النص المفهرس
صفحات 161-180
نُعيم، به، وقال الحاكم: ((صحيح الإسناد)»! وقد يغتر من لا دراية له بهذه الصنعة أنَّ هذه الطُّرق يقوي بعضها بعضًا، وما علم أنها تزيد الحديثَ وَهنّا على وهن، فما فيها طريق إلا وهو تالفٌ أو مجهولٌ لا يُعرف، ودأبُ الضُّعفاء والكَذَّابين أنهم يَسْرقون بعضَهُم البعض، فيغتر من لا يعرف سِرَّ صَنْعَتهم، كما اغتر السيوطي(١) وابن عَرّاق(٢) حينما اعترضا على حُكم ابن الجوزي بالوضع. وقد تبين لنا حال المِسْمَعي وحُميد بن الربيع مما تقدم، وأما القاسم بن إبراهيم فمنكرُ الحديث(٣)، وأما كثير بن محمد التَّمِيمي والقاسم بن إسماعيل العَرْزَمي فلم نقف لهما على ترجمة في كتب العلم ولعلهما مُخْتَلَقان لا وجودَ لهما. وأما محمد بن يزيد الأدَمي والقاسم بن زكريا بن دينار فهما ثقتان إلا أن هذا مما كُذِبَ عليهما، فإن رواية القاسم إنما هي من طريق الحُسين بن حُميد ابن الربيع الخَزَّاز الكذاب(٤) ، وأما رواية الأدَمي فإنها من طريق أبي محمد الحَسَن بن محمد بن يحيى العَلَوي الكَذَّاب(٥) ! فتأمل ذلك وتدبره، وقد قال ابن حبان في المجروحين(٦): ((لا أصل له)) وساقَهُ ابنُ الجوزي في الموضوعات(٧) . وممن اشتُهِرَ بسرقة الحديث محمد بن عبدالله بن عامر السُّغْدي، فقد ذكر المصنفُ له حديث: ((كان رسول الله وَّل يرفع يديه إذا افتتح الصلاة))، ثم قال: ((تفرد بروايته محمد بن عبد بن عامر، عن عصام))، ثم ذكر الخلاف فيه إلى أن قال: ((ونرى أن محمد بن عبد سَرَقه فألزّقَهُ على عصام بن يوسف، والله (١) اللالىء ٣٩١/١. (٢) تنزيه الشريعة ١/ ٤١٧ . (٣) ميزان الاعتدال ٥٤٥/١ . (٤) ميزان الاعتدال ١/ ٥٣٣. (٥) نفسه ١/ ٥٢١. (٦) المجروحين ٢١٥/٢. (٧) الموضوعات ٤٠٨/١ . ١٦١ أعلم)). ثم ذكر له حديث: ((دَع ما يريبك إلى ما لا يريبك))، وقال: ((وهذا الحديث باطلٌ عن قتيبة عن مالك، وإنما يُحْفَظ من حديث عبدالله بن أبي رومان الإسكندراني عن ابن وهب عن مالك، تفرد واشتُهِرَ به ابنُ أبي رومانِ، وكان ضعيفًا، والصواب: عن مالك من قوله، قد سَرَقَهُ محمد بن عبد بن عامر من ابن أبي رومان فرواه عن قتيبة، كما ذكرنا)»(١) ويتبين مما تقدم أنَّ هؤلاء الشُّرَّاق من الضُّعفاء والهَلْكى والكذَّابين كانوا يُرَكِّبون الأسانيد على الأحاديث سواء أكانت صحيحة أم واهية، وقد قال ابنُ عَدِي في حديث رواه الثقات عن إسحاق الأزرق عن شَرِيك عن بيان عن قيس ابن أبي حازم عن المغيرة بن شعبة: كنا نُصَلِّي مع رسول اللهِ وََّ الظهر بالهاجرة فقال لنا: ((أبردوا بالصَّلاة فإنَّ شِدَّة الحر من فيح جهنم))، قال: ((وقد سَرَق هذا الحديث من هؤلاء الثقات قومٌ ضعفاء فَحدثوا به عن إسحاق الأزرق))(٢) . وحين تكلَّم المصنّفُ على الحديث الذِي زُعِمَ أن عمار بن ياسر رواه عن النبي ◌َّ: ((إن حافِظَيّ عليّ بن أبي طالب ليَفْخَران ... )) الحديث الموضوع، قال: «وهذا الحديث إنما يُروى من طريقٍ مُظْلم عن شَرِيك، وهو حديث لا أصلَ له))(٣)، ثم ساق طرقًا له وقال: ((وقد وقعَ هذا الحديث إلى أبي سعيد : الحَسَن بن علي العَدَويّ، فوثبَ عليه، ورواه عن الحسن بن علي بن راشد، عن شريك عن أبي الوَقَّاص، فمن رآه فلا يغتر به، لأن أبا سعيد العدوي كان كَذَّابًا أَفَّاكًا وَضَّاعًا))(٤). ومن ذلك أنَّ المُصنفَنَ ساقَ في ترجمة الحارث بن سُرَيْج، وهو ضعيفٌ، حديث: «أيُّما صبيٍّ حج ثم بلغ الحنث)) مقرونًا بمحمد بن المنهال، عن يزيد بن زُريع عن شعبة عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس مرفوعًا ، (١) تاريخ الخطيب ٣/ الترجمة ١١٦٩. (٢) الكامل ١٣٣٥/٤ وانظر الحديث في هذا الكتاب ٢٥٥/١٦ وتعليقنا عليه. (٣) تاريخه ٧٥/١٦. (٤) نفسه ١٦/ ٧٦. ١٦٢ ثم قال: ((لم يرفعه إلا يزيد بن زُريع عن شعبة، وهو غريبٌ))(١). فالمحفوظ هو الموقوف من قول ابن عباس، وقال ابن عَدِي: ((وهذا الحديث معروف بمحمد بن المِنْهال عن يزيد بن زُريع، وأظن أنَّ الحارث بن سُرَيْج هذا سَرَقِهِ منه، وهذا لا أعلم يرويه عن يزيد بن زُريع غيرهما، ورواه ابن أبي عَدِي وجماعةٌ معه موقوفًا))(٢) . وقد وضع أبو عبدالله محمد بن إبراهيم الشامي الكَذَّاب حديثًا فرواه عن شُعيب بن إسحاق الدمشقي، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله رَ﴾: ((لا تسكنوهن الغُرَف، ولا تُعَلِّموهن الكتابةَ، وعلموهن المِغْزَل وسورةَ النُّور)»(٣). وقد رواه أيضًا عبدالوهاب بن الضحاك الحِمْصي، وهو أحد الكذابين أيضًا، عن شعيب به، أخرجه الحاكم(٤) ، وعنه البيهقي(٥)، وقال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه !! ))، وتعقبه الذهبي بأنه موضوع وأن أبا حاتم قد كَذَّب عبدالوهاب هذا. والمهم أنَّ ابن حبان قال في ترجمة عبدالوهاب هذا: ((كان يسرق الحديث ويرويه)) (٦)، فالظاهر أنه سَرَقه من محمد بن إبراهيم الشامي. وقد فرح السيوطي (٧) برواية عبدالوهاب هذه وعدها متابعة لمحمد بن إبراهيم الشامي رادًا بذلك على ابن الجوزي الذي ذكر هذا الحديث في الموضوعات(٨) ! إِنَّ الكُتُب المتأخرة طافحةٌ بالأمثلة الكثيرة التي يمكن الاستدلال بها على سَرِقة الحديث، وحَسْبنا أننا نَّهنا على هذه المسألة، عسى الله أن يوفق أحد (١) تاريخه ٩/ الترجمة ٤٢٨٢. (٢) الكامل ٢/ ٦١٥ . انظر تاريخ الخطيب ٣٢٩/١٦. (٣) (٤) الحاكم ٣٩٦/٢. شعب الإيمان (٢٢٢). (٥) (٦) المجروحين ١٤٨/٢. (٧) اللآلىء ١٦٨/٢. (٨) الموضوعات ١٦٨/٢. ١٦٣ تلامذتنا الفُهَماء لدراستها دراسة مُعَمَّقة، فإنه موضوع بالدراسة حقيق. قيمة أحاديث كتب الرجال والتراجم قد بَيّنا فيما سبقَ أنَّ إيراد الحديث في كُتُب الرجال عند المُتقدمين كان لغاياتٍ محدَّدة تهدفُ في الأغلب الأعم إلى تَقْويمِ حالِ الراوي جَرْحًا أو تعديلاً، وأنَّهم لم يَخْلِطوا أحاديثَ هذه الكتب، بالكُتُب الخاصة بالحديث، كالمُصَنَّفات، والمسانيد، والجوامع، والسنن، فلكلٍ من هذه الأنواع هَدِّفُ سَعَى إليه مؤلّفُهُ، فيتعينُ عندئذٍ محاكمة كُلِّ مؤلّفٍ إلى كتابه وما أرادَّهُ منه ، فالبُخاريُّ مثلاً ألَّف جامعَهُ الصحيح ليكون مظنةً للحديث الصَّحيح في الحَلال والحَرَام والعَقَائد والآداب ونحوها، وألَّف تاريخه الكبير ليكون مظنةً لأحوال رجال الحديث جَرْحًا وتعديلاً وبيانًا لما أخطأوا فيه أو أصابوا، ولم يكن هدفه جمع الحديث أو بيان منزلة كل حديث. وأرادَ أبو داود من سُننه مثلاً أن يورد فيها الصَّحيح وما يشبهه عنده مما يُمْكن أن يُسْتَدِّلَ به في الأحكام ونحوها مع بيان عِلل بعض الأحاديث. وكان هَدَف الترمذي من جامعه هو جمع الأحاديث التي استدل بها الفُقهاء الذين سَبَقوه ونَقْدِها وبيان الصحيح منها والسقيم، وهلم جرًا. بينما كان هدف كتب الضُّعفاء التي تضمنت أحاديث، من مثل ((الضُّعفاء)) للعُقيلي، و((المجروحين)) لابن حِبَّان، و((الكامل)) لابن عَدِي، وغيرها هو بيان ما أخطأ فيه الرواة، أو التمثيل لأحوالهم جَرْحًا وتعديلاً، أو سَيْر أحاديثهم التي انتُقِدَت عليهم. وكذلك الحال فيما يتصل بكتب التّراجم والرِّجال مما بَيَّناه قبلَ قليل. فلا يجوزُ بعد هذا أن يأتي الدَّارِسُ إلى جامع التِّرمذي مثلاً وينتقده لوجود حديث ضَعِيف أو تالفٍ في كتابه، وكأن هدف الترمذي كان جَمْع الحديث الصَّحيح فيه (١)، وليسَ بيان درجة كل حديث من الصِّحة والسُّقْم، (١) إن من أشد الأخطاء الشائعة عن هذا الكتاب ضررًا أن يُعتقد بأن تسميته ((الجامع الصحيح)، صحيحة، بعد أن انتقد الترمذي نفسه مئات الأحاديث الواردة في كتابه وبين ضعفها ووهاءها .. ١٦٤ ٠ فالنَّقد ينبغي أن يُوَجَّه إلى الفقيه الذي احتج بذلك الحديث لا إلى التِّرمذي الذي قَصَدَ من إيرادِهِ نَقْدَهُ. في الوقت الذي يحقُ للدَّارِس أن يُوجِّه النَّقْدَ لأي مُؤْلِّفْ قَصَدَ جَمْعَ الصحيح في كتابه وصَرَّح بذلك، إن وجد فيه حديثًا ضعيفًا. وإذْ كانَ الأمرُ كما بيَّنا والحالُ على ما وَصَفْنا تعَيَّنَ أن لا يُسْتَغْرَب من رواية الأحاديث الواهية والموضوعة في كُتُب الرِّجال والتراجم سواء تكلّم عليها مؤلِّفوها أم لم يتكلموا، بل هو في حقيقته عَمَلٌ محمودٌ؛ لأنَّ سياقة هذه الأحاديث التَّالفة في تراجمهم هي المُنْبِئةُ في كثيرٍ من الأحيان عن أحوالهم. وإذا كان بعض المتأخرين ينحو باللائمة على الخطيب وأمثاله بسبب روايتهم بعضَ الأحاديث الواهية والموضوعة، وسكوتهم عنها كما مَرَّ بنا في أوَّلِ هذا الفصل، فقد كان الأولى أن يُوجهوا هذا النَّقْد إلى مؤلفي كُتُب الرِّجال الأولى، ومنهم مثلاً الإمام البخاري - ومنزلتُهُ بين المُحَدثين كمنزلة أبي بكر رضي الله عنه بين الصَّحابة - الذي ساق الكثير من الأحاديث الواهية وبعض الأحاديث الموضوعة في كُتُبه الرِّجالية ومنها كتابه العظيم ((التاريخ الكبير»، ولم يتكلّم عليها في بعض الأحيان، لعلمه بإدراك القارىء لهدفه من هذا الكتاب، كما تَقَدَّم مثلاً في روايته للحديث الموضوع ((إن شاهدَ الزُّور لا تزول قدماه حتى تجبَ له الثَّار)»، وسياقته في ترجمة أحد الكذابين ليبين حالَهُ ونكارة حديثه(١)، مع أنَّه سكتَ عنه لأنَّ كتابَهُ هذا إنما وُضِعَ لأهل الفِطْنة والاختصاص، لا لعوام النَّاس، ثم ساقه الخطيب نفسه وسكت عنه (٢) ، فكان ماذا؟! على أنَّ الخطأ الكبير إنما تأتَّى ممن يعتمد أمثال هذه الكُتُب ويستدل بأحاديثها ويُعاملها معاملة الكُتُب المختصة بالحديث كالمَسَانيد والسُّنَنْ والجوامع، ولا يفهمُ طبيعتَها ولا يُدرك الأخطارَ المتأتية من الاستدلال بأحاديثها في وَصْل مُنْقَطع، أو رَفْع موقوفٍ، أو وَصْل مُرْسِلٍ أو تصريح بالسماع لبعض المدلسين، فضلاً عما فيها من زيادات في الطّرق والألفاظ (١) التاريخ الكبير ١/ الترجمة ٦٥٦. (٢) تاريخه ٧٠٦/٣. ١٦٥ والمُذْرَج، ونحو ذلك، لعدم إدراكه الغاية التي حَدَت بمؤلّفيها إلى سياقة تلك الأحاديث وإيرادها على النحو الذي هي عليه. وممن أكثرَ اعتماد أمثال هذه الكُتُب المتأخرة، ومنها كُتُب التراجم سواء أكانت تواريخ مُدن، أم مُعْجمات شيوخ، أم مشيخات، أم كتب فوائد، أم تواريخ عامة هو العلامة الشيخ ناصر الدين الألباني يرحمه الله، في تخريجاته وحُكْمه على الأحاديث، لاسيما في كتابيه ((سلسلة الأحاديث الصحيحة» و((سلسلة الأحاديث الضعيفة))، فتوسع فيهما توسعًا كبيرًا فَوَصَلَ المُرْسَل، ورفعَ الموقوفَ، ووجدَ تَّصْريحًا بالسَّماع لبعض المُدَلْسين أمثال ابن إسحاق، وغير ذلك مما تُصَخَّح بها الأحاديث اعتمادًا على بعض هذه الكُتُب المتأخرة من كتب التراجم والمَشْيخات والفَوَائد، مُعارضًا في بعض الأحيان أحكام الجهابذة الأوائل كأحمد والبُخاري والترمذي ونحوهم، مما بيِّنا شيئًا منه في مقدمتنا لجامع الترمذي . ولابُد لنا ونحنُ نبحثُ هذا الموضوع من أن نشير إلى مسألةٍ نّوَّهنا عنها في مُقَدمتنا لجامع الترمذي(١) ، وهي أنَّ العالمَ الإسلاميَّ قد شَهِدَ في المئتين الثانية والثالثة نَهْضةً لا مثيلَ لها في جَمْع السُّنة النبوية الشريفة وتَبِّعها وتَذْوينها وتبويبها على أنحاءٍ شَتَّى مَنِ النَّنْظيم والتَّبُوينِ مما لم تعرفه أمةٌ من الأمم؛ فكانَ ذلك خصيصًا بهذه الأمة الإسلامية. وهيأ الله سبحانه مئات الحُفَّاظ الجَهَابذة الذين حفظوا ودَوَّنوا مئات أُلُوفٍ من طُرُق الأحاديث، ورحلُوا من أجلها إلى البُلْدان النائية، وطَوَّفوا في البُلْدان شَرْقًا وغَرْبًا ليصدروا عن خِبْرَة وعَيان، وسألوا عن الرُّواة واطَّلَعوا على مَزْوياتهم ومُدَوَّناتهم ومحفوظاتهم؛ فجمعتُ السُّنَّة في صُدور الحُفَّاظ وفي كتاباتهم. ثم غَزْبلوا ما كتبوا من مئات الألوف وانتقوا منه ما يمكن أن يكون صحيحًا أو حَسَّنًا أو ضعيفًا، أو يحتمل أن يكون من كلام النبي بَّ، كلٌّ بحسب اجتهاده ومَنْهجه، فتوسع البعضُ واقتصرَ الآخر على أنواع مُعينةٍ، ودُوِّن كلُّ ذلك في المُصَنَّفات والجوامع (١) الجامع الكبير ٤١/١ ١٦٦ والمَسَّانيد والسُّنن، فإن كان فات بعضهم الشيء منها فما كان ليخفى على مجموعهم وهم يتذاكرون المُتُون والأسانيد بينهم. ومما لا شكَ فيه أنَّ الطُّرق التَّالِفة والواهية، أو التي وقعَ فيها الغَلَطُ الفاحشُ، أو الشُّذوذ البَيِّنُ، أو النَّكارة الشديدةُ، أو الأسانيد المركبة على أحاديثَ صحيحةٍ، أو الأسانيد المركَّبة على متون مُنْكرة، أو الموضوعات من أحاديث الكذّابين والمتروكين والهَلْكى قد أُهْمِلت من قبلهم، ولم يَدْخل عُظْمها في كُتُبهم المصنَّة أو مجاميعهم المُبَوَّبة، سواء أكانت مُصَنَّفات أم مَسَانيد، أم جوامع، أم سُنن. وللقارىء أن يتصوَّرَ الجُهْد الهائل الذي بذلَهُ هؤلاء الأئمة الجهابذة في تَصْفِيَة هذه الطُّرق والمتون، حينما يعلم مثلاً أنَّ الإمامَ أحمد أخرجَ مُسْنَده من جملةِ سَبْع مئة ألف حديث(١)، وأَنَّ مُسْنَده بحدود الثلاثين ألف طريق فقط، وأنَّ البخاري أخرجَ كتابَهُ ((الصَّحيح)) من زُهاء ست مئة ألف حديث(٢)، وأحاديثه بالمكرر بحدود السبعة آلاف وخمس مئة حديث فقط، وذكر مسلم بن الحجاج أنه صَنَّف «صحيحَهُ)) من ثلاث مئة ألف حديث مسموعة(٣) ، وكتب يحيى بن مَعِين ست مئة ألف حديث(٤) ، والرِّوايات في هذا الأمر معروفةٌ متواترةٌ. على أنَّ الفَرْقَ بين المُتَقدمين والمتأخرين أنَّ المتقدمين كَتَبوا عن بعض الكَذَّابين والهَلْكى، والضُّعفاء، والمتروكين، فوجدوا أحاديثهم مما لا يجوز تَدوينها في الكُتُب، إما لمعرفتهم بأنَّ هذا ليسَ من كلام النَِّي ◌ََّ، أو لأنَّ فيها من الغَلَط الفاحش في الأسانيد أو المتون ما يتعين أن يُزْمى بها، فكان ذلك الانتقاء وكانت تلك الغَرْبلة الواسعة التي عَبَّر عن بعضها الإمام يحيى بن معين بقوله: «كَتَبنا عن الكَذَّابين وسَجَرنا به التنور، وأخرجنا به خبزًا نضيجًا))(٥). (١) ابن رجب: الذيل ١٣٠/١. (٢) تاريخ الخطيب ٣٢٧/٢. (٣) نفسه ١٥/ ١٢٢. (٤) نفسه ١٦/ ٢٧٠. (٥) نفسه ١٦ / ٢٧٣. ١٦٧ فالمتحققُ أنَّ المتقدمين قَلَّما تركوا حديثًا صحيحًا أو حَسَنًا أو ضعيفًا ضعفًا مقبولاً إلا أدخلوه في تواليفهم، وكذلك الذين اشترطوا الصحة في مؤلفاتهم كالبخاري ومسلم، قال محمد بن يعقوب الأخرم: ((قَلَّما يفوت البُخاري ومسلمًا مما يُثْبُتُ من الحديث))(١). أما المتأخرون فقد حَدَّثوا بكثير مما سمعوا وإن كان هذا مما تركه الجَهَابذة الأوَّلون، فاستخلوا التَّحديث ببعضه، أو هو مما وَضَعِه الوَضَّاعون الذين جاءوا من بعد جيل الجهابذة، ودَوَّنوه في مشيخاتهم ومُعْجماتهم وكُتُبهم. المُصَنَّفة. وقد تَنَبَّه العلامةُ الإمام ولي الله أحمد بن عبدالرحيم الدَّهلوي المتوفى سنة ١١٧٦ هـ إلى شيءٍ من ذلك عند كلامه على ذِكْر كُتُب الحديث، فقال: ((والطبقة الرابعة: كتبٌ قَصَدَ مُصَنِّفُوها بعد قرونٍ متطاولة جَمْع ما لم: يُوجد في الطبقتين الأوليين، وكانت في المجاميع والمَسَانيد المختفية، فنوهوا. بأمْرها، وكانت على ألسنة من لم يكتب حديثَهُ المُحَدِّثون ككثير من الوُغَّاظ. المُتَشَدِّقين وأهلِ الأهواء والضُّعفاء، أو كانت من آثار الصَّحابة والتابعين، أو من أخبار بني إسرائيل، أو من كلام الحكماء والوعاظ خَلَطها الرُّواة بحديث النبيِّ وَّرَ سهوًا أو عَمْدًا، أو كانت من مُخْتَملات القُرآن والحديث الصحيح، فرواها بالمَعْنى قومٌ صالحون لا يَعْرفون غوامض الرّواية فجعلوا المعاني أحاديث مرفوعة، أو كانت معاني مفهومة من إشارات الكتاب والسُّنَّة جَعَلوها أحاديثٌ مُسْتَبدة(٢) برأسِها عَمْدًا، أو كانت جُمُلا شَتَّى في أحاديثٌ مختلفةٍ جَعَلُوها حديثًا واحدًا بنَسَقٍ واحدٍ. ومظنة هذه الأحاديث كتاب ((الضُّعفاء)» لابن حِبّان و((كامل)) ابن عَدِي، وكُتُب الخطيب وأبي نُعيم والجُورقاني وابن عَسَاكُر وابن النَّجار والدَّيْلمي، وكاد «مُسْند الخُوارزمي)) يكون من هذه الطبقة. وأصلحُ هذه الطبقة ما كان ضعيفًا مُحْتَملاً وأسوأها ما كان مَوْضوعًا أو مَقْلوبًا شديد النّكارة. وهذه الطبقة مادة كتاب ((الموضوعات)) لابن الجوزي)). وعَقَّبَّ عليه ولدُهُ العلامة عبدالعزيز الدَّهْلَوي المتوفى سنة ١٢٣٩ هـ بقوله: «وأحاديث (١) الخطيب: تاريخ ١٥/ ١٢٣. (٢) أي: مستقلة. ١٦٨ هذه الطبقة التي لم يُعْلَم في القُرون الأولى اسمُها ولا رسمُها وتصدى المتأخرون لراويتها فهي لا تخلو عن أمرين: إما أنَّ السَّلَف تفحصوا عنها ولم يجدوا لها أصلاً حتى يَشْتَغلوا بروايتها، أو وجدوا لها أصلاً ولكن صادفوا فيها قَدْحًا أو عِلَّةٌ مُوجبةً لترك روايتها وتركوها ... وقد أضَلَّ هذا القسمُ من الأحاديث كثيرًا من المُحَدِّثين عن نَهْج الصواب حيث اغتروا بكثرة طَرُقها الموجودة في هذه الكتب وحكموا بتواترها وتمسكوا بها في مقام القَطْع واليقين وأحدثوا مذاهبَ تُخالفُ أحاديث الطبقتين الأوليين على ثِقَتها. والكتُبُ المصنفةُ في أحاديث هذا القسم كثيرةٌ، منها ما ذُكِرَ، ومنها كتاب ((الضعفاء)) للعُقَيْلي، وتصانيف الحاكم، وتصانيف ابن مَرْدويه، وتصانيف ابن شاهين، و ((تفسير" ابن جرير، و(فردوس)) الدَّيْلمي، بل سائر تصانيفه، وتصانيف أبي الشَّيخ ... فالاشتغال بجَمْعها والاستنباط منها نوع تعُمق من المتأخرين، وإن شئتَ الحق فطوائف المُبْتَدعين من الرَّوافض والمعتزلة وغيرهم، يتمكنون بأدنى عِناية أن يلخصوا منها شواهد مذاهبهم، فالانتصار بها غيرُ صحيحٍ في معارك العُلماء بالحديث، والله أعلم))(١) . والحقُّ أنَّ الأحاديث الواردة في هذه الكتب ومنها تاريخ الخطيب لا تخرج عن أنواع خمسةٍ : الأول: أحاديث معروفة في دواوين الإسلام الأولى ساقها المتأخرون بأسانيدهم من غير تغيير أو تَبْديل، وهذه لا قيمة حقيقية لها لوجودها في مدونات ثَبَتت عن مؤلفيها، كالمُصَنَّفَيْن، والمسند الأحمدي، والكتب السنة، ومؤلَّفات أصحابها الأخرى، وما جَرَی مجراها. الثاني: أحاديث معروفة في دواوين الإسلام الأُولى أنها مُرسلة أو موقوفة أو مُنْقطعة، ساقها المتأخرون موصولة أو مرفوعة، وأكثر ذلك من أخطاء الرواة، أو هو مما تَرَكه المتقدمون . الثالث: أحاديث ساقها أصحاب المؤلفات الأولى بأسانيد معينة أو مخارج معلوم لا تُعرف إلا بها، ساقها المتأخرون بأسانيد أُخرى تظهر وكأنها (١) القنوجي: الخطة ٢١٨ - ٢٢١ (بتحقيق صديقنا الشيخ علي الحلبي). ١٦٩ طرقٌ جديدةٌ لم يعرفها المتقدمون أو خَفِيت عليهم، وهي في حقيقتها إما أن تكون مما تركه المتقدمون لعدم ثبوتها عندهم، أو هي مما أخطأ فيه الرُّواة. اللاحقون، أو مما ابتدعه الكَذَّابون. الرابع: أحاديث ذكرها المتقدمون بمتون مَعْلُومة، رواها المتأخرون بزيادة في ألفاظها أو تغيير يغير معانيها ويخرجها عن المحفوظ منها . الخامس: أحاديث بطرقٍ أو ألفاظٍ لا ذِكْرَ لها في دواوين الإسلام الأولى، ظهرت لأوّل مرة في المئة الرابعة، وهي في رأينا لا تخرج عن صنفين: إما أن تكون مما تركه المتقدمون فلم يشتغلوا به لوهائه، وإما مما ابتدعَهُ الكذابون المُتأخرون. ولو كانَ الأمرُ قد اقتصرَ على كتب التَّراجم ومُعجمات الشيوخ والمشيخات والأمالي والفوائدوالتخاريخ لهانَ الأمرُ، لكنَّ الأمرَ تعدَّى إلى ما هو أعظم بلية حينما بدأت تظهر كتب يزعمُ مؤلّفوها بأنها صحيحة، وفيها الكثير من الضعيف، كما في صحيح ابن خُزيمة وتلميذه ابن حِبَّان، وإن كان كتاب ابن حِبَّان أجود، لكن التحقيق قد بَيّن أن مؤلفي الكتابين قد ذكرا في كتابيهما كثيرًا مما لا يصح، لاسيما تلك الأحاديث التي لا نجد لها ذِكْرًا في المصنفات المتقدمة . مستدرك الحاكم: على أنَّ ابنَ خُزيمة وتلميذه ابن حِبّان من العُلماء بالحديث، وقد يكون الكثير مما انتُقِدَ عليهما قد اجتهدا في إيراده لأسباب معروفة أو غير معروفة، لكن ظهور كتاب مثل ((المُسْتَدرك على الصحيحين)) لأبي عبدالله الحاكم النَّيسابوري المتوفى سنة ٤٠٥ هـ وفيه أكثر من تسعة آلاف وخمس مئة حديث زعم أنه يستدركها على الشيخين هو البَليةُ التي يقفُ الباحث المُنْصِف تجاهها متحيرًا مُسْتَعجبًا من هذا الصَّنيع بعد أن يطلعَ على هَوْل الأخطاء التي وقعَ فيها الحاكم، وروايته لعشرات الأحاديث الموضوعة فيه، ومئات الأحاديث التالفة، وآلاف الأحاديث الضَّعيفة والمَعْلُولة، مما اقتبسه من أحاديث الضُّعفاء ١٧٠ والمتروكين والهَلْكى والكَذَّابين، ومظنة كثير من هذه الأحاديث هي التي أشرتُ إليها قبل قليل مما تركه العُلماء الجهابذة فلم يعبأوا به . وكُنت قد نَوَّهتُ في مقدمتي للجامع الكبير للتُّرمذي بما في هذا الكتاب من البلايا، والخطأ الجَسِيم الذي وقعَ فيه علماء الحديث في عصرنا حينما ظَنُّوا أنَّ الإمامَ الذهبي قد حَرَّر أحاديث الكتاب عند اختصاره له، وعَدُّوا ما سكتَ عنه الذَّهبيُّ من قولِ الحاكم موافقة منه له، فكانوا يقولون في مثل هذا: ((صححه الحاكم ووافقه الذهبي))، فظلموا الإمامَ الذَّهبي ظَلمًا عظيمًا، وجعلوه بذلك مشاركًا للحاكم في المسوؤلية، مع أنه بريءٌ من ذلك كما بينتُهُ على وجه الاختصار في تلك المقدمة(١). ومن أجل إثبات ذلك بالأدلة الدامغة التي لا جدال فيها بعد ذلك وجهتُ أحد تلامذتي النُّجُب لدراسةِ هذا الموضوع، فقام الشيخ عزيز رشيد محمد الدَّايني بإعدادِ رسالةٍ نال بها رُتبة الماجستير عن («منهج الحافظ الذَّهبي في تلخيص مُستدرك الحاكم)» في سنتي ١٩٩٧ و١٩٩٨ م. وقد بيّن في هذه الدراسة الجادة أنَّ العلماء منذ عصر الحاكم وإلى عصور متأخرة قد حَذَّروا من هذا الكتاب وما فيه من الخطأ الفاحش وضرورة عدم اعتبار تصحيحات الحاكم وأنها شبه الريح، وأنه كتابٌ مليءٌ بالأحاديث الموضوعة والسَّاقطة والضعيفة والمعلولة، وهو طافح بالرُّواة الكذَّابين والوَضَّاعين والمتروكين والهَلْكى والضُّعفاء، وأنَّ الخطأ منه لو كان في عشرات أو مئات لكان قبول العُذْر ممكنًا وَغَضْ الطَّرْف سائغًا، لكن سقطاته كانت مما لا يقع فيه المبتدأ بطلب هذا العلم الشريف. ثم قامَ بدراسةٍ عِلْمية معززةٍ بعشرات الأمثلة المُفَصَّلة ومئات الأمثلة التي ساقها في جداول خاصة بين فيها أنَّ الذهبي هَدَف إلى تلخيص ((المستدرك)) حسبُ، ولم يهدف إلى تحرير أحكامه أو نَّقْدها، وأن ما ذكره الذهبي في تلخيصه من أقوال من نحو قوله ((صحيح)) أو ((على شرط خ م)) أو ((على شرط خ)" أو ((على شرط م))، هو تلخيص لكلام الحاكم، وليس هذا من كلامه. (١) جامع الترمذي ١/ ٤٤ - ٤٥، وكان ذلك في سنة ١٩٩٦ م. ١٧١ وأبانَ في تلك الأمثلة المُفَصَّلة والإحالات الكثيرة في الجداول المُلْحقة أنَّه قد ذكر ما يخالف هذه الأحكام في كُتُبه الأخرى التي ألَّفها، وأنه قد صار من المُتعين على أهل العلم بعد إنجاز هذه الدراسة الاستقرائية عدم استخدام عبارة (صححه الحاكم ووافقه الذهبي)) أو ((صححه الحاكم وأقره الذهبي)) كونها لا تستند إلى أي أساس علمي ◌ُرکن إليه. ولقد بيّنا فيما تقدم أنَّ العُلماء الجهابذة الأُول إنما أصدروا أحكامهم على الرُّواة استنادًا إلى سَبْر أحاديثهم فمن كان الخطأ عنده نادرًا وثقوه، ومن كان الخطأ عنده أكثر من ذلك أنزلوه عن هذه الدَّرجة وعَبّروا عنه بألفاظِ دالة على ذلك نحو قولهم (صدوق)) و ((لا بأس به))، ومن كَثُر خطؤه ضعفوه، ومن فحش خطؤه تركوه. وقد تبين لنا، ولكثير من العلماء الذين سبقونا، أنّ الحاكم باستدراكه عَشَرات الأحاديث الموضوعة، ومئات الأحاديث التَّالفة، وآلاف الأحاديث الضَّعيفة على الشيخين قد أخطأ في آلاف الأحاديث، فهذا: إفحاش في الخطأ بلا ريب، ومن ثم فإني استعجب من توثيق العلماء له، مع تضعيف الجهابذة الأوائل لمن هو أقل خطأ منه، بل قول الذهبي في ترجمة أبي نصر المعمر بن محمد البَيِّع المتوفى سنة ٥١٤ هـ: ((الضعيف من يروي الموضوعات ولا يتكلّم عليها))(١) . ولو كان الأمرُ مقتصرًا على روايةِ الأحاديث الموضوعة حسبُ، كما فعل. غيرُه من العُلماء، لهان الأمر، ووجدنا له عُذْرًا كما وجدنا الأعذار لكثير من عُلماء عصره ممن دأبَ على رواية الأحاديث الموضوعة والتالفة والضعيفة من غير بيان لها، لكن الأمر أخطر من ذلك بالنسبة إلى الحاكم، لأنَّه اعتقد صحةً هذه الأحاديث، بَلْه تصريحه بأنَّ هذا مما كان يتعين على الشيخين أو أحدهما. إخراجه ولم يخرجاه! ومن ثم فإني أدعو العلماء الفُهماء إلى مزيدٍ دراسةٍ لهذه الكُتُبِ وأمثالِها دراسةً قائمةً على القواعد والأصول التي ارتضاها العُلماء الجهابذة الأوائل من أهل القَرْنين الثاني والثالث الهجريين، لا على ما ابتدعه (١) تاريخ الإسلام، الورقة ١١٠ (أيا صوفيا ٣٠١٠ بخطه)، فما باله وثق الحاكم الذي لم يكتف بذلك بل اعتقد صحتها؟! ١٧٢ المتأخرون من قواعد يحتاج الكثير منها إلى إعادة نَظَر. شرط البخاري ومسلم : ومن ذلكَ ما شاعَ عند المُتأخرين، ومنهم الحاكم، من قول: إن هذا الحديث على شَرْط الشيخين، أو على شَرْط البُخاري، أو على شَرْط مُسلم، وكأنَّ شروطَهما كانت معروفة لكلِّ أحدٍ من الناس. نعم، حاول بعض المتأخرين معرفة شروط الشيخين بالاستقراء ونقل بعض النصوص، كما فعل محمد بن طاهر المقدسي المتوفى سنة ٥٠٧ هـ والحازمي المتوفى سنة ٥٨٤ هـ (١)، ولكن هذا في حقيقة أمره مجردُ تَخْمين واستنتاجات قائمة على استقراءٍ غير تام لصَنِيع الشيخين في كتابيهما، فإنَّ أحدًا لا يمكنه الجَزْم بالطريقة التي تم بموجبها اختيار المؤلِّفين أحاديث كتابيهما، قال ابن طاهر المقدسي في مقدمة كتابه: ((اعلم أنَّ البخاري ومُسْلمًا ومن ذكرنا بعدهم لم يُنْقل عن واحدٍ منهم أنه قال: شرطتُ أن أُخرِجَ في كتابي ما يكون على الشَّرْط الفلاني، وإنما يُعرف ذلك من سَبْر كُتُبهم فيعلم بذلك شرط كل رجل منهم))(٢). والثَّابتُ البَيِّنُ الذي لا يقبلُ الشَّكَ أنَّ الشيخين قد انتقيا هذه الأحاديث انتقاءً لا نُذْركُ تمامًا الأسس التي بموجبها تم هذا الانتقاء، فلا نَذْري مثلاً لماذا انتقيا الأحاديث التي انتقياها من ((موطأ» مالك، ولا نَذْري مثلاً لماذا انتقيا الأحاديث التي انتقياها من حديث نافع مولى ابن عمر، وهما بلا شك لم يذكرا جميع الأحاديث التي رواها الثقات أمثال أيوب السّخْتياني، وجرير بن حازم، وجعفر بن إياس اليَشْكري، وجُويرية بن أسماء، وصالح بن كَيْسان، وابن جُريج، وعُبيد الله بن عمر، واللَّيث بن سعد، ومالك، ونحوهم عن نافع، عن ابن عمر. وهل يستطيع أحدٌ أن يجزمَ بأن الشيخين قد رَوَيا الأحاديث المروية بكل هذه الأسانيد عن ابن عُمر؟ لا شك أنه لا يستطيع. إذن لماذا تركَ (١) طبعهما أولاً الأستاذ حسام الدين القدسي يرحمه الله بالقاهرة سنة ١٣٥٧ هـ، وأعيد تصويرهما غير مرة، منها ببغداد سنة ١٩٨٩ . (٢) شروط الأئمة الستة ١٧ (ط. بغداد). ١٧٣ الشيخان ما تَرَكا وذكرا ما ذكرا من الحديث؟ ليسَ هناك من جواب إلا القول. بالانتقاء. وإذا كان الأمر كما ذكرنا بالنّسبة للثقات الذين أخرجا لهم في صحيحيهما، فما بالك ببعض الرِّجال المتكلّم فيهم ممن انتقيا من حديثهم الصَّحِيح؟ فقد انتقى البُخاري من حديث إسماعيل بن أبي أُويس، وحَسَّان بن حسان، والحسَن بن بشر، والحَسن بن ذَكْوان، وخالد بن مَخْلَد القَطَواني، وسَلْم بن زرير، وعبدالرحمن بن عبدالملك بن شيبة، وعطاء أبي إسحاق الشيباني، وعمرو بن أبي سَلَمة التِّنّيسي، ومحمد بن الحسن بن هلال، ومحمد ابن عبدالعزيز العُمري، ومعروف بن خَرَّبوذ، وهشام بن حُجَيْر وغيرهم ممن ذكرهم الحافظ ابنُ حَجَر العسقلاني في مقدمة ((الفَتْح)) وبيِّنا أحوالهم في كتابنا. .((تحرير التقريب)». وقد شارك الإمام مسلم البخاري في انتقائه من حديث بعض المتكلّم فيهم ممن ذكرنا، وانفردَ بالانتقاء من حديث غيرهم، حيث انتقى مثلاً من حديث إبراهيم بن المُهاجر البَجَلي، وبَشِير بن المهاجر، وشَرِيك بن عبدالله النَّخعي القاضي، وعبدالله بن أبي صالح السَّمَّان، وعليّ بن زيد بن جُدْعان، والقاسم بن عَوْف الشيباني، وعبدالله بن لَهِيعة، وقَطَن بن نُسَيْر، ومحمد بن عَمرو اليافعي، ومُصعب بن شيبةٍ، وهِشام بن سَعْد المَدَنِي، ووَهْب بن ربيعة الكوفي، ويحيى بن يمان العِجْلي وغيرهم ممن بيّنا أحوالَهُم في كتابنا ((تحرير التقريب)) استنادًا إلى أقوال أئمة الجَرْح والتعديل وأحكامهم التي أصدروها، وبيّنا أنَّ مُسلمًا رحمه الله قد انتقى من حديثهم الصحيح أو قَرَتهم بآخرين. : وإذا كُنَّا نُقَرِّر أنَّ أحاديث الصحيحين كلها صحيحة عند الشيخين، لأنهما اشترطا الصحة فيها (١) ، فليس أمامنا من حَلَّ إلا القول بمسألة الانتقاء، وإلا (١) مع إقرارنا أنَّ مفهوم الصحة يختلف عند الشيخين من موضوع لآخر في كتابيهما، فالصحيح في المناقب أو التفسير أو الأدب هو غير الصحيح الذي يرويانه في الأحكام ولذلك فهما قد يتساهلان بعض التساهل في هذه الأبواب ومثيلاتها فيعدون الحديث الحسن صحيحًا لأنه لا يُحلُّ حرامًا ولا يُحَرَّم حلالاً. ومن هنا نفهم لماذا روى = ١٧٤ حَكَمنا - معاذ الله - عليها بالضَّعف لضعف بعض الرواة. كما أننا في الوقت نفسه حينما نقبل القول بأن هذا الإسناد أو الحديث على شرط الشيخين، أو على شرط البخاري أو على شرط مسلم فإن ذلك يقتضي منا تصحيح جميع الأحاديث المروية عن الرِّجال الذين أخرجا لهم مجتمعين أو منفردين، وهي مَفْسدة بيّنة، إذ أن الكثير من هذه الأحاديث لا ترتقي إلى مراتب الصحة، أو تكون معلولة بعلل خفية لا يتنبه إليها إلا من أعطاه الله معرفة وفهمًا في هذا العلم الشريف، وأغلب ما صححه بعض العلماء من أحاديث ((المستدرك)) من هذا النوع. وقد خفف بعضهم الأمر فلم يعد يستعمل هذا الاصطلاح الخطير واستعاض عنه بالقول ((رجاله رجال الصحيح)) أو ((رجاله رجال البخاري)) أو (رجاله رجال مسلم))، وفي هذا أيضًا نظر من وجهين: الأول: إن كون رواة الإسناد من رجال الشيخين أو أحدهما لا يعني أن الشيخين قد أخرجا بهذا الإسناد، أعني برواية الواحد عن الآخر، فعَبَّاد بن العوام مثلاً من رجال الشيخين وسعيد بن إياس الجُرَيْري من رواة الشيخين أيضًا، ولكنَّ الشيخين لم يخرجا شيئًا من رواية عباد بن العوام عن الجُرَيْري. وكذلك يحيى بن سعيد القطان هو من رجال الشيخين، وشيوخه حَجَّاج بن أبي عُثمان الصَّوَّاف، وسيف بن سُليمان المكي، وعبدالرحمن بن حُميد بن عبدالرحمن بن عوف والأوزاعي هم من رجال الشيخين أيضًا، لكن أحدًا منهما لم يخرج شيئًا من رواية يحيى عن عبدالرحمن بن حُميد وإنما روى النسائي مثل هذا، ولم يخرج البُخاري من رواية يحيى عن حجاج بن أبي عُثمان الصواف واقتصر مسلم على إخراجها، ولم يخرج مُسلم من رواية يحيى عن سيف بن سُليمان المكي واقتصر البخاري على إخراجها، كما أنَّ البُخاري لم يخرج شيئًا من رواية يحيى عن الأوزاعي واقتصر مُسلم على إخراجها، وهلم جرًا. فلكل هذا اعتباراتٌ قد نعرفُ بعضها لكننا نَجْهل الكثير منها بلا رَيْب، = الشيخان لبعض المتكلّم فيهم في هذه الأبواب ولم يرويا لهم شيئًا في الأحكام والحلال والحرام. ١٧٥ وهو أمرٌ يحتاج إلى دراسات مُوسَّعة ودقيقة عن كل راوٍ من هؤلاء الرُّواة وعن كُلِّ شيخ من شيوخه وماذا تَحمَّل عنه وموقف البخاري أو مُسلم من كُلِّ حديث من هذه الأحاديث، وهو أمر يستغرق أعمارًا . الثاني: أنَّ الشيخين قد رَوَيا لرجال من رجالهما ممن عُرفوا بالضَّعف، فانتقيا قليلاً أو كثيرًا من حديثهم الصحيح، فكيف عندئذٍ نُوهِمُ بأنَّ حديث مثل هذا الشيخ أو الراوي صحيح في جُملته؟ . واستعمالُ أمثال هذه التَّعابير فيها محذوران: الأول: أننا لو اتبعنا هذه القاعدة ولم نأخذ بقاعدة ((الانتقاء)» التي أشرتُ إليها، تَعَيَّنَ علينا عندئذٍ تضعيفَ كُلِّ حديث في صحيح البخاري أو صحيح مسلم وردَ فيه أحد الزُّواةُ الضعفاء، كما يحاول بعض المُغْرِضِين الجَهَّلة، وهي مَفْسَدَةٌ ما بعدها مَفْسَدةِ، لأننا بذلك سنحكمُ بالضَّعَف على عَشرات الأحاديث الصحيحة من أحاديث الشيخين. الثاني: أننا سوف نستدركُ عليهما كُلَّ أحاديث الضُّعفاء الذين انتقيًا الشيء بعد الشيء من حديثهم لاسيما المُكْثرين منهم مثل شريك القاضي، وعليّ بن زيد بن جُذعان بالنسبة لمسلم، وإسماعيل بن أبي أُويس وخالد ين مَخْلَدَ القَطَواني وغيرهما بالنسبة للبخاري، وهي مَفْسدة بَيّنةٌ أيضًا. وليُعْلَم بأنَّ الكلام في رجالٍ من رجالِ الصّحيحين ليس الغاية منه، كما يظن بعض أهل الجهالة والغباء، هو الطعن في الصحيحين، وإنما الهدف من ذلك بالدَّرجة الأساس الحكم على حديث هؤلاء خارج الصَّحيحين، أي مما لم ينتقه الشَّيْخان أو أحدهما من صحيح حديثهم، فلا يأتي بعد ذلك بعض قليلي المعرفة بهذا العلم الجليل فيصحح أحاديث هؤلاء في الكُتُب الأخرى كالحاكم في مستدركه وغيره بحجة أنَّ هؤلاء ممن روى لهم الشيخان، فهذا بلا شك مخالف لصنيع الجهابذة الأقدمين ومنهم الشيخان. وخلاصة القول: إنَّ الصحيحين هما أصح كتابين بعد كتاب الله عزوجل، وقد تلقت الأمةُ أحاديثَهُما بالقَبُول جيلاً بعد جيل، وأن وجود لفظة هنا وعبارة هناك مما انتقدَهُ العُلماء العارفون لا يخرجهما عن عُموم الصِّحَّةِ فقد أبَى اللهُ ١٧٦ الصحة التامة إلا لكتابة العزيز الذي ﴿لَّا يَأْيِهِ الْتَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ جَ﴾ [فصلت]، وقد اجتهد كلُّ واحدٍ منهما بحَسَب ما آتاه اللهُ من علم ومعرفةٍ بانتقاء هذه الأحاديث فوضعها في كتابه، فلا يَجُوز لأحدٍ بعدهما أن يُنازعهما فيما ذَهَبا إليه لعدم وقوفِه على مَنْهجهما وطرائقهما صراحة . ومن ثم أرى أنَّ استعمال العبارات التي تُشير إلى أن الإسناد الفلاني على شَرْطهما أو شَرْط أحدهما فيه الكثير من التعسف ومُجانبة الصواب، وأن استعمال العبارات الدالة على أنَّ إسنادًا ما رجاله رجال الصحيح أو رجال البخاري أو رجال مسلم نفعُه قليلٌ وضرره وبيلٌ، فالأولى ترك مثل هذه التَّعابير التي نَجَمت عندَ المُتأخرين، والاقتصار في الحُكْم على الحديث استنادًا إلى القواعد المعمول بها واستهداءً بأقوال الجهابذة الأوائل أهل المعرفة والإتقان. ١٧٧ --- الفصل الرابع نهج العمل في التحقيق توطئة طُبعَ تاريخ الخطيب طبعةً واحدةً بمطبعة السعادة بالقاهرة سنة ١٩٣١ م وهي طبعةٌ سقيمةٌ مليئةٌ بالتَّصحيف والتَّحريف والسَّقْط، استنادًا إلى مخطوطة سقيمةٍ متأخرةٍ محفوظة في مكتبة كوبرلي بإستانبول وعلى الأجزاء المحفوظة بمكتبة الأزهر، وهي من نسخةٍ جَيّدة نُسِخَت عن النُّسخة التي كانت موقوفة بالشُّمَيْساطية، ظنًا منهم أنها هي نسخة السُّمَيْساطية، وعلى جزءٍ صَوَّرَهُ لهم المستشرق الألماني هَلْموت ريتر سَدُّوا به نَقْصًا كان في نُسخة كوبرلي، وجزء واحد من آخر الكتاب محفوظ بدار الكتب المصرية، تاركين جميعَ النُّسخ الأصيلة والعتيقة التي نُسِخت في المئة السادسة وغيرها من النسخ التي سنصفها عند كلامنا على النُّسخ، ولعلهم اقتصروا على ما اقتصروا عليه لقلةٍ تقديرهم لأهمية النُّخ الأصيلة، وصعوبة التصوير يومئذٍ وعدم انتشاره. ويظهر لي أنَّ القائمين على نشر الكتاب قد كَلَّفوا أحدَ النُّاخ المصريين بنسخ الكتاب فطبعوه اعتمادًا على هذه النسخة الحديثة التي وقع فيها هذا الناسخ بأخطاء في القراءة ورَسْم بعض الحروف، يدل على ذلك تغيير بعض الحروف التي يلفظها عوام المصريين بلفظ آخر، كما بيناه في بعض المواضع من تعليقاتنا. كما تبين لي بأنَّ القائمين على تصحيح الكتاب لم يعتنوا بمقابلة المَنْسوخ على الأصل المُنْتَسخ منه، بدلالة سُقوط كلماتٍ وجملٍ وفقرات كثيرةٍ من الكتاب موجودة في النسخ التي اعتمدوها. ومما زادَ الطيين بّة أنَّ القائمين على تصحيح الكتاب لم يكونوا من العارفين بهذا العلم، ولا من المتخصصين بتصحيح الكتب، كما عهدناه في الطبعات الدَّقيقة التي أخرجتها مطبعة بولاق ودار الكتب المصرية، تدل على ١٧٩ ذلك الأخطاء الكثيرة والتَّصحيفات والتَّحريفات الهائلة التي لا يقع فيها المبتدئون بهذه الصَّنْعة، كما أن بعض التعليقات المبثوثة هنا وهناك تدل على جَهْل مُدقع بطبيعة المادة التي تضمنها الكتاب. على أننا لاحظنا في الوقت نفسه تفاوتًا هائلاً في صحة النَّص بين قسم وآخر من تلك الطبعة، مما يدلُ على أن المُصححينَ لم يكونوا على مستوى واحدٍ في بَذْل الجهد والعناية، ولا هُم على قدر واحد في المستوى العلمي، فكَثُرَتِ الأخطاءُ والتصحيفات والتحريفات والسقطات في أقسام من الكتاب وخفت في أقسام أخرى منه . وكنتُ على اتصالٍ دائم بتاريخ الخطيب منذ أربعين عامًا، أفيدُ منه في بحوثي ودراساتي وتحقيقاتي، لاسيما في تحقيقي لكتاب ((تهذيب الكمال)) لحافظ عصره أبي الحجاج يوسُف المِزِّي، إذ كان هذا التاريخ واحدًا من مصادر المزي الرئيسة، فقابلتُ جميعَ نصوصه بالنص المطبوع من هذا التاريخ، وِثَبَّثُّ كثيرًا من الاختلافات، ونَبَّهْتُ في مئات المواضع على ما وقعَ في تلك الطَّبْعة من الأخطاء الفادحة. وممن تَنَّه إلى سوء هذه الطبعة عَلَّمة الديار المصرية أستاذنا وصديقنا العَلامة محمود محمد شاكر، يرحمه الله، فقال في تعليق له على ((جَمْهرة نسب قريش)) للزُّبير بن بكّار: ﴿والمطبوع من تاريخ بغداد دَخَله تصرف الناشر، فأنا أتردد في القطع بما فيه))(١). ومنهم صديقنا الفاضل الأستاذ الدكتور أكرم ضياء العُمري الذي قضى مع هذا الكتاب سنوات من حياته العلمية المباركة حين كتب دراسته النافعة ((موارد الخطيب)) التي صدرت سنة ١٩٧٥ م فقال: ((إنَّ مواضع السَّقْط كثيرة ... أما الأخطاء التي وقعت في طبعة تاريخ بغداد فكثيرة، منها ما يتعلق بتصحيف الأسماء وقَلْبها واختلاط إسناد رواية بإسناد رواية أخرى مع سَقْط الرواية الأولى، أو سقوط اسم وسط السَّنَّد، وغيرِ ذلك))(٢) . ومنهم الأستاذ الفاضل الدكتور خلدون الأحدب الذي قضى سبع (١) جمهرة نسب قريش ٢٩٧ هامش ١. (٢) موارد الخطيب ٨٧ هامش ١ .. ١٨٠