلاح الكامل، والبَزّة الحسنة، والهيئة الرائقة(١)،
وفي أيديهم الشروخ والطَّرْزِينات والأعمدة.
ثم مَرُوا بمصافَّ من عِلْية السَّواد من خُلَفاء الحُجَّابِ الجُند والرجالة
وأصاغر القُرَّاد، ودَخلوا دارَ السلام.
وكانت عدةً كثيرةً(٢) من الخَدَم والصَّقالبة في سائر القُصور، يسقون
الناس الماء المُبَرَّد بالثَّلْجِ والأشربة والفُقَّع، ومنهم مَن كان يطوفُ مع
الرُّسل، فلطول المَشْي بهم جَلَسوا واستراحوا في سبعة مَواضع واستَقَوا الماءَ
سُقُوا.
وكان أبو عُمَر عَدِي بن أحمد بن عبدالباقي الطَّرسوسيّ، صاحب
السُّلطان ورئيس الُّغور الشَّامية، معهم في كُلِّ ذلك، وعليه قباءٌ أسودَ وسيفٌ
ومنطقة .
ووَصَلوا إلى حَضْرة المُقتدر بالله وهو جالسٌ في التاج مما يلي دجلة،
بعد أنْ لبسَ الثيابَ الدَّبِيقية (٣) المُطَرَّة بالذَّهب على سريرٍ آبنوس قد فُرِش
بالذَّبِيقي المُطَرَّز بالذَّهَب، وعلى رأسه الطَّويلة، وعن(٤) يمنة السّرير تسعة
عُقود مثل السُّبَح مُعَلَّقة، ومن يَسْرَته سبعة(٥) أخرى من أفخر الجَواهر وأعظمها
قيمة غَالِبَةَ الضَّوْء على ضَوْء النهار، وبين يَدَيه خمسةٌ من وَلَدِه ثلاثة يمنةً واثنان
يَسْرةَ(٦).
وسَثُلَ الرسول وتَرْجمانه بين يَدَي المُقتدر بالله، فَكَفَّر له (٧) . وقال
(١) في م: ((الرائعة))، محرفة.
(٢) في م: ((عدة كثير))، خطأ .
(٣) في م: ((لبِّس بالثياب الديبقية))، وكله تحريف.
في م: ((ومن))، محرفة .
(٤)
(٥) في م: ((تسعة))، وما هنا من النسخ كافة.
في م: ((ميسرة))، وما هنا من النسخ.
(٦)
(٧) التكفير: إيماء بالرأس من غير سجود.
٤٢٣

الرَّسول لمؤنس الخادم ونَصْر القُشُوري، وكانا يُتَرجمان عن المُقتدر: لولا أني
لا آمنُ أن يطالبَ صاحبُكم بتقبيل البساط لقَبَّلْتُه، ولكنّ فعلتُ ما لا يُطالِبُ
رسولُكم بمثله، لأنَّ التَّكْفِير من رَسْم شَرِيعتنا. ووَقَفَا ساعةً؛ وكانا شابًا
وشيخًا، فالشَّاب الرَّسول المتقدِّم، والشيخ التَّرْجمان. وقد كان مَلِك الرُّومِ
عَقَدِ الأمرَ في الرَّسالة للشيخ متى حَدَث بالشَّاب حدث الموت. وناوَلَّةُ المُقِتَدِرُ
بالله من يده جواب ملك الرُّوم، وكان ضَخْمًا كبيرًا فتناوله وقَبَّله إعظامًا له،
وأُخرِجا من باب الخاصَّة إلى دجلة، وأُفْعِدا وسائر أصحابهما في شذًا من
الشَّذوات الخاصة وصَاعَدَا إلى حيث أُنزِلا فيه من الدَّار المعروفة بصاعد،
وحُمل إليهما خمسون بُّذْرة ورِقًا، في كُلُّ بَدْرةٍ خمسة آلاف درهم، وخُلِعَ على
أبي عُمر عَدِي الخِلَعِ السُّلطانية، وحُمِلَ على فَرَس بمركب(١)، وركب على
الظَّهْر، وكان ذلك في سنة خمس وثلاث مئة (٢)
ذكرُ دار المملكة التي بأعلَى المُخَرِّم(٣)
حدثني أبو الحسين(٤) هلال بن المُحَسِّن الكاتب(٥) ، قال: كانت دار
المملكة التي بأعلى المُخَرِّم، محاذية الفُرْضة قديمًا لسُبُكْتَكِين غُلام مُعزِّ
الدَّولة، فنَقَض عَضُد الدَّولة أكثرِها، ولم يَسْتَبْقِ إلّ البيت السَّتِّيني الذي هو في
وسط أروقةٍ من ورائها أروقةٌ في أطرافها قِبابٌ معقودةٌ، وتَنْفَتِحُ أبوابُهُ الغَرْبية
إلى دجلة وأبوابُهُ الشَّرقية إلى صَحْنٍ من خلفه بُسْتان ونخلٌ وشَجَرٌ. وكان عَضُد
الدَّولة جعل الدَّار التي هذا البيت فيها دار العامة، والبيتَ برَسم جلوس
(١) سقطت من م.
(٢) كان سبب قدوم وفد الروم لتبادل الأسرى، كما نص عليه غير واحد من المؤرخين
(انظر المنتظم ٦/ ١٤٣).
(٣) كانت دار المملكة مقام الأمراء البويهيين، ثم السلاطين السلاجقة من بعدهم.
(٤) سقطت الكنية من م.
(٥) سقطت من م.
٤٢٤

الوزراء، وما يتصل به من الأروقة والقباب مواضعَ الدَّواوينِ(١)، والصَّحنَ
منامًا لدَيْلم النَّوبة في ليالي الصَّيف.
قال هلال: وهذه الدار وما تحتوي عليه من البيت المذكور والأروقة
خَرَابٌ. ولقد شاهدتُ مَجلس الوزراء في ذلك ومَحفل مَن يقصدهم
ويحضرُهم، وقد جَعَله جلالُ الدَّولة إصطبلاً أقامَ فيه دوابَّه وسُؤَّاسَهُ، وأما ما
بدأهُ(٣) عَضُد الدولة وولدُهُ بعده في هذه الدَّار فهو مُتماسك على تَشَقُّته.
قلتُ: ولما وَرَد طُغْرُلْبَك الغُرِّي بغدادَ واستولَى عليها عَمَّر هذه الدار
وَجدَّدَ كثيرًا مما كان وَهَى منها في سنة ثمان وأربعين وأربع مئة، فَمَكَثَتْ
كذلك إلى سنة خمسين وأربع مئة، ثم أُحْرِقَت وسُلِبَ أكثر آلاتها، ثم عُمِّرت
بعدُ وأُعيد ما كان وَهَى (٣) منها .
حدثني القاضي أبو القاسم عليّ بن المُحَسِّن التَّوخي، قال: سمعتُ أبي
يقول: ماشَيْتُ الملكَ عَضُد الدَّولة في دار المَمَلكة بالمُخَرِّم التي كانت دارُ
سُبُكْتَكين حاجب مُعز الدولة من قَبل، وهو يتأمّلُ ما عُمل وهُدِم منها. وقد كان
أراد أن يترك في الميدان السُّبُكْتَكِيني أذرعًا ليجعله بُسْتانًا ويَرُدَّ بدل التُّرابِ رَمْلاً
ويَطْرح التُراب تحت الرَّوشن على دجلة. وقد ابتاعَ دورًا كثيرةً كبارًا وصغارًا
ونَقَضها ورَمَى حِيطانها بالفِيّلة تخفيفًا للمؤنة، وأضاف عَرَصاتِها إلى الميدان،
وكانت مثل الميدان دُفعتين، وبَنَى على الجميع مُسنَّةً. فقال لي في هذا اليوم،
وقد شاهد ما شاهد مما عُمِل وقُدِّر ما قُدِّر لما يُعْمل: تدري أيها القاضي كم
أُنْفِقَ على قَلْع ما قُلِعَ من الثُّراب إلى هذه الغاية وبناء هذه المسئَّة السَّخيفة مع
ثمن ما ابتِيعَ من الدور واستُضِيف؟ قلت: أظنُّه شيئًا كثيرًا. فقال: هو إلى وقتنا
هذا تسع مئة ألف درهم صِحَاحًا، ونحتاج إلى مثلها دُفعة أو دُفعتين حتى
(١) في م: ((للدواوين))، وما هنا من ب ١ ول ١ وهو الأحسن.
(٢) في م: «بناه))، وما هنا من النسخ.
(٣) في م: ((أُخِذَ»، وما هنا من ب ١ ول ١، وهو الأوفق.
٤٢٥

يَتكامل فَلْعُ التّراب ويحصل موضعه الرَّمل موازيًا لوجه البُستان. فلما فَرَغ من
ذلك وصارَ البُستان أرضًا بيضاء لا شيء فيها من غَرِس ولا نباتٍ، قال: قد
أُنفق على هذا حتى صارَ كذا أكثر من ألفي ألف درهم صِحَاحًا.
۔۔
ثم فكّر في أن يجعل شِرْب البُستان من دواليب ينصبها على دجلة، وعلم
أنَّ الدواليب لا تكفي، فأخرجَ المهندسين إلى الأنهار التي في ظاهر الجانب
الشرقيّ من مدينة السَّلامِ ليَستَخرِجوا منها نهرًا یسیحُ ماؤه إلى داره، فلم يجدوا
ما أرادوه إلّ في نهر الخالص، فعَلَّى الأرضّ بينَ البَلَد وبينه تعليةً أمكنَ معها
أن يُجري الماء على قَدْرِ من غير أن يَحْدثَ به ضَرَر، وعَمِل تَلَّين عَظيمَيْن
يساويان سَطْحَ ماء الخالص، ويرتَفِعان عن أرض الصَّحراء أذرعًا، وشقَّ في
وسطها(١) نهرًا جَعَل له خُورين من جانبيه، وداسَ الجميعَ بالفيلة دَوْسًا كثيرًا
حتى قَوِي واشتدَّ وصَلُبَ وتلَبَّد، فلما بَلَغ إلى منازل البلد وأرادَ سَوْق النهر إلى
داره، عَمَد إلى دَرْب السُّلْسلة فَدَكَّ أرضه دَكًا قويّا، ورَفَع أبواب الدور
وأوثَقَها، وبَنَى جوانب النَّهر طول البَلَد بالآجُرِّ والكِلْس والنُّورة، حتى وَصَل
الماء إلى الداروسَقَى الْبُّستان(٢).
قال أبي: وبَلَغت النفقة على عَمل البُستان وسَوْق الماء إليه على ما
(١) في م: ((وسطهما))، وما هنا من ب ١ ول ١.
(٢) لم يكن نهر الخالص يصل إلى بغداد، بل كان يصب في دجلة تحت الراشدية
بفرسخین (تبعد الراشدیة عن بغداد قرابة ٢٥ کم)، لکن میاهه کانت تدخل بغداد بنهر
المهدي الذي يذهب أحد فروعه إلى الأنهار فوق باب الشماسية، لكن يظهر أنها قد
خربت يومئذٍ. قال بشار: ومياه الخالص تدخل اليوم حدود أمانة بغداد فتسقي
الأطراف الشرقية منها، ومنها بستان لي هناك.
ودرب السلسلة المشهور يومئذٍ يمثل اليوم فرعًا من سوق البزازين الكبير القريب
من خان دلة وكانت عنده المدرسة النظامية التي تقع جنوب المدرسة المستنصرية، فإن
كان هو المقصود فهذا خطأ بيّن لبعد هذا الدرب عن موقع البستان الذي يقع بين
الجسر الحديد والعيواضية، فلعله اسم لدرب آخر، وكان بالجانب الغربي درب
يسمى درب السلسلة أيضًا، فلا يستبعد أن يكون هذا دربًا ثالثًا، والله أعلم.
٤٢٦

سمعته من حواشي عضدُ الدولة خمسة آلاف ألف درهم، ولعله قد أنفَقَ على
أبنية الدار على ما أظنُّ مثل ذلك، وكان عَضُد الدولة عازمًا على أن يَهْدِم الدُّور
التي بين داره وبين الزَّاهر، ويَصِل الدَّار بالزاهر فمات قبل ذلك.
ذكرُ تسمية مَساجد الجانِبَين
المخصوصة بصَلاة الجُمُعة والعِيدَين
كان أبو جعفر المنصور جعَلَ المسجدَ الجامعَ بالمدينة مُلاصقَ قَصرِه
المعروف بقَصر الذَّهَب، وهو الصَّحن العتيق، وبَناه باللِّبن والطِّين. ومَساحتُه
على ما أخبرنا محمد بن علي الوَرَّاق وأحمد بن عليّ المُحتَسب؛ قالا: أخبرنا
محمد بن جعفر النَّخوي، قال: حدثنا الحسن بن محمد السّكوني، قال: حدثنا
محمد بن خَلَف، قال: وكانت مساحةُ قَصر المنصور أربع مئة ذراع في أربع
مئة ذراع، ومساحةُ المسجد الأول مئتين في مئتين، وأساطينُ الخَشَب في
المسجد يعني كل أسطوانة قِطْعَتَين معقَّبتين بالعَقِب والغِراء وضبَّات الحديد،
إلَّ خمسًا أو ستًا عند المنارة، فإنَّ في كل أسطوانة قطعًا مُلَفَّقة مدورة من
خَشب الأساطين.
قال محمد بن خلف: قال ابن الأعرابي: تحتاج القبلة إلى أن تُحْرَف إلى
باب البصرة قليلاً، وإن قبلة الرُّصافة أصوبُ منها. فلم يَزَل المسجد الجامع
بالمدينة على حاله إلى وقت هارون الرَّشيد، فأمرَ هارون بنَقْضه وإعادة بنائه
بالآجُرِّ والجِصَّ فَفْعِلَ ذلك، وكُتِبَ عليه اسم الرشيد، وذِكْرُ أمرِهِ ببنائه،
وتسميةُ البنَّاء والنَّجَّار وتاريخ ذلك؛ وهو ظاهرٌ على الجدار خارج المسجد مما
يلي باب خُراسان إلى وقتنا هذا.
أنبأنا إبراهيم بن مَخْلَد، قال: أخبرنا إسماعيل بن عليّ الخُطَبي، قال:
وهُدِم مسجد أبي جعفر المنصور وزيد في نواحيه وجُدِّد بناؤه وأُحكم. وكان
الابتداءُ به في سنة ثنتين وتسعين، والفراغ منه في سنة ثلاث وتسعين، فكانت
٤٢٧

الصلاة في الصَّحن الغَتِيق الذي هو الجامع حتى زيد فيه الدار المعروفة
بالقَطَّانِ، وكانت قديمًا ديوانًا للمنصور. فأمرَ مُفْلِحٌ التركيُّ ببنائها على يد
صاحبه القَطَّان فنُسبتْ إليه، وجُعِلتْ مصلَّى للناس وذلك في سنة ستين أو
إحدى وستين ومئتين ثم زاد المعتضد بالله الصَّحن الأول، وهو قصر
المنصور، ووَصَله بالجامع، وفَتَح بين القَصر والجامع العتيق في الجدار سبعة
عشر طاقًا؛ منها إلى الصَّحن ثلاثة عشر، وإلى الأروقة أربعة، وحَوَّل المنبر
والمِخراب والمَقْصورة إلى المسجد الجديد.
أنبأنا إبراهيم بن مَخْلَد، قال: أخبرنا إسماعيل بن عليّ، قال: وأُخْبِرَ
أميرُ المؤمنين المُعتضدُ بالله بضيق المسجد الجامع بالجانب الغربي من مدينة
السلام في مدينة المنصور، وأنَّ الناس يضطرهم الضِّيقُ إلى أن يُضَّلُّوا في
المواضع التي لا تجوز في مثلها الصَّلاة، فأمرَ بالزِّيادة فيه من قَصر أمير
المؤمنين المنصور، فبُني مسجدٌ على مثال المسجد الأول في مقداره أو نحوه،
ثم فُتِحَ في صدر المسجد العتيق ووُصِل به فاتَّسع به الناس. وكان الفَراغُ من
بنائه والصَّلاة فيه في سنة ثمانین ومثتین.
قلتُ: وزاد بدر مولى المُعتضد من قَصر المنصور المسقطات المعروفة.
بالبَدْرية في ذلك الوقت
وأما المسجد الجامع بالرُّصافة فإنَّ المهدي بناه في أول خلافته؛ أخبرنا
بذلك محمد بن الحُسين بن الفَضْلِ القَطَّان، قال: أخبرنا عبدالله بن جعفر بن
دَرَستُويه، قال: حدثنا يعقوب بن سُفيان، قال(١): سنة تسع وخمسين ومئة
فيها بنى المهدي المسجد الذي بالرُّصافة .
فلم تكن صلاة الجُمُعة تُقام بمدينة السلام إلّ في مسجدي المدينة
والرُّصافة إلى وقت خلافة المُعتضد. فلما استُخلِفِ المُعتضد أمرّ بعمارة القَصِر
المعروف بالحَسَنيّ على دجلة في سنة ثمانين ومئتين وأنفق عليه مالاً عظيمًا،
(١) المعرفة والتاريخ ١/ ١٤٧.
٤٢٨

وهو القصر المرسوم بدار الخلافة، وأمرَ ببناء مطامير في القَصر رسمها هو
للصنّاعِ فُنِيَتْ بناءً لم يُر مثله على غاية ما يكون من الإحكام والضِّيق، وجَعَلها
مَحابِسَ للأعداء. وكان الناس يُصلُّون الجُمُعة في الدار، وليس هناك رسمٌ
لمسجد، وَإنما يُؤذنُ للناس في الدخول وقت الصَّلاة ويخرجون عند انقضائها .
فلما استُخلِف المكتفي في سنة تسع وثمانين ومئتين، تَرَك القصر وأمرَ بهدم
المطامير التي كان المُعتضد بناها، وأمر أن يُجْعل موضعَها مسجدٌ جامع في
داره يُصَلِّي فيه الناس، فعُمِل ذلك وصارَ النَّاسُ يبكِّرون إلى المسجد الجامع
في الدار يوم الجُمُعة فلا يُمنَعون من دخوله، ويُقيمون فيه إلى آخر النَّهار.
وحصل ذلك رسمًا باقيًا إلى الآن، واستقرَّت صلاة الجُمُعة ببغداد في المساجد
الثلاثة التي ذكرناها إلى وقت خلافة المُتَّقي.
وكان في الموضع المعروف ببراثا مسجدٌ يجتمع فيه قوم ممن يُنْسَب إلى
التشيُّع ويقصدونه الصَّلاة والجُلوس فيه، فَرُفِعَ إلى المقتدر (١) أنَّ الرَّافضة
يجتمعون في ذلك المَسجد لسَبِّ الصَّحابة والخُروج عن الطَّاعة، فأمرَ بِكَبْسه
يوم جُمُعةٍ وقت الصَّلاة، فكُبِس وأُخذ من وُجِد فيه فعُوقبوا، وحُبِسوا حَبْسًا
طويلاً، وهُدِمَ المسجد حتى سُوِّي بالأرض، وعُفِيَ رسمه، ووُصِلَ بالمقبرة
التي تَليه، ومكث خرابًا إلى سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة، فأمرَ الأمير بَجْكَم
بإعادة بنائه وتَوسِعَته وإحكامه، فبُني بالجِصّ والآجُرُّ وسُقِفَ بِالسَّاجِ المَنْقُوش،
ووُسِّع فيه ببعض ما يَلِيه مما ابتيعَ له من أملاك الناس، وكُتب في صَدره اسم
الرَّاضي بالله. وكان الناسُ ينتابونه الصَّلاة فيه والتَبَرُّك به. ثم أمرَ المُنَّقي الله
بعده (٢) بنصب منبرٍ فيه كان في مسجد (٣) مدينة المنصور معطّلاً مخبوءًا في
خزانة المسجد عليه اسم هارون الرَّشيد، فنُصِب في قِبلة المسجد، وتُقُدِّمَ إلى
(١) بعد هذا في م: ((بالله)).
(٢) في م: ((بعد)»، وما هنا من النسخ.
(٣) في م: ((بمسجد)، وما هنا من ب ١ ول ١.
٤٢٩

أحمد بن الفَضْل بن عبدالملك الهاشمي، وكان الإمام في جامع الرُّصافةِ،
بالخروج إليه والصَّلاة بالناس فيه الجُمُعة. فخرَجَ وخرج النَّاسُ من جانبي
مدينة السلام حتى حَضَروا في هذا المسجد، وكثر الجمعُ هناك وحضر صاحب
الشُّرطة. فأُقيمت صلاة الجُمُعة فيه يوم الجُمُعة لثنتي عشرة ليلةً خَلَت مِنْ
جمادى الأولى سنة تسع وعشرين وثلاث مئة، وتوالت صلاة الجُمُعة فيه،
وصارَ أحدُ مساجد الحَضْرة، وأُفرد أبو الحسن أحمد بن الفَضْل الهاشمي
بإمامته، وأُخْرجَتَ الصَّلاةِ بمسجد جامع الرُّصافة عن يده.
قلتُ: ذكر معنى جميع ما أوردتُه إسماعيل بن عليّ الْخُطَبي فيما أنبأنا
إبراهيم بن مخلَد أنه سمعه منه .
حدثني أبو الحُسين هلال بن المُحَسِّن الكاتب: أنَّ الناس تَحَدَّثوا في ذِي
الحجة من سنة تسع وسبعين وثلاث مئة، بأنَّ امرأة من أهل الجانب الشرقي
رأت في منامها النبيَّ ◌َّ﴾ كأنه يُخبرها بأنَّها تموت من غَد عَصْرًا، وأنه صَلَّى فِي
مسجدٍ بقَطِيعة أمِّ جعفر من الجانب الغربي في القافلائين(١)، ووَضَع كفَّه في
حائط القِيْلة وأنها فَسَّرت هذه الرؤيا عند انتباهها من نَومها، فقُصِدَ الموضع
ووُجد أثرِ كفِ، وماتت المرأة في ذلك الوقت، وَعَمَرَ المسجد ووسعه أبو
"أحمد الموسوي بعد ذلك وكبّره وبناه وعَمَرَهُ، واستأذنَ الطَّائع لله في أن يجعله
مسجدًا يصلَّى فيه في أيام الجُمُعات؛ واحتجّ بأنه من وراء خَنْدق يقطع بينه
وبين البَلَد، ويصيرُ به ذلك الصُّقْع بلدًا آخر (٢) ، فأذِنَ في ذلك وصارَ جامعًا
يُصَلَّى فِيهِ الجُمُعات.
وذكرَ لي هلال بن المُحَسِّن أيضًا: أنَّ أبا بكر محمد بن الحسن بن
عبدالعزيز الهاشمي كان بَنَى مسجدًا بالْحَرْبِيّةِ في أيام المُطيع لله ليكون جامعًا
(١) كتب ناسخ ب ١ في حاشية نسخته أنها في نسخة أخرى: ((القلائين))، وكلاهما
صحیح .
(٢) باعتبار أن الجمعة إنما تقام في البلد الواحد في مسجد جامع واحد.
٤٣٠

يُخْطَبُ فيه؛ فمنع المُطيع من ذلك، ومكثَ المسجد على تلك الحال حتى
استُخْلِفَ القادر بالله فاستَفتَى الفُقَهاء في أمره، فأجمعوا على وجوب الصَّلاة
فيه. فرَسم أن يُعمَرَ ويُكْسَى ويُنصب فيه منبر، وَرَثَّبَ إمامًا يُصلِّي فيه الجُمُعة،
وذلك في شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وثمانين وثلاث مئة؛ فأدركتُ صلاة
الجُمُعة وهي تُقام ببغداد: في مسجد المدينة، ومسجد الرُّصافة، ومسجد دار
الخلافة، ومسجد بَراثا، ومسجد قَطِيعة أم جعفر وتعرف بقَطِيعة الرَّقيق(١).
ومسجد الحَرْبيَّة .. ولم تَزَل على هذا إلى أن خرجتُ من بغداد في سنة إحدى
وخمسين وأربع مئة، ثم تعَطَّلت في مسجد براثا فلم تكن تصلَّى فيه.
باب
ذكرُ أنهار بغداد الجارية التي كانت بين الدُّور والمَسَاكن
وتَسْمية ما كانت تنتهي إليه من المَواضع والأماكن
أما الأنهار التي كانت تجري بمدينة المنصور والكَرْخ من الجانب الغربي
وَتَتَخَرَّق بين المحال والدُّور، فأكثرها كان يأخذ من نهر عيسى بن علي.
ونهر عيسى (٢) يَحْمِلُ من الفُرات، وكان عند فوهته قَنْطرة يقال لها قَنْطرة
دِمِمًا، يمرُّ النهر جاريًا فيسقي طَشُّوج فَيْروزسابور، وعلى جانبيه قُرْى وضياعٌ،
حتى إذا انتَهَى إلى المحوَّل تفرَّع منه الأنهار التي كانت تتخرَّق مدينة السلام.
ثم يمر إلى قرية الياسرية وعليه هناك قَنْطرة. ثم يمر إلى الرُّومية وعليه هناك
قَنْطرة تعرف بالرُّومية. ثم يفضي إلى الزَّيَّاتين وعليه هناك قَنْطرة تعرف بقَنْطرة
(١) في م: ((الدقيق))، محرفة.
(٢) كتب أستاذنا العلامة الدكتور صالح أحمد العلي بحثًا مستفيضًا وصف فيه مجرى نهر
عيسى وما عليه من قرى ومعالم إلى أن يدخل بغداد نشره في مجلة سومر (العدد ٣٧
ص ١٧٧ - ١٨٨ بغداد ١٩٨١).
٤٣١

ويمرُّ النهر الكبير من دوَّارة الحمار إلى موضع يقال له: مُرَبَّعة صالح
فيعطف منها هناك نهر يقال له: نهر القلَّئين، يمرُّ إلى السَّواقين، ثم إلى
أصحاب القَصَب ويصب في نهر الدَّجاج فيصیران نهرًا واحدًا.
ويمرُّ النهر الكبير من مُرَبَّعة صالح إلى موضع يعرف بنهر طابَّقَ، ثُم
يصب في نهر عيسى بحَضْرة دار البِطّيخ. فهذه أنهار الكَرْخ.
قال: فأما أنهار الخَرْبية فمنها نهرٌ يَحْمل من دُجَيْل يقال له: نهر بطاطيا
أوله أسفل فُؤَّهة دُجَيْل بست فراسخ يسقي ضياعًا وقُرى كثيرة في وسط مَسْكِن
ويفنَی فيها .
ويحمل منه نهر أوله أسفل جَسْر بطاطيا بشيء يسير يجيء نحو مدينة
السَّلام، فيمرُّ على عبَّارةِ قَنْطرة باب الأنبار، ثم يدخل بغداد فيمرُّ في شارع
باب الأنبار، ويمزُ إلى شارع الكَبْش ويَفْنَى هناك.
ويحمل من نهر بطاطيا نهرٌ أسفل من النهر الأول يجيء نحو بغداد فيمرُ
على عبَّارة يقال لها عبَّارة الكَرْخ بين باب حَرْب وباب الحديد، يمرُّ فيدخل
بغداد من هناك، ويمرُّ في شارع دُجَيْل إلى مُرَيَّعة الفُرْس فيحمل منه هناك نهر
يمرُّ إلى دكان الأبناء ويَفْنَى هناك.
ويمرُّ النهر الكبير من مُرَبَّعة الفُرْس إلى قَنْطَرة أبي الجَوْز فيحمل منه من
هناك نهر يمزُ إلى كُتَّابِ الْيَتَامَى وإلى مُرَبَّعة شَبِيب، ويصبُّ في نهرٍ في
الشارع.
· ويمرُّ النهر الكبير من قَنْطرة أبي الجَوْز إلى شارع قصر هانىء، ثم إلى
بُستان القَس(١) . ويصبُّ في النهر الذي يمرِ في شارع القَحَاطبة.
· ويحمل من نهر بطاطيا نهرٌ أوله أسفل من قناة الكَرْخ، يجيء نحو بغداد
ويمرُّ على عبَّارة قَنْطرة باب خَرْب، ويَدْخل من هناك في وسط شارع باب
(١) في م: ((اليس)»، محرفة.
٤٣٤

حَرْب، ثم يجيء إلى مُرَبَّعة أبي العباس، ثم إلى مُرَبَّعة شبيب، فيصب فيه النهر
الذي ذكرناه. ثم يمرُّ إلى بابِ الشَّام فيصبُّ في نهر باب الشام.
قال: وهذه الأنهار كُلُّها مَكْشُوفة إلّ التي في الحَرْبيّة فإنها قَنوات تحتَ
الأرض وأوائلها مَكْشُوفة(١) .
قال: وفي الجانب الشرقي نهر موسى، يأخذ من نهرٍ بِيْن إلى أن يَصل
إلى(٢) قَصر المُعتضد بالله المعروف بالثُّريا، فيدخل القَصر ويدور فيه، ويخرج
منه ويصير إلى مَوضعٍ يقال له: مَقْسم الماء، فينقسمُ هناك ثلاثة أنهار:
يمرُّ الأول منها إلى باب سُوق الدَّواب ثم إلى دار البانوجة(٣) ويَفْنَى
هناك. ويدخل بعضُهُ باب سُوق الدواب ويمرُّ إلى العَلَّفين فيصبُّ في نهر كان
المُعتضد حفره. ويمرُّ شيءٌ منه إلى باب سوق الغَنَم، ثم إلى خَنْدق العباس
باب المُخَرِّم ويَبْر في دجلة. ويمر نهر موسى أيضًا إلى قَنْطرة الأنصار، فيحمل
منه هناك ثلاثة أنهار: يصبُّ أحدها في حَوْض الأنصار، والثاني في حوض
هَيْلانة، والثالث في حَوْض داود. ويمزُ نهر موسى أيضًا إلى قَصر المُعتصم
بالله، فيَحْمِلُ منه هناك نهر يمرُّ إلى سوقِ العَطَش في وسط شارع كَرْم
المُعَرَّش، ويصب في دار علي بن محمد بن الفُرات الوزير، ويفنى هناك. ويمرُّ
نهر موسى أيضًا ملاصقًا لقصر المُعتصم إلى أن يخرج إلى شارع عَمرو
الرُّومي، ثم يدخل بُستان الزَّاهر فيسقيه، ويصب في دجلة أسفل البستان .
ثم يمرُّ النهر الثاني من المقسم إلى باب بِيَبْرَزْ(٤) فيدخل البَلَد من هناك
ويُسمَّى نهر مُعَلَّى، ويمرُّ بين الدُّور إلى باب سُوق الثلاثاء، ثم يدخل قَصر
(١) في م: ((مكشوف))، وما هنا من ب ١ ول ١، وهو الأليق.
(٢) كتب ناسخ ب ١ في الحاشية أنه في نسخة أخرى: ((يصب في )) بدلاً من ((يصل
إلى)).
(٣) في م: ((البانوقة))، وما هنا من ب ١ ول ١، وهي ابنة المهدي تسمى البانوجة
والبانوقة .
(٤) هو المعروف بباب إبرز.
٤٣٥

الخلافة المسمَّى بالفِرْدوسُ، فيدورُ فيه ويصبُّ في دجلة .
ويمرُّ النهر الثالث من المقسم إلى باب قَطِيعة مُوشَجِير. ثم يدخل إلى
القصر الحسني فیدور فیه ثم یصب في دجلة .
قال: ويحملُ من نَّهرِ الخالص نهرٌ يقال له: نهر الفَضْل إلى أن ينتهي إلى
باب الشَّماسيّة، فيأخذ منه نهر يقال له: نهر المهدي، ويدخلُ المدينة في
الشارع المعروف بشارع المهدي. ثم يجيء إلى قَنطرة البرَدَان، ويدخل دار
الرُّوميين، ويخرج إلى سُوَيقة نَصْر بن مالك، ثم يدخلُ الرُّصافة ويمزُ في
المسجد الجامع إلى بُستَانِ حَفْص، ويصبُّ في بركة في جوفُ قَصر الرُّصافةِ.
ويحمل من هذا النهر نهرٌ أوله في سُوَيْقة نَصْر، ثم يمرُّ في وسط شارع باب
خُراسان إلى أن يصبّ في نهر الفَضْل بباب خُراسان. فهذه أنهار الجانب
الشرقي.
ذكرُ عَدد جُسور مدينة السلام
التي كانت بها على قديم الأيام
(١)
أخبرنا محمد بن الحُسينِ بن الفَضْلِ القَطَّان، قال: أخبرنا عبدالله بن
جعفر بن دَرَسْتُويه، قال: حدثنا يعقوب بن سُفيان، قال(٢) : سنة سبع
وخمسين ومئة، فيها ابتَنى أبو جعفر قَصْرَه الذي يُعرف بالخُلْد، وفيها عَقَد
الجَسْر عند بابِ الشَّعير.
أخبرنا محمد بن عليّ الوَرَّاق وأحمد بن عليّ المُحتَسِب؛ قالا: أخبرنا
محمد بن جعفر النَّخوي، قال: حدثنا الحسن بن محمد السّكوني، قال: حدثنا
(١) كتب أستاذنا الدكتور صالح أحمد العلي دراسة نفيسة عن جسور بغداد في كتابه
((معالم بغداد الإدارية والعمرانية)) (بغداد ١٩٨٨) ص ٢٩٣ فما بعد.
(٢) المعرفة والتاريخ ١٤٤/١ .
: ٤٣٦

محمد بن خَلَف، قال: قال أحمد بن الخليل بن مالك، عن أبيه، قال: كان
المنصور قد أمرَ بعقد ثلاثة جسور أحدها للنّساء، ثم عَقَد لنفسه وَحَشَمِه
جَسْرين بياب البُستان. وكان بالزَّنْدَوَرْد جَسْران عَقَدهما محمد، وكان الرَّشيد
قد عَقَد عند باب الشماسيَّ جَسْرين. وكان لأبي جعفر جسر عند سُوَيْقة
قاطوطا؛ فلم تَزَل هذه الجسور إلى أن قُتل محمد. ثم عُطُّلت وبَقي منها ثلاثة
إلى أيام المأمون، ثم عُطل واحد.
وسمعتُ أبا عليّ بن شاذان يقول: أدركْتُ ببغداد ثلاثة جسور: أحدها
محاذي سُوق الثلاثاء، وآخر بباب الطَّاق، والثالث في أعلى البلد عند الدَّار
المُعزية مُحاذي المَيْدان .
وذكر (١) لي غيرُ ابن شاذان أنَّ الجَسْر الذي كان محاذي المَيْدان نُقل إلى
الفُرْضَة بباب الطّاق، فصارَ هناك جَسْران يمضي الناس على أحدهما ويرجعون
على الآخر .
وقال لي هلال بن المُحَسِّن: عُقد جَسْر بمشرعة القَطَّانين في سنة ثلاث
وثمانين وثلاث مئة، فمكثَ مدةً ثم تَعَطَّل، ولم يبقَ ببغداد بعد ذلك سوى
جسرٌ واحد بباب الطّاق، إلى أن حُوّل في سنة ثماني وأربعين وأربع مئة، فعقد
بين مَشْرعة الروايا من الجانب الغربي، وبين مشرعة الحطّابين من الجانب
الشرقي، ثم عُطَّل في سنة خمسين وأربع مئة، ثم نصب بعد ذلك(٢) بمشرعة
القَطَّانين.
قلتُ: ولم أزل أسمع أنَّ جَسْر بغداد طرازُها. أنشدني عليّ بن الحسن
ابن الصَّقر أبو الحسن، قال: أنشدنا عليّ بن الفَرَج الفقيه الشافعي لنفسه [من
الطويل]:
(١) في م: ((فذكر))، وما هنا من النسخ.
(٢) قوله: ((بعد ذلك)) سقط من م.
٤٣٧

أيا حَبَّذَا جَسْرٌ على مَثْنِ دَجْلةٍ بإتقان تأسيس وحُسْنٍ وَرَوْنَقٍ
جمَالٌ وفَخْرٌ للعراقِ ونزهةٌ وسَلْوَةُ من أضْنَاه فَرْط التَّشْوُّق
تراهُ إذا منا جئتَهُ مُتأملاً كشطرٍ عبيرٍ خُطَّ في وسط مفرق(١).
أو العاجُ فيه الآبنوس مرُقَّش مِثَالَ فُيولٍ تحتها أرضُ زِقْبَقٍ
أنشدنا أبو القاسم(٢) عليّ بن المُحَسِّن التَّنوخي، قال: أنشدني أبي لنفسه
[من الكامل]:
يومٌّ سرقنا العيشَ فيه خِلْسَةً في مجلس بفِنَاءِ دِجْلَةَ مُفْرَدٍ
رقَّ الهواء برِقَّةٍ قُدَّامَهُ فغدوتُ رِقًّا للزَّسان المُسْعِدِ
فكأنَّ دِجِلْةَ طَيلَسانٌ أبيضٌ والجَسْرِ فيها كالطُّرازِ الأسوَدِ
حدثني هلال بن المُحَسِّن، قال: ذُكِرَ أنه أُخْصِيَتِ السُّمَيْرِيَّات
المعبرانيَّات بدجلة في أيام الناصر لدين الله، وهو أبو أحمد المُوَفَّق، فكانت
ثلاثين ألفًا، قُدُر من كَسْبَ ملَّحيها في كلٌ يوم تسعون ألف درهم.
ذكرُ مقدار ذَرْع جانبي بغداد طُولاً وعَرْضًا
ومبلغ مساحة أرضها وعدد مساجدها وحَمَّاماتها
أخبرنا محمد بن عليّ الوَرَّاق، قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد
ابن عِمْران، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن یحیی النَّدیم، قال: ذکر أحمد بن
أبي طاهر في «كتاب بغداد): أن ذرع بغداد الجانبين، ثلاثة وخمسون ألف
جَريب (٣) وسبع مئة وخمسون جَرِيبًا، منها الجانب الشرقي ستة وعشرون ألف
جَريب وسبع مئة وخمسون جريبًا، والغربي سبعة وعشرون ألف جريب.
(١) في م: ((كسطر ... مهرق))، وما هنا من ب ١ ول ١.
(٢) : سقطت الكنية من م.
(٣) الجريب = ١٥٩٢ م٢ (انظر د. هينز: المكاييل والمقاييس العربية ص ١٦٥).
. ٤٣٨

قال أبو الحسن: ورأيتُ في نسخة أخرى غير نسخة محمد بن يجيى: أنَّ
ذَرْع بغداد ثلاثة وأربعون ألف جريب وسبع مئة جريب وخمسون جريبًا، منها
الجانب الشرقي ستة عشر ألف جريب وسبع مئة وخمسون جريبًا والجانب
الغربي سبعة وعشرون ألف جريب.
رَجْع إلى حديث محمد بن يحيى: وأنَّ عدد الحَمَّامات كانت في ذلك
الوقت ببغداد ستين ألف حمّام. وقال: أقل ما يكون في كل حَمَّام خمسة نَفَر،
حمامي وقيِّم وزيَّال ووقَّاد وسَقَّاء. يكون ذلك ثلاث مئة ألف رجل، وذكر أنه
يكون بإزاء كلِّ حمَّام خمسة مساجد يكون ذلك ثلاث مئة ألف مسجد، وتقدير
ذلك أن يكون أقل ما يكون في كُلِّ مسجد خمسة أنفُس، يكون ذلك ألف ألف
وخمس مئة ألف إنسان، يحتاج كل إنسان من هؤلاء في ليلة العيد إلى رِطْل
صابون، يكون ذلك ألف ألف وخمس مئة ألف رطل صابون، يكون ذلك
حِساب الجرّة مئة وثلاثين رطلاً: ألف جرَّة ومئة وخمسين جرّة وثمانية(١)
جرار ونصفًا(٢). يكون ذلك زيتًا - حساب الجرَّة ستين رِطلاً - ست مئة
ألف(٣) رِطْل وتسعة آلاف رِطْل وخمس مئة رطل وعشرة أرطال (٤).
حدثني هلال بن المُحَسِّن، قال: كنتُ يومًا بحَضْرة جدي أبي إسحاق
إبراهيم بن هلال الصابي في سنة ثلاث وثمانين وثلاث مئة، إذ دخلَ عليه أحد
التُّجَّار الذين كانوا يغشَوْنه ويخدمونه، فقال له: في عُرض حديث حَدَّثُه به،
قال: قال لي أحد التُّجار: إنَّ ببغداد اليوم ثلاثة آلاف حمَّام. فقال له جدي:
سُبحان الله، هذا سُدُس ما كنَّا عَدَدْناه وحَصَرناه. فقال له: كيف ذاك؟ فقال
جدي: أذكر وقد كتب رُكْن الدولة أبو عليّ الحسن بن بُوَيْه إلى الوزير أبي
محمد المُهَلَّبي بما قال فيه: ذُكِرَ لنا كثرة المَساجد والحمَّامات ببغداد،
(١) هكذا في النسخ، والصواب ((وثلاثة))، كما يدل عليه الحساب.
(٢) هذا أمر تقريبي، وإلا فهو أكثر من النصف.
(٣) هكذا في النسخ، وهو غلط محض صوابه بموجب حسابه: ((ستون ألف)).
(٤) أما الحساب الصحيح فهو (٦٩٢٣٠,٧٦٦).
٤٣٩

واختَلَفت علينا فيها الأقاويل، وأحببنا أن نَعرِفَها على حقيقةٍ وتَحصيلٍ، فَتَعرَّفنا
الصَّحيح من ذلك. قال جدي: وأعطاني أبو محمد الكتاب، وقال لي: امضٍ
إلى الأمير معز الدولة فأعرضُه عليه واستأذنه فيه، ففعلتُ. فقال له الأمير:
استَعْلِم ذلك وعَرِّفنيه؛ فتقدَّم أبو محمد المهَلَّبي إلى أبي الحسن البازعجي(١)،
وهو صاحب المعونة، بعدّ المساجد والحمَّامات. قال جدي: فأمَّا المساجد
فلا أذكرُ ما قيل فيها كثرة، وأما الحمَّامات فكانت بضعة عشر ألف حمَّام.
وعُذْت إلى معزّ الدولة وعَرَّفته ذلك، فقال: اكتبوا في الحَمَّامات أنها (٢) أربعة
آلاف، واستدلَلْنا من قوله على إشفاقه وحَسَده أباه على بلد هذا عِظَمُه وكِبَرَهُ .
وأخذَ أبو محمد وأخذنا نتعجَّب من كونَ الحَمَّامات هذا القدر، وقد أُحْصِيَت
في أيام المُقتدر بالله فكانت سبعة وعشرين ألف حمَّام، وليس بين الوقتين من
التَّباعد ما يقتضي هذا التَّفاوت. قال هلال: وقيل: إنها كانت في أيام عَضُد
الدولة خمسة آلاف حمّام وكَسْرًا.
قلت: لم يكن لبغداد في الدُّنيا نظيرٌ في جلالة قدرها، وفَخامة أمرها،
وكثرة عُلمائها وأعلامها، وتميُّزُ خواصِّها وعوامِّها، وعظم أقطارها وسعة
أطرارها(٣)، وكثرةُ دُورِها ومنازلها، ودُروبها وشوارعها(٤)، ومحالُّها،
وأسواقها، وسِكَكها، وأزَقَّتها، ومساجدها، وحَمَّاماتها، وطَرَرِها، وخاناتها،
وطيب هوائها، وعذوبة مائِها، وبَرد ظلالها وأفيائها، واعتدال صَيفها وشتائها،
وصحَّة ربيعها وخَريفها، وزيادة ما حُصر من عِدّة سُكّانها. وأكثر ما كانت
عمارةً وأهْلاً في أيام الرشيد، إذ الدُّنيا قارَّةِ المَضاجع، دارَّة المَراضع، خَصيبة
المراتع، مُوردة(٥) المشارع. ثم حَدَثت بها الفتن، وتَتَابَعت على أهلها.
(١) في م: ((البادغجي))، وما هنا مجود في ب ١ ول ١.
(٢) في م: ((بأنها»، وما هنا من ب ١ ول ١.
(٣) جمع: طر، وهو الطرف، فالمراد: سعة أطرافها .
(٤) في م: ((وشعوبها))، محرفة.
(٥) في م: ((مورودة))، وما هنا من النسخ.
٤٤٠