النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
لابن شبة
صلى الله عليه وسلم في رهط من بني عامر قال : فأَتْيناه فسلَّمْنا
عليه ثم قلنا : أنت ولدنا ، وأنت سيدنا ، وأنت أطولنا طولاً ،
وأنت الجفنة الغراء ، فقال رسول الله عليه وسلم ((يا أيها الناس
قولوا بقولكم ولا تستسخركم الشياطين - قال وربما قال غيلان - :
لا تستهزئكم الشياطين .
(وفد بني سعد بن بكر ) (١)
* حدثنا محمد بن حميد قال ، حدثنا سلمة بن الفضل
قال ، حدثني محمد بن إسحاق قال ، حدثني سلمة بن كهيل ،
ومحمد بن الوليد بن نويفع ، عن کریب مولی ابن عباس ( عن
ابن عباس )(١) قال: بعثت بنو سعد بن بكر ضِمَام بن ثعلبة (٢)
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأَناخ بعيره على باب المسجد
ثم عقله ، ثم دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس
في أصحابه، وكان ضِمَام رجلاً جَلْداً أَشْعَرَ ذاْ غَدِيرَتين(٣) حتى
وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيكم ابن عبد المطلب ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا ابن عبد المطلب . فقال :
محمد ؟ قال : نعم . قال: يا ابن عبد المطلب، إني سائلك ومُغلظٌ
في المسألة فلا تجدّنّ في نفسك ، قال (( لا أجد في نفسي ، فسل
عما بَدَا لَكَ)). قال: فإني أُنشدك الله إلهك وإِلّهَ من كان قبلك وإِلّه
(١) الإضافة عن أسد الغابة ٣: ٤٢ وشرح المواهب ٤: ٤٧ ورواه ابن إسحاق بسنده
عن ابن عباس أيضاً (نهاية الأرب للنويري ١٨ : ٢١).
(٢) هو ضمام بن ثعلبة السعدي أحد بی سعد بن بکر ، أرسله بتو سعد قیل کان ذلك
سنة خمس وقيل سنة سبع وقيل سنة تسع ، والخبر بطوله مروي أيضاً في أسد الغابة ٣: ٤٧
عن محمد بن الوليد عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس .
(٣) الغديرة: الذؤابة. شرح الزرقاني ٤ : ٤٧ .

٥٢٢
تاريخ المدينة المنورة
من هو كائن بعدك، اللّه بَعَثَك إلينا رسولاً؟ قال ((اللهم نعم »
قال فأنشدُك الله إلهك وإلّه من قبلك وإلّه من بعدك : الله أمرك
أن نعبده وحده لا شريك له؟، وأن نَخْلَع هذه الأنداد(١) التي
كانت تَعْبُد آباؤنا من دونه؟ قال ((اللهم نعم)) قال : فأنشدك
بإِلّهك وإلّه من كان قبلك وإلّه من هو كائن بعدك : الله أمرك أن
نُصَلِّي هذه الصلوات الخمس؟ قال: ((اللهم نعم ، قال : ثم جعل
يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة : الزكاة والحج والصيام
وشرائع الإسلام كلها ، يناشده عند كل فريضة كما ناشده في التي
قبلها ، حتى إذا فرغ قال فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً
عبده ورسوله ، وسأُؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه ،
ثم لا أزيد ولا أُنقص ، ثم انصرف إلى بعيره ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم ((إن يصدق ذو العَقِيصَتَيْن (٢) يدخل الجنة))
قال : فأَتّى إلى بعيره فأطلق عقاله حتى قدم على قومه ، فاجتمعوا
إليه فكان أول ما تكلم به أن قال: بِئْسَت اللات والعزّى . قالوا:
يا ضِمَام اتّقى البرص والجنون وانق الجذام قال : ويلكم ، إنهما
والله ما يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولاً وأنزل عليه كتاباً
فاستنقذكم(٣) مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله ، وقد جئتكم من عنده بما
(١) في أسد الغابة ٣: ٤٣ ((أن تخلع هذه الأوثان)).
(٢) العقيصتان : الضغيرتان من الشعر، وهما الغدير تان .
(٣) في الأصل ((استنفذكم)) والمثبت من نهاية الأرب ١٨: ٢١.

٥٢٣
لابن شبة
أمركم به ونها كم عنه ، فوالله ما أَمْسَى من ذلك اليوم وفي حاضره(١)
رجل ولا امرأة إلا مسلماً . قال يقول عبد الله بن عباس: فما سمعنا
بوافد قوم كان أفضل من ضِمَام بن ثعلبة (١).
* حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال ، حدثنا نافع ، عن ابن
أبي مليكة قال ، أخبرني ابن الزبير قال : قدم الأُقرع بن حابس
على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر : يا رسول الله استعمله
على قومه ، وقال عمر ، لا تستعملنَّه يا رسول الله ، فتكلما حتى
ارتفعت أصواتهما ، فقال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما: ما أردت
إلا خلافي ؟ قال: ما أردت خلافك، فنزلت ((لَا تَرْقَعُوا أَصْوَاتكم
فَوْقَ صَوْتِ النّبيّ)»(٢) الآية . قال : فكان عمر رضي الله عنه بعد
ذلك إذا كلم النبي صلى الله عليه وسلم (كلمة)(٣) في مسمعه حتى
يستفهمه ( مما يخفض صوته )(٣) قال : ما ذكر حينه .
( وقد بني تميم )(٤)
* حدثنا قيس بن عاصم(٥): أنه قدم على رسول الله صلى الله
عليه وسلم في وفد من بني سعد ، فاستملاه رسول الله صلى الله عليه
(١) في حاضره: أي في حينه، والحديث أخرجه ابن سعد في الطبقات ٤٥:٢/١
من حديث ابن عباس رضي الله عنهما .
(٢) سورة الحجرات ، الآية ٢ .
(٣) الإضافة من معالم التنزيل ٨ : ٨.
(٤) إضافة على الأصل .
(٥) هو قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر بن عبيد بن مقاعس التميمي المنقري،
يكنى أبا علي ، وقيل أبو طلحة، وقيل أبو قبيصة، والأول أشهر، وفد على النبي صلى الله
عليه وسلم في وفد بني تميم، وأسلم سنة تسع ، ولما رآه الرسول (ص) قال: هذا سيد أهل الوبر
وكان عاقلا حليماً مشهوراً بالحلم ، قيل للأحنف بن قيس : ممن تعلمت الحلم ؟ قال :
من قيس بن عاصم .

٥٢٤
تاريخ المدينة المنورة
وسلم فأعطاه يومئذ أشياء ، فلما حضرت الصلاة قال : أشهد أن
لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله . قال فدعا له النبي صلى الله عليه
وسلم بسدر وماء فاغتسل ، وأقيمت الصلاة ففرَّج بين أبي بكر
وعمر رضي الله عنهما فقام بينهما ، فلما قضى الصلاة قال : أَشهد
أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قال(١) فلم يسأله أحد
عنهن ولم يخبرهن (٢) .
* حدثنا محمد بن عباد بن عباد المهلبي قال ، حدثني أبي ،
عن محمد بن الزبير قال: قدم عمرو بن الأُهم (٣) والزُّبْرقَان بن
= وكان قيس بن عاصم رضي الله عنه ممن حرّم الخمر على نفسه في الجاهلية، وقال في
ذمها أبياتاً كثيرة ، ولما حضرته الوفاة دعا بنيه فقال لهم : يا بني احفظوا عني فلا أحد
أنصح لكم مني ، إذا مت فسودوا كباركم ولا تسودوا صغاركم؛ فيسفه الناس كباركم
وتهونوا عليهم، وعليكم بإصلاح المال فإنه منبهة الكريم ويستغنى به عن اللثيم ،
وإياكم ومسألة الناس فإنها آخر كسب الرجل ، فإذا مت فلا تنوحوا عليّ فإن رسول الله
صلى الله عليه وسلم لم يتح عليه. ولما مات رثاه عبدة بن الطبيب بقوله :
ورحمته ما شاء أن يترحما
عليك سلام الله قيس بن عاصم
ولكنه بنيان قوم تهدما
وما کان قیس ملکه ملك واحد
( أسد الغابة ٤: ٢١٩، الإصابة ٣: ٢٤٢، السيرة الحلبية ٢: ٣٤٠).
(١) في الأصل بعد هذا اللفظ («فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم يسدر وماء فاغتسل
وأقيمت الصلاة فلم ((الخ)) وهو تكرار نتيجة السهو .
(٢) أي الأشياء التي أعطاها له رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(٣) هو عمرو بن سنان بن سمي بن سنان بن خالد بن منقر بن عبيد بن مقاعص
التميمي المنقري .
وكان عمرو ممن اتبع سجاح لما ادعت النبوة - ثم إنه أسلم وحسن إسلامه ـ- وكان
خطيباً أديباً يُدعى المكحل الجماله ــ وكان شاعراً بليغاً محسنا يقال إن شعره كان حللا
منتشرة .
وسمي الأهتم لأن قيس بن عاصم ضربه بقوس فهتم فاه . انظر أسد الغابة ٤ : ٨٧ .

٥٢٥
لابن شبة
بدر(١) ، وقيس بن عاصم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنِ الأَمتم عن الزِّبْرقَان: كيف
هو فيكم ؟ ولم يسأل عنه قيساً لشيء قد علمه بينهما ، فقال له
ابن الأمتم : مطاع (٣) (في أُذنيه)(٣)، شديد العارضة، مانع لما
وراء ظهره . قال الزبرقان : والله لقد قال ما قال وهو يعلم أني أفضل
مما قال ، قال عمرو فإنك لزمر(٤) المروءة، ضيِّق العَطَن، أحمق
الأَّب ، لئيم الخال . ثم قال : يا رسول الله، لقد صَدَقْتُ فيهما
جميعاً؛ أَرضاني فقلتُ بأحسن ما أعلم فيه، وأسخطني فقلت بأسوأً
ما أعلم فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن من البيان
لسحراً ، وكان يقال للزِّبْرقان قَمَرُ نجد لجماله ، وكان ممن يدخل
مكة متعمماً لحسنه ، وولَّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقاتٍ
قومه بني عوف ، فأَداها في الرِّدَّة (٥) إلى أبي بكر، فأَقْره أبو بكر
على الصدقة لمَّا رأى من ثباته على الإسلام ، وحمله الصدقة إليه
(١) الزبرقان بن بدر بن امرئ القيس بن خلف بن بهدلة بن عوف بن كعب بن
سعد بن زيد مناة بن تميم ، التميمي السعدي ، يكنى أبا عياش ، وقيل أبو سدرة ، وإنما
قيل له الزبرقان لحسنه : والزبرقان: القمر ، وقيل إنما قيل له ذلك لأنه ليس عمامة مزبرقة
بالزعفران ، نزل البصرة ، وكان سيداً في الجاهلية عظيم القدر في الإسلام ، وهو الذي
مجاه الخطيئة بقوله :
دع المكارم لا ترحل ليغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
( أسد الغابة ٢ : ١٩٤ . )
(٢) انقطع الكلام في الأصل بعد كلمة ((مطاع)) ودوّن في هامش اللوحة بخط
مغاير ((لعل النقص ورقتان)) وقد اقتضى الأمر إتمام خبر الزبرقان بإضافة ما جاء في أسد
الغابة ٢ : ١٩٤ .
(٣) في الحلبية ٢: ٣٢٥: ((مطاع في ناديه)).
(٤) زمر المروءة : قليل المروءة .
(٥) أي عام حرب الردة .

٥٢٦
تاريخ المدينة المنورة
حين ارتد الناس ، وكذلك عمرُ بن الخطاب . قال رجل في الزبرقان
من النمر بن قاسط يمدحه ، وقيل قالها الحطيئة :
ستدركنا بنو القوم الهجان
تَقولُ خليلي لما التقينا
سراج الليل للشمس الحصان
سيدركنا بنو القمر بن بدر
لصوت أن ينادي داعيان
فقلت أدعي وأدعو إِنَّ أَندي
أَنا النمريّ جار الزبرقان
فمن يك سائلا عني فإني
وكان الزبرقان قد سار إلى عمر بصدقات قومه فلقيه الحطيئة
ومعه أهله وأولاده يريد العراق فراراً من السنة (١) وطلباً للعيش، فأمره
الزِّبْرقان أن يقصد أَهله وأعطاه إمارة يكون بها ضيفاً له ، حتى
يلحق به ، ففعل الحطيئة ، ثم هجاه الحطيئة بقوله :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنّك أنت الطّاعم الكاسي(٢)
فشكاه الزِّبْرقان إِلى عمر ، فسأَل عمرُ حسان بن ثابت عن قوله
((أَنه هجو)) فحكم أنه هجو له وضعةٌ، فحبسه عمر في مطمورة
حتى شفع فيه عبد الرحمن بن عوف والزبير ، فأَطلقه بعد أن أخذ
عليه العهد أن لا يهجوَ أَحداً أبداً ، وتهدّده إِن فعل ، والقصة
مشهورة ، وهي أطول من هذه وللزبرقان شعر ، فمنه قوله :
فينا العلاءُ وفينا تُنْصَبُ البِيَع (٣)
نحن الملوك فلا حيّ يقارِبنا
(١) السنة: الجدب والقحط ((أقرب الموارد ١ : ٥٥١)).
(٢) روي هذا البيت في معاهد التنصيص ص ٤٤٧ هكذا :
ذر المآثر لا تذهب لمطلبها واجلس فإنك أنت الآكل الكاسي
( ديوان الحطيئة ص ٢٨٩ ط . الحلبي ) .
(٣) في البداية والنهاية ٥ : ٤٢ .
منا الملوك وفينا تنصب البيع
نحن الكرام فلا حي يعادلنا

٥٢٧
لابن شبة
من العبيط(١) إذا لم يُؤْنَس الفَزَعُ
ونحن نطعمهم في القحط ما أكلوا
للنّازلين إذا ما أُنْزِلُوا شَبِعُوا
وننحر الكوم(٢) عَبْطاً في أُرومتنا
إذا الكرام على أمثالها اقترعوا
تلك المكارم حزناها مقارعة
أخرجه الثلاثة (٣).
. ( وقال(٤) محمد بن إسحاق : ولما قدمت على رسول الله
صلى الله عليه وسلم وفود العرب قدم عليه عطارد بن حاجب بن زرارة
ابن عدس التميمي في أشراف بني تميم منهم الأُقرع بن حابس ،
والزبرقان بن بدر التميمي - أحد بني سعد - وعمرو بن الأَمتم ،
والحتحات بن(٥) يزيد، ونعيم بن يزيد ، وقيس بن الحارث ،
وقيس بن عاصم أخو بني سعد في وفد عظيم من بني تميم . قال ابن
إسحاق : ومعهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري ،
وقد كان الأُقرع بن حابس وعيينة شهدا مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم فتح مكة وحنين والطائف ، فلما قدم وفد بني تميم كانا معهم،
ولما دخلوا المسجد نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته :
أن اخرج إلينا يا محمد ، فآذي ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم
(١) العبيط : الذبيحة تنحر من غير علة وهي سمينة فتية (أقرب الموارد (( عبط)))
وفي البداية والنهاية ٥ : ٤٢ :
ونحن نطعم عند القحط مطعمنا من الشواء إذا لم يؤنس الفزع
(٢) الكَوْم - الكوماء: البعير الضخم السنام ينحر عبطا من غير علة (أقرب الموارد:
كوم ) .
(٣) ما سبق من إضافة عن أسد الغابة ٢ : ١٩٤ - والثلاثة هم أبو نعيم وابن منده
وأبو عمر .
(٤) إضافة عن البداية والنهاية لابن كثير ٥ : ٤١ .
(٥) جاء في هامش البداية والنهاية لابن كثير ٥: ٤١ وفي الحلبية (الحبحاب)) وفي
التيمورية : الحجاب ، وفي ابن إسحق : الحثحاث ، وقال ابن هشام الحتات ، ووافقه
السهيلي .

٥٢٨
تاريخ المدينة المنورة
من صياحهم ، فخرج إليهم فقالوا : يا محمد جئناك نفاخرك
فَأْذَنْ لشاعرنا وخطيبنا. قال: ((قد أُذنتُ لخطيبكم فليقل)) فقام
عطارد بن حاجب فقال : الحمد لله الذي له علينا الفضل والمنّ
وهو أهله ، الذي جعلنا ملوكاً ووهب لنا أموالا عظاماً نفعل فيها
المعروف ، وجعلنا أعزة أهل المشرق وأكثره عدداً وأيسره عدة .
فمن مثلنا في الناس ، ألسنا برؤوس الناس وأولي فضلهم ، فمن
فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا ، وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام ولكن
نخشى من الإكثار فيما أعطانا ، وأَنا نعرف بذلك ، أقول هذا
لأَّن تأُّوا بمثل قولنا ، وأمرٍ أَفضل من أمرنا ، ثم جلس . فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس أخي
بني الحارث ابن الخزرج: (( قم فأُجب الرجل في خطبته )) فقام
ثابت فقال)(١) أَشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد
أن محمداً عبده ورسوله. (وفي راوية)(٢) فقال ثابت : وأيضاً والذي
بعث محمداً بالحق - وأشار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -
(١) اضافة عن البداية والنهاية لابن كثير ٤١:٥
(٢) سقط في الأصل والإضافة عن السيرة الحلبية ٢ : ٣٢٤ . وفي رواية أنه قال :
الحمد لله نحمده ونستعينه و نؤمن به ونتو کل علیه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له وأن محمداً عبده ورسوله ، دعا المهاجرين من بني عمه أحسن الناس وجوهاً وأعظم الناس
أحلاماً فأجابوه ، والحمد لله الذي جعلنا أنصاره ، ووزراء رسوله ، وعز دينه ، فنحن
نقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، فمن قالها منع منها نفسه وماله ، ومن أباها
قاتلناه وكان رغمه في الله علينا هينا ، أقول قولي هذا وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات .
ثم قال الزبرقان لرجل منهم : قم يا فلان فقل أبياتاً تذكر فيها فضلك وفضل قومك.
فقال أبياتاً منها :
نحن الرؤوس وفيها يقسم الربح
نحن الکرام فلا حي بعادلنا
إنا لذلك عند الفخر نرتفع
إذا أبينا فلا يأبى لنا أحد

٥٢٩
لابن شبة
لتسمعن أنت وصاحبك في هذا المجلس ما لم ينفذ بمسامعكما مثله
قط، ثم تكلم ثابت وذكر من عظمة الله وسلطانه وقدرته ما الله أهله،
ثم ذكّر به وألّحَقَ ، فساق الأمر حتى انتهى إلى مبعث النبي صلى الله
عليه وسلم ، ثم قال : والذي بعث محمداً بالحق لئن لم تدخل
أنت وصاحبك وقومکما في دين الله الذي أُ کرم به رسول الله وهدانا
له يَطَأَنَّ بلادكم بالخيل والرجال نصراً لله ولرسوله ولدينه ،
ثم ليقتلن الرجال وليسبين النساء والذرية ، وليأُخذن المال حتي
يكون فَيْئاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال الأفرع:
أنت تقول ذاك يا ثابت ؟ قال : نعم ، والذي بعث محمداً بالحق،
ثم سكت - ( ثم قالوا : يا محمد ايذن لشاعرنا ، فأذن له ،
فقام الزبرقان بن بدر فأنشد ) (١) فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم لحسان: أنشدهم ، فأَنشدهم حسان ثم سكت ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم للأفرع وعيينة : قد سمعنا ما قلتما وسمعتما
ما قلنا ، فخرجا ، فلما خلوا أخذ أحدهما بيد صاحبه ، قال الأفرع
لُعُيينه : أَسمعت ما سمعت ، ما سكت حتى طننت أن سقف البيوت
سوف يقع علينا ، فقال عيينة أَوجدت ذلك ؟ والله لقد تكلم
شاعرهم فما سكت حتى أظلم عليّ البيت وحيل بيني وبين النظر
إليك ، وقال الأفرع: إِن لهذا الرجل لشأْناً، ثم دخلا بعد ذلك في الإِسلام
وكانا من المؤلفة قلوبهم . فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم
الأفرع مائة ناقة . وأعطى عيينة مائة ناقة ، فقال العباس بن مرداس (٢)
رضي الله عنه فيما أعطاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم .
(١) سقط في الأصل والإثبات عن سيرة النبي لابن هشام ٤: ٩٣٠ ط. صبيح.
(٢) هو العباس بن مرداس بن أبي عامر بن حارثة بن عبد ين عبس بن رفاعة بن

٥٣٠
تاريخ المدينة المنورة
دِ عُيِينَة والأَفْرَّع
فَأَصبح نَهْىِ ونَهْبُ الْعُبَيْـ
فلم أُعْطَ شَيْئاً ولم أُقْنَعِ
وقد كنتُ في القومِ ذَا تُدْرِا
يفُوقَان مِرْدَاسَ في المجْمَعِ
ومَا كَان بدرٌ ولا حَابس
وما كنت دون امرٌّ منهما ومن تَضّع اليومَ لَا يُرْفع
قال : الْعُبَيْد فرسُ عباس بن مرداس .
• حدثنا علي بن الجعد قال ، حدثنا محمد بن يزيد الواسطي ،
عن زياد الجصاص ، عن الحسن قال ، حدثني قيس بن عاصم
المنقري قال : قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآني
سمعته يقول : هذا سيد ( أهل ) (١) الوبر . قال : فلما نزلت جعلت
أَحدثه : قال قلت : يا نبي الله المال الذي لا يكون عليّ فيه تبعةٌ
من ضيف ضافي أو عيال إن كثروا . قال : نِعْمَ المالُ الأَربعون ،
وإِن كَثُرَ فستون ، ويل لأصحاب المثين إلا من أُعطي في رِسلها (٢)
= الحارث بن حيي بن الحارث بن بهشة بن سليم بن منصور السلمي يكني أبا الهيثم وقيل أبو
الفضل .
كان العباس من المؤلفة قلوبهم وممن حسن إسلامه منهم ، وكان ممن حرم الخمر في
الجاهلية - فإنه قيل له ألا تأخذ من الشراب فإنه يزيد في قوتك وجراءتك قال: لا أصبح
سيد قومي وأمسي سفيهها ، وقد كان ينزل البادية بناحية البصرة ، وقيل إنه قدم دمشق
وابتنى بها دارا - وسأل عبد الملك بن مروان جلساءه من أشجع الناس في شعره؟ فتكلموا
في ذلك ، فقال : أشجع الناس العباس بن مرداس حيث يقول :
أحتفى كان فيها أم سواها
أكر على الكتيبة لا أبالي
وانظر الخبر والشعر في السيرة النبوية لابن هشام ٤ : ٩٣٠ ط. صبيح، والمغازي
الواقدي ٣: ٩٤٧، وأسد الغابة ٣: ١١٢، والإصابة ٢ : ٢٦٣، والبداية والنهاية
٤ : ٣٠٩ .
(١) الإضافة عن أسد الغابة ٤: ٢١٩، والإصابة لابن حجر ٣ : ٢٤٣.
(٢) في النهاية في غريب الحديث ٢: ٢٢٢٢ (( إلا من أعطى في نجدتها ورِسْلِها:
النجدة : الشدة.، والرِسْل بالكسر الهيئة والتأني. قال الجوهري: يقال أفعل كذا وكذا ـ

٥٣١
لابن شبة
ونجدتها وأفقر ظهرها (١) ونحر سمينتها ، فأَطعم القانع والمعترّ .
قال : قلت يا نبي الله ما أكرم هذه الأخلاق وأحسنها ، يا نبي الله
إنه لا يحل الوادي الذي أنا به لكثرة إبلي ، قال : فما تصنع في
المنحة (٢) قال أمنح كل سنة مائة ناقة ، قال فما تصنع في المطروقة ؟
قال : تغدو الإِبل وتغدو الناس فمن شاء أَخذ برأس بعير فذهب به ،
قال فما تصنع في أفقار الظهر ؟ قال : إني لا أفقر الصدع (٣) الصغير
ولا النّاب المدبرة(٤). فقال: أَفمالُكَ أَحبُّ أَم مال مواليك ؟ قال.
قلت : بل مالي أحب إليَّ من مال مواليَّ ، قال : فإِن لك من مالك
ما أكلت فأفنيت ، أَو لبست فأَبليت ، أَو أَعطيت فأَمضيت ،
= على رِسْلِك بالكسر، أي اتئد فيه . كما يقال على هينتك ، ويقول يعطي وهي سمان
حسان: يشتد عليه إخراجها . فتلك تجدتها ، ويعطي في رِسْلِها وهي مهازيل مقاربة .
قال ابن الأثير والأحسن - والله أعلم - أن يكون المراد بالنجدة الشدة والجدب،
وبالرِسْل : الرخاء والخصب لأن الرِسْل: اللبن . فيكون المعنى أنه يخرج حق الله تعالى
في حال الضيق والسعة والجدب والخصب .
(١) أفقر ظهرها : أي أعاره فقارها : أي اعاره ظهرها للحمل والركوب ومنه
أفقر البعير إذا أعاره ، مأخوذ من ركوب فقار الظهر ( أقرب الموارد - فقر).
(٢) كذا في الأصل وفي الإصابة ٣: ٢٤٢ - المنيحة، وهما بمعنى واحد والمنيحة:
الشاة والناقة يعطيها صاحبها رجلا يشرب لبنها ثم يردها إذا انقطع اللبن وفي الحديث :
(( العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم ، ومنه أيضاً
قوله صلى الله عليه وسلم: أفضل الصدقة المنيحة تغدو بعشاء وتروح بعشاء)) ( الفائق
في غريب الحديث ٣ : ٥٠ ).
(٣) الصَّدّع: محركة - من الأوعال والظباء والحمير والإبل: الفتى الشاب القوي،
وقيل الصدع المتوسط بين الفتى والمسن ، وبين السمين والمهزول ، وبين العظيم والصغير
( أقرب الموارد - صدع ) .
(٤) دَبِرَ البعير دَبَراً: أصابته الدبرة، والدَبّرة: قرحة الدابة تحدث من
الرحل ونحوه (أقرب الموارد ١ : ٣١٧).

٥٣٢
تاريخ المدينة المنورة
وإلا فلمواليك ، وإلا فلموالي الله ( قال قلت يا رسول الله ) (١)
لئن بقيت لأَدعن عددها قليلا. قال الحسن : ففعل رحمه الله (٢).
* حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا يونس بن محمد
قال ، حدثنا شيبان عن قتادة : أن قيس بن عاصم قال : يا نبي الله
إني وأدت ثماني بنات في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : أَعتق عن كل واحدة رقبةٌ، قال : يا نبي الله ، إني ذو إِبل .
قال فأهد لكل واحدة منهن إن شئت هَدْياً (٣).
* حدثنا حكيم بن سيف قال ، حدثنا عيسى بن يونس ،
عن حماد بن شعيب ، عن زياد البصري ، عن الحسن ، عن قيس
ابن عاصم قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما دنوت
سمعته يقول: ((هذا سيد أَهل الوبر)) فلما سلمت وجلست قلت :
يا رسول الله، المال الذي لا يكون عليّ فيه تبعة من ضيف ضافي
أو عيال وإن كثروا، قال : المال الأربعون والكثير ستون ، وويل
لأصحاب المثين - يقولها ثلاثاً - إلا من أعطى في رِسْلِها وبجدتها،
وأَفقر ظهرها وأُطرق فحلها ، ومنع غزيرتها ونحر سمينتها ، وأطعم
القانع والمعتر ، قلت : ما أكرم هذه الأخلاق وأحسنها ، وما يحل
بالوادي الذي أنا فيه . قال : فكيف تصنع بالأفقار ؟ فقلت : إنا
لا تعير البكر الضرع والنّاب المدبرة قال : فيكف تصنع بالمنيحة ؟
قال : أنتج في كل سنة مائة . قال : فكيف تصنع في الطروق ؟
(١) الإضافة عن أسد الغابة ٤ : ٢٤٣.
(٢) انظر المرجع السابق في خبر قيس بن عاصم .
(٣) والحديث في المرجع السابق برواية النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب رضي
الله عنه وفيه («أهو إن شئت عن كل واحدة بدنة)).

٥٣٣
لابن شبة
قال تغدو الإبل وتأتي الناس فمن شاء أَخذ برأس بعير فذهب به ،
قال : فمالك أحب إليك أَو مال مواليك ؟ قال قلت : بل مالي ،
قال: إِنما لك مِنْ مَالِك ما أَكلت فأَفنيتَ، أَو لَبِسْتَ فَأَبْلَيْت،
أو أعطيت فأمضيت، وما بقي فلمولاك. قلت : أما والله لئن بقيت
لأَّدعنّها قليلاً ، قال الحسن : ففعل والله . فلما حضرته الوفاة قال :
يا بَنِيَّ خذوا عني ، فإنه ليس أحد أنصح لكم مني ، إذا أَنا مت
فسوّدوا كباركم لا تسودوا صغاركم فتستسفه الناسُ كِيَارَكم
وتَهُونُوا عليهم وعليكم بإصلاح المال فإِنه منبهة الكريم ، ويُسْتَغْنِى
به عن اللثيم ، وإيا كم والمسأَّة ؛ فإنها آخر كسب المرء ، ادفنوني
في ثيابي التي كنت أُصلي فيها ، وإيا كم والنياحة ؛ فإنّ النبي صلى الله
عليه وسلم ينهى عنها، وادفنوني في مكان لا يعلم بي أحد؛ فإنه قد كان
كون (١) مني ومن هذا الحي ابن بكر بن وائل كما نشأت في الجاهلية.
* حدثنا خلف بن الوليد ، وأحمد بن معاوية قالا ، حدثنا
هشيم ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال : دخل عيينة بن حصن(٢) على رسول الله صلى الله عليه وسلم
(١) الكتون : الشيء أو الحدث (أقرب الموارد ك ون).
(٢) عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو بن جُوَيَّة بن لوزان بن ثعلبة بن عدي
ابن فزارة الفزاري - يقال كان اسمه حذيفة ، ويكني أبا مالك ، ولقب عيينة ، لأنه كانت
أصابته شجة فجحظت عيناه ، قال ابن السكن : له صحبة ، وكان من المؤلفة قلوبهم ،
أسلم قبل الفتح ، وشهد حنينا والطائف ، وکان ممن ارتد في عهد أبي بكر ، ومال إلى
طليحة فبایعة ، ثم عاد إلى الإسلام، کما کان فيه جناء سكان البوادي کما هو ثابت من هذا
الخبر وغيره من دخوله بغير إذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كتاب ((الأم))
الشافعي في باب الزكاة ((أن عمر قتل عيينة بن حصن على الردّة، قال ابن حجر: ولم أر
من ذكر ذلك غيره ، لكن يحتمل أن يكون أمر بقتله فبادر إلى الإسلام فترك فعاش إلى
خلافة عثمان ( الإصابة ٣ : ٥٥، وأسد الغابة ٤ : ١٦٧).

٥٣٤
تاريخ المدينة المنورة
وهو يقبل الحسن (١) أو الحسين فقال : أَتقبله وقد ولد لي عشرة
ما قبّلت أحداً منهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إنه لا يُرْحَم
من لا يَرْحَم » .
* حدثنا سلمان بن أحمد الحرشي قال ، حدثنا الوليد بن مسلم
قال ، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن ربيعة بن يزيد
الحرشي ، عن أبي كبشة السلولي : أنه قدم على ابن الوليد بن عبد الملك
فقال: ما أقدمك !! أردت مسألة أمير المؤمنين ؟ فقال: أَنا أَسأَّه
شيئاً بعد ما حدثني سهل بن الحنظليّة الأنصاري أن عيينة بن بدر
والأَّفرع بن حابس سأَلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر معاوية
فكتب لهما كتاباً فرمى به إليهما ، فريط عيينة كتابه في عمامته
- وكان أحلم الرجلين - فقال الأفرع : ما فيها ؟ فقال معاوية
رضي الله عنه: فيها ما أُمِرْتُ به . فقال الأَّفرع: أَنا أَحمل صحيفة
لا أدري ما فيها كصحيفة المتلمّس (٢) ؟ فأخبر معاوية رضي الله عنه
(١) وفي السيرة الحلبية ٢ : ٣٢٥: ورأى النبي يقبل الحسن الخ وانظر الحديث
والخبر بطوله هناك. وورد الحديث بمعناه في الجامع الصغير ٢ : ١٨٣ مروياً بطرق مختلفة
عن أبي هريرة وابن عباس .
(٢) هو جرير بن عبد المسيح بن عبد الله بن زوفن بن حرب بن وهب بن جلا بن
أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن نزار ، وهو من شعراء الجاهلية المقلين المفلقين ، وقد اتفقوا
على أن أشعر المقلين في الجاهلية ثلاثة : المتلمس ، والمسيب بن علس ، وحصين بن الحمام.
والمتلمس لقب غلب عليه ببيت قاله وهو :
فهذا أوانُ العَرَضِ جُنّ ذيابُه
زنابيره والأزرقُ المتلمس
وهو خال طرفة بن العبد ، وكان طرفة قد هجا عمرو بن هند فلما قدم عليه ، كتب
لهما إلى عامله على البحرين وهجر - ربيعة بن الحارث العبدي ..- وقال لهما انطلقا فاقيضا
جوائزكما ، فلما هبط النجف ، قال المتلمس لطرفة: إنك غلام حديث السن والملك من
عرفت حقده وغدره - وكان قد هجاه - فلست آمناً أن يكون قد أمر بشر، فهلم فلننظر
في كتبنا فأبى طرفة أن يفض خاتم الملك ، وعدل المتلمس ، إلى غلام من غلمان الحيرة =

٥٣٥
لابن شبة
رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب وذكره ، وقال كالمتشخط
آنفاً («إنه من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنّم))
قالوا : يا رسول الله وما يغنيه؟ قال ((ما يغدّيه أو يعشّيه)).
. حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن عقال الحراني قال ،
حدثنا مسكين بن بكير الحرّاني (١) . قال، حدثنا محمد بن المهاجر،
عن ربيعة بن يزيد قال : أقبل أبو كبشة السلولي إلى الوليد بن عبد الملك
وهو نازل بدير مروان فدخل إليه فسلّم ، ثم خرج إلى المسجد فإذا
خلفه عبد الله بن عامر فجلسا(٢) فيه له عبد الله : يا أبا كبشة ،
هل دخلت على أمير المؤمنين ؟ قال : نعم . قال فهل سألته من حاجة ؟
فقال: ما كنت لأَسأله بعد حديث سهل بن الحنظلية . قال: وما حديث
سهل ؟ قال : حدثنا سهل: أَن عيينة بن حصن بن بدر والأفرع
ابن حابس دخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه ، فأمر لهما
بما سأَلاه، وأمر معاوية أن يكتب لهما بذلك ، فكتب ودفع إلى
كل واحد منهما صحيفة ، فأَما الأفرع فكان رجلا رحيماً فأخذ
صحيفته فلفها في عمامته ، وأما عيينة فإنه أرسل إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم : أتراني ذاهب إلى قومي بصحيفة كصحيفة
= عباديّ فأعطاه للصحيفة، فقرأها فانتزع المتلمس الصحيفة من الغلام واكتفى بذلك ،
وأتبع طرفة فلم يلحقه ، وأتى طرفة العامل فقطع يديه ورجليه ودفنه حيا ( الأغاني ٢١ :
١٨٥ ط . ليدن ).
(١) مسكين بن بكير الحراني صدوق مشهور ، صاحب حديث ، قال أبو حاتم
لا بأس به صالح الحديث ، مات سنة ثمان وتسعين ومائة ( ميزان الاعتدال ٣ : ١٦٤) .
(٢) في الأصل : فجلس فيها والصواب ما أثبت .

٥٣٦
تاريخ المدينة المنورة
المتلمس لا يدري ما فيها ؟ فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم صحيفته
فنظر فقال (( قد كتبت إليك بما أمر لك فيها)) - قال محمد بن
المهاجر عن يونس عن ميسرة : فيرى أن النبي صلى الله عليه وسلم
كتب بعد ما أنزل إليه - ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزله
قمر ببعير قد لحق ظهره ببطنه فقال (« اتقوا الله في هذه الدواب
العجمة ، كلوها صالحة واركبوها صالحة)» ثم قال بعد أن دخل
منزله كهيئة المتشخط : آنفاً يقول أَذْهَبُ إلى قومي بصحيفة
كصحيفة المتلمس لا يدري ما فيها ، ألا ومن سأل مسألة وعنده
ما يغنيه فإنه يستكثر من النار)) فقال قائل: يا رسول الله، ما هذا
الغنى الذي لا تُبْتَغى المسألة معه؟ فقال ((قوت يوم وليلة)).
قال أبو زيد بن شبة : يقال إن عيينة كان أَهوج مجدوداً ،
وإن عامر بن الطفيل كان عاقلا محدوداً ، فكان يقال : رأي عامر
وحظ عيينة .
* حدثنا أحمد بن جناب قال ، حدثنا عيسى بن يونس ،
عن إسماعيل عن قيس : أن عيينة بن حصن كان عند النبي صلى الله
عليه وسلم ورجل آخر وعنده عائشة رضي الله عنها ، فأتى النبي
صلى الله عليه وسلم بشراب فسقى الرجل فسبروه (١) ، فقال عيينة :
يا رسول الله ما هذا ؟ قال هذه خلة أتاها الله قوماً ومنعكموها
هذا الحياء . قال : فَمَنْ هذه إلى جنبك ؟ قال هذه عائشة بنت أبيبكر ،
(١) سبروه: أي وجدوه: سبراً أي حسن الهيئة والجمال حيا - قال الشاعر:
وأني لا يزايلني الحياء
وسبرى أنني حر تقي
( الثان ( سبر)) .

٥٢٧
لابن شبة
قال : أَفلا أَنْزِل لك عن خير منها ؟ قال: من ؟ قال: حمرة (١) ،
قال : لا ، قم فاخرج فاستأذن ، قال: إن عليّ يميناً أَن لا أستأذن
في بيت رجل من مضر . فقالت عائشة رضي الله عنها : يا رسول الله
من هذا ؟ قال: ((هذا أحمق متبع))(٢).
* حدثنا علي بن الصباح ، عن هشام بن محمد قال ، حدثني
أبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : دخل
عيينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أُم سَلَمّة فقال:
يا محمد من هذه ؟ قال : هذه أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة ،
قال : ألا أُنزل لك عن سيدة نساء مضر : حمرة ؟ قال صلى الله عليه
وسلم : أنت أحق بالحمرة ، .
* قال أبو زيد بن شبة وروي الهيثم بن عدي ، عن ابن عياش،
عن الشعبي : أَن وفد غطفان قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم
فأراد أن يستعمل عليهم رجلاً منهم فتنافسوا في الإمرة فولى عُيَيْنَة على
بني فزارة ، والحارث بن عوف على بني مُرَّة ، ونُعَيم بن مسعود
على أشجع ، وعبد الله بن عمرو بن سُبَيْع الثعلبي على بني ثعلبة ونغمير
وبني عبد الله بن غطفان .
قال أبو زيد بن شبة : ويقال إن عيينة ربَّع في الجاهلية وخمّس
في الإسلام ، وإن هذا لم يجتمع لعربي غيره .
(١) حمرة : يعني امرأته ، كما يفهم من الإصابة ٣ : ٥٥ ومن الحديث الآتي
(٢) في الإصابة ٣: ٥٥ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم ((هذا الأحمق المطاع))
يعني في قومه .

٥٣٨
تاريخ المدينة المنورة
• حدثنا المدائني : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد
عيينة ربّع في الجاهلية وخمّس في الإسلام ، وأن هذا لم يجتمع
لعربي غيره .
* حدثنا المدائني أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجَّه عيينة
ابن حصن إلى ذات الشقوق سَرِيّةً . فأَغار على حي من بني العنبر
ابن عمرو بن تميم فقدم بهم المدينة وعلى عائشة (١) عِثْقُ محرّر
من ولد إسماعيل ، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم فأَعتقت رجلاً
من سَبي بني المغيرة ، ثم أَخذ بني المنذر بن الحارث بن جهنمة
ابن عدي بن جندب ، فقال سلمة بن عتاب :
من الشّرّ مَهْوَاةٌ شديداً كؤودُها
لَعَمْرِي لَقَدْ لَاقَتْ عَدِيُّ بن جُنْدُب
وغُيِّبَ عنها جِدّها وعَدِيدُهَا
تَكَنِّفَهَا الأَعداء من كُلِّ جَانِبٍ
ويقال إنه كانت له إتاوة على أَهل يَغْرِب يأخذها في كل عام ،
وإنه كان في ذُبْيَان حيث أُوقِعَ بينهم ذَرْوُ (٢) فلقيه ذبان بن سار
منطلقاً ليأُخذ إتاوته ، فقال له: أَتَدَع قومك على هذه الدائرة ولا تصلح
بينهم الإتاوة تأخذها من أهل يثرب ؟ فلم يُعَرِّج عليه ومضى لوجهه ،
فقال ذبان :
فأُصعدت في ر کب إلی أهل يثربا
تَركت بني ذبيان لم تأْسَ بَيْنَهُم
وتَسْرِقَ في أهل الحجاز وتكذبا
وما جئتهم إلا لتأُكل تَمْرَهم
(١) في ابن هشام ٤: ١٠٣٨ (قالت عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن علي"
رقبة من ولد إسماعيل، فقال : هذا سي بنى العنبر يقدم الآن فتعطيك منهم إنسانا فتعتقيته .
(٢) الذرو من الحديث: ما ارتفع إليك وترامى من حواشيه وأطرافه ، من قولهم :
ذرا إليّ فلان أي ارتفع وقصد، وذرا الشيء وذروته أنا: إذا طيرته ( الفائق في غريب
الحديث ١ : ٤٢٩) والمراد المعاتبة - أو الخصومة .

٥٣٩
لابن شبة
بسلع رأيت الهِجْرَسَ (١) المتزيبا(٢)
يسوقون لحاظا إذا ما رأيته
* حدثنا أيوب بن محمد الرّقي قال، حدثنا مروان بن معاوية
الفزاري ، عن مالك بن أبي الحسين ، عن عيينة شيخ من بني فزارة،.
عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : دخل عُيَيْنَة بن حصن على رسول
الله صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وهم
جلوس على الأرض جميعاً فأَمر لعيينة بنمرقة (٣) فأَجلسه عليها
وقال : إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه(٤) .
* حدثنا محمد بن مصعب قال ، حدثنا الأوزاعي ، عن
داود بن علي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم بموضع يقال
له القارة فشرط بكسرة شفرة ، فمرّ به عُيَيْنَة بن بدر فقال له :
يا محمد علام تعطي هذا الأعرابي يبطط(٥) جلدك ؟ فقال: إن
هذا الحَجْمُ هُو خَيْرِ ما يُداوى به(٦).
(١) الهجرس : ولد الثعلب ، هكذا تجعله بنو تميم - وقال أبو زيد: الهجرس:
القرد .
(٢) المتزيبا : الأزيب: اللئيم والداهية - أو السريع المتقارب الخطو (الفائق في
غريب الحديث ٣ : ١٩٥ - تاج العروس ١: ٢٩١، ٤: ٢٧١ ، اللسان زى ب).
(٣) النُمْرق والنُمْرَقة بالضم ويثلثان: الوسادة الصغيرة يتكأ عليها ، وقيل الطنفسه
فوق الرحل ( أقرب الموارد) .
(٤) في الجامع الصغير ١ : ١٦ عن أبي هريرة ، وعن معاذ وأبي قتادة ، وعن ابن
عباس ، وعن عدي بن حاتم ، وعن أبي راشد بن عبد الرحمن بن عبد . روي بلفظ
(( شريف قومه)).
(٥) بط الجرح : شقه (اللسان) وبط الجلد : أعياه (أقرب الموارد).
(٦) وفي المستدرك ٤: ٢٠٨ عن سمرة رضي الله عنه قال: دخل أعرابي من بي
فزارة من بني قرفة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا حجام يحجمه بمحاجم له
من قرون يشرطه بشفرة ، فقال ما هذا يا رسول الله ؟ : لم تدع هذا يقلع عليك جلدك ؟
قال : هذا الحجم . قال: وما الحجم ؟ قال : خير ما تداوى به الناس . وانظر ابن ماجه =

٥٤٠
تاريخ المدينة المنورة
* حدثنا الحسين بن إبراهيم قال ، حدثنا المبارك بن سعيد ،
عن أبيه ، عن ابن أبي نعيم ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
قال : بعث عليَّ رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن
بذهبية في أديم مقروط لم تحصل من ترابها (١) فقسمها بين
أربعة : الأَّفرع بن حابس الحنظلي ثم أحد بني مجاشع ، وعبينة
ابن حصن الفزاري ، وعلقمة بن علاثة الجعفري(٢) ، وزيد الخير
الطائي(٣)، ثم أَحد بني نبهان . فقالت قريش والأنصار: أَتقسم
== ٢: ١١٥١ حیث روی أ کثرمن حديث بهذا المعنى عن أبي هريرة وعن أبي عباس ، وعن
أنس بن مالك وكذا صحيح الترمذي ٨: ٢٠٩ (( أبواب الطب)).
(١) في الأصل ((في ذهبية فيها ترابها)) والمثبت عن البداية والنهاية ٥ : ١٠٦.
(٢) هو علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر
ابن صعصعة الجعفري العامري الكلابي ، كان من أشراف بني ربيعة بن عامر ، وكان من
المؤلفة قلوبهم ، وكان سيداً في قومه حليماً عاقلا ، وهو الذي نافر عامر بن الطفيل بن مالك
ابن جعفر بن كلاب وفاخره - والقصة مشهورة - ولما عاد النبي صلى الله عليه وسلم من
الطائف ارتد علقمة ولحق بالشام ، فلما توفي التي أقبل مسرعاً وعسکر في بني كلاب بن
ربيعة ، فأرسل إليه أبو بكر رضي الله عنه سرية فانهزم وغنم المسلمون أهله، ثم أسلم علقمة
فقبل ذلك منه ، وحسن إسلامه ، واستعمله عمر على حوران فمات بها ، وكان الحطيئة
خرج إليه ، فمات علقمة قبل أن يصل إليه الحطيئة ، فأوصى له علقمة كبعض ولده ،
فقال الحطيئة من أبيات :
وبين الغنى إلا ليال قلائل
فما كان بيني لو لقيتك ساما
( أسد الغابة ٤ : ١٣ ) .
(٣) زيد الخير : هو زيد الخيل ، وسمي بذلك لکثرة خيله ، ولم یکن لأحد من
قومه ولا لکثیر من العرب غیر الفرس والفرسین ، وهو زید بن مهلهل ین زید بن منهب
ابن عبد بن أقصى بن المحلس بن ثوب بن كنانة بن مالك بن نائل بن نبهان ، كان من المؤلفة
قلوبهم ، أسلم وحسن إسلامه ، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم في وفد طي" سنة تسع
وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم (زيد الخير)، وقال عليه السلام: ما ذكر رجل
من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل ، فإنه لم يبلغ الذي فيه ،
وأقطعه أرضين ، وكان يكني أبا مكتف وكان له ابنان: مكتف وحريث ، أسلما ،