النص المفهرس

صفحات 121-140

أثرُ تاريخ الخطيب في المؤلفات اللاحقة
ونظرًا لما تَمَيَّر به ((تاريخ مدينة السلام)» من المَنْزِلَة المَرْموقة، فقد عُنِي
به العُلماء نَسْخًا واختصارًا، وإفادة منه، فقد اختصره ابن منظور صاحب السان
العرب)» المتوفى سنة ٧١١ هـ(١)، ومؤرخ الإسلام شمس الدين الذهبي
المتوفى سنة ٧٤٨ هـ في مجلدين (٢) .
وقد صارَ هذا التاريخ الفريد مَصْدرًا رئيسًا لأكثر المُصنفين الذين تناولوا
المدة التي استغرقها، فاقتبسوا منه، بل صار أساسًا لكثير منها. فمن أبرز الذين
أكثروا النقل منه الأمير علي بن هبة الله المعروف بابن ماكولا المتوفى سنة
٤٧٥ هـ، في كتابه ((الإكمال))، وكان من الذين اتصلوا بالخطيب اتصالاً وثيقًا
وعنوا بكتبه.
ومنهم القاضي أبو الحُسين محمد بن أبي يَعْلى ابن الفَرَّاء المتوفى سنة
٥٢٦ هـ في كتابه (طبقات الحنابلة))، وإن لم يُصَرِّح بالنقل في كثير من
الأحيان .
ومنهم أبو سعد عبدالكريم بن محمد السّمعاني المتوفى سنة ٥٦٢ هـ في
كتابه ((الأنساب)). والحق أن المعاني قد سَلَخ معظم تراجم الخطيب في كتابه
الأنساب، فكان عمدته الأولى في تأليف كتابه، كما يظهر من تعليقاتنا على
الكتاب .
وممن أكثرَ النَّقْلَ من تاريخ الخطيب الحافظ أبو القاسم عليّ بن الحسن
ابن هبة الله الشَّافعي المعروف بابن عَسَاكر المتوفى سنة ٥٧١ هـ، فقد سَلَخ
جميعَ تراجم الخطيب الدَّاخِلة في شَرْط كتابه العظيم ((تاريخ دمشق))، فذكر فيه
(١) السخاوي: الإعلان بالتوبيخ ٦٢٢ .
(٢) الصفدي: الوافي ١٦٤/٢، ونكت الهميان ٢٤٣، ابن شاكر: عيون التواريخ، الورقة
٨٦، السخاوي: الإعلان ٦٢٣، وكتابنا: الذهبي ٢٣٣. وذكر حاجي خليفة أنَّ ممن
اختصره أبو اليمن مسعود بن محمد البخاري المتوفى سنة ٤٦١ (١) (كشف الظنون
٢٨٨/١).
١٢١

البَغَادِدَة الذين قدموا دمشق، أو الذَّماشقة الذين رحلوا إلى بغداد.
وابنُ عساكر لصيقٌ بتاريخ الخطيب، فإنَّ أخاه الصَّائن هبة الله بن الحسن
كان من المعنيين به، فسمعه على الشريف الشَّسيب ابن أبي الجِن في أوائل المئة
السادسة، وكتب منه نسخةً بخطه لنفسه، وأحضرَ أخاه الصَّغير أبا القاسم عليّ
ليسمح هذا التاريخ من ابن أبي الجن، ثم سمعه مرة أخرى، وخَدَّث به بعد
ذلك في دمشق كما تدل عشراتٌ من طباق السماعات المدونة على نسخة أخيه
الصائن هبة الله .
وذكر شمس الدين ابن خَلِّكان أنَّ ابنَ عساكر ألَّفَ تاريخَهُ على نَسَق
تاريخ الخطيب(١). وقد بيّنا في بحثٍ لنا عن ابن عساكر وصلته ببغدادَ أنَّه قد
تأثر بلا شك بتاريخ الخطيب، ولعل هذا الأمر هو الذي شجعه على التفكير
بتأليف تاريخ لدمشق، وأنَّه أفادّ من طريقته ومنهجيته في صياغة التّرجمة
وتنظيم الكتاب، سواءٌ أكان ذلك في اتباع بعضها أم في تجنب البعض الآخر أو
تحسينه(٢) .
أما ابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ فإن جل التراجم التي ذكرها في
((المنتظم))، وترجم لهم الخطيب، فإنما كان اقتصاره عليه في الأغلب الأعم.
وقد امتلك ابن الجوزي رواية الكتاب عن شيخة أبي منصور القزاز عن
الخطيب. كما أفاد منه في كتابه ((المصباح المضيء في أخبار المستضيء)) إذ
نقل منه كثيرًا من القصص والحكايات التي وجد فيها عبرة مما يلائم موضوع
كتابه. وقد صَرَّح بهذا النقل حينما نص على أنه أخذه عن القزاز عن الخطيب ..
وقد تنبهت محققته الفاضلة إلى هذا الأمر فقابلت هذه النصوص بأصلها. ومما
لا شك فيه أن ابن الجوزي أفاد من هذا الكتاب في جميع كتبه، فالمطالع
لكتاب ((الموضوعات)) مثلاً يجد أن تاريخ الخطيب كان من أبرز المصادر التي
كونت كتابه هذا حيث سلخ جميع الأحاديث الموضوعة التي ساقها الخطيب
(١) وفيات الأعيان ٣١٠/٣°.
(٢) بشار عواد معروف: ابن عساكر: أخذ وعطاء (مجلة التراث العربي السورية، العدد
الأول، ص ٢٢ فما بعد، دمشق ١٩٧٩).
١٢٢

في تاريخه. كما أفاد منه في كتاب ((العلل المتناهية في الأحاديث الواهية))،
حينما نقل فيه عن الخطيب كثيرًا من الأحاديث الضعيفة والتالفة، وهلم جرًا في
مصنفاته الأخرى.
وممن عُنِي بتاريخ الخطيب ياقوت الحموي المتوفى سنة ٦٢٦ هـ في
كتابيه: (مُعجم البلدان)) و((مُعجم الأدباء)» المسمى بإرشاد الأريب إلى معرفة
الأديب، فقد أكثرَ النَّغْلَ منه فيهما .
ومن الذين أكثروا النَّقل منه أيضًا القاضي شمس الدين أحمد بن محمد
ابن خَلِّكان المتوفى سنة ٦٨٠ هـ في كتابه «وفيات الأعيان)».
على أن أوسع من أفادّ من تاريخ الخطيب وسَلَغ العديد من تراجمه هو
الإمام جمال الدين يوسُف المِزي المتوفى سنة ٧٤٢ هـ في كتابه العظيم
(تهذيب الكمال في أسماء الرجال))، إذ كان تاريخ الخطيب هو أحد كتبٍ أربعة
كانت أسَّ كتابه المذكور، كما صَرّح به في مقدمة كتابه، وكما سنبينه مفصلاً
في الفصل الرابع من هذه المقدمة.
وإذا كان المِزِّي قد أفاد من تاريخ الخطيب في التراجم التي أخرج لها
أصحاب الكتب الستة حسب، فإن الذهبي قلما تركَ ترجمة من شرط كتابه
العظيم ((تاريخ الإسلام)) إلا واقتبس من الخطيب شيئًا منها، وكثيرًا ما كان
يُلَخِّص ترجمة الخطيب ويقتصر عليها، لاسيما في تراجم شيوخه والمعاصرين
له. ولَمَّا كان «تاريخ الإسلام» هو الأساس الذي قامت عليه مُعظم کتب الذَّهبي
الأُخرى، فقد انتقلت هذه النُّقول إليها، مثل ((سير أعلام النبلاء)) و((تذكرة
الحفاظ)) و((معرفة القراء الكبار))، و((العبر))، و((ميزان الاعتدال)) وغيرها.
وخلاصة القول: إنَّ معظم المؤلفين الذين جاءوا بعد الخطيب وتناولوا
التراجم التي ساقها في تاريخه قد أفادوا منها، وإنما ذكرنا المُكثرين منهم، فقد
أفاد منه الحافظ معين الدين ابن نُقْطة الحنبلي المتوفى سنة ٦٢٩ هـ في كتابه
((التَّقْييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد، وجمال الدين القِفْطي المتوفى سنة
٦٤٦ هـ في كتابه ((إنباه الرواة))، وتاج الدين السبكي المتوفى سنة ٧٧١ هـ في
((طبقات الشافعية الكبرى))، وصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي المتوفى سنة
١٢٣

٧٦٤ هـ في كتابه «الوافي بالوفيات))، وإن كانت أكثر نقولهما عن طريق
الذهبي، وكمال الدين عبدالرزاق المعروف بابن الفوطي البغدادي المتوفى سنة
٧٢٣ هـ في كتابه ((تلخيص مجمع الآداب))، والحافظ ابن كثير المتوفى سنة
٧٧٤ هـ في كتابه ((البداية والنهاية))، وغيرهم ممن تتفاوت كمية نقولهم
واستفادتهم منه .
1.
الذيول على تاريخ الخطيب (١)
أصبح تاريخ الخطيب أصلاً لتاريخ بغداد، فلم يجرؤ أحد بعده على
التأليف في تراجم علمائها في المدة التي تناولها، بل صار أساسًا يُبْنَى عليه
فيُتَمَّم كُلَّما استجدت مُدةٌ زمنية بعده، وهو ما يُعرف في تاريخ الحركة التأليفية
عند المسلمين بالنَّذييل.
وأول من ذَيَّلَ على تاريخ الخطيب فيما نعلم هو الحافظ أبو سَعْد
عبدالكريم بن محمد التَّمِيمي السَّمْعاني، وهو من عائلة علمية معروفة بمشرق
العالم الإسلامي، ولد بمرو في شعبان سنة ٥٠٦ هـ وتوفي بها في سنة.
٥٦٢ هـ، وله مُصنفات مشهورة طَبعَ الكثير منها. ولكن هذا ((الذَّيْل)) لم يصل
إلينا فيما أعلم، إذ لا نعرف عنه اليوم شيئًا سوى أقسام اختصرها ابن منظور
صاحب ((اللسان))(٢)، وتراجم اختارها منه الفَتْح بن عليّ البُنْداري في كتابه
(«تاريخ بغداد)»(٣)، ويبدو أنه كان بحجم تاريخ الخطيب أو أقل قليلاً، فقد ذكر
الحافظ ابن النجار أنه في أربع مئة طاقة، وذكر أن كتاب ((الأنساب)) في ثلاث
مئة وخمسين طاقة(٤)، وقد طبع ((الأنساب)) في اثني عشر مجلدًا متوسطًا.
وحين ذكر السخاوي أن تاريخ الخطيب في عشر مجلدات، ذكر في الوقت
نفسه أن ذيل السَّمْعاني في ((عشر مجلدات فأقل)»(٥) . ومما يؤسف عليه ضياع
.. (١) ينظر كتيبنا: تواريخ بغداد التراجمية (بغداد ١٩٧٤).
(٢) عندي قطعة منه بخط ابن منظور، مصورة.
(٣) منه مجلد في دار الكتب الوطنية بباريس يخطه (رقم ٦١٥٢ عربيات).
(٤) الذهبي: سير ٤٦٠/٢٠ - ٤٦١.
(٥) الإعلان بالتوبيخ ٦٢٢
١٢٤

هذا ((الذيل)) النفيس الذي أكثر المؤرخون النقل منه لاسيما الإمام الذهبي في
((تاريخ الإسلام)) وغيره مع أن نسخه كانت كثيرة كما يبدو فقد ذكر تاج الدين
السُّبْكي المتوفى سنة ٧٧١ هـ أنه كانت عنده منه نُسختان، قال في ترجمة
محمد بن عبدالكريم الشَّهْرَستاني من طبقاته الكبرى: ((ووقفت على الذَّيْل
وعندي منه نسختان، فلم أجد في الترجمة زيادة على ما حكِيت))(١) .
وقد تضمَّنَ الذيلُ الذي ألفه أبو سَعْد السمعاني ثلاثة أنواع من
المترجمين :
١ - التراجم التي استدركها على الخطيب ممن لم يذكرهم وهم من شرطه
الذي بيَّنه في مقدمة كتابه.
٢ - التَّراجم التي ذكرها الخطيب ولم يذكر وفيات أصحابها، لتأخرها في
الأغلب الأعم عن وفاة الخطيب، فأعادَ الترجمة وأضافَ إليها، وذكرَ وفيات
أصحابها .
٣ - التراجم التي نَجَمَت بعد الخطيب وإلى قريب من وفاته. وهو مثل
الخطيب قد ذكر بعض المعاصرين له، وهم في الحياة، فتأخرت وفياتهم عن
تاریخ وفاته .
ويتبين من التراجم التي اقتبسها البُنْداري في ((تاريخ بغداد)» أنه سار على
خطة الخطيب في الأغلب الأعم.
وذَيَّلَ على ذَيْلِ ابنِ السَّمْعاني الحافظ جمال الدين أبو عبدالله محمد بن
سعيد الواسطي المعروف بابن الذُّبَيْئي المتوفى سنة ٦٣٧ هـ(٢)، فسارَ على
خطة أبي سَعْد السَّمْعاني ومن قبله الخطيب في نطاق التَّراجم ونوعيتها. ولما
كان كتابه هذا ذَيْلاً على كتاب السَّمْعاني، فإنه ألزم نفسَهُ بأن لا يذكر أحدًا ممن
ذكرهم، إلا إذا تأخرت وفاة المترجم عن وفاة السَّمْعاني، أو إذا وقع وهم أو
خطأ في تراجمهم، واستدرك ابن الدُّبَيّني جماعة من المُتَّرْجَمين على أبي سعد
(١) الطبقات الكبرى ١٢٩/٦.
(٢) حققنا الموجود منه، وطبعت وزارة الثقافة والإعلام العراقية مجلدين منه
(١٩٧٤-١٩٨٠).
١٢٥

السَّمعاني فاته ذکرهم، وكانوا من شرطه.
وقد سار ابنُ الدُّبَيْني على خطة الخطيب في ترتيب التراجم على حُروف
المعجم في الأسماء وأسماء الآباء، ثم رَتَّبهم بعد ذلك على الوفيات. وبدأ،
مثل الخطيب، بالمُحمدين، ثم بدأ بالأحمدين من حرف الألف تيمنًا باسم
النبي #، وحينما ذكر حرف العين قدم عُمر على عثمان، وقدم عُثمان على
عليّ .. كما سار على خطته في عناصر الترجمة بما في ذلك سياقه لحديثٍ أو
حكاية أو شعر بسنده إلى المترجم.
ومع أنَّ ابن الدُّبَيْثِي توفي سنة ٦٣٧ هـ لكن نشرة الكتاب الأخيرة تقف
عند سنة ٦٢١ هـ، إذ لم نجد ذكرًا لوفاة مترجم توفي بعد هذا التاريخ، لكنه
ترجم الكثير ممن توفي بعد سنة ٦٢١ هـ، ومنهم من تأخرت وفاته عن وفاة
المصنف. وقد وصل إلينا قرابة ثلثي هذا الكتاب، ومختصر كامل له اختصره
الإمام الذهبي. أما حجم الكتاب فإني أقدره بستة وستين جزءًا، أي نصف
حجم تاريخ الخطيب تقريبًا (١) .
وممن ذيل على ابن السمعاني أيضًا أبو الحسن محمد بن أحمد بن عُمر
القَطِيعي المتوفى سنة ٦٣٤ هـ(٢) وهو أول شيخ للحديث بالمدرسة
المستنصرية(٣). وقد ذكره وذكر تاريخه هذا جمال الدين ابن الذُّبيثي، فقال:
(وكتب بخطه ورحل إلى الشام ... وجمعَ تاريخًا لبغداد ذكر فيه محدثيها
وغيرهم، لم أقف عليه))(٤)، مما يدل على أنه ألَّف هذا الذيل قبل أن يؤلف
ابن اللُّبيثي کتابه .
وذكر تاريخه هذا زكي الدين المنذري، فقال: ((وجمع تاريخًا
(١) تنظر مقدمتنا الموسعة للمجلد الأول من طبعتنا.
(٢). انظر ترجمته ومصادرها في تكملة المنذري (٣/ الترجمة ٢٧٢٣ بتحقيقنا)، وفي
وفيات سنة (٦٣٤) من تاريخ الإسلام، بتحقيقنا، وفي السير ١٠٠٨/٢٣ بتحقيقنا.
(٣) ينظر كتاب عمي العلامة الدكتور ناجي معروف: تاريخ علماء المستنصرية ١/ ٣٢٤.
(٤) تاريخ ابن الدبيني ١/ الترجمة ٥٧ بتحقيقنا.
١٢٦
۔

البغداديين))(١). وذكر ابن نقطة أنه ما أظهره(٢) ، وزعم الذهبي أنه لم
يتممه (٣)، ولكن قال زين الدين بن رجب: ((وجمعَ تاريخًا في نحو خمسة
أسفار، ذيّل به على تاريخ أبي سَعْد ابن السَّمْعاني سماه «دُرَّة الإكليل في تتمة
التذييل)) رأيتُ أكثرَهُ بخطه، وقد نقلتُ منه في هذا الكتاب كثيرًا، وفيه فوائد
جَمَّةَ مع أوهام وأغْلاط))(٤) . وذكر صلاح الدين الصَّفْدي أنه ذيّل على كتاب
التاريخ الذي عمله أبو سَعْد ابن السمعاني وأذهبَ عُمُره فيه، ونقل عن
محب الدين ابن النجار قوله: ((وطالعتُهُ فرأيتُ فيه من الغَلَط والوَهْم
والتَّصْحيف والتَّخريف كثيرًا أوقفتُه على وجه الصواب فيه فلم يفهمه، وقد
نقلتُ عنه أشياء ونَسَبْتها إليه، ولا يطمئن قلبي إليها، والعُهْدة عليه فيما قاله،
فإنه لم يكن محققًا فيما ينقله ويقوله، عفا الله عنا وعنه))(٥) . وذكر ابنُ رَجَب
أنَّ ابنَ النجار قد بالغ في الحط على تاريخ القَطيعي مع أنه نقل منه أشياء
كثيرة، بل نقله كلّه. ويعزو ابن رَجَب هذه الخُصومة إلى تَعيين القطيعي شيخًا
للحديث بالمدرسة المستنصرية عند افتتاحها، بينما كان ابن النجار مُفيدًا للطلبة
فيها حَسْب، ونقل عن عُمر ابن الحاجب أنه أثْنَى على هذا التاريخ، وقال:
((وقفتُ على تراجم من بَعْضه فرأيته قد أحكمها، واستوفَى في كُلِّ ترجمة ما لم
يَعْمله أحدٌ في زمانه يدل على حفظه وإتقانه ومعرفته بهذا الشأن»(٦).
ومما يؤسف عليه أن يضيع هذا الكتاب، لكن جَمْهرة المؤرخين
المَعْنيين بهذا الشأن قد أكثروا النقل منه، منهم ابن النجار في «التاريخ
المجدد)، وابن الفُوَطي في ((تلخيص مجمع الآداب)»، والذهبي في (تاريخ
الإسلام))، وابن رجب في ((الذيل على طبقات الحنابلة))، وغيرهم.
(١) التكملة ٣/ الترجمة ٢٧٢٣.
(٢) الذهبي: سير ٩/٢٣.
الذهبي: تاريخ الإسلام (وفيات سنة ٦٣٤ ط. ٦٤ ص ١٩٥).
(٣)
(٤)
ابن رجب: الذيل ٢١٢/٢.
(٥) الصفدي: الوافي ٢/ ١٣٠. وانظر الذهبي: سير ٩/٢٣ - ١٠.
(٦) الذيل ٢١٢/٢ - ٢١٣.
١٢٧

وممن ذَيَّلَ على تاريخ الخطيب الإمامُ الحافظ المُفيد مُحدث بغداد أبو
الفضل أحمد بن صالح بن شافع بن صالح بن حاتم الجيلي ثم البغدادي
المُعَدَّل المتوفى سنة ٥٦٥ هـ، قال ابن النجار: ((كان حافظًا مُتْقِنًا، ضابطًا
مُحققًا، حَسَنَ القراءة، صحيحَ النَّقل، ثبتًا حُجة، نبيلاً، ورعًا متدينًا تقيّا،
متمسكًا بالسُّنّة على طريقة السَّلَف. وصنَّف تاريخًا على السنين بدأ فيه بالسَّنَةً
التي توفي فيها أبو بكر الخطيب، وهي سنة ثلاث وستين وأربع مئة إلى بعد
الستين وخمس مئة، يذكر السنة وحوادثها ومن توفي فيها، ويَشْرح أحوالَهُم،
ومات ولم يبيضه. وقد نقلتُ عنه من هذا الكتاب كثيرًا»، ثم قال ابن رجب:
(وأنا فقد نقلتُ من تاريخ ابن شافع في هذا الكتاب فوائد مما وقع لي منه، فإنه
وقع لي منه عدة أجزاء من مُنْتَخَبه لابن نُقْطة)) (١) ، وقال الذهبي: ((ذَيَّل على
تاريخ الخطيب على السُّنين إلى بعد الستين وخمس مئة))(٢).
ويحق للقارىء أن يسأل: كيف يمكن أن يكون كتابًا مُرَتبًا على السُّنين
ذيلاً لكتاب مُرتب على جُروف المعجم؟ وجواب ذلك فيما نرى ينبغي أن يُقْهم
في إطار مَفْهوم «التاريخ)) الذي سادَ بين المحدثين، وهو أنَّ التاريخ عندهم
يعني التراجم، فقد نَظْمَ الخطيب تاريخه على حروف المعجم ثم على
الوفيات، وفي أثناء تراجمه حوادث تاريخية لاسيما في تراجم الخُلفاء والوزراء
وأرباب الإدارة، وما أيسر أن يعاد تنظيمه على السّنوات لو أراد أي أحد ذلك،
فما عليه إلا أن يذكر التّراجم في وفيات كُلِّ سنة، كما فعل الإمام الذهبي في
كتابه (تاريخ الإسلام)) مثلاً. ولما كان تاريخ ابن شافع أكثره تراجم، فإنه ارتأى
أن تنظيم تراجمه على السَّنَوات مع فَضْل الحوادث عنها أفضل، ولذلك لم
يُفَرُّق المؤرخون في هذه الأعصر بين التنظيمات، وإنما لاحظوا نوعية
المعلومات التي حواها كل تاريخ، وهي مسألة تنطلق من مفهوم كل مؤرخ
للتاريخ والغاية منه .
(١) الذيل ١/ ٣١٢.
(٢) السير ٢٠/ ٥٧٣.
١٢٨
---

وممن ذَيَّلَ على تاريخ الخطيب مؤرخُ بغداد ومُحَدِّثْها محبُ الدين أبو
عبدالله محمد بن محمود بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن النجار البغدادي
المتوفى سنة ٦٤٣ هـ، سَمَّاه: «التاريخ المُجَدد لمدينة السلام وأخبار فُضلائها
الأعلام ومن وَرَدها من عُلماء الأنام))، جمع فيه بين ذيلي ابن السَّمْعاني وابن
الدُّبيني، وأفادَ من كتاب القَطِيعي وغيره من الكتب.
وقد ترجم لابن النجار ياقوت الحَمَوي وتوفي قبله بسبعة عشر عامًا،
وذكر تاريخه هذا، فقال: ((صاحبنا الإمام محب الدين ابن النجار البغدادي
الحافظ المؤرخ الأديب العَلَّمة أحد أفراد العَصْر الأعلام. ولد في بغداد في ذي
القعدة سنة ثمان وسبعين وخمس مئة، وسمع ... واستمرت رحلته سبعًا
وعشرين سنة، واشتملت مشيخته على ثلاثة آلاف شيخ. وكان إمامًا حُجة ثقةً
حافظًا مُقرئًا أديبًا عارفًا بالتاريخ ... وله التصانيف المُمْتعة منها: تاريخ بغداد
ذَيَّلَ به على ((تاريخ مدينة السلام)) للحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب
البغدادي واستدرك فيه عليه، وهو تاريخ حافل دَلَّ على تَبَحره في التاريخ
وسعة حِفْظه للتراجم والأخبار))(١) .
إنَّ عُنوان الكتاب يشير إلى ما استجد من تراجم بعد تاريخ الخطيب.
ويبين النص الذي نقلناه من معجم الأدباء لياقوت الحموي أنَّ ابنَ النجار قد
ألَّف تاريخه هذا منذ فترة مبكرة تعود إلى ما قبل وفاة ياقوت الحَمَوي سنة
٦٢٦ هـ كما نقل الذهبي في مقدمة كتابه أنه قال: ((كنتُ وأنا صبي عزمت على
تذييل الذيل لابن السَّمْعاني، فجمعت في ذلك مسودة، ورحلت ... وكنتُ
كثير التتبع لأخبار فضلاء بغداد ومَن دخلها))(٢). ومما لا شك فيه أن المصنف
قد أضاف الكثير إليه بعد هذا التاريخ، فقد ذكر كثيرًا من التّراجم التي تُوفي
أصحابُها بعد سنة ٦٤٠ هـ وبعض الأخبار التي أعقبت وفاة ياقوت الحموي،
وهو أمر واضحٌ لمن يطالع تاريخَهُ .
(١) معجم الأدباء ٦/ ٢٦٤٤.
(٢) الذهبي: سير ١٣٢/٢٣.
١٢٩

--
وذكره وذكر كتابه هذا كمالُ الدين ابن الشَّعَّار المَوْصلي المتوفى سنة
٦٥٤ هـ فقال بعد أن ترجمَ له ترجمة رائقة: «وهو اليوم إمامُ مدينته وحافلها
وعالِمُها في الحديث وفَاضِلُها يشار إليه في فَضْله ومَعْرفته ... وله: التاريخ
المجدد لمدينة السلام وأخبار عُلمائها الأعلام ومن وردها من فضلاء
الأنام))(١). وقال الشريف عز الدين الحُسيني: ((وكان أحد الحفاظ المشهورين
عارفًا بالصناعة الحديثية))(٢).
وكان تاريخ ابن النجار تاريخًا حافلاً، ذكر الإمام الذهبي في «تذكرة
الحفاظ)» أنه في ثلاث مئة جزء (٣)، وذكر في ((السير)) أنه في مئتي جزء(٤)،
وما أظنه أصاب في أي منهما، ولعله كان يتكون من مئتين وأربعين جزءًا، إذ
أن آخر ما في المجلد العاشر المحفوظ بالمكتبة الظاهرية بدمشق هو الجزء :
الستون بعد المئة، وهو من نسخة تتكون من خمسة عشر مجلدًا، كما سيأتي
بيانه بعد قليل، فإن المجلدات الخمسة الباقية لابد أن تحتوي على ثمانين
جزءًا .
أما عدد مجلدات الكتاب فتختلف باختلاف النساخ، فقد ذكر تلميذه
وصديقه تاج الدين عليّ بن أنجب المعروف بابن الساعي البغدادي خازن
الكتب بالمدرسة المستنصرية والمتوفى سنة ٦٧٤ هـ أنه قرأ عليه هذا الكتاب
وأنه كان في ستة عشر مجلدًا(٥)، وكذا ذكر مؤلف الكتاب المسمى
بالحوادث(٦) وابن كثير(٧) وهما ينقلان عادة من تاريخ ابن الساعي. فلعل هذه
النسخة هي نسخة المؤلف التي بخطه. وذكر شمس الدين السخاوي أنه في
(١) عقود الجمان ٦ / الورقة ٢١٨ - ٢٢٠ (من نسختي المصورة).
(٢) صلة التكملة، الورقة ٣٦ (من نسختي المصورة بخطه).
(٣) الذهبي: تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٢٨.
(٤) الذهبي: سير أعلام النبلاء ١٣٢/٢٣ .
(٥): الذهبي: تذكرة الحفاظ ١٤٢٩/٤.
(٦) : كتاب الحوادث ٢٤٥ (بتحققنا).
(٧) البداية والنهاية ١٦٩/١٣.
١٣٠

((سبعة عشر مجلدًا (كذا) بخط الجمال ابن الظاهري في الأوقاف التي بجامع
الحاكم، وفقد بعضه)»(١)، لكنه ذكر في موضع آخر أنه في خمسة عشر
مجلدًا، وهو الأصوب، فقد فَصَّل القول في الضائع منه، فذكر عند الكلام
على الكتاب الذي شرع في تأليفه وأصَّلَهُ من ((تاريخ الإسلام)» للذهبي أنه
استوفى عليه مجموعة من الكتب ذكر بعضها وقال: ((واليسير من «تاريخ بغداد»
للخطيب، والمجلد الثاني والثالث من «الذيل)) عليه لابن النجار وأولهما محمد
ابن حمزة بن عليّ بن طَلْحة بن علي، وآخرها انتهاء المحمدين، والكتاب كله
في خمسة عشر مجلدًا من الموقوف بجامع الحاكم، والموجود منه الأربعة
الأول، وانتهت إلى أحمد بن عليّ بن موسى، وبعض السادس وأوله ...
والمفقود منه من جعفر بن يحيى بن إبراهيم بن يحيى إلى الحُسين بن أحمد بن
مَيْمون، والسابع والثامن وانتهيا إلى عبدالله بن محمد بن عليّ بن أحمد،
والتاسع وأظنه الذي كان عند النَّقي القَلْقَشَندي وجَحَدَهُ ابنُ أخيه وفيه الشيخ
عبدالقادر، وبعض الحادي عشر والمفقود منه كراريس من أوله إلى الهاء
آخرها، والأربعة الأخيرة وأولها. فالحاصل: أن المفقود الخامس، وبعض
السادس وجميع العاشر، وبعض الحادي عشر. وكنتُ لمحت منه أجزاء في
أوقاف الجَمَالية، ثم لم أرها))(٢).
وابن الظاهري الذي كتب هذه النسخة هو جمال الدين أبو العباس أحمد
ابن محمد بن عبدالله الحَلَبي ثم القاهري المعروف بابن الظَّاهري، ولد سنة
٦٢٦ هـ وتوفي بمصر سنة ٦٩٦ هـ، وهو أبرز شيخ للإمام الذهبي بالبلاد
المصرية (٣) .
أما النسخة التي اطلع عليها الذهبي (٤) وتلامذته: الصفدي(٥)
(١) الإعلان بالتوبيخ ٦٢٢ .
(٢) الإعلان بالتوبيخ ٥٩٠ - ٥٩١.
الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٢٥٧ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٣)
(٤) نفسه، الورقة ٤٢ (أيا صوفيا ٣٠١٣).
(٥) الوافي بالوفيات ٥/ ١٠.
١٣١

والسُّبْكي(١) فقد كانت في ثلاثين مجلدًا. وقد نسخ علي بن عبدالله بن مسعود
المسعودي المؤدب نسخة منها في خمسة عشر مجلدًا سنة ٧٤٨ هـ كما سيأتي.
بيانه . :
. وذكر حاجي خليفة أنه رأى المجلد السادس عشر من هذا التاريخ وفيه
من حرف العين(٢)، فلا شك أن هذا من نسخة أخرى. ولم يَرَ النُّاخ في
عصر المخطوطات غيرًا من تغيير عدد مجلدات الكتاب بحسب ما يرونه
مناسبًا.
وقد أتى الزمان على هذا السِّفْر النفيس فلم يصل إلينا اليوم منه غير
مجلدين هما: المجلد العاشر المحفوظ في دار الكتب الظاهرية بدمشق برقم
: (٤٢ تاريخ)، والمجلد الحادي عشر المحفوظ في المكتبة الوطنية بباريس برقم
(٢١٣١ عربيات)، وهما من نسخة واحدة تتكون من خمسة عشر مجلدًا،
نُسِخت سنة ٧٤٨ هـ من النسخة التي كانت في ثلاثين مجلدًا، فجعل كل
مجلدين في مجلد، كما نص عليه الناسخ في آخر مجلد الظاهرية حيث ذكر أنه
آخر المجلد العشرين من الأصل. كما توجد قطعة في تسع وعشرين ورقة
محفوظة في مكتبة برنستن (رقم ٣٥١٨ - يهودا) لم أطلع عليها، وأما
المجلدان اللذان في الظاهرية وباريس فعندي نسخة مصورة منهما .
وقد طبعَ الهُنود مجلد الظاهرية في ثلاثة أجزاء سنة ١٩٧٨ - ١٩٨٢ م
بدائرة المعارف العثمانية طبعةً رديئة جدًا مليئةً بالتصحيف والتحريف والسقط،
وأعيد تصويره ببيروت فأُلْحِق بالطبعة القديمة من تاريخ الخطيب.
وبقي من الكتاب انتقاء قام به الحافظ شهاب الدين أحمد بن أيبك
الحُسامي الدِّمياطي المتوفى سنة ٧٤٩ هـ سماه ((المُستفاد من ذيل تاريخ
بغداد»، وهو في مُجَيْليد، حققه بإشرافي تلميذي الفاضل محمد مولود خلف
ونال به رتبة الدبلوم العالي في تحقيق المخطوطات من الجامعة المستنصرية،.
ونشرته مؤسسة الرسالة ببيروت سنة ١٩٨٦ م.
(١) طبقات الشافعية ١٩٨/٨.
(٢) كشف الظنون ١/ ٢٨٨.
١٣٢

وذَيَّل على ذيل ابن النجار العلامة تقي الدين أبو المعالي محمد بن رافع
السَّلامي المتوفى سنة ٧٧٤ هـ، قال الحافظ ابن حجر: ((وجمعَ ذيلاً على
تاريخ بغداد لابن النجار في ثلاث مجلدات أو أربع رأيتُ بعضَهُ بخطه))(١) .
وذكر السَّخَاوي ذَيْل ابن رافع هذا، وذكر أنه وقفَ على مجلدٍ بخطه هو
المُسَوَّدة، قال: «مُسَوَّدة الذَّيْل الذي للتقي ابن رافع على ابن النجار من خطه،
وهي في مجلد، ولكن حَصَل فيها محوٌ لكثير من تراجمه، وكذا بعض المقول
في بعضها مع أنه كتب عليها ما نصه: فيه نَقْص كثير عن المُبَيّضة، وفيه زيادات
قليلة. قال: والمبيَّضة في ثلاثة مجلدات. وقال في خُطبته: أذكر فيه مَن دَخل
بغداد من العلماء، والفقهاء، والمحدِّثين، والوزراء، والأدباء، ومن فاتهما
- يعني الخطيب وابن النجار - أو أحدهما ذكره ذكرته. وعلى المُسَوَّدة بخط
الذهبي ما نصه: كتاب التَّذْييل والصِّلَة على تاريخ بغداد، ألَّفه وتلقفه الفقير
إلى الله تعالى الإمام الحافظ مفيد الطلبة عُمْدة النَّقَلة تقي الدين محمد بن رافع
الشَّافعي، ووصل به التاريخ الكبير الذي جمعه حافظ العراق محب الدين ابن
النجار الذي عَمِلَ كتابه ذيلاً واستدراكًا على تاريخ الحافظ أبي بكر الخطيب
غفر الله لهم ولنا، انتهى. وقد أخبرني صاحبنا النَّجْم بن فهد أنه وقف على
المُبَيَّضة، ولم يستحضر محلها))(٢). ولم يصل إلينا هذا الكتاب. ولكن انتقى
تقي الدين الفاسي المتوفى سنة ٨٣٢ هـ تراجم من هذا الذيل سماها:
((المُنْتخب المختار المُذَيَّل به على تاريخ ابن النجار)) نشره المحامي المشهور
الأستاذ عباس العزاوي سنة ١٩٣٨ م.
وذكر السَّخَاوي عند كلامه على تواريخ بغداد أنَّ تاجَ الدين علي بن
أنجب المعروف بابن السّاعي البغدادي المتوفى سنة ٦٧٤ هـ قد ذَيَّل على ذَيْل
ابن النجار، وقال: ((يقال: إنه في نحو ثلاثين مجلدًا)) (٣) مما يدل على أنه لم
(١) ابن حجر: الدرر الكامنة ٤ / ٥٩ .
(٢) الإعلان ٥٩١ - ٥٩٢ .
(٣) الإعلان ٦٢٢ .
١٣٣

يقف عليه. وذكر حاجي خليفة(١) أنه ذَيَّل على تاريخ بغداد الذي ألَّفه ابن
المارستانية المتوفى سنة: ٥٩٩ هـ. وتاريخ ابن المارستانية هذا هو في تاريخ
مدينة السلام، ذكر ابن القادسي أنه على وضع كتاب الخطيب(٢)، فما أظنه
ذيلاً عليه .
وهذا الذي ذكره السَّخاوي وحاجي خليفة لم أجد له أصلاً عند
المتقدمين ولا عرفته من ترجمة ابن السَّاعي، فالمحفوظ أنَّ ابن السَّاعِي أَلَّف
مجموعة كبيرة من التآليف، كان من أشهرها وأضخمها تاريخه الوسيع الذي
أكثر النقل منه الملك الغَسَّاني صاحب كتاب ((العَسْجد المسبوك))، وابن كثير
في («البداية والنهاية))، كما صَرّح في ترجمته(٣)، وأشار إليه في العديد من
المواضع، وغيرهما. وذكر الذهبي أنَّ ابن الساعي ترجم لابن النجار في
تاريخه الذي ذَيَّل به على ((الكامل)) لابن الأثير، فقال، كما نقلت من خطه:
((وقال ابن الساعي في تذييله على ابن الأثير أنه مات في منتصف شعبان ..
إلخ)»(٤).
فالذي ذكره الذهبي هو الأليق بتاريخ ابن الساعي الذي تدل النقول منه
أنه كان يُعنى بالحوادث أكثر من عنايته بالتراجم. وأيضًا فإنه لو كان هذا
التاريخ ذيلاً على ذيل ابن النجار لنقل الذهبي منه ولسَمَّاه، فضلاً عن أن
المؤرخين قد نقلوا منه الكثير مما ذكره بعد الثلاثين وست مئة .
(١). كشف الظنون ١/ ٢٨٨.
(٢) ابن رجب: الذيل ١/ ٤٤٦. وقد طعن فيه غير واحد، فانظر تفاصيل ذلك في كتيبتا:
تواريخ بغداد التراجمية ١٠ - ١١ .
(٣) البداية والنهاية (وفيات سنة ٦٧٤).
(٤) تاريخ الإسلام، الورقة ٤٢ (أيا صوفيا ٣٠١٣).
----
١٣٤

الفصل الثالث
الحديث في تاريخ الخطيب
توطئة
لقد كان من منهج الخطيب أن يوردَ في كُلِّ ترجمةٍ حديثًا أو خَبَرًا من
طريق المُتَرْجَم إن وقع له ذلك أو احتاج إليه، ويسوقَهُ بإسناده إليه، فساق في
كتابه هذا قرابة الخمسة آلاف حديث بالمكرر منها قرابة الأربع مئة حديث
موقوف. وإيراد الأحاديث في التراجم طريقةٌ كانت معروفة قبله، وسار عليها
كثير ممن جاء بعده، فلماذا نَهَجَ مؤلفو كُتُب التراجم هذا المَنْهج وما الغاية
التي دفعتهم إلى ذلك؟
هذا السُّؤال والجواب عنه مما لم يُناقشه العُلماء بما يروي الغليل ويرفع
حيرة الدَّارس الذي يَسْتَعجب أبدًا من إيراد هؤلاء العلماء الأعلام لمئات
الأحاديث الضعيفة والواهية والموضوعة في كتبهم ويسكتوا عن كثير منها فلا
يُبينوا عِلَلَها صراحةً .
وقد تَنَبَّهَ العُلماء إلى كثرة الأحاديث الضعيفة والواهية والموضوعة في
مصنفات معينة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((الرد على البَكْري)): ((وأبو
نُعيم يروي في الحلية وفي فضائل الصحابة وفي الزُّهد أحاديث غرائب يعلم
أنها موضوعة، وكذلك الخطيب، وابنُ الجوزي، وابنُ عساكر، وابنُ ناصر،
وأمثالهم))(١) .
وبيّن السيوطي في مقدمة ((الجامع الكبير)) أنَّ الأحاديث التي تفرد بها
العُقيلي في ((الضعفاء))، وابن عَدي في ((الكامل))، والخطيب في كتبه ومنها
((تاريخه))، وابن عساكر في ((تاريخه))، والحكيم التِّرمذي في ((نوادر الأصول»،
(١) الرد على البكري ١٨ - ١٩.
١٣٥

والحاكم في «تاريخه))، والدَّيْلِمي في «مسند الفردوس» ضعيفة(١).
وذكر الأستاذ الفاضل الدكتور خَلْدون الأحدب في مقدمة كتابه النافع
((زوائد تاريخ بغداد على الكتب الستة)» أنَّ الأحاديث التي تفرد الخطيب بروايتها
ولم يشاركه فيها أحد من الأئمة الذين سبقوه في روايتها أو هو فيما شاركهم
في روايته، ولكنه رواها بأسانيد معلولة، إنما مردها في الأغلب الأعم إلى
حِرْصه على أن تَفَعَ هذه الأحاديث من طَرُق مَن ترجم لهم بغض النظر عما
تمثله من قيمة حيثُ إنَّ هذا هو مقصوده دون النظر إلى أي اعتبار آخر. وأنه قد
وجد أن أكثر هذه الأحاديث التي رواها بأسانيد ضعيفة أو تالفة قد خرَّجُها غیرُه
من الأئمة بأسانيد صحيحة أو جياد أو ضعيفة ضعفاً محتملاً))(٢).
وهذا الذي تَقَدَّمَ صحيحٌ، لكن السؤال يبقى: لماذا روى الخطيب هذه
الأحاديث دون غيرها في تاريخه، ولم يَنْتَقِ من صحاح أحاديث الذين ترجم
لهم إن كان لابد له من رواية حديث ما عنهم، ولماذا نجد بعض الأحاديث
الواردة في التَّراجم مما هو من صحيح الحديث ومشهوره، أو مما هو في
الكتب الستة أو مسند أحمد أو بعض المصُنَّفات المتقدمة مثل مُصَنَّفَي
عبدالرزاق وابن أبي شيبة ونحوهما، ثم لا نجد ذلك في بعض التراجم مع أنّ
كثيرًا من هؤلاء الذين ساق لهم غرائب وواهيات لابُد أنه كان عنده عنهم
أحاديث أجود منها مع سعة روايته وكثرتها؟
هذه الأسئلة هي التي تحتاجُ إلى أجوبة مُقْنِعة، وهي التي سنحاول
الإجابة عنها، ونسأل الله التوفيق والسَّداد في القول:
أحاديث كتب الرجال والتراجم:
وأول مَلْحظِ نُلاحظه أنَّ الكُتب المَعْنية بأحوال الرواة تنقسمُ إلى قِسْمين:
قسم يُعْنَى بسياقة الأحاديث في أثناء التراجم في الأغلب الأعم أو حينما يجد
لذلك ضرورة أو فائدة منها على سبيل المثال لا الحصر: التاريخ الكبير
(١) الجامع الكبير ١/١.
(٢) ٠ ٠٨٧/١
١٣٦

للبخاري المتوفى سنة ٢٥٦ هـ، وتاريخ الخطيب هذا، وغيرهما. ومنها ما
اقتصر على عناصر الترجمة الأخرى من جَرْح وتعديل ومناقب وغيرها من غير
سياقة حديث أو رواية في الأغلب الأعم، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
كتاب الكنى والأسماء لمسلم بن الحجاج المتوفى سنة ٢٦١ هـ والجرح
والتعديل لابن أبي حاتم الرازي المتوفى سنة ٣٢٧ هـ ، ومشاهير علماء
الأمصار لابن حبان المتوفى سنة ٣٥٤ هـ، وغيرها.
وإنما ابتدأت بالتمثيل للصنف الأول بتاريخ البخاري الكبير، وابتدأت
بالتمثيل للصنف الثاني بكتاب الكنى والأسماء لمسلم بن الحجاج، ثم ثَنَيتُ
بكتاب ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل عن عمد، لأُبَيّن سلف المتأخرين في
هذين النوعين من مناهج التأليف.
الناقدون الأولون:
لقد بينا أنا ورفيقي العلامة الكبير الشَّيخ شُعيب الأرنؤوط حفظه الله
تعالى، في مُقدمتنا لكتابنا ((تحرير التقريب)) أنَّ النَّقد الحديثي مَرَّ بمراحل
خمس كان من أبرزها المرحلة الثانية التي قامت على التبويب والتّنْظيم وجَمْع
أحاديث كُلِّ مُحَدِّثٍ والحكم عليه من خلال دراستها، وكيف أنَّ ذلك تَبَدَّى في
الأحكام التي أصدرها عليّ ابن المديني ويحيى بن مَعِين وأحمد بن حنبل وأبو
زُرْعة وأبو حاتم الرازيان والبُخاري ومُسلم وأضرابُهم من الجهابذة الأوائل،
وسُقْنا الأمثلة الكثيرة التي تبين أن تلك الأحكام إنما قامت عندهم واستقامت
في كثيرٍ من الأحيان على سَبْر حديث هؤلاء الرُّواة، فمن وافقت أحاديثُه
الصحيحَ المحفوظَ من المتون وَثَّقُوه، ومن كَثُرَت مخالفته وأُنْكِرت أحاديثُه
ضَعَّفُوه، ثم تفاوتت درجاتهم بحسب كمية ما أخطأ أو أَنْكر على كلٍّ واحد
(١)
منهم (١) .
وكان هؤلاء النُّقاد يُبَيِّنون سببَ جَرْحهم لراوٍ ما في أحايين قليلة،
ويُقَدِّمون الأحكامَ في الأغلب الأعم من غير بيان، أو بكلمة أخرى: كانوا
(١) تحرير التقريب ١٨/١ - ٢٢.
١٣٧

يُصْدِرُون الأحكامَ ويحتفظون في كثير من الأحيان بالأدلة التي حَدَت بهم إلى
إصدارها، دفعًا للتَّطويل وطلبًا للاختصار، لكنَّ بعضَهُم كان يَسُوق الدليل
بطريقة أُخرى حينما يسوقُ حديثًا في أثناء الترجمة، فهو عنده کسیاقة قَوْل في
الجَرْح والتعديل، أو بيان حقيقة يُريد عَرْضها ..
التاريخ الكبير للبخاري نموذجًا
ومن يطالع تاريخ البخاري الكبير ويُمْعن النَّظَر فيه ويخبر طريقته ومنهجَهُ
يُدرك الغَرَض الذي من أجله بسباق البُخاري في كثير من تراجمه الأحاديث. فلو
أخذنا المجلَّد الأول من تاريخ البخاري الكبير مثلاً لوجدنا مئات التّراجم من
هذا النوع، ولابُد لنا من ضَرْب بعض الأمثلة المقارنة لنبين هذه الطريقة .
قال البخاري في ترجمة أبي المنذر محمد بن عبدالرحمن الطُّفَاوي
البصري :
((سمع أيوب والأعمش.
قال لي أحمد بن المقدام العِجْلي: حدثنا محمد بن عبدالرحمن.
الُفاوي، قال: حدثنا هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: لما نزلت
﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْبِنَ {لَ﴾ [الشعراء] قال النبيُّ وَّ: يا صَفِية بنت
عبدالمطلب، يا فاطمة بنت محمد، يا بني عبدالمطلب، إني لا أملكُ لكم مِنْ
الله شيئًا، سَلُوني من مالي ما شئتمٍ.
وقال و کیع ویونس بن بُكَيْر عن هشام، مثلَهُ.
ورواه مالك وغيرُ واحد عن هشام، عن أبيه، عن النبيِ وَ لِّ، مُرسلاً))(١).
فقد أراد البخاري من سياقة هذا الحديث في ترجمة محمد بن
عبدالرحمن الطَّفاوي أن يبين لنا أنه قد خُولف في وَصْل هذا الحديث على
الرغم من متابعة بعض الثقات له، ومن ثم لم يُخرج هذا الحديث في صحيحه،
وتابعه على ذلك تلميذه التّرمذي حين ساق هذا الحديث في جامعه من طريق
الطُّفاوي واقتصر على تَحْسينه، وأبانَ عن العِلَّة التي ذكرها البخاري في تاريخه
(١) التاريخ الكبير ١/ الترجمة ٤٦٥.
١٣٨

الكبير وإن لم يشر إليه (١)، مع أنَّ مُسلمًا أخرج الموصول في الصحيح(٢).
والمقصود أن هذا اجتهاده واجتهاد تلميذه الترمذي.
وحين ترجم ابن أبي حاتم في كتابه للطفاوي لم يذكر شيئًا من ذلك لكنه
نقل قول ابن معين فيه: صالح، وقول أبيه فيه: ليس به بأس صدوق صالح إلا
أنه يهم أحيانًا، وقول أبي زرعة فيه: منكرُ الحديث(٣).
وقد يُتَرْجم البُخاري لشخص ما بسبب أنه لا يُعرف له إلا حديث واحد
فيسوقه، كما في ترجمة محمد بن عبدالملك بن أبي مَحْذورة القُرشي الذي
روى عن أبيه عن جده حديث الأذَان الذي لم يروه عنه سوى أبي قُدامة
الحارث بن عبيد(٤) . وحين ترجمه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل)) اقتصرَ
على ما ذكرتُ من غير سياقة الحديث، فقال: ((محمد بن عبدالملك بن أبي
مَحْذُورة. روى عن أبيه عن جده. روى عنه أبو قُدامة الحارث بن عُبيد؛
سمعت أبي يقول ذلك)»(٥) ، فالنتيجة واحدة، لكن ترجمة البخاري أبين.
وقد يسوق الحديث الواحد الذي لا يُعرف المُتَّرْجَم إلا به وهو مجهول،
لیبین ذلك، مثال ذلك قوله :
«محمد بن مَسْلمة. حدثني إبراهيم، قال: أخبرنا هشام، عن ابن
جُرَيْج، قال: حدثنا عباس، عن محمد بن مسلمة، عن أبي سعيد وأبي هريرة
عن النبي وَّ في ساعة الجُمُعة، وهي بعد العصر.
وقال عبدالرزاق، عن ابن جُرَيْج: محمد بن مسلمة الأنصاري، ولا
يتابع، في الجُمُعة)) (٦).
(١) الترمذي (٢٣١٠) و (٣١٨٤).
(٢)
مسلم ١/ ١٣٣.
الجرح والتعديل ٧/ الترجمة ١٧٤٧ .
(٣)
(٤)
التاريخ الكبير ١ / الترجمة ٤٨٦.
الجرح والتعديل ٨/ الترجمة ١٤. وذكره المزي فى تهذيب الكمال ٢٢/٢٦ - ٢٣
(٥)
بسبب هذا الحديث الذي أخرجه أبو داود (٥٠٠).
(٦) التاريخ الكبير ١ / الترجمة ٧٥٨.
١٣٩

فهذا راوٍ لا يُعرف إلا من رواية هذا الحديث، وهو مجهولٌ كما قال
العُقَيْلي(١) وابن عَدِي(٢) والذهبي(٣). ومن يتمعن في الترجمة يجد أنَّ
البُخاري ساقَهُ عن ابن جريج من طريقين، أولهما: من طريق هشام بن يوسف
الصَّنْغاني عنه سَمَّاه فيه ((محمد بن مَسْلمة)) فقط، والثاني: من طريق عبدالرزاق
ابن هَمّام عنه سماه فيه «محمد بن مسلمة الأنصاري)»، زاد فيه النَّسبة ..
أما قوله ((لا يتابع)) لأنَّ في قِسْم منه نكارة هو قوله: ((بعد العَصْر))، قال
العُقَيْلي: ((والرواية في فَضْل الساعة الَّتي في يوم الجُمُعة ثابتة عن النبي: { 8 من
غير هذا الوجه، وأما التَّوقيت، فالرواية فيها لينة، والعباس رجل مجهول لا
نعرفه، ومحمد بن مسلمة أيضًا مجهول)) (٤).
وقد تكون غاية البُخاري من سياقة الحديث في ترجمة ما بيان ضَعْفٍ
المُتَرْجَم أو جهالته من غير تصريح بذلك، فمن ذلك قوله :
((محمد بن عَيَّاش العامري، عِداده في الكوفيين. عن أبي إسحاق، عن
أبي الأحوص، عن عبد الله، رَفَعَهُ: وطىء رجلٌ عُنُقَ رجلٍ فقال: لا يغفر لك.
وقال مَعْمَر: عن أبي إسحاق، عن أبي عُبيدة، عن عبدالله، قوله.
وقال عُبيد الله الحَنَّفي: حدثنا محمد بن عَيَّاش بن عمرو العامري، قال:
حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ◌ّ: من أدرك
رَكْعتين من العَصْر فقد أدرك، والفجر مثله»(٥) .
والناظر في هذه الترجمة يمكن أن يُدرك ثلاثةَ أغراضٍ أرادها البُخاري
من سياقته الحديث في هذه الترجمة:
الأول: أن هذا الرجل يروي عن أبي إسحاق السَّبيعي وعن الأعمش.
(١) الضعفاء الكبير ٤/ ١٤٤٠.
١
(٢) الكامل في الضعفاء ٦/ ٢٢٧٠.
(٣) الميزان ٤ / ٤١ .
(٤) الضعفاء الكبير ٤/ ١٤٠.
(٥) التاريخ الكبير ١ / الترجمة ٦٢٧.
١٤٠