النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ لابن شبة فلما قتلوه فزعت اليهود ومن كان معهم من المشركين ، فغدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبحوا ، فقالوا : قد طُرق صاحبنا الليلة ، وهو سيد من سادتنا فقُتِلَ غِيلَةٌ ، فذكر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يقوله في أشعاره ويؤذيهم به ، ودعاهم إلى أَن تكتب بينهم وبينه وبين المسلمين صحيفةٌ فيها جُمَاع أمر الناس ، فكتبها صلى الله عليه وسلم . * حدثنا عمرو بن عاصم قال ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي ابن يزيد ، عن سعيد بن المسيّب : أن ابن نامين اليهودي أُخذ يُعَذّر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل كعب بن الأشرف. فقال له محمد بن مَسْلَمَة : أَلا سيف ، ألا سيف ؟ فأَخذ السيف، وغيّبوا اليهوديِّ، فقال محمد لمروان: أَلا أَراه يُعَذِّرُ النبي صلى الله عليه وسلم عندك ؟ . * حدثنا الحزامي قال ، وحدثنا ابن وهب قال ، حدثني ابن لهيعة ، عن محمد بن عبد الرحمن قال : إن (ابن(١)) الأشرف عدوّ الله وهو أحد بني النضير اعتزل قِتَال بني النضير ، وزعم أنه لم يظاهر على المسلمين ، فتركه النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم انبعث يهجوه والمؤمنين ، ويمتدح عدوهم من قريش ، ويحرّضهم عليهم ، فلم يرض بذلك حتي ركب إلى قريش فاستعداهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو سفيان والمشركون : ننشدكم الله أَديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه، وأن ديننا أهدى في رأيك أو أقرب إلى الحق، فقال لقريش: أنتم (١) سقط في الأصل . ٤٦٢ تاريخ المدينة المنورة أهدى منه سبيلا وأفضل، ثم خرج معلناً بعداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من لنا من ابن الأشرف ؟، قد استعلن بعداوتنا وهجائنا ، وقد خرج إلى قريش فأجمعهم على قتالنا ، وقد أخبرني الله جل وعز بذلك ، ثم قدم أخبث ما كان ينتظر قريشاً، ثم قرأ ما أنزل الله عليه)) أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الكِتَابِ يُؤْمِنُون بالجبْت والطَّاغُوت)» وخمس آيات فيه وفي قريش (١) . ( قتل أبي رافع بن أبي الحقيق )(٢) * حدثنا عمرو بن عاصم قال ، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن كعب (١) سورة النساء الآيات ٥١ حتى ٥٥. وفي المستدرك الحاكم ٣: ٤٣٥ أن محمد ابن مسلمة وأصحابه لما قتلوا كعب بن الأشرف ، قال عباد بن بشر في ذلك شعراً شرح فيه قتلهم ومذهبهم فقال : ووافى طالعاً من فوق جدر صرخت به فلم يعرض لصوفي فقلت أخوك عباد بن بشر فعدت له فقال من المنادي وهذي درعنا رمناً فخذها فقال معاشر ثغبوا وجاعوا فأقبل نحونا يهوي سريعاً وفي أبماننا بيض حداد فقلت لصاحبي لما بدائي وعانقه ابن مسلمة المرادي وشد بسيفه صلتاً عليه وكان الله سادسنا ولياً لشهر إن وفى أو نصف شهر وما عدموا الغنى من غير فقر وقال لنا لقد جتم الأمر مجردة بها نكوي ونفري تبادره السيوف كذبح عير يصيح عليه كالليث المزبر فقطره أبو عبس بن جبر بأنعم نعمة وأعز نصر أتاهم هود من صدق وبر وجاء برأسه نقر كرام (٢) الإضافة عن شرح المواهب الزرقاني ٢ : ١٦٤. وفي المغازي الواقدي ١: ٣٩١ ((سرية ابن عتيك إلى أبي رافع)). ٤٦٣ لابن شبة ابن مالك قال : كان فيما مَنَّ اللهُ به على رسوله هذين الحيّين من الأَنصار : الأوس والخزرج، كانا يتصاولان كما يتصاول الفحلان ، فلما قَتَلَ محمَّدُ بن مَسْلَمَه كعبَ بن الأشرف قالت الخزرج: كيف لنا أن يكون لنا مثل سابقتهم ؟ فقالوا : يا رسول الله ، أرسلنا إلى ابن ( أبي(١)) حُقَيْق ، فأرسل أَبا قتادة وأبا عتيك وأبيض بن الأسود، وعبد الله بن أُفَيْس، وقال لهم: (( لا تقتلوا صبياً ولا امرأة)) فذهبوا فدخلوا الدار ليلاً، وغلقوا على كل قوم بابهم من خارج، حتى إذا استغاثوا لم يستطيعوا أن يخرجوا ، ثم صعدوا إليه في عليّة له إليها عجلة (٢) فإذا هم به نائم أبيضُ كأَّنه القرطاس ، فتعاطوه بأَسيافهم فضربوه، فصرخت امرأتُه فهمُّوا أَن يقتلوها، فذكروا نَهْيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تقتلوا امرأةً ولا صبيًّا)) فنزلوا، وانفكت قدمُ أحدهم فاحتملوه فانطلقوا به فدخلوا نهراً من أنهارهم ، وتصايح الناس : قُتِلَ ابن حُقَيْق، قُتِل ابن حُقَيْق، فجاءوا بالنيران - وقال عبد الله بن أنيس : إني أخاف أن لا تكونوا أجهزتم عليه، فقال : لِأَذهبَنّ فلأَ نْظُرَنَّ قد أَجهزنا عليه أم لا، فجاء يصعد إليه في غمار الناس فإذا امرأته قد أَكَبَّت عليه ساعة ثم قالت : فاضت نَفْسُه ويهود ، وقالت فيما تقول : إني لا أُظني إلا قد سمعت كلام عبد الله بن أُنَيْس . • حدثنا إبراهيم بن المنذر قال ، حدثنا عبد الله بن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، أن سعيد بن أبي هلال حدثه ، أَن يزيد (١) سقط في الأصل والإثبات عن البداية والنهاية ٤ : ١٣٧ . (٢) في الأصل ((صعدوا إليه في عجلة له)) والمثبت عن السيرة النبوية لابن هشام ٣ : ٧٤٧، والبداية والنهاية ٤ : ١٣٧. ٤٦٤ تاريخ المدينة المنورة ابن عياض حدثه : أنه بلغه من شأْن خَيْبَر أَن أَهل ابن أبي حُقَيْق دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألهم عن أموال خَرَجُوا بها من المدينة إذ أخرجهم : مَسْك الجمل(١) ودنان(٢) كانت فيها الأموال إذ أخرجوا، فَغييُوها عنه حتى أمر ( كنانة وحي (٣) ) ابنَيْ أَبي الربيع بن أبي الحُقَيْق أو أحدهما- زوج صفية(٤) - فيزعمون أنه سأل رجلاً منهم من آل أبي الحقيق (٥) فأخبره بمكان المال، فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما إلى محمد بن مسلمة والآخر إلى الزبير يُعَذَّبَان حتى قتلا ، فاستحل بغدرهم قتل كنانة ابن الربيع بن أبي الحقيق زوج صفية وحي بن الربيع أخيه . * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال . وحدثنا محمد بن فليح ، (١) مسك الجمل: أي جلد الجمل. الصحاح ١٦٠٨، أقرب الموارد ٢: ١٢١١. (٢) دنان : جمع دن .بالفتح وهو الراقود العظيم لا يقعد إلا أن يحفر له . الراقود : الدن الكبير ، طويل الأسفل ، يطلى داخله بالقار ، وهو معرب ( أقرب الموارد : دْن ، وقد ). (٣) في الأصل: فأمر بابي حيي بن ربيع بن أبي الحقيق ((والصواب ما أثبتناه طبقاً للسياق في آخر هذه القصة - وفي البداية والنهاية ٤ : ١٥٧ وابن هشام ٢ : ٢٣٧ ط . الحلبي (( وأتى رسول الله بكنانه بن الربيع، وكان عنده كنز بني النضير فسأله عنه فجحد أن يكون يعرف مكانه . (٤) صفية بنت حيي بن أخطب ین سعنه بن ثعلبة بن عبيد بن کعب من بني إسرائيل ، من سبط لاوي بن يعقوب ، كانت زوج سلام بن مشكم اليهودي ، ثم خلف عليها كنانة ابن أبي الحقيق ، وهما شاعران ، فقتل عنها كنانة يوم خيبر وسبيت في ذلك اليوم فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم واصطفاها وحجبها وأعتقها وتزوجها وقسم لها ، وكانت عاقلة من عقلاء النساء ، وتوفيت سنة ست وثلاثين وقيل سنة خمسين ( أسد الغابة » : ٤٩٠ ) . (٥) في شرح المواهب الزرقاني ٢ : ٢٢٩ ((قيل هو شعبة بن عمرو)). ٤٦٥ لابن شبة عن موسى بن عقبة (١) ، عن ابن شهاب قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عتيك، وعبد الله بن أُنَيْس ومسعود ابن سنان (٢) بن الأسود ، وأَبا قتادة بن ربعي بن بلدمة (٣) وأُسود ابن خزاعي(٤) حليفاً لهم - ويقال : ولم نجده في غير هذه الصحيفة - وأسعد بن حرام ، وهو أحد الترك حليف لبني سواد ، وأَمّر عليهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عتيك فطرقوا أَبا رافع ابن أبي الحُقَيْقِ بِخَيْبَر فقتلوه في بيته . قال ابن شهاب ، قال ( أُبيّ(٥) ) ابن كعب: وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو (١) موسى بن عقبة الأسدي - مولاهم - المدني ، عن أم خالد بنت خالد وعروة وعلقمة بن وقاص ، وعنه ابن جريج ومحمد بن فليح وخلق . قال مالك : عليكم بمغازي ابن عقبة فإنه ثقة، وهى أصح المغازي، ووثقه أحمد وأبو حاتم وابن معين ، قال القطان : مات سنة إحدى وأربعين ومائة ( الخلاصة الخزرجي ص ٢٩٢ ط. بولاق). (٢) في الأصل ((مسعود بن سيار)) والتصويب عن البداية والنهاية ٤: ١٣٧، وابن هشام ٣ : ٧٤٦ ط . صبيح ، وهو مسعود بن سنان بن الأسود ، حليف لبني غنم من بني سلمة من الأنصار ، شهد أحداً ، وقتل يوم اليمامة شهيداً ، قال ابن الأثير في أسد الغابة ٤ : ٣٥٨: استأذنت الخزرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل أبي رافع بن أبي الحقيق فأذن له في قتله ، فخرج إليه رهط منهم عبد الله بن عتيك أمير القوم وعبد الله بن سنان ، ومسعود بن سنان ، وأبو قتادة ، وخزاعي بن أسود من أسلم حليف لهم ، فخرجوا إليه حتى جاءوا خيبر فقتلوه ... الحديث (أسد الغابة ٤ : ٣٥٨). (٣) أبو قتادة : هو الحارث بن ربعي بن بلدمة بن خناس بن عبيد بن غنم بن كعب ابن سلمة بن سعد الأنصاري الخزرجي السلمي ، فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل اسمه النعمان ، ويكني أبا قتادة ، وهو بالحارث أكثر ، توفي سنة أربع وخمسين بالمدينة ، وقيل توفي بالكوفة في خلافة علي بن أبي طالب (أسد الغابة ٥ : ٢٧٤). (٤) في البداية والنهاية لابن كثير ٤: ١٣٧، وكذا ابن هشام ٣: ١٤٦: ((خزاعي ابن أسود)) وما في الأصل متفق مع أسد الغابة ١: ٨٣ والإصابة ١: ٥٨، وفيهما (الأسود ابن خزاعي من حلف بني سلمة من الأنصار ، وأحد من اشترك في قتل ابن أبي الحقيق . (٥) سقط في الأصل والإثبات عن البداية والنهاية ٤ : ١٣٩. ٤٦٦ تاريخ المدينة المنورة على المنبر فقال: ((أَفلحت الوجوه)) قالوا: (( أفلح وجهك يا رسول الله)) قال ((أَقتلتموه؟)) قالوا: نعم. قال ((ناولوني السيف)) فسلّه، قال ((هذا طعامه في ذباب السيف)). • قال ابن شهاب : سأَل رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانة ابن أبي الربيع (١) بن أبي الحُقَيْق عن كنز كان من مال أَبي الحقيق كان يليه الأكبر فالأكبر منهم فسمى ذلك المال مَسْك الجَمَل ، وسأل مع كنانة حيّيّ ابن ( أَبي (٢) ) الربيع بن أبي الحُقَيْق ، فقالا: أنفقناه في الحرب فلم يبق منه شيء ، وحلفا له على ذلك ، فقال ((بَرَثّت منكما ذمّةُ الله وذمة رسوله إن كان عندكما)) - أَو قال نحو هذا من القول - قالا: نعم. فأُشهد عليهما (٣)، ثم أمر الزبير ابن العوام رضي الله عنه أن بعذب كنانة ، فعذبه حتى أخافه فلم يعترف بشيء - فلا أدري أعذب حُي أم لا - ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل عن ذلك الكنز غلاماً منهم ، يقال له : ثعلبة ( بن سلام بن أبي الحُقَيْق(٤) ) وكان كالضعيف ، فقال : ليس لي به علم غير أني كنت أري كنانة يطوف كل غداة بهذه الخربة ، فإن كان شيء فهو فيها . فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تلك الخربة فوجدوا فيها ذلك الكنز فأتى به . فأمر بقتلهما، ودفع كنانة إلى محمد بن مَسْلَمَة فقتله بأخيه محمود بن مَسْلَمَة ، (١) في الأصل: (( كنانة بن أبي ربيع)) والصواب ما أثبته لنص السياق عليه بعد ذلك. (٢) سقط في الأصل والإضافة من نص المادة . (٣) في مغازي الواقدي ٢: ٦٧٢: ((أشهد عليهما أبا بكر وعمر وعلياً والزبير وعشرة من اليهود». (٤) الإضافة عن الواقدي ٢: ٦٧٢ وبقية الخبر ((وكان رجلاً ضعيفاً)). ٤٦٧ لابن شبة وقيل كنانة قتل محموداً . وسبا رسول الله صلى الله عليه وسلم آل أبي الحُقَيْق بما كانوا أعطوا من أنفسهم ، وصفية بمكانها منهم ، ولم يُسْبَ أَحدٌ من أهل خيبر غيرهما فيما نعلم . * حدثنا محمد بن سليمان بن أبي رجاء قال ، حدثنا إبراهيم ابن سعد ، عن ابن شهاب ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب ابن مالك : أنه أخبره أَن الرهط الذي بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتل ابن أبي الحُقَيْق قتلوه ثم أتوا يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، فلما رآهم قال ((أفلحت الوجوه )) قالوا: أَفلح وجهك يا رسول الله. قال ((أَقتلتموه ؟ )) قالوا : نعم . قال : فدعا بالسيف الذي قتلوه به وهو قائم على المنبر فسله ، ثم قال («أجل هذا طعامه في ذباب السيف)) وكان الرهط الذين قتلوه : عبد الله بن ◌َتِيك، وعبد الله بن أُنَيْس ، وأسود بن خزاعي - حليفاً لهم، وأبا قتادة - فيما يظن إبراهيم - قال إبراهيم: ولا أحفظ الخامس. * حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج قال ، أخبرني بعض أهل المدينة : أَن بني الحُقَيْق اشترط عليهم أن لا يكتموه فكتموه ، فأَحل بذلك دماءهم . * حدثنا عتاب بن زياد قال ، أنبأنا عبد الله بن المبارك، عن معمر ، عن الزهري قال ، حدثني عبد الرحمن بن عبد الله ابن كعب بن مالك : أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بعث إلى بني الحُقَيْقِ بخيبر نَهَى عن قَتْل النساء والصبيان . ( سرية عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن خالد بن نبيح)(١) * حدثنا الحزامي قال ، حدثنا ابن وهب قال ، حدثني (١) الإضافة عن شرح المواهب الزرقاني ٢: ٦٣، والمغازي الواقدي ٢ : ٥٣١. ٤٦٨ تاريخ المدينة المنورة مالك بن أنس قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله ابن أُنيس إلى ابن نُبَيح فقال يا رسول الله : اِنْحَتْه لي ، فإني لا أعرفه، فَتَعَتَهُ له، فقال: ((إِذا رأيتَه هِبْتَه)). فقال: ما هِبْتُ شيئاً قطّ يا رسول الله، قال : فخرج حتى لقيه خارجاً من مكة يريد عُرَنة (١)، فلما لقيه ابن نُبَيْح قال له : ما حاجتك هاهنا ؟ قال : جئت في طلب قلائص - وكان ابن أُنَيس أَنَاخَ راحلته في مكان خبّأَها فيه ، فمرّ يُماشيه ساعة ويسائله ، ثم استأجر عنه كأنه يصلح شيئاً ، ثم شد عليه فضربه بالسيف فقطع رجله ، قال ابن أُنَيْس : فأخذ رجل نفسه فرماني بها فلو أصابتني لأوجعتني قال : ثم جاء برأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . * حدثنا الحزامي قال ، حدثنا محمد بن فُلَيح ، عن موسى ابن عقبة ، عن ابن شهاب قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أُنَيْس السلمي إلى سفيان(٢) بِن عبد الله بن نُبَيْحِ الهُدَلي ثم اللحيانى وهو بعُرَنَة من وراء مكة - أو بعرفة(٣) - قد اجتمع إليه الناس ليغزو فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمره أن يقتله ، فقال عبد الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما صفته (١) عرفة : موضع قرب عرفة ( شرح المواهب الزرقاني ٢ : ٦٣، مراصد الاطلاع ٢ : ٩٣٤ ) . (٢) كذا في الأصل، وفي شرح المواهب الزرقاني ٢ : ٦٣ وفي سيرة ابن هشام ٤ : ١٠٣٦ ط. ((صبيح)) والبداية والنهاية لابن كثير ٤: ١٤٠ ((خالد بن سفيان بن تبيح الهذلي)» وفي مغازي الواقدي ٢: ٥٣١ ط. أكسفورد، والسيرة الحلبية ٢ : ٢٨٨ (((سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي)). (٣) اعتراض . للتوضيح . وقد سبق أن عرفة قرب عرفة . أو بواديعرفه كما في شرح المواهب ٢ : ٦٣ . ٤٦٩ لابن شبة يا رسول الله؟ قال: «إذا رأيته هِبْتَه وفرقتَ منه». قال: ما فرقْتُ من شيءٍ قطّ، فانطلق عبد الله يتوصِّلُ بالناس ويعتزي إلى خُزاعة ، ويخبر من لقي أَنما يريد سُفْيَان ليكون معه ، فلقي سفيان وهو ببطن عُرَنَة وراءه الأحابيش(١) من حاضرة مكة، قال عبد الله : فلما رأيته هِبْتُه وفرقتُ منه، فقلتُ: صدَقَ اللهُ ورسولُه، ثم كمنت حتى هدأ الناس ، ثم اعْتَوَرْتُه فقتلته، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بقَتْلِهِ قبل قدوم عبد الله ، وحكوا - والله أعلم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه عَصَاه، فقال ((تخصّر (٢) بها - أَو أمسكها)) فكانت - زعموا - عنده حتى أَمر بها فجُعِلَت في كفنه بين جلده وثيابه . ولا ندري من أين بعث النبي صلى الله عليه وسلم ابن أُنَيْس إلى ابن نُبَيْح ، أَمن المدينة أم من غيرها ؟ . ( قدوم عروة بن مسعود وإسلامه )(٣) * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال ، حدثني محمد بن فُليْح، (١) الأحابيش: الجماعة من الناس ليسوا من قبيلة واحدة، قال ابن إسحق إن الأحابيش هم بنو الهون وبنو الحارث من كنانة وبنو المصطلق من خزاعة ؛ تحبشوا أي تجمعوا، فسموا بذلك، نقله السهيلي في الروض، والمراد بالأحابيش هنا أخلاط الناس ممن انضم إليهم لمحاربة الرسول صلى الله عليه وسلم (السيرة الحلبية ٢٨٨:٢، تاج العروس ((حبش))). (٢) التخصر : الاتكاء على قضيب ونحوه . (الزرقاني ٢ : ٧٦، المغازي الواقدي ٢ : ٥٣٣)، وفي السيرة الحلبية ٢ : ٢٨٨ )» .. فوضعت رأسه بين يديه وأخبر ته خبري فدفع لي عصا وقال : تخصر بهذه في الجنة - أي توكأ عليها - فإن المتخصرين في الجنة قليل. (٣) الإضافة عن المغازي الواقدي ٣ : ٩٦٠ . وهو: عروة بن مسعود بن معتب ابن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف وهو عم والد المغيرة بن شعبة ابن عامر بن مسعود يجتمعان في مسعود ، ذكر ابن إسحق أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما انصرف من ثقيف اتبع أثره عروة بن مسعود بن معتب ، فأدركه قبل أن يصل إلى المدينة فأسلم .. الحديث . ولعروة ولد يقال له أبو المليح أسلم بعد قتل أبيه ( أسد الغابة ٣ : ٤٠٥، الإصابة ٢ : ٤٧٠). ٤٧٠ تاريخ المدينة المنورة عن موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب قال : لما صدر أبو بكر رضي الله عنه - وقد أقام الناس حجَّهم - فقدم عُرْوَةُ بن مسعود الثقفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم، ثم استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجع إلى قومه، فقال ((إني أخاف أن يقتلوك)) فقال : لو وجدوني نائماً ما أيقظوني . فأذن له فرجع إلى الطائف ، فقدِمَ عِشاءٍ فجاءته ثقيف فحيّوه ، فدعاهم إلى الإسلام ، ونصح لهم ، فعصوه واتَّهَمُوه وأسمعوه من الأذى ما لم يكن يخشاهم عليه، وخرجوا من عنده ، حتى إذا أَسْحر وطلع الفجرُ قام على غُرْفةٍ له في داره فأَذِّن بالصلاة وتشهّد ، فرماه رجلٌ من ثقيف بسهم فقتله(١)، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حين بلغه قتله ((مَثلُ عروة مثل صاحب ياسين ؛ دعا قومه إلى الله فقتلوه)). حدثنا الحزامي قال ، حدثنا ابن وهب قال ، حدثني الليث ابن سعد : أن عروة بن مسعود استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي قومه، فقال، إني أخاف أن يقتلوك ((قال : إني أحبُّ إليهم ( من أبكار أولادهم(٢)) من ذاك الذي عرف من منزلته عندهم، فأذن له ، فلما أتى قومه أَذّن فيهم بالصلاة قبل أن يعلمهم ، فقتلوه ، (١) في أسد الغابة ٣: ٤٠٦: «تزعم الأحلاف أنه قتله رجل منهم من بني عتاب ابن مالك يقال له وهب بن جابر ، وتزعم بتو مالك أنه قتله رجل منهم يقال له أوس ابن عوف، أحد بني سالم بن مالك، وقال الواقدي ٣: ٩٦١ ((وهذا هو أثبت عندنا)). وقيل لعروة ما ترى في دمك قال: كرامة أكرمني الله بها ، وشهادة ساقها اللّه إليّ. فليس فيّ إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم قادفنوني معهم ، قدقنوه معهم . ( الإصابة ٢ : ٤٧٠ ، أسد الغابة ٣ : ٤٠٦). (٢) ما بين الحاصرتين عن الواقدي ٣: ٩٦٠، وفي ابن هشام ٤: ٩٦٤ (( أنا أحب إليهم من أبكارهم ، قال ابن هشام ويقال : من أبصارهم . وهي رواية ابن الأثير ٣ : ٤٠٦ من أسد الغابة . ٤٧١ لابن شبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إِن مثل عروة مثل صاحب آل ياسين)) قال ((وكان صاحبهم رجلاً يقال له حبيب - وكان نجاراً - فقال (( يَا قوْمِ اتّبِعُوا المُرْسَلِين » اتّبعُوا مَنْ لَا يَسْأَلكم أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُون)) وقال (( وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فطرَني وإِليْه تُرْجِعُون. أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةٌ إِنْ يُرِدْنِ الرّحْمَنُ بِضُرِّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُم شَيْئاً وَلَا يُنْقِذُون ) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبَّكُمْ فَاسْمَعُون))(١) فقاموا إليه فأخذوا قَدُومَه من قُفَّتِهِ فضربوه به على دماغه فقتلوه، فقيل له ((أُدخل الجنّة)) فلما دخلها ذكر قومه قال ((يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ) بمَا غَفَرَ لِي رَبّي وَجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِين))(٢). * حدثنا الحزامي قال ، وحدثنا ابن وهب قال ، أخبرني ابن لهيعة، عن أبي الأسود ، عن عروة بن الزبير : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عُرْوَة بن مسعود الثقفي إلى قومه يدعوهم إلى الإِسلام فقتلوه، - رُميَ بسهم (٣) - فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال مَثَلُه في قومه كمثل صاحب ياسين في قومه )) . ورثاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : وَأَصْبَحَتْ وهيَ فِي إِثْمٍ وتَفْنِيدِ فَازَتْ ثُقَيْفٌ بِأَمْرِ غَيْرِ مَحْمُود عَنْ النّبِيّ بأَمْر غيْرِ مَرْدُودٍ بِقَتْلِهِم رَجُلًا قد كَان يُخْبِرُهُم بَغْياً ولم يثبتوا منه بمَوْعُودٍ فَكَذّبُوهُ أَضَلَّ اللّه سَعْيَهُمُ شراً فَقُومُوا إِليه بالجَلامِيد(٤) وقال كافرهم هذا يريدكم (١) سورة يس آية ٢٠ - ٢٥ . (٢) سورة يس آية ٢٦ - ٢٧ . (٣) وفي الاستيعاب ٣ : ١١٢، وأسد الغابة ٣ : ٤٠٦ وابن هشام ٤ : ٩٦٥ (( رموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله)). (٤) الجلمد والجُلْمود: الحجر الصخر ، أقرب الموارد ((جلمد)). ٤٧٢ لابن شبة إِذْ يَرْجُمُونَك يَا ◌ُروَ بن مَسْعُود فَلَوْ شَهدت أَضَلّ الله سَعْیھم لُوافَقُوا مُرْهِفَات لَا يَزال لها يَوْماً قَتِيلاً عَليه الطّيْرِ بالبيدِ * حدثنا أحمد بن معاوية قال ، حدثنا أبو الفتح الرقي ، عن عبد الملك بن أبي القاسم قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عُرْوة بن مسعود إلى قومه يدعوهم فقتلوه ، فشبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاحب ياسين . ( سرية نخلة )(١) حدثنا إبراهيم بن المنذر قال ، حدثنا محمد بن فليح ، عن موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب قال : لبث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أربعة عشر شهراً ، ثم بعث عبد الله بن جحش في ركب من المهاجرين(٢)، وكتب معه كتاباً فدفعه إليه ، وأمره (١) الإضافة عن المغازي الواقدي . ونخلة هي نخلة اليمانية ، وهي بستان ابن عامر عند العامة ، والصحيح أن نخلة اليمانية هي بستان عبيد بن معمر ( مغازي الواقدي ١ : ١٣ ط. أكسفورد)، (معجم ما استعجم ص ٢٥٧٧). وفي مراصد الاطلاع ٣ : ١٣٦٥: واد يصب فيه بَدَعَان. به مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وبه عسكرت هوازن يوم حنين ، وقيل نخلة واد من الحجاز بينه وبين مكة مسيرة ليلتين . وفي السيرة الحلبية ٢ : ٢٧٨ نخلة : موضع بين مكة والطائف . (٢) في ابن هشام ٢: ٤٣٥ ط. صبيح، والبداية والنهاية لابن كثير ٣ : ٢٤٩ « و کان أصحاب عبد الله بن جحش من المهاجرين ، ثم من بني عبد شمس بن عبد مناف : أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، ومن حلفائهم : عبد الله بن جحش وهو أمير القوم ، وعكّاشة بن محصن بن حُرْثان ، أحد بني أسد بن خزيمة حليف لهم ، ومن بني نوفل بن عبد مناف : عتبة بن غزوان بن جابر ، حليف لهم ، ومن بي زُهْرة بن كلاب : سعد بن أبي وقاص ، ومن بني عدي بن كعب : عامر بن ربيعة حليف لهم من عنز بن وائل ، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عتريق بن ثعلبة ابن يربوع ، أحد بني تميم ، حليف لهم، وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ث ، حليف لهم ، ومن بني الحارث بن فهر : سهيل بن بيضاء)). ٤٧٣ لابن شبة أن يسير ليلتين ثم يقرأ الكتاب فيتبع ما فيه ، وفي بعثه ذلك أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ، وعمرو بن سراقة ، وعامر بن ربيعة ، وسعد بن أبي وقّاص، وعتبة بن (١) غزوان، وواقد بن عبد الله وصفوان(٢) بن بيضاء ، فلما سار ليلتين فتح الكتاب فإذا فيه (٣) : أَن امضِ حتى تبلغ نَخْلَة، فلما قرأه قال: سمعاً وطاعة لله ولرسوله، فمن كان منكم يريد الموت في سبيل الله فليمض فإني ماضٍ على ما أمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم . • فمضى ومضى معه أصحابه ولم يتخلف عنه منهم أحد ، وسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له : بُحران(٤) أَضلّ سعد بن أبي وقاص وعُتْبة بن غَزْوان بعيراً لهما كانا يعتقبانه (١) كذا في الأصل، وفي المغازي الواقدي ١: ١٦ وفي السيرة الحلبية ٢ : ٢٧٨ (( عيينة بن غزوان)) . (٢) في نهاية الأرب ١٧: ٧، وابن كثير ١ : ٤٩٤، ومعالم التنزيل ١ : ٤٩٤ ((سهيل بن بيضاء)). (٣) في السيرة الحلبية ٢: ٢٧٨ ((فإذا فيه: سر باسم الله وبركاته، ولا تكرهن أحداً من أصحابك على السير معك ، وامض لأمري حتى تأتي بطن نخلة فتر صد عير قريش وتعلم لنا أخبارهم » . • بعد هذا سقط في الأصل واضطراب في العبارات - وورد في هامش اللوحة ما يلي (( إلى هنا انتهت الكراريس المذكورة فيها أنها من الجزء الثالث وهو العاشر من أصله - آخر الكراس)) وقد أتممنا خبر سرية نخلة من سيرة النبي لابن هشام ٢ : ٤٣٦ - ٤٣٩ ط. صبيح . (٤) كذا في المثبت ((بحران)) وفي معالم التنزيل ١: ٤٩٥، والبداية والنهاية ٣: ٢٤٩ وتفسير ابن جرير الطبري ٢: ١٩٥ ((نجران)). وبُحران بالضم موضع بناحية الفرع ، قال الواقدي : بين الفرع والمدينة ثمانية برد . قال ابن إسحق : هو معدن بالحجاز في ناحية الفرع وقيده ابن الفرات بفتح الباء في هذا الخبر، وقد قيده في مواضع بالضم ، وهو المشهور (معجم البلدان ١ : ٤٩٩). ٤٧٤ تاريخ المدينة المنورة فتخلّفا عليه في طلبه ، ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة ، فمرت به عير لقريش تحمل زبيباً وأدماً وتجارة من تجارة قريش(١) فيها عمرو بن الحَضْرَميّ . قال ابن هشام واسم الحضرمي : عبد الله بن عباد ( ويقال : مالك بن عباد ) أَحد الصّدف : واسم الصدف : عمرو بن مالك أَحد السّكون ابن أشرس بن كندة ، ويقال : كندي ، قال ابن إسحاق : وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأَخُوه نَوْفَل بن عبد الله المخزوميان ، والحكم بن كيسان ، مولى هشام بن المغيرة ؛ فلما رآهم القومُ هابوهم وقد نزلوا قريباً منهم ، فأشرف لهمُ عكّاشة بن محصن (٢) وكان قد حلق رأسه ، فلما رأوه أَمنوا وقالوا: عُمّار لا بأس عليكم منهم ، وتشاور القوم فيهم ، وذلك في آخر يوم من رجب فقال القوم : والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم ، فليمتنعن منكم به ، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام ، فتردّد القوم ، (١) في تفسير ابن كثير ١: ٤٩٥ (( وتجارة من الطائف)) وما في تفسير ابن جرير الطبري ٢ : ١٩٥ موافق للمثبت هنا . (٢) في تفسير ابن كثير ٢: ٤٩٦، والسيرة الحلبية ٢: ٢٧٩ ((قال عبد الله بن جحش : إن القوم قد ذعروا منكم فاحلقوا رأس رجل منكم وليتعرض لهم ، فحلقوا رأس عكاشة ، ثم أشرف عليهم فقالوا: قومٌ عُمَّار لا بأس عليكم فأمنوهم . وهو عكاشة بن محصن بن حُرْثان بن قيس بن مرة بن كثير بن غنم بن دوران ابن أسد بن خزيمة الأسدي ، حليف بني عبد شمس ، يكنى أبا محصن ، كان من سادات الصحابة وفضلاتهم ، هاجر إلى المدينة وشهد بدراً وأبلى فيها بلاء حسناً ، وانكسر في يده السيف فأعطاه الرسول عرجوناً فعاد في يده سيفاً يومئذ شديد المتن أبيض الحديدة ، فقاتل به حتى فتح الله عز وجل على رسوله، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل في الردة وهو عنده، وكان ذلك السيف يسمى العون. ( أسد الغابة ٤ : ٣). ٤٧٥ لابن شبه وهابوا الإقدام عليهم ، ثم شجعوا أنفسهم عليهم ، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم ، وأخذ ما معهم ، فرمي واقدُ بن عبد الله التّميمي(١) عَمْرَو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأُسَرَ عثمان بن عبد الله ، والحكم بن كيسان ، وأَفلت القومَ نوفلُ بن عبد الله فأعجزهم ، وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير وبالأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة . وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش: أَن عبد الله قال لأصحابه: إنَّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ممَّا غنمْنَا الخُمُسَ - وذلك قبل أن يفرض الله تعالى الخمس من المغانم - فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس الغير ، وقسم سائرها بين أصحابه ، قال ابن إسحاق : فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، قال : ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام ، فوقف العير والأَّسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً ، فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم سُقِطَ في أَيدي القوم ، وظنّوا أنهم قد هلكوا ، وعنّفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا . وقالت قريش : (٢) قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام (١) في تفسير ابن كثير ٢: ٤٩٦ (( فرماه واقد بن عبد الله السهمي)) وفي السيرة الحلبية ٢: ٢٧٩ ((رماه واقد بن عبد الله بسهم))، وفي معالم التنزيل ٢ : ٤٩٧، وطبقات ابن سعد ٢: ١٠، وابن جرير الطبري ٢: ١٩٥)» فرماه واقد بن عبد الله التميمي، وهو الأثبت عندنا ، حيث أن ابن الأثير ترجم له في ٥ : ٦٩ من كتابه أسد الغابة بقوله ((هو واقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع ابن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم التميمي الحنظلي اليربوعي حليف بني عدي ابن كعب - كذا قاله أبو عمر » . (٢) في معالم التنزيل للبغوي ٢: ٤٩٧، والسيرة الحلبية ٢: ٢٧٩ (وعيّر بذلك أهل مكة من كان بها من المسلمين ، وقالوا : يا معشر الصباة استحللتم الشهر الحرام وقائلتم فيه )) . ٤٧٦ تاريخ المدينة المنورة وسفكوا فيه الدم ، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال ، فقال من يرد عليهم من المسلمين ممن كان بمكة : إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان . وقالت يهود - تتفاءل بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم - عمرو بن الحضرمي قتله واقدُ بن عبد الله ، عمرو : عمرت الحرب ، والحضرمي : حضرت الحرب ، وواقد بن عبد الله : وقدت الحرب . فجعل الله ذلك عليهم لا لهم . فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم : (( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قَتَالِ فيه قُلْ قَتَالٌ فيه كبيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبيلِ الله وكُفْرٌ به والمسجد الحرامِ وإِنْراجُ أَهْله منْهُ أَكْبَرُ عنْدَ الله ٢: ٢١٧)) (١). أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام وإخراجكم منه وأنتم أَهله أَكْبَرُ عنْدَ الله من قتل من قتلتم منهم ((والفتنة أكبر من القتل ٢ : ٢١٧) أَي قد كانوا يفتنون المسلم عن دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه ، وفي ٢ : ١٩٦ من تفسير ابن جرير الطبري عن السُّدي قال : ففجر = عليه المشركون وقالوا : محمد يزعم أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام، وقتل صاحبنا في رجب . فقال المسلمون : إنا قتلناه في جمادى ، فأنزل الله عز وجل يعيّر أهل مكة ، يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير)) الآية . (١) وفي رواية أخرى في تفسير ابن جرير الطبري ١ : ١٩٧ في سبب نزول هذه الآية عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : إن رجلاً من بني تيم أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في سرية فمر بابن الحضرمي يحمل خمراً من الطائف إلى مكة ، فرماه بسهم فقتله - في آخر يوم من جمادى الآخرة وأول يوم من رجب - وكان بين قريش ومحمد عقد فقالت قريش : أفي الشهر الحرام ولنا عهد ؟ فأنزل الله عز وجل ... الآية . ٤٧٧ لابن شبة فذلك أكبر عند الله من القتل ((ولا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُم حتَّى يَردُّوكم عَنْ دينكم إن استطاعوا ٢ : ٢١٧ ، أَي ثم هم مقيمون على أُخبث ذلك وأعظمه ، غير تائبين ولا نازعين . فلما نزل القرآن بهذا من الأمر ، وفرج الله تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق ، قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأُسيرين، وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله ، والحكم ابن كيسان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا - يعني سعد بن أبي وقاص ، وعتبة بن غزوان - فإنا نخشاكم عليهما ، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم ، فقدم سعد وعتبه ، فأَفداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم . فأما الحكم بن كيسان فأسلم فحسن إسلامه ، وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيداً . وأما عثمان ابن عبد الله فلحق بمكة ، فمات بها كافراً . فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن ، طمعوا في الأجر ، فقالوا يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين ؟ فأَنزل الله عز وجل فيهم : ((( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا في سَبيل الله، أُولئك يَرْجُونَ رَحْمَةَ الله، والله غَفُورٌ رَحِيمٌ ٢: ٢١٨)) فوضعهم الله عز وجل من ذلك على أعظم الرجاء . والحديث في هذا عن الزهري ويزيد ابن رومان ، عن عروة بن الزبير . قال ابن إسحاق : : وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش : أن الله عز وجل قسم القيء حين أَحَلّه، فجعل أربعة أخماس لمن ٤٧٨ تاريخ المدينة المنورة أَفاءه، وخُمُساً إلى الله ورسوله ، فوقع على ما كان عبد الله بن جحش صنع في تلك العير . قال ابن هشام : وهي أول غنيمة غنمها المسلمون وعمرو بن الحضرمي أول من قتله المسلمون ، وعثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان أول من أَسر المسلمون . قال ابن إسحاق: فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في غزوة عبد الله بن جحش ، ويقال : بل عبد الله بن جحش قالها ، حين قالت قريش : قد أحل محمد وأصحابه الشهر الحرام ، وسفكوا فيه الدّم ، وأخذوا فيه المال ، وأسروا فيه الرجال - قال ابن هشام : هي لعبد الله بن جحش : وَأَعْظَمُ مِنْهُ لَو يَرِى الرَّشْدَرَاشِدُ تَعدُّونَ قَتْلًا في الحرامِ عَظيمَةً وَكُفْرٌ به، والله راءٍ وَشَاهِدُ صُدُودُكُمْ عَمَّا يَقُولُ مُحَمَّدٌ لِئَّلَا يُرى لهِ في البيتِ سَاجِدُ وإِخْرَاجِكُمُ مِنْ مَسْجِدِ اللهِ أَهْلَهُ فَإِنَّا وإنْ عَيَّرْتُمُونَا بقتله وَأَرْجَفَ بالإِسلامِ بَاغٍ وَحَاسِدُ بِنَخْلَة لَمَّا أَوْقَدَ الحربَ واقِدُ سقينا من ابن الحَضْرَمِيّ ◌ِمَاحَنًا دَمًّا وابن عبدالله بن عثمان بَيْئَنَا يُنَازِعُهُ غُلِّ مِنَ القَدِّ عَانِدُ ( خبر صهيب بن سنان وخباب وجبر وعمار ممن عذبوا في اللّه (١) ) * حدثنا (٢) سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبع حدثنا جعفر بن محمد الصائغ حدثنا عفان بن مسلم حدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا أحمد بن زهير وموسى بن إسماعيل قالا : حدثنا حماد بن (١) إضافة على الأصول . والخبر مضطرب وبه نقص وسيتم استكماله وفقاً لما يشار إليه في التعليقات . (٢) ما بين الحاصرتين عن الاستيعاب لابن عبد البر ٢ : ١٧٣. ٤٧٩ لابن شبة سلمة ، عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب قال : خرج صهيب(١) مهاجراً إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه نفر من المشركين فنثر كنانته وقال لهم : يا معشر قريش قد تعلمون أني من أرماكم ، والله لا تصلون إليَّ حتى أرميكم بكل سهم معي ، ثم أُضربكم بسيفي ما بقي منه في يدي شيء ، فإن كنتم تريدون مالي دللتكم عليه . قالوا : فدُلَّنا على مالك ونخلّي عنك . فتعاهدوا على ذلك ، فدلهم ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله صلى (١) هو صهيب بن سنان بن خالد بن عبد عمرو بن طفيل بن عامر بن جندلة ابن سعد بن جذيمة بن كعب بن سعد ، هكذا قاله ابن إسحق ، وقال الواقدي وابن الكلبي : صهيب بن سنان بن خالد بن عمرو بن عقيل بن كعب بن سعد ، ومنهم من يقول : ابن سفيان بن جندلة بن مسلم بن أوس بن زيد مناة ، من النمر بن قاصر ، ويعرف بالرومي لأنه أخذ لسان الروم إذ سبوه وهو صغير ، وقيل كان أبوه سنان بن مالك أو عمه عاملاً لكسرى على الأبلة ، وكانت منازلهم بأرض الموصل في قرية على شط الفرات ، فأغارت الروم على تلك الناحية فسبتْ صهيباً وهو غلام صغير ، فنشأ صهيب بالروم فصار ألكن ، فابتاعته منه كلب ، ثم قدمت به مكة فاشتراه عبد الله بن جدعان فأعتقه، وأقام معه بمكة حتى هلك . قال الواقدي : كان إسلام صهيب وعمار بن ياسر في يوم واحد ، وكانا من المستضعفين بمكة ، المعذبين في اللّه عز وجل ، وقدم في آخر الناس في الهجرة إلى المدينة ، وشهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها مع رسول اللّه ، وكان فيما ذكروا رضي الله عنه أحمر شديد الحمرة ليس بالطويل ولا بالقصير ، كثير شعر الرأس . وعن أنس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((السبّاق أربعة: أنا سابق العرب ، وصهيب سابق الروم ، وسلمان سابق فارس ، وبلال سابق الحيش » وكان عمر رضي الله عنه محباً لصهيب حسن الظن فيه ، حتى إنه لما ضُرب أوصى أن يصلي عليه صهيب ، وأن يصلى بجماعة المسلمين ثلاثاً حتى يتفق أهل الشورى على من يستخلف ، وتوفي صهيب بالمدينة سنة ثمان وثلاثين في شوال ، وقيل سنة تسع وثلاثين ، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة ، وقيل ابن سبعين ، وقيل ابن تسعين ، ودفن بالبقيع . ( الاستيعاب ٢ : ١٦٧، أسد الغابة ٣: ٣٠، الإصابة ٢ : ١٨٨). ٤٨٠ تاريخ المدينة المنورة الله عليه وسلم ((ربح البيع أبا يحيى)) فأنزل الله تعالى فيه: (( وَمَنّ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتَغَاءَ مَرْضَات الله - الآية)) (١). قال أكثر المفسرين: نزلت في صُهَيْبٍ(٢) بن سنان الرومي حين أخذه المشركون في رهط من المؤمنين فعذّبوه ، فقال لهم صهيب : إني شيخ ضعيف (٣) لا يضركم أَمنْكُم كنتُ أَم من عَدُوٌّكم . قالوا : صدقت . قال : فتأُخذون أهلي ومالي وتدعوني وديني ففعلوا ، فنزلت فيه هذه الآية، فلقيه أبو بكر رضي الله عنه بعد ما قدم المدينة فقال : ربح البيع يا صُهَيْب . قال : وبيعك فلا يخسر. فقرأ عليه الآية ففرح بها . وأما بلال وخَبَّاب وجبر وعمار (٤) فعذبوا حتى قالوا: نمضي ما أراد المشركون. ثم أرسلوهم، ففيهم نزلت: ((والذين هَاجَرُوا في الله بَعْدَ مَا ظُلمُوا النبوّئِنّهم في الدنيا حَسَنَةٌ وَلأَجْرُ الآخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون)» ١٦ : ٤١ . * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال ، حدثنا عبد الله بن وهب قال ، أخبرني نافع بن يزيد (٥)، عن عمر مولى غفرة : أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج مهاجراً إلى المدينة أخذ المشركون عمار (١) سورة البقرة آية ٢٠٧ . (٢) بياض بالأصل والإضافة عن معالم التنزيل للبغوي ١ : ٤٨١ . (٣) في معالم التنزيل البغوي ١: ٤٨١ (( إني شيخ كبير)). (٤) جبر مولى عامر بن الحضرمي أكرهه سيده على الكفر فكفر مكرهاً ، ثم أسلم فحسن إسلامه ( معالم التنزيل البغوي ٥ : ٩٣ ). (٥) هو نافع بن يزيد الكلاعي أبو يزيد المصري عن يزيد بن عبد الله بن الماد وعنه بقية و ابن وهب وثقه أحمد بن صالح ، وقال أبو حاتم والنسائي : لا بأس به ، وقال ابن يونس : مات سنة ثمان وستين ومائة ( الخلاصة الخزرجي وحاشيتها ص ٤٠٠ ط. بولاق ) .