النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
لابن نسبة
عبد الأعلى(١)) السامي قال، حدثنا سعيد الجريري(٢)، عن
عبد الله بن شقيق رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
يحرسه أصحابه حتى نزلت هذه الآية: ((والله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ))(٣)
فخرج إلى الناس فقال : أيها الناس الحقوا بملاحقكم ، فإن الله
جلّ وعز قد عصمني من الناس .
* حدثنا عثمان بن عبد الوهاب قال ، حدثنا مروان بن معاوية ،
عن عاصم بن محمد بن زيد ، عن محمد بن كعب القرظي قال :
أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحرس، فنزلت: (واللهُ يَعْصِمُكَ
مِنَ النَّاسِ))، فترك الحرس .
* حدثنا محمد بن مسلم ، قال ، حدثنا أبو بكر بن عياش،
عن عاصم بن أبي النجود ، عن الحارث بن حسان البكري قال :
قدمت المدينة فإذا النبي صلى الله عليه وسلم على المِنْبَر ، وإذا بلال
متقلد بالسيف، وإذا رايات سُودٌ ، فقلت : ما هذه الرايات ؟
قالوا : هذا عمرو بن العاص قدم من غزوةٍ ذَاتٍ السلاسل(٤).
(١) ما بين الحاصرتين عن الخلاصة الخزرجي ص ١٨٦ وهو عبد الأعلى بن
عبد الأعلى السامي أبو محمد البصري روى عن يونس والجريري ، وثقه ابن معين .
(٢) الجريري : سعيد بن إياس الجريري - بضم الجيم - أبو مسعود البصري
روی عن أبي الطفیل وأبي عثمان المهدي وأبي نضرة، وعنه شعبة والتوري قال ابن سعد
مات سنة أربع وأربعين ومائة ( الخلاصة الخزرجي ص ١١٥ ).
(٣) سورة المائدة آية رقم ٦٧ .
(٤) غزوة ذات السلاسل : وكان من شأنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
بلغه أن جمعاً من قضاعة قد تجمعوايريدون المدينة ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم
عمرو بن العاص رضي الله عنه - وذلك بعد إسلامه بسنة - وعقدله لواء أبيض ، وجعل
معه راية سوداء، في ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار ، ومعهم ثلاثون فرساً ، ثم -

٣٠٢
تاريخ المدينة المنورة
* حدثنا الحسين بن إبراهيم بن الحرّ (١) قال حدثنا سيف
ابن هارون البرجمي ، عن عصمة بن بشير(٢) قال، أخبرني الفرع
عن النقيع(٣) قال خاض الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
باعثُ خالد بن الوليد إلى رقيق مصر يعتقهم، فأتيت رسول الله
صلى الله عليه وسلم وهو على ناقةٍ له، ومعه أسود قائم ما رأيتُ
أحداً من الناس أطولَ منه، قد حاذّي رأسه برأس رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فلما دنوت إليه ، أهوى إلي ، فكفّهُ رسول الله صلى
الله عليه وسلم .
* حدثنا علي بن أبي هاشم قال ، حدثنا مُشّيمٍ ، عن يحيى
ابن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : صلى
= أمدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بأبي عبيدة بن الجراح في مائتين من سراة
المهاجرين والأنصار ، منهم أبو بكر وعمر ، وسميت ذات السلاسل لأنها أرض
بها ماء يقال له السلاسل ، وقال ابن حجر : المشهور أنها بفتح الأولى ، وقيل سمي
المكان بذلك لأنه كان به رمل بعضه على بعض كالسلسلة ، وقيل لأن المشركين ارتبط
بعضهم إلى بعض مخافة أن يغزوا والمكان وراء ذات القرى أو وادي القرى من المدينة
على عشرة أيام ، وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان على الخلاف ( انظر شرح المواهب
الزرقاني ٢: ٢٧٧ - ٢٨٠ والسيرة الحلبية ٢ : ٣١٣ وحاشيته ) .
(١) في الأصل الحسين بن إبراهيم بن الرفا . والمثبت عن خلاصة التذهيب ص ٨٢
وهو الحسين بن إبراهيم بن الحر العامري أبو علي البغدادي ، لقبه أشكاب ، يروي
عن فليح، وعنه ابنه محمد قال ابن سعد: مات سنة ست عشرة ومائتين وقيل في التهذيب
ست ومائتين .
(٢) عصمة بن بشير ، يروي عن الفرع قال الدارقطني: هما مجهولان ( ميزان
الاعتدال ٢ : ١٩٦ ).
(٣) نفيع بن الحارث أبو داود النخعي الكوفي الهمداني الأعمى ، يروي عن
أنس بن مالك وابن عباس وزيد بن أرقم ، ويروي عنه سفيان وشريك وهمام، قال
العقیلی کان یغلو في الرفض ، وقال البخاري : يتكلمون فيه ، وقال ابن معين وأبو زرعة :
ليس بشيء ( انظر ميزان الاعتدال ٣ : ٢٤٢ ) .

٢٠٣
لابن شبة
رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرته والناس قائمون من وراء
الحجرة يصلون بصلاته .
• حدثنا عبد الله بن رجاء قال : حدثنا المسعودي ، عن القاسم
قال : كان عبد الله (١) رضي الله عنه يليس النبي صلى الله عليه وسلم
نَعْلَيْه ، ثم يأخذ العصا فيمشي أمامه ، حتى إذا جلس أعطاه العصا ،
ونزع نعليه فجعلهما في ذراعيه ، ثم استقبله بوجهه . فإذا أراد
أن يقوم أليسه نعليه، ثم أَخذ العصا فمشي قُدّامه، حتى يَلجَّ
الحجرة أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم .
. حدثنا الصَّلْت بن مسعود ، وسليمان بن أحمد قالا ، حدثنا
الوليد بن مسلم قال ، حدثنا عثمان بن أبي العاتکة ، عن علي بن یزید ،
عن القاسم ، عن أبي أمامة ، عَمِّن رأى النبي صلى الله عليه وسلم
(١) المراد هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب أبو عبد الرحمن الهذلي ،
حليف بني زهرة، أسلم قديماً ، ويقال كان ثالث ستة ما على ظهر الأرض غيرهم
مسلماً ، هاجر الهجرتين ، وصلى القبلتين ، وشهد بدراً وأحداً والخندق وبيعة الرضوان
وسائر المشاهد مع رسول الله، وشهد اليرموك بعد النبي صلى الله عليه وسلم، روى
عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وری عنه ابن عباس وابن عمر وأبو موسى وجابر
وأنس وأبو هريرة وأبو رافع وروى عنه من التابعين علقمة وأبو وائل والأسود وقيس
ابن أبي حازم ، ولما أسلم رضي الله عنه أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان
يخدمه ، وقال له : آذنك على أن تسمع سوادي وترفع الحجاب ، فكان يلج عليه ويلبسه
نعليه ويمشي معه وأمامه ، ويستره إذا اغتسل ، ويوقظه إذانام ، وكان يعرف في الصحابة
بصاحب السواد والسواك .
وتوفي ابن مسعود سنة اثنتين وثلاثين ، ودفن بالبقيع ، وصلى عليه عثمان ،
وقبل صلى عليه عمار بن ياسر ، ولمامات نعي إلى أبي الدرداء فقال : ما ترك بعده مثله
( أسد الغابة ٣ : ٢٥٦، وشرح المواهب الزرقاني ٣ : ٢٩٧ - ٢٩٨ « الحديث هناك
عن الحارث وابن أبي عمر من مرسل القاسم بن عبد الرحمن»).

٣٠٤
تاريخ المدينة المنورة
سائراً إلى مِنّ يقدم موكبه ، إلى جانبه بلال في يده عودٌ وعليه
ثوب ، يستر النبي صلى الله عليه وسلم من الشّمس .
• حدثنا أحمد بن يونس ، عن عاصم بن محمد ، عن
محمد بن كعب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَتَحَارَسُه
فَأَنْزِل الله ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَّغْ مَا أَنْزِلَ إِلَيْك من ربّك وإِنْ لَمْ
تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رسَالته والهُ يَعْصِمْكَ مِنَ النَّاسِ))(١)، فترك الحرس
حين أخبره أنه سيعصمه من الناس .
( ذكر أسواق المدينة في الجاهلية والإسلام وذكر أحجار الزَّيت )
• حلثنا إبراهيم بن المنذر قال ، حدثنا إسحاق بن جعفر
ابن محمد قال، حدثنا عبدالله بن جعفر بن المنْوَر، عن شريك بن
عبد الله بن أبي نَمِر ، عن عطاء بن يسار قال: لما أراد رسول الله
صلى الله عليه وسلم أَن يجعل للمدينة سُوقاً أَتَى سوقَ بنِي قَيْنُقَاعِ،
ثم جاء سوق المدينة فضربه برجله وقال: ((هذا سوقكم، فلا يُضَيِّق،
ولا يؤخذ فيه خَرَاج))(٢).
• حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال ، حدثنا عبدالله
ابن جعفر ، عن محمد بن عبد الله بن حسن قال: تصدق رسول الله
صلى الله عليه وسلم على المسلمين بأسواقهم(٣).
(١) سورة المائدة آية رقم ٦٧ .
(٢) رواه السمهودي في كتابه وفاء الوفا ١: ٥٣٩ ط. الآداب عن عمر بن شبة
عن عطاء بن يسار .
(٢) رواه السمهودي في وفاء الوفا ١: ٥٤٠ . قال روى ابن شبة وابن زبالة
عن محمد بن عبد الله بن حسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تصدق على المسلمين
بأسواقهم .

٣٠٥
لابن شبة
• حدثنا أبو عاصم ، عن سفيان ، عن عاصم بن عبيد الله،
عن عبيد الله بن أبي عبيد مولى أبي رُهْم ، عن أبي هريرة رضي الله
عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر ببقعة فقال: رب يمين
هَا هُنَا لا تصعد إلى الله قال : : فرأيت فيه النخاسين بعد.
* حدثنا محمد بن يحيى قال ، حدثنا أبو ضَمْرة ، عن
عبد الرحمن بن الحارث . بن عبيد ، عن جده قال : خرجت مع
أبي هريرة رضي الله عنه ، حتي إذا كنا عند دار ابن مسعود قال :
يا أبا الحارث ، إن حِّي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم أخبرني :
أَنْ رُبّ يمين بهذه البقعة لاتَصْعَد إلى الله، قال : قلت له: أَنّي ذلك
يا أبا هريرة؟ قال: أَما أَني أَشهد ما كَلَبْتُ. قلت: وأَنا أَشهد(١).
* حدثنا محمد بن يحيى ، عن ابن أبي فديك قال ، أخبرني
ابن أبي ذئب ، عَمِّن سمع أبا المغيث يُحدِّث ، عن أبي هريرة رضي الله
عنه : أنه كان يقول : لا يذهب الليل والنهار حتى يُخْسَفَ برجلٍ
بصحن هذا السوق ، قال ابن أبي فديك : وكنت أسمع من المشائخ
أنه قال: والله أعلم : أن ذلك يكون على باب بيت البرَّادين.
ويقال: هو بفناء دار ابن مسعود(٢).
• قال أبو غسان : وكان بالمدينة في الجاهلية سوق بِزَبالَة
(١) أورده وفاء الوفا ٢: ٧٥٦ من حديث عبد الرحمن بن الحارث بن عبيد
عن جده قال : خرجت مع أبي هريرة حتى إذا كنا عند دار ابن مسعود قال يا أبا الحارث
إن حبي أبا القاسم صلى اله عليه وسلم أخبرني .. وساق الحديث .
(٢) في وفاء الوفا ١: ٥٤٦ ط. الآداب روى ابن شبة عن أبي هريرة رضي الله
عنهما كان يقول : لا يذهب الليل والنهار حتى يخسف برجل بصحن هذا السوق ...
الحديث .

٣٠٦
تاريخ المدينة المنورة
من الناحية التي تُدْعِى يَثْرِب ، وسوق بالجسر في بني قَيْنُقّاع،
وبالصفاصف بالعصبة(١) سوق ، وسوق يقوم في موضع ز قاقابن حبین کانت
تقوم في الجاهلية وأول الإسلام ، وكان يقال لذلك الموضع ((مزاحم) (٢).
* حدثنا أبو غسان قال ، حدثنا عبد الله بن وهب ، عن
ابن سمعان ، عن ابن شهاب ، عن عُرْوَة ، عن عائشة رضي الله عنها
في حديث ساقه قال : كان يقال لسوق المدينة ((بقيع الخيل))(٣).
* حدثنا أبو غسان ، عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك ،
قال، أخبرني يحيى بن محمد بن الحكم بن ميناء قال: أَدركت سوقاً
بالزَّوْرَاء يقال له ((سوق الحرص)) (٤) كان الناس ينزلون إليها بدرج .
(١) العصبة : بفتح العين وضمها وإسكان الصاد ، وقیل بفتح الحرفين - منزل
في جحجي غربي مسجد قباء ، وفي البخاري عن ابن عمر «لما قدم المهاجرون الأولون
العصبة - موضع بقباء الخ)) وانظر وفاء الوفا ٤ : ١٢٦٧ محيي الدين.
(٢) مزاحم : أطم كان بين ظهراني بيوت بي الحبلى ، وكان بزقاق ابن حبين
سوق يقوم في الجاهلية وأول الإسلام ( وفاء الوفا ٤ : ١٣٠٦ محيي الدين) والخبر بطوله
في نفس المصدر ٢ : ٧٤٧ .
(٣) يقيع الخيل: قال السمهودي في وفاء الوفاء ١: ٥٤٤ ط. الآداب (٢ : ٧٥٤
محبي الدين ) . رأيت في الأم الشافعي رضي الله تعالى عنه ما يقتضي تسمية سوق المدينة
بالبطحاء فإنه روی عن جعفر بن محمد عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يخطب يوم الجمعة وكان لهم سوق يقال لها البطحاء كانت بنو سليم يجلبون إليها الخيل
والإبل والغنم والسمن ، وروى ابن شبة من طريق عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت
في حديث ساقه ، كان يقال لسوق المدينة بقيع الخيل ، والبقيع هناهو المراد بقول ابن عمر في
حديثه الذي رواه الأربعة والحاكم:(( إني أبيع الإبل بالبقيع بالدنانير وآخذ مكانها الدراهم)).
وفي مراصد الاطلاع ١ : ١٢٣ أن بقيع الخيل بالمدينة عند دار زيد بن ثابت .
(٤) سوق الحرص: انظر الخبر عنه في وفاء الوفا ١: ٥٤٤ = ٢: ٧٥٤ محيي الدين ،
حيث ذكر السمهودي أن ابن شبة روى عن بعضهم قال أدركت سوقاً بالز وراء يقال له
سوق الحرص كان الناس يتزلون إليها بدرج .

٣٠٧
لابن شبة
( ذكر أحجار الزَّيت )
· حدثنا خلاد بن يزيد قال ، حدثنا حماد بن زيد ، عن
أبي عمران الجوني ، عن المشعث بن طريف ، عن عبد الله بن الصامت،
عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((يا أبا ذر)) قلت: لبيك وسعديك، يا رسول الله قال ((كيف أنت
إذا رأيت أحجار الزيت قد غرقت في الدِّم؟)) قال قلت: ما خارَ
اللهُ لي ورسوله. قال: ((عليك بمن أَنت معه)»(١).
• حدثنا محمد بن يحيى ، عن ابن أبي فديك قال : أدركت
أحجار الزيت ثلاثةً مواجهة بيت ابن أَمّ كلاب، وهو اليوم يعرف
ببيت بني أسد . فعلا الكبس (٢) الحجارة فاندفنت .
* حدثنا محمد بن يحيى قال ، أخبرني أبو ضَمْرَة الليثي ،
عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبيد ، عن هلال بن طلحة الفهري :
أن حبيب بن مسلمة الفهري كتب إليه : أن كعباً سألني أن
أكتب له إلى رجل من قومه عالم بالأرض . فلما قدم كعب المدينة
جاءني كتابه ذلك، فقال: أَعالم أَنت بالأرض ؟ قلت : نعم .
قال : إذا كان بالغداة فاغْدُ عليّ. قال: فجثته حين أَضْحَت(٢)،
فقال : أَتعرف موضع أحجار الزيت ؟ قلت: نعم - وكانت أحجاراً
بالزوراء يضع عليها الزياتون رَوَايَاهُم - فأقبلت حتى جئتها فقلت :
هذه أَحجار الزَّيْت. فقال كعب: لا والله ما هذه صِفَّتُها في كتاب الله ،
(١) ورد هذا الحديث في وفاء الوفا ٤ : ١١٢٢ محيي الدين .
(٢) أي طمهما التراب فاندفنت ((أقرب الموارد ٢: ١٠٦٢)، والخبر في وفاء الوفا
٤ : ١١٢١، ١١٢٢ محيي الدين» .
(٣) أضحت في وفاء الوفا ٤ : ١١٢٢ محيي الدين ((أصبحت)) حيث ورد الخير.

٣٠٨
تاريخ المدينة المنورة
انطلق أمامي ، فإنك أهدى بالطريق مني . فانطلقنا حتى جئنا
بني عبد الأشهل . فقال : يا هلال ، إني أجد هنا أحجار الزيت
في كتاب الله، فسَلٍ القوم عنها - وهم يومئذ وافرون - فسألتهم
عن أحجار الزيت ، وقال : إنها ستكون بالمدينة ملحمة عندها(١) .
( ذكر البيداء ؛ بيداء المدينة )
■ حدثنا محمد بن يحيى قال ،حدثنا أبو ضَمْرَة الليثي، عن
عبد الرحمن بن الحارث بن عبيد ، عن هلال بن طلحة القهري
قال، قال كعب الأحبار : تجهز يا هلال : قال : فخرجنا حتى إذا
كنا بالعقيق ببطن السيل دون الشجرة - والشجرة يومئذ قائمة -
فقال : يا هلال ، إني أجد صِفةً الشجرة في كتاب الله . قلت :
هذه الشجرة . قال : فنزلنا فصلَّيْنا تحتها، ثم ركبنا حتي استوينا
على ظاهر البيداء قلت : أَنت عليها ، قال : والذي نفسي بيده إن
في كتاب الله أن جيشاً يؤمون البيت الحرام فإذا استووا عليها نادى
آخرهم أولهم: ((ادفعوا))، فخسف بهم وبأَمْتِعَتِهم وأموالهم
وذّرَاريهم إلى يوم القيامة . ثم خَرَجْنا حتي إذا انهبطت رواحلنا قال :
يا هلال، إني أجد صفة الرَّوْحَاء، قال، قلت : الآن دخلنا الروحاء .
(١) بعد أن روى السمهودي كل الأحاديث والأخبار التي جاءت في أحجار الزيت
قال : فأحجار الزيت موضعان . فالأول هو المراد بحديث أبي داود واللفظ له والترمذي
والحاكم وابن حبان في صحيحه عن عمير مولى أبي اللحم أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم
يستسقي عند أحجار الزيت قريباً من الزوراء قائماً يدعو يستسقي رافعاً يديه قبل وجهه ..
والموضع الثاني الذي عنى كعب الأحبار بمنازل بني عبد الأشهل بالحرة . وبه كانت واقعة
الحرة. ولعله المراد بحديث: يا أبا ذر كيف بك. الخ. وانظر (وفاء الوقا ٤ : ١١٢٢
محيي الدين ) .

٢٠٩
لابن شبة
حدثنا عفان قال ، حدثنا عمران القطان ، عن قتادة ،
عن أبي الخليل ، عن عبد الله بن الحارث ، عن أم سلمة ، عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يبايع لرجل بين الركن والمقام عدة
أهل بدر ، فتأتيه عصائب أهل العراق وأبدال أهل الشام. فيغزوهم
جيش من أهل الشام ، فإذا كانوا بالبيد خسف بهم ، ثم يغزوهم
رجل من قريش أخواله كلب ، فيلتقون فيهزمهم الله ، فالخائب
من خاب من غنيمة كلب(١).
■ حدثنا موسى بن إسماعيل قال ، حدثنا حماد بن سلمة
قال ، حدثنا أبو المهزم ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: يجيء
جيش من قبل الشام حتى يدخل المدينة ، فيقتلون المقاتلة ، ويبقرون
بطون النساء، ويقولون للحبْلى في البطن: ((اقتلوا صبابة الشر»،
فإِذا علَوْا البيداء من ذي الحُليْفة خسف بهم ، فلا يدرك أسفلهم
أَعلاهم ولا أعلاهم أسفلهم - قال أبو المهزم : فلما جاء جيش
(حُبَيْئِ) (٢) ابن دُلْجَة قلنا : هم ، فلم يكونوا هم .
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال ، حدثنا حماد بن سلمة
قال ، أَنبأَنا علي بن زيد ، عن الحسن ، عن أم سلمة رضي الله
(١) روي هذا الحديث في مسند الإمام أحمد بن حنبل ٦ : ٣١٦ وعن هشام عن
قتادة عن أبي الجليل عن صاحب له عن أم سلمة بمعناه مع زيادة في متنه . وقد ورد في
وفاء الوفا ٤ : ١١٥٨ محيى الدين عن رواية عمر بن شبة من حديث أم سلمة .
(٢) في الأصل ابن دبحة، والمثبت والإضافة عن تاريخ الطبري ق ٢، ٧ : ٥٧٨
وق ٢، ٨: ٦٤٢ وكذا وفاء الوفا ١: ٦٤ ط. الآداب: وحيش بن دُلحة القيّي هو
الذي بعثه مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي إلى المدينة لمقاتلة عبد الله بن الزبير حين
استولى عليها. وانظر الحديث أيضاً في وفاء الوفا٤: ١١٥٨ محيي الدين.

٣١٠
تاريخ المدينة المنورة
عنهما قالت : بينما النبي صلى الله عليه وسلم مضطجع في بيته إذ
احتفز جالساً فجعل يتوجّع ، فقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله،
مالك تَوَجّع ؟ قال : جيش من أُمّي يجُوزُ من قِبَلِ الشام، يَؤُمُّون البيتَ
لرجل منعه الله منهم ، حتى إذا علوا البيداء من ذي الخليفة خُسِف
بهم ، ومصادرهم شتى . قلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، كيف
يخسف بهم جميعاً ومصادرهم شتى؟ قال: ((إِن منهم من جبر))
( من يكرهه فيجيء مكرهاً (١)).
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال ، حدثنا حماد ، عن أبي عمران
الجوني، عن يوسف بن سعد ، عن عائشة رضي الله عنها بمثله .
. حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب،
قال ، حدثني ابن لهيعة، عن بسر بن لخم المعافري قال سمعت ،
أبا فراس (٣) يقول، سمعت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول :
إذا خسف بالجيش بالبيداء فهو علامة خروج المهدي .
(١) أخرجه أحمد في مسنده ٦ : ٣١٦ عن علي بن زيد عن الحسن
عن أمه عن أم سلمة - بمعناه مع زيادة في متنه . والحديث في وفاء الوفا ٤ :
١١٥٨ محيي الدين .
(٢) أبو فراس هو الربيع بن زياد النهدي ، روى عن عمر وروى عنه أبو نضرة
العبدي، وقال الحاكم أبو أحمد : إن كان إسحق بن إبراهيم حفظ اسم أبي فراس الراوي
عن عمر أنه الربيع بن زياد ولم يقله من ذات نفسه فهما اثنان ، وإن لم يحفظه فهو على ما قاله
البخاري . والربيع بن زياد جاء في كتابه خليفة بن خياط: أبو عبد الرحمن ، ولا يبعد أن
إسحق سماه منذات نفسه واشتبه عليه ، ولا أعرف أبا نضرة روی عن الربيع ابن زياد
شيئاً ، إنما روى عن أبي مجاز وقتادة . وأبو فراس الذي روى عنه أبو نضرة
هونهدي آخر غير ما ذكره البخاري . (الخلاصة الخزرجي ص٣٩٣ ط . الخيرية).

٣١١
لابن شبة
( خبر أصحاب الإفك )
* حدثنا الحسين بن إبراهيم قال ، حدثنا فليح بن سليمان
الأسلمي ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، وسعيد بن المسيّب
وعلقمة بن وقاص الليثي ، وعبيد الله بن عبد الله ، عن عائشة
زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنها حين قال لها أهل الإفك
ما قالوا ، فَبَرّأها الله منه، قال الزهري: وكلُّهم حدثني بطائفة من
حديثها ، وبعضهم أَوْعى له من بعض ، وأثبت له اقتصاصاً(١)
وقد وعيت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة
رضي الله عنها ، وبعض حديثهم يصدِّقُ حديث بعض : ذكروا
أن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبي الله عليه وسلم
إذا أراد أن يخرج لسفر أَقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها
خرج بها معه ، قالت: فأقرع بيننا في غزوة (٢) غزاها فخرج
سهمي، فخرجت معه بعد ما أُنزل الحجاب، فأَنَّا أَحمل(٣) في
هودج وأنزل فيه، فسرنا(٤) حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه
وسلم من غزوته تلك، وقفل، ودنونا من المدينة ، آذن ليلة بالرحيل،
فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما
قضيت شأني، أَقبلت إلى الرحل فلمست صدري ، فإذا عقد من
جَزْع قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، فأقبل
الذين يرحلونني ، فاحتملوا هَوْدجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت
(١) في الأصل كلمة لا تقرأ والإثبات عن تفسير ابن كثير ٦ : ٦٨ .
(٢) هي غزوة بني المصطلق .
(٣) في الأصل ((أتحمل)) والتصويب عن المصدر السابق.
(٤) في الأصل ((قنزلنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم)، والإثبات عن
المصدر السابق .

٣١٢
تاريخ المدينة المنورة
أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خِفّافاً لم
يُثْقلهنّ ولم يغشهن اللحم، وإنما يأكلن الغُلْقَةَ من الطعام (١)،
فلم يستنكر القوم حين رفعوه خفة(٢) الهودج فاحتملوه ، وكنت
جارية حديثة السن ، فبعثوا الجمل وساروا ، فوجدت عقدي بعد
ما استمرّ الجيش، فجئت منازلهم(٣) وليس فيها أَحد، فأَقمت
بمنزلي الذي كنت فيه، فظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إليّ ،
فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت ، وكان صفوان
ابن المعطّل السّلمي ثم الذكواني ( قد عرس ) (٤) من وراء الجيش،
فأصبح عند منزلي فرأي سواد إنسان نائم ، فأَتاني فعرفني حين
وآني ، وكان يراني قبل الحجاب ، فاستيقظت باسترجاعه(٥)
حين أناخ راحلته فَوَطِىءَ (على)(٦) يَدِهَا، فَرَكِيْتُها ، فانطلق
يقود بي الراحلة (٧) حتى أتيت الجيش بعد ما نزلوا في نحر الظهيرة ،
فهلك فيّ من هلك ، وكان الذي تولى كبرالإفك عبدالله بن أبي بن سلول
فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهراً ( والناس ) (٨) يفيضون في قول
أصحاب الإفك لاأشعر بشيء منذلك ،ویریيني في وجعي أني لاأعرف من
(١) العلقة: أي القليل - والمراد من هذا عذر من حملوا هودجها .
(٢) في الأصل ((ثقل الهودج)) والتصويب عن التاج = ٤ ص ١٨٧، وكذا تفسير
ابن كثير ٦ : ٦٩ .
(٣) في الأصل ((منزلهم)) والتصويب عن المراجع السابقة.
(٤) الإضافة عن تفسير ابن كثير ٦ : ٦٩.
(٥) أي بقوله : إنا لله وإنا إليه راجعون .
(٦) الإضافة عن التاج ٤: ١٨٧ وكذا تفسير ابن كثير ٦ : ٦٩.
(٧) في الأصل ((فانطلقت تقودني)) والمثبت عن المرجع السابق.
(٨) الإضافات عن التاج ١٨٧:٤، ١٨٨، ١٨٩، وتفسير ابن كثير٦: ٦٩، ٧٠.

٣١٣
لابن شبة
رسول الله صلى الله عليه وسلم (اللُّطْفَ)(١) الذي كنت أرى منه
حين أَمْرَض (٢) إنما يدخل ( علي (١)) فيسلم ثم يقول كيف تيكم؟(٢)
فذاك (الذي(١)) يريبني ، ولا أشعر حتي نقهت ، فخرجت أنا
وأُم مسطح بنت أبي رهم نمشي فعثرت في مِرْطِهَا (٤)، فقالت: تَمِسَ
مِسْطَح (٥) ، فقلت: بئس ما قلتٍ، أَتسبين رجلاً شَهِدَ بدراً ؟
قالت : يا هنتاه(٦)، أو لم تسمعي ما قالوا ؟ فقلت : وما قالوا ؟
فأخبرتني بقول أهل الإفك ، فازددت مرضاً على مرضي ، فلما
رجعتُ إلى بيتي دخل عليّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فسلم ، ثم
قال : كيف تِيكُم ؟ فقلت له : ائذن لي آتي أَبوَيّ . قالت : وأنا
حينئذ أُريد أن أَسْتَيْقِنَ الخَبَر ( مِنْ قِبَلِهما(١)) فأُذن لي، فأَّيت(٧)
أبويّ فقلت لأُمي : ما يتحدث الناس ؟ قالت : يا بُنيّة هَوّي على
نفسك الشأن ، فوالله لَقَلَّمَا كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يُحبها
ولها ضرائر إلا أكثرن عليها القول، فقلت : سُبحان الله! ولقد
(١) الإضافات عن التاج ٤: ١٨٧، ١٨٨، ١٨٩، وتفسير ابن كثير ٦ : ٧٠،٦٩
(٢) في التاج وابن كثير حين اشتكى .
(٣) إشارة إلى الأنثى، أي كيف هذه المريضة ، فكانت تجيبه أم عائشة التي كانت
تمرضها في بيت النبي صلى الله عليه وسلم - وانظر التاج ٤: ١٨٨.
(٤) عثرت في مرطها : أي في كسائها .
(٥) هو مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف بن قصي القرشي المطلبي ،
يكني أبا عباد ، وقيل أبو عبد الله، وأمه أم مسطح بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف .-
شهد مسطح بدراً ، وجلده النبي صلى الله عليه وسلم فيمن جلد عند خوضهم في هذا
الحديث .. الخ . توفي سنة أربع وثلاثين وهو ابن ست وخمسين سنة ، وقيل شهد صفين
مع علي ، ومات سنة سبع وثلاثين (أسد الغابة ٤ : ٣٥٤).
(٦) يا هنتاه : أي يا هذه أما سمعت ما قال .
(٧) في التاج وابن كثير ((فجئت)) (التاج ٤: ١٨٨ وابن كثير ٦: ٧٠).

٣١٤
تاريخ المدينة المنورة
تحدث الناس بهذا ؟ ، قالت : فبتّ تلك الليلة حتي أصبحت
لا يرقاً(١) لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبح (٢)، ودعا
رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد
حين استلبث عليه الوحي حتى يستشيرهما (٣) في فراق أهله،
فأَما أسامة فأشار عليه بالذي يعلمه من براءة أهله ، وبالذي يعلمه
في نفسه من الود لَهُنّ ، فقال : أَهلك يا رسول الله ، ولا نعلم
والله إلا خيراً، وأَما علي رضي الله عنه فقال: لم يُضَيِّق (الله) (١)
عليك يا رسول الله ، والنساء سواها كثير ، وسل الجارية تَصْدُقك،
قالت : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بَرِيرَة فقال: (( يا بريرة
هل رأيت منها شيئاً يريبك؟)) قالت : لا والذي بَعثَكَ بالحقِّ
إِنْ رأيتُ منها أَمراً أَعْيِضْهُ (٤) عليها أكثر من أنها جارية حديثة
السُّنْ تنام عن عجين (أَهلها (١)) فيأتي الداجِنُ فيأُكله(٥)، قالت:
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر من عبد الله
ابن أبي بن سلول، فقال: ((من يَعْذِرُني(٦) من رجل (قد (١))
بلغني أذاه في أهلي ؟ فوالله ما علمت من أهلي إلا خيراً وقد ذكروا
(١) يرقأ - أي لا يجف لي دمع (أقرب الموارد).
(٢) في التاج ٤ : ١٨٩ ((حتى أصبحت فدعا)).
(٣) في المرجع السابق ((حتى يستأمرهما)) والأصل متفق مع ابن كثير في النص.
(٤) أغمضه عليها : أي أعيبه عليها .
(٥) في الأصل ((تنام عن العجين فتأتي الداجن فتأكلها)، والمثبت عن ابن كثير
٦: ٧٠، والتاج ٤ : ١٨٩ أي أنها أنثى صغيرة تنام عن العجين فتأتي الداجن أي الشاة
التي في البيت فتأكله ، فهذا عيبها إن كان عيباً .
(٦) من يعذرني : أي یقیم علري وینصرفي من رجل - هو ابن سلول - بلغني
أذاه أي طعنه في أهلي .
(١) انظر الملاحظة رقم (١) في الصفحة السابقة.

٣١٥
لابن شبة
رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي )»
قالت فقام سعد بن معاذ فقال : يا رسول الله، أَنا والله أَعْذِرُكَ
منه ، إن كان من الأوس ضربنا عنقه ، وإن كان من إخواننا
( من )(١) الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك ، فقام سعد بن عبادة
وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ، ولكن احتملته
الحميّة على أَن قال: كلبْتَ لَعَمْرُ اللهِ، ما تَقْتُلُه ولا تَقْدِر على قتله،
فقال أسيد بن حُضَير : كذبت لَعَمْرُ الله لنقتلنه ؛ فإنك منافق
تُمَاري(٢) عن المنافقين، قال فتشاور (٣) الحيّان الأُّوس والخزرج
حتى هموا ( أن يقتتلوا ) (١) ورسول الله صلى الله عليه وسلم على
المنبر - قال : فنزل فخفّضهم حتي سكتوا وسكت ، قالت : وبكيت
يومي ذلك لا يرقاُ لي دمع ولا أ کتحل بنوم ، فأصبح عندي أَبواي
وقد بكيت ليلة ويوماً حتى أَظُن أَن البكاء فالق كبدي ، فبينما
هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأَذنت
لها فجلست تبكي معي ، قالت : بينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله
صلى الله عليه وسلم فجلس - ولم يجلس عندي من يوم قِيل فيِّ
ما قيل قبلها ، وقد مكث شهراً لا يُوحى إليه في شأني - قالت :
فتشهِّد ثم قال: ((أَما بعد يا عائشة، فإنه قد بلغني عنكِ كذا وكذا،
فإن كنتٍ بريئةً فسوف يبرئك الله، وإن كنتٍ أَلممتٍ بذنب
فاستغفري الله وتوبي إليه ؛ فإن العبد إذا اعترف بذنبه وتاب
تابَ اللهُ عليه ، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته
(١) الإضافة عن التاج ٤: ١٩٠.
(٢) يماري: أي يجادل، كما في رواية التاج ٤: ١٩٠، تفسير ابن كثير ٦ : ٧١.
(٣) في الأصل ((فثار الحيان)) والمثبت عن المراجع السابقة.

٣١٦
تاريخ المدينة المنورة
قلص دمعي(١) حتى ما أُحِسّ منه قطرة، وقلت لأَبي: أَجِبْ عَنِّي
فيما قال ، فقال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فقلت لأُمي : أَجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فقالت : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ،
قالت : وأَنا جارية حديثة السِّن، وأني لا أقرأ كثيراً من القرآن،
فقلت إني والله لقد علمت أنكم قد سمعتم ما تحدث به ووقَر في
أنفسكم وصدَّقْتم به، وإِنْ قلت لكم إني بريئة - والله يعلم أني لبريئة-
لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت بأمرٍ والله يعلم أني منه بريئة
لتصدِّقني، والله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا أبا يوسف إذ قال ((فَصَبْرٌ
جَمِيلٌ والله المستعانُ على ما تَصِفُون (٢) قالت: ثم تحولْت
(فاضطجعت )(٣) على فراشي وأنا أرجو أن يبرئني الله ببراءتي
ولكني ما ظننت أَن يَنْزل في شأني وَحْي يُتلى، ولِأَنَّا أَحقرُ في نفسي
من أن يتكلم القرآن في أمري ، ولكني كنت أرجو أن يري الله
رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في المنام رؤيا تُبَرِّقُني ، قالت : فوالله
ما رام(٤) مجلسه ولا خرج ( أَحدُ)(٥) من أَهل البيت حتى أُنْزِلَ
عليه الوحي ، فأخذه ما كان يأْخُذُه من البُرَحَاءِ(٦) حتى إنه ليتحدّر
(١) قلص دمعي : أي انقطع، لأن الحزن إذا اشتد فقد الدمع لشدة المصبية (التاج:
٤ : ١٩٠ ) .
(٢) سورة يوسف آية ١٨ .
(٣) الإضافة عن مغازي الواقدي ٢: ٤٣٣، والتاج ٤: ١٩١، وابن كثير٧٢:٦
(٤) ما رام مجلسه : أي ما فارق مجلسه .
(٥) سقط في الأصل: والإثبات عن التاج ٤ : ١٩١، وابن كثير ٦ : ٧٢.
(٦) فأخذه من البرجاء : أى شدة الوحي حتى إنه ليتساقط عرقه .

٣١٧
لابن شبة
منه مثلُ الجُمَان من العَرَق في يوم شاتٍ ، قالت: فلما سُرِّيَ عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك كان أول كلمة تكلم
بها أن قال: يا عائشة احمدي الله فقد بَرََّكِ الله . قالت: فقالت:
لي أمِّي: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : لا والله
لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله، وأنزل الله: ((إِنّ الَّذِينَ جائُوا
بالإِفِكِ عُصْبَةٌ مِنْكم) (١) إلى آخر الآيات كلها ، فلما أنزل الله
( هذا ×٢) في براءتي قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه - وكان
ينفق على مِسْطَحِ بن أثاثة لقرابة منه - والله لا أُنفق على مِسْطَح
شيئاً أبداً بعد ما قال لعائشة، فأنزل الله هذه الآية ((وَلا بَأْتِلٍ
أُولُو الفَضْلِ مِنْكُم (٣)) إلى آخرها ، فقال أبو بكر رضي الله عنه :
بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مِسْطِح الذي كان
يجري عليه ، قالت : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل
زينب بنت جحش عن أمري فقال: «يا زينب ما عَلِمْتٍ وما رأيت؟»
فقالت : يا رسول اله أَحْمي سَمْعي وبَصَري، ما رأيت عليها إلا
خيراً ، قالت عائشة رضي الله عنها : وهي التي كانت تُسَاميني(٤)
من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فَعَصَمَها الله بالوَوَع .
• وحدثنا فليح عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ، وعبد الله
ابن الزبير رضي الله عنهم بمثله .
(١) سورة النور آية ١١.
(٢) الإضافة عن التاج ٤: ١٩٢، وتفسير ابن كثير ٦ : ٧٢.
(٣) سورة النور آية ٢٢ .
(٤) تساميني : أي تطلب من العلو والرفعة والحظوة عند النبي صلى الله عليه وسلم
ما أطلب ، أو تعتقد أن لها مثل ما كان لي عند النبي صلى الله عليه وسلم .

٣١٨
تاريخ المدينة المنورة
* حدثنا فليح عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، ويحيى بن سعيد
عن القاسم بن محمد بمثله .
· قال فليح وسمعت ناساً من أهل العلم يقولون: إن أصحاب الإفك
جلدوا الحدّ(١)، ولا نعلم ذلك.
حدثنا عمرو بن قَسَط قال ، حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن
إسحاق بن راشد بإسناده وألفاظه بمثله ، إلاَّ حروفاً منها : من جزع
أَظفار، ومنها لم يثقلهن ولم يُهَيِّلْهُنّ(٢) اللحم ، ومنها : وكان
صفوان من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي ، ومنها : فاستيقظت
باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي كلّياً ، والله ما تكلم بكلمة
وما سمعت منه كلمة غير استرجاعه ، ومنها : حتى أتيت الجيش
بعد ما نزلوا مُوغرين في نحر الظهيرة ، ومنها : أم مسطح وهي بنت
أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف .
■ حدثنا سويد بن سعيد(٣) قال ، حدثنا الوليد بن محمد الموقري ،
عن الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي الله عنها قالت :
(١) ويوافق هذا ما جاء في التاج ٤: ١٩٢ عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزل
عذري قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن ، فلما نزل
أمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم . رواه الترمذي بسند صحيح .
• والرجلان: هما حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة ، والمرأة مي حمنة بنت جحش ؟
حُدُوا حد القذف ، ثم تابوا وصاروا من أحسن المسلمين رضي الله عنهم.
(٢) لم يهبلهن: أي لم يكثر عليهن اللحم والشحم (اللسان ١٤: ٢١٢).
(٣) هو سويد بن سعيد المروي أبو محمد الأقباري ، روى عن حفصة بن ميسرة
وحماد ین زید ، قال أحمد : أرجو أن یکون صادقاً ، وقال أبو زرعة : کتبه صحاح ،
قد كان ذا رحلة ومعرفة، مات سنة أربعين ومائتين. (الخلاصة الخزرجي ص ١٣٥).

٣١٩
لابن شبة
غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة بني المصطلق ، وسيا يومئذ
جُوَيْرِيَة بنت الحارث بن أبي ضرار ، وكان من شأن عائشة رضي الله
عنها . بلغنا : أن النبي صلى الله عليه وسلم ساهم بين نسائه في غزوة
بني المُصْطَّق أيتهن تخرج معه. فخرج سهم عائشة وأم سلمة رضي
الله عنهما ، فخرج بهما معه ، فلما قفلوا من غزاتهم ، وكان بينهم
وبين المدينة ليلتان ، مال رَحْلُ أُمّ سلمة فأَناخوا بعيرها ليصلحوا
رَحْلَهَا (١) ، ثم جعل الهودج فيوضع على البعير ثم يشد عليه ، فلما
غَيّرُوا وحل أم سلمة نَزَلَتْ عائشةُ لحاجةٍ كانت لها ، فسقطت قلادةٌ
كانت في عُنُقها من جزع أَظفار بمانية، فرجٌعَتْ تَلْتَمسُهَا فوجدت
القومَ قد ذهبوا ، وظنوا أنها في الهودج ، قالت عائشة : فقلتُ في
نفسي : أو اضطجعتُ في مكاني لعلّهم يفقدوني فيلتمسوني ، فمرّ بها
رجلٌ من قريش يقال له صفوان بن المُعَطَّل ، وكان في ساقَة القوم ،
فنادى بها : أَيّها النائم - وهو يحسبني رجلاً - فرفعت رأسي - وقد
كان رآني قبل الحجاب - فاسترجع ، ثم أُناخ بعيره فعقلَ یدیْه
جميعاً، ثم قال يا أمَّه إذا استويت عليه فآذنيني ، فلما استويت
عليه آذنته ، فأخذ برأس الجمل ، ولم يكلمني حتى جاء بي إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما ارتفع النهار ، فقال عبد الله
ابن أبيّ بن سلول: ما تخلّفَت إلا لكذا وكذا، وأَعانَهُ على قوله مسطح
ابن أَثَاثَة وحَسَان بن ثابت وامرأة أُخرى (٢) . قالت عائشة رضي الله
عنها : وقدمنا المدينة فَكثُرَ القولُ في الناس في شأني ، وكان رجلان
(١) سقط في الأصل والإثبات عن مجمع الزوائد ٩ : ٢٣٧.
(٢) هي حمنة بنت جحش (التاج ٤: ١٩٢، ومجمع الزوائد ٩: ٢٣٧، ومعالم
التنزيل ٦ : ٧٠ ).

٣٢٠
تاريخ المدينة المنورة
من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما زيدُ بن حارثة ،
والثاني(١) أبو أيوب الأنصاري يقولان إذا سمعا شيئاً من ذلك:
سبحانك هذا بُهْتَان عظيم . فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم،
قالت عائشة رضي الله عنها : ورابني منه أَني كُنْت أَعرف من وُدّه
ما أعرف ، ثم استگتم فما یرید إلا أن يقول کیف تيگُم ، قرابتي
ذلك منه، ولم أعلم شيئاً مما قال النّاسُ، فقالت: فخرج رسول الله
صلى الله عليه وسلم فدعا رجلين من أصحابه كانا من أهله ؛ عليّ بن
أبي طالب وأسامة بن زيد، فقال: ((ما تريان في عائشة؟)) فقال عليّ
رضي الله عنه: النساء كثيرٌ، وقد أَحلّ الله لك وأَطَّابَ ، طلّق وانكح
غيرها ، وإن تسأل عنها أم مسطح تصدقك . فقال أسامة بن زيد
رضي الله عنهما : يا رسول الله ما علمتُ على أَهْلكَ إلا خيراً، إن
الناس ليكثرون ويكذبون ، وإن تسأل عنها أم مسطح تخبرك ،
فَأَرْسَلَ إلى أم مسطح فقال: (( أَيّ امرأة تقولين في عائشة ؟ (٢)))
قالت : ما علمنا منها إلا خيراً ، على أنها امرأة رُقُودُ ، ترقُدُ حتى
تأتي الشاةُ فتأكل عجين أهلها ، إنها لأَّطيب من طيِّب الذهب ،
وإن كانت كما يقول الناس لتُخْبَرَنَّك فعجب الناس لقولها ، ثم
جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: ((مَنْ يَعْلِرُنِي
ممن يؤذيني في أهلي ؟ والله إنهم ليقولون في رَجُلٍ ما دخل بيتي إلا معي،
ولا أُسافر سفراً إلا سافر معي ، فلما أمسوا من ذلك اليوم - ولم أعلم
ما كان في المسجد - خرجت إلى ما يخرج إليه النساء من الحاجة ،
(١) إضافة يقتضيها السياق .
(٢) سقط في الأصل .