النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
لابن شبة
ابن ياسر وعبد الله بن سعد(١)، فشرح بالكفر صدراً . وأما عمار
فلم يزالوا يعذبونه حتى كادوا يقتلونه ، فلما رأوا أنه يأبى عليهم
أَن يكفر قالوا : تَسُبّ النبي ونُخلي سبيلك ، فلما فعل فعلوا ، فخرج
حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: ((أَفلح
وجه أبي اليقظان)) قال: ما أَفلح وَجْهُه ولا أَنْجَح، قال: ((ما لَكَ
أبا اليقظان)) قال : بدروني (٢) حتى سببتك ، قال : فكيف تجد
قلبك ؟)) قال: يحبك ويؤمن بك، قال ((فإن استزادوك من ذلك
فَزْد ».
قال أبو زيد بن شبة : فقد روى هذا الحديث : وأثبت منه أن
عماراً قدم المدينة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم - حدث به
شعبة عن ابن إسحاق عن البراء ، كذلك روى شعبة بهذا الإسناد أن
عمر رضي الله عنه قدمها قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما
روى شعبةُ أَقوى في الإسناد وأحرى أن يكون ؛ لأَن عماراً وعمر بن
الخطاب لا يتخلفان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
(١) هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحارث بن حبيب بن جذيمة بن مالك
ابن حسل بن عامر بن لؤي القرشي العامري - قريش الظواهر وليس من قريش
البطاح - أسلم قبل الفتح ، ثم هاجر ، وكان يكتب الوحي لرسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلم ، ثم ارتد مشركاً وصار إلى قريش بمكة وقال لهم : إني كنت أصرف محمداً
حيث أريد، كان يملي علىّ (عزيز حكيم)) فأقول: أو ((عليم حكيم)) فيقول: نعم
كل صواب - فلما كان يوم الفتح أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله ، وقتل كل
من : عبد الله بن خطل ، وقعيس بن صبابة ، ولو وجدوا تحت أستار الكعبة ، فأجاره
عثمان بن عفان ، وأسلم بعد ذلك وحسن إسلامه ، مات سنة ست وثلاثين وقيل سبع
وثلاثين وقيل تسع وخمسين ، والأول أصح. (أسد الغابة ٣: ١٧٣، الإصابة ٢ : ٣٠٩).
(٢) البادرة : طرف السهم من قبل التصل ، وبدروني : أي ضربوني ببادرة
سهامهم حتى سبيتك (أقرب الموارد ١: ٣٣ ، وفي أسد الغابة ٤: ٤٤: أخذه المشركون
فعذبوه فلم يتركوه حتى سبّ النبي صلى اللّه عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير).

٤٨٢
تاريخ المدينة المنورة
( هجرة عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما )(١)
• حدثنا محمد بن الصباح قال ، حدثنا إسماعيل بن زكريا ،
عن عاصم(٢) الأُحول ، عن أبي عثمان قال(٣)، سمعت ابن عمر رضي
الله عنهما يغضب إذا قيل إنه هاجر قبل أبيه ويقول : قدمت أَنا
وعمر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فوجدناه
قائلاً ، فرجعنا إلى المنزل فأرسلني عمر رضي الله عنه فقال : اذهب
فانظر هل استيقظ ؟ فأُتيت فدخلت عليه فبايعته ، ثم انطلقت إلى
عمر رضي الله عنه فأخبرته أنه قد استيقظ ، فانطلقنا إليه فهرول
هرولة حتى دخل عليه عمر رضي الله عنه قبايعه ، ثم بايعته . فكان
ابن عمر رضي الله عنه يغضب إذا قيل له هاجرتَ قبل عمر رضي
الله عنه .
( لا هجرة بعد الفتح ) (٤)
. حدثنا حبّان بن هلال قال ، حدثنا وهيب قال ، حدثنا عبد الله
(١) إضافة على الأصل .
(٢) هو عاصم بن سليمان التميمي مولاهم أبو عبد الرحمن البصري الأحول ،
عن أنس وعبد الله بن سرجس والشعبي وأبو عثمان النهدي ، وعنه قتادة وحماد بن
زيد وزائدة وشريك ، وثقه ابن معين وأبو زرعة ، قال أحمد : ثقة من الحفاظ ،
قال ابن سعد: مات سنة إحدى وأربعين ومائة ( الخلاصة الخزرجي ص ١٨٢ .
ميزان الاعتدال ٢ : ٢ ).
(٣) هو عبد الرحمن بن مُلٍ -بضم أوله وکسر اللام-بن عمروبن عدي النهدي
أبو عثمان الكوفي ، أسلم وصدّق، ولم ير النبي صلى الله عليه وسلم ، يروى عن عمر
وعلي وأبي ذر ، وعنه قتادة وأيوب وخلق ، وثقه ابن المديني وأبو حاتم والنسائي ،
وقيل إنه حجّ واعتمر ستين مرة ، قال عمرو بن علي : مات سنة خمس وتسعين ،
وقال ابن معين : مات سنة مائة عن أكثر من مائة وثلاثين عاماً ( الخلاصة للخزرجي
ص ٢٣٥ ط. بولاق ) .
(٤) إضافة على الأصل .

٤٨٣
لابن شبة
ابن فاروق طاوس ، عن أبيه ، عن صفوان بن أمية . أنه قيل له :
إِنّ الجنّة لا يدخلها إلا من هاجر ، قال : فقلت لا أُدخل منزلي حتى
آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله، قال: فأتيت رسول الله
صلى الله عليه وسلم وقلت : يا رسول الله ، إنهم يقولون لا يدخل
الجنة إلا من هاجر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا هجرة
بعد فتح مكة، ولكن جهادٌ ونيّة وإن استنفرتم فانفروا)) (١).
* حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا محمد بن إسحاق ، عن
ابن جعفر : أَن صفوان بن أمية أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم
بعد الفتح، فقال: (( ما جاء بك أَباء أُمية)) ؟ قال : زعم الناس أنه
لا خَلَاق لمن لم يهاجر، فقال «عزمت عليك لترجعَنَّ حتى تتبطح
ببطحاء مكة)) (٢) فعلم أنه لا هجرة بعد الفتح .
· قال محمد بن حاتم ، أخبرنا الحزامي ، عن محمد بن طلحة
قال ، حدثنا إسحاق - رجل من ولد حارثة بن النعمان - عن أبيه ،
عن جده قال: لما قدم صفوان بن أمية المدينة قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم ((على من نزلت))؟ قال : على العباس بن عبد المطلب
رضي الله عنه، قال صلى الله عليه وسلم: ((نزلت على أشد قريش
لقريش حبّاً )).
· قال أبو زيد بن شبة : كان نعيم بن عبد الله بن النحام(٣) يَمُونُ
عالةً بني عَديّ ، فأراد الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
(١) ورد في الجامع الصغير عن مجاشع بن مسعود ٢ : ٢٠٤ .
(٢) البطحاء مسيل واسع فيه دقاق الحصى . وتتبطح : أي تستلقي وتنطرح على
وجهك بالبطحاء: أقرب الموارد ((بطح)).
(٣) هو نعيم بن عبد الله بن أسيد بن عبد عوف بن عبيد بن عَويج - بفتح العين=

٤٨٤
تاريخ المدينة المنورة
فسأله قومُه المقامَ فيهم، وقالوا : إنه لا ينالك أحدٌ بمكروه ومنا نفس
حيّة، فأقام. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قومك كانوا
لك خيراً من قومي لي ؛ أخرجني قَوْمي وحَبَسَك قومك)) قال نعيم :
يا رسول الله ، إن قومك أخرجوك إلى الهجرة وحبستي قومي عنها .
• حدثنا أبو الوليد القرشي قال ، حدثنا الوليد بن مسلم قال ،
حدثنا أبو مهدي سعيد بن سنان (١)، عن أبي الزاهرية (٢) حدير بن
كريب ، عن جبير بن نُفَير : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان
إذا صلّى بالناس فسلّم قام فتصفح بوجهه الناس ، فإذا رأى رجلاً
لم يكن رآه قبل ذلك سأل عنه. قال جبير : فرأى يوماً رجلاً لم يكن
رآه قبلها فقال: (( من تكون يا عبد الله)) ؟ فرفع رأسه فقال : أَنا
وَاثْلَةُ بنُ الأَسقع (٣) الليثي، قال ((فما جاء بك))؟ قال مهاجراً إلى
= وكسر الباء والواو فيهما - بن عدي بن كعب القرشي العدوي، سمي النحام لأن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: ((دخلت الجنة فسمعت نحمة من نعيم فيها)) والنحمة: السعلة،
وقيل النحتحة الممدود آخرها - منعه قومه لشرفه فيهم من الهجرة ، لأنه كان ينفق
على أرامل بني عدي وأيتامهم ويمونهم وقالوا له : أقم عندنا على أي دين شئت فوالله
لا يتعرض إليك أحد إلا ذهبت أنفسنا جميعاً دونك : قتل يوم اليرموك شهيداً سنة
خمس عشرة في خلافة عمر ، وقيل استشهد بأجنادين ثلاث عشرة في خلافة أبي بكر
( أسد الغابة ٥ : ٣٣ ) .
(١) هو سعيد بن سنان أبو مهدي الحمصي ، قال الجوزجاني : كان أبو اليمان
يثنى عليه في فضله وعبادته ، توفي سنة ثمان وستين ومائة (ميزان الاعتدال ١ : ٣٧٤).
(٢) هو حُدير بن كريب الحضرمي أو الحميري ، أبو الزاهرية ، الحمصي ،
كان أمياً ، روى عن جبير بن نفير وكثير بن مرة ، وثقه ابن معين ، قال الفلاس :
توفي سنة مائة ، قال ابن سعد : توفي سنة تسع وعشرين ومائة ( الخلاصة الخزرجي
وحاشيتها ص ٩٧ ) .
(٣) في الأصل ((واثلة من أسقع، والتصويب عن أسد الغابة ٥ : ٧٧ وكذا
الإصابة ٢: ٥٨٩. وهو واثلة بن الأسقع بن عبد العزى بن عبدياليل بن ناشب بنغیرةبن=

٤٨٥
لابن شبة
الله ورسوله، قال (( هجرة إقامة أم هجرة رجعة))؟ قال : وكان منهم
من يسلم ثم يرجع ومنهم من يسلم ويقيم - قال : بل هجرة إقامة ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أَعطني يدك)) فبسطها فصافحه
على: ((شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده
ورسوله ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وتطيع الله ورسوله فيما
استطعت ))، قال : نعم ، فصافح رسول الله صلى الله عليه وسلم على
يده ، وكانت بيعة رسول الله المهاجرين فيما استطعت .
* حدثنا إبراهيم بن المنذر قال ، حدثنا عبد الله بن وهب قال،
حدثني عاصم بن حكيم ، عن يحيى بن أبي عمرو السَّيباني (١) ، عن
ابن الديلمي ، عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال : خرجت من
أهلي أُريد الإِسلام ، فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وهو في الصلاة ، ، فصففت في آخر الصفوف فصلّيت بصلاتهم ،
فلما فرغ انتهى إلى واثلة وهو في آخر الصفوف فقال: ((ما حاجتك))؟
قلت: الإِسلام، قال ((هو خير لك)) قال: ((وتهاجر)) ؟ قلت : نعم ،
قال هجرة البادي أو هجرة التأله (٢) ؟ قلت أيّها خير))؟ قال ((هجرة
التأَله)) - قال: وهجرة التأله أن يثبت مع رسول الله صلى الله عليه
= سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الكناني الليثي، وقيل واثلة بن عبد الله بن الأسقع،
ویکی أبو شداد ، وأبو قرخافة ، توفي سنة ثلاث و ثمانين ، وهو ابن مائة وخمس وستين،
وقال سعيد بن خالد وأبو مسهر : مات سنة خمس وثمانين ، وهو ابن ثمان وتسعين ،
قيل توفي ببيت المقدس ، وقيل بدمشق ، وكان قد عمى - أخرجه الثلاثة .
(١) يحسبي بن أبي عمرو السّيْبَاني - بفتح المهملة والموحدة بينهما تحتانية،
وسيبان بطن من حمير - أبو زرعة الحمصي ، عن عبد الله بن الدليمي - مرسلاً -
وأبي محيريز ، وعنه الأوزاعى وابن المبارك ، وثقه أحمد ودحيم ، قال ضمرة بن ربيعة :
توفي سنة ثمان وأربعين ومائة ( الخلاصة الخزرجي ص ٤٢٦ ) .
(٢) هجرة التأله: أي هجرة التنسك والتعيد ( المعجم الوسيط ١ : ٢٤).

٤٨٦
تاريخ المدينة المنورة
وسلم، وهجرة البادي أن يرجع إلى باديته - قال «وعليك الطاعة
في ◌ُسْرِك ويُسْرك ومَنْشَطك ومَكْرَهك)) قلت : نعم ، قال : فقدّم يده
وقدّمت يدي، فلما رآني لا أستثني لنفسي شيئاً قال: ((فيما استطعت))
قلت : فيم استطعتُ ، فضرب على صدري .
* حدثنا عمرو بن عون قال ، حدثنا خالد بن عبد الله ، عن داود
ابن أبي هند ، عن أبي حرب(١)- يعني ابن أبي الأسود الديلي ، عن
طلحة - قال أبو زيد: هذا طلحة (بن عمرو (٢) النضري) - قال: كان
من قدم المدينة ، فكان له بها عريف نزل على عريفه ، ومن لم يكن
له بها عريف نزل الصُّفَّة ، فكنت فيمن نزل الصّفَّة ، فوافقت رجلين
فكان يجرى علينا في كل يوم مُدَّ من تمر (٣) من رسول الله صلى الله
عليه وسلم ؛ فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فناداه رجلٌ من أهل
الصُّفّة : يا رسول الله، أَحَرَقَ التمرُ بطونَنًا،، وتخرقت علينا
الخنف (٤) فقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى منبره فحمد الله وأثنى
عليه ، وذكر ما لقي من قومه ، حتى أن كان ليأتي عليّ وعلى صاحبيّ
(١) في الأصل ((عن ابن حرب)) والتصويب عن حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني
١ : ٣٣٩، ٣٧٤ ط. السعادة .
(٢) ما بين الحاصرتين إضافة عن الحلية ١ : ٣٣٩، ٣٧٤ وفي الإصابة ٢ : ٢٢٢ .
والحلية ١: ٣٧٤ ((طلحة بن عمرو البصري. أما في الاستيعاب ٢ : ٢١٦، وأسد
الغابة ٣ : ٦٢ فهما موافقان للأصل في ترجمته .
(٣) في الأصل ((مُدّين تمر)) والمثبت عن حلية الأولياء ١: ٣٣٩، ٣٧٤
وأسد الغابة ٣ : ٦٣ .
(٤) العبارة مشوهة في الأصل والإثبات عن حلية الأولياء ١: ٣٦٤، وأسد الغابة
٣ : ٦٢، والخنف - ككتب : جمع خنيف : نوع غليظ من أرداً أنواع الكتان تعمل
منه برود شبه اليمانية ( حلية الأولياء ١ : ٣٧٤ ) .

٤٨٧
لابن شبة
بضْعَةً عشر يوماً ما لنا طعام إلا البرير(١) فقدمنا على إخواننا من
الأَنصار - وجلّ طعامهم التمر - قواسونا، ولو أَجدُ لكم الخبز واللحم
لأَطعمتكم ، ولكن لعلكم ستدركون زماناً - أو من أدركه منكم -
تلبسون فيه مثل أُستار الكعبة، ويُغْدَى ويراح عليكم بالجِفَان.
* حدثنا محمد بن حميد قال ، حدثنا سلمة بن الفضل ،
عن ابن إسحاق ، عن هشام بن الوليد ، عن زياد بن مخراق ، عن
عبد الله بن مغفل المزني(٢) قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا
هاجر أحدٌ من العرب وَّلَ به رجلا من الأَنصار ، فقال: (( فَفَقُّهُهُ
في الدين، وأَقرئه القرآن، فهاجرتُ إِلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم فوَكَّل بي رجلا من الأَنصار فَفَقَّهَني في الدين، وأَقْرَأَني
القرآن ، وكنت أَغدو عليه فأجلس ببابه حتى يخرج متى يخرج ،
فإذا خرج تردّدتُ معه في حوائجه فأستقرئه القرآن ، وأسأله في
الدين حتى يرجع إلى بيته ، فإذا دخل بيته انصرفت عنه .
* حدثنا عبد الله بن رجاء قال، أنبأنا إسرائيل، عن سماك،
(١) البرير : أول ما يظهر من ثمر الأراك ( أقرب الموارد ١ : ٣٧ والنص بهذا
موافق الحلية في ١: ٣٧٥، وأسد الغابة ٣ : ٦٣ ).
(٢) عبد الله بن مغفل بن عبد غنم ، وقيل عبد نهم بن عفيف بن أسحم بن ربيعة
ابن عداء بن عدي بن ثعلبة بن ذؤيب المزني ، هو وولده عثمان من مزينة
نسبوا إلى أمهم مزينة بنت كلب - وكان من أصحاب الشجرة ، أحد البكائين الذين
أنزل الله عز وجل فيهم: ((ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم
عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع ، ٩ : ٩٢ .
وكان رضي الله عنه أحد العشرة الذين بعثهم عمر إلى البصرة يفقهون الناس ، وهو
أول من دخل من باب مدينة ((تستر)) حين فتحها المسلمون، توفي عبد الله بالبصرة
سنة تسع وخمسين ، وقيل سنة ستين ، أيام إمارة ابن زياد ، وصلى عليه أبو برزة
الأسلمي بوصية منه (أسد الغابة ٣: ٢٩٤، الإصابة ٢: ٣٦٤، الاستيعاب ٢: ٣١٦).

٤٨٨
تاريخ المدينة المنورة
عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله :
((كُنْتُم خَيْرَ أُمّة أُخْرِجَت للنَّاس))(١) قال: هم الذين هاجروا مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة .
• حدثنا أيوب بن محمد قال ، حدثنا محمد بن مصعب
قال ، حدثنا قيس ، عن سماك بإسناده مثله .
* حدثنا خالد بن عبد العزيز الثقفي قال ، حدثنا أبو عوانة ،
عن مغيرة ، عن مجاهد قال : مرّت بابن عمر رضي الله عنهما رفقةٌ
فقال: من القوم ؟)) فقال : حادي بن عمر : قريش . فقال ابن عمر :
قريش قريش !! نحن المهاجرون .
* حدثنا إبراهيم بن المنذر قال ، حدثنا عبد الله بن وهب
قال ، حدثنا مالك بن أنس قال : لما قدم المهاجرون على الأنصار
المدينة قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ((قَاسِعُوا الذين قدموا
عليكم )) قالوا (٣): نعم يا رسول الله نقاسمهم التمر، قال ((أَو غير
ذلك )) قالوا : ما هو ؟ قال: يَكْفُونَكُم المؤنةً وتقاسمونهم الثَّمر ،
قالوا : سَمِعْنا وأَطَعْنا ، فكانوا يكفونهم المؤنة ويقاسمونهم التمر ،
حتى إن كان أحدهم ليكون له المرأتان فيخيِّر أخاه المهاجر في إحداهما .
( قسم أموال بنى النضير )(٣)
* حدثنا حِبّان بن بشر قال ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن
أبي بكر ، عن الكلبي قال : لما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على
(١) سورة آل عمران آية ١١٠.
(٢) في الأصل ((قال)) والصواب ما أثبت.
(٣) إضافة على الأصل .

٤٨٩
لابن شبة
أموال بني النضير قال للأنصار (( إن إخوانكم من المهاجرين ليست
لهم أموال ، فإن شئتم قسمت هذه الأموال بينهم وبينكم جميعاً ،
وإن شئتم أمسكتم أموالكم فقسمت هذه فيهم خاصة ؟ » قالوا :
لا، بل أقسم هذه فيهم ، وأقسم لهم من أموالنا ما شئت . فنزلت
((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفسهم وَلَوْ كَانَ بِهِم خَصَاصَة)»(١) قال، وقال
أبو بكر: يا معشر الأنصار جزاكم الله خيراً ، فوالله ما مثلنا ومثلكم
إلا ما قال طُفَيْلُ الغنوي (٢) لبني جعفر (٣):
جَزَى الله عَنّا جَعْفَراً حين أَزْلَقَتْ بِنَا نَعْلُنَا في الوَاطِئِين ◌َزِلَّت
تْلَاقي الذي يَلْقَوْنَ مِنَّا لَمَلَّت
أَبَوْا أَنْ يَمَلُّونَا وَلَوْ أَنَّ أُمَّنَا
إلى حُجُراتٍ أَدْفَأَتْ وَأَظَلِّتِ (٤)
فَذْو المال مَوْفُورٌ وكُلّ مُعَصّب
· قال یحی : وحدثنا ابن أبي زائدة ، عن محمد بن إسحاق
(١) سورة الحشر آية ٩ .
(٢) هو طفيل بن عوف بن خليف بن ضبيس بن مالك بن سعد بن عوف بن كعب
ابن غثم بن غني بن أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان ، وهو شاعر جاهلي من الفحول
المعدودين ، ويكنى أبا قران ، ويقال إنه من أقدم شعراء قيس وأوصفهم للخيل . (الأغاني
١٤ : ٨٨ ط. بولاق ).
(٣) بتو جعفر بن كلاب : بطن في بني عامر (أيام العرب في الجاهلية ط. الحلبي).
(٤) وبعد هذه الأبيات في الوحشيات ص ٢٥١ ط. المعارف :
وتنجلى الغمّاء عما تجلت
وقالوا هلمّ الدارَ حتى تبيّنوا
قَطِناً وَمَلّنا البلادُ ومُلّت
ومن بعد ما كنا لسلمى وأهلها
( ديوان طفيل: ١٦ - الأغاني ١٥ : ٣٦٨ ط. دار الكتب - مجالس ثعلب
ص ٤٦١ تحقيق : شاكر) .

٤٩٠
تاريخ المدينة المنورة
قال : قسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين إلا سهل
ابن حنيف(١) وأبو دجانة(٢) وكذا نفراً فأعطاهما منها .
* حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال ، حدثنا حميد،
عن أنس رضي الله عنه قال : قال المهاجرون : يا رسول الله ما رأينا
مثل قوم قدمنا عليهم أكثر بذلاً من كثير ، ولا أكثر مواساة
من قليل ، كفونا المؤنة وأشركونا في المهنأ ، فقد خشينا أن يكونوا
قد ذهبوا بالأجر كله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((كلا،
ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم )) .
* حدثنا هارون بن عبد الله قال، سمِعتُ عبد الرحمن
ابن زيد بن أسلم يقول في قول الله عز وجل ((إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُم
وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُم))(٣) ليست عامة إلا في المهاجرين
(١) هو سهل بن حنيف بن واهب بن العكيم بن ثعلبة بن الحرث بن مجدعة
ابن عمرو بن حبيش بن عوف ، الأنصاري الأوسي ، يكنى أبا سعد وأبا عبد اللّه،
من أهل بدر ، كان من السابقين ، وثبت يوم أحد حین انکشف الناس ، وبايع يومئذ
على الموت ، وكان ينفح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنبل. فيقول: قبلوا
سهلاً فإنه سهل ، ومات سنة ثمان وثلاثين (الإصابة لابن حجر ٢ : ٨٦، الاستيعاب
٢ : ٩١ ) .
(٢) أبو دجانة هو سماك - بكسر أوله وتخفيف الميم - بن خرشة، وقيل سماك
ابن أوس بن خرشة بن لوذان بن عبد ودّ بن زيد بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج
ابن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأكبر ، الأنصاري الخزرجي الساعدي ، من رهط
سعد بن عبادة ، شهد بدراً ، وكان من الأبطال الشجعان ، ودافع عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وكان إذا أعلم بعصابة حمراء عصيها على رأسه علم
الناس أنه سيقاتل ، وكان أبو دجانه ممن شهد يوم اليمامة ، وهو ممن شرك في قتل مسيلمة
مع عبد الله بن زيد بن عاصم ووحشي بن حرب ، ثم استشهد يومها (أسد الغابة ٥ : ١٨٤،
الإصابة ٤ : ٥٩ ) .
(٣) سورة التغابن آية رقم ١٤ .

٤٩١
لابن شبة
الأولين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة ، بكى عليهم أزواجهم
وأولادهم فنزلت فيهم .
. حدثنا عفان، وموسى(١). قال، حدثنا أَبو هلال(٢)،
عن قتادة قال قلت لسعيد بن المسيّب : ما فرّق بين المهاجرين الأولين
والمهاجرين الآخرين ؟ قال : فرّق بينهم القِيْلَتَان، فمن صلى
القِيْلَتَيْن مع النبي صلى الله عليه وسلم فهو من المهاجرين الأُولين .
• حدثنا محمد بن الصباح قال ، حدثنا هشيم قال ، أَنبأَنا
إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: المهاجرون الأولون الذين شهدوا
بيعة الرضوان .
· قال محمد وحدثنا هشيم ، قال أنبأنا داود قال ، سمعت
الشعبي يقول : فضل ما بين الهجرتين بيعة الرضوان يوم الحديبية .
· قال وحدثنا هشيم قال : إمّا منصوراً وإما غيره من أصحابنا
حدثنا ، عن الحسن قال : فتح مكة .
. حدثنا عبد الأعلى بن حماد قال ، حدثنا معتمر بن سليمان
قال ، سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول : ما بقي أحد
صلى القبلتين غيري .
* حدثنا الحجاج بن نصير قال، حدثنا قُرّة قال ، سأَلت
(١) هو موسى بن إسماعيل المنقري، أبو سلمة التبوذكي - بفتح المثناة وضم
الموحدة - البصري الحافظ ، عن شعبة وحماد بن سلمة وخلق ، وعته أبو زرعة ومحمد
ابن يحيى وابن معين ، وقالوا : ثقة مأمون ، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين .
( الخلاصة الخزرجي ص ٣٨٩) .
(٢) أبو هلال هو محمد بن سليمان الراسبي ، روى عن الحسن وابن سيرين وقتادة
وجماعة ، وروى عنه وكيع بن مهدي وموسى بن إسماعيل وخلق ، وثقه أبو داود ،
مات سنة سبع وتسعين ومائة ( الخلاصة الخزرجي ص ٣٣٨ ط. بولاق ).

٤٩٢
تاريخ المدينة المنورة
محمداً عن المهاجرين الأَولين فقال : من صلى القبلتين جميعاً مع
النبي صلى الله عليه وسلم، قال وكان النبي صلى الله عليه وسلم
وأصحابه : صلوا قِبَلَ بيت المقدس ستة عشر شهراً .
* حدثنا محمد بن يحيى أبو غسان قال ، حدثني عبد العزيز
ابن عمران عن مجمع بن يعقوب الأنصاري ، عن الحسن بن السائب
ابن أبي لبابة ، عن عبد الله بن أبي أحمر قال : قالت أم كلثوم
بنت عقبة بن أبي معيط أُنزل فيّ آيات من القرآن، كنت أَوّل
من هاجر في الهدنة حين صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً
على أنه من جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إذن وليّه ردّه
إليه ، ومن جاء قريشاً ممن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم
يردوه إليه . قالت : فلما قدمتُ المدينة قدم عليَّ أَخي الوليد بن عقبة .
قالت : ففسخ الله العَقْد الذي بينه وبين المشركين في شأني، فأُنزل
الله (( يا أيها الذينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُم المُؤْمِنَاتُ مُهَاجراتٍ فامْتحنُوهُنَّ))
إلى قوله (( وَلَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ))(١)
قالت : ثم أَنكحتي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ،
وكان أول من نكحتي فقلت: يا رسول الله زَوّجْت (بنت) (٢)
(١) روى في معالم التنزيل للبغوي ٨ : ٣٢٢ عن ابن عباس رواية أخرى غير رواية
أم كلثوم بنت عقبة عن سبب نزول هذه الآيات قال ابن عباس : بعد أن عاهد النبي
قريشاً بذلك ، وكتبوا بذلك كتاباً وختموه ، جاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمة
بعد الفراغ من الكتاب ، فأقبل زوجها مسافر من بني مخزوم - وقال مقاتل : هو
صيغي بن الراهب - في طلبها وكان كافراً ، وقال: يا محمد اردد عليّ امرأتي فإنك
شرطت أن تردّ علينا من أتاك منا، وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد ، فأنزل الله عز وجل:
((يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات)).
(٢) سقط في الأصل. ويؤيد المثبت ما جاء من أن نسيها ونسبه عليه السلام يجتمعان
معاً في عبد مناف أي أنهما أبناء عمومة لذلك ، أو أنها أول قرشية ماجرت كما ذكر=

٤٩٣
لابن شبة
عمك مولاك.؟ فأَنزل الله ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضّى الله
وَرَسُولِه أَمْراً أَنْ يَكُون لَهُم الخِيرَةُ مِنْ أَمْرهم)) (١) قالت: فسلّمت
لقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قُتِلَ عني فأرسل إليَّ
الزبير بن العوام أبيّ بن خالد فأحبسني على نفسه(٢) . فقلت:
نعم، فأنزل الله ((وَلَا جُنَاحِ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَة
النِّسَاءِ أَوْ أَكْتَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُم سَتَّذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن
لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً وَلَا تَعْزموا عُقْدَةَ النِّكَاحِ
خَتِى يَبْلُغَ الكِتَابِ أَجَلُهُ ))(٣) قالت: ثم حَلَلْتُ فتزوجتُ الزّبير،
وكان ضَرّاباً للنساء فوقع بيني وبينه بعض ما يقع بين المرء وزوجه
فضربني وخرج عني وأنا حامل في سبعة أشهر ، فقلت : اللّهم فرّق
بيني وبينه ، ففارقني فضربني المخاضُ فولدتُ زَيْنَب بنت الزبير ،
فرجع وقد حَلَلْتُ فتزوجت عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ،
فولدت عنده إبراهيم ومحمداً وحميداً بني عبد الرحمن بن عوف .
■ حدثنا يزيد قال ، حدثنا يزيد بن هارون قال ، أنبأَنًا
عمرو بن ميمون بن مهران ، عن أبيه : أَن أُم كُلْتُوم بنت عقبة
كانت تحت الزبير بن العوام ، وكانت له كارهة ، وكان شديداً
=ابن حجر في الإصابة ٤ : ٤٦٨ فقيل بنتعمه لكونها من قريش . وفي تفسير ابن كثير
٦ : ٥٥٦ عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال إن أم مكتوم بنت عقبة بن أبي معيط
كانت أول من هاجر من النساء بعد صلح الحديبية فوهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم
وقال: قد قبلت، فزوجها زيد بن حار ثة رضي اللّه عنه بعد فراقه زينب بنت جحش
فسخطت هي وأخوها ، وقالوا أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجنا عبده.
(١) سورة الأحزاب آية ٣٦ .
(٢) في الأصل ((على نفسك)) والصواب ما أثبت.
(٣) سورة البقرة آية ٢٣٥ .

٤٩٤
تاريخ المدينة المنورة
على النساء ، فكانت تسأله الطلاق فيأبى ، فضربها المخاضُ وهو
لا يعلم ، فأَلحّت عليه يوماً وهو يتوضأُ للصلاة فطلقها تطليقةً،
ثم خرج إلى الصلاة فوضعت ، فاتبعه إنسان من أهله وقال : إنها
وضعت ، قال : خدعتني خَدَعَهَا الله، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم
فذكر ذلك له، فقال ((سبق فيها كتابُ الله، اخطبها)) قال : لا
لا ترجع إليّ .
* حدثنا الحزامي قال، حدثنا ابن وهب قال ، أنبأَنا
ابن لهيعة : أَن أم كلثوم ابنة عقبة بن معيط كانت أُخت عثمان
ابن عفان لأُمه ، وأنها أول بكْر من قريش هاجرت إلى الله ورسوله ،
فتزوّجها زيدُ بن حارثة ، ثم تزوّجها الزبير بن العوام ، ثم تزوجها
عبد الرحمن بن عوف فمات عنها ، ثم تزوجها عمرو بن العاص
رضي الله عنه .
* حدثنا هارون بن عمر قال ، حدثنا الوليد بن مسلم قال ،
حدثنا ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عكرمة : أَن
أميمة بنت بِشْر الأنصاري ثم من بني عمرو بن عوف كانت تحت
يدي الدحداح(١) - وهو يومئذ مشرك - ففرّت من زوجها بمكة
حتى أنت النبي صلى الله عليه وسلم تريد الإِسلام ، فهمّ النبي صلى الله
عليه وسلم بِرَدِّها حتى أنزل الله ((فامتحنوهن))(٢) فكان النبي صلى الله
(١) انظر الخبر في أسد الغابة ٥ : ١٠٢ وكذا الإصابة ١ : ٣٢٦،، ٤ : ٢٣٣
والدحداح هو حسان بن الدحداحة أو الدحداح ، ذكر في هذه المصادر بدون نسب
وفي الإصابة ٢٢٦:١ مات في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وصلى عليه، ولعله قد
أسلم بعد ذلك .
(٢) سورة الممتحنة آية ١٠ .

٤٩٥
لابن شبة
عليه وسلم يقول للمرأة حين تأتيه ((بالله)) ما أخرجك ((بغض))
زوجك؟ بالله ما أخرجك، شدة أصابتك؟ بالله ما تريدين ((إلا))(١)
الإِسلام والهجرة إلى الله ورسوله ؟ ففعلت(٢)، وأن النبي صلى الله
عليه وسلم زوّجها سهل بن حُنَيْف فولدت عبد الله بن سهل .
* حدثنا أحمد بن عيسى قال ، حدثنا ابن وهب ، عن
حنيف بن شريح ، عن يزيد بن أبي حبيب: أن امرأة ابن الدحداح
أميمة بنت بشر فرّت من زوجها - وكان مشركاً - فلما جاءت
رسول الله صلى الله عليه وسلم همّ بردها، فأنزل الله ((فَلَا ترْجِعُوهُنَّ
إلى الكُفَّار)»(٣) فنكحها سهل بن حنيف ، فبعث إلى المشرك بما
أنفق وهو من الصداق .
■ حدثنا ابن حذيفة قال ، سفيان ، عن مجاهد في قوله
((إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ مُهَاجِرَات)) قال: كانت المرأة(٤) من المشركين
تفر إلى المسلمين فيُعْطِي المشركين المسلمون مَهْرَها، فأنزل الله
(((وإِن عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلٍ مَا عُوقِيْتُم بِهِ))(٥) يقول إن أصبتم
منهم غنيمة .
. حدثنا أبو أيوب الهاشمي قال ، حدثنا ابن أبي الزناد ،
(١) ما بين الحواصر سقط في الأصل، والإثبات من تفسير ابن جرير الطبري
٢٨ : ٤٢ وكذا تفسير ابن كثير ٨ : ٣٢٢ .
(٢) ففعلت: يفيد تفسير الطبري ٢٨: ٤٢ عند تفسير قوله تعالى: ((فامتحنوهن)
أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستحلفهن على مضمون ما ورد هنا : فكن يحلفن
ولعل كلمة ففعلت بمعنى أنها حلفت على سؤالها .
(٣) سورة الممتحنة آية ١٠.
(٤) في الأصل ((امرأة)) والتصويب عن تفسير الطبري ٢٨ : ٤٢.
(٥) سورة النحل آية ١٢٦ .

٤٩٦
تاريخ المدينة المنورة
عن أبيه عن عروة : أَن أسماء بنت أبي بكر قالت : قَدِمَتْ عَلَيْ
أمي في عهد قريش - وهي مشركة - إذ عاهدوا رسول الله صلى الله
عليه وسلم في مدتهم ، فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقلت : إن أمي قدمت عليّ وهي راغبة أَفأَصلها؟ قال ((نعم فصلي أُمَك)).
■ حدثنا ابن عتمة قال ، حدثنا ابن عائشة قال ، حدثنا
حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن عروة ، عن أسماء ابنة
أبي بكر رضي الله عنها قالت : قدمت عَليّ أُمي؛ تعني لميرها - وهي
راغبة ، وهي في عهد قريش ومدتهم التي كانت بينهم وبين رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا رسول الله، إِن أُمي قَدِمَت عليّ
وهي مُشْرِكَةٍ، أَفأَصلها ؟ قال (( نعم فَصِلِيها)).
■ حدثنا عتاب بن زباد قال ، حدثنا ابن المبارك ، عن مصعب
ابن ثابت ، عن عبد الله بن الزبير قال ، أخبرني عامر بن عبد الله
ابن الزبير عن أبيه قال : قدمت قُتَيلة بنت عبد العزّى بن عبد أسد
( ابن نصر (١) ) من بني مالك بن حِسْل على ابنتها أسماء بنت
أبي بكر رضي الله عنها ، وكان أبو بكر رضي الله عنه طلقها في
الجاهلية ، فقدمت على ابنتها بهدايا ضِبَاب وسمن وقرظ (٢)،
فأَبت أسماء رضي الله عنها أن تقبل منها أو تدخلها منزلها حتى
(١) الإضافة عن الاستيعاب لابن عبد البر ٤: ٢٢٨ وهي قتيلة بنت عبد العزى
ابن عبد أسد بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي ، ويقال بنت عبد العزى
ابن عبد أسد بن جابر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي وفي تفسير ابن جرير الطبري
٢٨ : ٤٨ وابن كثير ٨: ٣٢٠ قتيلة بنت عبد العزى بن سعد من بني مالك بن حسل.
(٢) وفي الاستيعاب ٨ : ٣٢٠ وابن جرير الطبري ٢٨: ٤٠ «قدمت على ابنتها
بهدايا ضباباً وأقطاً وسمناً )).

٤٩٧
لابن شبة
أرسلت إلى عائشة رضي الله عنها : أن سلي عن هذا رسول الله صلى الله
عليه وسلم فأخبرته ، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
تقبل هداياها ، وتدخلها منزلها وأنزل اله ((لَا يَنْهَاكُم الله عَنْ
الَّذِينَ لمْ يُقَاتِلُوكم في الدِّينِ وَلم يُخرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَن
تَبَّرُّوهُم))(١) إلى آخر الآيتين .
• حدثنا الحزامي وحدثنا ابن وهب ، عن جرير قال ، حدثني
رجل من أهل مكة يقال له عثمان بن القاسم قال : لما خرجت أمُّها (٢)
من مكة مهاجرة إلى المدينة أَمست بالمُنْصَرف(٣) قريباً من الرَّوْحاء(٤)
فلم تجد ما تفطر عليه ، وعطشت فاشتد عطشها ، فدلي لها من
السماء دلو ثم شيء أبيض فشربت . وكانت تقول : ما عطشت
منذ شربت تلك الشربة ، قد صمت في الهواجر وتعرضت للعطش
فما أصابني عطش بعد » .
* حدثنا عبد الله بن رجاء قال ، أنبأنا المسعودي قال حدثنا
(١) سورة الممتحنة ٩،٨.
(٢) أي أم عائشة ، وهي مسلمة وتدعى أم رومان ، وهي غير أم أسماء السابق
ذكرها .
(٣) المُنْصَرَف: بالضم وفتح الراء موضع بين مكة وبدر بينهما أربعة برد (مراصد
الاطلاع ٣ : ١٣٢١، معجم البلدان ٤: ٣٦٣ ط. طهران) .
(٤) الروحاء : بالفتح والسكون ... قال المجد : موضع من عمل الفرع على نحو
أربعين ميلا من المدينة ، وفي صحيح مسلم : على نحو ست وثلاثين ميلاً من المدينة ،
وفي كتاب ابن شبة : على ثلاثين ميلاً ، وقال أبو غسان على أربعة برد ، وقال أبو عبيدة
البكري : قبر مضر بن نزار بالروحاء على ليلتين من المدينة، وقال ابن الكلبي : لما
رجع تُبع من قتال أهل المدينة نزل بالروحاء وأقام بها وأراح فسماها الروحاء ( وفاء
الوفا ٢ : ٣١٤، مراصد الاطلاع ٢ : ٦٦٧).

٤٩٨
تاريخ المدينة المنورة
عديّ بن ثابت ، عن أبي بردة(١)، عن أبي موسى الأشعري(٢) قال:
لقي عمر رضي الله عنه أسماء بنت عميس(٣) رضي الله عنها فقال:
نِعْمَ القوم أَنتَم ، لولا أنكم سُبِقْتُم بالهجرة ، فنحن أفضل منكم .
فقالت : كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعَلِّم جاهلكم
ويَحْيِل راجلكم ، وفَرَرْنا بديننا، ولستُ براجعة حتى أدخل على
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخلت عليه فقالت : يا رسول الله
إني لقيتُ عُمَر فقال كذا وكذا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
((لكم مِجْرَتُكم مرَّتَيْن؛ هجرتكم إلى الحبشة وهجرتكم إلى المدينة(٤))).
■ حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال ، حدثنا سفيان ، عن
ابن إسحاق : أن عكرمة بن أبي جهل لما قدم على رسول الله صلى الله
(١) أبو بردة بن أبي موسى الأشعري ، الفقيه قاضي الكوفة ، اسمه الحارث
أو عامر ، روى عن على والزبير وحذيفة وطائفة ، وعنه بنوه عبد الله ويوسف وسعيد
وبلال ، وثقه غير واحد منهم : ابن سعد وابن خراش والعجلي ، قال الواقدي ، توفي
سنة ثلاث ومائة . الخلاصة الخزرجي ٤٤٣ ط. بولاق .
(٢) الإضافة عن حلية الأولياء ٢ : ٧٤، والإصابة ٤ : ٢ .
(٣) وهي أسماء بنت عميس بنت معبد بن الحارث بن ثيم بن كعب بن مالك
ابن قحافة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن معاوية بن زيد بن مالك ، وأمها هند بنت عوف
ابن زهير بن الحارث الكنانية ، أسلمت أسماء قديماً وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها
جعفر بن أبي طالب ، فولدت له بالحبشة عبد اللّه وعوناً ومحمداً ، ثم هاجرت إلى المدينة ،
فلما قتل عنها جعفر بن أبي طالب تزوجها أبو بكر الصديق ، فولدت له محمد بن أبي بكر ،
وهي أخت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ( حلية الأولياء ٢ : ٧٤، أسد الغابة
٥ : ٣٩٥ ، الإصابة ٤ : ٢٢٥ ).
(٤) في الإصابة ٤: ٢٢٦ (عن أبي بردة عن أسماء أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال لها : لكم هجرتان وللناس هجرة واحدة ، أخرجه ابن سعد من مرسل الشعبي ،
قالت أسماء يا رسول الله إن رجالاً يفخرون علينا ويزعمون أنا لسنا من المهاجرين
الأولين فقال : بل لكم هجرتان .

٤٩٩
لابن شبة
عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((مرحباً بالراكب المهاجر،
مرحباً بالراكب المهاجر )، فقال عكرمة : والله يا رسول الله لا أدع
موقفاً وقفته لأحدً(١) به عن سبيل الله، ولا أَدع نفقة أَنفقتها
لأَحد بها عن سبيل الله إلا أنفقت مثلها في سبيل الله .
الوفود
( وفد ثقيف ) (٢)
• حدثنا رجاء بن سلمة قال ، حدثنا أبي قال ، حدثنا
روح بن غطيف ، عن أبيه ( غطيف(٣) ) بن أبي سفيان قال :
أنت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ،
ادع الله على ثقيف، فقال صلى الله عليه وسلم ((اللهم اهد ثقيفاً))
قالوا : يا رسول الله، ادع عليهم، فقال ((اللهم اهد ثقيفاً (٤))
فعادوا فعاد ، فأَسلموا ، فَوُجِدُوا من صالحي الناس إسلاماً، وَوُجِدَ
منهم أئمة وقادة .
وقدم وفدهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب عليهم
(١) الحدّ: المنع والصرف عن الشيء. اللسان وأقرب الموارد ((حدد))، وفي أسد
الغابة ٥:٤ لما أسلم عكرمة قال: يا رسول اللّه لا أدع ما لا أنفقت عليك إلا أنفقت
في سبيل الله مثله. وفي الاستيعاب ٣: ١٥٠ فقال عكرمة: ((والله لا أدع نفقة كنت
أنفقها في صد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله. ولا قتالاً قاتلته إلا قاتلت
ضعفه، وأشهدك يا رسول الله)) ثم اجتهد في العبادة حتى قتل زمن عمر رضي الله عنه
بالشام ، وانظر هذا الخبر بطوله في الاستيعاب .
(٢) إضافة عن شرح المواهب ٤ : ٦ .
(٤،٣) الإضافة عن أسد الغابة ٤ : ١٣١ وهو غطيف بن أبي سفيان الطائفي
روى له النسائي. ووثقه حبان، ويقال: غضيف، (ميزان الاعتدال ٢ : ٣٢٣).
والحديث رواه الترمذي وحسنه عن جابر رضي الّه عنه ( شرح المواهب ٤ : ٦).

٥٠٠
تاريخ المدينة المنورة
القبة في المسجد ( فقال عمر رضي الله عنه : يا رسول الله إنهم(١) )
لا يصلون . فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( دعهم يا عمر فإنهم
سيستحيون ألَّا يصلّوا ، فمكثوا يومهم لا يصلون والغد ، حتى إذا
کان عند العصر صلّوا بغیر وضوء فقال عمر رضي الله عنه : يا رسول الله
صلّوا بلا وضوء. فقال صلى الله عليه وسلم (( دعهم فإنهم سيتوضأُون))
حتي إذا كان اليوم الثالث غسلوا وجوههم ورؤوسهم وأعناقهم
وأيديهم إلى المناكب ، وتركوا الأرجل ، فقال عمر : إنهم فعلوا
كذا وكذا ، فقال ((دعهم فإنهم سيتوضأُون، وغَدَوْا اليوم الخامس
فغسلوا البطون والظهور ، فأَّى عمر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه
وسلم فأخبره فقال ((دعهم عنك)) فلم يذكر شيئاً من أمرهم بعد
حتى قَدِمت عليهم هَديّةٌ من الطائف؛ عَسَلُ وزَبِيبٌ ورُمّان وشنان (٢)
فِرْسِك (٢) مُرَيّب، فأعدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال
صلى الله عليه وسلم (( صدقة أم هدية؟)) فقالوا : بل هدية يا رسول
الله، ففتح رسول الله صلى الله عليه وسلم سقاء من العسل قال ((ما هذا؟))
قالو: ضريب(٣) فأكل منه، ثم فتح الثاني فقال (( ما هذا ؟))
فقالوا : ضریب یا رسول الله ، قال ((ما أطيب ريحه وأطيب طعمه))،
وأكل منه ، ثم قاموا عنه ، وأُهدى له رجل من بني ليث شاة
مطبوخة بلبن ، فالتمس العوض فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم
(١) إضافة يقتضيها السياق .
(٢) الشنان : القرب ، الفِرْسِك : الخوخ أو ضرب منه أو ما لا يتعلق عن نواه
( أقرب الموارد ((شتن وفرسك))).
(٣) في الأصل ((ضربه)) والصواب ما أثبت، والضريب والضرب : مصدر
بمعنى مضروب وهو: العسل الأبيض الغليظ، وقيل عسل البر (تاج العروس ١ : ٣٤٨)
والضريب من الفاكهة الناضج يقال : أضرب الخبز أي نضج .