النص المفهرس
صفحات 861-880
٨٦١ لابن شبة موافقته في أسرى بدر · عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : لما كان يوم بدر جيء بالأسرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما تقولون في هؤلاء ؟) فقال أبو بكر : يا رسول الله ، قومك وأهلك ، استبقهم واستأن بهم لعل الله أن يتوب عليهم، وخُذْ منهم فديةً تكون لنا قُوَّةً على الكفار . وقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله كذَّبُوك وأَخْرَجُوك، قَدِّمْهُم تضرب أعناقهم ، مَكِّنْ علياً من عقيل يضرب عنقه ، ومكنِّي من فلان - نسيب لعمر - فأَضرب عنقه ؛ فإنَّ هؤلاء أئمة الكفر . وقال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله انظر وادِياً كثيرَ الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرم عليهم ناراً . فقال له العباس : قطعتَ رَحِمَك. فسكتّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبهم ، ثم دخل ، فقال ناسٌ: يأخذ بقول أبي بكر ، وقال ناس : يأخذ بقول عمر ، وقال ناس يأخذ بقول عبد الله بن رواحة . ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((إن الله ليلين قلوبَ رجالٍ حتى تكون أَلْين من اللَّبن ويشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة ، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال: ((فمن تبعني فإِنه مِنِّي ومَنْ عَصَّانِي فإنَّك غَفُورٌ رَحِيمٌ (١))) ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى قال: ((إن تعذبهم فإنهم عبادُك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (٢)))، وإن مثلك يا عمر مثل نوح قال «رَبِّ لا تَذر عَلى الأَرض مِن الكافرين دَیَّارًا(٣)) (١) سورة إبراهيم، آية ٣٦. (٢) سورة المائدة ، آية ١١٨ . (٣) سورة نوح ، آية ٢٦ . ٨٦٢ تاريخ المدينة المنورة ومثلك مثل موسى قال: ((رَبِّنَا الْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِم واشْدُد عَلَى قُلُوبِهِم (١) )) الآية. ثم قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((أنتم اليومَ عالةٌ فلا يفلتن منهم أحدٌ إِلاَّ بغداء أو ضرْبِ عُنُق، قال عبدالله ابن مسعود : إِلا سُهَيْلَ بنَ بيضاء فإني سمعته يذكر الإِسلام ، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيتني في يوم أَخوف من أن تقع عَلِيّ الحجارة من السماء من ذلك اليوم حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إِلا سهيل بن بيضاء)) قال ابن عباس، قال عمر بن الخطاب: فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت . فلما كان من الغد جئتُ فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدان يبكيان . قلت : يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك ، فإن وجدتُ بكاءً بكيت ، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أبكي للذي عرض عَليّ أصحابُك من أخذهم الفداء ، لقد عُرِض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة من رسول الله - وأنزل الله تعالى : ((مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ في الأَرْض - إلى قوله - فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا (٢) )). موافقته في تحريم الخمر : • عن أبي ميسرة ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : لما نزل تحريم الخمر قال : اللهم بَيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً . (١) سورة يونس ، آية ٨٨ . (٢) سورة الأنفال، الآيتان ٦٧ ، ٦٨، والمثبت عن معالم التنزيل للبغوي ٤: ٩٣ وورد باختصار في الروض الأزهر لوحة ١٩ وما بعدها ، ومجمع الزوائد ٩ : ٩٨ . ٨٦٣ لابن شبة فنزلت هذه الآية التي في سورة البقرة: ((يُسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ والْمَيْسر قُلْ فيهمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا (١))). فدعي عمر فقرئت عليه فقال : اللهم بَيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً ، فنزلت الآية التي في سورة النساء: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُم سُكَارَى (٢))). فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أُقام الصلاة نادَى : أَنْ لَا يَقْرَبَنَّ الصلاةَ سَكْرَان . فدعي عمر فقرئت عليه فقال : اللهم بَيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً ، فنزلت الآية التي في المائدة: (( يَا أَيُّهَا الَّذين آمَنُوا إِنَّمَا الْخَيْرُ وَالْمَيْسرُ والأَنْصَابُ وَالأَزْلَامُ رجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَان فَاجْتَنْبُوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ في الْخَيْرِ والمَيْسر وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّه وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٣))، فدعي عمر فقرئت عليه فلما بلغ - ((فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)) فقال عمر : انتهينا يا ربّ انتهينا (٤). موافقته في ترك الصلاة على المنافقين : * عن ابن عباس قال : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : لم تُوُقِّيَ عبدُ الله بن أُبَيّ دُعيَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه ، فقام إليه ، فلمَّا وقفَ عليه يريدُ الصلاة تحولتُ حتى قُمْتُ في صدره فقلت: يا رسولَ الله، أَعلى عَدُوِّ اللّه عبد الله بن أُبَّيّ (١) سورة البقرة آية ٢١٩ . (٢) سورة النساء آية ٤٣ . (٣) سورة المائدة الآيتان ٩٠ ، ٩١ . (٤) عن تفسير ابن كثير ٣ : ٢٢٥، ومسند أحمد ١ : ٥٣، وباختصار من تاريخ الخلفاء ص ١٢٢ . ٨٦٤ تاريخ المدينة المنورة القائل يوم كذا : كذا وكذا ؟ - يُعَدِّدُ أَيَّامه - قال ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم حَتَّى إذَا أَكْثرت عليه قال: ((أَخّر عني يا عمر ؛ إني خُيِّرْتُ فاخترتُ، قد قيل لي: ((اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُم إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ (١)))، لو أَعلم أَني لو زدت على السبعين غُفرَ له لَزَدْتُ)). قال ثم صلَّى عليه. ومشى معه ، وقام على قَبْره حتى فرغ منه ، قال : فعجبتُ من جرأَتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ورسوله أعلم . قال فوالله ما كان إلا يسيراً حتّى نَزَلَتْ هَاتَان الآيتان: ((وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِه (٢) )) فَمَا صَلَى رَسُولُ اللّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَهُ عَلَى مُنَافِقٍ وَلَا قَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ. موافقته في الاستئذان : * قال ابن عباس رضي الله عنه: وجّهَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم غلاماً من الأنصار يقال له مولج بن عمرو إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقت الظهيرة لَيَدْعُوَه فدخل فرأى عمر بحالة ، فكره عمرُ رُوَيْتَه ذلك، فأنزل الله: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاة الفَجْر وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمنَ بَعْد صَلَّة العَشَاءِ (٣))). (١) سورة التوبة، آية ٨٠ . (٢) سورة التوبة ، آية ٨٤ . (٣) سورة التوبة ، آية ٥٨ . والمثبت عن معالم التنزيل البغوي ٦ : ١٤٢، وسيرة عمر ٢ : ٣٧٨، وتاريخ الخلفاء ١٢٤ مع اختلاف يسير . ٨٦٥ لابن شبة موافقات أخرى : • عن عروة بن رويم قال: لما أنزل الله على رسوله: ((ثُلَّةٌ مِنَ الأَوِّينَ، وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ (١))) بكى عمر رضي الله عنه . فقال يا نّبِيّ الله، آمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقناه . ومن ينجو منا قليل. فأنزل الله عز وجل: ((ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ، وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ(٢)) فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر فقال: ((قد أُنزل الله عزّ وجلّ فيما قلت )) فقال عمر رضي الله عنه : رضينا عن ربنا وتصديق نبينا(٣) . • عن أنس قال ، قال عمر - يعني ابن الخطاب - رضي الله عنه: وافقتُ رَبِّي في أَربع؛ نزلت هذه الآية: ((وَلَقّدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِين)) ... الآيات فقلت أنا: ((فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ، فنزلت: ((فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقِين (٤) )). * عن الشعبي قال: نزل عمرُ الرَّوْحاء فرأى رجالاً يبتدرون أحجاراً يُصَلُّونَ إِليها، فقال: مَا بَالُ هؤلاء ؟ قالوا : يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ها هنا ، قال : فكفّر ذلك وقال : أينما رسول الله صلى الله عليه وسلم أدر كته الصلاة بواد صلَّاها ، ثم (١) سورة الواقعة ، الآيتان ١٣، ١٤ . (٢) سورة الواقعة ، الآيتان ٣٩، ٤٠ . (٣) عن معالم التنزيل البغوي ٨: ١٩٧، وورد باختصار في سيرة عمر ٣٧٨:٢ ، وتاريخ الخلفاء ص ١٢٤ . (٤) سورة ((المؤمنون))، الآيات من ١٢-١٤. والمثبت عن تفسير ابن كثير ١١:٦، وسيرة عمر ٢ : ٣٧٩، ومنتخب كنز العمال ٤ : ٣٧٨، ومجمع الزوائد ٩ : ٦٨ مع اختلاف يسير . ٨٦٦ تاريخ المدينة المنورة ارتحل فتركه ، ثم أنشأً يحدثهم فقال : كنت أشهد اليهود يوم مدارسهم فأعجب من التوراة كيف تصدِّق القرآن ، ومن القرآن كيف يصدّق التوراة . فبينما أنا عندهم ذات يوم قالوا : يا ابن الخطاب ، ما من أصحابك أحب إلينا منك . قلت : ولم ذلك ؟ قالوا : لأَّنك تغشانا وتأتينا . فقلت: إني آتيكم فأعجب من القرآن كيف يصدّق التوراة ، ومن التوراة كيف تصدق القرآن . قالوا : ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا ابن الخطاب ذاك صاحبكم فالحق به . قال فقلت لهم عند ذلك : نشدتكم بالله الذي لا إله إلا هو وما استرعاكم من حقه وما استودعكم من كتابه ، هل تعلمون أنه رسول الله ؟ قال: فسكتوا . فقال لهم عالمهم و کبیرهم : إنه قد غلظ عليكم فأجيبوه . قالوا: فأَنت عالمنا وكبيرنا فأَجبه أَنت. قال: أما إذ نشدتنا بما نشدتنا فإِنا نعلم أنه رسول الله. قلت: ويحكم إِذًا هلكتم . قالوا : إِنا لم نهلك . قلت : كيف ذلك وأنتم تعلمون أنه رسول الله ولا تتبعونه ولا تصدقونه ؟ قالوا : إِن لنا عدواً من الملائكة وسلما من الملائكة ، وإنه قرن بنبوته عدونا من الملائكة . قلت : ومن عدوكم ومن سلمكم ؟ قالوا : عدونا جبريل وسلمنا ميكائيل . ثم قالوا : إِن جبرائيل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار والتشديد والعذاب ونحو هذا ، وإن ميكائيل ملك الرحمة والرأفة والتخفيف ونحو هذا . قال ، قلت : وما منزلتهما من ربهما عزّ وجلّ ؟ قالوا : أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره . قال ، قلت : فو الذي لا إله إلا هو إنهما والذي بينهما لعدو لمن عاداهما وسلم لمن سالمهما . وما ينبغي لجبرائيل أن يسالم عدو ميكائيل ، وما ينبغي لميكائيل أن ٨٦٧ لابن شبة يسالم عدو جبرائيل . قال : ثم قمت فاتبعت النبي صلى الله عليه وسلم فلحقته وهو خارج من خوخة لبني فلان ، فقال : يا ابن الخطاب ألا أُقرئك آيات نزلن قبل؟ فقرأَ عليّ: (( من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله (١) )) حتى قرأ الآيات . قال ، قلت : بأبي وأمي أنت يا رسول الله والذي بعثك بالحق لقد جئت وأنا أريد أن أُخبرك وأنا أسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر (٢) . · عن نافع مولى ابن عمر ، عن عبد الله بن عمر أنه قال : كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحيّنون الصلوات وليس يُنادي بها أحد ، فتكلموا يوماً في ذلك فقال بعضهم : اتخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى ، وقال بعضهم : قَرْناً مثل قَرْنِ اليهود . فقال عمر : أولا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا بلال قم فناد بالصلاة (٣) ) . • عن أبي عبد الله بن زيد قال: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس يعمل ليضرب به الناس في الجمع للصلاة ، أَطاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً في يده ، فقلت له : : يا عبد الله أتبيع الناقوس ؟ قال : وما تصنع به ؟ فقلت : ندعو به إلى الصلاة . قال: أَفلا أَدلّك على ما هو خير من ذلك؟ قلت: بلى. قال: تقول: (١) سورة البقرة ، آية ٩٧ . (٢) عن تفسير ابن كثير ١: ٢٤١، وفي معالم التنزيل ١: ٢٣٩، وسيرة عمر ٢ : ٣٧٩، وتاريخ الخلفاء ص ١٢٤ باختصار واختلاف بينها يسير . (٣) عن صحيح مسلم ١: ٢٨٥ وسنن النسائي ٢: ٣، وصحيح الترمذي ١ : ٣٠٦، والسنن الكبرى للبيهقي ١ : ٣٩٠. ٨٦٨ تاريخ المدينة المنورة الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله . حيّ على الصلاة ، حيّ على الصلاة . حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح. الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله . ثم استأُخر غير بعيد قال : ثم تقول : إذا أُقمت الصلاة : الله أكبر ، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله . فلما أَصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ما رأيت . فقال: ( إنها لرؤيا حقّ إن شاء الله تعالى. فقم مع بلال فأَلق عليه ما رأيتَ فليؤذِّن به . فإنه أَندى صوتاً منك ) فقمت مع بلال فجعلت أُلقيه عليه ويؤذّن به ، فسمع بذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجر رداءه ويقول : والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما أرى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلله الحمد (١). ( مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأمر الشورى ) . حدثنا أبو داود قال ، حدثنا المسعودي قال ، حدثنا سعيد ابن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي(٢) قال : رأيت رويًا في حياة أبي بكر رضي الله عنه كأن شيئاً نزل من السماء فجعل الناس يتطاولون ففضل النّاسَ عمرُ رضي الله عنه بثلاثة (١) عن السنن الكبرى للبيهقي ١ : ٣٩٠، ومسند أحمد بن حنبل ٤ : ٤٣، وباختصار في سنن الترمذي ١ : ٣٠٥ . (٢) هو عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي ، يكنى أبا عبد الرحمن ، ويقال أبو حماد ، أول مشاهده خيبر ، وكان معه راية أشجع يوم الفتح ، سكن الشام وعمر كثيراً حتى مات في خلافة عبد الملك بن مروان سنة ٧٣ هـ بدمشق (الاستيعاب ٣: ١٣١، أسد الغابة ٤ : ١٥٦). ٨٦٩ لابن شبة أذرع. فقلت: فيم ذاك ؟ فقيل: إنه خليفة من خلفاء الله في الأرض ، وإنه لا تأخذه في الله لومة لائم ، وإنه يُقْتَلُ شهيداً ، قال : فقدمتُ على أبي بكر رضي الله عنه فقصصتها عليه ، فلما أتيت على هذا الموضع : إنه خليفة من خلفاء الله في الأرض ، قال عمر رضي الله عنه : كل ذلك يرى النائم لمكان أبي بكر رضي الله عنه - فلما استخلف عمر رضي الله عنه أتى الجابية، فبينما هو يخطب إذ رأى عوف ابن مالك فكره أن يدعوه فأَوْمَى إليه أن يجلس ، وخاف أن ينساه ، فلما فرغ من خطبته قال : يا عوف أُقصص بقية روّياك ، قال : أوليس قد كرهتها ؟ قال : خدعتك أيها الرجل ، فقص ، فلما قال إنه خليفة من خلفاء الله في الأرض قال عمر رضي الله عنه قد أُوتيتُ ما تَرَوْنَ، وأَما قولك لا أخاف في الله لومة لائم فإني أرجو أن يعلم الله ذلك مني ، وأما قولك إن عمر يُقتل شهيداً فَأَنَّى لي بالشهادة وأنا في جزيرة العرب (١) ، ولقد رأیت مع ذلك أَن دیکاً پنقر سُرتي فما أَمتنع منه بشيء . * حدثنا عمرو بن قسط الرقي قال ، حدثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الملك بن عمير ، عن أبي بردة بن أبي موسى قال أي عوف ابن مالك كأن الناس اجتمعوا في صعيد واحد ، فإذا رجل قد علا الناس بثلاثة أذرع ، قال : فقلت من هذا ؟ قالوا عمر بن الخطاب ، فقلت : لِمَ يعلوهم ؟ قالوا : إن فيه ثلاث خصال : لا يخاف في الله لومة لائم ، وإنه شهيد مستشهد ، وإنه ( خليفة (٢) ) مستخلف ، فأتى (١) الإضافة عن مناقب عمر لابن الجوزي ص ٢٣١ ، (٢) الإضافة عن طبقات ابن سعد ٣ : ٣٣١ . ٨٧٠ تاريخ المدينة المنورة عوف أبا بكر رضي الله عنه فأخبره ، فأرسل أبو بكر إلى عمر رضي الله عنهما ليبشره ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : أُقصصها عليه فلما بلغ خليفة مستخلف انتهره عمر رضي الله عنه فأُسكته فلما وُلِّيَ عمرُ رضي الله عنه انطلق إلى الشام فبينما هو يخطب إذ رأى عوف ابن مالك فدعاه فصعد معه المنبر فقال له : اقصص روياك ، فقصها فقال: أَمَّا أَني لا أخاف في الله لومة لائم فإني أرجو أن يجعلني الله فيهم ، وأَما خليفة مستخلف فقد استخلفت ، فأَسأل الله أن يعينني على ما وَلَأَّني، وأَما شهيد مستشهد فَأَنَّى لي بالشهادة وأَنا بين ظهراني جزيرة العرب ؟ لست أَغزو والناس (حولي ؟ ثم قال: ويلي ويلي(١))، بل يأتي بها الله إن شاء الله . * حدثنا موسى بن إسماعيل قال ، حدثنا حماد بن سلمة قال ، حدثنا ثابت البناني ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه : أَن عوف بن مالك قال لأبي بكر الصديق رضي الله عنه : رأيت فيما يرى النائم كأَن سَبَباً دُلِّيَ من السماء فانتُشْطَ (٢) رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دُلِّيَ فَانْتُشْطَ أَبو بكر رضي الله عنه ثم ذرع الناس حول المنبر ففضل عمرُ رضي الله عنه الناسَ بثلاث أذرع ، فقال عمر رضي الله عنه: مّه ، دعنا منك لا أرب لنا في رؤياك ، فلما مات أبو بكر رضي الله عنه واستخلف (١) بياض بالأصل، والمثبت عن طبقات ابن سعد ٣ : ٣٣١ . (٢) انتشط : يقال انتشطه أي جذبه إليه ورفعه ، قال صاحب اللسان : ومنه حديث عوف بن مالك قال : رأيت سبباً من السماء دلى فانتشط النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم أعيد فانتشط أبو بكر رضي الله عنه أي جذب إلى السماء ورفع إليها (لسان العرب ٩ : ٢٩٢ - أقرب الموارد ٢ : ١٣٠٢). ٨٧١ لابن شبة عمر رضي الله عنه قال عمر : روياكَ يا عوف ، قال : وهل لك في روياي من حاجة ؟ ألم تنهرني ؟ قال : كرهت أن تنعى لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم نَفْسَه ، فقال : رأيت كذا ورأيت كذا ؛ فقص عليه الرؤيا كما رآها ، فقيل : ما هذه الثلاث الأذرع التي فضل بها عمر رضي الله عنه الناس إلى المنبر ؟ فقيل : أَما ذراع فإنه كائن خليفة ، وأما الثانية فإنه لا يخاف في الله لومة لائم ، وأما الثالثة فإِنه شهيد . فقال: يقول الله: (( ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائفَ في الأَرْض من بعدهم لنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُون (١))) هيه : فقد استخلفت يابن أم عمر ، فانظر كيف تعمل ؟ وأَما الشهادة فَأَنَّى لعمر بالشهادة والمسلمون يضيعون به؟ ثم قال: أَمَا وإن الله على ما يشاء لقادر ، وأما قوله ولا يخاف في الله لومة لائم فما شاء الله . * حدثنا عثمان بن عمر بن فارس (٢) قال ، حدثنا أسامة ابن زيد ، عن مكحول ، عن سعد بن مالك قال : رأيت فيما يرى النائم في عهد أبي بكر رضي الله عنه ستاراً نزل من السماء ، بقدر الناس ، ففضلهم عمر رضي الله عنه بثلاث قصبات ، قالوا بالخلافة والشهادة ، وأنه لا تأخذه في الله لومة لائم ، قال : فعدوت بها على عمر رضي الله عنه فقال: فيم أنا وأحلام ((طسم)) فلما استخلف قدم علينا يضع الناس مواضعهم ، فأرسل إليّ فقال : ما فعلت الرؤيا ؟ قلت: زَعَمْتَ أَنها أَحلام ((طسم)) فَلمّ تسألني عنها ؟ قال : إِنك (٢) سورة يونس ، آية ١٤ . (١) هو عثمان بن عمر بن فارس العبدي - أبو محمد النجاري ، نزيل البصرة ، وثقه ابن معين ، مات سنة ٢٠٩ هـ أو ٢٠٧ هـ (الخلاصة الخزرجي ٢٦٢ ط بولاق). ٨٧٢ تاريخ المدينة المنورة أخبرتني بها وأبو بكر رضي الله عنه حيّ، ولأَن أقرَّب فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من سخط الله أحب إليّ من أن أكون على قوم فيهم أبو بكر رضي الله عنه . * حدثنا عثمان بن عبد الوهاب بن عبد المجيد قال ، حدثنا أبي ، عن محمد بن عمرو بن علقمة ، عن يحيى بن عبد الرحمن ابن حاطب قال ، قال ربيعة بن أمية : رأيت هذا هلك ، وكانت بعده لأبي بكر فقال بفيك الحجر يبقيه الله ويُمتعنا به . · حدثنا يحيى بن سعيد قال ، حدثنا حفص بن ميسرة ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن حفصة بنت عمر رضي الله عنها : سمعت عمر رضي الله عنه يقول : اللهم ارزقني قَتْلاً في سبيلك ، ووفاةً ببلد نبيك ، قالت حفصة رضي الله عنها: أَنَّى لك ذلك يا أَبه ؟ قال : إن الله بأتي بأمره أَنَّى شاء(١). * حدثنا يزيد بن هارون قال ، أخبرني يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب : أَن عمر رضي الله عنه أتى البطحاء فكوّم كومة من بطحاء ثم طَرَح عليها طرف ثوبه واستلقى ، ثم رفع يديه إلى السماء ثم قال : اللهم كَبَرَتْ سنِّي وضَعُفَتْ قُوّتِي، وانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي، فاقبضني إليك غير مُضَيِّع ولا مُفَرّطٍ ، ثم أتى المدينة فخطب ، الناس فقال: يا أيها الناس سُنَّت لكم السُّنْن، وفُرضّت لكم الفرائض ، وتُركْتُم على الواضحة ، ثم صفّق بيمينه على شماله إلا أن تضلوا بالناس شمالاً ويميناً (٢). (١) وانظره في طبقات ابن سعد ٣ : ٣٣١ والرياض النضرة ٢ : ٩٠ . (٢) وهو بأطول مما هنا في طبقات ابن سعد ٣: ٣٣٤، ومناقب عمرلابن الجوزي = ٨٧٣ لابن شبة * حدثنا سليمان بن داود الهاشمي قال ، أَنبأَنا إبراهيم بن سعد ( الزهري (١)) عن الزهري ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله ابن أبي ربيعة ، أنه حدثه عن أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما ، أنها أخبرتها عن عائشة رضي الله عنها : أَن عمر أذن لأَزواج النبي صلى الله عليه وسلم فَحَجَجْنَ في آخر حجة حَجَّها عمرُ رضي الله عنه ، قالت : فلما ارتحل عمرُ رضي الله عنه من الحصبة من آخر الليل أَقبل رجلٌ مُتَلم وقال ، وأَنا أَسمع : أين كان أمير. المؤمنين نزل؟ فقال له قائل، وأنا أسمع: هذا كان منزله فأَناخ في منزل عمر رضي الله عنه ثم رفع عقيرته يتغنى : يدُ اللّه في ذاك الأَّديم الممَزَّق (٢) عليك السلام من أَمير وَبَارَكَتْ ليُدرك ما قدَّمت بالأمس يُسْبَق (٣) فمن يَجْرِ أَو یرْكَبْ جَنَاحَي نعامةٍ = ص ٢٠٦ وشرح نهج البلاغة ١٢: ٧٤ - وفيها ((قد فرضت لكم الفرائض وسنت لكم السنن وتركتكم على الواضحة إلا أن تضلوا بالناس يميناً وشمالا ، إياكم أن تنتهوا عن آية الرجم وأن يقول قائل لا تحد حدين في كتاب الله فقد رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رجم ورجمنا بعده ، ولولا أن يقول الناس والله إن عمر بن الخطاب أحدث آية في كتاب الله لكتبتها في المصحف، كنا نقرؤها «والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة)) قال سعيد: فما انسلخ ذو الحجة حتى طعن)). (١) الإضافة عن الأغاني ٨: ١٠٢ ط بولاق -- وهو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري - أبو إسحاق المدني ، وثقه أحمد ويحيى بن معين وأبو حاتم والعجلى ومات سنة ١٨٣ هـ ( الخلاصة الخزرجي ص ١٧ ط بولاق ) . (٢) في طبقات ابن سعد ٣ : ٣٣٣ ومناقب عمر لابن الجوزي ص ٢٠٨ عليك سلام من إمام وباركت .. (٣) في المرجعين السابقين وشرح نهج البلاغة ١٩٤:١٢، ونهاية الأرب ٣٧٧:١٩ فمن يسع أو يركب جناح نعامة . .. ٨٧٤ تاريخ المدينة المنورة قضيتَ أُموراً ثُمَّ غَادَرْتَ بَعْدَهَا فوائحَ في أَكْمَاءِها لَمْ تُفَتَّق (١) قالت عائشة رضي الله عنها فقلت لهم : اعلموا (لي (٢)) علم هذا الرجل ، فذهبوا فلم يروا في مناخه أحداً ، فكانت عائشة رضي الله عنها تقول : إني لأَحسبه من الجن ، فلما قُتِلَ عمر رضي الله عنه نَحَلَ الناسُ هذه الأبيات شمّاخ بن ضرار، أو جماع (٣) بن ضرار . - شك إبراهيم بن سعد . * حدثنا شهاب بن عباد قال ، حدثنا محمد بن بشر قال ، حدثنا مسعر ، عن عبد الملك بن عمير ، عن الصقر (٤) بن عبد الله ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : ناحَت الجنُّ على عمر رضي الله عنه قبل أن يقتل بثلاث فقالت : أَبعدَ قتيلٍ بالمدينةٍ أَصبحت له الأَرْضُ تَهْتَرُّ الِضَاهُ بِأَسْوُق (١) المراجع السابقة . .. بوائق في أكمامها لم تفتق والبوائق هي الدواهي العامة . (٢) الإضافة عن الأغاني ٨: ١٠٢ ومناقب عمر لابن الجوزي ص ٢٠٨ . (٣) وفي شرح نهج البلاغة ١٢ : ١٩٤ قال ابن أبي الحديد: والأكثرون يرونها لمزرد أخي الشماخ ومنهم من يرويها للشماخ نفسه - وهو الشماخ بن ضرار بن سنان ابن أمية بن عمرو بن جحاش بن بجالة بن مازن بن ثعلبة ، وذكر الكوفيون أنه الشماخ ابن ضرار بن حرملة بن صيفى بن إياس بن عبد بن عثمان بن جحاش .. الخ . . والشماخ لقب واسمه معقل وقيل الهيثم وهو من الهجائين - وانظر الأغاني ٨: ١٠٨ ط بولاق، والإصابة ٢: ١٥٢ وتاج العروس ٣ : ١٣١. (٤) في الأصل ((السعد بن عبد الله)) والمثبت عن أسد الغابة ٤: ٧٤ والأغاني ٨ : ١٠٢ بروايته عن ابن شبة . ٨٧,٥ لابن شبة يد الله في ذاك الأَديم المُمَزِّق جزى الله خيراً من أميرٍ وباركت لِيُدْرِكَ ما أَسْدَيْت بالأمس يسبق فمن يَسْعِ أَوْ يَرْكَبْ جَنَاحَي نَّعَامَةٍ قوائح في أكمامها لم تُفَتَّق قضيت أُموراً ثم غادرت بعدها بكفّيْ سَبَنْتِى أَخْضَر العين مطرق (١) وما كنت أخشى أن تكون وفاته * حدثنا أبو داود الطيالسي قال ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن الزهري قال ، حدثني محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه قال : حججنا مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه آخر حَجَّةٌ حَجَّها ، فإِنا لوقوف على جبال من جبال عرفة إذ قال رجل يا خليفة يا خليفة (٢) فقال رجل من أزدشنوءة من لهب : والله لا يقف عمر رضي الله عنه هذا الموقف بعد العام - وكانوا قوماً يعيفون - قال : ونظرت إليه فعرفته سَيَبْتَه ( وأَدّبته (٣) ) فبينا هو يرمي الجمار إذ جاءت حصاة (١) السبنتى - قال ابن الجوزي في مناقب عمر ص ٢٢٩ قال أبو عبيد القاسم ابن سلام : السبنتى : النمر ويستعمل في الجريء المقدام - وقوله أزرق العينين يحتمل أنه يريد أزرق العين وذلك قليل في العرب ويجوز أن يريد الأزرق العدو . يعنى ما كنت أخشى أن يقتله رجل من العرب إنما هو من الموالي - وبعده في سيرة عمر ٢ : ٦٠٦ . عليه فويق الأيطل المتأرق تظل الحصان البكر تبدي عويلها وحكم صليب الدين غير مزوق وكنت تشوب العدل بالبر والتقى (٢) في الأصل ((إذ قال رجل خليفة)) والمثبت عن طبقات ابن سعد ٣: ٣٣٣ وفي سيرة عمر ٢: ٦٠٥ ((إذ سمعت رجلا يقول يا خليفة رسول اللّه ثم قال يا أمير المؤمنين . فقال أعرابي من لهب - وهم حي من أزد شنوءة ، وكانوا أصحاب عيافة - من خلف : ما هذا الصوت قطع الله لهجتك أو لهاتك والله لا يقف أمير المؤمنين على هذا الجبل بعد هذا العام أبداً . (٣) الإضافة عن سيرة عمر ٢: ٦٠٥، وفي طبقات ابن سعد ٣: ٣٣٣ «فأقبلت على الرجل فصخبت عليه)) وانظر أسد الغابة ٤: ٧٣ والاستيعاب ٢ : ٤٥٩، والرياض النضرة ٢ : ١٠٠ . ٨٧٦ تاريخ المدينة المنورة ففصدت فيه عِرْقاً . فقال رجل : أُشْعِرْت ورب الكعبة، لا والله لا يقف عمر بعد هذا العام أبداً، قال : فنظرت فإذا هو اللَّهَبِي الذي قال بَعَرَفَة ما قال . * حدثنا الصلتُ بن مسعود قال ، حدثنا أحمد بن شبويه، عن سليمان بن صالح ، عن عبد الله بن المبارك ، عن أسامة بن زيد قال ، حدثني إسماعيل بن أُميّة بن عمرو بن سعيد قال : رمى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه الجمرة ووراءه رجل من لِهْب ، فرميت (١) " الجمر فأصابته فساءه، وكان أصلع قدميت رأسه، فقال اللهبي: ما له قطع الله يده رماني رماهُ الله، والله لا يرجع إلى هذا المقام أبداً . فلما ( كان اليوم (٢) ) الآخر نزل بالمُحَصِّب، ثم جمع بطحاء ووضع رداءه عليها ، واتكاً ينظر إلى الناس ، فرأى القمر طالعاً ليلة أربع عشرة فقال : إِن شيئاً من الدنيا لم يتم قط إلا أَخذ في النقصان ، ثم يذكر قائم الليل حين يأخذ في النقصان إن أتى التمام ، وتمام الشمس ثم رجوعها ، وتمام القمر ، ثم قال : إِن الإِسلام قد تمّ ولا يزداد إلا نقصاناً إلى يوم القيامة ثم رفع يديه فقال : اللهم كبرت سِنِّي وأنست الضعف من نفسي ، وانتشرت رعيتي ، وقد خفت على نفسي ، فتوفني إليك غير عاجز ولا مقصر ولا مغبون ، حتى إذا كان من جوف الليل وكب وخباء عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها بجنب فسطاطه ، فلما استقل عمر رضي الله عنه وانطلقت به (١) كذا في الأصل ولعلها بالبناء المجهول أو لعلها ((رمى)). (٢) بياض بالأصل. والمثبت عن هامش اللوحة (٥٦) حيث أثبت قارئ للنسخة قوله ((لعله: فلما كان اليوم الآخر)). ٨٧٧ لابن شبة راحلته خَلَفَه في مكانه راكبٌ فرفع صوته فقال : يَدُ الله في ذاك الأُديم المُمَزَّق جزَى الله خيراً من أَميرٍ وباركت لِيُدْرِكَ ما قَدَّمْتَ بِالأَمْسِ يُسْبَق فَمَن يَجْر أَو يَرْكَبْ جَنَاحَيْ نعامة بَوَائِقَ في أَكمامها لم تُفَتَّق قضيت أُموراً ثم غادرت بعدها فسمعته عائشة رضي الله عنها فقالت : عَلَيَّ بالراكب ، فلم يجدوه ، فبكت وقالت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فلما قدم المدينة لم يمكث إلا قليلا حتي طُعِن . * حدثنا موسى بن إسماعيل قال ، حدثنا حماد بن سلمة قال، حدثنا ثابت البناني ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه قال: رأيت كأني أَخذت جَوَادَ (١) كثيرة فجعلت تضمحل حتى بقيت جادَّة واحدة فسلكتها حتى انتهت إلى جبل فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقه ، وإلى جنبه أبو بكر رضي الله عنه، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير (٢) إلى عمر رضي الله عنه ( أَن تعال (٣)): فقال: ((إنا لله وإنا إليه راجعون)) مات والله أمير المؤمنين ، فقلت : أَلا تكتب بهذا إليه ؟ فقال : ما كنت لأَنعي له نفسه (٤). * حدثنا محمد بن أبي عدي ، عن عوف ، عن الحسن قال ، (١) الجوادّ: جمع جادّة للطريق أو وسطه ( محيط المحيط ). (٢) في الرياض النصرة ٢ : ٩٩، وسيرة عمر ٢ : ٦٠٣، وطبقات ابن سعد ٣ : ٣٣٢ (يومي)). (٣) الإضافة عن المراجع السابقة . (٤) وانظر المراجع السابقة . ٨٧٨ تاريخ المدينة المنورة قال عمر رضي الله عنه : اللهم كبرت سِنِّي ورَقَّ عظمي وخِفْتُ الانتشار من رعيتي ، فاقبضني إليك غير عاجز ولا مليم - وقال مرّة ملوم - فلم يلبث أن أُصيب (١). . حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب (٢)، عن مالك بن أنس قال ، بلغني أن عمر رضي الله عنه كان يقول : اللهم ارزقني الشهادة في سبيلك في حرم رسولك (٣). * حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال ، حدثنا عبد الرحمن ابن عبد الله بن دينار ، عن أبيه ، عن ابن عمر رضي الله عنهما : أن عمر رضي الله عنه قال : اللهم اجعل وفاتي في سبيلك ، في بلد رسولك . * حدثنا الصلت بن مسعود قال حدثنا أحمد بن شبويه : عن سليمان بن صالح ، عن عبد الله بن المبارك قال ، حدثني سعيد ابن عبد الرحمن الأعرج قال : كان عمر رضي الله عنه يقول : اللهم ارزقني قتلا في سبيلك ، واجعله في بلد رسولك ، قال فجعل الناس (١) ورد بمتنه في طبقات ابن سعد ٣ : ٣٣٥ عن هشام بن سعد عن سعيد بن أبيهلال، كما ورد بمعناه في الروض الزاهر لوحة ١٣١، والرياض النضرة ٢ : ٩٠، والبداية والنهاية ٧ : ١٣٧ . (٢) في الأصل كلمة لا تقرأ، والإثبات عن خلاصة الخزرجي ٢١٥ ط بولاق . وهو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعني - بفتح أوله والنون بعد المهلة الساكنة - الحارثي - أبو عبد الرحمن المدني ، نزيل البصرة ، وثقه أبو حاتم وقال : حجة لم أر أخشع منه . وأعلم بقدومه فقال : قوموا إلى خير أهل الأرض ، وقال عمرو بن علي : كان مجاب الدعوة . وقال ابن سعد : كان عابداً فاضلا، مات سنة ٢٢١ م بمكة . (٣) روي بمعناه في طبقات ابن سعد ٣ : ٣٣١ . ٨٧٩ لابن شبة يعجبون ولا يدرون ما لعمر رضي الله عنه عند الله من المنزلة حتى طعنه أبو لؤلؤة . * حدثنا سليمان بن داود الهاشمي قال ، أنبأنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : بينما أنا أمشي مع عمر رضي الله عنه ذات يوم وهو يضرب وَحْشِيّ قدمه (١) بالدّرة تنفس تنفسة ظننت أنها قد قَضَّت أضلاعه، فقلت : سبحان الله ! وما أخرج هذا منك يا أمير المؤمنين إلا أمرٌ عظيم قال : ويحك يا ابن عباس !! والله ما أدري كيف أصنع بأمر أُمّة محمد صلى الله عليه وسلم ؟ قلتُ : والله إنك بحمد الله لقادر على أن تصنع ذاك منها في البقية ، قال: إنه والله يا ابن عباس ما يصلح هذا الأمر إلا القويّ في غير عنف ، اللّيِّن في غير ضعف ، الجواد في غير سرف ، الممسك في غير بخل . يقول ابن عباس : والله ما أعرفه غير عمر . * حدثنا أحمد بن معاوية بن بكر قال ، حدثنا الوليد بن مسلمة عن عمر بن قيس ، عن عطاء ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كنت عند عمر رضي الله عنه - وكنت له هيوباً ، وكان لي مُكْرماً ، وكان يلحقني بعلية الرجال - فتنفس تنفساً ظننت أن أضلاعه ستتفصد ، فمنعتني هيبته من مسألته ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، قاتل الله النابغة ما كان أَشعره !! قال : هيه ، قال : قلت خيراً يقول : ويأْتِ مَعَدَّا مُلكها وربيعها وإِنْ يَرْجَع النّعمانُ نَفْرَحْ ونبتهج (١) وحشي القدم : الجانب الأيمن منه ( محيط المحيط - تاج العروس) . ٨٨٠ تاريخ المدينة المنورة وتلكَ المُتِى لو أننا نَستَطيعها وَيَرْجَعٍ إِلى غَسّان مُلكٌ وسؤْدُهُ ويُلقَ إلى جنب الفِناء قطوعها وإِن يَهْلِكِ النّعمانُ تُعْرِ مَعِيَّة تقضقضُ منها أَو تَكَادُضُلوعُها (٢) وَتَنْحَطْ حَصَانٌ آخرَ الليلِ نَحْطَةٌ (١) وإن كان في جنب الفتاة ضجيعها (٣) على إثر خير النّاسِ إِن كان هالكاً فقال : لعلك ترى صاحبك لها ؟ فقلت : ألقربى في قرابته وصهره وسابقته أهلها ؟ قال : بلى ، ولكنه امرؤ فيه دعابة ، قلت فطلحة ابن عبيد الله؟ قال ذو البأو(٤) بأصبعه مذ قطعت دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قلت (٥) فالزبير بن العوام ؟ قال: وَعْقَة لَقِسٌ (٦) يلاطم في البقيع في صاع من تمر قلت : فعبد الرحمن بن عوف ؟ فقال : رجل ضعيف لو صار الأمر إليه ، وضع خاتمه في يد امرأته ، قلت : (١) نحط : يقال نحط الرجل إذا زفر زفيراً، أو تردد البكاء في صدره من غير أن يظهر ، ( محيط المحيط ) . (٢) تقضقض : تبتعد عنها (٣) في الأصل ((في جنب الفراش)) والمثبت عن ديوان النابغة تحقيق فاروق صويني ص ١١١ والمعنى : وإن كان معها زوجها فهي تبكيه وتذكر معروفه ولا تحتشم . (٤) البأو : العجب والكبر والفخر والتعظيم ، والخبر في الغائق للزمخشري ٢ : ٤٢٦، وشرح نهج البلاغة ١٢: ١٤٢، والنهاية في غريب الحديث ١ : ٩٠ . (٥) في الأصل ((قالت)) تحريف ، والصواب ما أثبته. (٦) الوعقة - بالسكون : الذي يضجر ويتبرم. وقيل هو الذي فيه حرص ووقوع في الأمر بجهل وضيق نفس وسوء خلق . واللقس : السيء الخلق ، وقيل الشحيح ، وقيل من لا يستقيم على وجه ، وقال الزبيدي عن ابن شميل : رجل لقس : سيء الخلق خبيث النفس ، وفي الحديث ((لا يقولن أحد كم خبثت نفسي ولكن ليقل نفست نفسي. (النهاية في الغريب ٤ : ٢٦٤، ٥ : ٢٠٧ - شرح نهج البلاغة ١٢: ١٤٢ - أنساب الأشراف ٥ : ١٧ - الفائق في الغريب ٢ : ٤٢٥، ٤٧٠ - تاج العروس ١٠ : ٣٠).