النص المفهرس
صفحات 141-160
الثاني: أنه قد خُولف في حديثه عن أبي إسحاق السَّبيعي، فرواه عن أبي الأحوص عن عبدالله مرفوعًا، ورواه أحد الثُّقات الكبار، وهو معمر بن راشد، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه موقوفًا. الثالث: أنه روى حديث أبي صالح عن أبي هريرة: «من أدرك رَكْعتين من العصر)) وهو حديث معروف من حديث أبي صالح عن أبي هريرة شَذَّ فيه بقوله ((ركعتين)) بدلاً من قوله «ركعة)) واحدة، كما بيناه مُفصلاً في تخريجنا له في هذا الكتاب(١) ، فزاد فيه: ((والفجر مثله)) وهي غير محفوظة من حديث أبي صالح عن أبي هريرة الذي ذكر فيه الركعتين بعد العصر، وهي لا تصح أيضًا. وحين ترجمه ابن أبي حاتم قال: «محمد بن عَيَّاش العامري. روى عن الأعمش، وابن أبي ليلى. روى عنه عُبيد الله بن عبدالمجيد الحنفي))، ثم نقل عن أبيه قوله فيه: ((هو شيخ كوفي لا أعلم روى عنه غير عُبيدالله الحنفي))(٢). وقد يَسُوقُ حديثًا ما في ترجمةٍ مُعَيّنة لبيان ضَعْف المترجم مع التَّصْريح بضعفه، فكأنه أراد بإيراد الحديث ليكون دليلاً على قوله فيه، مثال ذلك قوله : ((محمد بن فُرات الكوفي، أبو علي التّميمي. عن مُحارب، عن ابن عمر، عن النبي ◌َّ* قال: شاهدُ الزُّور لا تزول قَدَماه حتى تجبُّ له النار، قاله لي يحيى بن إسماعيل، منكرُ الحديث))(٣). ومحمد بن فرات هذا كَذَّابٌ كما في ترجمته من تهذيب الكمال(٤)، وحديثه في شاهد الزُّور حديثٌ موضوعٌ أخرجه ابنُ ماجة(٥) وغيرُه، وخَرَّجناه وتكلَّمنا عليه في تعليقنا على تاريخ الخطيب هذا (٦) . وربما أرادَ البُخاري بإيراده حديثين في ترجمة واحدة ليبين إن كان راوي (١) تاريخ مدينة السلام ٨/ ٤١١. الجرح والتعديل ٨/ الترجمة ٢٣٢. (٢) التاريخ الكبير ١/ الترجمة ٦٥٦. (٣) تهذيب الكمال ٢٦٩/٢٦ - ٢٧٢. (٤) (٥) ابن ماجة (٢٣٧٣). (٦) تاريخ الخطيب ٧٠٦/٣. ١٤١ الحديثين واحدًا أم اثنين، نحو قوله: («محمد بن قيس المكي. قال لي مالك بن سَعْد: حدثنا رَوْحِ، قال: حدثنا هشام بن حَسَّان، عن محمد بن قيس المكي، قال: لقيتُ رجلاً يقال له عَمرو بن قيس، حدثني عن أبي الدرداء: إذا قال لا إله إلا الله، قال: صدق عبدي . وحدثني محمد بن عُقبة، قال: حدثنا الفَضْلِ بن العلاء، قال: حدثنا · إسماعيل بن أمية، قال: حدثنا محمد بن قيس أنَّ زيد بن ثابت قال: دعا النبيُّ (* لأبي هريرة. فلا أدري أهو الأول أم لا))(١). وهذا الرجل ترجمه ابنُ أبي حاتم عن أبيه، وذكر رواية هشام بن حَسَّان عنه، وقال: لا أعرفه(٢) . فالبخاري عَبَّر عن ذلك بإيراد الحديثين، وأبو حاتم عَبَّر عنه بلفظة تفيد تجهیله . وقد يترجم البُخاري لشخص ما تَرْجمتين مع احتمال أن تكونًا لواحد، وذلك بسبب اختلاف في الاسم ورد في سَنَد حديثٍ مُعين، وهو يفعل ذلك دائمًا دفعًا للشك واللَّْس، فقد ترجم لأبي الأسود محمد بن عبدالرحمن بن نَوْفل يتيم عُروة، وذكر رواية هشام بن عُروة والزُّهري وحيوة ومالك عنه(٣) . ثم ترجّم لراوٍ سماه: ((محمد بن عبدالرحمن بن عبدالله)) فقال: ((قال لي عُبيد ابن يَعيش: حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابنُ إسحاق: سمع محمدًا، عن طريف البَرَّاد، عن أبي هريرة، قال: سمعتُ النبيَّ وَلّ يقول: أتاكم أهلُ اليَمَن أَرْق قلوبًا))(٤). فأراد البخاري بهذه الترجمة الأخيرة أن يبين أن هذا الاسم بهذه الصيغة لا يُعرِف إلا بهذا الإسناد لهذا الحديث. وقد عَذَّه أبو حاتم أبا الأسود يتيم عروة(٥)، لكن ابنه عبدالرحمن أعادَهُ نقلاً عن أبيه أيضًا، فقال: «محمد (١) التاريخ الكبير ١/ الترجمة ٦٦٨ . (٢) الجرح والتعديل ٨/ الترجمة ٢٨٤. (٣) التاريخ الكبير ١/ الترجمة ٤٣٥. (٤) نفسه ١ / الترجمة ٤٦٩. (٥) الجرح والتعديل ٧/ الترجمة ١٧٣٥ . ١٤٢ ابن عبدالرحمن. روى عن طريق البَرَّاد، عن أبي هريرة، روى عنه محمد بن إسحاق؛ سمعت أبي يقول ذلك)»(١). ثم نقل ذلك ابنُ حِبَّان في ((الثقات))(٢). وذكرَ البُخاري ترجمة لطريف البَرَّاد الذي روى عنه هذا المسمى ((محمد بن عبدالرحمن بن عبدالله))، فقال: ((طريف البَرَّاد عن أبي هريرة، روى عنه محمد ابن إسحاق عن محمد بن عبدالرحمن بن عبدالله)»(٣). وكذلك فعل ابن أبي حاتم نَقْلاً عن أبيه، فقال: ((طريف البراد. روى عن أبي هريرة، روى عنه محمد بن عبدالرحمن، سمعت أبي يقول ذلك)»(٤) ، ثم تابعهما ابنُ حِبّان على عادته فذكر طريفًا هذا في الثقات(٥) ! فتحصل من جِمَاع هذا الذي ذكرناه أنَّ كُلَّ هذه التراجم إنما كانت بسبب إسناد حديث رُوي عن ابن إسحاق فيه ذكر لهذين الاسمين بهذه الصيغة، ويظهر منها عندئذٍ أن ((محمد بن عبدالرحمن بن عبدالله)) وطريفًا البراد لا يُعرفان إلا بهذا الحديث وبهذا الإسناد، مع أنَّ هذا الحديث بغير هذا الإسناد صحيحٌ معروفٌ من حديث أبي هريرة إذ يُروى من طرقٍ عنه ليس في واحد منها ((طريف البراد)) هذا إلا بهذا الإسناد(٦)، ولذلك فهما مجهولان. ومما تقدم يُدرك القارىء الفاحص كيف تتكون بعض التراجم في كتب الرجال، مما لا وجود له إلا في بعض الأسانيد التي يحتمل أن يكون بعض الرواة أخطأ فيها! وقد يسوق البُخاري حديثًا لبيان شَكُّه في حقيقة الرَّاوي، فقد ترجم لمحمد بن قيس الأسدي الوالبي الكوفي الثقة المعروف، ثم قال: ((وقال يحيى ابن آدم: أبو بكر النَّهْشَلي، عن محمد بن قيس، عن حبيب بن أبي ثابت، عن (١) نفسه ٧ / الترجمة ١٧٤٥ . (٢) الثقات ٧ /٤١٣. (٣) التاريخ الكبير ٤ / الترجمة ٣١٢٦. (٤) الجرح والتعديل ٤ / الترجمة ٢١٦٢. (٥) الثقات ٣٩٦/٤. (٦) ينظر كتابنا: المسند الجامع ١٨/ حديث (١٤٩٢٩) و(١٤٩٣٠) و(١٤٩٣٢) و (١٤٩٣٤) و(١٤٩٣٧) و(١٤٩٤٠). ١٤٣ طاوس، في العِثْقَ))، ثم قال: ((فلا أدري هو الأسدي أم لا))(١). من هنا يتبين أنَّ البخاريَّ وقعت عنده روایة لهذا الحديث عن أبي بكر النَّهْشِلي عن ((محمد بن قيس)) غير منسوب، عن حبيب بن أبي ثابت، فلم يعرف هويته، ولكنه قَدَّر أن أقرب ما يمكن أن يكونه هو الأسدي الوالبي الكوفي لأسباب لم يذكرها، لعل من بينها الطبقة، فوضع هذه الإشارة وهذا الحديث في ترجمته، مع وجود عدة تراجم في تاريخه ممن يسمَّون («محمد بن قيس)). ومع ذلك فإن المزي لم يذكر في شيوخ محمد بن قيس الأسدي ((حبيب بن أبي ثابت))، ولا ذكر أبا بكر النهشلي في الرواة عنه، لعدم ثبوت ذلك عنده (٢) . ومن ذلك أيضًا تكرار التراجم لمثل هذا السَّبَب، فقد ترجم البخاري لرجل يقال له ((محمد بن عُمر الدِّيلي)) ورد في إسناد حديث من روايته: «أن نُعَيْمًا المُجْمِر حَدَّثه عن رجلٍ من بني غِفار: تَضَيَّقُنا النبي ◌َّ وأنا مضطجعٌ، فقال: ضَجْعة أهل النار. فعقب عليه بقوله: ((أهابُ أن يكون محمد بن عمرو ابن حَلْحَلة)»(٣). ثم ترجم لابن حَلْحَلة في تاريخه (٤) . وحينَ نبحثُ عن رأو اسمه ((محمد بن عُمر الدِّيلي)) في ((الجَرْح والتعديل)) لابن أبي حاتم لا نجده، لأنه عنده لا وجود له فهو ابن خَلْحَلة، لكن طريقة البخاري تختلف عن طريقة ابن أبي حاتم . وقد تكون غاية البخاري بيان الاختلاف في حديث ما وترجيح الرِّواية الصحيحة، فقد قال مثلاً: «محمد بن أبي عائشة مولى لبني أمية. قال لنا مُؤَمَّل ابن هشام: حدثنا إسماعيل، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن النبي ◌َّ في القراءة . (١) التاريخ الكبير ١/ الترجمة ٦٦٢. (٢) تهذيب الكمال. ٣١٨/٢٦ - ٣١٩. وانظر مثالاً آخر في التاريخ الكبير ١/ الترجمة ٦٨٨. (٣). التاريخ الكبير ١/ الترجمة ٥٤٠. (٤) نفسه ١/ الترجمة ٥٨٢. ١٤٤ قال إسماعيل عن خالد: قلت لأبي قِلابة: مَن حذَّلك هذا؟ قال: محمد ابن أبي عائشة مولى لبني أمية ... وقال لنا موسى: عن حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة عن النبي ◌َّارِ. وقال عُبيد الله بن عمرو: عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، عن النبي مَّ، ولا يصح عن أنس)»(١) . فالبخاري هنا إنما ساقَ هذا الحديث ليبين أنَّ الروايةَ الصحيحة هي رواية أبي قلابة عن محمد بن عائشة، وهي رواية مُرْسلة، وأنَّ من رواه عن أبي قلابة عن أنس مرفوعًا لا يصح. ومحمد بن أبي عائشة هذا ثقةٌ أخرجَ له مُسلم حديثًا واحدًا(٢)، وترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ونقل عن ابن مَعِين توثيقه، وعن أبيه أنه قال فيه: ليس به بأس(٣) . وقد يَعْمّد البُخاري في ترجمة أحدهم إلى رواية حديث مُضْطَرب ليبين اضطراب صاحب الترجمة (٤) . والحق أنَّ الإمام البُخاري ما ساقَ حديثًا في ((تاريخه الكبير)) إلا لغايةٍ عنده، حاولنا في هذه العجالة أن نسُلِّط الضوء على بعضها، لنستهدي بما قدمنا في فهم الغايات التي قصدها الخطيب من سياقته الأحاديث في كثير من تراجم كتابه (تاريخ مدينة السلام)) . ولعل هذا الذي أشرت إلى بعضه إشارة سريعة هو الذي يفسر لنا قول الإمام البخاري: ((لو نشر بعض أستاذي هؤلاء لم يفهموا كيف صنفت كتاب التاريخ ولا عرفوه))، وقوله: ((أخذ إسحاق بن راهويه كتاب التاريخ الذي صنفتُ فأدخله على عبد الله بن طاهر، فقال: أيها الأمير ألا أريك سِحْرًا؟ قال: فنظر فيه عبدالله بن طاهر، فتعجب منه، وقال: لستُ أفهم تصنيفه!))(٥) . من (١) نفسه ١ / الترجمة ٦٤٧ . (٢) مسلم ٢ / ٩٣. (٣) الجرح والتعديل ٨/ الترجمة ٢٤٥. التاريخ الكبير ١/ الترجمة ٧٧٨. (٤) (٥) تاريخ الخطيب ٣٢٥/٢ - ٣٢٦. ١٤٥ هنا ندرك خطأ من يظن أنَّ هذا التاريخ من كتب الرجال الاعتيادية، فقد قَصَدَ البخاري فيه مقاصد لا يدركها الباحث إلا بالبحث المُعَمَّق القائم على التجربة. الواسعة والخبرة العميقة الشاملة . الحديث في كتب التراجم عند المتأخرين هكذا كان حالُ الأوائل من جيل الجهابذة في إيراد الحديث في مُصَنَّفات الجَرْح والتعديل أو ما يسمى بكتب الرجال. وقد استفاد المتأخرون بعضَ طرائقهم هذه لاسيما الأذكياء العالمون بالحديث، ومنهم الخطيب،. فاستخدموها في كُتُبهم المؤلِّفة في التراجم. التفاخر بسعة الرواية لكن هذا الأمرَ في الوقت نفسه صارَ عادةً وتقليدًا، فلم تعد الغايات التي ضربنا لها بعض أمثلةٍ فيما تقدم هي الحافز الأوحد لإيراد الأحاديث في أمثال هذه الكُتُب، بل داخلتها غايات أخرى كان من أبرزها إدخال ذاتيات المُصَنَّفين أنفسهم في كُتُبهم، من نحو سياقة حديث بإسناد المُصنف رواه خليفةٌ أو أميرٌ أو وزيرٌ أو قاضٍ أو نحويٌّ أو لغويٌّ أو أديبٌ أو صوفيٌ ممن ليسَ الحديث صناعته ولا هم من المهتمين به أصلاً، ولذلك غالبًا ما تكون هذه الأحاديث تالفة أو موضوعة، أو تكون في بعض الأحيان مما يتداوله الناس من صحيح الحديث أو سقيمه، وكثيرًا ما يكون هذا الشخص لا يُعرف عنه سوى هذا الحديث، ليثبت المصنف سعة معرفته وكثرة روايته . العلو في الإسناد ومن ذلك أيضًا التفاخر بسياقة الأحاديث بالأسانيد العالية دون النّظر إلى غاية أخرى، وغالبًا ما تكون هذه من الكتب المُدَوَّنة المعروفة، مثل الكتب الستة ومسند أحمد، وهو ما عُرف عند المتأخرين بالبدل العالي أو الموافقة . ومع أنَّ المتأخرين كانوا يتفاخرون بأسانيدهم العالية وتباعد ما بين ١٤٦ الراويين(١)، لكننا ينبغي أن نُدرك بأن هذا الأمر إنما يحصل عند المتأخرين جراء إحضار الأطفال مجالس السماع، وهم في الثالثة أو الرابعة أو الخامسة من أعمارهم ونحو ذلك، فَتُدون أسماؤهم في طبقة السماع، أو يحضرون مجالس السماع وهم في سن صغيرة كأن يكونوا في العاشرة أو نحوها فيسمعون بأنفسهم وتدون أسماؤهم كذلك، فإذا تقدم بهم العُمُر حَدَّثوا بما أُسْمِعوا أو سَمِعوا، فَيَعُدُون ذلك مفخرةً، وقد تقدم عند كلامنا على تلامذة الخطيب والرواة عنه أنَّ العديد منهم سمعوا من الخطيب وهم في سن لا يميزون فيه شيئًا، ولنتذكر بأن أبرزَ رواة تاريخ الخطيب هو أبو منصور القَزَّاز وإنما سمع هذا التاريخ مع أبيه وَعمِّه وهو في التاسعة من عُمُره، وأن ابنَ عساكر قد شحنَ ((تاريخ دمشق)) بآلاف الروايات التي أُسْمِعها وهو لم يتجاوز الخامسة من عُمره، بَلْه سماعه للأجزاء التي سَمعها من تاريخ الخطيب على الشريف ابن أبي الجن العَلَوي وهو لم يتجاوز التاسعة من عُمره. فهذا في حقيقته لا قيمة علمية له، وإنما كان المتأخرون يَعُدونه منقبة للراوي حسبُ، لاسيما عند التفرد بسماعه لوفاة من سمع من ذلك الشيخ. ومثل هذا بلاشك مظنة للخطأ لصغر سن أمثال هؤلاء وعدم تمييزهم، إذ القيمة والعهدة فيه على من دَوَّن الطِّباق وقابلَ النُّسخة، وفيما إذا كان فعل ذلك أو لم يفعله . الخطيب وسبر أحاديث الرواة : وأول ما نلاحظه أنَّ الخطيب قد أخذَ في كثير من المواضع، عند الحكم على الرجال، بقاعدة سَبْر حديث المُتَرْجَم ليصدر حُكْمًا عليه نتيجة لذلك لاسيما حينما لا يجد فيه جَرْحًا أو تَعْديلاً، أو وجد شيئًا من ذلك ثم وجدَ أنَّ سَبْر حديثه يدل على غير ذلك، فقد ساق المُصَنَّف في ترجمة أبي العباس محمد بن بيان بن مُسلم الثقفي - وهو ممن وثَّقه الراوي عنه محمد بن عُبيد الله ابن الشُّخِّير الصَّيْرفي - حديثًا باطلاً في تفسير سورة التِّين، فقال: ((وهذا الحديث بهذا الإسناد باطلٌ لا أصلَ له يصح فيما نعلم، والرِّجال المذكورون (١) ألّف الخطيب كتابه ((السابق واللاحق)) لهذا المعنى. ١٤٧ في إسناده كلهم أئمة مشهورون غير محمد بن بيان، ونَرَى العِلَّة من جهته، وتوثيقُ ابن الشِّخِّير له ليس بشيءٍ، لأَنَّ مَنْ أوردَ مثلَ هذا الحديث بهذا الإسنادِ قد أغْنَى أهلَ العِلْم عن أنْ يَنْظروا في حالِهِ ويَبحْثُوا عن أمره، ولعله كان يتظاهر بالصَّلاح، فأحسنَ ابنُ الشِّخِّر به الظن وأثنى عليه لذلك، وقد قال يحيى بن سعيد القطان: ما رأيتُ الصالحين في شيءٍ أكذب منهم في الحديث))(١). وعلى العكس من ذلك، فقد يجد شَخْصًا متكلما فيه أو مجهولاً لكن أحاديثه مستقيمة، فقد ذكر في ترجمة أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد المُفيد أنَّه روى عن مشايخ مجهولين: ((منهم أحمد بن عبدالرحمن السَّقَطي، روى عنه جُزءًا عن يزيد بن هارون، وذكر أنه سمع منه ببغداد في سنة خمس وتسعين ومئتين، والسَّقَطي هذا مجهول. فحدثني عبدالعزيز بن عليّ، قال: رأيتُ في كتاب أبي سَعْد الماليني بخطه: سمعت أبا سَعْد عبدالرحمن بن محمد بن محمد بن مَمَجَّة يقول: سمعتُ أبا الحسن الدَّار قُطني وسُئِلَ عن أحمد بن عبدالرحمن السَّقَطي الذي حدث عنه أبو بكر المُفيد، فقال: قد حَدَّثنا عنه جماعةٌ عن يزيد بن هارون)). ثم قال الخطيب: ((ولا علم أحدًا من البغداديين ولا غيرهم عرف أحمد بن عبدالرحمن السَّقَّطي هذا، ولا رَوَى عنه سوى المُفيد، وفي هذه الحكاية نظر من جهة ابن مَمَجَّة. وأكثر أحاديث السَّقَّطي عن يزيد صحاح ومشاهير، إلا ما أخبرنا أبو نعيم الحافظ (ثم ذكر حديثًا واحدًا فقط بيَّن وهاءَه)(٢) . وقال في ترجمة أبي العباس أحمد بن محمد بن سَوَادة المعروف بخُشَيْش: ((قرأتُ في كتاب الدارقطني بخطه ... قال: أحمد بن محمد بن سوادة أبو العباس يُعرف بِخُشَيْشِ كوفيٍّ يعتبرُ بحديثه ولا يُحْتَج به))، ثم عَقَّبَ على تضعيف الدارقطني بقوله: ((قلت: ما رأيتُ أحاديثَهُ إلا مستقيمة، فالله (١) تاريخه ٢/ الترجمة ٤٤٣ . (٢) تاريخه ٢/ الترجمة ٢١٩. ١٤٨ أعلم))(١). (١) وقد يسوق الخطيب أحاديث للمترجم يبين فيها حاله، فقد قال في ترجمة أبي الفَرَج محمد بن جعفر بن الحسن بن سُليمان صاحب المُصَلَّى المتوفى سنة ٣٧٤ هـ: ((حدثنا عنه أبو الحسن التُّعَيْمي والقاضي أبو القاسم التُّوخي أحاديث تدل على سُوء ضَبْطه وضَعْف حاله))، ثم ساق له حديثين أخطأ فيهما(٢). وهذا الذي أشرتُ إليه من الحُكْمِ على المُتَرْجَم جراء سَبْر حديثه قد أكثرَ منه الخطيب، وهو صنيعُ الجهابذة الأوائل من أهل المعرفة، وفيما يأتي بعض عباراته الدالة على ذلك : قال في ترجمة أبي بكر محمد بن محمد بن أحمد بن عثمان المقرىء البغدادي المعروف بالطّرازي بعد أن ساق له حديثًا أخطأ فيه وحَمَّلَهُ جَرِيرتَهُ : «وقد رأيتُ للطُّرازي أشياء مُسْتنكرة غير ما أوردته تدل على وهاء حاله وذهاب حديثه))(٣). وقال في ترجمة أحمد بن عبدالرحمن بن بشار الشَّسَوي: ((روى عنه إسماعيل بن علي الخُطَبِي وعبدالباقي بن قائع أحاديث تدل على صِدْقه))(٤) . وقال في ترجمة أبي علي أحمد بن إبراهيم بن مالك القُوهستاني: ((وأحاديثه مُستقيمةٌ حِسانٌ تدل على حِفْظُه وثِقَته))(٥) . وقال في ترجمة أبي نصر أحمد بن عبدالله بن أحمد بن ثابت البخاري المعروف بالثابتي: ((روى عنه إسماعيل بن عليّ الخُطبي وعبدالباقي بن قانع أحاديث مُستقيمة تدل على صدقه))(٦) . (١) تاريخه ٦/ الترجمة ٢٦٢٩. (٢) تاريخه ٢ / الترجمة ٥٢٧ . (٣) تاريخه ٤/ الترجمة ١٥٥٤. (٤) تاريخه ٥/ الترجمة ٢٢٤٠. (٥) تاريخه ٥/ الترجمة ١٨٥٩. (٦) تاريخه ٥/ الترجمة ٢٢٣٤. ١٤٩ وقال في ترجمة أبي بكر أحمد بن محمد بن ثابت بن الهيثم الصَّيْرفي: للحدث عن ... أحاديث تدل على صِدْقه وثقته))(١). وقال في ترجمة أحمد بن محمد بن عُبيد الله التَّمَّار المقرىء: ((ذاكرتُ أبًا القاسم الأزهري حالَ هذا الشيخ وقلت: أُراه ضعيفًا لأنَّ في حديثه مناكير، فقال: نعم، هو مثل أبي سعيد العَدَوي))، وقال في موضع آخر: «وكان غير ثقة روى أحاديث باطلة»(٢): وقال في ترجمة أحمد بن نصر بن عبد الله بن الفَتْح الذَّارعِ: ((وفي حديثه نُكْرةٌ تدل على أنه ليس بثقة»، ولم ينقل عن أحدٍ فيه جَرْحًا ولا تعديلاً (٣). وقال في ترجمة حمزة بن أحمد بن مَخْلَد العَطَّار: ((حدثنا عنه أبو بكر البَرْقاني ومحمد بن عُمر بن بُكَيْرِ أحاديث تدل على ثقته))(٤). وقال في ترجمة صالح بن جعفر بن محمد الرازي: ((وأحاديثه مُستقيمة تدل على صِدْقه»(٥) . وقال في ترجمة أبي الهواء نَسِيم بن عبدالله، مولى المقتدر بالله: ((وأحاديثه مُستقيمةٌ تدل على صدقه)»، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً غير هذا(٦) . وأرى أن ما ذكرت من أمثلة، لها عشرات نظائر، كافية للدلالة على قيام الخطيب بسَبْر أحاديث كثير من الرواة. فإن كان في الأمثلة المتقدمة قد صَرّح بالحكم على المُترجم جَرَّاء هذا السَّبْرِ، فإنه في مواضع أخرى اكتفى بالعبارات الدالة على استقامة حديثه أو ضعفه ونكارته، من نحو قوله في ترجمة محمد (١) تاريخه ٦ / الترجمة ٢٥٧٢. (٢) تاريخه ٦ / الترجمة ٢٦٨٣. (٣) تاريخه ٦ / الترجمة ٢٩٠٢. (٤ ) تاريخه ٩ / الترجمة ٤٢٦١. (٥) تاريخه ١٠/ الترجمة ٤٨٢٦. (٦) تاريخه ١٥/ الترجمة ٧٢٦٤. ١٥٠ ابن زكريا بن إسماعيل الدقاق: «روى عنه أبو الفتح محمد بن الحُسين الأزدي والقاضي أبو الحسن الجَرَّاحي ويوسف بن عمر القواس أحاديث مُستقيمةٍ))(١) ، وقوله في ترجمة عمر بن أحمد بن بشر ابن السني: ((روى عنه أحمد بن جعفر ابن مَعْبَد وعامة الأصبهانيين أحاديث مُستقيمة))(٢)، وقوله في ترجمة أحمد بن محمد بن أبان بن ميمون السَّرَّاج: ((وأحاديثه مُستقيمة)» (٣)، وقوله في ترجمة عمر بن إبراهيم بن أحمد العطار: ((حدثنا عنه محمد بن عمر بن بكير النجار أحاديث مستقيمة))(٤)، فهذا بلا شك لا يختلف عن التصريح بتوثيق أمثال هؤلاء وإن لم يُصَرِّح المصنف بذلك. أما العبارات الدَّالة على الجَرْح من غير تصريح به مما نتج عنده عن سَبْر الحديث فمن نحو قوله في ترجمة محمد بن سَعْدانّ البزاز: ((شيخ غير مشهور روى عن القعنبي حديثًا منكرًا"، ثم ساقه(٥) . وقوله في ترجمة أحمد بن محمد بن جوري العُكْبَري: ((وفي حديثه غرائب ومناكير))(٦) . وقوله في ترجمة إبراهيم بن صرمة الأنصاري: ((وفي حديثه غرائب لا يُتابع عليها))(٧) . وقوله في ترجمة أبي الفضل جعفر بن أبي الليث: ((نزل قزوين، وحدث بها عن أحمد بن عمار بن نصير شيخ مجهول، وعن الحسن بن عَرَفة أحاديث منكرة))(٨)، وقوله في ترجمة عبدالله بن موسى بن الحسن السلامي: ((وفي رواياته غرائب ومناكير وعجائب»(٩) ، وغير ذلك. (١) تاريخه ٣/ الترجمة ٨٠٧ . (٢) تاريخه ١٣ / الترجمة ٥٨٨٥. (٣) تاريخه ٦/ الترجمة ٢٥٥٨. (٤) تاريخه ١٣ / الترجمة ٥٩٥٣. تاريخه ٣ / الترجمة ٨٦٨. (٥) تاريخه ٦ / الترجمة ٢٥٨٣. (٦) تاريخه ٧ / الترجمة ٣٠٩٢. (٧) (٨) تاريخه ٨/ الترجمة ٣٦١٦. (٩) تاريخه ١١/ الترجمة ٥٢٥٢. ١٥١ مترجمون وُچِدوا أو ذُكِروا بسبب حديث: . وقد يذكر المصنف مُتَرْجَمًا لا يُعرف إلا بحديثٍ وهو تالف فيحكم بجهالته ويجرحه في الوقت نفسه، فقد ذكر في ترجمة لاهز بن عبدالله أبي عَمروِ الثَّميمي حديثًا موضوعًا، وليس لهذا الاسم سوى هذا الحديث كما قرره ابن عَدي في ((الكامل))(١)، لذلك حكم المصنف بجهالته(٢). ثم نقل المصنف بسنده إلى الأزدي قوله فيه: ((غير ثقة ولا مأمون، وهو أيضًا مجهول)»(٣). وإنما حكم بضَعْفه وجهالته في آن واحد لأنَّه عرفَ أنَّ البلاءَ فِي رواية هذا الحديث الموضوع منه، ومن يروي مثل هذا فهو غير ثقة ولا مأمون، ثم حكم بجهالته لأن أحدًا لم يعرفه إلا بهذا الحديث. ومن ذلك أيضًا إخراج المصنف لحديث: ((أُهْدِيَ إلى النبيِ وَ لّ رياحين شَتَّى فردَ سائرهن واختار المَرْزنجوش» في ترجمة أبي الحسن حُميد بن الرَّبيع السمرقندي، وقال عَقِيبه: «هذا حديثٌ موضوع المتن والإسناد، وحميد بن الربيع المذكور فيه مجهول، وأحمد بن نصر الذَّارع غير ثقة))(٤). فهذه الترجمة خُلِقَت من إسنادٍ هذا الحديث الموضوع الذي وضعه أحمد بن نصر الذَّارع واخترع هذا الاسم شيخًا له! وساقَ المصنفُ في ترجمة أبي بكر محمد بن عثمان الآمدي حديث :(طُوبى لمن رآني))، ونقل عن الأزَجي شيخه قوله: ((سمعتُ من هذا الشيخ في سُوق الجُلُود، ولم يكن عنده سوى هذا الحديث)»(٥) ، فخُلِقت هذه الترجمة من هذا الحديث . : وترجم المصنف للحسن بن محمد أبي الفتح البغدادي، ولم يزد في (١) الكامل في الضعفاء ٧/ ٢٦٠٠ . (٢) تاريخه ١٦/ ١٥٠. (٣) نفسه ١٥١/١٦. (٤) تاريخه ٩/ الترجمة ٤٢:٢٣. (٥) تاريخه ٤ / الترجمة ١٢٥٠. ١٥٢ -- ترجمته على حديث واحد ذكره فيها بإسناده إليه، هو حديث عدي بن حاتم مرفوعًا: ((اتقوا النّار ولو بشق تمرة)»(١)، ومتن الحديث صحيح معروف، غير أنَّ صاحب الترجمة لا يُعرف إلا بهذا الحديث الذي ساقه المصنف بهذا الإسناد، فدلك على أنه لا يعرفه إلا من خلاله. وترجم المصنف أيضًا لأحمد بن عبدالله بن أحمد القَزَّاز المَرْوَزي ولم يذكر شيئًا في ترجمته سوى سياقته لحديثٍ عن ابن عباس في سجود السَّهْو لا يُعرف إلا به(٢)، ولم نقف عليه من هذا الوجه من غير طريقه، فتبين أنه إنما ترجمه بسبب الإسناد الذي روي به هذا الحديث من هذا الوجه . وذكر المصنّف لمحمد بن عُمر بن مُعاوية الطَّلْحي ثلاثة أحاديث، أولها: ((من كذب علي متعمدًا))، وثانيها: ((إنَّ أعمال العباد لتُعرض على الله في يوم اثنين وخميس))، وثالثها: ((إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر))، ثم نقل عن أبي علي بن شاذان قوله: ((لم يكن عند هذا الشيخ غير هذه الثلاثة أحاديث))(٣)، فبين المصنفُ سببَ إيراده لهذه الأحاديث الثلاثة. دلالة الحديث على تعديل المترجم : ترجمَ المصنِّفُ لأبي جعفر محمد بن عليّ بن زياد القَطَّان ولم يذكر فيه جَرْحًا ولا تعديلاً، لكنه ساقً في ترجمته حديثًا صحيحًا من روايته هو قوله وَّةِ: ((إني لأعلم إذا كنتِ عني راضيةً)»(٤)، فكأنه أراد به بيان استقامة حاله وصحة حديثه . وساق المصنفُ لمحمد بن إسحاق بن مِهْران الشقاق حديث: ((مَن كانت له أرضٌ أو نَخْلٌ فلا يبعها)» بإسناد صحيح، ولم يذكر في المترجم جَرْحًا ولا (١) تاريخه ٨/ الترجمة ٣٩٣٥. (٢) تاريخه ٥/ الترجمة ٢٢٢٢. (٣) تاريخه ٤ / الترجمة ١٢١٣. (٤) تاريخه ٤ / الترجمة ١٢٧٦. ١٥٣ : تعديلاً(١) لیبین أنَّ حالَهُ من حال حديثه. وترجم لأحمد بن محمد بن الصَّبَّاحِ الدُّولابي ولم يذكر فيه جَرْحًا ولا تعديلاً، لكنه ساقَ من روايته حديثًا صحيحًا: ((واقَعَ رجلٌ امرأتَهُ وهي حائضٌ فأمرَهُ النبيُّ مَ لِِّ أن يتصدق بدينار))(٢)، فعُرِفَ أنَّ حالَهُ من حال هذا الحديث. كما ساق في ترجمة أحمد بن محمد بن الضَّحَّاك روايته للحديث الصحيح: ((لا يمرض مؤمنٌ ولا مؤمنةٌ ولا مُسلمٌ ولا مسلمة إلا خَطَّ اللهُ من خطاياه)»(٣)، ولم يذكر فيه جَرْحًا ولا تعديلاً. وترجم المصنف لأحمد بن محمد بن يزيد النَّرْسي، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً، لكنه ساق من روايته حديث عَبِيدة السَّلْماني عن عبدالله بن مسعود مرفوعًا: ((إني لأعرف آخرَ النَّاس خُروجًا من النَّار)»، وهو مما أخرجه الشيخان في صحيحيهما(٤). وترجم لأبي إسحاق إبراهيم بن الحارث بن إسماعيل وساقَ له حديث عَمرو بن الحارث: ((والله ما تركَ رسولُ اللهِ وَلّر عند موته دينارًا ولا درهمًا، ولا عَبْدًا ولا أمَةً، ولا شيئًا ألا بغلتَهُ البَيْضاء وأرضًا جَعَلها صدقةً))، تابعه عليه غيرُ واحد من الثقات، ولم يذكر المصنف فيه جرحًا ولا تعديلاً(٥) ، فبينَ أن حديثه يدل على وثاقته، ذلك أنَّ هذا الرجل لم يُؤْثَر فيه جرح ولا تعديل قَبْل المصنف أيضًا. ومن أقوى الأدلة على كونه ثقة وإن لم يوثقه أحد هو رواية البُخاري عنه في الأصول من صحيحه(٦) (١) تاريخه ٢ / الترجمة ١٨. (٢) تاريخه ٦/ الترجمة ٢٦٥٣. (٣). تاريخه ٦/ الترجمة ٢٦٦٢. (٤). تاريخه ٦ / الترجمة ٢٨٠٧. (٥). تاريخه ٦/ الترجمة ٣٠٣٤. (٦) انظر فتح الباري (٢٧٣٩). كما أخرج عنه في التفسير منه (٤٧٤٢). ١٥٤ دلالة الحديث على جرح المترجم فمن ذلك أنَّ المصنفَ مثلاً ترجم لأحمد بن محمد بن صالح الثَّمَّارِ ولم يذكر فيه جَرْحًا ولا تعديلاً، لكنه ساقَ من روايته حديثًا تالفًا هو زعَمْه أنَّ النبيَّ مَ* قال: ((كَفِّي وكفُّ عليٍّ في العَذل سواء)) (١)، فأرادَ أن يبين وهاءَ حال هذا المترجم بسياقته لهذا الحديث، وهو الفَهْم الذي استنبطه الإمام الذهبي أيضًا، فقد ذكر المترجم في كتابه («الميزان)» وساق له هذا الحديث وحَكَمَ بوَضْعه وحَمَّلَهُ جَرِيرتَهُ(٢) . وترجم المصنف لأبي بكر أحمد بن الرُّدين بن باش التُّركي، ولم يذكر فيه جَرْحًا ولا تعديلاً، لكنه ساق من روايته حديث: ((أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ قاتل معه قومٌ من اليهود في بعض حُروبه فَأَسْهَمَ لهم مع المُسلمين)) من حديث سُفيان بن عيينة عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن أبي هريرة (٣) ، وهو غير محفوظ من هذا الوجه، فالظاهر أنَّ المترجم أخطأ فيه لتفرده بمثل هذه الرِّواية، فالمحفوظ من هذا الحديث أنه من مراسيل الزُّهري، فقد رواه سُفيان الثوري عن يزيد بن يزيد ابن جابر، عن الزهري، به مُرْسلاً(٤)، ورواه ابن جُريج(٥) ، وحَيْوة بن شُريح(٦) ، وعَزْرَة بن ثابت(٧) ، ثلاثتهم عن الزهري، به، مرسلاً. رواية الأحاديث المُنْتَقدة على المترجم أكثر الخطيبُ في كتابه من سياقةِ الأحاديث التي انتقدَها هو أو العلماءُ (١) تاريخه ٦ / الترجمة ٢٦٥٧. (٢) ميزان الاعتدال ١٤٦/١. (٣) تاريخه ٥/ الترجمة ٢١٠٤. (٤) أخرجه كذلك عبدالرزاق (٩٣٢٩)، وسعيد بن منصور (٢٧٩٠)، وابن أبي شيبة ٣٩٥/١٢ - ٣٩٦، وأبو داود في المراسيل (٢٨١). (٥) أخرجه عبدالرزاق (٩٣٢٨)، وابن أبي شيبة ٣٩٥/١٢، والبيهقي ٩/ ٥٣. (٦) أخرجه أبو داود في المراسيل (٢٨٢). (٧) أخرجه الترمذي (١٥٥٨ م). ١٥٥ الذين سبقوه على المترجم، أو مما انتقدَهُ السابقون ورَدّ هو عليهم انتقادَهُم، سواء أكان هذا المترجَم ثقةً أم ضَعيفًا. وأكثر الأحاديث من هذا النوع هي أحاديث المَجْروحين حيث كان المصنف عادةً ما يسوقُ أقوال أئمة الجرح والتعديل في جَرْح المترجَم، ثم يروي أحاديث من طريقه ليبين صحة هذا الجَرْح ويدلكُ عليه، وهو ما يُعرف عند أئمة الجرح والتعديل بالجَرْحِ المُفَسَّر، وأمثلة ذلك أكثر من أن تُحْصَى من رواية الحديث مرفوعًا وهو موقوف، أو روايته موصولاً وهو مُرْسل، أو روايته من طريق غَرِيب لا يُعرف إلا من طريق المترجم مع شُهرة الحديث وصحته من طُرُقٍ أخرى، وهلم جرا. أحاديث أخطأ فيها الثقات ومن ذلك أحاديث أخطأ فيها ثقاتٌ معروفون، باعتبار أنَّ الثَّقة يُخطىء، وقد جَرَت عادة المؤلِّفين تتبع ما أخطأ فيه الثّقة ليُعرف ويُمَيَّز عن صحيح حديثه، فقد ساقَ المصنف لمحمد بن عبدالله بن المثنى، وهو ثقةٌ من رجال الشيخين، حديث ميمون بن مهران، عن ابن عباس: ((احتجمَ النبيُّ الَّ وهو مُخْرِمٌ صائم))، فبين أنَّ الوَهْم في هذا من المترِجَم وأنَّ الصَّوابَ في إسناده ميمون بن مهران، عن يزيد بن الأصم مُرسلاً، وأنَّ الصوابَ في متنه ((أنَّ رسولَ اللهِ وَّ تزوج ميمونة وهو مُحْرٌِ))، وأنه حينما روى حديث يزيد بن الأضم المذكور رواه كما تقدم أيضًا، ثم أشار إلى أن غُلامًا له أدخلَ عليه حديث ابن عباس، وفَضَّل في ذلك بنقل آراء النُّقاد في هذه الرواية الخاطئة(١). ومنه أيضًا أنه روى في ترجمة حَفْص بن غياث، وهو من رجال الشيخين أيضًا، حديثًا أخطأ فيه، هو حديث: ((كُنَّا نأكلُ ونحنُ نَسْعَى))(٢) . ولمثلِ هذا عشرات نَظَائر .. (١). تاريخه ٣/ الترجمة ٩٤١. (٢) تاريخه ٩ / الترجمة ٤٢٦٦. ١٥٦ أحاديث صحيحة يرويها الثقة من طريق ضعيف من أمثلة ذلك أنَّ المُصنف ساقَ في ترجمة محمد بن عُمر القَصَبِي، وهو ثقة، حديث عبدالله بن مسعود مرفوعًا: ((من أرادَ وسَرَّه أن يقرأ القُرآن غَضًّا كما أُنْزِل فليقرأه على قراءةِ ابنِ أُمِّ عَبْدٍ)» من روايته عن المُفَضَّل بن محمد النَّحوي، وهو ضعيفٌ(١) ، عن إبراهيم بن مهاجر عن عبدالرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود. فهذا إسنادٌ ضعيف لضعف المُفَضَّل، وهو لا يُعرف من حديث عبدالرحمن بن يزيد عن ابن مسعود إلا من هذا الوجه، وهو حديث محفوظ من رواية زِر بن حُبَيْش (٢)، وأبي عبيدة بن عبد الله(٣)، وغيرهما عن ابن مسعود (٤). ومنه أنَّ المصنف روى لمحمد بن عبدالله بن يزيد الأعْسَم المعروف بالمَنْتُوف، وهو ثقة، حديث عائشة مرفوعًا: ((أُريتك في المنام مَرَّتين)) عن شَبَابة، عن خارجة، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عنها، به(٥) . وخارجة هذا هو ابن مُصعب بن خارجة الخُراساني متروك وكذَّبه ابنُ مَعِين، كما في ((التقريب)». مع أنَّ الحديثَ في الصحيحين من رواية الثقات عن هشام بن عُروة، به(٦) . فمثل هذه الروايات التي يُكْثِرِ منها المصنّفُ هي بلا شك طُرُق تركها الجهابذة الأقدمون وساقَها المصنف وأمثالُهُ من المتأخرين من باب أنَّ هذا مما لم يذكر في المُصَنَّفات الأولى، وهو في حقيقته مما لا فائدة فيه. (١) الذهبي: ميزان ٤/ ١٧٠. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٥٢١/١٠، وأحمد ٤٤٥/١ و٤٥٤، وأبو يعلى (١٦) و(٥٥٨)، وابن حبان (٦٠٦٧)، والطبراني في الكبير (٨٤١٧). (٣) أخرجه الطيالسي (٣٣٤)، والطبراني في الكبير (٨٤١٤) و(٨٤١٥). (٤) تاريخه ٤ / الترجمة ١٢٠٤. (٥) تاريخه ٣/ الترجمة ٩٦٠. (٦) البخاري ٧١/٥ و٦/٧ و١٨ و٤٦/٩، ومسلم ١٣٤/٧. ١٥٧ تعدد الطرق . وقد وجدنا عندَ المتأخرين عنايةً كبيرةً بسياقة الأحاديث الصحيحة والشَّقيمة من طُرُق مُتعددة، فأكثروا منها، وعَدُّوا ذلك في بعض الأحيان مَنْقَبَةٍ للراوي ودلالة على سعة معرفته وحِفْظه وكتابته، فظهرت الكتب والأجزاء الخاصة بالغرائب . ومما يؤسف عليه أنَّ الكُتُب المؤلِّفة في ((مصطلح الحديث)) لم تعتن بهذا الأمر حَق عناية، ولا أشارت إليه بوضوحٍ وعُمق، مع كثرة هذا في كُتُب الحديث لاسيما عند المتأخرين الذين ظَنُّوا أنهم آتون بما لم يستطعه الأوائلُ، وإنما بحثوا فيما تركَ الأوَّلون من الأسانيد الواهية والمُخْتَلَقة، أو مما وجده الجهابذة خطأ لا يستحق الذِّكر والتَّذوين فأجملوا ذلك بعبارة وجيزة دالة من غير دخول في التفاصيل، من نحو قول أبي حاتم الرازي مثلاً: ((لا أعلم في اللهم بارك لأمتي في بكورها حديثًا صحيحًا))(١)، فهذا دالٌّ على أنَّه بحثَ وفَتَّشَ فما وجد إلا الضَّعِيف الواهي فتركه. سرقة الحدیث وإذا كان تعدد الطُّرق بمزيدٍ من الأسانيد التَّالفة والواهية مما يُدْرَك بسهولةٍ ويُسْرٍ، فإنَّ قيامَ بعض المتروكين والكَذَّابين والهَلْكَى بسرقة الأحاديث وتركيب الأسانيد عليها مما قد لا يُدركه إلا من آتاه الله سعة معرفةٍ وكثرةَ دُرْبةٍ ومزيدَ عنايةٍ بهذا العلم الوسيع الذي يستغرقُ عمر الإنسان. وهذا الأمر مما لم توله كُتُب المصطلح أيضًا عنايةً ولم تخصه بدراسةٍ موسّعةٍ تبين أخطارَهُ وما يُحْدِثُه من إيهام عند البعض بتعدد طرق حديث مَكْذوب على رسولِ الله وَّة وَضَعَهُ أحدُ الكذابين وسَرَقَهُ: منه غيرُ واحد من سُرَّاق الحديث فرواهِ، فصارَ البعضُ يتوقف في الخُكْم بوضعه بسبب تعدد هذه الطرق، كما وقع كثيرًا للسيوطي في ((اللآلى المصنوعة)) حينما توقف في الجَزْم بوضع العديد من (١) العلل (٢٣٠٠). وانظر هذا الكتاب ١٤/ ٤٧ - ٠٫٤٨ ١٥٨ الأحاديث لهذه الأسباب . وكان الحافظان ابن حِبَّان المتوفى سنة ٣٥٤ هـ في كتابه ((المجروحين))، وابن عَدِي الجُرجاني المتوفى سنة ٣٦٥ هـ في كتابه ((الكامل)) قد أكثرا من ذِكْر سُرَّاق الحديث هؤلاء ونَبَّها على شيءٍ من سرقاتهم. ومن الأمثلة البَيِّنة على مثل هذه السَّرِقات التي أشرتُ إليها ما ذكرَهُ المصنفُ في ترجمة نعيم بن حماد إذ ساقَ من طريقه عن عيسى بن يونس، عن حَرِيز بن عُثمان الرَّحَبي، عن عبدالرحمن بن جُبير بن نُفَيْر، عن أبيه، عن عوف ابن مالك مرفوعًا: «تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة على أُمتي قوم يقيسون الأُمور برأيهم فيحلُون الحَرّام ويُحَرِّمون الحلالَ))(١). ثم ساقَهُ الخطيب من طريق عبدالله بن جعفر الرقي وسُويد بن سعيد الحَدَثاني عن عيسى ابن يونس(٢)، ولكنه نقل في الوقت نفسه قول ابن عَدِي: ((وهذا إنما يُعرف بنعيم بن حماد رواه عن عيسى بن يونس، فتكلم النَّاسُ فيه مجراه، ثم رواه رجلٌ من أهل خراسان يقال له: الحكم بن المبارك، يُكْنى أبا صالح، يقال له : الخواشَتِي، ويقال: إنه لا بأس به، ثم سَرَقه قومٌ ضُعفاء ممن يُعْرَفون بسرقة الحديث منهم: عبدالوهاب بن الضحاك، والنَّضْر بن طاهر، وثالثهم سُويد الأنباري(٣). ثم ساق المصنفُ طرق هؤلاء الشُّرَّاق بسنده إليهم. وإن مما يدعم ذلك ويُقويه أنَّ أحد عُلماء الجَرْح والتعديل الكبار وهو أبو بشر الدُّولابي المتوفى سنة ٣١١ هـ قد صَرَّح أنَّ نُعيم بن حماد هو الذي وضعَ هذا الحديث(٤) . وبعد كل هذا الذي ذكرنا يأتي أبو عبدالله الحاكم فيسوقُ الحديثَ من طريق نُعيم بن حماد ويقول: ((هذا حديث صحيحٌ على شرط الشيخين ولم (١) تاريخه ١٥/ ٤٢٠ - ٤٢١. (٢) نفسه ١٥ / ٤٢٢ - ٤٢٣. (٣) وينظر الكامل ١٢٦٥/٣. (٤) كما في كامل ابن عدي ٧/ ٢٤٨٣. ١٥٩ يُخَرُّجاہ))(١). ٠ ومن ذلك الحديث الموضوع الذي رواه المصنّفُ من طريق أبي نُعيم الفَضْل بن دُكين، عن عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أوحَى اللهُ تعالى إلى محمد ◌َّل أن قد قتلتُ بيحيى ابن زكريا سَبْعين ألفًا، وإني قاتلٌ بابن ابنتك سبعين ألفًا وسبعين ألفًا (٢). فهذا ما رواه عن أبي نُعيم إلا متهمٌّ أو مجهولٌ أو ضعيفٌ يسرقُ الحديث؛ فرواه الخطيب من طريق محمد بن شَدَّاد المِسْمَعي عن أبي نُعيم، والمِسْمَعي هذا ضعيفٌ جدًا كما سيأتي في ترجمته من هذا الكتاب(٣). وقال الحاكم: (قد كنتُ أحسب دَهْرًا أنَّ المِسْمَعي ينفردُ بهذا الحديث عن أبي نُعيم، حتى حدثناه أبو محمد السَّبيعي الحافظ، قال: حدثنا عبدالله بن محمد بن ناجية، قال: حدثنا حُميد بن الربيع، قال: حدثنا أبو نُعيم، فذكره بإسناده نحوه)) (٤). لكن الحاكم لم يبين لنا حُكْم هذا الإسناد الذي ظَفَر به بعد دهرٍ طويل، وكأنه ما عَلِمَ قول ابن عَدِي في حُميد بن الربيع هذا: ((كان يسرقُ الحديث، ويرفعُ أحاديث موقوفة، وروى أحاديث عن أئمة الناس غير محفوظة عنهم)»(٥) . ثم ساق بعض مناكيره وبواطيله وقال في آخر ترجمته: (ولحميد بن الربيع حديثٌ كثيرٌ بعضُهُ سرق من الثقات ... وهو ضعيفٌ جدًا في كل ما يرويه))(٦). ثم ساق الحاكم هذا الحديث مرة أخرى من طُرُقٍ عن أبي نُعيم (٧) ، فجاء كعادته ببضاعة مُزْجاةٍ، فأخرجه من طريق المِسْمَعي، وحُميد بن الربيع، ومحمد بن يزيد الأدمي، والحُسين بن عُمر العَنْقَزي، والقاسم بن دينار، والقاسم بن إسماعيل العَرْزَمي، وكثير بن محمد الكُوفي، جميعًا عن أبي (١) الحاكم ٤ / ٤٣٠. (٢) تاريخه ١/ ٠٤٣٢ (٣) تاريخه ٣/ الترجمة ٨٩٤. الحاكم ٢ /٢٩٠ - ٢٩١. (٤) الكامل ٢/ ٦٩٦ . (٥) (٦) الكامل ٦٩٧/٢. (٧) الحاكم ١٧٨/٣ . ١٦٠