النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
لابن شبة
جائع فَأَطْعِمْني، وإني ظمآنُ فاسقني ، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم (( هذه حاجتك)) فَقُدِيّ بالرجلين، وحَبَس رسول الله صلى الله
عليه وسلم العضباء ( الرحله ، قال ثم إن المشركين أغاروا على سَرْح
المدينة فذهبوا به، وكانت العضباء فيه)(١) وأسروا امرأة (٢)
من المسلمين ، فكانوا إذا نزلوا أَرَاحُو إبلهم بأَفنيتهم ، فقامت
المرأة ليلا بعدما نوّموا ، فجعلت كلما أتت على بعير رغا حتى أتت
على العضباء فأَنت على ناقة ذلول مجربة فركبتها ، ثم وجّهَتْها
قِبَل المدينة، ونذرت إِن الله أنجاها عليها لتنحرنها)) (٣)، فلما
قدمت المدينة عرفت الناقة وقيل : ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وأُخْبِرَ النبي صلى الله عليه وسلم بنذرها، وأَنته فأَخْبَرَتْه ، فقال
((( بئس ما جَزَتْهَا - أَو بئس ما جَزَيْتِيها - نذَرَتْ إِن الله أَنجاها عليها
لتنحرنها، ثم قال ((لا وفاء لنذرٍ في معصية الله، ولا فيما لا يملك
ابنُ آدم)» قال عفان: وقال لي: وُهَيْبَ : كانت ثقيف حلفاء
بني عقيل ، وقال عفان وزاد حماد بن سلمة قال : وكانت العضباء
إذا جاءت لا تمنع من حوض ولا نبت .
* حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا أيوب، عن أَبي قُلَابَة،
عن عمران بن حصين : بنحوه ، وزاد : فقداه رسول الله صلى الله عليه
وسلم بالرجلين .
(١) سقط في الأصل والإضافة عن البداية والنهاية لابن كثير ٤ : ١٥٤.
(٢) قيل : هي زوج أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، وانظر السيرة الحلبية ٢ :
١٢٦، ص ١٣١.
(٣) في الأصل ((لتنحرها)) والتصويب عن البداية والنهاية ١ : ١٥٤.

٤٤٢
تاريخ المدينة المنورة
حدثنا عتاب بن زياد قال ، حدثنا ابن المبارك ، عن معمر
عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، عن عمران بن حصين
رضي الله عنه قال : فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بطعام ،
ثم فداه بالرجلين .
* حدثنا عتاب بن زياد قال ، حدثنا ابن المبارك ، عن معمر
عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أَبي المهلب ، عن عمران
ابن حصين رضي الله عنه قال : فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم
بطعام - قال أبو زيد : كان مروان بن قيس الدوسي خرج يريد
الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرّ بإبل لثقيف فاطردها،
فأَغارت ثقيف فأخذت ابنه وامرأتين له وإبلاً، فلما طفر (١)
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حُنَيْن يريدُ الطائف شكا إليه
مروان ما فعلت به ثقيف ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم
- إن كان(٢) قاله - خذ أول غلامين تَلْقَاهُما من هوازن، فأخذ
أبيّ بن مالك(٣)، ويقال ابن سلمة بن معاوية بن قشير والآخر
(١) طفر - وثب (أقرب الموارد ((طفر))).
(٢) كذا في الأصل، وهو موافق ما في الإصابة ٣ : ٣٨٤، والعبارة تدل على شك
الراوي .
(٣) أبيّ بن مالك الحرشي ، ويقال العامري . قاله أبو عمرو ، وقال ابن منده وأبو
نعيم : القشيري العامري ، واتفقوا على أنه من عامر بن صعصعة ، واختلفوا فيما سواه ،
فالحريشي وقشير أخوان . وهما أبناء كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن
بكر بن هوازن . قال يحيى بن معين : ليس في أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم أبيّ بن
مالك ، وإنما هو عمرو بن مالك .. وذكر البخاري أبيّ بن مالك هذا في كتابه الكبير
في باب أبيّ - والله أعلم. ( أسد الغابة ١ : ٥٩).
وفي الإصابة ١: ٣٢ أبي بن مالك القشيري، ويقال القرشي ، من بني عامر بن =

٤٤٣
لابن شبة
حيدة(١) أحد بني الجريش ، فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم
فنسبهما ، فقال لأبي: ((إما هذا فإن أخاه يزعم ويُزْعُم له أنه فتى
أهل المشرق . كيف قال القائل يا أبا بكر (٢) ؟ قال فقال:
إن نهيكا(٣) أبى إلا خليقته حتى تزول جبال الحَرّة السود
قال أبو زيد بن شبة : والشعر لنهيك ، وقبل هذا البيت منه :
يَا خَالِ دَعْنِي وَمَالِي مَا فَعَلَت بِهِ وَخُذْ نَصِيبك مِنِّي إنّني مُودِي
وأَما هذا - لابن حيدة - فإنه من قوم صَلِيبٌ نسبهم(٤)،
شديدٌ بأُسهم ، أُشدُدْ يَدَيْك بهما حتى تُؤَدِّيَ إِليك ثقيفُ أَهْلَك
= صعصعة، عداده في أهل البصرة، قال ابن حبان: يقال إن له صحبة، ونَسَبَّهُ فقال:
أبي بن مالك بن عمرو بن ربيعة بن عبد الله بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة القشيري
-. وقد روى عنه البصريون -
كما في الإصابة ٣ : ٣٨٤ , فأغار مروان فأخذ فتيين من بني عامر، أحدهما أبي بن
مالك بن معاوية بن سلمة بن قشير القشيري ، والآخر حيدة الجرشي .
(١) في الأصل ((وابن حميدة)) والمثبت عن الإصابة ٣ : ٣٨٤.
(٢) في الإصابة ٣: ٣٨٤: ((فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما هذا فإن أخاه
يزعم أنه فتى أهل المشرق ، كيف قال يا أبا بكر ؟ فقال: يا رسول اللّه قال:
حتى تعود جبال الحرة السود
ما إن يعود امرؤ عن خليقته
(٣) هو نهيك بن مالك. ذكره المرزباني في معجم الشعراء فقال : إنه جاهلي ، وكان
يلقب ((منهب الرزق ، قال وكان قد قدم مكة بطعام ومتاع للتجارة فرآهم مجهودين فأتهب
الغير بما عليها . وعاتبه خاله في إنهاب ماله بعكاظ فقال :
وما يصيبك منه أنني مودي
يا خال ذرني ومالي ما فعلت به
حتى تبيد جبال الحرة السود
إن نهيكاً. أبى إلا خلائقه
فلن أطيعك إلا أن تخلدفي
فانظر بكيدك هل تستطيع تخليدي
الحمد لا يشترى إلا له ثمن
ولن أعيش بمال غير محمود
( الإصابة : ٣ : ٣٨٤، ٣٨٥) .
(٤) في الإصابة ٣ : ٣٨٤ ((صليب عودهم)).

٤٤٤
تاريخ المدينة المنورة
ومالك ، قال أبي : يا محمد ، ألست تزعم أَنك خرجت تضرب
رقاب الناس على الحقِّ ؟ قال: ((بلى)). قال: فأَنت والله أولى بثقيفٍ.
منّي ، شاركتهم في الدار المسكونة، والأموال المعمورة ، والمرأة
المنكوحة ، قال : بل أنت أولى بهم مني ، أَنت أَخوهم في العَصَب،
وحليفهم بالله ما دام الصالف(١) مكانه ، ولن يزول ما دامت السموات
والأرض، وقال لمروان ((اجلس إليهما))، فكأنه لم يفعل ، فأجاز
بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فشكوا ذلك إليه، فأمر بلالا
بألا يغلق عليهما . فجاءه الضحاك بن سُفْيَان الكلابي أَحد بني بكر
ابن كلاب(٢) فاستأذنه في الدخول على ثقيف ، فأذن له ، فكلّمَهم
في أهل مروان وماله ، فوهبوه له ، فدفعه إلى مروان فأطلق الغلامیْن ،
فعتب الضحاك بعد ذلك على أبيّ بن مالك في بعض الأمر ، فقال
يذكر بلاءه عنده :
غداة الرسول مُعْرضُ عنك أَشوس
أَتَنْسِى بَلَائي يا أبيّ بن مالك
ذليلاً كما قيد الذلول المخيّس(٣)
يقودك مروان بن قيس بحبله
متى يأتهم مستقبس الشريقبسوا
فعادتعلیك(من) (٤) ثقيف عصابة
(١) الصالف : جبل كانوا في الجاهلية يتحالفون عنده ، وهو بين مكة والمدينة
( مراصد الاطلاع ٢ : ٨٣٠ ، وأقرب الموارد ١ : ٦٥٨).
وفي الإصابة ٣٨٤:٣ ترجمة مروان بن قيس الدوسي ((ما دام الطائف مكانه)).
(٢) في الأصل كلمة لا تقرأ، والإثبات عن الإصابة ٣ : ٣٨٤ .
.. ذليلا كما قيد الوقاع المخيس .
(٣) في الأصل :
.. ذليلا كما قيد الرفيع المحيس .
وفي الإصابة ٣ : ٣٨٤
والمثبت عن السيرة لابن هشام ٢ : ٤٥٦ ط. الحلي، والذلول: المرتاض والمخيس:
المذلل .
(٤) الإضافة عن السيرة لابن هشام ٢ : ٤٥٦.

٤٤٥
لابن شبة
ويقال: إِن نهیکاً ر کب إلی ثقیف فكلّمهم، وإنه قال هذه الأبيات
لأخيه أبيّ بن مالك ومن معهما .
علیكوقد کادت بكالنفس تیاس
و کانوا (١) هم المولى فنادوا بحلمهم
لغير الذي تأتي من الأمر أَكيس
لعمرو أُبيك يا أبيّ بن مالك
(سرية أبي قتادة رضي الله عنه إلى بطن إضم )(٢)
· حدثنا عفان قال ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن محمد
ابن إسحاق ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن ( القعقاع بن
عبد الله (٣) ) بن أبي حَدْرَة الأسلمي ، عن أبيه : أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم بعثه، وأَبا قتادة، ومحلّم بن جَثَّمَة (٤) سريةً إلى إِضم (٥)،
(١) في ابن هشام ٢ : ٤٨٦ .
علیك وقد کادت بك النفس تیاس
فكانوا هم المولى فعادت حلومهم
وبالمصدر السابق (( أن هذا البيت متصل بالثلاثة السابقة بدون فاصل ، وهو من شعر
الضحاك بن قيس الدوسي ، وليس من شعر نهيك كما ذكر ابن شبة هنا .
(٢) الإضافة عن السيرة الحلبية ٢: ٣١٨، وتلقيح فهوم أهل الأثر لابن الجوزي
ص ٣٣ .
(٣) سقط في الأصل، والإثبات عن أسد الغابة ٤ : ٣٠٩، وتفسير ابن كثير ٢ :
٥٤٥، والبداية والنهاية ٤ : ٢٢٤ .
(٤) محلم بن جثامة ، واسمه يزيد بن قيس بن ربيعة بن عبد الله بن يعمر الشداخ
ابن عوف بن كعب الكناني الليثى ، أخو الصعب بن جثامة ، ذكر الطبري أن محلم بن جثامة
توفي في حياة التي ، فدفنوه فلفظته الأرض مرة بعد أخرى ، فأمر به فألقي بين جبلين ،
وجعل عليه حجارة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنّ الأرض لتقبل من هو
شر منه، ولكن الله أراد أن يريكم آياته في قتل المؤمن)).
(وانظر الخبر في أسد الغابة ٤: ٣٠٩ مروياً أيضاً عن ابن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله
ابن قسيط ، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد ، عن أبيه).
(٥) إضم: قال ياقوت: ١: ٢١٨: إضم بالكسر ثم الفتح: ماء يطأه الطريق بين =

٤٤٦
تاريخ المدينة المنورة
قال : فلقينا عامر بن الأضبط الأشجعي (١) ، فحيّاهم بتحية
الإِسلام فكّفَّ أبو قتادة وأبو حدرة ، وحمل عليه محلّم بن جثامة
فقتله ، فسلبه بعيراً له ومتيعاً ووَطْباً من لّبَنٍ ، فلما قدموا أُخبروا
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ((قتلته بعد ما قال آمنت بالله؟))
ونزل القرآن (( يَا أَيُّها الّذين آمنُوا إِذَا ضَرَيْتُم في سبيل الله فَتَبَيْنُوا
وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَامِ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُون عَرَضَ الحَيَاةِ
الدُّنْيَا فِعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرة)) (٢) !.
· قال محمد بن إسحاق : فحدثني محمد بن جعفر قال ،
سمعت زياد بن ضميرة بن سعد الضمري(٣) يحدث ( عن(٤))
= مكة والمدينة، وفي مراصد الاطلاع ١: ٩٠ «إضم بالكسر ثم الفتح ماء يطأه الحاج بين
مكة واليمامة عند السمينة وقيل جوف (أي قناة ) هناك به ماء وأماكن يقال لها الحناظل ،
وقيل الوادي الذي فيه مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم بأعلاه القناة التي تمرّ دوين المدينة
وآخره يصب في البحر، وقيل جبل بين البمامة وضرية . وفي السيرة الحلبية ٢ : ٣١٨
إضم اسم موضع أو جبل .
(١) في أسد الغابة ٣ : ٧٧ أن عامر بن الأضبط الأشجعي هو الذي قتلته سرية
رسول الله صلى الله عليه وسلم ويظنونه متعوذاً بالشهادة، وفي ابن كثير ٢ : ٥٤٥ :
! فخرجنا حتى إذا كنا بيطن إضم مر بنا عامربن الأضبط الأشجعى على قعود له ومعه
متيح ووطب من لين ، فلما مر بنا سلم علينا فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جئامة فقتله ؟
لشيء کان بينه وبينه ، وأخذ بعيره ومتيعه .. الحديث .
(٢) سورة النساء آية ٩٤ .
(٣) في أسد الغابة ٤: ٤١٣، والإصابة لابن حجر ٣: ٤٣٦ (( قال: سمعت زياد
ابن ضميرة بن سعد السلمي ... الحديث - وفي الخلاصة الخزرجي ص١٠٦ : زياد بن
سعد بن ضميرة السلمي عن أبيه ، وعنه محمد بن جعفر - وفي ميزان الاعتدال ١ : ٣٥٧
زياد بن سعد بن ضميرة ، ويقال زياد بن ضمرة، ويقال زيد بن ضمرة».
(٤) الإضافة للسياق .

٤٤٧
لابن شبة
عروة ، عن أبيه وجده - وقد كانا شهدا مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم حُنَيْناً - قال : فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر،
فقام إلى ظل شجرة فقعد فيه، فقام إليه عُيَيْنَةُ بن ( حصن بن
حذيفة بن(١)) بدر يطلب بدم عامر بن الأَضبط الأشجعي - وهو
سيد قيس . وجاء الأُقرع بن حابس (٢) يُرُدّ عن (٣) دم محلّم بن جثّامة
وهو سيد خندف ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوم عامر
ابن الأضبط « هل لكم أن تأخذوا منا الآن خمسين بعيراً وخمسين
إذا رجعنا إلى المدينة ؟)) فقال عيينة ( بن حصن بن حذيفة)
ابن بدر: «لا والله لا أدعه حتى أُذيق نساءه من الحزن مثل
ما أذاق نسائي ، فقام رجل من بني ليث يقال له مكيتل (وهو)(٤)
(١) في الأصل والبداية والنهاية لابن كثير (( عيينة بن بدر)) والإضافة عن مغازي
الواقدي ٣ : ١٩٩ ط. أكسفورد. والإصابة ٣: ٤٣٦، وأسد الغابة ٤ : ٤١٣ ترجمة
مكيتل اللي .
(٢) الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن
حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ، واسمه فراس ، ولقب بالأقرع لقرع كان به في
رأسه . وقد كان شريفاً بالجاهلية والإسلام ، وأنه هو الذي نادى رسول الله صلى الله عليه
وسلم من وراء الحجرات قال : يا محمد، إنّ مدحي زين وإن ذمي شين . فقال الرسول
عليه السلام: ذلكم الله عز وجل". وشهد الأفرع مع خالد بن الوليد حرب أهل العراق،
وشهد معه فتح الأنبار ، وكان على مقدمة جيش خالد بن الوليد ، وقتل باليرموك في عشرة
من بنيه ، وقيل استعمله عبد الله بن عامر على جيش سيره إلى خراسان ، فأصيب بالجوزجان
هو والجيش. (الإصابة ١: ٧٢، أسد الغابة ١ : ١١٩).
(٣) في أسد الغابة ٤: ٤١٣، والمغازي الواقدي ٣ : ١٩٩، والإصابة ٣: ٤٣٦
(((يدفع عن محلم بن جثامة)).
(٤) سقط في الأصل، والمثبت في البداية والنهاية ٤: ٢٢٤، ومكيتل اللي بمثناة
مصغراً، وقيل مكثر بكسر المثلثة وآخره راء. ( الإصابة ٣ : ٤٣٦).

٤٤٨
تاريخ المدينة المنورة
القصير من الرجال (١) - فقال: يا رسول الله، ما أجد
لهذا القتيل مثلاً في غرّة (٢) الإِسلام إلا كغم وردت فرميت(٣)
أولاها ونفرت أخراها، أُسْنُن اليوم وغَيّر غداً ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : هل لكم أن تأخذوا خمسين ( بعيراً (٤))
الآن وخمسين إذا رجعتُ إلى المدينة ؟)) فلم يزل بهم حتى رضوا
بالدّية ، فقال قوم محلّم : إِيتوا به حتى يستغفر له رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال : فجاء رجل طوال (٥) ضرب اللحم في
حلة قد تهيأَ للقتل فيها ، فقعد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال : اللهم لا تغفر لمحلّم ، اللهم لا تغفر لمحلّم ، قال فقام وإنه
ليتلقى دمعه بطرف ثوبه ، قال محمد : زعم قومه أنه استغفر له
بعد ذلك .
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا حماد بن سلمة ،
عن محمد بن إسحاق ، عن يزيد ، عن عبد الله بن أبي حَدْرَة الأَسلمي،
عن أبيه بنحوه ، وقال زياد بن ضميرة : وقال في غرّة الإِسلام .
(١) في الإصابة ٣: ٤٣٧، ((قصير مجموع))، وفي أسد الغابة ٤: ٤١٣، ((مجموع
قصير ).
(٢) في الأصل ((ما أجد في هذا القتيل مثلاً في عدة الإسلام)) والمثبت عن المغازي
الواقدي ٣: ٢٠٠، والبداية والنهاية ٤: ٢٢٥، و((غرة الإسلام)» يراد بها أوله ،
وفي أسد الغابة ٤ : ٤١٣ (( ما وجدت في هذا القتيل في غرّة الإسلام شبيهاً».
(٣) في البداية والنهاية ٤: ٢٢٤ ((إلاكغم وردت فشربت أولاها ونفرت آخرها)).
(٤) الإضافة عن البداية والنهاية ٤ : ٢٢٤ .
(٥) في شرح المواهب الزرقاني ٢ : ٢٨٦ , فجاء رجل آدم ضرب طويل عليه
حلة قد تهيأ القتل))، وفي المغازي للواقدي ٣: ٩٢٠ ((فجاء رجل طويل آدم محمر بالحناء))
والمثبت يتفق مع ابن كثير في البداية والنهاية ٣ : ٢٢٥.

٤٤٩
لابن شبة
حدثنا موسى بن إسماعيل قال ، حدثنا حماد بن سلمة ،
٠
عن خالد الحذاء عن أبي قُلابَة : أن جيشاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم
غزوا قوماً من بني تميم، فحَمَلَ ( على(١) ) رجل منهم فقال :
إني مسلم ، فقتله ، قال خالد : فحدثني نصر بن عاصم الليثي (٢):
أنه كان محلّم بن جثَّامة الذي حمل على الرجل الذي قال إني مسلم
فقتله ، فجاء قومُه - وأسلموا - فقالوا: يا رسول الله، إن محلّم
ابن جثَّامة. قتل صاحبنا بعد ما قال إني مسلم، فقال: ((أَقَتَلْتَه
بعدما قال إني مسلم؟)) فقال: يا رسول الله،َ إنما قالها متعوذاً، فقال
(((فلولا شققت عن قلبه لتعلم ذاك)) قال فكنت أعلمه، قال ((فلم
قتلته؟)، ثم قال ((أنا آخِذٌ من أخذ بكتاب الله، فاقعد للقصاص)).
فلما أرادوا أن يقتلوه اشتدّ ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وكان من فرسان النبي صلى الله عليه وسلم فكلّم قَوْمه فأعطاهم الدِّيَّةَ،
وأعطاهم محلّمُ دیةً أُخرى ، فأخذوا ديتين .
. حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن بكار قال ، حدثنا
الوليد بن مسلم قال ، حدثنا عبد الله بن زياد بن سمعان ، وغيره،
عن ابن شهاب الزُّهْري، عن عبد الله بن موهب(٣)، عن قبيصة
(١) إضافة يقتضيها السياق .
(٢) نصر بن عاصم الليثي البصري النحوي ، عن أبي بكرة ، وعنه أبو الشعثاء
وقتادة ، وثقه النسائي. وقال خالد بن الحذاء : هو أول من وضع العربية ، له حديث
واحد . ( الخلاصة الخزرجي ص ٣٤٣) .
(٣) عبد الله بن موهب الهمذاني، أو الخولاني ، أمير فلسطين ، عن تميم الداري
مرسلاً ، وابن عباس، وعنه ابنه يزيد والزهري، وثقه يعقوب القسوي (الخلاصة
الخزرجي ، وحاشيتها ص ١٨٣ ).

٤٥٠
تاريخ المدينة المنورة
ابن ذويب الكعبي قال : أرسل النبي صلى الله عليه وسلم سرية فلقوا
المشركين بإضم أو قريب منه ، فهزم الله المشركين ، وغشي محلّمُ
ابن جثّامة الليثي عامر بن الأَضبط الأشجعي ، فلما لحقه قال :
أشهد أن لا إله إلا الله. فلم ينته بكلمَتِهِ حتى قتله، فذُكِرَ ذلك
لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إلى محلّم فقال : أَقتلته بعد
أَن قال لا إله إلا الله؟)) فقال: يا رسول الله ، إن كان قالها : فإنما
يُعُوذُ بها ، وهو كافر . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَلا ثقبت
عن قلبه ؟ قال : يريد - والله أعلم - إنما كان يعربُ عن القلب
واللسان - قال ابن سمعان : وإنه قتله محلّم رغبةً في سلاحه ، وفيه
أُنزلت هذه الآية: ((ولا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إليكم السّلَامَ لستَ
مُؤْمِنًا (١) )) قال الوليد وأَنبأنا أبو سعيد فكان يحدثنا أنه سمع الحسن
يقول : إنما نزلت هذه في قتل(٢) مِرْدَاس الفدّ كيّ .
* قال وحدثني ابن لهيعة ، عن أبي الزبير ، عن جابر . قال :
نزلت هذه الآية في قاتل مرداس الفدكي .
* حدثنا محمد بن حاتم قال ، حدثنا يونس بن محمد قال ،
حدثنا شيبان (٣)، عن قتادة في قوله ((فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ
كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ)) قال : كنتم كفاراً حتى منَّ الله عليكم بالإِسلام
(١) سورة النساء آية ٩٤ .
(٢) في الأصل ((قتال، والتصويب عن معالم التنزيل للبغوي ٢: ٥٤٤، واسمه
مرداس بن نهيك ، من أهل قدك، ويوافقه ما جاء في تفسير ابن جرير الطبري ٥ : ١٣١.
(٣) شيبان بن عبد الرحمن التميمي ، أبو معاوية النحوي البصري ثم الكوفي ثم
البغدادي ، عن الحسن وعبد الملك بن عمير وقنادة ، وعنه زائدة وأبو حنيفة ، قال أحمد :
ثبت في كل المشايخ ، وقال ابن سعد: مات سنة أربع وستين ومائة . (الخلاصة الخزرجي
١٤٣ ) .

٤٥١
لابن شبة
((فَتَبَيَّنُوا إِنّ الله كان بما تعملون خبيراً))(١) قال نزلت هذه الآية
- فيما حدثنا - في مرداس، رجلٌ من غطفان، ذَكَّر لنا: أن النبي
صلى الله عليه وسلم بعث جيشاً عليهم غالب ( بن فضالة (٢) ) الليثي
إِلى أَهل فَدك، فبرز أَهل مِرْدَاس في الجبَل وصبحته الخيلُ غُدْوَةً،
وقال لأَّهله : إني مسلم ، وإني غير متّبعكم . ففر أَهلُه في الجبل ،
فلقيته الخيل غُدْوَةً ، فلما لقي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
فقتلوه وأخذوا كل ما معه من شيء ، فأنزل الله في شأنه ((وَلَا تَقُولُوا
لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامِ لسْت مُؤْمناً))(٣) قال: لأَن تحية المسلمين
السلام ، بها يتعارفون ، ويَلْقَى بعضهُم بعضاً .
* حدثنا سعيد بن أوس قال ، حدثنا الأشعث ، عن محمد،
عن رجل من قريش : الذي قتل رجلاً من المشركين من بني تميم
بعد قال إنّي مسلم ، فَطُلِبَ بدمه الأَقْرعُ بن حابس ووكيعٌ ، فقال
النبي صلى الله عليه وسلم (( قتلته بعد ما قال إني مسلم؟)) فقال :
إنه يا رسول الله إنما قال متعوذاً. قال ((أَفلا شرحت عن (٤) صدره))
قال: فدفعه إليهم(٥) ، فعرفوا في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم
الكَرَاهَةُ ، فلم يزالوا بهما حتى رَضِيَا بالدّيةِ ، فقالوا: يا رسول الله،
إنهما قد رَضِيَا بالدّيةِ ، قال : فاستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحدهما أو كلاهما على السِّقاية وقال : دناه منها .
(١) سورة النساء آية ٩٤ .
(٢) الإضافة عن معالم التنزيل ٢ : ٥٤٤ .
(٣) سورة النساء آية ٩٤ .
(٤) في تفسير الطبري ٥ : ١٣٢ ((هلا شققت عن قلبه)).
(٥) فدفعه إليهم : ((أي ليقتصوا منه )).

٤٥٢
تاريخ المدينة المنورة
( غزوة الخندق )(١)
* حدثنا ابن أبي الوزير قال ، حدثنا سفيان عن عمرو ،
عن عكرمة قال: قدم كعب بن الأشرف وحُيِّيّ بن أَخطب مكة ،
فقالت لهم قريش: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم فأخبرونا عنا وعن
محمد ، قالوا : ما أنتم وما محمد ؟ قالوا : نحن ننحر الكوماء(٢)،
ونَفُكُ العناء ، ونسقي اللبن على الماء ، ونسقي الحجيج ، ونصل
الأَرحام . قالوا : فما محمد ؟ قالوا صنبور (٣) ، قطع أَرحامنا .
واتَّبَعَه سرّاقُ الحجيج بنو غفار ، فنحن أُهدى سبيلا أم محمد ؟
قالوا : أنتم ، فأنزل الله : ((أَلَمْ تَرَ إلى الَّذين أوتوا نصيباً من الكتاب
يُؤْمنون بالحِبْتِ والطَّاغُوت ويَقُولون للّذين كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدى
من الّذين آمنوا سَبِيلًا))(٤).
(١) الإضافة عن السيرة النبوية بهامش الروض الأنف ٢ : ١٨٧، وشرح المواهب
الزرقاني ٢ : ١٠٣ وتسمى أيضاً غزوة الأحزاب .
(٢) الكوماء : البعير الضخم السنام ( أقرب الموارد ٢ : ١١٤).
(٣) الصنبور: الأبتر الذي لا عقب له (الفائق في غريب الحديث ٢: ٣٩). والسياق
بهذا التعبير موافق لما جاء في ابن كثير ٢ : ٤٨٦، وابن جرير ٥ : ٧٩ حيث ورد هذا
الصنبور المنبتر ، وفي رواية الأبتر .
(٤) سورة النساء آية ٥١ .
قال محمد بن إسحاق : الجبت : السحر ، الطاغوت : الشيطان ، وقال ابن عباس :
الجبت : الشرك، وعنه أيضاً الجبت: الأصنام . وهناك رواية أخرى عنه أن المراد
بالجبت : حيي بن أخطب ، وعن مجاهد أن الجبت : كعب بن الأشرف ، وعن الجوهري
في كتابه الصحاح الجبت : كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ... انظر ابن كثير
٢ : ٤٨٤ .
وفي معالم التنزيل البغوي ٢: ٤٨٤ (( الجبت والطاغوت: هما صنمان كان المشركون
يعبدونهما، وهو قول عكرمة، وقال أبو عبيدة: كل معبود يعبد من دون الله. وقيل-

٤٥٣
لابن شبة
حدثنا فليح بن محمد اليماني قال ، حدثنا مروان بن معاوية
٠
الفزاري عن جويبر، عن الضّحّاك في قوله ((أَلَمْ تَرَ إلى الَّذين
أوتوا نَصِيباً مِنَ الكِتَاب يُؤْمِنُون بالجبْت والطّاغُوت ) يعنون بذلك
اليهود؛ جعلوا کعب بن الأشرف وحيي بن أخطب حكمين ، ما حكما
من شيء خلاف كتاب الله أو يوافق كتاب الله رضوا به ، وتركوا
الكتاب الذي عندهم ، فزعما وأهلُ دينهما: أَن كفّار مكة أَهْدى
سبيلاً من محمد وأصحابه ، وهم يعلمون أن محمداً رسول الله
صلى الله عليه وسلم وأصحابه على هدى من الله. قال اله( أولئك الّذين
لَعَنَّهُمُ اللّه وَمَنْ يَلْعَنِ اللّه فَلَنْ تَجدَ لَه نَصِيراً)) (١) قال جويبر:
حُبَيُّ بن أَخطب : الجبتُ ، وكعبُ : الطاغوت .
• حدثنا ابن أبي عدي ، عن داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس
رضي الله عنهما قال: لما قدم ابن الأَشرف مكة قالت له قريش :
أَنت حَيْرُ أهل المدينة وسيّدهم ؟ قال : نعم ، قالوا ألا ترى إلى
هذا الصبي الأَبتر من قومه ، يزعم أنه خيرٌ مِنَّا ونحن أهل الحجيج
وأهل السدانة وأهل السقاية. قال: أَنْتَمَ خَيْرٌ منه. فنزلت ((إِنَّ شانِئك
هو الأَبتر))(٢) ونزلت: ((أَلَمْ ترَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الكِتَاب
يُؤْمِنُون بالجبت والطّغوت ويَقُولُون لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدِى
مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا « أولئِكَ الَّذِينِ لَعَنَهُم اله ومَنْ يَلْعَنْ اله
فلَنْ تَجِدّ لَه نصيراً )(٢).
- الجبت: الأوثان. والطاغوت: شياطين الأوثان . وقال الضحاك : الجيت حيي
ابن أخطب، والطاغوت : كعب بن الأشرف .
(١) سورة النساء آية ٥٢ .
(٢) سورة الكوثر آية ٣ .
(٣) سورة النساء الآيتان ٥١، ٥٢.

٤٥٤
تاريخ المدينة المنورة
* حدثنا محمد بن حاتم قال ، حدثنا يونس ، عن شيبان ،
عن قتادة في قوله: ((يُؤْمِنُون بالجِبْت والطّائمُوت)) قال كنا نحدث
أن الجيت الشيطان، والطاغوت الكاهن، وقوله : ((وَيَقُولُون للذينِ
كفروا هؤلاء أَهْدَى من الذين آمنوا سَبِيلًا)) قال: ذاك عَدُوًّا الله:
كعب بن الأشرف وحُيِّيّ بن أخطب ، وكانا من أشراف يهود من
بني النضير ، لقيا قريشاً بالموسم فقال لهما المشركون : أنحن أهدي
أم محمد ؟ فإنّا أَهل السدانة، وأهل السقاية ، وجيران الحرم :
. قالا : بل أنتم أهدى من محمد وأصحابه ، وهما يعلمان أنهما كاذبان،
إنما حملهما على ذلك حسد محمد وأصحابه فأنزل الله في ذلك :
(( أولئك الذين لَعَنّهُم الله ومَنْ يَلْعَن الله فلَنْ تُجد له نصيراً)).
(مقتل كعب بن الأشرف)(١)
* حدثنا إبراهيم بن المنذر قال ، حدثنا فليح بن محمد ،
عن موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب قال : كان كَعْب بن الأشرف
اليهودي أحد بني النّضِير قد آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالهجاء ، وقدم على قريش فاستعان بهم عليه ، فقال أبو سفيان
ابن حرب : أُنَاشِدك ، أَديننا أحبّ إلى الله أم دين محمد وأصحابه ،
وأننا أهدى في رأيك وأقرب إلى الحق فإنا نطعم الجزور الكوماء
ونسقي اللبن ونطعم ما هبّت ( الشمال (٢) ) قال : أنتم أُهدى منهم
(١) الإضافة عن السيرة النبوية لاين هشام بهامش الروض الأنف ٢ : ١٢٣،
والغازي للواقدي ١ : ١٨٤، وشرح المواهب الزرقاني ٢ : ٨.
(٢) سقط في الأصل والإضافة عن البداية والنهاية لابن كثير ٤ : ٦، وفي تفسير
ابن جرير ٥ : ٨٠ (( ما هبت الريح)) أي ما هيت ربح الشمال.

٤٥٥
لابن شبة
سبيلاً. ثم خرج مقبلاً قد أجمع رأي المشركين على قتال رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، معلناً بعداوته وهجائه . فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: مَنْ لَنَا مِن ابنِ الأَشرف ، قد اسْتَعْلَن بعداوتنا وهجائنا،
وقد خرج إلى قريش فأجمعهم على قتالنا ، وقد أخبرني الله بذلك ،
ثم قَدِمَ على أَخبثٍ ما كان ينتظر قريشاً أَن تقدم فينا طبائعهم ،
ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على المسلمين ما أنزل الله فيهٍ أَن
كذلك والله أعلم. قال ((أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِن الكِتَابِ
يُؤْمِنُونَ بِالحِبْتِ والطَّاغُوت ويقُولُون للَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى
مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا))(١) وآيات معها فيه وفي قريش ..
* حدثنا عبد الله بن رجاء قال ، حدثنا فضيل بن مرزوق ،
عن عطيه العوفي في قوله ((بالجِبْتِ والطَّاغُوت)) قال: الجبت :
الشيطان . والطاغوت : كعب بن الأشرف .
* حدثنا ابن أبي الوزير قال ، حدثنا سفيان بن عيينة ،
عن عمرو ( بن دينار )(٢) عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم ((من يكفينا كعب بن الأشرف، فإنه آذى
الله ورسوله ؟)) فقال محمد بن مَسْلَمَة (٣): أَتحب أَن أَقتله ؟ قال:
(١) سورة النساء آية ٥١ .
(٢) إضافة عن شرح المواهب ٢ : ١٢ .
(٣) هو محمد بن مسلمة بن سلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث
ابن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس ، ، الأنصاري الأوسي الحارثي ، حليف بني
عبد الأشهل ، يكنى أبا عبد الرحمن ، وقيل أبو عبد الله ، ولد قبل البعثة باثنتين وعشرين
سنة ، وهو ممن سمي في الجاهلية محمداً ، وكان أكبر من سمي باسمه من بين الصحابة ،
شهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبوك، استخلفه =

٤٥٦
تاريخ المدينة المنورة
((نعم)) قال: اِيذن لي. فأقول(١)، قال: ((قل)) فقتله.
* قال ابن شهاب في حديثه: ذُكِرَ لنا أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: ((اللهم اكفني ابن الأُشرف بما شئت )) فقال
محمد بن مَسْلَمَة )) أَنا يا رسول الله، أَقتله؟ فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: ((نعم )) فقام محمد منقلباً إلى أَهله، فلقي سِلْكَان بن سلامة (٢)
في المقبرة عائداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له محمد :
إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرني بقتل كعب بن الأشرف ، وأنت
ندكه في الجاهلية ، ولن يأمن غيرك ، فأَخْرِجْه لي حتى أَقتله ،
فقال سِلكان : إن أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلت ، فرجع
محمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال سلكان : يا رسول الله،
أمرتَ بقتل كعب بن الأشرف؟ قال ((نعم)) قال: يا رسول الله
= رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة في بعض غزواته ، قيل كانت غزوة قر قرة الكدر،
وقيل غزوة تبوك ، واستعمله عمر بن الخطاب على صدقات جهينة ، توفي بالمدينة سنة
ست وأربعين أو سبع وأربعين ، وقيل غير ذلك ، وكان عمره سبعاً وسبعين سنة ..
(أسد الغابة ٤: ٣٣٠، الإصابة ٣: ٣٦٣، المستدرك للحاكم ٣ : ٤٣٣ ط. الرياض،
شرح المواهب ٢ : ٨) .
(١) أي أقول قولاً" غير مطابق، كما في شرح المواهب اللدنية ٢: ١٠، وفي نهاية
الأرب النويري ١٧ : ٧٣، والبداية والنهاية لابن كثير ٤: ٧٠ « فأجابه النبي صلى الله
عليه وسلم ((قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك)) وفي المغازي الواقدي ١ : ١٨٧
فأذن لنا فلنقل فإنه لا بد لنا منه )) .
(٢) سلكان بن سلامة بن وقش بن زعبة بن زعوراء بن عبد الأشهل الأنصاري
الأوسي الأشهلي ، أخو سلمة بن سلامة بن وقش ، قيل سلكان لقبً واسمه سعد وكنيته
أبو نائلة ، وهو اشتهر بها، كان شاعراً، وشهد أحداً، وكان من الرماة المذكورين ،
وقد ثبت ذكره في الصحيح في قصة قتل كعب بن الأشرف . ( الإصابة ٤ : ١٩٤،
أسد الغابة ٥ : ٣١١، البداية والنهاية ٤ : ٧).

٤٥٧
لابن شبة
أَمُحَلِّلٍ مِمَّا قلتُ لابن الأَشرف؟ قال: ((أَنت في حِلِّ ممّا قلت))
فخرج سلكان ، ومحمد بن مسلمة، وعَبّاد بن بِشْر بن وقش (١)،
والحارث بن أوس بن (٢) معاذ، وأبو عيس بن (٣) جبر، حتى
أتوه في ليلة مقمرة فتواروا في ظلال جذوع النخل ، وخرج سلكان
فصرخ بكعب ، فقال كعب : من هذا ؟ فقال سلكان : هذا يا أبا ليلى
أبو نائلة ، وكان كعب يكنى أبا ليلى ، فقالت امرأته : لا تنزل
(١) في الأصل ((عباد بن بشر بن وقيش (( والتصويب عن البداية والنهاية لابن كثير
٤ : ٧، وابن هشام ٢ : ١٢٤ .
وهو عباد بن بشرين وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث
ابن الخزرج بن عمرو - وهو النبيت - بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي الأشهلى ،
يكنى أبا بشر ، وقيل أبو الربيع ، أسلم بالمدينة على يد مصعب بن عمير قبل إسلام سعد
ابن معاذ وأسيد بن حضير، شهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، وكان ممن قتل كعب بن الأشرف ، وقد كان من فضلاء الصحابة ، قالت عائشة
رضي الله عنها : ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد يعتد عليهم فضلاً كلهم من بني الأشهل:
سعد بن معاذ ، وأسيد بن حضير ، وعباد بن بشر .
وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع صوت عباد بن بشر
فقال : اللهم ارحم عباداً ، وقتل عباد يوم اليمامة ، وكان له يومئذ بلاء عظيم ، وكان
عمره خمساً وأربعين سنة ولا عقب له. أخرجه الثلاثة. (أسد الغابة ٣: ١٠٠، الإصابة
٢ : ٢٥٤) .
(٢) الحارث بن أوس بن معاذ بن النعمان الأنصاري ثم الأومي ، ابن أخي سعد بن
معاذ سيد الأوس ، يكنى أبا أوس، شهد بدراً ، وممن حضر قتل ابن الأشرف ، قال
ابن إسحاق: لم يعقب. (أسد الغابة ١ : ٣١٧، الإصابة ١ : ٢٧٣).
(٣) أبو عبس بن جبر - وقيل: ابن جابر - ين عمرو بن زيد بن جشم بن مجدعة
ابن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس ، كذا نسبه أبو عمر ،
ونسبه ابن الكلي مثله إلا أنه أسقط جدعة واسمه عبد الرحمن ، شهد بدراً والمشاهد كلها ،
مات سنة أربع وثلاثين وهو ابن سبعين سنة ، وصلى عليه عثمان ، ودفن بالبقيع .
( أسد الغابة ٥ : ٢٤٧ ) .

٤٥٨
تاريخ المدينة المنورة
يا أَبا ليلى، فإنه قاتلك، قال : ما كان يأتيني إلا بخير ولو يُدْعَى
الفتى لطعنةٍ لأَجاب (١) فخرج كعبٍ ، فلما فتح باب المِرْبَض
قال : من أنت ؟ قال : أَخوك قال : فَطَأْطِئٍ لي رأسك . فطأُطاً له
فعرفه ، فنزل إليه ، فمشى به سِلْكَان نحوّ القوم ، فقال له سلكان:
جُعْنا وأَصَابَنَا شدةٌ مع صاحبنا. فجئتُك لأَّتحدث معك، ولأَّرهنك
درعي في شعير ، فقال له كعب : قد حَدَّثْتُكَ أَنكم ستلقون ذلك ،
ولكن عندنا شعير ، ولم تأُّنونا لعلنا أن نفعل . قال : ثم أُدخل
سلكان يده في رأس كعب ثم شَمَّه فقال: ما أطيب عبيركم (٢)
هذا . فصنع ذلك به مرة أو مرتين حتى آمنه ، ثم أخذ سلكان
برأسه أخذة فصّاه (٣) منها. فخار عدو الله خارة رفيعة، فصاحت
امرأته: واصاحباه ، فعاتقه سلكان ، وقال : اقتلوا عدوّ الله ، فلم
يزالوا يتخلصون (٤) بأسيافهم حتى طعنه أحدهم في بطنه طعنة
بالسيف فخرج منها مصرانه ، وخلصوا إليه فضربوه بأسيافهم ،
وكانوا في بعض ما يتخلصون إليه - وسلكان يعانقه - أصابوا
عباد بن بشر في وجهه أو في رجله ولا يشعرون ، ثم خرجوا يشتدون
سراعاً حتى إذا كانوا بجُرْف بُعَاث (٥) فقدوا صاحبهم ونزف الدم
(١) في شرح المواهب الزرقاني ٢: ١٢ ((إن الکريم لو دعي إلى طعنه بليل لأجاب))
(٢) في المغازي الواقدي ٢: ١٩٧ (( ما أطيب عطرك هذا يا ابن الأشرف))، وفي
البداية والنهاية ٤: ٧ (( ما رأيت كالليلة طيباً أعطر قط)).
(٣) قصّاه - بالفاء: خلّصه وأبانه ( أقرب الموارد ٢ : ٩٢٩).
(٤) يتخلصون : أي يفصلون أسيافهم بعضها عن بعض لتخلص إلى غريمهم .
( أقرب الموارد : خلص ) .
(٥) جرف بعاث : موضع من نواحي المدينة ، بعاث بالضم وآخره ثاء مثلثة ،
كانت بها وقائع بين الأوس والخزرج في الجاهلية (مراصد الاطلاع البغدادي ١ : ٢٠٦،
٣٢٦) .

٤٥٩
لابن شبه
فرجعوا أُدراجهم فوجدوه من وراء الجُرْف فاحتملوه حتى أتوا به
أهاليهم من ليلتهم ، فَقَتَل اللهُ ابنَ الأَشرف بعداوتِهِ اللهِ ورسوله ،
وهجائه إيّاه ، وتأليبه عليه قريشاً ، وإعلانه ذلك .
• قال الحزامي(١) حدثنا ابن وهب (٢)، عن حَيْوَة بن شريح .
وابن لهيعة ، عن عقيل بن خالد ، عن ابن شهاب قال ، حدثني
عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أَن كعب بن الأشرف
اليهودي كان شاعراً ، وكان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأصحابه ، ويُحَرِّض عليهم كفار فريش في شعره ، وكان النبي
صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهي أخلاط : منهم المسلمون الذين
تجمعهم دعوةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومنهم المشركون
الذين يعبدون الأوثان ، ومنهم اليهود أهل الحلقة والحصون ،
وهم حلفاء الحيّيْن الأوس والخزرج ، فأراد رسول الله صلى الله عليه
وسلم حين قدم استصلاحهم وموادعتهم ، وكان الرجل يكون
مسلماً وأبوه مشركاً ، والرجل يكون مسلماً وأخوه مشركاً ، وكان
المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدم رسول الله صلى الله عليه
(١) الحزامي: هو إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن
خالد بن حزام الأسدي الحزامي ، أحد كبار المحدثين ، وثقه ابن معين والنسائي وأبو حاتم ،
مات سنة ٢٣٦هـ ( الخلاصة الخزرجي ص ٢٢ ط . بولاق).
(٢) هو عبد الله بن وهب بن مسلم الفهمي - كذا في نسخة ــ وفي التهذيب وغيره
القهري - القرشي - مولاهم - أبو محمد البصري أحد الأئمة ، روی عن یو نس بن یزید
وحيدة بن شريح وأسامة اللي ومالك والثوري ، وعنه الليُي ۔۔ شيخه - وابن مهدي
وسعید بن أبي مريم ((قال أحمد: ما أصح حديثه، وقال ابن معين: ثقة ، وقال ابن حبان:
حفظ على أهل مصر والحجاز حديثهم . مات سنة تسع وتسعين ومائة عن أربع وسبعين
سنة ( الخلاصة للخزرجي ٢١٨ وحاشيتها ط - بولاق) .

٤٦٠
تاريخ المدينة المنورة
وسلم يؤذونه وأصحابه أشد الأذى، فأمر الله نبيه والمسلمين بالصّبْر
على ذلك والعفو عنهم، وفيهم أَنزل اله تبارك وتعالى: ((لَتَسْمَعُنَّ
مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ومن الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذى كَثِيراً
وإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمُ الأُمُور)(١) وفيهم أنزل الله
(( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُفُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً
حَتَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِم مِنْ بَعْدٍ ما تَبَّيِّنَ لَهُم الحَقُّ فَاعْفُوا واصْفَحوا
خَ يَأْتِيَ الله بأَمْرِهِ إِنَّ اله عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرُ))(٢) فلما أَبى كعب
أن ينزع عن أَذى رسول اله صلى الله عليه وسلم وأذى المسلمين
أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ في خمسة رهط فأتوه
عشيّة في مجلسه بالعَوَالي(٢) ، فلما رآهم كعب أنكر شأنهم، وكاد
يُذْعر منهم ، فقال لهم ، ما جاء بكم ؟ قالوا : جاء بنا حاجة إليك،
قال : فليَدْنُ إليّ بعضكم فليحدثني بها ، فدنا إليه بعضهم فقال :
جئناك لتبيعك : أَدراءاً لنا نستعين بأَثمانها . فقال لهم : والله لئن
فعلتم ذلك لقد جهلتم ثم جهلتم منذ نزل بكم هذا الرجل ، ثم
واعدهم أن يأتوه عشاء حين يهدأُ عنه الناس ، فجاءوه فناداه رجل
منهم ، فقام ليخرج إليهم ، فقالت له امرأته : ما طرقوك ساعتهم
هذه لشيء مما تُحِب. قال : بلى إنهم قد حدثوني حديثهم . فخرج
إليهم ، فاعتنقه محمد بن مسلمة ، وقال لأصحابه لا تستنكروا
إن قتلتموني وإيّاه جميعاً. قال : وطعنه بعضُهم بالسيف في خاصرته،
(١) سورة آل عمران آية ١٨٦.
(٢) سورة البقرة آية ١٠٩.
(٣) الموالي: بالفتح جميع المالي: ضيعة بينها وبين المدينة أربعة أميال ، وقيل ثلاثة،
وقيل ثمانية (مراصد الاطلاع ٢: ٩٧٠ ط . الخلي).