النص المفهرس
صفحات 21-40
الطبري)»(١) ، فلم يذكر غيره. توجهه نحو الحديث على أنَّ الدارس لسيرةِ الخطيب يُدرك أنَّه لم يفكر يومًا أن يصرفَ حياتَهُ إلى الفقه، فقد كان واضحًا منذ نعومة أظفاره أنَّ الحديثَ كان غايته، لذلك توجه إليه بكُلّيته، وأُصيبَ بالشره في طلبه، ولم يتركه طوال مسيرته العلمية. ولعلنا ندرك سعةَ ما تَلَقَّه الخطيبُ من الشيوخ عند دراستنَا لطبيعةٍ المادةِ التي تَحَمَّلَها الخطيبُ عنهم، فقد لازمَ ابنَّ رِزْقويه مثلاً ست سنوات ((٤٠٦ - ٤١٢ هـ))، فَتَحَمَّلَ عنه سَمَاعًا وإجازة روايته لمصنَّفات عديدة مشهورة ألَّفها أربعة وعشرون مؤلّفًا معظمها يتعلق بالحديث ورجاله(٢). ويكشف الفهرس الذي صنعناه لشيوخ الخطيب في تاريخه هذا الكم الهائل الذي تَحَمَّلَهُ الخطيبُ عن شيوخ بغدادَ منذ مُدّةٍ مُبكرةٍ من حياته العلمية(٣)، إذْ كانَ يؤمنُ بأنَّ على المُحَدِّثَ أن يستنفدَ حديثَ أهلِ بَلَده قبل الرّحلة في طلب الشيوخ الآخرين(٤) . وكان من الطبيعي أن يلتقي الخطيبُ الشيوخَ المتواجدين في القُرى والمُدن القريبة من بغداد مثل عُكْبَرا، وجَرْجَرايا، والمَدَائن، وبَعْقُوبا، والأنبار، والكوفة، ونحوها. فذلك مبثوثٌ في تاريخه . وقد اتصل الخطيب بمُحَدِّثٍ ومُصَنَّفٍ بارزٍ هو أبو بكر أحمد بن محمد ابن غالب الخُوارزمي المعروف بالبَرْقاني ((٣٣٦ - ٤٢٥ هـ))، كان قد تركَ بلدَهُ واستقرَّ ببغدادَ، فأخذ عنه كثيرًا، وكان مُعْجَبًا به، كثيرَ المُلازمة له، قال: ((وكان ثقةً ورعًا مُتْقِنَا مُتَبًِّا فَهِمَا، لم نَرَ في شيوخنا أثبتَ منه، حافظًا للقُرآن، عارفًا بالفقه، له حَظْ من عِلْم العربية، كثيرَ الحديث، حَسَن الفَهْم له، والبَصيرة (١) ابن الجوزي: المنتظم ٢٦٥/٨. (٢) العمري: موارد الخطيب ٣٠ و٥١٧ - ٥١٨. (٣) انظر فهرس شيوخ الخطيب في المجلد السابع عشر من طبعتنا هذه. (٤) الخطيب: الجامع لأخلاق الراوي، الورقة ١٦٨ - ١٦٩ (نسخة الإسكندرية ٣٧١١)، وانظر تاريخه ٦/٢. ٢١ فيه، وصَنَّف ... ولم يقطع التَّصنيف إلى حين وفاته))(١). ثم قال: ((وكنتُ كثيرًا أُذاكرُه بالأحاديث فيكتبها عني ويُضَمِّنُها جُمُوعَهُ)). ثم ساقَ حديثًا رواه البَرْقاني عنه، كان قد سمعه منه في سنة ٤١٩ هـ، وقال: ((وكَتَبَ عني بعد ذلك شيئًا كثيرًا من حديث التَّوَّزي ومِسْعَر وغيرهما مما كنتُ أذاكره به))(٢) . وكان الخطيب يستشيره في مسيرته العلمية، ويعينه البَرْقانيُّ بما يستطيع. لقب الخطيب اشتهر أبو بكر بالخطيب، فهل كان خطيبًا، أم إنَّ ذلك لصق به من والده الذي كان خطيبًا بدَرْزيجان كما ذكرنا؟ الراجح أنَّ أبا بكر قد تابعَ مهنة أبيه في الخطابة، فقد ذكره عَصْرِيُّه الشيخ عبد العزيز بن محمد النَّخَشَبِي المتوفى سنة ٤٥٦ هـ في معجم شيوخُه، وذكر أنه كان يخطب في بعض قُرى بغداد (٣). وذكر ابن كثير أنه كان يخطب بقرية دَرْزيجان(٤) ، ولا أدري من أين جاء بذلك، فلعله اختلط عليه الأمر فنسبَ وظيفةَ أبيه إليه، ورَجَّحَ الأستاذ يوسف العش ذلك(٥) . وأنا أستبعده لمقيم ببغداد، فهذه القرية تبعد عن بغداد أكثر من خمسة وعشرين كيلومترًا، فمن غير المعقول أن يسكن ببغداد ويذهب كل جُمعةٍ إلى تلك القرية . رحلاته كانت أُولى رحلات الخطيب إلى البَصْرة سنة ٤١٢ هـ وقد سَجَّلَ وجودِهُ فيها في ترجمة محمد بن إبراهيم بن حوران الحَدَّاد إذ قال: ((مات أبو بكر بن (١) تاريخه ٢٧/١. .(٢) نفسه ٢٨/٦. (٣) نقل ذلك ياقوت في معجم الأدباء من خط أبي سعد السمعاني الذي انتخب من معجم شيوخ عبدالعزيز بن محمد النخشبي ١/ ٣٩٠ ونقل الصفدي ذلك في الوافي ٧/ ١٩٤: عن معجم الأدباء. (٤) البداية والنهاية ١٢/ ١٠٣ . (٥) يوسف العش: الخطيب البغدادي ٢٦. ٢٢ حوران في سنة اثنتي عشرة وأربع مئة، وكنتُ إذ ذاك بالبصرة))(١)، وقد أخذَ فيها عن مجموعةٍ من شيوخها المتميزين، إذ لحق بها شيخه أبا عُمر القاسم بن جعفر بن عبدالواحد الهاشمي راوي ((سُنن أبي داود)) فَتَحَمَّلَها عنه. وأخذ فيها أيضًا عن أبي الحسن علي بن القاسم بن الحسن الشَّاهد، وأبي محمد الحسن ابن علي السَّابوري، وطائفة أخرى(٢). وكانت رحلة قصيرة على ما يبدو إذ عادَ في السنة نفسها إلى بغداد، فحضرَ وفاة والده ودَفْنه في شَؤَّال من السنة، كما مَرَّ بنا. رحلته إلی نیسابور وبدأ تفكير الخطيب في سنة ٤١٥ هـ يتجه إلى الرَّحْلة الواسعة، وكان مترددًا بين الرِّحلة إلى مِصْرَ وفيها المُحَدِّث الكبير مُسند الديار المصرية أبو محمد عبدالرحمن بن عمر المالكي المعروف بابن النَّخَّاس المولود سنة ٣٢٣ هـ، وله سماعات عتيقة تعود إلى سنة ٣٣١ هـ (٣)، وبين نَيْسابور التي كانت تَزْخرُ بكبار المُحدثين فضلاً عن المدن المجاورة لها. لكنَّ شيخَهُ البَرْقاني نَصَحَهُ بِالرَّحلةِ إلى نَيْسابور، قال: ((استشرت البَرْقاني في الرحلة إلى أبي محمد بن النحاس بمصرَ، أو إلى نَّيْسابور إلى أصحاب الأصم، فقال: إنكَ إن خرجتَ إلى مصرَ إنما تخرجُ إلى واحدٍ إن فاتَكَ ضاعت رحلتُكَ، وإن خرجتَ إلى نَيْسابور ففيها جماعةٌ إن فاتكَ واحدٌ أدركتَ مَن بقيَ، فخرجتُ إلى نَيْسابور))(٤). وكان ابنُ النحاس يومذاك في الثانية والتسعين من عمره، ثم توفي في صفر من سنة ٤١٦ هـ. لا نَذْري متى خرجَ الخطيب من بغداد سنة ٤١٥ هـ، لكنه قال في ترجمة أبي الحسن علي بن أحمد بن عَبْدان الأهوازي: ((وقدمتُ أنا نَيْسابور في شهر (١) تاريخه ٣١٧/٢. (٢) الذهبي: سير أعلام النبلاء ٢٧٢/١٨. (٣) الذهبي: تاريخ الإسلام (وفيات ٤١٦ بخطه)، وسير أعلام النبلاء ٣١٣/١٧. (٤) الذهبي: سير أعلام النبلاء ٢٧٥/١٨. ٢٣ رمضان)) (١)، وقال في ترجمة عليّ بن محمد بن عبدالله الأموي: ((ومات وأنا غائبٌ في رحلتي إلى نَيْنَابور، وكانت وفاته وقت السَّحَر يوم الأحد الخامس والعشرين من شعبان سنةٍ خمس عشرة وأربع مئة»(٢) . وقال في ترجمة عليّ ابن عبدالله بن إبراهيم الهاشمي: ((ومات في يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة خمس عشرة وأربع مئة، ودُفن بباب حَرْب، وكنتُ إذ ذاك غائبًا عن بغداد في رحلتي إلى خراسان»(٣). ولابد أنه سَمِعَ ببعض المُدن التي مَرَّ بها وهو في طريقه إلى نَيْسابور، وأولها النَّهْروان، قال في ترجمة علي بن محمد بن عبدالله القَطَّان المعروف بابن الفُتَيْتِي: ((كتبتُ عنه بالنَّهْروان في رحلتي إلى نَيْسابور وذلك في سنة خمس عشرة وأربع مئة)»(٤) . وقد استنتج الدكتور العمري من هذه النصوص أنَّ الخطيب كان بنيسابور في رجب سنة ٤١٥ هـ نفسها، ثم قال: ((وقد سَجَّلَ وجودَهُ فيها في شهري شعبان ورمضان)»(٥) ، وليس الأمر كما ذهب إليه، فإنه كان في رجب وشعبان في طريقه إليها كما يظهر جليًا في قوله ((وقدمتُ أنا نَيْسابور في شهر رمضان» (٦) . ودخل في السنة نفسها إلى الدِّينَوَر(٧)، والرَّي(٨) (١) تاريخه ٢٣٢/١٣. (٢) تاريخه ١٣ / ٥٨١. (٣) تاريخه ٤٥٠/١٣. تاريخه ١٣/ ٥٨١. (٤) (٥) موارد الخطيب ٣٨. (٦) تاريخه ٢٣٢/١٣. (٧) ذكر الدكتور العمري أنه لا يعرف متى زار الخطيب الدينور، وفاته أن ذلك مذكور في. تاريخ الخطيب نفسه، قال الخطيب في ترجمة رضوان بن محمد بن الحسن الدينوري: وقدم بغداد وكتبنا عنه بها في سنة ثلاث عشرة وأربع مئة، وكتبت عنه أيضًا بالدينور في سنة خمس عشرة وأربع مئة)) (تاريخه ٤٣٢/٩). (٨) تاريخه ١٢/ ٤١٦ - ٤١٧. ٢٤ ولا نعلم متى عادَ إلى بغدادَ، لكنه بالتأكيد لم يكن بنّيْسابور في سنة ٤١٧ هـ وهي السنة التي توفي فيها أعظم شيوخه التَّيْسابوريين أبو حازم عُمر بن أحمد بن إبراهيم العَبْدُوبي، قال: ((وبقي أبو حازم حَيًّا حتى لقيته بنّيْسابور وكتبتُ عنه الكثير)) (١)، ثم قال: ((كَتَبَ إليَّ أبو علي الحسن بن علي الوَخْشِي من نَيْسابور يذكرُ أنَّ أبا حازم مات في يوم عيد الفطر من سنة سبع عشرة وأربع مئة))(٢)، وما أظن الخطيب إلا عاد منها في سنة ٤١٦ هـ، لأنه لم يكن من عادته إطالة الرِّحلة . وكان رفيقُه في هذه الرَّحْلة المحدث الجَوَّال أبو الحسن علي بن عبدالغالب بن جعفر بن الحسن البغدادي الضَّرَّاب المعروف بابن القُنِّي المتوفى سنة ٤٣١ هـ، قال السَّمعاني في ((القُنِّي)) من الأنساب: ((ذكر أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب، فيما أخبرنا عنه أبو الحسن الأزَجي إجازةٌ، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب كتابةً، قال: أبو معاذ عبد الغالب بن جعفر بن الحسن ابن علي الضَّرَّاب يُعرف بابن القُنِّي، سَمِعَ محمد بنَ إسماعيل الوَرَّاق، كتبتُ عنه شيئًا يسيرًا. وابنه علي بن عبدالغالب أبو الحسن، كان رفيقي في رحلتي إلى خُراسان، ونعْمَ الرَّفيقُ ... وعَلَّقتُ عنه أحاديثَ))(٣). وأشارَ السمعاني إلى مثل هذا في ((الضَّرَّاب)) من الأنساب. وقال الذهبي في وفيات سنة (٤٣١) من تاريخ الإسلام: ((عليّ بن عبدالغالب المُحَدِّث الجَوّال أبو الحسن البَغْدادي ابن الضَّرَّابِ عُرف بابن القُنِّي ... انتقى عليه رفيقُه أبو نصر السِّجْزي، وهو كان رفيق الخطيب إلى نَيْسابور ... عاش ثمانيًا وأربعين سنة، أرَّخَ موتَهُ ابنُ خَيْرون))(٤). وكان من أبرز شيوخه النَّيْسابوريين من تلاميذ أبي العباس الأصم: أبو (١) تاريخه ١٣ / ١٤٤. (٢) تاريخه ١٤٥/١٣. (٣) ترجم الخطيب لأبيه عبدالغالب في تاريخه ١٢/ الترجمة ٥٧٨٩ ولم يترجم له، ربما لأنه لم يحدث ببغداد . (٤) تاريخ الإسلام، الورقة ٣١٨ بخطه (أيا صوفيا ٣٠٠٩). ٢٥ . الحسن علي بن محمد بن محمد بن أحمد بن عثمان الطَّرازي المتوفى سنة ٤٢٢ هـ وهو آخر مَن حَدَّث عن أبي العباس الأصم بالسَّمَاعُ(١). وأبو حازم عُمر بن أحمد بن إبراهيم العَبْدُوبي ((بعد ٣٤٠ - ٤١٧ هـ)، وكان أبو حازم قَدِمَ بغدادَ قديمًا فلم يتهيأ للخطيب السماع منه، فلقيه بنّيْسابورَ وأكْثَرَ عنه(٢) ؛ وقال: ((كان ثقة صادقًا عارفًا: حافظًا))(٣)، وقال أبو محمد ابن السمر قندي: ((سمعتُ أبا بكر الخطيب يقول: لم أرَ أحدًا أُطْلِقُ عليهِ اسم الحِفْظ غير رجلين: أبو نُعيم وأبو حازم العَبْدُوبي))(٤) .. ومنهم الشيخ الثقة المأمون أبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل الصيرفي المتوفى سنة ٤٢١ هـ، وهو من المُكْثِرِين جدًا عن أبي العياس الأصم(٥). ومنهم: مُسند خُراسان أبو بكر أحمد بن الحسن الحَرَشِي الحِيري النَّيْسابوري المتوفى سنة ٤٢١ هـ أيضًا(٦)، وأبو بكر أحمد بن محمد بن محمد الأشناني الصيدلاني النيسابوري المتوفى في أواخر سنة ٤١٦ هـ (٧)، وغيرهم من الأعيان. رحلته إلى أصبهان وفي سنة ٤٢١ هـ تَوجه الخطيبُ إلى أصبهان قاصدًا أبا نُعَيْمِ الأصبهاني أكبرَ عُلمائها يومئذٍ، وليأخذ عَمَّن بقي فيها من المُسْنِدين الكبار، حاملاً وصيةً من شيخه وصَدِيقهِ أبي بكر البَرْقاني إلى أبي نُعيم يقول فيها: ((وقد نَفْذَ إلى ما عندك عَمْدًا مُتَعَمِّدًا أخوبا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت - أيَّده اللهُ وسَلَّمه - ليقتبسَ من عُلومك، ويستفيدَ من حديثك، وهو بحمد الله ممن له في هذا (١) الذهبي: سير أعلام النبلاء ١٧ /٤٠٩. (٢) انظر فهرس شيوخ الخطيب في المجلد السابع عشر، وترجمته في هذا الكتاب ١٣ / الترجمة ٥٩٩٣. (٣) تاريخه ١٣ /١٤٤. (٤) الذهبي : سير أعلام النبلاء ٣٣٤/١٧ - ٣٣٥. (٥) نفسه ١٧/ ٣٥٠. (٦) نفسه ١٧ /٣٥٦ - ٣٥٨. (٧) ينظر عن هؤلاء الشيوخ فهرس شيوخ الخطيب في المجلد السابع عشر. ٢٦ الشأن سابِقَةٌ حَسَنةٌ، وَقَدَمٌ ثابتٌ، وفَهُمّ به حَسَنٌّ. وقد رحلَ فيه وفي طَلَبِهِ، وحَصَلَ له منه ما لم يَحْصل لكثيرٍ من أمثاله الطَّالبينَ له، وسيظهرُ لكَ منه عند الاجتماع من ذلك، مع التَّورع والتَّحَفظِ وصِحَةِ التَّحْصيلِ، ما يُحَسِّن لديكَ موقعَهُ، ويُجَمِّل عندك مَنْزِلتَهُ. وأنا أرجو إذا صَحَت منه لَديكَ هذه الصِّفَةِ أن يلينَ له جانبُكَ، وأن تتوفّر له وتحتمل منه ما عَسَاهُ يورده من تَثْقيلٍ في الاستكثارِ، أو زيادةٍ في الاصطبار، فقديمًا حَمَلَ السَّلَفُ عن الخَلَفِ ماَ رُبَّما ثَقُلَ، وتوفروا على المُسْتَحِقِّ منهم بالتَّخْصِيص والتَّقْديم والتَّفْضيل ما لم يَتَلْهُ الكُلُّ منهم))(١) . ونَفْهَمُ من الإشارات التي وردت في تاريخ الخطيب أنَّهُ كان في أصبهان في ذي القعدة من سنة ٤٢١ هـ(٢). كما سَجَّلَ حضورَهُ فيها في أوائل سنة ٤٢٢ هـ حيثُ كان فيها في ربيع الأول من تلك السنة(٣). وفيما عدا ذلك، فإننا لا نعلم متى عادَ إلى بغدادَ، والأرجحُ أنه عادَ في سنة ٤٢٢ هـ حيث كان ببغداد سنة ٤٢٣ هـ. والظّاهرُ أنَّ الخطيبَ استوعبَ أكثرَ ما عندَ أبي نُعَيْم من مَرْويات، ولاسيما الكبار منها، بالسَّماع أو الإجازة، وقد ظهر ذلك في الكم الكبير الذي ساقه من الأسانيد عن أبي نُعَيْم في تاريخه وغيره، والتي يظهر منها العديد من الكتب التي اختص بروايتها أبو نُعَيْم أو ألَّفها هو (٤) . كما روى الخطيب في تاريخه عن عدد من الشيوخ الذين لقيهم فيها، منهم: محمد بن عبدالله بن شهريار المتوفى سنة ٤٢٣ هـ راوي المعجم الصغير للطبراني(٥)، وأبو الحسن علي بن يحيى بن جعفر بن عبدكويه المتوفى سنة (١) ياقوت: معجم الأدباء ٣٩٥/١. (٢) تاريخه ٢ /٥٤٤ . (٣) نفسه ٤ / ١٦٠ و١٦١. (٤) انظر فهرس شيوخ الخطيب في المجلد السابع عشر من طبعتنا، وموارد الخطيب للدكتور العمري ٤٠. (٥) الذهي: تاريخ الإسلام الورقة ٢٤١ (أيا صوفيا ٣٠٠٩). ٢٧ ٤٢٢ هـ (١)، والحسين بن إبراهيم بن محمد الجَمَّال المتوفى سنة ٤٢١ هـ (٢)، وأبو الحسين أحمد بن محمد بن الحسين ابن فاذشاه الَّاني الراوي عن الطبراني والمتوفى سنة ٤٣٣ هـ (٣) ، وغيرهم. الاستقرار ببغداد · كانت الرّحلة إلى أصبهانَ هي آخر الرّحلات العِلْمية التي قصدَ منها · الخطيب الحصول على الأسانيد العالية(٤)، إذ هيأت له هذه الرحلات مادةً واسعةً لم يَعُد بحاجة إلى كثير غيرها، لاسيما أنه استوفَى شيوخَ بغداد التي كانت عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي يومئذٍ ومعدن الحديث والمحدثين. وكان الخطيب قد بلغ الغاية في الاجتهاد في الطلب واستغلال الوقت وعدم إضاعته، لذلك تمكن خلال هذه الرحلات القصيرة أن يسمع عشرات الكُتُب ومئات الأجزاء، ويمكننا تصور جَلَّده في القِراءة حينما نتذكر أنه قرأ (صحيح البخاري)) بتمامه على إسماعيل بن أحمد الحيري عند مروره ببغداد سنة ٤٢٣ هـ في ثلاثة مجالس فقط، قال الخطيب في ترجمته: ((ولما وردَ بغدادَ كان قد اصطحب معه كتبَهُ عازمًا على المُجاورة بمكةً، وكانت وَقْرِ بَعِيرٍ، وفي جُمْلتها صحيح البخاري، وكان سمعه من أبي الهيثم الكُشْمَيْهَنِي عِنْ الفَرَبْرِي، فلم يُقْضَ لقافلة الحَجِيجِ النُّهُوذ في تلك السنة لفساد الطريق، ورجعَ النَّاسُ، فعادَ إسماعيل معهم إلى نَيْسابور. ولما كان قبل خروجه بأيام خاطبتُهُ في قراءة كتاب ((الصحيح)) فأجابني إلى ذلك، فقرأته جميعَهُ عليه في ثلاثة مجالسَ اثنان منها في ليلتين كنتُ أبتدىء بالقراءة وقت صلاة المُغْرب، وأقطعها عند صَلاة الفَجْر. وقبل أن أقرأ المجلس الثالث عَبَرَ الشيخُ إِلَى (١) الذهبي: سير أعلام النبلاء ٤٧٨/١٧ . (٢) نفسه ١٧ / ٣٧٧. (٣) نفسه ١٧/ ٥١٥ وانظر فهرس شيوخ الخطيب. (٤) كانت رحلته إلى البلاد الشامية سنة ٤٤٥ و٤٤٦ هـ وهو في طريق ذهابه إلى الحج وفي طريق عودته منه. أما رحلته إلى الشام في سنة ٤٥١ هـ فكانت هربًا من سوء الأحوال ببغداد، ولم يعد يومذاك بحاجة كبيرة إلى التحمل الواسع عن الشيوخ. ٢٨ الجانب الشرقي مع القافلة ونزل الجزيرة بسوق يحيى، فمضيتُ إليه مع طائفةٍ من أصحابنا كانوا حضروا قراءتي عليه في الليلتين الماضيتين، وقرأتُ عليه في الجزيرة من ضَخْوة النهار إلى المغرب، ثم من المغرب إلى وقت طُلُوع الفَجْر، ففرغتُ من الكتاب، ورحلَ الشيخُ في صبيحة تلك الليلة مع القافلة))(١)، فقال الإمام الذهبي مُعَقبًا: ((هذه والله القراءة التي لم يُسمع قط بأسرعَ منها)» (٢). ثم قرأ الخطيب ((صحيح البخاري)» بمكة على كريمة المروزية في خمسة أيام(٣). ومن ثَمَّ تَفَرَّغَ الخطيبُ بعد ذلك إلى التَّحْديث والتَّصْنيف، ولعله بدأ في هذا الوقت بتأليف ((تاريخ مدينة السَّلام)» حتى انتهى من نشرته الأولى قبل سنة ٤٤٥ هـ، وهي السنة التي حج فيها، وسألَ اللهَ سُبحانه أن يهيأ له الأُمور ليُحَدِّث بهذا التاريخ في جامع المنصور، كما سيأتي بيانه مفصلاً عند الكلام على تاريخ تأليف الكتاب. رحلته إلى الحج ومروره بالبلاد الشامية في سنة ٤٤٥ هـ قَرَّر الخطيب أن يؤدي فريضة الحج، وأن يستفيد من شيوخ البلاد الشامية في هذه الرِّحلة، ولذلك جعلَ طريقَهُ إلى دمشق، ولم يكن قد زارها قبل ذلك(٤) ، فذكر أنه كان في بَرِّية السماوة في رمضان من السنة قاصدًا دمشق(٥) . ولا شك أنه أقامَ بها مدةً قصيرةً. لقصر المُدة بين موسم (١) تاريخه ٣١٨/٧ - ٣١٩. (٢) سير أعلام النبلاء ٢٨٠/١٨. (٣) ابن الجوزي: المنتظم ٢٦٥/٨، ياقوت: معجم الأدباء ٣٨٦/١، الذهبي: تاريخ الإسلام (وفيات ٤٦٣). (٤) ذكر الدكتور العمري (موارد ٤٣) أن الخطيب قد زار دمشق سنة ٤٤٠ هـ، وإنما قال ذلك لوقوع تحريف في نص الخطيب كما بيناه في موضعه إذ سقطت لفظة ((ست)) من المطبوع، فالصواب: سنة (٤٤٦) (١٠٨/١١) وكما نص عليه الذهبي في وفيات سنة (٤٤٦) من تاريخ الإسلام. (٥) تاريخه ٣٧٥/١١. ٢٩ الحج ووصوله إليها، وما يحتاجه من وقت للوصول إلى مكة المكرمة. وفي موسم الحج التقى الخطيب ببعض الشيوخ، فروى في تاريخه عن أبي عبد الله محمد بن سَلَامة بن جعفر القُضاعي المِصْري(١)، وأبي القاسم عبدالعزيز بن بُنْدار بن علي الشيرازي(٢)، ومحمد بن أحمد بن عبدالله الأرْدَستاني(٣). وقرأ على كريمة بنت أحمد المروزية صحيح البخاري، وكانت من المشهورات بروايته(٤) . والظاهر أنَّه لم يمكث بمكةَ مدةً، فعاد مع قافلة الحج عن طريق الشام أيضًا، قال في ترجمة إبراهيم بن محمد بن عُمر بن يحيى العلوي: ((مات ببغداد في ليلة الأربعاء، ودُفن يوم الأربعاء، الرابع عشر من صفر سنة ست وأربعين وأربع مئة، وكنت إذ ذاك في طريق الحجاز راجعًا إلى الشام من مكة))(٥) . وقد وصل الخطيب دمشق، فكان فيها في الثاني من جمادى الأولى من السنة (٦)، وزار في هذه السنة أبرز المدن الشامية، ومنها صُور، قال في ترجمة أبي الفرج عبد الوَهَّاب بن الحُسين بن عمر بن بَرْهان الغَزَّال: ((وانتقل عن بغداد إلى الشام، فسكنَ بالساحل في مدينة صُور، وبها لقيته، وسمعت منه عند رجوعي من الحج وذلك في سنة ست وأربعين وأربع مئة))(٧)، كما (٨) زار بيت المقدس (١) تاريخه ٩/ ٢٩٣. (٢) تاريخه ٣٢٥/١٦. تاريخه ١٦ / ٥٦٦ . (٣) (٤) ابن الجوزي: المنتظم ٨/ ٢٦٥، ياقوت: معجم الأدباء ٣٨٦/١. (٥) تاريخه ٧ /١١٥. (٦) تاريخه ١١ / ١٠٧ - ١٠٨. (٧) تاريخه ٢٩٧/١٢. . (٨) ذكر الدكتور العمري (موارد ٤٦) أن الخطيب زار بيت المقدس في رجب سنة خمس وأربعين وأربع مئة، وهو وهم، فالنص الذي أحال عليه ليس فيه هذا المعنى، قال المصنف: ((توفي اللحافي بإيذج في رجب من سنة خمس وأربعين وأربع مئة وبلغتنا وفاته ونحن ببيت المقدس بعد رجوعنا من الحج)، (٢٩٤/١٥)، وکیف یصح وجوده = ٣٠ ولم يمكث الخطيب في بلاد الشام مدة طويلة، فعاد إلى بغداد في سنة ٤٤٦ هـ نفسها حيث كان ببغداد في أول المحرم من سنة ٤٤٧ هـ إذ صَلّى على جنازة شيخه علي بن المُحَسِّن التِّنُوخي في اليوم الثاني(١). المحنة ورحيله إلى دمشق في أواخر النصف الأول من القرن الخامس الهجري كانت بغداد تشهد انهيار البُويهيين، ودخلها طَغرلبك السّلجوقي سنة ٤٤٧ هـ لينهي عهد السيطرة البويهية، وذلك بمساعدة الوزير أبي القاسم علي بن الحسن المعروف بابن المُسْلِمة (٣٩٧ - ٤٥٠ هـ)) الذي تولى الوزارة للخليفة القائم بأمر الله العباسي(٢)، إذ كان يشعر بخطر عظيم من محاولات الفاطميين الاستيلاء على بغداد وإنهاء الخلافة العباسية. وكان الوزير ابن المُسْلمة ذا رأي أصِيل وعَقْلٍ وافر، سديدَ المذهب حَسَن الاعتقاد(٣)، فتم له ما أراد. على أن الفاطميين تمكنوا من الاتفاق مع أحد القواد الأتراك المعروف بأرسلان البَسَاسيري على العمل من أجل إقامة دعوتهم بالعراق والاستيلاء عليه، وكان البساسيري من أكبر القواد الأتراك يومذاك، فأمدوه بالأموال وولوه الرَّحْبة(٤) لتكون قاعدة له، وكان قد نزح إليها بعد دخول طغرلبك بغداد. وقد استغلَّ البَسَاسيري غيابَ طَغرلبك عن بغداد، وانشغاله بإخضاع بعض الاضطرابات بسِنْجار، ثم عِصْيان أخيه إبراهيم إينال، فبدأ الزَّحفَ نحو بغداد في سنة ٤٥٠ هـ للاستيلاء عليها، وقد خَلَت من حاميتها، حاملاً معه =. هناك في رجب وقد كان في رمضان في برية السماوة كما ذكر هو في كتابه قبل ذلك = بثلاث صفحات (٤٣)، فلا شك أن الخطيب كان ببيت المقدس في سنة ٤٤٦ هـ. (١) تاريخه ٦٠٥/١٣. (٢) تولى القائم الخلافة بعد موت أبيه القادر في أواخر سنة ٤٢٢ هـ وبقي خليفة إلى سنة ٤٦٧ هـ. (٣) الخطيب: تاريخ ٣٢٧/١٣، الذهبي: سير ٢١٦/١٨. (٤) ابن الجوزي: المنتظم ٨/ ١٦٣ - ١٦٤. ٣١ الرَّايات الفاطمية، قال الخطيب: ((ثم دخلَ البَسَاسيريُّ بغدادَ يوم الأحد ثامن ذي القعدة ومعه الرَّايات المِصْرية، فضربَ مضاربه على شاطىء دجلة ونزل هناك والعَسْكر معه، وأجمعَ أهلُ الكَرْخ والعوام من أهل الجانب الغربي على مُضَافرة البَسَاسيري، وكان قد جمعَ العَيَّارين وأهلَ الرَّساتيق وكافة الدُّعَّارِ وأطمعهم في نَهْب دار الخلافة، والناسُ إذ ذاك في ضُرٍّ وجهد، قد توالت عليهم سُنون مُجْدِبة، والأسعارُ عاليةٌ والأقواتُ عزيزةٌ، وأقامَ البسباسيري. بموضعه، والقتالُ في كلّ يوم يجري بين الفريقين في السُّفن بدجلة. فلما كان يوم الجُمُعة الثالث عشر من ذي القعدة دُعِيَ لصاحب مِصْرَ في الخُطبة بجامع المنصور، وزِيدُ في الأذان ((حي على خير العمل))، وشرعَ البَسَاسيري في إصلاح الجَسْر، فعَقَدَهُ ببابِ الطاق، وعَبَرَ عسكرُه عليه ... وحَضَرَتَ الجُمُعة يوم العشرين من ذي القعدة فدُعِيَ لصاحب مِصْر في جامع الرُّصافة، كما دُعي له في جامع المنصور، وخَتْدَقَ الخليفةُ حولَ داره ونهر مُعَلَّى خَنَادق، وأصلحَ ما استَرَمَّ من سُور الدَّار. فلما كان يوم الأحد لليلتين بقيتا من ذي القعدة حَشَدَ البَسَاسيري أهل الجانب الغربي عمومًا، وأهل الكَرْخ خصوصًا، ونهض بهم إلى حرب الخليفة، فتخاربوا يومين قُتل بينهما قتلى كثيرة. واستهلَّ هلالُ ذي الحجة فدلفَ البساسيري في يوم الثلاثاء ومن معه نحو دارٍ الخِلافة وأضرمَ النَّارَ في الأسواق بنهر مُعَلَّى وما يليه ... وعبر الخلقُ للانتهاب))(١). ثم قبض البساسيري على ابن المُسْلِمة بعد أن أعطي الأمان، ونُفِيَ الخليفة إلى مدينة حديثة على الفُرات. وفي أواخر ذي الحجة شُهِرَ الوزير على جَمَلٍ وطيفَ به في محال الجانب الغربي ثم صُلِبَ حيّا بباب خراسان فمات بعد العصر من يوم الاثنين الثامن والعشرين من ذي الحجة(٢). كان الخطيب على صِلَةٍ وثيقة بالوزير ابن المُسْلِمة، وكان الوزير يُقَدِّر عِلْم الخطيب ويركن إليه في كثير من الأمور، فقد أمر جميع القُصَّاص والوعاظ أن لا يورد أحد حديثًا عن رسول الله # حتى يعرضه على أبي بكر الخطيب، (١) تاريخه ١١/ ٥٠. (٢) نفسه ٥١/١١ . ٣٢ فما أمرهم بإيراده أوردوه، وما منعهم منه ألغوه(١) . وأحال إليه كتابًا ادعى بعض اليهود أنه كتاب رسول الله ( بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، فأبان الخطيب أنه مُزَوَّر(٢) . وكان الخطيب من عائلة حنبلية، ثم تحوّل إلى مذهب الشافعي، فعاداه الحنابلة، وأخذوا عليه ميله إلى المبتدعة، وأنه تعصب في تصانيفه عليهم وزعموا أنه رمز إلى ذَمِّهم وصَرَّحَ بقدر ما أمكنه(٣) . وحين قُتل صديقه وحاميه الوزير ابن المُسلمة هذه القتلة الشنيعة، فَقَدَ الخطيبُ الأمنَ، وبدأ جَهَلة الحنابلة على الرغم من علمه ومنزلته يؤذونه بشتى الأساليب، لاسيما في حلقته بجامع القصر، فضلاً عن أن المتولين على الأمر ببغداد صاروا من أعدائه، لذلك لم يجد بُدّا من حَزْم كُتُبه المؤلفة والمسموعة ليخرج بها من بغداد في منتصف صفر سنة ٤٥١ هـ متوجهًا إلى دمشق الشام(٤) ، فوصلها في السنة نفسها حيث سَجَّلَ وجودَه فيها في جمادى الأولى من السنة(٥) . وعلى الرغم من القضاء على البَسَاسيري في أواخر سنة ٤٥١ هـ واستقرار الأُمور ببغدادَ، فإنَّ الخطيبَ قَرَّر الإقامةَ بدمشق حيث اتخذَ لنفسه حلقة كبيرة بجامع دمشق يحدِّث فيها بعامة كُتُبه وتصانيفه التي أحضرها معه ومنها «تاريخ مدينة السلام))، فيسمع عليه كبار المحدثين والعلماء والأدباء من أهل دمشق والواردين عليها، وكان قد أصبح إمامًا كبيرًا من أئمة هذا الشأن، قال أبو زكريا يحيى بن علي المعروف بالخطيب التبريزي صاحب ((شرح الحماسة)) المشهور: («لما دخلتُ دمشق في سنة ست وخمسين كان بها إذ ذاك الإمام أبو بكر الحافظ، وكانت له حلقة كبيرة يجتمعون في بكرة كل يوم فيقرأ لهم، وكنتُ (١) ياقوت: معجم الأدباء ٣٨٦/١. (٢) ابن الجوزي: المنتظم ٢٦٥/٨. (٣) نفسه ٢٦٧/٨. (٤) تاريخه ٥١/١١. (٥) تاريخه ١٧٩/٤. ٣٣ أقرأ عليه الكتب الأدبية المسموعة له، فكان إذا مَرَّ في كتابه شيءٌ يحتاج إلى إصلاح يُصْلحه ويقول: أنتَ تريدُ مني الرِّواية وأنا أريد منك الدِّرايةِ، وكنتُ أسكنُ منارةَ الجامع، فصعد إليَّ يومًا وسط النّهار وقال: أحببتُ أن أزوركَ في بَيْتك، وقعدَ عندي وتحدثنا ساعة، ثم أخرج قِرْطاسًا فيه شيء وقال لي: الهديةُ مُسْتَحَبة وأسألُك أن تشتري به الأقلام، ونهض ففتحت القرطاس: بعد خروجه فإذا فيه خمسة دنانير صحاح مصرية، ثم إنه مرة ثانية صعد وحمل إليَّ ذهبًا، وقال لي: تشتري به كاغدًا، وكان نحوًا من الأول أو أكثر. قال: وكان إذا قرأ الحديث في جامع دمشق يسمع صوته في آخر الجامع، وكان يقرأ مُعْرَبًا صحيحًا))(١) . وكانت دمشق يومئذٍ تحت سيطرة العُبيديين الذين زعموا أنهم من الفاطميين وقد تطلبت السياسة أن يسمحوا لأهلها، وأكثرهم من أهل السنة، بشيءٍ من الحرية في نشاطاتهم العلمية، لكنهم بلا شك لم يكونوا ليسمحوا بتصاعد مثل هذا النشاط وتناميه إلى حد قد يُهدد توجهاتهم العقائدية والسياسية، لذلك لم يرتاحوا لنشاط الخطيب وما صار إليه من المنزلة الرفيعة بدمشق، فسعى به أحد الروافض، وهو الحسين بن علي المعروف بالدمنشي ((٤٩١ هـ)) إلى أمير الجيوش والي دمشق متهمًا إياه بأنه ناصبي يروي فضائل الصحابة وفضائل بني العباس في جامع دمشق(٢) ، فوجد ذلك هوی في نفس الوالي للتخلص من الخطيب، فأمر بالتخلص منه وكاد أن يقتل لولا أن أجاره صديقه الحميم الشريف أبو القاسم علي بن إبراهيم بن أبي الجِن العَلَوي وخذَّر الوالي من قتله بأن قال له: «هذا الرجل مشهور بالعراق وإن قتلتَهُ قُتِلَ به (١) ياقوت: معجم الأدباء ١/ ٣٩٢. (٢) الذهبي: تاريخ الإسلام (وفيات سنة ٤٩١). ومن الجدير بالذكر أن الخطيب جمل معه من بغداد «فضائل الصحابة الأربعة)» للإمام أحمد، و((فضائل العباس)) لابن رزقويه، فمن المحتمل أنه حدث بهما .. أما الرواية التي تذكر أن سبب غضب الوالي عليه هو علاقته بأحد الصبيان، فهو كلام لا يسوى سماعه، بثه محمد بن طاهر المقدسي أحد الحاقدين عليه (معجم الأدباء ٣٩٣/١، ويوسف العش: الخطيب البغدادي ٤١). ٣٤ جماعةٌ من الشيعة بالعراق وخُرِّبت المشاهد))(١). فاكتفى الوالي بنفيه عن دمشق، فتركها في يوم الاثنين الثامن عشر من صفر سنة ٤٥٩ هـ قاصدًا صور، فأقام بجامعها واتصل بعز الدولة وتقرب منه، فانتفع به. وكان يتردد من هناك إلى بيت المقدس للزيارة، ويتصل بعلماء المدن المجاورة(٢). العودة إلى بغداد في سنة ٤٦٢ هـ كان الخطيب قد بلغ السَّبعين من عُمره، فقرر العودةَ إلى بغداد التي لم يكن يفارقها لولا الظُّروف الصَّغْبة التي أحاطت به، قال السَّمْعاني: ((وسمعت بعضَ مشايخي يقول: دخلَ بعض الأكابر جامع دمشق أو صُور ورأى حلقة عظيمة للخطيب، والمجلس غاصٌ، يَسْمعون منه الحديث، فقعدَ إلى جانِبِه وكأنه استكثرَ الجَمْعَ، فقال له الخطيب: القعودُ في جامع المنصور مع نَفَرٍ يسيرٍ أحبُّ إليَّ من هذا))(٣)، وهو أمر يدل على شِدَّة شوقه إلى بغداد وحنينه إليها . وقد تعهد تلميذه وصاحبه المُحدث التَّاجر السَّفَّار عبدالمُحسن بن محمد ابن علي بن أحمد الشِّيحي ((٤٢١ - ٤٨٩ هـ)) أن يحمله في هذه السَّفْرة المُتعبة (١) معجم الأدباء ٣٩٣/١. وكان ابن أبي الجن يتظاهر بالتشيع مداراة للدولة الفاطمية لكنه كان سنيّا، قال الذهبي: ((كان صَدِرا نبيلاً مرضيًا ثقة محدثًا مهيبًا سنيًا ممدوحًا بكل لسان)) (الورقة ٣٩ من المجلد أيا صوفيا ٣٠١٠ بخطه). وكانت علاقة الخطيب به قوية جدًا بحيث سمع أكثر تأليف الخطيب واستنسخها، وخرج له الخطيب عشرين جزءًا من حديثه . (٢) الذهبي: تاريخ الإسلام (وفيات سنة ٤٦٣) وجاء في معجم الأدباء وتاريخ الإسلام نقلاً عن ابن السمعاني أن خروجه من دمشق كان في سنة (٥٧)، وهو وهم، فقد ذكر ابن عساكر أن ذلك كان في سنة تسع وخمسين، وهو الصواب، فإن الثامن عشر من صفر سنة (٤٥٧) لا يصادف يوم اثنين، في حين تدل الحسابات الفلكية أنه يوم الاثنين من سنة (٤٥٩). فضلاً عن ورود سماع لأبي القاسم السمر قندي من الخطيب بدمشق في شهر ربيع الآخر من سنة (٤٥٨) كما في مخطوطة الظاهرية (مجموع ١٧ ورقة ١٤٥). (٣) ياقوت: معجم الأدباء ١/ ٣٩١. ٣٥ ويصاحبه فيها، فخرجا في شعبان من تلك السنة يتبعان الساحل، فمرا بطرابُلُس حيث مكثا فيها أيامًا، ثم توجها إلى حلب فمكثا فيها أيامًا أيضًا، ثم توجها إلى بغداد عن طريق الرَّحْبة، فوصلاها في ذي الحجة من السنة نفسها(١) ، بعد فراق دام أكثر من أحد عشر عامًا قاسى فيه الخطيب مرارة الغُربة والابتعاد عن الوطن. . وذكر ابنُ الجوزي أنه استقرَّ في حُجْرة بباب المراتب بدرب السِّلْسلة جوار المدرسة النِّظامية(٢)، ولا نَذْري ماذا حلَّ بداره أو دار أبيه التي كانت في قَطِيعةِ الرَّبيع بالجانب الغربي من بغداد، فلعله باعها عند سفره إلى الشام سنة ٤٥١ هـ .. ومع أنَّ الخطيب كان قد تزوج وأنجبت زوجتُه منه (٣)، فالظاهر أنها توفيت قبله وأن أولاده توفوا في حياته، (فما كان له عَقِب))(٤)، كما أننا لا نعرفُ له أخّا أو أُختَا أو قَرِيبًا من عَصَبَتِهِ، بدلالة أنه كتب إلى الخليفة القائم بأمر الله يستأذنه بتوزيع ماله في حياته لعدم وجود الوارث(٥) ، فلعل هذا هو الذي يفسر سُكناه في حُجْرة بباب المراتب. : وكان الخطيب عند حجه سنة ٤٤٥ هـ قد شرب ماء زمزم ثلاث مرات وسأل الله سبحانه أن يحقق له ثلاث أماني، الأولى أن يحدث بجامع (١) ابن الجوزي: المنتظم ٢٦٩/٨ و١٠٠/٩، ياقوت: معجم الأدباء: ٣٨٤/١، الذهبي. سير أعلام النبلاء ٢٧٩/١٨ و١٥٣/١٩، وتاريخ الإسلام (وفيات ٤٨٩). (٢) المنتظم ٢٦٩/٨. (٣) قال الذهبي في وفيات سنة (٥٠٩) من تاريخه: ((محمد بن كمار بن حسن بن علي الفقيه أبو سعيد الدينوري البغدادي. قال: ولدت سنة إحدى وثلاثين وأربع منة، وكانت زوجة أبي بكر الخطيب ترضعني، فلما كبرت أسمعني ... )) (الورقة ٨٥ من مجلد أيا صوفيا ٣٠١٠ بخطه)، ومن المعلوم أن من ترضع لابد أن تكون قد أنجبت. (٤) الذهبي: سير ٢٨٥/١٨، الدمياطي: المستفاد ١٥٦. (٥) المنتظم ٢٦٩/٨، وسير أعلام النبلاء ٢٨٥/١٨، وطبقات السبكي ٣٥/٤، والبداية. والنهاية ١٢/ ١٠٣. ٣٦ المنصور، والثانية أن يحدث بتاريخ مدينة السلام في بغداد، والثالثة أن يُدْفَن عند بشر الحافي. وحين عادَ إلى بغداد في أواخر سنة ٤٦٢ هـ حَدَّث بالتاريخ فيها، فكان الطلبة يَجْتمعون إليه في تلك الحُجْرة (١) فيسمعون عليه ((تاريخ مدينة السلام)). وذكر ابن كثير (٢) أن ناصر بن محمد بن علي السلامي والد المحدث الشهير محمد بن ناصر هو الذي كان يقرأ ((التاريخ)) على الخطيب للناس بجامع المنصور، فلعله حَدَّث به بجامع المنصور أيضًا، وإن كنت أُرَجُّح أن القراءة كانت في سكن الخطيب بدرب السِّلْسلة(٣). مرضه ووفاته في منتصف رَمَضان من سنة ٤٦٣ هـ مَرضَ الخطيبُ، واستمرَّ به المرض حتى اشتدَّ به في غُرة ذي الحجة من السنة، فأيس منه تلامذتُهُ(٤) ، وشعر هو بدنو أجله، فأوصى إلى صديقه وتلميذه الحافظ أبي الفضل أحمد بن الحسن ابن أحمد بن خَيْرون البغدادي، وأوقفَ كُتُبه على يده(٥)، وسألَهُ أن يُفَرِّق (١) ذكر ابن شافع أنه حدث به في المدرسة النظامية (ابن نقطة: تكملة الإكمال، ١٠٥/١)، وما أظن ذلك يصح، فالثابت أنه حدث به في تلك الحُجْرة القريبة من المدرسة كما صَرّح به تلامذته الذين سمعوه منه مثل مكي بن عبدالسلام الرُّميلي، وشجاع بن فارس الذهلي وغيرهما. (٢) البداية والنهاية ١٢ / ١١٤. (٣) يلاحظ أن ابن الجوزي الذي ترجم لناصر والد شيخه محمد بن ناصر هو الذي ذكر تقديم الخطيب لناصر في قراءة التاريخ للناس، لكنه لم يذكر أن ذلك كان في جامع المنصور (٣٠١/٨) فأنا أخاف أن يكون ذلك من استنتاجات ابن كثير. ولكننا نعلم أيضًا من طبقة سماع لهذا التاريخ على الخطيب أن القارىء كان أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدالباقي الدقاق (انظر الفصل الرابع من هذه الدراسة). (٤) ابن عساكر: تاريخ دمشق ٧/ الورقة ٢٧، ياقوت: معجم الأدباء ٣٩٦/١. (٥) كان أبو الفضل بن خيرون يعيرها للناس للإفادة منها، وصارت إلى ابنه الفضل بعد وفاته سنة ٤٨٨ هـ فاحترق بعضها في داره. وذكر الذهبي في السير نقلاً عن ابن شافع أن الحريق كان بعده لخمسين سنة (سير ٢٧٤/١٨) أي في حدود سنة ٥١٣ هـ. ٣٧ ثَرْوتَهُ من الذهب، وقدرها مئتا دينار، على المُحَدِّثین، وکذلك مالَهُ من ثیاب ومتاع (١) . وفي ضُحى يوم الاثنين السابع من ذي حجة سنة ٤٦٣ هـ (الخامس من أيلول سنة ١٠٧١ م) انتقل الخطیب إلى جوار ربه(٢) . وطفق تلامذته ومحبوه يحاولون إنفاذ وصيته ليُدْفَنَ بجوار بشر الحافي في مقبرة باب حرب، فوجدوا قَبْرًا أعده أبو بكر أحمد بن علي الطُّرَيْثِيني الصُّوفي، أحد قاطني رباط شيخ الشيوخ أبي سَعْد أحمد بن محمد بن دوست دادا النَّيْسابوري، وكان يمضي إليه في كل أسبوع مرة، وينام فيه، ويقرأ فيه القرآن كله. فجاء محبو الخطيب إلى أبي بكر هذا، وسألَوُه أن يدفنوا الخطيب في قَبْره وأن يُؤْثرهُ بهِ، فامتنعَ، وقال: موضعٌ قد أعددتُه لنفسي يؤخذ مني! فذهب أصحاب الحديث إلى شيخ الشيوخ أبي سَعْد وذكروا ذلك له، فأحضره وقال له: أنا لا أقول لك أعطهم القَبْرَ، ولكن أقول لك: لو أن بِشْرًا الحافي في الأحياء وأنت إلى جانبه فجاء أبو بكر الخطيب ليقعد دونك، أکان یحسنُ بك أن تقعد أعلى منه؟ فقال: لا، بل كنت أجلسه مكاني. قال: فهكذا ينبغي أن تكون الساعة. فطاب قلبه وأذِنَ لهم(٣). وبسبب هذا السَّغْي تَعَذَّر إخراج جنازته في يوم وفاته، فأخرج بُكرة الثلاثاء من حُجْرته بدرب السِّلْسلة يحملُ جنازته المحدِّثون والفقهاء، وفي (١) تكملة الإكمال ١/ ١٠٤ - ١٠٥، وتاريخ دمشق ٧/ الورقة ٢٩. (٢) ابن عساكر: تبيين كذب المفتري ٢٦٩، ابن الجوزي: المنتظم ٢٦٩/٨، ابن نقطة: إكمال الإكمال، الورقة ٥، ابن خلكان: وفيات الأعيان ٩٣/١، الذهبي: سير ٢٨٦/١٨، السبكي: طبقات الشافعية ٣٧/٤ .. (٣) ابن عساكر: تاريخ دمشق ٧/ الورقة ٢٤ - ٢٥، ابن الجوزي: المنتظم ٢٦٩/٨ -٢٧٠، ياقوت: معجم الأدباء ٣٨٥/١، ابن نقطة: التقييد ١٥٥، ابن خلكان: وفيات الأعيان ٩٣/١، الذهبي: سير أعلام النبلاء ٢٧٩/١٨ وغيرها. وقد عاش أبو بكر الطريثيني بعد هذا أربعًا وثلاثين عامًا، إذ تأخرت وفاته إلى سنة ٤٩٧ هـ (المنتظم ١٣٨/٩ - ١٣٩، وسير أعلام النبلاء ١٦٠/١٩، والوافي بالوفيات ٢٠٢/٧). ٣٨ مقدمتهم أعظم فقهاء بغداد يومئذٍ أبو إسحاق الشُّيرازي مدرس المدرسة النّظامية، وتبعها الخلق العظيم فعبروا بها الجَسْر إلى الجانب الغربي، فَحُمِلت إلى جامع المنصور، فتقدم الصَّلاة عليه القاضي أبو الحُسين ابن المهتدي بالله، فكَبَّر عليه أربعًا، وحُمِلت جنازته من هناك إلى مقابر باب حرب حيث الإمام أحمد وبشر الحافي فلما وصلوا باب حرب تقدم أبو سعد بن أبي عمامة فصلى عليه ثانية بأهل النصرية والحربية، ثم دفن هناك. وكأن جماعة طوال مدة التشييع ينادون بين يدي الجنازة: هذا الذي كان يذب عن رسول الله وَّر، هذا الذي كان يَنْفي الكَذِب عن رسول الله صَلّر، هذا الذي كان يَحْفظ حديث رسول الله مصل﴾، وختمت عند قبره عدة ختمات، ورُئيت له منامات صالحة، ورثاه غيرُ واحد من الشعراء (١). (١) ابن عساكر: تاريخ دمشق ٧/ الورقة ٢٨، ابن الجوزي: المنتظم ٢٦٩/٨، ياقوت: معجم الأدباء ١/ ٣٨٥ - ٣٨٦، ابن نقطة: التقييد ١٥٥، وتكملة الإكمال، ١٠٥/١، الذهبي : سير أعلام النبلاء ٢٨٦/١٨ - ٢٨٨، وغيرها ٣٩