النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
لابن شبة
أنس رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبايع
النساء فجاءته امرأةٌ تبايعه فسألها: ((بنت مَنْ أَنت ؟)) فقالت :
أنا بنت خالد بن سنان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((هذه
بنت نبيّ ضيّعه قومه، أمرهم إذا هم دفنوه أن ينبشوا عنه فإنه
سيخرج حيّاً ، فلم يفعلوا ، فهذه ابنة نبيّ ضيّعه قومه )) .
* حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير قال ، حدثنا سفيان ،
عن سالم الأقطس قال ، سمعت سعيد بن جبير يقول : جاءت بنت
خالد بن سنان العبسي ( إلى النبي صلى الله عليه وسلم) (١) فقال
(«مرحباً يا ابنة أخي وابنة نبيّ ضيّعه قومه)).
* حدثنا سليمان بن أيوب صاحب البصري (٢) قال ، حدثنا
أبو عوانة ، عن أبي يونس (٣)، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله
عنهما : أن رجلاً من بني عبس يقال له : خالد بن سنان قال لقومه :
أَنا أُطفىُّ عنكم نار الحَدَثَان ، فقال له عمارة بن زياد - رجل من
قومه - : والله ما قلت لنا يا خالد قط إلا حَقًّا ، فما شأَنك وشأن
نار الحَدَثَان تزعم أنك تطفئها ؟ . قال : فانطلق وانطلق معه عمارةُ
ابن زياد مع ناس من قومه حتى أتوها وهي تخرج من شق جبل
(١) سقط في الأصل والإضافة لابن حجر ١ : ٤٥٩ .
(٢) في الأصل ((صاحب الكرى)) والتصويب عن غاية النهاية في طبقات القراء
١ : ٣١٢، وهو سليمان بن أيوب بن الحكم أبو أيوب الخياط .
(٣) أبو يونس: هو حاتم بن أبي صغيرة - بمهملة ومعجمة مكسورة - القشيري
أو الباهلي مولاهم أبو يونس البصري ، وثقه أبو حاتم وابن معين والنسائي . ( الإصابة
لابن حجر ١ : ٤٦٠، والخلاصة الخزرجي ص ٥٦، ٤٠٦).

٤٢٢
تاريخ المدينة المنورة
من حَرّة يقال لها حَرَّة (١) أَشجع ، قال : فخط لهم خطة فأُجلسهم
فيها وقال لهم : إن أبطأُتُ عنكم فلا تدعوني باسمي . قال ،
فخرجت كأنها خيل(٢) شقر يتبع بعضُها بعضاً ، فاستقبلها خالد
فجعل يضربها بعصاه ويقول بدّا بدًا، كل هدى مؤدى(٣) ، زعم
ابن راعية المعزي أني لا أُخرج منها وثيابي تندى ، حتى دخل
معها الشعب قال - فأَبطأً عليهم ، فقال عمارة بن زياد: والله
لو كان صاحبكم حيًّا لخرج إليكم (بعد) (٣) فقالوا له : إنه
قد نهانا أن ندعوه باسمه ، قال: ادعوه باسمه ، فوالله لو كان (صاحبكم)(1)
حياً لقد خرج إليكم بعد ، قال : فدعوه باسمه ، قال : فخرج
وهو آخذ برأسه ، فقال : ألم أنهکم أن تدعوني باسمي ؟ قد والله
قتلتموني ، احملوني وادفنوني، فإن مَرّت بكم الحُمُر(٥) فيها حمار
أَبتر فانبشوني ، فإنكم ستجدوني حيّا ( فأخبركم بما يكون)(٦)،
قال فدفنوه فمرت بهم الحُمُر فيها حمار أَبتر ، فقالوا : ننبشه
(١) حرة أشجع : وهي بفدك وتسمى حرة النار ، وفدك على يومين من المدينة
وقيل ثلاثة . ( وفاء الوفا ٤ : ١١٨٧، ١٢٨٠ محيي الدين) .
(٢) ((خيل شقر)) هكذا رويت بالأصل وتاريخ الخميس ١: ١٩٩ ومجمع الزوائد
٨ : ٢١٣
أما في الإصابة لابن حجر فقال : فخرجت كأنها جبل سعر يتبع بعضها بعضا .
(٣) كذا في الأصل وفي مجمع الزوائد ٨: ٢١٣ (( بدا بداكل بها مردا)) وفي تاريخ
الخميس ١: ١٩٩ ((هديا هديا كل بهن مؤدى)) وفي الإصابة ١: ٤٥٩ (( بدا بدا بداكل
هدی يردا )) .
(٤) الإضافة عن مجمع الزوائد ٨ : ٢١٣ .
(٥) في الأصل وتاريخ الخميس ١: ٢٠٠ ((معها)) والمثبت عن مجمع الزوائد ٨ :
٢١٣، والإصابة ١ : ٤٥٩ .
(٦) الإضافة عن الإصابة ١: ٤٥٩؛ وفي تاريخ الخميس ١: ٢٠٠ ((فأخبركم
بجميع ما هو كائن)).

٤٢٣
لابن شبة
فإنه قد أمرنا أن ننبشه، فقال عمارة: لا تحَدَّث (١) مُضَر: أَنّا
ننبش موتانا ، والله لا تنبشونه أبداً ، قال : وقد كان خالد أخبرهم
أن في عكم (٢) امرأته لوحين فإذا أشكل عليكم أَمْرٌ فانظروا فيهما
فإنكم سترون ما تسألون عنه، قال : ولا تمسّهما (٣) حائض. فلما
رجعوا إلى امرأته سألوها عنهما فأخرجتهما وهي حائض ، فذهب
ما كان فيهما من علم ، قال أبو يونس : فقال سِمَاك بن حرب :
سئل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (( نبيّ أَضاعه قومه))
قال : وقال سماك بن حرب : إن ابن خالد بن سنان ، أَو بنت خالد
أتى ، أو أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : مرحباً بابن أخي
أو ابنة أخي » .
* حدثنا علي بن الصباح ، قال هشام بن محمد ، عن أبيه ،
عن ابن صالح ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : قال قدمت المحياة (٤)
بنت خالد بن سنان على النبي صلى الله عليه وسلم فقال ((مرحباً
بابنة أَخي ؛ نبيّ ضيّعه قومه)).
(١) في الأصل (تحدث مضر بنبش) والمثبت عن مجمع الزوائد ٨ : ٢١٣.
(٢) عكم امرأته: أي متاع امرأته (أقرب الموارد ٢: ٨١٧) وفي الإصابة ١ : ٤٥٩
(يمكن امرأته)) - والعكنة بالضم: ما انطوى وتثنى من لحم البطن سمنا، والجمع عكن،
وجارية عكناء أي ذات عكن (تاج العروس ٩ : ٣٨٠).
وفي مجمع الزوائد ٨: ٢١٣ ((أن في علم امرأته)) والعلم يطلق على الراية ورسم الثوب
( أقرب الموارد ) .
(٣) في الأصل ((تمسها)) والمثبت عن مجمع الزوائد ٨: ٢١٣.
(٤) هي محياة بنت خالد بن سنان العبسي - قال ابن الأثير في أسد الغابة ٥ : ٥٤٤
(( لما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم أنته محياة بنت خالد فانتسبت له، فبسط لما رداءه
وأجلسها عليه ، وقال: ((ابنة أخي، نبي ضيعه قومه)) - وانظر أيضاً ترجمتها في الإصابة
٤ : ٣٩٢ .

٤٢٤
تاريخ المدينة المنورة
حدثنا الحكم بن موسى قال ، حدثنا ابن أبي الرجال ،
عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه يقول ((نبيّ فرّط فيه قومه)).
(سالت عليهم نارٌ من حِّة النار في ناحية خيبر والناس في وسطها)(١)،
وهي تأتي من ناحيتين جميعا ، فخافها الناس خوفاً شديداً ،
فقال لهم العيسي : ابعثوا معي إنساناً حتى أُطفئها من أصلها . قال :
فخرج معه راعي غنم ؛ هو ابن راعية ، حتى جاء غاراً تخرج منه
النار ، ثم قال العيسي للراعي: أَمسك ثوبي ، ثم دخل في الغار
فقال: هَدْياً هدياً ، كل يهن مؤدى(٢) ، زعم ابن راعية الغنم أني
سأخرج وثيابي لا تندى ، قال وهو يمسح العرق عن جبينه .
عودي بدا كل شيء مودى
لآخر جن منها وجسدي يندى (٣)
حتى إذا حضرته الوفاة قال لقومه الأَدفين منه: إذا دقنتموني
فمرت ثلاثة أيام فإنكم ستنظرون إلى حمار يأتي قيري فيبحث
بحافره وجحفلته(٤) عني ، فإذا رأيتم ذلك فانيشوني فإني سأُخبر كم
بما هو هو كائن إلى يوم القيامة ، قال : سمعته يقول: اسمه خالد
ابن سنان .
(١) في الأصل ((سالت عليهم من حرة النار يقال لها في ناحية خيبر والناس وسطها))
والمثبت عن تاريخ الخميس ١ : ١٩٩ .
(٢) في الأصل ((كل يهب مؤدى)) والمثبت عن تاريخ الخميس ١: ١٩٩، وفي
الإصابة ١ : ٤٥٩ (« بدآ بداً کل هدی مؤدى » .
(٣) ما بين المعكونتين عن الإصابة ١ : ٤٥٩ حيث ورد فيها (خرج يرشح جبينه
عرقا وهو يقول :
عودي بدا كل شيء مؤدى لأخرجن منها وجسدي يندى
(٤) الجحفلة لذي الحافر كالشفة للإنسان (أقرب الموارد).

٤٢٥
لابن نسبة
حدثنا أحمد بن معاوية قال . حدثنا إسماعيل (١) بن مجالد
٠
قال ، حدثنا مجالد ، عن الشعبي : أن رجلاً من عيس في الجاهلية
يقال له خالد بن سنان دعا قومه إلى الإسلام ، وأن يقرّوا له بالنبوة
فأبوا ، وكانت نار تستوقد في أرض قريب من أرض بني عبس .
فقال لهم : إن أَطفأْت لكم هذه النار أَتشهدون أَني نبيّ ؟ قالوا:
نعم ، قال : فأخذ عسيباً من نخل رطب فدخل النار وهو يضربها
بالقضيب (٢) وهو يقول: باسم رب الأعلى، كل هدى مودّى،
زعم ابن راعية المعزى، أن لا أخرج منها وثيابي تندّى (٣). فما من
شيء كان أصابه ذلك العسيب إلا انطفأً ، فأَطفأَها ، ودعاهم
فأبوا ، فكذبوه ثانية ، فقال لهم : إني لبثتُ أَي كذا وكذا يوماً،
فإذا دفنتموني وأتى عليّ ثلاثة أيام فأُوا قبري ، فإذا عرضت لكم
عانَةٌ من حُمُر وحش وبين يديها عير (٤) تتبعه فانبشوني فإني أَقوم
فأخبركم ما هو كائن إلى يوم القيامة ، فأُتُوا القبر بعد ثلاث ،
وسنحت لهم الحُمُر وبين يديها عير تتبعه ، فقام قومه من أهل
(١) هو إسماعيل بن مجالد بن سعيد الهمداني - أبو عمر الكوفي ، روى عن أبيه
مجالد وعبد الملك بن عمير والسماك ، وعنه ابن معين وشريح بن يونس ، قال ابن معين :
ثقة ، وقال أحمد : ما أراه إلا صدوقا ، وقال أبو زرعة : ليس من يكذب (الخلاصة
الخزرجي ص ٣٠ ) .
(٢) القضيب : الغصن المقطوع ( أقرب الموارد) .
(٣) في تاریخ الخميس ١ : ١٩٩ « ففرقها وهو يقول : بدا بدا کل هدی مؤدى ،
إلى اللّه الأعلى، لأدخلنها وهي تلظى، ولأخرجن منها وثياني تندى، ثم إنها أطفئت وهو
في وسطها .
(٤) العير - مصدر - الحمار أياً كان وحشياً أو أهلياً، وقد غلب إطلاقه على الوحشي
( أقرب الموارد ٢ : ٨٢٥) .

٤٢٦
تاريخ المدينة المنورة
بيته وبني عمه فقالوا : لا ندعكم تنبشون صاحبنا فَتُعَيّر ، فقال
الشعبي : إن رجلا من ولده سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال :
(( نيّ ضيعه قومه )).
* حدثنا محمد بن يحيى قال ، حدثني عبد العزيز بن عمران،
عن هلال ، والحارث ، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي قال :
قدمت بنت خالد بن سنان بن جابر بن مريطة بن قطيعة بن عبس ،
فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ( قل هو الله أحد )
فقالت : يا رسول الله، إني لأسمع كلاماً كنت أَسمعه من أبي،قال: ((إن
أباك كان نبيًّا أَضاعه قومُه، فما أَوصاكم به عند موته؟)) قالت
قال لنا : إنكم إذا دفنتموني أَقبل عير أشهب يقود عانة (١) من
الحُمُر حتى يتمعك (٢) عند قبري، فإذا رأيتم ذلك انحتوني (٣)
أُخبركم بما مضى من أمر الدنيا وما بقي إلى يوم القيامة ، فلما
دفناه جاء ذلك العَيْر في تلك الحَمِير فتمعّك عند قبره ، فهم بعضنا
بنحته ، فقال قيس بن زهير : إذاً تكون سُبَّة علينا فاتركوه ،
فتركناه .
· قال عبد العزيز ، عن عبد الرزاق بن الفرات بن سالم
قال ، حدثني ابن القعقاع بن خليد العبسي ، عن أبيه ، عن جده
قال : بعث الله خالد بن سنان نبيّاً إلى بني عبس ، فدعاهم فكذبوه،
فقال له قيس بن زهير: إِن دَعَوْتَ فَأَسَلْتَ هذه الحرة علينا ناراً
(١) العانة: الأتان، والقطيع من حمر الوحش (أقرب الموارد) .
(٢) يتمعك : يتمرغ ( اللسان ) .
(٣) نحت: حفر، (أقرب الموارد) وباقي المصادر ((فانبشوني)).

٤٢٧
لابن شبة
- فإنك إنما تخوفنا بالنار - اتبعناك ، وإن لم تسل ناراً كذّبناك،
قال : فذلك بيني وبينكم ، قالوا نعم ، قال : فتوضأً ثم قال :
اللهم إن قومي كذبوني ولم يؤمنوا برسالتي إلا بأن تسيل عليهم
هذه الحرّة ناراً فَأَسِلْهَا عليهم ناراً، قال فطلع مثل رأس الحريش(١)
ثم عظمت حتى عرصت أكثر من ميل فسالت عليهم . فقالوا :
يا خالد ارْدُدْها فإنا مؤمنون بك ، فتناول عصا ثم استقبلها بعد
ثلاث ليال فدخل فيها فضربها بالعصا ويقول : هَدَّا هدًّا كل خرج
مؤدى ، زعم ابن راعية المعزى أن لا أُخرج منها وجبيني يندى .
فلم يزل يضربها حتى رجعت . قال فرأيتنا نعشي (٢) الإبل على
ضوء نارها ضلعا الرّبذة(٣)، وبين ذلك ثلاث ليال.
* حدثني أبو غسان قال ، حدثني عبد العزيز ، عن طلحة
ابن منظور بن قتادة بن منظور بن زبان بن سيار الفزاري قال ،
أخبرني مشيخة من قومي فيهم أبي قالوا ، قال خالد بن سنان :
يا بني عبس ، إن كنتم تحبون أن تغلبوا العرب ولا تغلبنكم فخذوا
(١) رأس الحريش: دوبية قدر الأصبع ذات أرجل كثيرة ، وقيل صنف من الحيات
أقرط ( أقرب الموارد ) .
(٢) عشى الإبل : رعاها ليلا ( أقرب الموارد ).
(٣) الربذة : بفتح أوله وثانيه ودال معجمة مفتوحة : من قرى المدينة على ثلاثة
أميال منها ، قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز إذا رحلت من فيد تريد مكة ، بها قبر
أبي ذر الغفاري ، خربت في سنة تسع عشرة وثلاثمائة بالقرامطة ( مراصد الاطلاع
٢ : ٦٠١ ) .
وفي وفاء الوفا ٤ : ١١٨٧ (( وفي رواية أنهم طلبوا منه إسالة الحرة ناراً ليؤمنوا به ،
فدعا الله فسالت عليهم - قال الراوي . فرأيتنا نعشى الإبل على ضوء نارها ضلعا الربذة
وبين ذلك ثلاث ليال ، وهو يوافق ما هنا .

٤٢٨
تاريخ المدينة المنورة
هذه الصخرة فاحملوها ، فإذا لقيتم عدوّاً فاطرحوها بينكم ، فإنكم
لا تزالون غالبين ما كانت الصخرة معكم، واسم الصخرة ((رماس))
فحملتها بنو عبس يتعاقبونها ، فإذا كانت الحرب سعى بها الغلام
الشاب ، فإذا لم يكن حرب كان جهدها أَن يقلها أربعون رجلا ،
قال : فدار حملها يوماً على بني بجاد من بني عبس ، فقال لهم
قيس بن زهير : يا بني عبس أما تعرفنا (١) العرب إلا بصخرة
ورّثناها خالد بن سنان ؟ ألقوها فلا تحملوها ، فحفروا لها حفيراً
من الأرض فدفنوها ، فلقيتهم بنو فزارة فقتلوهم ، فكروا يطلعون
الصخرة فلما حفروا عنها صارت عليهم ناراً فتركوها فلم يقدروا
عليها ، فقال الحطئية يهجوهم :
لَا يُصْلِحون ومَا اسْتطاعوا أَفْسَدُوا
لَعَنَ الإِلهُ بَنِي بِجَادٍ إِنّهُمْ
جُمُدٌ عَلَى مَنْ ليْس فِيهِ مُجْمَدُ (٢)
بُرُدُ الحميّة واحدٌ مُوَلَاهُمُ
• قال أبو غسان ، وحدثني عبد العزيز قال ، حدثني سليمان
ابن أُسيد عن معمر (٣)، عن ابن شهاب، وعن شعيب(٤) الجبائي
(١) في الأصل ((تعرف لنا العرب))
(٢) وفي ديوان الحطيئة بشرح السكري وابن السكيت ص ٢٩٩ ط . الحلبي وردت
الأبيات كالآتي :
لا يُصْلحُون وما استطاعوا أَفْسدوا
قَبْحَ الإِلهُ بِي بِجَادٍ إنهمٍ
جمدٌ على من ليس عنه مُجْمَّدُ
بُلْدُ الحفيظة واحد مولاهمّ
(٣) معمر بن راشد، أبو عروة، أحد الأعلام الثقات ، قال أبو حاتم : صادق الحديث
وقال يحيى بن معين : هو من أثبتهم في الزهري ، سمح عن ابن شهاب ، ومات سنة ثلاث
وخمسين ومائة .
(٤) شعيب الجبائي قال عنه الذهبي في كتاب ميزان الاعتدال ١: ١٤٤٨ هو اخباري
متروك - قاله الأزدي - تحدث عنه سلمة بن وهران. وينسب إلى جيا ، جبل من أعمال
الجند باليمن ، فكأنه شعيب بن الأسود صاحب الملاحم .

٤٢٩
لابن شبة
قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وافد من عبس - قال
عبد العزيز : وأخبرني منظور بن طلحة : أنه الحارث بن جزى
العبسي - ثم رفع الحديث قال : حدثنا مسلم : فقال له النبي
صلى الله عليه وسلم ((كيف لي بقومك)) قال : أَنا لك بهم ، وهذه
فرسي رهن حتى آتي بهم ، قال : فخرج حتى نزل على قومه :
فنزل بضليح فدعاهم فأبوا عليه ، فناشدهم فأَبوا . فقال :
لِمَا فَعَلَتْ بَنُو عَبْسِ بَصِيرُ
خذُّوا ما قَالَ صَاحِبكم فإني
مَخازي ما تَعبّ ولا تَطَيرُ
فهم دَفَنوا الرِّمَاس فأَعقبتهم
وَقَدْ بَانَتْ لِمُبْصِرِهَا الأُمُورُ
فَلَمَّا غَابَ غَيُّهُمُ تَنَاهَوْا.
فَفَاجَأُهُمْ لَهَا لَهَبٌ سعيرٌ
فَكَرُوا نادِمِينَ يَنْحُوهَا (١)
• حدثني زريق بن حسين بن مخارق رئيس بني عبس
سنة عشر ومائتين قال، سمعت ( أَن )(٢) أصحابنا من بني عبس
انتجعوا عيناً حتى نظروا إلى مواقف وضعوها في جدرها وقالوا :
امضوا فتمكنوا في الرتع(٣)، قال : ثم رجعوا فلم يجدوها ، فأتاهم
رجل من بني عبس يقال له نيار بن ربيعة بن مخزوم فأَذاع أنه
تنبأً كذلك وقال : أنا أُخرجها لكم ، وقال : هي رمَاس . وأَن
(١) ينحتوها: يحفروها (أقرب الموارد ((نحت))).
(٢) إضافة يقتضيها السياق .
(٣) الرتع: التنعم، ومنه الحديث في شبع وري ورتع. ويقال : رتعت الماشية
في المكان رتعا ورتوعا أي أكلت وشربت ما شاءت في خصب وسعة ، ورتع القوم أكلوا
ما شاءوا في رغد. ( أقرب الموارد ((رتع).

٤٣٠
تاريخ المدينة المنورة
لا يزاغ(١) إِلا بأطراف القياس، فلم يظفروا بها. فأُخْبرَ النبي
صلى الله عليه وسلم، وسُئِل عنها. فقال: ((أما خالد بن سنان فنبيّ
ضيّعه قومه، وأما نيار فكاذب لعنه الله)) فقال في ذلك منجاب
أحد بني ربيعة بن مخزوم في الإسلام ، وكان يلقب منقاراً :
أَما نيار فإن الله يلعنه وكلّ من يلعن الرحمن في النار
* قال زريق بن حسين : وسمعت أصحابنا منهم أبي يحدثني
عن أبيه : أن نار الحدثان خرجت بالحَرّة التي يقال لها حَرَّة النار ،
حتى كانت الإبل تغشاه (٢) ، بعدها بقدر مسيرة إحدى عشرة ليلة،
وأن خالد بن سنان خرج إليها يضربها بسوطه حتى رجعت من
الشّق الذي خرجت منه ، وثيابه تندى ، لم يصبه ولا ثيابه منها
شيء ، وهو يقول لرجل زجره عنها : كذبت ابن راعية المعزى ،
لأُخرجن منها وثیابي تندى .
• حدثني من أُصدّق ، عن هشام بن محمد ، عن أبيه ،
عن أبيّ بن عمارة بن مالك بن جزء بن شيطان بن حديم بن جزيمة
ابن رواحل ( بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس
العبسي)(٣) قال : كانت بأرض الحجاز نار يقال لها نار الحدثان
(١) أزاغه عن الطريق: أماله (أقرب الموارد ((زاغ))).
(٢) تغشاه : تغطيه نارها، أو دخانها، وهي على هذا البعد. ( أقرب الموارد ٢ :
٩٧٤) . وفي الأخبار السابقة (( تعش)).
(٣) في الأصل (أبيّ بن عمارة بن مالك بن حرى بن سبطان بن جديم بن جذية بن
رواحة ، والتصويب والإضافة عن الإصابة ١ : ١٠٩ .
قال هشام بن الكلبي في الجمهرة أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وعاش حتى أدركه
أبيّ ، وتبعه ابن حزم في الجمهرة. وحكى ابن الكلبي عنه عن أبيه عمارة أنه أدرك خالد
ابن سنان العبسي .

٤٣١
لابن شبه
حَرَّة بأَرض بني عَبْس - تَعْشَى الإِبلُ بضوئها من مسيرة ثمان ليال،
وربما خرج منها العُنق(١) فذهب في الأرض فلا يُبْقِي شيئاً إلا أَ كله،
ثم يرجع حتى يعود إلى مكانه ، وأَن الله أرسل إليها خالد بن سنان
ابن غيث بن مريطة بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة
ابن عبس (٢)، فقال لقومه يا قوم إن الله أمرني أن أُطفئَ هذه النار
التي قد أَضرت بكم ، فليقم معي من كُلّ بَطْن رجلٌ ، قال أبيّ :
فكان ابن عمارة الذي قام معه من جزيمة قال : فخرج بنا حتى انتهى
إلى النار فخطّ خطّاً على من معه ثم قال : إيا كم أن يخرج (أَحد)(٣)
منكم من هذا الخط فيحترق ، ولا يُنَوِّهَن باسمي فأهلك قال :
فخرج عنق من النار فأَحدَق بنا حتى جعلنا في مثل كفة الميزان ،
وجعل يدنو منا حتى كاد يأُخذ بأفواهنا ، فقلت : يا خالد أهلكتنا
آخرَ الدهر . فقال : كلا ، وجعل يضربها ويقول : بدّا بدّا(٤)،
كل هدى لله مؤدَّى ، حتى عادت من حيث جاءت ، وخرج يتبعها
حتى ألجأَها في بئر في وسط الحَرّة منها تخرج النار ، فانحدر فيها
خالد وفي يده دِرَّة فإذا هو بكلاب تحتها فَرَضَّهُنّ (٥) بالحجارة ،
وضرب النار حتى أطفأها الله على يده . ومعهم ابن عم له يقال له
(١) العنق : جمع العناق للأنثى من ولد المعز قبل استكمالها السنة .
(٢) في الأصل(( خالد بن سنان بن عتبة بن مريطة بن مخزوم بن مالك بن غالب بن
قطيف بن قيس)) والتصويب عن الإصابة ١: ٤٥٨، وأسد الغابة ١ : ٩٢، والكامل
لابن الأثير ١ : ٣٧٦ .
(٣) الإضافة عن تاريخ الخميس ١ : ١٩٩ .
(٤) بدا بدأ : مصدر يراد به الأمر ، والمعنى تبددي وتفرقي .
(٥) في الأصل كلمة لا تقرأ، والمثبت عن وفاء الوفا ١ : ١٠٧ ط . الآداب .
(١ : ١٥٣ محيي الدين) وتاريخ الخميس ١: ١٩٩، والرّض: الدّق.

٤٣٢
تاريخ المدينة المنورة
عروة بن سنان بن غيث وأُمه رقاش بنت صباح من بني ضبّة ،
فجعل يقول : هلك خالد ، فخرج وعليه بُرْدان ينطفان (١) ماء من
العرق ، وهو يقول بدًا بدّا كل هدى لله مؤدى أَنا عبد الله أَنا
خالد بن سنان : كذب ابن راعية المِعْزَى لأُخرجَنّ منها وجلدي(٢)
يندى. فَسُمِّيَ بنو عُرْوة ببني راعية المِعْزَى، فهو اسمهم إلى اليوم،
ثم إِن خالداً جمع عبساً فقال : يا عشيرتاه احقروا بهذا القاع فحفروا
فاستخرجوا حَجَرًا فيه خَطٌ دقيق ( قل هو الله أحد الله الصمد .. )
السورة كلها، فقال: احفظوا هذا الحجر فإن أصابتكم سَنةٌ أَو قَحَطْتُم
فَأَخْبِرُوه بثوب ثم أَخْرِجوه فإِنكم تُسْقَوْنَ ما دام مخمًّا. فكانوا إذا قَحَطُوا
أخرجوه فخمَّرُوه بثوب ، فلم يزالوا يمطرون ما دام مختّراً ، فإذا
كشفوه أقلعت السماء ، ثم قال: إن صاحبتي هذه حُبْلَى في كذا وكذا،
تَلِدُ في كذا وكذا ، في شهر كذا وكذا ، وقد سَمِيَتْ مِنْ نِعَم
المولود فاستوصوا به خيراً ، فإنه سيشهد مشاهد أولدت مجاهداً ،
وهو أُخَيْمرُ كالدرة ، نفع مولاه من المضرة، نِعْمَ فَارُسُ الكرّة،
ولا تصيبنكم جائحة من عدُوَّ ولا سَنّة ما كان بين أظهركم . فلما
حضره الموتُ قال : احفروا لي على هذه الأكمة ، ثم ادفنوني ثم
ارقبوني ثلاثاً، فإذا مَرَّت بكم عانةٌ فيها حمار أَبتر فاستاف القبرَ
فأَطاف به فانبشوني تجدوني حيّاً ، أخبركم بما يكون إلى آخر
الدهر ، فمات فدفنوه حيث قال لهم ، ثم مكثوا أياماً ثلاثة فإذا
(١) ينطفان من العرق: أي ابتلت من الماء فقطرت (أقرب الموارد ((نطف ))
(٢) في رواية السمهودي عن ابن شبة ( وفاء الوفا ١: ١٥٣ محيي الدين) «وثيائي
تندى ).

٤٣٣
لابن شبة
الحمار كما وصف ، فارادوا نبشه فقال بنوعبس (١): والله لا ننبش
موتانا فتسبنا به العربُ ، فلما أسرع بعضهم إلى بعض قام رجلٌ
منهم يقال له سليط بن مالك بن زهير بن جزيمة فقال : دعوا نبش
هذا الرجل يصلح لكم حالكم وتسلم لكم دماؤكم فأجابوه .
وقدم ( ابنه ) (٢) مرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقعده
معه وقال ((إليّ يا ابن أخي؛ ابن نبي أُضاعه قومه - ويقال: إِن
ابنته محياة هي التي أتته، فبسط لها رداءه وقال ((إِليّ يا ابنة
أخي ، ابنة ني أُضاعه قومه )»
( ذكر سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم)
( سرية القرطاء )(٣)
* حدثنا عاصم بن علي بن عاصم قال ، حدثنا ليث بن سعد،
عن سعيد - يعني المقبري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول
صلى الله عليه وسلم بعث خيلاً قِبَلَ نجد فجاءت برجل من بني حنيفة
(١) في الأصل (( بنو عتبة)) والصواب ما أثبت .
(٢) الإضافة عن أسد الغابة ٥ : ٣٢٦، وهو يدعى عبد الله بن خالد بن سنان.
وقد جاء في الإصابة ١ : ٤٥٩ (( فلما رأوا العير أرادوا نبشه، فقال ابنه عبد الله بن خالد
ابن سنان: لا تنبشوه، ولا أُدْعى ابن المنبوش أبدا)).
وقد قال القاضي عياض في الشفاء في سياق من اختلف في نبوته خالد بن سنان
المذكور ، يقال إنه في أهل الرس .
(٣) إضافة على الأصل عن شرح المواهب الزرقاني ٢ : ١٤٣، والسيرة الحلبية
٢ : ٢٩٧). وانقر طاء ينزلون خربة، وهي قرية لبني كلاب على طريق البصرة إلى مكة
وبينها وبين الموثمة سبع ليال ، وكانت هذه السرية لعشر ليال خلون من المحرم سنة
ست للهجرة ( شرح المواهب ٢ : ١٤٣ ).
وبقية خبر سرية القرطاء في تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التاريخ والسير ، لأبي الفرج
ابن عبدالرحمن الجوزي ص ٢٨ط. دلهي. ((قال خرج محمد بن سلمة إلى القرطاء، =

٤٣٤
تاريخ المدينة المنورة
يقال له ثُمَامَةُ بن أَثَال (١) سيد أَهل اليمامة ، فربطوه بسارية من
من سواري المسجد ، فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
(( ما عندك يا ثُمَامَة؟)) قال عندي يا محمد خير، إِن تَقْتُلْ تَقْتُلْ
ذا ذنب(٢)، وإِن تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شاكر، وإن كنت تريد المال
فَسَل تُعْطَ منه ما شئت ، فتركه حتى كان الغد ، ثم قال ((ما عندك
يا ثمامة؟)) قال: ما قلت: إن تنعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل
= لعشر ليال خلون من المحرم على رأس تسعة وخمسين شهراً من الهجرة في ثلاثين راكبا ،
فأغار عليهم وقتل نفراً منهم ، وهرب سائرهم ، وغتم واستاق نعما وشاء .. الحديث .
وفي السيرة الحلبية ٢ : ٢٩٧ أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث محمد بن مسلمة
إلى القرطاء في ثلاثين راكبا - والقرطاء بالقاف المفتوحة وبالطاء المهملة وهم بنو بكر
ابن كلاب - وأمره أن يسير الليل ويكمن النهار حتى إذا كان بموضع يطلعه على بني بكر
بعث عابد بن بشير إليهم وخرج محمد بن مسلمة في أصحابه فشنّ الغارة عليهم ، فقتل
منهم ، واستاقوا النعم والشاء، وأخذت تلك السرية ثمامة بن أثال الحنفي سيد أهل اليمامة
وهم لا يعرفونه ، وجي به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فربط بسارية من سواري
المسجد . . الحديث .
(١) ثمامة بن أثال بن النعمان بن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل
ابن حنيفة بن لجين . روى حديث يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن سعيد المقبري عن
أبي هريرة ، قال محمد بن إسحق : لما ارتدّ أهل اليمامة عن الإسلام لم يرتد ثمامة وثبت
على إسلامه هو ومن اتبعه من قومه ، وكان مقيماً باليمامة ينهاهم عن اتباع مسيلمة الكذاب
وتصديقه ، ويقول: إياكم وأمرًاً مظلماً لا نور فيه، وإنه لشقاء كتبه الله عزّ وجل على من
أخذ به منكم ، شهد مع العلاء بن الحضرمي قتال الحطم وهزيمته ، وقد كانت للحطم
خميصة يباهي بها فنفلها العلاء لرجلٍ من المسلمين ، فاشتراها منه ثمامة . فلما رجع تمامة
رأى بنو قيس بن ثعلبة - قوم الحطم - خميصته على ثمامة ، فقالوا أنت قتلت الحطم
وقتلوه بها. ( أسد الغابة ١ : ٢٤٦، الإصابة ١: ٢٠٤، الاستيعاب ١ : ٢٠٦).
(٢) في شرح المواهب ٢ : ١٤٥، وأسد الغابة ١ : ٢٤٦ ((إن تقتل تقتل ذا دم
وإن تعف تعف عن شاكر)).

٤٣٥
لابن شبة
ذا ذنب، وإن كنت تريد المال فسل تُعْطّ منه ما شئت ، فتركه
حتى كان بعد الغد ، ثم قال ((ما عندك يا ثمامة ؟)) قال : عندي
ما قلتُ ؛ إن تنعم تنعم على شاكر ، وإن تقتل تقتل ذا ذنب ،
وإن كنت تريد المال فسل تُعْطَ منه ما شئت ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم (( أَطلقوا ثمامة)) فانطلق إلى نّخْلِ قريب من المسجد
فاغتسل ، ثم دخل المسجد فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً
رسول الله، يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليّ
من وجهك ، فقد أصبح وجهك أَحبّ الوجوه كلها إليّ، والله
ما كان من دين أبغض إليّ من دينك فأصبح دينك أحب الدين
إليّ، والله ما كان بلد أبغض إليّ من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد
إليّ، وإن خيلك أخذتني وأَنا أُريد العمرة ، فماذا ترى ؟ فأمره
أن يعتمر (١)، فلما قدم مكة قال له قائل: صَبَوْت (٢) قال: لا،
ولكني أسلمت مع محمد ، ولا والله لا تأتيكم من اليمامة حبّة حنطة
حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
· حدثنا فلیح بن محمد اليمامي قال ، حدثنا سعيد بن سعيد
ابن أبي سعيد المقبري قال ، حدثني أَخي ، عن جدّه ، عن أبي هريرة
رضي الله عنه قال : خرجت خيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم
(١) في شرح المواهب ١: ١٤٥ ((فبشره النبي صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر))
وفي أسد الغابة ١ : ٢٤٦ ((وإني خرجت معتمراً وأنا على دين قومي فأسرني أصحابك
في عمرتي ، فسیرفي صلی الله علیك في عمرتي . فسيره رسول الله صلى الله عليه وسلم
في عمرته » .
(٢) صبوت : خرجت من دين إلى دين .

٤٣٦
تاريخ المدينة المنورة
فأخذت رجلاً من بني حنيفة(١) لا يشعرون من هو حتى أتوا به
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((أَندرون من أخذتم ؟ قالوا :
لا والله يا رسول الله، قال «هذا ثُمَامَة بن أُثّال ، هذا سيد حنيفة
وفارسها - وكان رجلاً عليلاً - أحسنوا إِساره)) ورجع إلى أهله ،
فقال : اجمعوا ما قدرتم عليه من طعامكم فابعثوا به إليه وأمر(٢)
بلقحة (٣) له يُغْدَى بها عليه ويُرَاح ، فلا يقع من ثُمَامَة موقعاً ،
( وإِسارَهُ) (٤) ويأتيه النبي صلى الله عليه وسلم ببعض ذلك فيقول
((ايهاً يا ثمامة)» فيقول: ايهاً يا محمد، إن تقتل تقتل ذا دم
وإن ترد الفداء فسل مالاً ما شئت . فلبث ما شاء الله أن يلبث ،
وقال النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم ((أَطلقوا ثُمَامَة)) فلما
أُطلقوه خرج حتى أتى الصورين فتطهّر بأحسن طهوره ، ثم أقبل
فبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الإِسلام ، فلما أمسى جاءوا
بما كانوا يأتونه من طعام فلم ينل منه إلا قليلاً ، وجاءوا باللقحة
فلم يصب من حِلَابها إلا يسيراً ، فتعجب من ذلك المسلمون فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه (( ما يعجبون من رجل أكل
في أول النهار في معاء كافر وأكل من آخر النهار في معاء مسلم ،
(١) في الأصل ((حنيف)) والتصويب عن الإصابة ١ : ٢٠٤، والسيرة الحلبية
٢ : ٢٩٧ .
(٢) في الأصل ((وأمروا بلقحة)، والمثبت عن شرح المواهب الزرقاني ٢ : ١٤٤ ،
وكذا السيرة الحلبية ٢ : ٢٩٧ .
(٣) اللقحة: الناقة ذات اللبن، القريبة العهد بالولادة. (شرح المواهب ٢: ١٤٨).
(٤) الإضافة عن شرح المواهب الزرقاني ٢: ١٤٥، وفي السيرة الحلبية ٢ : ٢٩٧
(( وكان ذلك لا يقع عند ثمامة موقعاً من كفايته)).

٤٣٧
لابن شبة
الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معاء واحد))(١).
* حدثنا محمد بن حاتم قال ، حدثنا علي بن ثابت قال ،
أخبرنا عكرمة بن عمار قال ، حدثني عبد الله بن عبيدبن عمير وأبو زميل(٢):
أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أَخذوا ثُمَامَة وهو طليق،
وأخذوه وهو يريد أن يغزو بني قشير ، فجاءوا به أسيراً إلى النبي
صلى الله عليه وسلم وهو مُوثَقٌ، فأُمر به فسجن ؛ فحبسه ثلاثة
أيام في السجن ثم أخرجه فقال (( يا ثمامة إني فاعل بك إِحدى ثلاث،
إني قاتلك، أَو تُفْدِي نَفْسَك، أَو نَعْتِقُكَ)) قال إِنْ تقتلني تقتل
سيَّد قومه، وإن تفادي فلك ما شئت، وإن تعتقني ( تعتق ) (٣)
شاكراً . قال ((فإني قد أَعتقتك)) قال: فأَنا على أَيِّ دينٍ شِئْتُ ؟
قال (( نعم)) قال: فأُنيت المرأة التي كنت مُوثَقاً عندها فقلت :
كيف الإِسلام ؟ فأُمرت لي بصحفه ماء فاغتسلتُ ، ثم علمتني.
ما أقولُ ، فأَتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : أَشهد أَنْ لا إِله
إلا الله وأنك رسول الله، ثم قَدِمْتُ مكة فقلت: يا أهل مكة إني
أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، ولا تأتيكم من
اليمامة تَمْرَةٌ ولا برّة أبداً أَو تؤمنوا بالله ورسوله ، فكتب المشركون
(١) انظر كتاب مجمع الزوائد ومنبع الفوائد الجزء الخامس ص ٣١ ط . المقدسي
(«باب المؤمن يأكل في معاء واحد ... الحديث وانظر الحديث بمعناه في السيرة الحلبية
٢ : ٢٩٨ .
(٢) هو سماك بن الوليد الحنفي أبو زميل - بضم الزاي - اليماني نزيل الكوفة .
عن ابن عباس ، وعنه عكرمة بن عمار والأوزاعى . وثقه أحمد وابن معين (الخلاصة
الخزرجي ص ١٣٢ ) .
(٣) إضافة يقتضيها السياق .

٤٣٨
تاريخ المدينة المنورة
من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه بالله وبالرّحِم أَن
لا يَحْبسَ الطعام عن مكة حَرَم الله وأمنه ، فقدمت على النبي صلى الله
عليه وسلم فقال : يا ثمامة لا يثأَر المسلم بالكافر ، ولكن ارجع إلى
قومك فادعهم إلى الإِسلام فمن أقر منهم بالإِسلام واتَّبَعَك فانطلق
إلى بني قشير ولا تقاتلهم حتى تَدْعُوَهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله
وأن محمداً رسول الله ، فإِن بايعوك حَرُمَتْ عليك دماؤهم ، وإن
لم يبايعوك فقاتلهم ، فدعا قومه فأَسلموا معه ، ثم غزا بني قشير
نشأر بابنه .
« حدثنا محمد بن يحيى قال ، حدثني عبد العزيز بن عمران،
عن ابن غَزِيّة (١) الأنصاري ، عن المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة
رضي الله عنه قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثُمَامَة
ابن أُثَال الحنفي يُؤْنى به ، قال عبد العزير : فأخبرني جعفر عن
أبيه قال : الذي جاء به محمد بن مسلمة الأنصاري ، أصابه بنخلة
فأَسره وجاء به ، ثم رجع حديث ابن غزية قال : فَرُبطَ إلى سارية
في المسجد . وقال إبراهيم بن جعفر في حديثه: إلى السارية التي ارتبط
إِليها أَبو لُبَابَة - قال أبو هريرة رضي الله عنه: فخرج رسول الله
صلى الله عليه وسلم فوجده فقال (( يا ثُمَامُ، ما تَظُنّ أَني فاعل بك؟))
قال : إن تُنْعِم تُنْعِم على شاكر، وإِن تَقْتُل تَقْتُلْ ذا دم (٢)، وإن
(١) هو عمارة بن غزية بن الحارث بن عمرو الأنصاري المازني المدني - بفتح أوله
وكسر الزاي بعدها تحتانية ثقيلة، وثقه أحمد وأبو زرعة . قال ابن سعد: مات سنة أربعين
ومائة . ( الخلاصة الخزرجي ٢٣٨ ) .
(٢) في الأصل ((ذنب)) والمثبت عن شرح المواهب ٢ : ١٤٥، وأسد الغابة ١ :
٢٤٧، والاستيعاب ١ : ٢٠٦ . وفي السيرة الحلبية ٢ : ٢٩٧ ((إن تقتل تقتل ذاكرم،
وفي لفظ ذا دم )) .

٤٣٩
لابن شبة
تَسَلْ مالاً تُعْطَه - قال أبو هريرة رضي الله عنه: فقلت في نفسي
اللهم ألت في نفسه أن يأخذ منه الفداء ، فوالله لأَّكلة من لحم جزور
أحب إليّ من دم ثمامة (١) - ثم مرّ النبي صلى الله عليه وسلم رائحاً
فأعاد عليه قوله الأول ، فردّ عليه مثل ما قال له ، ثم أعاد ذلك
الثالثة فرذ عليه جوابه الأول ، فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم
(فأَطلقه) (٢) فخرج ثُمَامَة إلى المناصع فاغتسل ورَحَضَ (٣) ثَوْبَيْه ،
ثم أقبل حتى وقف على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أَشهد أَن
لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، ثم كتبه أبو ثمامة إلى
أهل مكة - وهم يومئذ حرب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وكان
مادة أهل مكة من قبل اليمامة - أَمَ والله الذي لا إله إلا هو لا يأتينكم
طعامٌ ولا حَبّة من قِبَل اليمامة حتى تؤمنوا بالله ورسوله ، فأَضر (٤)
ذلك بأهل مكة حتى كتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهم
حرب - فشكوا ذلك إليه ، فكتب إلى أبي ثمامة : أن لا تقطع عنهم
مَوَادِّهم التي كانت تأتيهم . ففعل .
(١) في السيرة الحلبية ٢: ٢٩٧ قال أبو هريرة رضي الله عنه: ((فجعلنا أيها المساكين
أي أصحاب الصفة نقول نبينا صلى الله عليه وسلم ما يصنع بدم ثمامة؟ والله لأكلة جزور
سمينة من فدائه أحب إلينا من دم ثمامة .
(٢) سقط في الأصل والإضافة عن الاستيعاب ١ : ٢٠٦ . وفي السيرة الحلبية
٢ : ٢٩٧ (( ثم أمر به فأطلق)).
(٣) رحض ثوبيه : غسل ثوبيه (أقر ب الموارد ١ : ٣٩٥).
(٤) في السيرة الحلبية ٢: ٢٩٨ ( حتى أضر بهم الجوع وأكلت قريش العلهز ،
وهو الدم يخلط بأوبار الإبل فيشوى على النار ، فكتب قريش إلى الرسول ... الحديث.))

٤٤٠
تاريخ المدينة المنورة
( غزوة ذى قرد ) (١)
* حدثنا عفان قال ، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب(٢)،
عن أبي قلابة (٣) ، عن أبي المهلب(٤) ، عن عمران بن حصين قال :
كانت العضباء لرجل من عقيل ، وكانت من سوابق الحاج فأسر
الرجل وأُخذت العضباء منه فمرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهو في وثاقه. ورسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار عليه قطيفة -
فقال: ((يا محمد، عَلَامَ تأْخدونني وتأُخذون سابقة الحاجُ ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((فأخذك بجريرة قومك وحلفائك
ثقيف )) - قال : وكانت ثقيف قد أسروا رجلين من أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، وقال فيما قال : إني مسلم ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم ((ولو قلتها وأنت تملك أمرك أَفلحت كُلَّ الفلاح)»
قال : ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد ، إني
(١) الإضافة عن السيرة النبوية لابن هشام ١: ٢١٤، وشرح المواهب الزرقاني
٢: ١٤٨، والسيرة الحلبية ٢ : ١٢٦ .
(٢) هو أيوب بن أبي تميمة ، كيسان السختياني - بفتح المهملة أو كسرها بعدها
معجمة ساكنة ثم مثناة فوقية ـ العنزي - أبو بكر البصري - الفقيه - أحد الأئمة الأعلام.
روى عن عمرو بن سلمة وأبي قلابة وأبي رجاء العطاردي وأبي عثمان النهدي ، وعنه
ابن سيرين وشعبة والسفيانان والحمادان، وعبد الوارث وابن عليا وخلق وستين ، وقال
ابن المديني : توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة (الخلاصة الخزرجي ص ٣٦).
(٣) أبو قلابة هو عبد الله بن زيد بن عمرو بن عامر الجرمي البصري ، أحد الأئمة ،
نزل الشام سنة أربع ومائة ، وقيل سنة ست ، وقيل سنة سبع ومائة . (الخلاصة الخزرجي
ص ١٦٨ ) .
(٤) هو : مطرح. بضم أوله وكسر الراء بعد الطاء الثقيلة - ين يزيد الأزدي أبو
المهلب الكوفي (ميزان الاعتدال ٣: ١٧٤، الخلاصة الخزرجي ص ٣٤٠).