النص المفهرس
صفحات 1121-1140
١١٢١ لابن شبة المعصية ؛ فإنك تدَّعي علينا الطاعة، وكتاب الله ينطق : لا طاعة لمن عصى الله ؛ فإن تُعط الله الطاعة تُؤازرك ونوقِّرك وإن تأْبَ فقد علمنا أنك تريد هلْكَتنا وهلكتك ، فمن يمنعنا من الله إن أطعناك وعصيناه وأنت العبد الميّت المحاسب، والله الخالق البارئ المصوِّر الذي لا يموت . حدثنا على ، عن عثمان بن عبد الرحمن ، عن الزهري قال : * كتب عثمان إلى أهل مصر : أُذ كركم الله الذي علّمكم الإسلام ، وهداكم من الضلالة ، وأنقذ كم من الكفر؛ فإنه قال: (( وَاذْكُرُوا نعمةَ اللهِ عَلَيْكُمْ ومِيثاقَهُ الّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا(١))) وقال: ((يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيِّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٢) )) وقال: ((إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ (٣) )) وقال: ((وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ (٤))) وقال: ((وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ (٥))) وقال : ((إِنَّ الّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكْثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ (٦))) أما بعد فإن الله رضي لكم السمع والطاعة ، وحذّركم المعصية والفُرقة ، وأنبأكم أنه قد فعله (١) سورة المائدة ، آية ٧ . (٢) سورة الحجرات ، آية ٦ . (٣) سورة آل عمران ، آية ٧٧ . (٤) سورة النمل ، آية ٩١ . (٥) سورة النساء ، آية ٥٩ . (٦) سورة الفتح ، آية ٧٠ . ١١٢٢ تاريخ المدينة المنورة مَن قبلكم ، وتقدَّم إليكم فيه لتكونَ له الحجة عليكم إن عصيتموه ، فاقبلوا وصية الله ، واحذروا عذابه؛ فإنكم لم تجدو ◌ُمّةً هلكت إلا من بعد أن تختلف فلا يكون لها رأسٌ يجمعها ومتى تفعلوا ذلك لا تكن لكم صلاة جماعة، ويسلِّط بعضكم على بعض وتكونوا شِيّعاً. وقال الله: ((إِنَّ الّذِينَ فَرَّقُوا دينَهُمْ وكَانُوا شِيعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّتُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١) )) . * حدثنا علي ، عن ابن أبي ذئب ، عن يزيد بن عبد الله ابن قُسَيْط ، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثّوْبان قال : دعا عثمان رضي الله عنه عمّار بن ياسر رضي الله عنهما فقال : يا أَبا اليقظان ، إن لك سابقة وقِدْماً ، وقَدْ عَرَفَك الناس بذلك ، وقد استمرحَ أَهلُ مصر واستعلى أَمرُهم وبَغْيُهم عليَّ، فأَنا أُحبُّ أَن أَبعثك إليهم فتعْتِيَهُم من كل ما عَتَبُوا ، وتضمن ذلك عليَّ، وتقول بالمعروف وتنشر الحُسنى ، فعسى الله أَن يطفى بك ثائرةً، ويلمَّ بك شعَئاً ، ويصلح بك فساداً . وأمر له بحُملان ونفقةٍ ، و کتب إلی عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح أَن يُجري عليه رزقاً ما أقام عنده . فخرج عمار إلى مصر وهو عاتبٌ على عثمان رضي الله عنه ، فأَلَّب الناس عليه ، وأَشعل أَهل مصر على عثمان رضي الله عنه ، فكتب ابن أبي سرح إلى عثمان رضي الله عنه : إن عماراً قدِمِ علينا فأَظهر القبيح ، وقال ما لا يَحِلُّ ، (١) سورة الأنعام ، آية ١٥٩ . وانظر ما کتب به عثمان في تاريخ الطبري في أخبار سنة ٣٥ بالجزء الخامس - والتمهيد والبيان لوحة ٩٦ - ٩٨ - وأنساب الأشراف ٥ : ٥١ . ١١٢٣ لابن شبة وأَطاف به قوم ليسوا من أهل الدين ولا القرآن ، وكتب يستأذنه في عقوبته وأصحابه . فكتب إليه عثمان رضي الله عنه: بئس الرأي رأيت يا ابن أبي سرح، أنا بقضاء الله أَرْضَى به - اعْلَمْه - مِنْ أَن آذَنَ لكَ في عقوبة عمار أو أحد أصحابه، فقد وجَّهْت عماراً وأنا أظن به غير الذي كتبت به ، فإذا كان من أمره الذي کان فأحسن جهازه واحدله إلي ، فلعمري إني لعَلی یقین أني استكمِلُ أَجَلي وأسْتوفي ڕِزْقې وأُصْرَعِ مَصْرَعي ، فقدِمِ الكتاب على ابن أبي سرح فحمل عماراً إلى المدينة (١) . * حدثنا مَعْمَر بن بكار بن معمر بن حمزة بن عمر بن سعد قال ، حدثني إبراهيم بن سعد ، عن صالح بن كيْسَان قال : كتبَ ابنُ أبي سرح إلى عثمان : أما بعد ، فإنك بعثتَ قوماً ليقوموا بضررك وإنهم يحرِّضون عليك ، فإن رأى أمير المؤمنين أَن يأُذّن لي في ضرب أعناقهم فليفْعَل . فكتب إليه عثمان رضي الله عنه : بئسَ الرأي رأيتَ يا ابن أبي سرح حتى تستأُذن في قتل قَوْمٍ فيهم عماربن ياسر !! أَنا بِقَضَاءِ اللّه أَرْضَى مِن أَن آذن لك في ذلك، فإذا أتاك كتابي هذا فأَحْسِنِ صحبتهم ما صَحِبُوك، فإذا أرادوا الرِّحلة فأُحسِنِ جهازهم ، وإيّاك أَن يأْتِيَّنِي عَنْك خلافُ ما كتبتُ به إليك . * حدثنا علي بن محمد ، عن أبي عمرو ، عن إبراهيم بن محمد ابن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه قال: بعثني أبي إلى عمّار رضي الله عنه حين قدم من مصر وبلغه ما كان من أمره ، فأُتيته فقامَ وليس عليه رِدَاء ، وعليه قُلُنْسُوَة من شَعر مُعْتَمُّ عليها بعمامةٍ وَسِخَة ، وعليه (١) وانظر في ذلك التمهيد والبيان لوحة ٨٣ - ٨٥ . ١١٢٤ تاريخ المدينة المنورة جُبّةٍ فراء يمانية، فأقبل معي حتى دخل على سعد(١)، فقال: يا أَبا اليقظان ، إن كنت عندنا لمن أَهلِ الفَضْل، وكنت فينا مَرْجُوًّا قبل هذا ، فما الذي بَلَغَني عنك من سَعْيك في فساد المسلمين والتأليب على أمير المؤمنين ؟ فأهوى عمار بعمامته فنزعها عن رأسه . (فقال (٢)): ويحك يا عمار، أَحينَ كَبِرَتْ سِنُك، ونَفَد عُمْرُك، واقتربَ أَجلُك خَلَعْتَ بيعةَ الإِسلام من عُنقك ، وخرجتَ من الدين عُرْياناً ! ! فقام عمّار مُغْضَباً وهو يقول: أَعُوذُ بالله من الفِتْنَةِ. فقال سعد: ((أَلَا في الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكَافِرِينَ (٣) )) أَا في الفتنةِ سقطت يا عمار (٤) . حدثنا إبراهيم بن المنذر قال ، حدثنا عبد الله بن وهب قال ، أخبرني الليث بن سعد: أن عماراً قال : لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أَلا تخرج معنا في هذا الأُمْرِ فَقَدْ خرج فيه مَنْ لَيْس بِدُونِك ؟ فقال سعد : إِنْ جئتموني بسَيْف يَنْبُو عن المؤمن ويجير على الكافر فَعَلْتُ (٥)، فقال عمّار: مثل قول سعد، ثم قال: كأَنّك أَفْضَل مِمّن خَرَجَ فيه ؟ ! فقال سعد: أَيُّمَا أَحبُّ إليك ، أَمَوَدَّة على دَخَنٍ أَم صَوْمُ جميل ؟ قال عمار: بَلْ صَرْمٌ جميل. قال سعد: فهو الله عليّ إن كلمتك من رأسي ما حييت . حدثنا على بن محمد ، عن عثمان بن عبد الرحمن ، عن ٠ (١) في الأصل عمار وهو خطأ من الناسخ . (٢) إضافة على الأصل يقتضيها السياق . (٣) سورة التوبة ، آية ٤٩ . (٤) التمهيد والبيان لوحة ٨٥ ، ٨٦ . (٥) وانظر في قول سعد طبقات ابن سعد ٣ : ١٤٣، ١٤٤. ١١٢٥ لابن شبة الزّهري قال : لما خرجَ عمّارُ رضي الله عنه من مصر فحرّك أهل مصر وقالوا: سَيِّر عَمّار، وصَرَف ابن أبي حذيفة فيهم ودَعَاهم إلى السِّيْرٍ، فأجابوه ، فخرج ستمائة أو أربعمائة ، وجعلوا أمرهم إلى أربعة منهم رؤساء : عبد الرحمن بن عبد قيس بن عبّاد التجوبي ، وجماع أمرهم إلى محمد بن أبي حُذَيْفة . ويقال عبد الرحمن بن عُدَيس ، وكان اسمه في الجاهلية علقمة فتسمّى عبد الرحمن ، وكان معهم عُرْوَة بن شتيم الليثي ، وأبو رومان الأسدي ، وسودان بن عمران التجوبي ، وأظهروا أنهم يريدون العمرة فساروا قُرْبَ خمس وثلاثين ، وفي ذلك يقول الشاعر : مُسْتَحْقِبَاتِ حِلَقَ الحديد خَرَجْنَ مِن أَلْيُونَ(١) بالصَّعِيد وفي ابن عفّان وفي سعيد يَطْلُبْنَ حقّ الله في الوليد فقدموا فنزلوا بذي خُشُب في رمضان ، فقال سعد بن أبي وقاص لعمار : يا أبا اليقظان ألا تخرج إلى هؤلاء القوم فتردّهم وتنهاهم عن البَغْي ؟ وجاء كثير بن الصّلت يسمع كلامهما من فُرْجة في الباب وفطن له عمار فقام إليه مُغْضَّباً بِعُكَّارٍ فولى كثيرٌ ، وقال عمار : أَما والله لو ثَبَتَّ لفَقَأْتُ عَيْنَك . وغضِب فقال: لا أَرُدّهم عنه ، وتمثل: علِّ وتأْباهُ عليَّ أَناملي أبت كَبِدي - لا أَكْرِمَنْكَ قِتَالَهم عن الحقِّ أَن لا يأْشِبُوه بباطل(٢) وكيفَ قتالي معْشَرًاً يأُذُنُونَكم (١) أليون قرية من قرى مصر - جنوبي الفسطاط كانت عندما وقعه إبان فتح عمرو لمصر . وإليها ينسب باب أليون. وهى حالياً من معالم مصر القديمة قرب ساحل النيل بحي أثر النبي. وانظر الشعر مع اختلاف يسير في تاريخ الطبري ٥ : ١١٥، ١٢٤ . (٢) أنساب الأشراف ٥ : ٥٩ - الغدير ٩ : ١٦٨ - والعقد الفريد ٤: ٨٧، والتمهيد والبيان لوحة ٩٨، ٩٩ - ونهاية الأرب ١٩ : ٤٧٩. ١١٢٦ تاريخ المدينة المنورة حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير قال ، حدثنا سفيان ، ( عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن الأصم (١) ) قال : أُرسلوني بذي خُشُبٍ وقالوا: اِسْأَل أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واجعل عَلِيًّا في آخر من تَسْأَل . قال: فسأَلتُ فكلهم يأُمرني بالقدوم ، قال : فأَّيت عليًّا رضي الله عنه فسألته، فقال: لَكِنّي لا آمُرُهم ، فإن فعلوا فَبَيْضٌ فَلْيُفْرِخ . . حدثنا عبد الله بن رجاء قال، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن عبد الله: أَنه وزياداً مرًا على أهل مصر بذي خُشُب فقال لهم : أَتُريدون أن أُبلِّغ عنكم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وأزواجه ؟ فأرسلوهُما إلى المدينة إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه ، واستشاروهم في القدوم على عثمان رضي الله عنه ، وأمروهما أن يجعلا عليًّا رضي الله عنه من آخر من يأْتِيانِه فَيَسْتَعْتِبُونَه فإن أَعْتَبَهم فهو الذي يُريدون ، فأَما عليّ رضي الله عنه فقال لهما : هل أتيتُما أَحدًا قَبلي ؟ قالا : نعم ، أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابِك . قال : فما أَمروهم ؟ قالا : أَمروهم بالقدوم . قال عليّ رضي الله عنه : لكن لا آمُرُهم بالقدوم، ولكن لَيَبْعَثُوا إليه من مكانهم فَلْيَسْتَعْتِبُوه، فإن أَعْتَبَهم فهو الذي يُريدون، وإِنْ أَبَوْا إِلا أن يقدموا فبيضٌ فَلْيُفْرِخُره ، فَبَيْضُ فَلْيُفْرِخُوه . * حدثنا علي بن محمد ، عن عبد الله بن مصعب ، عن هشام ابن عُرْوَة قال ، قال عبد الله بن الزُّبَيْر رضي الله عنهما : كنتُ أَمْشِي (١) بياض بالأصل بمقدار ثلث سطر، والمثبت عن أنساب الأشراف ٥ : ٧١ وما هناك يتفق مع ما هنا سنداً ومتناً . ١١٢٧ لابن شبة مع أَبِي فَلَقِيَنَا عليّ رضي الله عنه فقال : إني لا أظن هؤلاء القوم إلاَّ قادمين فما تَرَى ؟ قال: إني أَرَى أَن تُحْبَس (١) في بيتك ولا تَكُفَّهُمْ ولا تُرْشِدهم . قال : هو رأي ومضى، فقلتُ لأَبي واللّه لَيُعِينَنَّهم وليُرْشِدَنَّهم ولَيَسْتَعِينَن على أمير المؤمنين . · قال الأصمعي سمعت ابن أبي الزناد يذكر ، عن عبد الله ابن الزبير قال : بَيْئًا أَنا وأبي نَّهْوِي نحو البقيع إذا مُنَادٍ يُنَادِي أَبي مِنْ وَرَائه : يا أبا عبد الله ، فنظرت فإذا عليّ رضي الله عنه ، فتشربت له - يعني تحرَّفت له - فقال أَبي: إنه أَبو الحسن لا أُمّ لك. فجاءً عليّ رضي الله عنه فقال : أَلا تَرَى ما يَلْقَى عثمان رضي الله عنه ؟ ! * حدثنا أبو بكر الباهلي قال ، حدثني مؤدب ولد جعفر ، عن ابن دأب قال ، قال ابن عباس رضي الله عنه : ما ذاكرني عليّ رضي الله عنه شيئاً من أمر عثمان رضي الله عنه حتى حَضّرَ أَهلُ مصر وأرسل إلىّ فقال: أَشِرْ عليَّ في هذا الأمر، ما الرأي لي فيه ؟ فقلتُ إنّك قد عَمِّيْتَ عليَّ في أَمْرِكِ، فَلَسْتُ أَعلم ما في نَفْسِك وسأُشير عليك مَشُورَة لا أكشف فيها ما سَتَّرْت عني ؛ إن كنتَ تطمع في هذا الأمر فإنّ معك مَن يطمع فيه مثل طَمَعِكُ ويَدَّعي فيه مثل حظّك، فإن أَنت أَشرفت لنفسك أَشرفَ عليه يَعْذِرُوه ويصدوه و كان أحبّ إليهم منك بعدُ كما كان أحبّ إليهم مِنك قَبْلُ، فإن رَأَوْا أَنَّك رافضٌ للَّمر كَفَوْكَ المؤونة وولوا تَسِيًّا يكفيك ، ثم تكونُ منه حیث ترى ورأيي لك : قد سبقَك إلى هذا الأمر رجلان لن تعمل أفضل من عملهما إِن ولِيت ما وَلِياه ، واتباع عملهما بمثل عملهما شيء (١) كذا في الأصل، ولعلها (( أن تجلس)). ١١٢٨ تاريخ المدينة المنورة هو لهما دونك، وقد أَشرف ... (١) غيرك مِنْ شاهِدٍ لكَ وغائبٍ عنك، ووالله لئن قُتل عثمان ليَلْتَبِسَنَّ هذا الأمر الْتباسًا لا يَتَخَلَّمُ لك فيما بقي من عمرك حتى تموت ، فإما يُلْبِسُه لك من وَلِيهَ بِك وإمّا صَارَ لغيرك، فأَرى أَن تَرْفُضَه رَفْضًا صحيحاً لا تُسِرُّ فيه ولا تُعْلِنِ . قال: فَرَغْتَ فَحَسْبُك . * حدثنا علي بن محمد ، عن أبي عمرو ، عن محمد بن المنكدر قال : نزل المصريون بذي خُشُب ، فبعث عثمان رضي الله عنه رجلاً من المهاجرين إليهم وقال : أَعْطِهِم ما سَأَلوك . فقال رجلٌ من بني مخزوم : إني لا آمَنُ الذي بعثتَ؛ فإِن أَذِنْتَ لي اتَّبعته . فأَذِنَّ له ، فقدِمِ عليهم الرجل فرآهم في هيئة رَثَّةٍ ، فسمعته يقول : قدِمْتُم بما أرى من سوء الحال على عثمان رضي الله عنه في سودانه وحُمْرانه ، ما هذا لكم برأي . فرجع المخزومي إلى عثمان رضي الله عنه فأخبره فقال : إنه لحريصٌ لا بارك الله له فيما يُؤَمِّل على ما يبلُغنا ، وقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لا ينالها أبداً . * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا يوسف بن الماجشون ، عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال : جاء عليّ رضي الله عنه إلى أَهْلِ مصر وهم في قُبَّة لهم فقال: جثْتموني أَكلة رأس ؛ إنكم لا طاقة لكم بحُمران عثمان ولا سُودَّانه ، ارجعوا فاستوثقوا وتعالوا، خَيَّر بذلك عبد الله بن الفضل عَمِّن كان وراء القُبَّة . * حدثنا نضر بن علي بن نصر قال ، حدثنا غسان بن نضر قال ، حدثنا أبو مسلم سعید بن يزيد ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد (١) بياض في الأصل بمقدار كلمة . ١١٢٩ لابن شبة مولى أبي أُسيد قال: خَطَبَنا عثمان بن عفان رضي الله عنه فقال : إِن ركْباً نزلوا ذا الخُلَيْفَة وإني خارج إليهم ، فمن شاء أن يخرج فليخرج قال : فكنت فيمن خرج - يعني أبا سعيد - قال فأُتيناهم ٠ فإذا هم في حظائر سُقُفٍ ، أَبصرناهم من خلال الحائط ، وإذا شابٌ قاعد في حجرِهِ المصحف فقال: يا أمير المؤمنين، أَرأيت ((مَا أَنْزَلّ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُل اللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ (١) )) فقال: إنّ عمر رضي الله عنه حَتَى حمى ، وإن الصدقة زادت فزِدْتُ في الحمى، فمن شاءَ أَن يَرْعِى فَلْيَرْعَ ، أَتوبُ إلى الله وأستغفره. فقالوا: يا أمير المؤمنين أحسنت. (ثم (٢)) قالوا: يا أمير المؤمنين ، هل على بيت الله إذنٌ ؟ قال : كنت أرى أن الجهاد أفضلُ من الحَجِّ ، فإن كان ذلك من رأيكم فقد أَذِنَّا للناس ، فمن أراد أَن يَحُجَّ فَلْيَحُجِّ، أَتوبُ إلى الله وأستغفره . فقالوا: والله لقد أحسنت يا أمير المؤمنين - في خصال سألوه عنها فتاب منها ورجع عنها ، كل ذلك يقولون : قد أحسنت يا أمير المؤمنين - قال : فانفِروا وتفرّقوا . ثم قام خطيباً فقال: ما رأيتُ رَكْبًا كانوا في نَفْسٍ أَمير المؤمنين خيرًا من هؤلاء الرِّكْب؛ والله إنْ قالوا إِلا حَقًّا ، وإن سألوا إلا حقًّا. فرجعوا إليه ، فأَشرف عليهم فقال: ما رجُّعكم إليّ بعد إعطائكم الحقّ ؟ قالوا : كتابُك. قال: ويُلَكم لا تُهْلِكوا أَنفسكم وتُهْلِكُوا أَمْتَكم، والله إنْ كَتَبْتُها ولا أَمْلَيْتُها. فقال الأشتر: إني والله لأُسمع حَلِفَ رَجُلٍ ما أراه إلا قَدْ مُكِرِ به ومكرَ بِكُم قال : (١) سورة يونس ، آية ٥٩ . (٢) إضافة على الأصل . ١١٣٠ تاريخ المدينة المنورة فوثّبُوا عليه فوطئوه حتى ثقل ثقلاً قال (١) فوقف عليهم سعد بن . (٣) . . مالك فقال (٢) : أُقيم قتلکم !! تر کتموه وهو في خطيئته تَطَهَّر منها قتلتموه ! ! فجعلوا يقرعونه بالرِّماح حتى سَقَط لِجَنْبِه، وجعل يقول : هَلُمّ فَاقْتُلُوني فلقد أَصابت أُمِّي اسْمِيَ إِذَنْ إِذْ سَمِّعْنِي سَعْدًا. وأَقبل الأَشتَرُ فنهاهم وقال: يا عباد الله اتَّخَذْتُمْ أصحاب محمد بُدْنًا ؟ ! وخرج سعد يدعو ويقول : اللهم إني فررت بديني من مكة إلى المدينة، وأَنا أَفِرُّ به من المدينة إلى مكة . * حدثنا محمد بن حميد قال ، حدثنا ابن المبارك قال ، حدثنا الفضل بن لاحق ، عن أبي بكر بن حفص ، عن سليمان بن عبد الملك قال ، حدثني رجل من تَدْعُر - وهي قبيلة من اليمن - قال : بينما أنا أسير بين مكة والمدينة إذا أنا بركب يسيرون بين أيديهم راكبٌ فدنَوْتُ فسلّمْتُ عليهم فقلتُ : من هذا ؟ قالوا : سعد ابن مالك . فنهرتُ دابَّتِي فدنوتُ منه ، فسلمتُ عليه وقلتُ : ماذا صنعتم ؟ قال : أَتَعْجَبُ ؟ كنتُ رَجُلاً من أهل مكة بها مولدي وداري ومالي ، فلم أَزْل بها حتى بعثَ اللهُ نبيّه صلى الله عليه وسلم فاتَّبَعْتُه وآمنتُ به ، فمكثتُ بها ما شاء الله أَن أَمكث ، ثم خرجتُ منها فِراراً بديني إلى المدينة ، فلم أزل بها حتى جمع الله لي بها أَهْلًا ومالًا، (١) اللوحة ٣٣٩ من الأصل مضروب عليها بخمسة خطوط ولعل الناسخ أراد شطبها أو إلغاءها . ويلاحظ أن أخبارها تتعلق بمقتل عثمان رضى الله عنه في الدار. ودفاع الحسن ابن علي رضي الله عنهما عنه . (٢) كذا في الأصل وفوق كل كلمة منهما حرف ((ط)) دلالة الشك. (٣) بياض في الأصل بمقدار كلمتين ولعلهما ((حتى إذا)). ١١٣١ لابن شبة وأَنا اليوم فارَّ بديني من المدينة إلى مكة كما فررت بديني من مكة إلى المدينة . * حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا سعدان بن بشر قال ، حدثنا أبو محمد الأنصاري قال : شهدتُ عثمان رضي الله عنه وهو يُقْتَل بالدار ، والحسن بن علي رضي الله عنهما وهو يضارب عنه حتى جرح فرفع (١) في بني زمعة جريحاً . * حدثنا علي بن الجعد ، والأُضمعي قالا ، حدثنا زهير بن معاوية قال ، حدثنا كنانة مولى صفية قال : كنت فيمن يحمل الحسين بن عليّ رضي الله عنهما جريحاً من دار عثمان رضي الله عنه . * حدثنا هارون بن عمر قال ، حدثنا أسد بن موسى قال ، حدثنا عبد الرحمن بن زياد ، عن إسماعيل بن عياش ، عن عطاء ابن عجلان ، عن عاصم بن سليمان قال : قام الحسنُ بن علي رضي الله عنهما بعد ما قُتِلَ عثمان رضي الله عنه فقال لهم - يَعْنِي لِقَتَلَةٍ عثمان رضي الله عنه - لا مَرْحَبًا بالوجوه ولا أهلاً، مَشَائِمُ هذه الأُمة مَنْ فتق فيها الفتق العظيم . أما والله لولا عَزْمَةُ أَمير المؤمنين علينا لكان الرأي فيكم ثابتاً . • حدثنا محمد بن يحيى قال ، حدثني بعض أصحابنا قالوا : جاء قوم يطلبون عَلِيًّا بعد قَتْلٍ عثمان رضي الله عنه فلم يجدوه ، فسأَلوا الحسن بن عليِّ رضي الله عنهما : أين أمير المؤمنين ؟ قال : في حَشرٌّ كَوْكَب - رحمة الله عَلْيْهٍ - يعني عثمان رضي الله عنه . (١) في الأصل ((فرفعه في بني زمعة جريماً)). ١١٣٢ تاريخ المدينة المنورة * حدثنا خلف بن الوليد قال ، حدثنا الهديل بن بلال ، عن أبي الجحاف ، عن عبد الله بن الزراد : أن رجلاً حدثه أنه كان مع الحسن بن عليّ رضي الله عنه في الحمام ورَجُلَيْنِ آخرين وعَلَى الحسن رضي الله عنه النَّوْرَةُ (١) وقَدْ وَضّع يَدّه على الحائط فتنفّس فقال: لَعَنَ اللّهُ قَتْلَةَ عثمان، فقال رجل: أَمَا إنهم يَزْعُمُونَ أَن عَلِيًّا قَتَلَه. فقال : قَتَلَهُ مَنْ قَتَلَه، لَعَنَّ اللّهُ قَتَلَةَ عثمان، ثم قال ، قال علي: أَنَا وعثمان وطلحة والزُّبَيْر كما قال الله: ((وَنَزَعْنَا مَا في صُدُورِهِمْ مِنْ غِلِّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَّقَابِلِينَ)). * حدثنا محمد بن يحيى قال ، حدثنا عبد العزيز بن عمران ، .. (٢) عثمان ثم انصرفتُ عن يحيى بن عمرو ، عن أبيه قال . فوجدتُ عليّ بن أبي طالب واقفاً على باب داره، فقيل .... (٣) (٤) ، حدثنا علي بن محمد ، * حدثنا . عن عامر بن حفص عن أشياخ من أهل البصرة : أنهم خرجوا إلى عثمان رضي الله عنه وعليهم حكيم بن جَبَلَة ، وفيهم سَدُوس بن عيسى ورجل من بني ضبيعة يقال له مالك ، وكان حكيم ومالك ممن دخل عليه فأصابه . * حدثنا عثمان بن عبد الوهاب بن عبد المجيد قال ، حدثنا معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن أَبي نُضْرَة ، عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري قال : سمع عثمان رضي الله عنه أَن وَفْداً من أَهل (١) سورة الحجر ، آية ٤٧ (٢) فراغ في الأصل . (٣) ٠ ١ (٤) ١ ١١٣٣ لابن شبة مصر قد أقبلوا فاستقبلهم ، فكان في قريةٍ له خارجاً من المدينة - أو كما قال - فلما سمعوا به أقبلوا نبحوه إلى المكان الذي هو فيه - أراه قال: وكَرِهِ أَن يقدموا عليه المدينة - فأَتوه فقالوا : أُدْعُ بالمصحف . فدعا بالمصحف ، فقالوا له : افتتح السابعة - قال : وكانوا يسمون سورة يونس السابعة - فقرأها حتى أتى على هذه الآية ((قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالا قُل اللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ (١) )) قالوا له : قف ، أرأيت ما حميت من الحِمَى، آلله أذن لك به أم على الله تفتري ؟! قال : أَمضه ، نزلت في كذا وكذا ، وأَما الحمّى فإن عمر رضي الله عنه حَمَى حِمِّى قبل لإِبل الصدقة ، فلما وليت زادت إبل الصدقة فزدت في الحمى لما زادت ، أَمضه . قال : فجعلوا يأخذونه بالآية ، فيقول : أَمضه نزلت في كذا وكذا - قال : والذي يَلي كلام عثمان يومئذ في سِنِّكَ ، قال أبو نُضْرة قال : قال لي أبو سعيد: وأنا في سِنِّك يومئذٍ. قال: ولم يخرج وجهي يومئذ. قال : ولا أدري لعله قال مرة أُخرى : وأنا يومئذ ابن ثلاثين سنة - ثم أخذوه بأشياء لم يكن عنده منها مخرج ، فقال : أستغفر الله وأتوب إليه . وقال لهم : ما تريدون ؟ فأخذوا ميثاقه - قال وأحسبه قال : وكتبوا عليه شرطاً ، وأخذ عليهم ألا يشقوا عصى ولا يفارقوا جماعة ما قام لهم بشرطهم - أو كما أخذوا عليه - قال فقال لهم : وما تريدون ؟ قالوا : نريد ألا يأخذ أهل المدينة عطاء . قال: إنما هذا المال لمن قاتل عليه ، ولهذه الشيوخ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . قال : (١) سورة يونس ، آية ٥٩. ١١٣٤ تاريخ المدينة المنورة فرضوا وأقبلوا معه إلى المدينة راضين ، فقال فخطب فقال : إني والله ما رأيت وفداً في الأرض هم خير لحَوْباتي من هذا الوفد الذين قدموا عليّ ، ألا من كان له زرع فليحق بزرعه ، ومن كان له ضرع فلْيَحْتَلِيْهِ ، أَلا إنه لا مال لكم عندنا ، إنما هذا المال لمن قاتل عليه ، ولهذه الشيوخ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . قال : فغضب الناس وقالوا : هذا مكْرُ بني أمية . قال : ثم رجع الوفد المصريون راضین(١). * حدثنا أبو مطرف بن أبي الوزير قال ، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال ، حدثنا جابر رضي الله عنه قال : بعثنا عثمان رضي الله عنه خمسين راكباً ، أَميرنا محمد بن مَسْلَمة ؛ فکلم أهل مصر ، فإذا رجل في عنقه مصحف متقلد سيفاً تذرف عيناه فقال : إن هذا يأمرنا أن نضرب بهذا على ما في هذا . فقال محمد : اجلس ؛ فنحن ضربنا بهذا على ما في هذا قبل أن تولد . فلم يزل يكلمهم حتى وجعوا . قال جابر : فسمعت رجلاً يقول : أما والله ليُوشك أن يرجع . قال عمرو : فسمعت جابراً يقول : فزعموا أنهم وجدوا كتاباً إلى ابن أبي سرح . فالله أعلم . (٢) * حدثنا سلیمان بن أيوب صاحب الکرا حدثنا أبو عوانة ( عن المغيرة (٣)) بن زياد الموصلي ، عن أبي الزبير ، (١) تاريخ الطبري ٥: ١٠٧ - والرياض النضرة ٢ : ١٥٩، ١٦٠ - وتاريخ الخميس ٢ : ٢٥٩ - والتمهيد والبيان لوحة ١٨٢. (٢) بعد هذه الحروف بياض بالأصل . (٣) بياض بالأصل والإثبات عن سند مماثل لوحة ٣٤٥ . ١١٣٥ لابن شبة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : لما أُقبل الركب من مصر دعاني عثمان بن عفان فقال : يا جابر ، اِلْق هؤلاء الركب . قال : قلت يا أمير المؤمنين فأَصنع ماذا ؟ قال : أَعطهم عليّ الحق ، وأَن أُرجع عن كل شيءٍ كَرِهته الأُمة . قال قلت : وأُعطيهم على ذلك عهداً وميثاقاً ؟ قال : نعم. ( قلت (١) ) على أن ترد كل منْفِيٌّ، وتُعْطي كل محروم ، ويُقام كتاب الله وسُنَّة نَّبِيِّه . قال : فركبت فلقيت القوم سحراً بذي خُشُب ، فسلمت عليهم (٢) فردوا السلام ، وقالوا : مَنِ الرجل ؟ قلت : جابر بن عبد الله الأنصاري . قالوا : مرحباً مرحباً بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم . قلت : ما جاء بكم أيها القوم ؟ فانبرى إليَّ منهم فتّى أَمْرَدُ فاستخرج المصحف ثم سل السيف فقال : جئنا نضرب بهذا على ما في هذا . قال جابر - رضي الله عنه - فقلت : نحن ضربنا به على ما فيه قبل أن تولد ، بيننا وبينكم كتاب الله . قال : فنزلنا فنشرنا المصحف نتجادل بالقرآن حتى أصبحنا . قال أبو الزبير : سمعت عمرو بن مَيْمُون الأنصاري ذكر أنهم تجادلوا بالقرآن حتى أَرْمضتْهُم حجارة الجبل يُرْمَوْن بها حتى تحولوا إلى مكان تباعدوا فيه من الجبل . قال فقال جابر رضي الله عنه: اصطلحنا على الحق ؛ على أَن نَرُدِّ كل مَنْفِيّ ، ونُعطي كل محروم ، ونعمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم في العامة . قال : فرد عنهم لينصرفوا فقالوا : بل نأتي أمير المؤمنين فنسلم عليه ونستل سخيمته ونأتي ما سَرَّه. قلت: فعلى بركة الله . (١) إضافة يقتضيها السياق . (٢) في الأصل ((عليه)). ١١٣٦ تاريخ المدينة المنورة فرجعت بسببهم إلى أمير المؤمنين فقال : ما وراءك يا . خير يا أمير المؤمنين ، أعطيتهم الذي أمرتني فرضوا وأرادوا الرجوع، ثم إنهم بدا لهم أن يسلموا عليك ويستلُّوا سخيمة إن كانت في نفسك . قال : فدخلوا على أمير المؤمنين فسلموا عليه ، ومكثوا ثلاثة أيام بالمدينة ، ثم انصرف القوم (١). * حدثنا علي بن محمد ، عن يزيد بن عياض ، عن الوليد ابن سعيد ، عن عُرْوَة بن الزبير قال : قدم المصريون فلقوا عثمان رضي الله عنه فقال : ما الذي تنقمون ؟ قالوا : تمزيق المصاحف. قال : إلى الناس لما اختلفوا في القراءة خَشيّ عمر رضي الله عنه الفتنة فقال: من أعرب الناس ؟ فقالوا : سعيد بن العاص . قال : فمن أَخَطُّهم ؟ قالوا : زيد بن ثابت . فأمر بمصحف فكُتِب بإعراب سعيد وخط زيد ، فجمع الناس ثم قرأه عليهم بالموسم فلما كان حديثاً كتب إلَّ حذيفة : إن الرجل يلقى الرجل فيقول : قُرْآني أفضل من قرآنك حتى يكاد أحدهما يُكَفِّر صاحبه ، فلما رأيت ذلك أمرت الناس بقراءة المصحف الذي كتبه عمر رضي الله عنه ، وهو هذا المصحف، وأمرتهم بترك ما سواه ، وما صنع الله بكم خير مما أردتم لأنفسكم . وما تنقمون ؟ قالوا : حميت الحِمَى . وذكروا أهل البوادي وما يلقون من نعم الصدقة . فقال: إن وجدتم فيه بعيراً لآل أبي العاص فهو لكم . وما تنقمون أيضاً ؟ قالوا : تعطيل الحدود . قال : وأي حد عطلت ؟! ما وجب حد على أحدٍ إِلا أَقمته عليه، وأَنا أَستغفر الله (١) وانظر في هذا الغدير ٩ : ١٧٠ . ١١٣٧ لابن شبة من كل ذنب وأتوب إليه ، فاتقوا الله ولا تكونوا كالذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً ، أُذكركم الله أن تلقوا غداً محمداً صلى الله عليه وسلم ولشتم منه في شيء (١) . * حدثنا قريش بن ( أنس، عن (٢)) ابن عون قال: لما قدم المصريون على عثمان رضي الله عنه أرسل إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فاستشارهم ، فقام ابن عمر رضي الله عنه فقال: صَحِبْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا أَعلم ظل يوماً أَو بات ليلةٌ إلا وهو عنّي راض ، وصحيت أبا بكر رضي الله عنه فكذلك ، وصحبت أبي فكذلك ، وقد رأيت لك يا أمير المؤمنين من الطاعة ما رأيت لهم . قال : جزاكم الله خيراً آل عمر، لست عن هذا أَسْأَلك إنما أسألك عن هؤلاء القوم ، ما تقول فيهم ؟ قال : أرسل إليهم فادعهم إلى كتاب الله ، فإن قبلوا فهو خير لهم ، وإن أَبَوْا فهو خيرٌ لك وشرَّ لهم . قال : فأرسل إليهم عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ورجلاً آخر ، فشادُّوه فشادِّهم ، فشادوه فشادهم ، فشادوه فشادهم . فقال رجل : رسول أمير المؤمنين وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عليكم كتاب الله !! قال : فأَصلح عليّ بينهم وكتبوا كتاباً اشترطوا فيه خمساً؛ أَن المنفيّ يُقْلَب، وأَن المحروم يُعْطِى، وأَن الفيْء يوفّر، وأن يُعدل في القَسْمِ، وأَن يستعمل أُولو القوة والأمانة ، قال : واشترطوا شيئين لم يكتبوهما في الكتاب ؛ وأن (١) تاريخ الطبري ٥: ٦٠٢ - والكامل لابن الأثير ٣: ٥٩ - والرياض النضرة ٢ : ٠١٠٢ (٢) بياض في الأصل بمقدار كلمة والمثبت عن الخلاصة ص ٣١٦. ١١٣٨ تاريخ المدينة المنورة يستعمل الأشعري على الكوفة ، وأن يرد ابن عامر على عَمِله بالبصرة فإنهم به راضون قال: فذهبوا (١) . * حدثنا صلت بن مسعود قال ، حدثنا أحمد بن شبوية ، عن سليمان بن صالح ، عن عبد الله بن المبارك ، عن جرير بن حازم قال ، سمعت محمد بن سيرين يُحدث قال : لما قدم أهل مصر على عثمان رضي الله عنه قال المغيرة بن شعبة : إن القوم تفرقوا في الدور فليس أَمرُهم بشيء ، وإن نزلوا زمزمة واحدة (٢) فأمرهم سديد . قال : فنزلوا زمزمة واحدة ، فقال : دعني فلآّتهم ، قال : فأتاهم المغيرة ، فلما رأوه قالوا : إليك عنا يا أَعْوَرَ ثقيف . فرجع إِليه فأخبره بذلك ، فدعا عليَّ بن أبي طالب فقال : آتِ هؤلاء فأُعْطهم كتاب الله . فأَناهم عليّ رضي الله عنه فعرض عليهم (٣) فأَبوا عليه، فانصرف عنهم . فقال القول : أتاكم ابن عم نبيكم فعرض عليكم كتاب الله فرددتموه !! فبعثوا إلى عليّ رضي الله عنه فدعوه ، وقبلوا ما أعطاهم ، واشترطوا أَشياء - قال ابن عون ، عن ابن سيرين : فمنها أشياء كتبوها في كتابهم ، ومنها أشياء لم يكتبوها (٤) . * حدثنا إسحاق بن إدريس قال ، حدثنا حماد بن زيد قال ، حدثنا سعيد بن يزيد قال ، حدثنا أبو نضرة ، عن أبي سعيد مولى ابن أُسيد قال : لما قدم المصريون على عثمان رضي الله عنه اجتمعوا (١) وانظر في هذا أنساب الأشراف ٥ : ٦٢ - والكامل لابن الأثير ٣ : ٦٣ - والغدير ٩ : ١٧١ - والعواصم من القواصم ص ١٢٥ - والبداية والنهاية ٧ : ١٧٠-١٧٣. (٢) في الأصل ((زمزمة وأحدهم)) - والزمزمة هي صوت الرعد إذا اجتمع. (٣) في الأصل ((فعرض عليه)). (٤) أنساب الأشراف ٥ : ٦٣ - والغدير ٩ : ١٧٠. ١١٣٩ لابن شبة إِلى حُجْرَة، وجئنا فجعلنا ننظر إليهم من خلل الحجره ، فما سألوه شيئاً إلا خرج منه ، فقالوا : أُغلقت باب الهجرة ، وحميت الحِمّي. قال : إن عمر رضي الله عنه حَمَى الحمى للصدقة ، وإنها كثرت وزادت ، فزدت في الحمى على قدر ما زادت الصدقة ، وأما قولكم أغلقت باب الهجرة فإني لم أكن أرى هذا المال إلا لمن جاهد عليه ، فمن شاء فلْيُهاجِر ، ومن شاء فلْيَجْلس، ثم قال: ويحكم لا تُزَكُوا أنفسكم ولا تهلكوا أُمتكم . فرجع القوم راضين(١). * حدثنا علي بن محمد ، عن أبي مِخْتَف ، عن محمد بنيوسف، عن عبد الرحمن بن جُنْدَب قال : قال عثمان رضي الله عنه لعبد الله ابن عمر رضي الله عنهما : ما ترى في هؤلاء القوم ؟ قال : تدعوهم إلى كتاب الله ، فإن أجابوك كان خيراً لهم ، وإن أَبوا كان خيراً لك وشراً لهم ، وابعث عَلِيًّا فإنه لا يردهم عنك غيره . قال : جزاكم الله خيراً آل عمر ؛ فإنكم طالما نصحتم الإسلام وأهله . فأرسل إلى عليّ رضي الله عنه فقال إيتِ هؤلاء القوم فأَعطهم ما يسألونك . قال : قال : وأَضمن ذلك عليك ؟ قال : نعم . فأتاهم عليّ رضي الله عنه فَبَهَشُوا (٢) إليه، فقال علي رضي الله عنه: تعطون كتاب الله وتُعْتَبُون من كل ما سخطتم ؟ قالوا : فتضمن ذلك لنا ؟ قال : نعم . فأقبل معه ثلاثون من وجوههم ، فدخلوا على عثمانرضي الله عنه ، فأَرضاهم وكتبوا بينهم كتاباً : من عبد الله عثمان أمير المؤمنين لمن نَقَم عليه ، إن لكم العمل بكتاب الله ، وإن المخْرُوم (١) تاريخ الطبري ٥ : ١٠٧ . (٢) بهشوا إليه : ارتاحوا إليه وأقيلوا عليه مسرورين. ١١٤٠ تاريخ المدينة المنورة يعطى، والمنفيّ يُرَدّ، ولا يُجَمَّرُ المبعوث، ولا تُحمى الحِمَّى. شَهِدَ عليّ، وطلحةُ، والزبيرُ ، وسعدٌ، وعبد الله بن عمر ، وسهلُ ابن حُنَيْف، وأبو أيوب ، وزيد بن ثابت . ثم انصرفوا إلى بلادهم راضين (١) . ( حركة أهل الكوفة ومسيرهم إلى عثمان رضي الله عنه ) (*) * حدثنا محمد بن حاتم قال ، حدثنا سعيد بن محمد الوراق ، عن إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر قال : بلغ عثمان رضي الله عنه أَن ناساً من أَهل الكوفة يَقَعُون فيه ، ويقولون فيه الباطل . فكتب إليهم : إنه بلغني عنكم أَمرٌ لا يَحِلُّ لكم ، فمن كان منكم قال ما لا يَحِلّ له فلْيُقَيِّد نفسه ، قال : فقيد أولئك أنفسهم ، فكان في الحيّ رجلٌ منهم يقال له النعمان بن فلان - أو فلان بن النعمان - يحضر الصلاة مُقَيِّداً شهراً ، فكتب إليهم عثمان رضي الله عنه : أن حلُّوا أنفسكم يغفر الله لي ولكم . * حدثنا خلف بن الوليد قال ، حدثنا یحی بن زکریا ابن أبي زائدة ، عن ابن عيينة ، عن بعض أصحابه قال : كتب عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى أهل الكوفة : من كان له قبلي حقٌ فليقدم فليأخذ بحقه ، أو تصدَّقوا فإن الله يجزي المتصدقين ، فلم أر يوماً أكثر شيخاً باكياً من يومئذ . * حدثنا علي بن محمد ، عن أبي مخْتَف ، عن عبيد بن محصن ، (١) العواصم من القواصم ص ٧٢، ١٢٥. (*) انظر في هذا تاريخ الطبري ٥: ٨٥ - والكامل لابن الأثير ٣ : ٥٢ - ونهاية الأرب ١٩ : ٤٥٤ - والتمهيد والبيان لوحة ٤٧ .