النص المفهرس

صفحات 1021-1040

١٠٢١
لابن شبة
بالعراق عثمان بن عفان رضي الله عنه قطّائِعَ مِمّا كانَ من صَوَافي
آل كسرى، ومما جَلاَ عنه أَهلُه؛ فقَطَعَ لِطَلْحَةً بن عُبيد الله:
النّشَاسْتِجِ (١)، وقَطَعَ لخبّاب بن الأرتّ صَعْنَى، وأَقْطَع سعد بن أبي
وقّاص أَرْضًا، والزُّبَيْر إلى ناحِيَةٍ قَنْطَرَة الكُوفة ، وعَدِيّ بن حاتم
الرَّوْحَاءِ(٢) ، وسعيد بن زيد، وخالد بن عُرْقُطَّة ، والأُشعرِيّ في موضع
واحد نحو حمام(٣) ابن عمر.
حدثنا هارون بن عمر قال ، حدثنا ضمرة بن ربيعة ، عن
٠
السري بن يحيى ، عن ابن سعدي (٤) قال : کثر المال في زمن عثمان
رضي الله عنه حتى بيعت جاريةٌ بوزنها ، وفرس بمائة ألف درهم ،
ونخلةٌ بألف درهم (٥) .
* حدثنا سعيد بن عامر قال ، سمعت شعبة يقول : بلغ الفرس
في زمن عثمان رضي الله عنه مائة ألف درهم .
* حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا قيس ، عن أبي حصين : أن
عثمان رضي الله عنه أجاز الزُّبَيْر رضي الله عنه بستمائة ألف ، قال:
(١) النشاستج: ضيعة أو نهر بالكوفة - قال ياقوت: اشتراها طلحة من أهل الكوفة
المقیمین بالحجاز بمال کان له في خيبر ، وعمر ها حتی عظم دخلها حتی قیل إن من له مثل
النشاستج لحقيق أن يكون جواداً - ((ياقوت - معجم البلدان ، والتمهيد والبيان لوحة ٤٠)
و تاريخ الطبري ٥ : ٨٠ ط بيروت في ذکر تسییر من سیر من أهل الكوفة إليها .
(٢) الروحاء : من عمل القرع على نحو أربعين ميلا ، وسميت روحاء.
(٣) كذا بالأصل .
(٤) ابن سعدی : عبد الله بن السعدي القرشي العامري ، صحابي (( روی عن حويطب
ابن عبد العزى وعبد الله بن محيريز - توفي سنة سبع وتسعين (الاستيعاب ١: ٣٩٩)).
(٥) الرياض النضرة ٢ : ١٤٨ - ونهاية الأرب ١٩ : ٥٠٦.

١٠٢٢
تاريخ المدينة المنورة
فلما قَدِمَ هاهنا قال : أَيُّ المالِ خَيْرُ ؟ قالوا : مال أَصبهان . قال :
فأعطوني من مال أَصبهان .
* حدثنا محمد بن سلام ، عن أبيه قال ، قال عبد الله بن خالد
لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما : كَلِّمْ أَمير المؤمنين عثمان رضي
الله عنه فإن لي عيالاً وعَلَيّ دَيْناً. فقال: كُلِّمْهُ فإنك تجده بَرأَ وَصُولا .
فكلَّمَهُ فزوجه بنته ، وأعطاه مائة ألف ، فولدت له عثمان بن عبد الله.
فكان لا يُكلِّم إخوته كِبْراً بعثمان .
وحجَّ هشام بن عبد الملك فطاف بالبيت ، وعثمان بن خالد
جالسٌ فلم يَقُم إليه . فقال هشام : ينبغي أن يكون ذلك الرجل
عثمان . فقيل هو عثمان ( رضي الله عنه (١) ) .
* حدثنا إبراهيم بن ( عمرو بن كيسان (٢) ) قال ، حدثنا
عبد الله بن وهب قال ، أخبرني ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن
أبي أُوَيْس - مولى لهم - قال : غَزونا مع عبد الله بن سعد إفريقية
في خلافة عثمان رضي الله عنه سنة سبع وعشرين ، فبلغ سهم الفارس
ثلاثة آلاف دينار ، للفرس ألفا دينار ولفارسه ألف دينار ، وللراجل
ألف دينار (٣) .
* حدثنا إبراهيم قال ، حدثنا عبد الله بن وهب ، عن ابن لهيعة ،
عن أبي الأسود ، عن عُرْوَة بن الزبير قال: أَدركت زمَنَ عثمان
(١) كذا في الأصل - وهذا يوهم أنه عثمان بن عفان رضي الله عنه ، ولكنه عثمان
ابن عبد اللّه بن خالد، وابن بنت عثمان رضي الله عنه فهو حفيده رضي الله عنه .
(٢) بياض في الأصل بمقدار ثلاث كلمات ، والمثبت عن الخلاصة للخزرجي ١٨٥ .
(٣) انظر في ذلك نهاية الأرب ٧ : ١٥٢.

١٠٢٣
لابن شبة
رضي الله عنه وما من نفْسٍ مسلمةٍ إلا ولها في مال الله حقّ .
* حدثنا خالد بن خِدَاش قال ، حدثنا حماد بن زيد ، عن
هشام ، عن ابن سيرين قال : لم تكن الدراهم في زماني أرخص منها
في زمان عثمان رضي الله عنه ؛ أَن كانت الجارية لَتُبَاعُ بوزنها ،
وإن الفرس ليَبْلُغ خمسين ألفاً ؛ مما يعطيهم .
* حدثنا محمد بن عمر بن حميد قال ، حدثنا مبارك بن فضالة ،
عن الحسن قال : رأيت عثمان رضي الله عنه وما من يوم إلا ومناد
ينادي : هَلُمّ إلى أُعْطِياتِكم ، حتى والله يذكر السمن والعسل .
· وحدثنا الحجاج بن نصر قال، حدثنا قُرَّة (١)، عن محمد
قال : قدم محمد بن أبي حذيفة على عثمان رضي الله عنه ، فأجازه
بمائة ألف .
* حدثنا خلف بن الوليد قال ، حدثنا مبارك بن فضالة قال،
سمعت الحسن يقول : أدركت عثمان وأنا يومئذ قد راهقت الحلم
فسمعته يخطب ، وما من يوم إلا وهم .. (٢) يقسمون فيه خيراً ،
يقال : يا معشر المسلمين اغدوا على أرزاقكم . فيغدون ويأخذونها
وافرةً . يا معشر المسلمين اغدوا على كسوتكم ، فيجاء بالحلل فتقْسم
بينهم . قال الحسن : حتى - والله - سمع أَوْسُ يقال: اغدوا
السمن والعسل . قال الحسن: والعَدُوّ ينفر، والعطيات دَارَّةٌ، وذات
(١) هو قرة بن خالد السدوسي، أبو خالد البصري، عن الحسن ، محمد بن سيرين.
وعمرو بن دينار ، وعنه شعبة القطان ، مات سنة أربع وخمسين ومائة (الخلاصة ٣١٦).
(٢) بياض في الأصل بمقدار كلمة فوقه كلمة ((كذا)).

١٠٢٤
تاريخ المدينة المنورة
البَيْن حسن (١)، والخير كثير، ما على الأَرض مؤمن يخاف مؤمناً (٢).
* حدثنا أبو عاصم ، عن عوف ، عن أبي رجاء : أَن عمر
وعثمان رضي الله عنهما كانا يُعاقبان على الهجاء . قال : واستعار
خالي(٣) من قوم كلباً لهم ، فأرادوا أخذه منه ، فرمى أُمهم بكلبهم ،
فحبسه عثمان رضي الله عنه .
* حدثنا موسى بن مروان قال ، حدثنا مروان بن معاوية،
عن عوف ، عن أبي رجاء بنحوه . قال : فاستعدوا عليه عثمان رضي
الله عنه ، فحبسه حتى مات . وقال :
حَمَمْتُ وَلَمْ أَفْعَلْ وَكِدْتُ وَلَيْتَنِي تَرَكْتُ عَلَى عُثْمَانَ تَبْكِي حَلَائِلُه(٤)
فقال عثمان رضي الله عنه: ماله - قاتله الله - أراد قتلي ؟!
وقبل هذا البيت مما لم يرْوِهِ عوفٌ :
أَلا مَن لخِصْمٍ لَا يَرَى من يُجَاوِله
وقائلةٍ قَدْ مَاتَ في السُّجْنِ ضَابٌ
فَنِعْمَ الفَتى تَخْلُو بِهِ وتُنَازِلِه (٥)
وقائلةٍ لا يُبْعِد اللهُ ضَائِئًا
(١) كذا في الأصل بتذكير حسن .
(٢) البداية والنهاية ٧ : ٢١٣ - ونهاية الأرب ١٩ : ٥٠٦ .
(٣) هو ضائ بن الحارث بن أرطأة التميمي البرجمي . شاعر خبيث اللسان ، عرف
في الجاهلية ، وأدرك الإسلام وعاش في المدينة إلى أيام عثمان رضي الله عنه . وانظر
الاغريض للمظفر العلوي ٢٢٠ - وطبقات الشعراء لابن سلام ص ٤٠ - وخزانة الأدب
البغدادي ٤: ٨٠ - ومعاهد التنصيص ١: ١٨٦ والأوائل لأبي هلال العسكري ٢٥٧ .
(٤) تاريخ الطبري ٦: ٣٠٣٤ - وأنساب الأشراف ٥: ٨٤ - والتمهيد والبيان
لوحة ٦١ - وكامل ابن الأثير ٣: ١٨٣ - والأوائل ص ٢٦٣.
(٥) تاريخ الطبري ٦: ٣٠٣٤ - والكامل لابن الأثير ٣: ١٨٣ - والتمهيد والبيان
لوحة ٦١ .

١٠٢٥
لابن شبة
والشعر الذي هجا به أصحاب الكَلْبِ :
تَجَشَّمَ دُونِي وَفْدُ قُرْحَان شقةً تَظَلّ بها الوجناءُ وَهِي حَسِيرُ
حَبَاهُم بِبَيْتِ المَرْزُيَانِ أَميرُ
فَرَاحُوا بكلبٍ مُرْدِفِيهِ كَأَنَّمَا
فإن عُقُوقَ الأُمهاتِ كَبِيرٌ
فأَمكمُ لا تَتْرُكُوها وكَلْبكم
يظلُّ له تحت السرير هرير
إذا غيِّيت مِنْ آخر الليْلِ دَخْنة
بِصَبْرٍ فما فَوْق السرير خبيرٌ (١)
فيالَكَ من كلْبٍ تعوّد ما يرى
فلما أُتي به عثمان رضي الله عنه وأنشد الشعر قال : ويُلَك،
أَرميت أُمَّ قومٍ بِكلْبِهم ؟ لو كنت على عهد رسول الله صلى الله عليه
وسلم لنزل فيك قرآن ، وضربه وحبسه . فعُرِض عليه يوماً فوجد
معه خِنْجرٌ . ويقال وجدَ خِصافي نَعْلِه ، فرده إلى حبسه بعدما شاور
فيه ، فأشار عليه بقتله بعضهم ، ونهاه بعض .
* حدثنا محمد بن سلام قال : كان ضائى سيّئُ البصر فأَوطا
صبياً فرفع إلى عثمان فقال إني سِِّئُّ البصر . فأَعفاه . وهو الذي يقول:
ومَن يَكُ أَمْسَى بالمدينةِ رَحْلُه فإني وقِيَّاراً بها لغريبُ (٢)
وقَيَّارٌ فرسه .
قال : واستعار من قوم من بني نَهْثَلٍ كلباً فحبسه سنة ، فلما
طلبوه قال .. وأنشدني الأبيات الخمسة . قال : فَرُفع إلى عثمان رضي
(١) أنساب الأشراف ٥: ٨٤ والتمهيد والبيان لوحة ٦٠ - والأوائل لأبي هلال
العسكري ص ٢٥٧ .
(٢) يقول : من کان بالمدينة بیته ومنزله فلستمنها ولا لي منزل بها . وقیار: فرس
ضائي أو جمله (تاريخ الطبري: ٦: ٣٠٣٣ - والكامل لابن الأثير ٣: ١٧٢ - والأغاني
١٤ : ٢٤٤ - وتاج العروس ٣ : ٥١٣ .

١٠٢٦
تاريخ المدينة المنورة
الله عنه فقال : وَيْلَك أَرميت أُمّ قوم بكلبهم ؟ لو كنت على عهد
النبي صلى الله عليه وسلم لنزل فيك قرآن ، ولو تقدم لي قتل شاعر
لقتلتك . فقال :
تَرِكْتُ عَلَى عُثْمَان تَبْكِي حَلَائِلُه
هَمَمْتُ ولَمْ أَفْعل وكِدْتُ وليْتَنِي
تُحَدِّثُ مَن لا قَيْت أَنك فَاعِلُه
ولا القتْل ما أمرت فيهٍ ولا الذي(*)
إذا همَّ لم تَرْعَد إليه خصائله (١)
وما القتْلُ إلا لامْرئ ذي حَفِيظَة
لم يزد ابن سلام على هذه الثلاثة الأبيات .
حدثنا إبراهيم بن المنذر قال ، حدثنا عبيد الله بن وهب
٠
قال ، أخبرني مخرمة بن بكير ، عن أبيه ، عن سليمان بن بشار :
أَن رجلاً عِرَاقِيّاً رصد عثمان رضي الله عنه ليقتله ، فظهر عليه ،
فاستشار فيه المهاجرين الأَوّلين ، فلم يروا عليه قتلاً ، فأرسله .
* حدثنا هارون بن عمر قال ، حدثنا أسد بن موسى قال ،
حدثنا ابن لهيعة قال ، حدثنا أبو الأسود ، أَن بکیر بن الأشج حدثه
عن سليمان بن يسار : أن رجلاً من بني تميم جلس لعثمان بن عفان
رضي الله عنه بِخِنجر ، فأَخذه عثمان رضي الله عنه فسَأَلَ عنه عَلِيًّا
رضي الله عنه، واستشارهم فيه. فقالوا بِئْسَمَا صنَع، ولم يقتلْك؛
ولو قتلك قُتِلَ . فأرسله عثمان رضي الله عنه .
قال ابن لهيعة ، وحدثنا يزيد بن أبي حبيب : أَن ناعم بن أحيل
مولى أم سلمة حضر ذلك من أمر عثمان رضي الله عنه وصاحب الخنجر.
حدثنا الصلت بن مسعود قال ، حدثنا أحمد بن شبويه .
(٥) هكذا ورد في الأصل - مختل الوزن - ( المدقق )
(١) أنساب الأشراف ٥ : ٨٥

١٠٢٧
لابن شبة
عن سليمان بن صالح ، عن عبد الله بن المبارك قال ، أخبرني يحيى
ابن أیوب قال ، أُنبأنا یزید بن أبي حبيب ، عن مُرّة بن أبي قیس
أنه حدثه : أن رجلاً رصد عثمان رضي الله عنه بخنجر ، فلما جاء
عثمان رضي الله عنه ليدخل تلقاه ( فوَجَأُ عثمانُ وَجْهَهُ فوقع على
إسته وقال : أوجعتني يا أمير المؤمنين . قال : أَوَ لَسْت بفاتك ؟
قال: لا . والذي لا إله إلا هُو (١) ) فقال عثمان رضي الله عنه:
خذوا الرجل ولا تقتلوه . فقال : ما ترون فيه ؟ قالوا : اقتله
يا أمير المؤمنين فإن فِتْنَك كثيرة . قال: لِمَ ؟ قالوا : لأَّنه أراد
قتلك . فقال : أَراد قتلي ولَمْ يُرِدِ الله . فتركه ولم يقتله .
والأصح في خبره أنه رده إلى محبسه حتى مات ، فلما أُتي الحجاجُ
بابنه عُمَيْر بن ضائى قال له عَنْبَسَةُ بن سعيد : هذا أَتى أمير المؤمنين
عثمان قتيلاً فلطمه . فقال له الحجاج : أَفعلت ؟ قال : نعم . قال :
ولِمَ ؟ قال : لأَّنه قتل أَبي . قال : أَوَلَيْس أَبوك الذي يقول :
حَمَمْتُ ولَمْ أَفْعَل وَكِدْتُ وَلَيْتَنِي تَرَكْتُ عَلَى عُثْمَانِ تَبْكِي حَلَائِلُه
ثم أمر بضرب مُنقه، فقال عبد الله بن الزبير الأسدي :
عُمَيْراً وإما أَنْ تَزُور المُهَلَّبَا (٢)
تخيّرْ فإِمّا أَن تَزُورَ ابن ضَابِيٍ
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال ، حدثنا سلام بن مسكين،
عن عمران بن عبد الله بن طلحة : أَن عثمان رضي الله عنه خرج
(١) بياض في الأصل بمقدار نصف سطر ، والمثبت عن تاريخ الطبري
٦ : ٣٠٣٥ .
(٢) الموفقيات ص ٩٨ - الكامل لابن الأثير ٤ : ٣٧٨، ٣٧٩ - التمهيد والبيان
لوحة ٦٣ .

١٠٢٨
تاريخ المدينة المنورة
لصلاة الغداة فدخل من الباب الذي كان يدخل منه . فزَحَمهُ الباب
فقال : أُنظروا . فنظروا فإذا رجل معه خنجر أوسيف ، فقال له عثمان
رضي الله عنه : ما هذا ؟ قال : أردت أن أَقتلك. قال : سبحان الله،
ويحك علام تقتلني ؟ قال ظلمني عاملك باليمن . قال : أَفلا رفعت
ظلامتك إليّ ؛ فإن لم أُنصفك أو أُعديك على عاملي أردت ذلك مني ؟
فقال لمن حوله : ما تقولون ؟ فقالوا يا أمير المؤمنين ، عَدُوَّ أَمْكنك
الله منه . فقال: عبدُ همَّ بذنب فكفَّه اللهُ عني ، آتني بمن يكفُل
بك : لا تدخل المدينة ما وَليتُ أَمرَ المسلمين . فأَّتاه برجلٍ من قومهٍ
فكفل به ، فخلّى عنه .
قال عمران : فوالله ما ضربه سوطاً ، ولا حبسه يوماً .
· حدثنا إبراهيم بن المنذر قال ، حدثنا عبد الله بن وهب
قال ، أخبرني ابن لهيعة ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبي عبيدة
ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن أزهر ، عن أبيه ، عن جده : أَن
عثمان بن عفان رضي الله عنه اشتكى رُعَاناً فدعا حمران فقال :
اكتب لعبد الرحمن العهد مِنْ بعدي . فكتب له ، فانطلق حمران
فقال : لي الْبُشْرَى. قال : لك البُشْرى ، وذلك ماذا ؟ قال : إن عثمان
قد كتب لك العهد من بعده . فأقبل عبد الرحمن إلى عثمان فقال :
أَ كان يَصْلُح لك أن تكتب لي العهد من بعدك ؛ والله يعلم أني أُخشى
أَن يُحاسبني في أهلي ألا أكون أَعدل بينهم، فكيف بأُمةٍ محمد ؟!
فقال عثمان رضي الله عنه : عزمت عليك ، أَحمران أَخبرك ؟ قال :
نعم . فقال : يا حمران فأُعاهدُ الله أَلا تُساكِنَنِي أَبداً، فأخرجه .
وأَما أَنت يا أبا محمد فهل ولَّيْتَني هذا الأمر يوم وليتُه وأنت تقدر

١٠٢٩
لابن شبة
على أن تصرف ذلك إلى نفسك ، أَو تُولِّيه من بدا لك ، وفي
القوم من هو أَمَسّ بك يومئذ رَحِماً مني إلا رجاءَ الصِّلة والإِحسان
فيما بيني وبينك ؟ فقال عبد الرحمن : ولَّيْتك ما ولَّيْتُك والله يعلم
أني قد اجتهدت ولم آل أن أجد خير عباده . أما أنا فكان يعلم الله
موضعي ما لم أكن لأليها، وأَما أَنا فاجتهدت لأُمَّةٍ محمد فوليْت
أمرهم خيرهم ، فإذا سألني قلت : يا رب وليت أمرهم خيرهم
( فيما (١) ) أَعلم . قال عثمان: فاجتهدتَ أَنت لنفسك وحرصت ،
وأنا والله ما آلو أن أجتهد وأحرص في أفضل من أَعلم، والله لا أَفتكُ
هذا من رقبتك أبداً . فلما رأى ذلك عبد الرحمن انصرف ، فقام
بين المنبر والقبر فدعا فقال : اللهم إن كان من تولية عثمان إِيَّاي
ما وَلَّني فأَمتني قبل عثمان فلم يمكث إلا ستة أشهر حتى قبضه الله (٢).
* حدثنا ابن وهب قال ، حدثني الليث بن سعد : أن عبد الرحمن
ابن عوف رضي الله عنه خرج إلى العمرة في خلافة عثمان رضي الله
عنه فاشتكى عثمان بعده حتى خاف على نفسه ، وأوصى ودعا مولاه
حمران فكتب عهده في الناس ، واستخلف عبد الرحمن بن عوف
في عهده، وأَمر حمران أَلا يذكر لبَشَرٍ ، فلم يرجع عبد الرحمن من
العمرة حتى عوفي عثمان رضي الله عنه ، فانطلق حمران إلى ابن عوف
حين قَدِم فرحِّب به ، ثم أخبره بالذي كان من استخلافه إيّاه على
الأمة واستكتمه ، فقال عبد الرحمن : ما يسعُني أَن أَكتم ذلك عنك،
وما لي بد أن أخبره إيّاه ليحذرك. قال: أَهلكتني . قال: إني لم أفعل
(١) إضافة يقتضيها السياق .
(٢) مسند أحمد ١: ٦٤ - الرياض النضرة ٢ : ٢٦٩ .

١٠٣٠
تاريخ المدينة المنورة
حتى أستأمن لك منه . فأَناه عبد الرحمن مسلَّماً ودعا له فيما رزقه
الله من العافية ، ثم قال : إن لبعض الناس ذنباً لا إثم عليك في
العفو عنه ، فهب ذلك لي . قال : ما أنا بفاعل حتى تخبرني ما هو،
قال : ما أنا بمخبرك ، ولكن أعطني ذلك . فلم يزل به حتى فعل ،
فقال : قد عفوت عنه إن كان شيئاً لا إثم فيه . فذكر له أمر حمران.
فقال: أُخَيِّره في العقوبة أَو فراقي . فقال : حمران أفشيت سري ؟!
قال : قد كان ذلك . قال : فاختر أي ذلك شئت ؛ إن شئت أن أَجلدك
مائة سوط ، وإن شئت أن تخرج فلا أراك ولا تراني . فاختار الخروج
إلى العراق، فأصاب هنالك - لمكانته من عثمان - مالًا وولداً ؛ فلهم
بالعراق عدد وشرف وأموال (١) .
حدثنا علي بن محمد ، عن عيسى بن يزيد ، عن شيخ من
أهل مكة ، عن عبد الملك بن حذيفة قال : قدم المغيرة بن شعبة على
عثمان رضي الله عنه بمال من الكوفة ، فقال له أصحابه : كيف رأيت
سرور أمير المؤمنين بما قدمت به عليه ؟ قال : رأيت له وجهاً لا يردفي
على الكوفة أبداً . قال : وما يدريك ؟ قال : هو ما أقول لكم . وجعل
المغيرة لبحران حاجب عثمان جعلاً على أن يأتيه بخبر من يستعمل
عثمان ؛ إذا استعمل أحداً على الكوفة . فأَتاه فقال : فقد استعمل
سعد بن أبي وقّاص ، فأَى المغيرة عثمان فقال : يا أمير المؤمنين هل
شكاني إليك أحد ، أَو بلغك عني أمر كرهته ؟ قال : وما ذاك ؟
قال : لم عزلْتني واستعملت سعداً ؟ قال : وكان ذاك ؟ قال : نعم .
(١) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٦٩ وانظر سبباً آخر عن خروج حمران إلى العراق في
التمهيد والبيان لوحة ٦٤ ، ٦٥ وتاريخ الطبري ٥ : ٩٠، ٩١ . ط بيروت.

١٠٣١
لابن شبة
قال: ومن أخبرك ؟ قال : الأمر أَشيع(١) من ذاك. فأرسل عثمان
إلى سعد فأتاه ، فقال : هل أعلمت أحداً ؟ قال : لا . فأرسل إلى
المغيرة فقال: والله لتُخبِرَنِيِّ من أَخبرك أَو لأُسيلنَّ دمك (قال (٢) ):
لأُقصن لك ، فأخبره . فدعا ببحران فضربه ستِّين سوطاً ، وحلق رأسه ،
وأمر أَن يُطاف به في السوق . فقال هوذة السلمي :
سِتُون سَوْطاً ورَأْسُ بَعْدُ مَحْلُوق
لا بَعْدَ بُحْرَان يُفْشِي سِرِّنًا ملكٌ
وَطِيفَ في السُّوقِ أَعْلَاهَا وأَسْفَلَها لَمْ يَلْقَهُ قَبْلَهُ في الناسِ مَخْلُوق
قال : فعاب ذلك ناسّ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
فأعتقه .
* حدثنا إبراهيم بن المنذر قال ، حدثنا عبد الله بن وهب
قال ، حدثنا الليث بن سعد ، أُن یزید بن أبي حبیب حدثه ، عمّن
حدثه : أَن عبد الرحمن بن عوف أرسل إلى عثمان رضي الله عنه وهو
مريضٌ يُعاتبه في بعض ما عتب الناس عليه فيه ، وقال لرسوله :
اقرأ على أمير المؤمنين السلام ، وقالْ له: لقد ولَّيْتُك ما ولَيْتُك من
أمر الناس، وإن لي لأُمُوراً ما هي لك؛ لقد شهدت بدراً وما شهدتها،
وشهدتُ بيعة الرضوان وما شهدتها ، ولقد فررتَ يوم أُحُد وصبرتُ .
فقال عثمان لرسوله : اقرأ على أخي السلام وقل له : أَمّا ما ذكرت
من شهودك بدراً وغيبتي عنه ، فقد خرجتُ للذي خرجتّ له فردني
رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطريق إلى ابنته التي كانت تحتي
لما بها من المرض، ووليت من ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
(١) في الأصل (( أشنع)) بنقطة فوق النون - ولعل الصواب ما أثبته .
(٢) إضافة يقتضيها السياق .

١٠٣٢
تاريخ المدينة المنورة
الذي يحق عليّ حتى دفنتها ، ثم لقيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم
مُنْصَرَفَه من بدر فبشّرَني بأجرٍ عند الله مثل أجوركم ، وأعطاني سهماً
مثل سُهْمَانكم ، فأَنا أَفضل أَمْ أَنتم ؟ وأما بيعة الرضوان فإن رسول
الله صلى الله عليه وسلم كان بعثني إلى قريش لأستأذن له بالدخول
بالهَدْي؛ يطوف بالبيت، وينحر بُدْنَه، ويحلّ من عُمْرته،
فاستبطأَّي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخافَ أَن يكون غُدِرَ بي
فهاجه مكاني على بيعة الرضوان ، فلما فرغ من بیعتكم ضرب بإحدى
يديه على الأُخرى وقال : هذه بيعة عثمان ، أَفأيديكم أفضل أَمْ
يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! وأما ما ذكرت من صبرك يوم
أُحد وفِرَارِي فقد كان ذاك ، فأنزل الله العفو عني في كتاب ،
فعيّرْتني بذنب غفره الله لي، ونسيتَ من ذنوبك ما لا تدري أَغْفِر
لك أَمْ لم يُغْفر. فلما جاءه الرسول بهذا بكى. وقال: صَدَقَ والله
أخي : لقد عيّرتُه بذنب غَفَّره الله له ، ونسيت من ذنوبي ما لا أدري
أَغْفِرَت لي أم لم تُغْفر (١).
• حُدِّثْنَا عن ابن أبي شيبة قال ، حدثنا يحيى بن آدم قال،
حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن أبي وائل
قال : لَقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال له الوليد :
مالك لا تأتي أمير المؤمنين - يعني عثمان - ولا تغشاه ؟ فقال له
عبد الرحمن : أَبْلِغْهُ عني أني لم أَغِب عن بدر ، ولم أَفِرّ يوم عُيَيْن
- يعني يوم أحد - ولم أُخالف سنة عمر . قال : فأخبر الوليد عثمان
(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١ : ١٩٦ - والتمهيد والبيان لوحة ١٥١
مع اختصار .

١٠٣٣
لابن شبة
رضي الله عنه فقال : أما يوم بدْر فإنما ( كانت على ابنة رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وقد ضرب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم
فيها بسهم (١))، وأَما يوم عُيَيْن فَلِمَ تُعيّرُني بذنب قد عَفًا الله لي فيه
فقال ((إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَانِ (٢) )) الآية.
وأَما سُنّة عمر رضي الله عنه، فوالله ما أظنني أَنا ولا هو (يطيق (٣))
سُنَّة عُمر رضي الله عنه .
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال ، حدثنا يوسف بن الماجشون
قال ، حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبيه
قال : بينما نحن جلوس مع عبد الرحمن بن عوف في منزله إذا جاء
رجل فسلم فرد عليه عبد الرحمن السلام ، فقال له الرجل : قُمْ إليّ
هاهنا أكلِّمك. فقام معه عبد الرحمن فوقف معه بين الباب والسُّتر،
ثم دخل علينا كأَن وجهه البُسْرُ صرفاً (٤)، فقلت له : لقد دخلت
بوجهٍ ما خرجت به . فقال : أَجل ؛ هذا رسول عثمان دعاني فشتمني
ما شاء ثم ذهب .
* حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا موسى بن عبيدة قال ، حدثنا
عمران بن أبي أنس ، عن مالك بن أنس بن الحَدَثَان قال : جاء
(١) كذا في الأصل، وفي التمهيد والبيان لوحة ١٥١ (( أما يوم بدر فإني كنت
أمرض رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ماتت رضي الله عنها وقد ضرب لي
رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم، ومن ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه
فقد شهد » .
(٢) سورة آل عمران ، آية ١٥٥.
(٣) إضافة يستقيم بها السياق - وانظر مسند أحمد حديث ٤٩٠ - والبداية والنهاية
٧ : ٢٠٧ - وتاريخ اليعقوبي ٢: ١٦٩ - ومنتخب كنز العمال ٥ : ١٤.
(٤) الصرف : صبغ أحمر يصبغ به ( القاموس) .

١٠٣٤
تاريخ المدينة المنورة
أَبو ذرٍّ وأنا جالسٌ مع عثمان رضي الله عنه فسلَّم عليه عثمان رضي الله
عنه وقال : كيف أنت يا أَبا ذرّ ؟ فقال: كيف أنت ؟ وولّ وجهه ،
فاستفتح ((أَلْهَاكُمُ النَّكَاثُر)) رفع بها صوته حتى إن للمسجد لَرَجَّة،
أَو للجة - شك أبو عاصم - قال: فانتهت به القراءةُ إلى سارية فركع
ركعتين فجوّد فيهما ، وركبه الناس - وأنا في الناس - فقالوا :
يا أبا ذرّ حدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : سمعت النبي
صلى الله عليه وسلم يقول : في الإِبل صدقتها والبقر صدقتها ، والغنم
صدقتها ، وفي البِّرِّ صدقته ، ومن جمع دنانير أو دراهم أو تبر
ذهبٍ أَو تَبْر فضةٍ لا ينفقه في سبيل الله ولا يعده لغريم فهو كنز
يُكْوى به يوم القيامة . قال فقلت : يا أبا ذرِ اتَّقِ الله وانظر ما تقول؟
فإن هذه الأَموال قد كُيِزَت في الناس . فقال : يا ابن أخي من أنت؟
فانتسبت له . فقال : قد عرفت نسبك الأكبر . يا ابن أخي ،
أَنقرأ القرآن؟ قلت: نعم قال: أَلَيْس الله يقول ((والَّذِينَ يَكْثِرُونَ
الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا في سَبِيلِ اللهِ (١))) قال قلت: بلى ، قال:
فافْقَه إذن يا ابن أخي (٢).
* حدثنا يزيد بن هارون قال ، أنبأنا محمد بن عمرو ، عن
أبي عمرو بن خماش ، عن مالك بن أنس بن الحدثان قال : كنت
أسمعُ بِأَبِي ذَرّ ، فلم يكن أحدٌ أَحبِّ إِلَيَّ أَن أَراهُ أَو أَلقاهُ منه ، فكتبَ
معاوية إلى عثمان : إنْ كان لّكَ في الشام حاجة فأخرج أَبا ذَرِّ منه؛
فإنه قد نَفْلَ (٣) الناس عندي ، فكتب إليه عثمان رضي الله عنه يأمره
(١) سورة التوبة ، آية ٣٤ .
(٢) طبقات ابن سعد ٤ : ٢١٩ .
(٣) نفل الناس أي أفسدهم (القاموس المحيط ).

١٠٣٥
لابن شبة
بالقدوم ، فلما قدم تصايَحَ الناسُ : هذا أَبو ذرّ ، فخرجتُ أَنظر
إليه فيمن ينظر ، فدخل المسجد فصلّى ركعتين ، ثم أَتى عثمان
رضي الله عنه حتى وقف عليه، فما سَبَّه ولا أَنَّبَه ، فقال له عثمان
رضي الله عنه: أينَ كنتَ حين أُغيرَ على لِقَاحِ رسول الله صلى الله
عليه وسلم ؟ قال : كنت على البئر أَسْتَقِي ، ثم رفع أَبو ذَرِّ بصوته
الأَشَدّ فقال: ((والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلٍ
الله (١) )) إلى آخر الآية. فأَمره عثمان رضي الله عنه أن يخرج إلى
الرَّبَذَة فخرج (٢).
* حدثنا عمرو بن عاصم قال ، حدثنا سليمان بن المغيرة ،
عن محمد بن هلال ، عن ( عبد الله بن الصامت قال : دخلتُ مع أبي
ذَرّ (٣)) على عثمان ( بن عفان(٤) ) فدخلنا عليه من الباب الذي لا يدخل
منه، فانتهى إليه فسلَّمَ عليه فقال: لو أَمَرْتَنِي أَن آخُذَ بعرقُوبَيْ
قَتَبٍ لِأُخذتُ بهما حتى أَموت ؛ فاستأُذنه للرَّيَذَةِ فقال : نَأْذُنُ لك ،
ونأُّمُرُ لك بنعم من نعم الصدقة فتصيب من نسلها (٥) . فنَادَى
أَبو ذّرّ رضي الله عنه: دُونَكم معاشرَ قريش دُنْيَاكُمْ فَاخْزِمُوها (٦)
(١) سورة التوبة ، آية ٣٤ .
(٢) الاستيعاب ١ : ٢١٤، ٤ : ٦٢ - والإصابة ٤ : ٦٣ - والبداية والنهاية
٧ : ١٦٤ - وأسد الغابة ١ : ٣٠١ - ونهاية الأرب ١٩ : ٤٤٢ - وتاريخ الطبري ٥ :
٢٨٥٩ ط بيروت - والعواصم من القواصم ٣ : ٧٣ - ٧٦.
(٣) بياض في الأصل بمقدار ثلث سطر والمثبت من طبقات ابن سعد ٤ : ٢٣٢ -
والتمهيد والبيان لوحة ٦٧ .
(٤) بياض بالأصل بمقدار كلمتين والمثبت عن المرجعين السابقين .
(٥) كذا في الأصل ، وفي طبقات ابن سعد ٤ : ٢٣٢ «رسلها)).
(٦) كذا في الأصل، وفي طبقات ابن سعد ((فاعلموها)) بمعنى ادفعوها عن أنفسكم
وما في الأصل أوفق السياق .

١٠٣٦
تاريخ المدينة المنورة
فلا حاجة لنا فيها ، فما زاد على ذلك شيئاً . فانطلق وانطلقتُ حتى
قدمنا الرََّذّةِ، فإِذا عليها حبشي مَوْلَّى لعثمان رضي الله عنه ، فُنُودِيّ
للصلاة فتَقّدَّم فَنَكَصَ فَأَوْمَى إليه أَبو ذَرِّ رضي الله عنه، فَتَقَدَّمَ
فصلَّى. فَصَلَّى خلْفَه أَبو ذَرِّ رضي الله عنه (١) .
حدثنا هارون بن معروف قال ، حدثنا ضمرة بن ربيعة قال ،
٠
ابن شوذب حدثنا ، عن مطرف ، عن حميد بن هلال ، عن عبد الله
ابن الصامت قال : دخلتُ مع أبي ذَرِّ رضي الله عنه على عثمان رضي
الله عنه . قال : وعلى أبي ذَرِّ عمامةٌ فرفعَ العمامةَ عن رأْسِهِ وقال: إني
والله يا أمير المؤمنين ما أَنا منهُم - قال ابن شَوْذَب: يعني من الخوارج
ولو أَمَرْتَنِي أَنْ أَعض على عرقوبَيْ قتَب لعضّضْتُ عليهما حتى يأتيني
الموتُ وأَنا عاضٍّ عليهما. قال: صدقتَ يا أبا ذر، إِنَّا إِنما أَرْسَلْنا
إليك لخيرٍ ؛ لتجاورنا بالمدينة . قال : لا حَاجَة لي في ذاك ، إِيذَن لي
فِي الرَّبَدَة. قال: نعم ، ونأُر لكَ بنَعَمِ من نعَم الصدقة تغدُو عليك
وتَرُوح . قال : لا حاجة لنا في ذاك ، يكفي أَبا ذَرِّ صِرْمَتَه (٢) . قال
ثم خرج ، فلما بلغَّ الباب الثَّفتَ إليهم فقال: يا مَعَاشِرَ قريش
اعذّمُوها ودَعُونا وديننا .
قال: ودخل عليه وهو يقسم مالَ عبد الرحمن بن عوف رضي الله
عنه بين ورثته وعنده كَعْبُ (٣) فأَقبل عثمان رضي الله عنه فقال :
يا أبا إسحاق ما تقولُ في رجلٍ جمعَ هذا المال فكانَ يتصدَّقُ منه ،
(١) طبقات ابن سعد ٤: ٢٣٢ - تاريخ الطبري ٥ : ٢٨٦١، ٢٨٦٢ ط بيروت.
(٢) الصرمة : القطعة من الإبل ، وقيل آخر اللبن واللسان ،
(٣) هو كعب الأحبار كما في حلية الأولياء ١: ١٦ - وشرح نهج البلاغة ٣: ٥٤.

١٠٣٧
لابن شبة
ويحملُ في السبيل، ويصلُ الرَّحِمَ؟ فقال: إني لأرجو له (خيراً (١))
فَغَضِبَ أَبو ذَرِّ ، ورفعَ عليه العَصَّى وقال : ما يُدْرِيكَ يا ابن اليهودية
لَيَوَدَّن صاحب هذا المال يوم القيامة أن لو كان عقارِبَ تَلْسَعُ السُّوَيْدَاء
من قلبه (٢) .
* حدثنا حجاج بن نصير قال ، حدثنا قُرَّة ، عن محمد بن
سيرين قال : خرج أبو ذَرِّ رضي الله عنه إلى الشام"، فشكاهُ معاويةُ
رضي الله عنه ، فبعث عثمان رضي الله عنه إليه ، فلما قَدِمَ عليه
قال : يا أمير المؤمنين إني والله لست منهم . قال : أجل ، ولكنما
أردنا أَن تَرُوحَ عليك اللقاحُ وتغدو. قال: لا حاجةً لي في دُنيا كم .
فخرج حتى أَتَى الرََّذَة . فكان محمد إذا ذُكِرَ لَهُ أَن عثمان رضي الله
عنه سَيَّرَه أَخذه أَمرٌ عظيم ، ويقول : هو خرج من قِبَلِ نفسه ولم
يُسَيِّرْه عثمان (٣) .
* حدثنا الحكم بن موسى ، وهارون قالا ، حدثنا ضمرة بن
ربيعة ، عن غالب القطان قال ، قلت للحسن : عثمان أُخرج أبا ذر ؟
قال : لا ، معاذ الله (٤).
* حدثنا محمد بن حاتم ، وأحمد بن معاوية ( عن (٥)) هشيم
(١) إضافة يقتضيها السياق .
(٢) طبقات ابن سعد ٤: ٢٣٢ - حلية الأولياء ١ : ١٦٠ - تاريخ الطبري
٥ : ٢٨٦٠ - شرح نهج البلاغة ٢: ٣٧٦، ٣: ٥٤ - مروج الذهب ١ : ٣٣٦ -
ونهاية الأرب ١٩ : ٤٤٣ - والتمهيد والبيان لوحة ٧٠ .
(٣) تاريخ الطبري ٥ : ٢٨٥٩ - أنساب الأشراف ٥ : ٥٣ - وشرح نهج
البلاغة ٣ : ٥٢ - وتاريخ الخميس ٢ : ٣٦٩.
(٤) وبمعناه من أنساب الأشراف ٥ : ٥٤ .
(٥) بياض بالأصل والمثبت عن شرح نهج البلاغة ٣ : ٥٣ .

١٠٣٨
تاريخ المدينة المنورة
عن ( حصين ، عن زيد ) بن وهب قال : مررت بالزبذة فإذا أنا
بأبي ذر فقلت : ما أنزلك منزلك هذا ؟ قال : كنت بالشام ، فاختلفت
أَنا ومعاوية في هذه الآية ((والذِينَ يَكْتِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةٌ وَلَا
يُنْفِقُونَهَا في سَبِيلِ اللهِ(١))) فقال معاوية: نَزَلَتْ في أَهلِ الكتاب ،
وقُلْتُ أَنا : نَزَلَت فِينا وفيهِمْ ، فكان بَيْنِي وبَيْنَه كلامٌ في ذلك ،
فكتب إلى عثمان رضي الله عنه يشكوني ، فكتب إليَّ عثمان أن أقدم
المدينة، فقدمْتُها ، فَكَثُرَ الناسُ عليّ حتى كأنهم لم يَرَوْني قَبْلَ ذلك .
فذكرتُ ذلك لعثمان رضي الله عنه فقال : إن شِئْتَ تَنَحَّيْتَ وكنتَ
قريباً ؛ لذلك أَنْزَلَي هذا المنزل، ولو أَمّروا عليٍّ حبشياً لسَمِعْتُ ،
وَأَطَعْتُ (٢).
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال ، حدثنا الحكم بن أبي القاسم
أبو عروة الدباغ قال ، حدثني حميد بن هلال ، عن الأحنف بن
قيس قال: كنت بالمدينة لنَأْتِيَ عثمانَ رضي الله عنه إذْ خَرَج رجَلٌ
من دارِ الأَمير ، فلما توسِّطَ المسجد وقريشُ حلق حلق في المسجد قال :
أَلا ليبشر أَهل الكُنُوزِ بِكِيٌّ فِي جِبَاهِهِم، والكَيِّ في جُنُوبِهِم، والكيِّ
في ظُهُورِهم لم تُعْذَر قريش. فقلت: من هذا؟ قالوا: أَبو ذَرٍّ .
* حدثنا زهير بن حرب قال ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ،
عن عمرو بن مُرة ، عن أبي نضرة ، عن الأحنف بن قيس قال :
كنت في مسجد المدينة في إمارة عثمان رضي الله عنه فإذا رجلٌ آدم
(١) سورة التوبة ، آية ٣٤ .
(٢) طبقات ابن سعد ٤: ٢٢٦ - ومروج الذهب ١ : ٣٣٦ - والاستيعاب
١ : ٨٣ - ونهاية الأرب ١٩ .: ٤٤٦ - والتمهيد والبيان لوحة ٦٨ -

١٠٣٩
لابن شبه
طويلٌ، وإذا هو أَبو ذّر ، فدخلَ المسجدَ فقام فقال: بَشِّرْ أَصحابَ
الكنوز بِكَيِّ في الجباه ، وكَيٌّ في الجنوب ، وكيٍّ في الظهور حتى
يتَّقِيّ الحَرْقَ إِخوانُهم .
* حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال،
أخبرني هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم : أن عثمان رضي الله عنه
أَرْسَلَ إِلى أَبِي ذَرِّ وهو بالشام، فلما أَتَاهُ قال: إِيذَنْ لي يا أمير المؤمنين
أَتَكَلَّم، قال : اجْلِسْ ، ثم أَعادها عليه ، فقال له : اجْلِسْ ، ثم
أعادها الثالثة فقال يا أمير المؤمنين إيذَنْ لي فو الله لا أَقولُ إِلا خيْرًا.
قال : تكلّم . قال : إني سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول :
كيف بك يا أبا ذرٍّ إذا أُخْرِجْت ؟ فبكيتُ فقلتُ: فَأَيْن تأمرني
يا رسول الله؟ قال: ما هُنَا، وأَشَارَ نحو الشَّام، وإِنْ أُمُّرَ عَلَيْك
عبدٌ أَسْوَدُ مجَدَّعٌ فاسمع له وأَطِعْ (١) .
* حدثنا كثير بن هشام قال ، حدثنا جعفر بن برقان ، عن
ميمون بن مهران ، وثابت بن الحجاج وغيرهما : أَن أَبا ذَرٍّ رضي
الله عنه جاء عثمان بن عَفَّان رضي الله عنه حتى ارتفعت أصواتُهما،
ثم إن أَبًا ذَرِّ انصرف وهو يبتسم ، فقال الناس: ما لَكَ ولِأَمير
المؤمنين ؟ فقال : سامحٌ مطيعٌ ولو أَمَرَني أَنْ آتي صنعاء لأُّثيتُها .
* حدثنا إسحاق بن إدريس قال ، حدثنا بكار بن عبد الله
الربعي قال ، حدثنا موسى بن عبيدة قال ، حدثني الوليد بن نفيع ،
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : جاء أبو ذرِّ رضي الله عنه
(١) مسند أحمد ه : ١٧١ - وتاريخ الطبري ٥ : ٢٥٦١، ٢٥٦٢ - وطبقات
ابن سعد ٤ : ٢٢٦ .

١٠٤٠
تاريخ المدينة المنورة
يستأُذِنُ على عثمان رضي الله عنه - وأَنا عِنْدَه - فقلتُ : يا أمير
المؤمنين، هذا أَبو ذَرٍّ يستأُذن . قال : إِيذَن له إِنْ شئت فإنه يُؤْذينا
ويُثْقِينا . قال : فأَذِنْتُ له ، فأقبل حتى قعد على سريرٍ من سُرُر
يقال لها النَّجْدِيةِ ذِي قَوَائِمِ أَرْبَع يرجُف به السَّرِيرُ مِن طُولِه وعِظَمِهِ
- وكان طويلاً عظيماً - فقال له عثمان رضي الله عنه : أنتَ الذي
تَزْعُمْ أَنّك خيرٌ مِنْ أَبِي بكر وعُمَر ؟ ! قال أَبو ذَرِّ رضي الله عنه :
ما قُلْتُ هذا . قال عثمان: إني أُقيم عليك البَيِّنَة . قال : ما أَدْرِي
ما بَيِّنَتُك قد عرفت ما قلت ، قال : فكيف قلت ؟ قال : قلت إن
رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلم قال: إن أحبّكم إليَّ وأقربكم مني الذي
يأُخذ بالعَهْدِ الذي تَرَكْتُهُ عَلَيْه حتى يَلْحَقَي . وكلكم قد أَصَابَ
مِنَ الدُّنْيَا غَيْرِي؛ فأَنا على العَهْدِ وعلى اللهِ البلاغُ . قال له عثمان
رضي الله عنه : الْحَق بمعاوية، فَأَخْرَجَه إِلى الشّام، فلَمّا قَدِمَ على
معاوية رضي الله عنه قَدِمَ رجلٌ حديثُ العَهْدِ بِرَسُولِ الله صلى الله عليه
وسلم فَأَخَذَ بقُلُوبِ النّاس فأَبكى عيونهم ، وأَوغر (١) صدورهم ،
وكان فيما يقول : لا يَبْقَيَنَّ في بيت أَحد منكم دينارٌ ولا دِرْهَمٌ
ولا تبرٌ ولا فِضَّة إِلا شيءٍ يُنْفِقُه في سبيل الله أَو يعدّه لغَريم . فأُنكر
معاوية رضي الله عنه الناسَ، فبعثَ إِليه معاويةُ رضي الله عنه جُنْحَ
الليلِ بأَلْفِ دينارٍ أَرادَ أَن يُخَالِفَ فِئْلُه قَوْلَه وسريرته علانيته . فلما
جاءه الرسولُ قسّم الأَلْف فلم يُصْبِحْ عِنْدَه منها دينارٌ ولا دِرْهُمُ .
فلمّا أَصْبَحَ معاوية رضي الله عنه دعَا الرَّسولَ فقال له : انْطِلِقْ إِلى
أَبي ذَرِّ فَقُل له : أَنْقِذْ لي جَسَدِي مِن عَذَابِ مُعَاوية أَنْقَذَ اللهُ جَسَدَك
(١) في الأصل كلمة لا تقرأ ، والمثبت عن أواخر هذا الخبر .