النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
لابن شبة
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ليخرُجَنّ أهل المدينة من المدينة
ثم ليعودُنّ إليها ، ثم ليخرُجُنّ منها ثم لا يعودون إليها ، وليدَعُنَّها
وهي خير ما تكون موزعة (١). قيل: فمن يأكلها ؟ قال : الطير
والسباع .
* حدثنا أبو داود قال ، حدثنا شعبة قال ، أخبرني عدي
ابن ثابت ، عن عبد الله بن يزيد، عن حُذيفة رضي الله عنه
قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرنا بما هو كائن
إلى أن تقوم الساعة ، غير أني لم أَسأَله : ما يُخْرِجُ أهل المدينة
من المدينة (٢) ؟
• حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عبد الحميد بن جعفر ،
عن حاتم بن أبي كريب ، عن كثير بن مُرّة ، عن عوف بن مالك
رضي الله عنه قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ثم
نظر إلينا فقال: أَمَ والله لتدعتها مُذَللة أربعين عاماً للعوافي ..
أتدرون ما العوافي ؟ الطير والسباع(٣).
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال ، حدثنا أبان بن يزيد ،
عن يحيى - يعني ابن أبي كثير - قال، ذُكِرَ لي عن عوف بن مالك
رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أَمَ والله
يا أهل المدينة لتتركنها قبل يوم القيامة أربعين - وقال كعب :
(١) موقعة : اسم فاعل من أيتع الزرع إذا أدرك وطاب وحان قطافه ( وفاء الوفا
١ : ١٢٣ تحقيق محمد محيي الذين ) .
(٢) أخرجه مسلم من حديث حذيفة ( وفاء الوفا ١ : ١٢٤ محيي الدين) .
(٣) أورد السمهودي من رواية ابن شبة وابن زبالة (وفاء الوفا ١: ٨٥ ط. الآداب).

٢٨٢
تاريخ المدينة المنورة
ستخرب الأرض قبل الشام أربعين سنة - ، وليهاجرن الرعد والبرق
إلى الشام حتى لا تكون رَعْدَة ولا بَرْقَة إِلا ما بين العريش والقرات ،
قال : فظننا أنها أربعون سنة .
* حدثنا أحمد بن معاوية قال ، حدثنا أبو اليمان الحكم
ابن نافع، عن صفوان بن عمرو ، عن الأشياخ : أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال : ليتركن المدينة أهلها ، وإنها المرطبة
لا يأكلها إلا العوافي ؛ الطير والسباع .
* قال ، وحدثنا صفوان ، عن شريح بن عبيد الله : أنه
قرأ كتاباً لكعب وليَغْفَينّ أَهل المدينة أمرٌ يفزعهم حتى يتركوها
وهي مذلَّلة حتي يَبول السّنانير على قَطَائِفِ الخَزّ، ما يُروِّعها شيء
وحتى يخرق الثعالب في أسواقها ما يُروِّعها شيءٍ(١) .
* حدثنا أبو داود قال،، حدثنا المسعودي قال ، أخبرني
فرات ، عن أبي الطفيل ، عن حذيفة بن أسيد قال : آخر الناس
محشراً رجلان من مزينة ، يفقدان الناس فيقول أحدهما لصاحبه :
قد فقدنا الناس منذ حين ، انطلق بنا إلى شخص من بني فلان .
فينطلقان ، فلا يجدان بها أحداً . ثم يقول : انطلق بنا إلى المدينة
فينطلقان ، فلا يجدان بها أحداثهم يقول : انطلق بنا إلى منازل
قريش بيقيع الغَرْقَد ، فينطلقان فلا يريان إلا السِّباع والثعالب ،
فيوجهان نحو البيت الحرام(٢) .
(١) في هامش لوحة ٩٠ من الأصل أمام هذا الحديث (ونقل القرطبي هذا الخبر عن ابن شبة
صاحب هذا الكتاب، وأورده بلفظ ما يردعها شيء، وانظر الحديث في وفاءالوقا١: ٨٥ط الآداب
(٢) رواه السمهودي في وفاء الوفا ١: ٨٦ ط. الآداب، ١: ١٢٣ محيي الدين،
عن حذيفة بن أسد بمتنه .

٢٨٣
لابن شبة
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال ، حدثنا سلام بن مسكين ،
عن عمران بن عبد الله بن طلحة قال ، قال أبو هريرة رضي الله عنه :
ليأتين على هذا المنبر يوم يستظل في ظله - أراه قال ((الثعلب) -
لا يروعه أحد من الناس (١).
• وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليدعن أهل المدينة
المدينة مرطبة قالوا : يا رسول الله، من يأكله؟ قال: السباع والطير(٢).
* حدثنا سليم بن أحمد قال ، حدثنا الوليد بن مسلم قال ،
حدثنا ابن لهيعة ، عن أبي الزبير ، عن جابر: أنه سمع عمر بن الخطاب
على المنبر يقول : إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
يخرج أهل المدينة منها ثم يعودون إليها ، فيعمرونها حتى تمتلىء
وتُبْنى ، ثم يخرجون منها فلا يعودون إليها أبداً (٣).
قال جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لينزلن
راكب في جنب وادي المدينة فيقول : كان في هذه حاضر من
المؤمنين كثير (٤) .
( ما قيل في المدينة من الشعر يتشوق إليها وغير ذلك )
· قال عبد الله بن عامر بن كريز ، وركب البحر غائباً ،
فاشتاق رفيقُ له إلى المدينة فقال :
(١) ورد في وفاء الوفا ١: ٨٥ ط. الآداب من رواية أبي هريرة.
(٢) ورد الحديث في وفاء الوفا السمهودي (١ : ١٢٢ محيي الدين) مع اختلاف
في بعض الألفاظ ) .
(٣) ورد من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في وفاء الوفا ١ : ١٢٣
محيي الدين .
(٤) ورد في المرجع السابق ١: ١٢٢ محيي الدين.

٢٨٤
تاريخ المدينة المنورة
تهادي بنا فوق ذي لجج خضر .
بکی صاحبي لمارأى الفلك قدمضت
لمصر وهيهات المدينة من مصر
وحَنّ إِلى أَهل المدينة حنّه
تقرّ قراراً من جهنم في البحر
فقلت له لا تبك عينك إنما
وقال نُفيلة بن المنهال الأشعار ، وكان ممن شهد القادسية مع
سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه - ومن الناس من يقول بُقيلة -
وقد وجدت هذه القصيدة في بعض الكتب تنسب إلى أبي المنهال
الأشجعي(١) الأصغر ، وزاد فيها أبياتاً في أولها وفي أَحقافها فما
زاد في أولها :
ولكن لَمْ أَنَم أَنَا والْهُمومُ
أَرقتُ وغَابَ عَنّي مَن يَلُوم
إذا ما أَظْلَمَ اللَّيْلُ البَهِيمُ
كَأَنّي من تذكُّر مَا أُلاقي
وأَسْلَمَهُ الْمُدَاوِي والحَمِيمُ
سَقِيمٌ مَلّ مَنْهُ أَقْرِبُوهُ
هذه الزيادة ، فأما الصحيح فقوله :
وقُرِّب ناجياتُ(٣) السير كُومُ(٤).
ولما ( أَن (٣) ) دنا مِنّا ارتحالٌ
على ديباج أَوْجهها النّعِيمُ
تَحاسَر واضِحات اللّون زُهْرٌ
تَقُولُ ومَا لَهَا فِينَا حَمَيمُ
وَقَائِلةٍ وَمُثْنِيَّةٍ عَلَيْنَا
تَجُدْ بِدمُوعها العَيْنُ السَّجُومُ
مَّتِى تَرَ غَفْلَة الوَاشِينَ عَنْهَا
(١) ذكر الزبير بن بكار أن هذا الشعر كله لأبي المنهال نفيلة الأشجعي قال :
وسمعت بعض أصحابنا يقول : إنه لمعمر بن العنبر الهذلي ، والصحيح من القول أن
بعض هذه الأبيات لابن هرمة يمدح بها عبد الواحد بن سليمان ( الأغاني ٦ : ١١٤
ط. دار الكتب ) .
(٢) سقط في الأصل والإثبات عن الأغاني ٦ : ١١٣ ط. دار الكتب.
(٣) والناجيات : التوق السريعة تنجو بمن ركبها .
(٤) الكوم : النوق الضخمة السنام .

٢٨٥
لابن شبة
مَتَّى هوَ حَائِنٌ مِنْهِ قُلُومُ
تَعُدُّلَنَا الشهور (١) وَتَخْتَصِيها
ويَقدرْ ذَلِك المَلكُ الحَكِيمُ
فإِنْ يَكْتُبْ لَنَا الرَّحمنُ أَوْباً
فَكَمْ مِنْ حُرَّةٍ بَيْنَ المُنَقَّي
إلى أُحُدٍ إِلى مَا حَازَ رِيمُ (٢)
نقيِّ اللَّون ليس به كُلُومُ (٣)
إلى الجَمَّاء من خدِّ أَسيلٍ
ومن الزيادة :
لَدَى أَ كْوَارها خوصٌ (٤) مُجُومُ (٥)
أَتَيْنَ مودِّعَاتٍ والمطايا
وَقُرَّةٌ عَيْنِها فِيمَن يُقِيمُ
مشَيّعة الفُؤاد ترى هَوَاها
تَصَبّرُ فهي واجِمَةٌ كظومُ (٦)
وأُخرى لُيُّها معنا ولكن
(١) في الأغاني ٦ : ١١٣ الليالي .
(٢) روى بالأصل :
فكم من نجوة بين المصلى إلى أحد إلى ما جاز ريم
والمثبت عن الأغاني ٦ : ١١٤، ١١٧، والمنقى: طريق بين أحد والمدينة .
(٣) في الأصل :
إلى الجماء من وجه أسيل .
والمثبت عن الأغاني ٦ : ١١٤ ط. دار الكتب .
والجماء : جبيل بالمدينة على ثلاثة أميال من ناحية العقيق إلى الجرف وقيل إحدى
هضبتين عن يمين الطريق للخارج من المدينة إلى مكة ، الأغاني ٦ : ١١٤ .
(٤) في الأصل :
بأ کوار على حرض هجوم
أتين مودعات والمطايا
والمثبت عن الأغاني ٦ : ١١٤ ط. دار الكتب .
(٥) خوص : جمع أخوص وخوصاء : ضيق العين وصغرها وغورها ، وهجمت
العين هجوماً : غارت ودخلت في موضعها - المصدر السابق .
(٦) في الأصل :
تستروهي واجهة كفظوم
وأخرى قلبها معنا ولكن
والمثبت عن الأغاني ٦ : ١١٦ ط. دار الكتب .

٢٨٦
تاريخ المدينة المنورة
حدثني هارون بن عبد الله قال ، أنشدني ابن ثابت قولَ ابن
أبي عاصية السُّمي ، يتشوّق إلى المدينة وهو باليمن عند معن
ابن زائدة .
ذُرِى أُحدٍ رُمْتَ المَدَى المتّرَاخِيا
أَهَلْ نَاظِرٌ من خلف غُمْدان مُبْصرٌ
طَبِيبٌ بأرواحِ العَقِيقِ شَفَّانِيًا
قَلَو أَنَّ داء الیأْس بي وأَعَانني
قال ابن أبي ثابت : يعني إلياس بن مُضّر ، كان أصابَه السُّلّ،
فكانت العرب تدعو السّل ((داء إلياس)).
* قال أبو يحيى، وقال ابن أبي عاصِيّة يَتّشوَّق إلى المدينة،
وهو بالعراق :
عَليّ بأكناف الحجاز يطولُ
تطاول ليلي بالعراق ولم يكن
بعاقبة قبل الفَوَات سبيلٌ
فَھلْ لي إلى أَرْض الحِجَازِ ومن بهِ
وَيُثْفَى جَوَى بين الضّلوعِ دَخيلُ
فَتُشْفَى حزازاتٌ وتَنقع أَنفسُ
فَرِيحُ الصبا وِي إليكَ رَسُولُ
إذا لمْ يَكُن بِيْتِي وَبِينَك مُرسلٌ
• قال أبو يحي ، حدثني إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز
قال ، قال عبد الملك بن مروان الفتى من فتيانهم : أَتجدُك تَشْتَاق
المدينة ؟ قال: لا. قال: أَمَ والله لو حُبِسْتَ في مؤخّرٍ المسجد بعد
عُتّمَةٍ في ليلة مُقْمِرَة من ليالي الصّيف، قد توسَّدْت طرف ردائك
مع لمّة أُصحابك ينازعونك الحديث، لاشْتَقْتَها .
* حدثني عيسى بن عبد الله قال ، لما ولي الوليد بن يزيد
كتب إلى المدينة :
به يكتب الكتاب والكتب تُطْبَعُ
محرّمكم ديوانكم وعطاؤكم

٢٨٧
لابن شبة
بأن سماء الضرّ عنكم ستُقْلِمُ (١)
ضمنت لكم إن لم تصابوا بمهجتي
. وقال عبد الله بن عنبسة بن سعيد بن العاص لأَ بان - و کان
نازلاً بأَيلة - يعيب عليه نزوله بأَيْلَة وتَرْكَه النزول بالمدينة :
أَتركتَ طيبةً رغبَةً عنَ أَهلها ونزْلت مُنْتَبِذاً بدير القُعْنُذِ
فقال أبان :
والفقرُ مضربه بقصر الجُنْبُد
أُنزلت أرضاً بُرُّهَا كُتُرابِها
· حدثني أبو غسان قال: أَصاب الناسّ مرضٌ بالمدينة ، فخرجت
أعرابية بولدها وجعلت تقول :
[يا ربِّ بَاعد عنّي من ضّرارٍ](٢) من مسْجِد الرّسول ذِي المنار
* قال وأخبرني عبد العزيز بن عمران ، عن محرز بن جعفر
قال : وفد حسان بن ثابت رضي الله عنه على الحارث بن عمرو
ابن أبي شَمِر فأكرمه وحباه وأصاب عيشاً فقال :
يُغْدَى عليّ بإِبِرِيقٍ ومِسْمَعَةٍ إِنَّ الحِجَازٌّ حَلِيفُ الجوعِ والْبُؤْس
* قال ، وحدثني عبد العزيز بن عمران قال : قدم لَبِيدٌ
إلى المدينة ، فأُقام بها سنةً في بني النضير ، فخرج كأنه نصل
قدح ، فقال له بنو جعفر : يا لبيد ، خرجت من عندنا كالجمل
الحجون ورجعت إلينا كالقدح السفون فأنشأً يقول :
لهم زُور جنبي من قميصيومنچلدي
يقول بنو أم البنين ، وقَدْ بَدًا
دفعناك فحلا فوقه قزع اللِّبْد
دفعناك في أرض الحجاز كاًئما
(١) في الأصل تحريف نسخ وسقط في هذا البيت، والمثبت عن الأغاني ٦ : ١١١.
(٢) هكذا ورد .

٢٨٨
تاريخ المدينة المنورة
وخالطتَ عيشاً مسّه طرفُ الحَصْد
فصافحتَ حُمَّاهُ وداء ضلوعه
كأَنك نِضوٌ من مزينة أو نهد
فأُبتَ ولم نَعْرِفِك إِلا تَوَهُّماً
• حدثني مصعب بن عبد الله بن مصعب قال ، قالت امرأة
لجبهاء(١) الأشجعي : يا جبهاء ، انطلق بنا ننزل المدينة حتى تفرض
وتقيم بها . فأقبل بولده وبإبله ليبيعها ويقدم المدينة ، فلما أوفى
على الحرّة(٢) وأشرف على المدينة تذكرت إبله أوطانها فكرّت
راجعةٌ ، فجعل يُدَوّرها نحو المدينة وتأبى، فأقبل على امرأته فقال :
ما جعل هذه الإِبل أنزع إلى أوطانها منّا ؟ ونحن أحق بالحنين
منها - أنت طالق إن لم ترجعي، وفعل الله بك وَرَدَّها (٣) ثم
خلف بأقتابها يزجرها نحو نحو بلاده وأنشأً يقول :
داراً بيثرب ربّة الأجسام
قالت أنيسة بع بلادك والتمس
وكذلك يَفْعَل حازمُ الأقوام
تكتب عِيّالك في العطاء وتفترض
بلوى عنيزة أو بقف بشام
فھمّمْتُ ثم ذ کرت لیل لِقاحنا
نزل الظلام بعصبة أعتام
إذ هنّ عن حسبي مذَاوِدُ كلما
حِقْف الستار وقبة الأرحام
إنّ المدينة ، لا مدينة ، فالزمي
بالعيس من يَمَنٍ إليك وشام
يُجْلَب لك اللبنُ الغريضُ ويُنْتَزّع
(١) جبهاء الأشجعي: يزيد بن عبيد، ويقال يزيد بن حميمة بن عبيد بن عقيلة
ابن قيس الأشجعي ، شاعر بدوي من مخاليف الحجاز ، نشأ وتوفي في أيام بني أمية ،
وليس ممن انتجع الخلفاء بشعره ومدحهم فاشتهر ، وهو مقل وليس من معدودي
الفحول ( الأغاني ١٦ : ١٤٦ ط. بولاق ) .
(٢) في الأغاني ١٦ : ١٤٧: حتى إذا كان بحرة واقم من شرقي المدينة شرعها
بحوض وأقسم ليسقيها فحنت ناقة منها ثم نزعت وتبعتها الإبل .
(٣) الإضافة عن المرجع السابق.

٢٨٩
لابن شية
• حدثني أحمد بن معاوية، عن رجل من قريش ، عن ابن غزية
قال : كانت لبني قينقاع سوقٌ في الجاهلية تقومُ في السنة مِرَارًا،
وكانت عند مسجد الذبح(١) إلى الآطام التي خلف النخل، فهبط
إليها نابغة بني ذُبْيَان يريدها ، فأدرك الربيع بن أبي حقيق هابطاً
من قريته يريدها ، فتسايرا ، فلما أَشرفا على السوق سمعا الضجة ،
وكانت سوقاً عظيمةً يتفاخرُ الناس بها ، ويتناشدون الأشعار ،
فحاصت ناقة النابغة حين سمعت الصوت ، فزجرها وأنشأً يقول :
كادت تهد من الأصوات راحلتي ..
أَجِزْ يَا رَبيعُ . فقال :
والنَّغْرِ منها إذا ما أَوْجَسَت خلق
فقال النابغة :
لولا أُنَهْتِهُهَا بالسَّوط لانتزعت ..
أَجِزْ يا ربيع . فقال :
مني الزمام وإني راكب لبق
فقال النابغة :
قد ملّت الحبشّ بالآطام واشتعفت
أُجِزْ يا ربيع . فقال :
تربغ أوطانها لو أنها علق
فقال : لا تعجل ، تهبط السوق وتلقى أهلها ، فإنك ستسمع
شعراً لا تقدِّم عليه شعراً. فقال: شعرُ من ؟ قال : حسان بن ثابت .
(١) مسجد الذبح: علق عليه في الهامش لوحة ٩٣ من الأصل ليس في المساجد
ما هو مسمى بذلك ولعله مسجد الشيخ ، إذ هو في جهة بني قينقاع وهو أقرب شيء.

٢٩٠
تاريخ المدينة المنورة
قال : فقدم النابغةُ السوق ، فنزل عن راحلته ، وجَثًا على ركبتيه ،
واعتمد على يديه وأنشد :
عرفت منازلاً بعريقناتٍ (١) فأَعلى الجزع للحيِّ المبنّ (٢)
قال حسان : فقلت في نفسي : هلك الشيخ ؛ ركب قافية صعبة
قال : فو الله ما زال يحسنُ حتى أتى على آخرها ، ثم نادى :
ألا رجلٌ ينشد ؟ قال : فتقدم قيس بن الخطيم(٢) بين يديه فأنشد:
لَعَمْرَةَوَحْئًا غَيْرَ مَوْقِفِ رَاكبٍ(٤)
أَتَعرِفُ رَسْمَا كَالِّرَادِ المَذَاهِبِ
حتى أتى على آخرها ، فقال له النابغة : أنت أشعر الناس يا ابن
أخي قال حسان : فدخلني بعض الفرق ، وأني لأَجد على ذلك في
نفسي قوةً ، فتقدمتُ ، فجلست بين يديه فقال : أَنشد فوالله إنك
لشاعر قبل أن تتكلم . فأنشدته :
(١) عريقنات: قال أبو عبيدة: ماء بعرفه، وقال نصر : عرفة من عرفة .
(تاج العروس ٩ : ٢٧٨ ) .
(٢) المبن : المقيم بهذه المنازل المرتفعة ( النابغة الذبياني حياته وشعره، فارس
صويتي ٤٣ ، ١٤٥ ).
(٣) وهو أبو يزيد قيس الخطيم ، واسم الخطيم ثابت بن عدي بن عمرو بن سواد
ابن ظفر الأوسي، عاش قيس في الجاهلية وأدرك الإسلام ولم يسلم ، وقتل قبل الهجرة،
قتله الخزرج ، وروي أن قيساً قدم على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فعرض عليه
الإسلام فقال : إني لأعلم أن الذي تأمرني به خير من الذي تأمرني به نفسي ، وفيها
بقية من ذاك ، فاذهب واستمتع من النساء والخمر ، وتقدم بلدنا فأتبعك ( دیوان قیس
ابن الخطيم ج ٢ ط. العروبة، الأغاني ٣ : ١١ ).
(٤) كذا في الأصل، وفي جمهرة أشعار العرب، والخزانة، ووفاء الوفاء كالطراز
الذهب )».

٢٩١
لابن شبه
(بَيْنَ الجَوابِي فَالْبُضَيْعِ فَحَوْمَلٍ(١)
أَسَأَتَ وَسْمَ الدَّارِ أَمْ لَم تَسْأَّلِ
فقال : حسبك يا ابن أخي .
وفي اجتماع حسّان والنابغة غيرُ حديث ، منها : أَن الأصمعي
ذكر فيما حدثني عنه من أثق به : أنه كان يضرب للنابغة بسوق
عكاظ قبة ، فيجتمع إليه الشعراء فيها ، فخرج إليه حسان والأعشى
وخنساء بنت عمرو بن الشريد ، فأنشدوه أَشعارَهم ، فلما أَنشدته
خنساء :
كَأَنَّهُ عَلَمْ فِي رَأْسِهِ تَارُ
وإِنَّ صَخرًا لَتَأْتَمُّ الهُدَاةُ به
قال: يا خنيس، والله لولاً أَنَّ أبا بصير أنشدني آنفاً لقلت :
(( إني لم أسمع مثل شعرك، وما بها ذات مثانة (٢) أَشعر منك. قالت:
لا والله، ولا ذو خُصْيين، فغضب حَسَّان. فقال: والله لأَنَا أَشعرُ
منك ومن أبيك . فقال له النابغة : يا ابن أخي ، أنت لا تُحْسِنُ
أن تقول :
فَإِنِّكَ كاللّيلِ الدِّي هُو مُدْرِكِي
وإِنْ خِلْتُ أَنَّ المُنْتَأَى عَنْكَ وَاسِعُ
* حدثني هارون بن عبد الله قال، أخبرني يوسف بن عبد العزيز
الماجشون ، عن أبيه قال: قال حسان بن ثابت رضي الله عنه: أتيتُ
جَبَلَةً بن الأَّيهم الغساني وقد مَدّحْتُه ، فأَذِن لي عليه ، وعن يمينه رجلٌ
(١) التكملة من ديوان حسان بن ثابت ١٢١ ط. الهيئة العامة للكتاب . أراد بين
الجوابي : جابية الجولان بين دمشق والأردن . والبضيع من ناتئة كالجزيرة بدمشق ،
وقال الأزهري جبل قصير أسود بالشام قريباً من دمشق . حومل موضع أيضاً ( ديوان
حسان بن ثابت ١٢١ ط. الهيئة العامة للكتاب ) .
(٢) ذات مثانة : المثانة موضع الولد في بطن أمه .

٢٩٢
تاريخ المدينة المنورة
ذو ضغيرتين، وهو النابغةُ، وعن يساره رجلٌ لا أعرفه ، فجلست
بين يديه فقال : أتعرف هذين ؟ فقلت : أما هذا فأَعرفه ؛ هو النابغة،
وأما هذا فلا أَعرفه . فقال : هو عَلْقَمَةُ بن عَبَدَة (١)، إن شئت
استنشدْتُهَما وَسَمِعْت ، وإن شئت أَنْ تنشد بعدهما أَنْشَدْتَ، وإن
أَخْبَبْتَ سَكَتَّ. قال قلت : وذاك: ، فاستنشد النابغةَ ، فأَنشده :
وَلَيْلٍ أُقَاسِيهِ بَطيء الكّوا كِبِ(٢)
كِلِينِي لِهَمِّ يَا أُمَيْمَةُ نَاصِبٍ
قال : فذهب يصغي . ثم قال لعلقمة : أَنشد ، فأنشد :
طّحَا بِكِ قَلْبُ في الحسان طروبُ بُعَيْدَ الشَّبَابِ عَصْرِ حَانَ مَشِيبُ(٣)
قال: فذهب يصغي (إلى)(٤) الآخر . ثم قال لي: أنت الآن أعلم ،
إن أَحْببت أن تنشدنا بعد ما سمعتَ فَأَنشد ، وإن أحببت أن تمسك
فأمسك . قال : فتشددت وقلت : لأَنْشد قال : هات ، فأنشدته
القصيدة التي أقول فيها :
قَبْر ابن مَارِيَةً الكريمِ المُفْضِلِ
أبناءُ جَفْتَةَ حَوْلَ قَبْرِ أَبِيهِمُ
لاَ يَسْأَلُونَ عن السَّوادِ المُقْبِلِ
يُغْفَوْنَ خَتَّى ما تَهِرُّ كِلابُهُم
(١) هو علقمة بن النعمان التميمي من نجد وسادات تميم وشعرائهم المشهورين ،
شب وترعرع في بادية نجد فأرهفت حسه ، وجلت قريحته، وألهمته الشعر الرصين
الذي يمتلك المشاعر ويستلب الحواس ، ولقب لذلك بعلقمة الفحل . توفي سنة ٥٦١
ميلادية ( شرح ديوان علقمة ط. الفكر الجميع ببيروت ) .
(٢) كلي : دعيني، أميمة: من بنات الشاعر، ناصب: متعب ، بطيء الكواكب:
نجومه لا تغيب بسرعة . وقد قال هذا البيت من قصيدة يمدح بها عمرو بن الحارث
الغساني حين نزل به في الشام ( النابغة الذبياني - حياته وشعره ٣، ٤٨ ط. دمشق).
(٣) البيت : من قصيدة يمدح بها الحارث بن أبي شمر الغساني . طحابك : اتسع
وذهب في كل مذهب . الطرب : خفة تصيب الرجل لشدة الفرح أو لشدة الحزن .
(٤) إضافة يقتضيها السياق .

٢٩٣
لابن شبة
بيضُ الوُجُوه ◌َرِيمَةٌ أَحْسَابُهُمْ ثُمُّ الأُنُوفِ من الطُّرَازِ الأَوَّلِ(١)
قال: أُدْنُه، أَذْنُه، لعَمْري ما أَنت بِدُونِهما ، ثم أمر لي
بثلاثمائة دينار وبعشرة أقمصة لها جيب واحد ، وقال : هذا لك عندنا
في كل عام .
• قال محمد بن عبد الملك الفقعسي ، من بني أسد بن خزيمة :
بِسَلْعٍ، وَلِمَ تُغْلَقْ عَلَيَّ دُرُوبُ
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبيتنَّ لَيْلةٌ
حَصَانٌ أَمَامِ المَقْرُباتِ جَنِبُ
وهَل أُحُدٌ بَادٍ لَنَا، وكَأَنَّهُ
فَيَبْدُو لِعِينِي تَارَةً وَيَغِيبُ
يَخبّ السَّرابِ الضَّحْلِ بَيْتِي وَبَيْنَهُ
إلى أُحدٍ والحرّتان قَرِيبُ
فَإِنَّ شِقَائِي نَظْرةُ إِنْ نَظَرْتُها
على كلِّ نَجْم في السَّماءِ رَقِيبُ(٢)
وإني لأُّرعي النَّجْمُ حَتى كأَِّي
وأزْدَادُ شَوْقًا أَن تَهُبَّ جُنُوبُ
وأَشْتَاق لِلْبَرق اليَمانِيّ إِنْ بَدَا
· كان ابن ثُمَيْر الحضرمي شاعراً مُسِنًا ، وكان نازلاً ببلاد قومه ،
ثم نزل المدينة يسيراً من دهره ، ثم حَنّ فرجع إلى بلاده نُكْراً منه
في معيشته ، فلامته على ذلك زوجتُه ، فقال يعتذر لخروجه عن
المدينة :
وَحُلْوُ العَيْشِ يُذْكَرُ في السّينِ
أَلا قَالَت أمامة بَعْدَ دهر
شَقَاءُ في المَعِيشَّةِ بَعْدَ لِينِ
سَكَنتَ مُخَايلاً وتركتَ سَلْعًا
ببعض العَيْش ويْحَك فاغْذُريني
فَقُلت لَها ذَبَبْتُ اللَّيْنِ عَني
(١) انظر الأبيات في ديوان حسان بن ثابت ٢٤٧ ط. السعادة.
(٢) هذا البيت إضافة من معجم البلدان لياقوت ١ : ١٤٥ ط. طهران.

٢٩٤
تاريخ المدينة المنورة
فيكفيني وأحسن في الدَّرين
أُرَجِّي في المعاش على خِضَمٌ
وغرب الأرض أرض به مَعَاشاً
يَكْفُّ الوَجْه عَن باب الضّنين
. وقال محمد بن عبد الملك بن حبيب الأسدي ثم الفقعسي :
نوائبُ هَمِّ مَا تَزَال تَنُوبُ
نَفَى النَّوْمَ عَنِّي فَالقُؤْادُ كَثِيبُ
عَلِّ وأنهارٌ لهنّ قسيب
من الماء دَرَّاتٌ لَهُنَّ شُعُوبُ
دُمُوعي ولكنّ الغَرِيبٌ غَرِيبُ
بِسَلْعٍ ولم تغْلقْ عَلَّ دُرُوبُ
حَصَانٌ أَمَامَ المَقْرُبَاتِ جَنِيبُ
فَيَبْدُو لِعَيْنِي تَارَةً وَيَغِيبُ
إلى أُحُدٍ والحرتّن قَرِيبُ(٢)
على كلِّ نَجْمٍ في السَّماء رقيبُ
وأحراضُ(١) أَمراض يبغْدادجمّعَتْ
فَظَلَّتْ دُموعُ العيْنِ تَمْري غروبها
وَمَاجَزَعُ مِنْ خَشْيَةِ الموْتِ أَعْضَلَتْ
أَا لَيْت شعري هَلْ أَبِيتَن لَيْلةٌ
وَهَلْ أُحُدٌ بَادٍ لَنا وكأنّه
يَخِبُ السَّرابُ الضَّحْلُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ
فإنّ شِفَائِي نَظْرة إِنْ نَظَرْتُهَا
وإني لأَرْعَي النّجْمَ خَتِّي كأَنّني
وأَزْدَادُ شَوْقًا أَنْ تَهُبٌ جَنوبُ
وأَشتّاقُ للبرق اليَمَانِيّ إِنْ بَدًا
• وقال أبو قطيفة(٣) عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو
ابن أمية، حين أَخْرج عبدُ اله بن الزبير بني أمية من الحجاز إلى الشام:
ألا ليت شعري هل تغيّر بعدنا
جُبُوبُ المصلّى أَمْ كعهدي القرائنُ(٤)
(١) في الأصل ((وأعرافن)، والمثبت عن ياقوت ١: ١٤٥ ط. طهران.
(٢) في الأصل ((نظرة لو نظرتها)) والمثبت عن معجم البلدان ١ : ١٤٥.
(٣) وسمي أبو قطيفة لأنه كان كثير شعر الرأس ثائره، عظيم اللحية (الأغاني
١ : ٣٠، أنساب الأشراف ٥ : ١٢٧).
(٤) الجبوب : الحجارة والأرض الصلبة . والقرائن : ثلاث دور انخذها عبد الرحمن
ابن عوف رضي الله عنه، فدخلت في المسجد. وقيل ثلاث جنابذ ((قباب)) (وفاء الوفا
٤ : ١٢٨٨ ) .

٢٩٥
لابن شبة
كَمَا كُنَّأَمْ مَل بالمدينة ساكنُ(١)
أم الدُّور أَكنافَ البلاط عُوَّامِرٌ
أحِنُّ إلى تِلك البِلاد صَبَابَةً
إذا بَرَقّتْ نحو الحجاز غمامةٌ
وما أَخْرَجَتْنَا رَغْبَةٌ عن بلادنا
كَأَنِّي أَسِيرٌ في السّلامِلِ رَامنُ
دَعا الشّوقَ منّي برقُها المتيامِنِ (٢)
ولكنَّه مَا قَدَّرَ اللهُ كائِنُ (٣)
مَعَائِبُ كَانَتْ بَيْنَنَا وَضَغَائِنُ
وَلَكن دَعا للحرب دَاعٍ وعَاقَنَا
ويُزْجَرَ بعد الثُّوْمِ طِيرٌ أَيَامِنُ
ويَرْجَع ناء في المحلّة شَاطِنُ
وَمَنْ هُوَ مَسرورٌ بطيبة قاطِنُ
لِعَلَّ قُرَيْشًا أَنْ تَثُوبِ حُلُومُها
وَتُطْفَأَ نارُ الحرب بعد وقودها
فَمَا يَسْتَوي مَنْ بالجزيرة دَارُهُ
وقال :
لَيْتَ شِعْري وأَيْن منيَ لَيْتُ
أَمْ كَعَهْدِي العقيقَ أَم غيّرَتْه
أُعَلَى العَهد يَلْبُنُ قَبرامُ (٤)
بَعْدِيّ الحَادِثَاتُ والأيّامُ (٥)
مَا إِليه لمن بحمص مَرَامٌ
منزلٌ كُنْتُ أَشْتَهِي أَنْ أَرَاهُ
يُ وصِرْفُ الهوى وحرب عقامُ
حال من دون أَن أَحِلَّ به النَّأُ
(١) هذا البيت في الأغاني ١: ٣٠ ط . دار الكتب .
من الحي أم هل بالمدينة ساكن
وهل أدؤر حول البلاط عوامر
(٢) هذا البيت في الأغاني ١ : ٣٠ ط: دار الكتب.
دعا الشوق مني برقها المتيامن
إذا برقت نحو الحجاز سحابة
(٢) هذا البيت في الأغاني ١: ٣٠ ط. دار الكتب .
ولكنه ما قدر الله كائن
فلم أتر کنها رغبة عن بلادها
(٤) یلبن : جبل قرب المدينة . برام - بفتح أوله و کسره والفتح أكثر - جبل
في بلاد بني سليم عند الحرة من ناحية البقيع .
(٥) في الأصل: أم كعهدي البقيع. والمثبت عن الأغاني ١: ٢٨ ط. دار الكتب.

٢٩٦
تاريخ المدينة المنورة
والقُصورِ التِي بِهَا الآطامُ (١)
وتَبَدَّلْتُ مِنْ مَساكنٍ قَوْمِي
كُلّ قَصْر مِشَيّدٍ ذِي أَوَاسٍ
وَبَأهلي بُدّلْتُ لَخْمَا وعكّا
أَقْطعُ اللَّيلَ كلَّه باكتئاب
نَحْوَ قَومي إِذْ فَرِّقَتْ بَيْنَنَا الدَّا
حَذّراً أَن يُصيبهم عَنْتُ الدهـ
وَلَقد حَانَ أن يكونَ لهذا الدَّ
ولَحيِّ بين العَرِيضِ وَسِيحٌ
تَتَغَنِّى عَلَى ذُرَاهُ الحَمَامُ (٢)
وجُذَامًا وأَيْنِ مِنِّي جُذَامُ (٣)
وزفيرٍ فَما أكاد أَنامُ (٤)
رُ وحَادَتْ عَنْ قَصْدِها الأَخْلَامُ
و وحربٌ يَشِيبُ مِنْهَا الغُلامُ(٥)
هر عَنَّا تباعدٌ وانْصِرَامُ
حيث أرسى أوتاده الإِسلامُ
مِنْ قصارى (في) دورها الأصنامُ(٥)
كان أَشْهِى إليَّ قُرْبِ جِوَارٍ
في بلادٍ تنتابها الأسقامُ
يَضْربون النَّاقُوس في كلّ نَجْرٍ
(١) الشطر الثاني من هذا البيت مضطرب في الأصل . والاثبات عن الأغاني ١ : ٢٨
- الآطام : جمع أطم، وهي القصور والحصون ، وقال الأصمعي : الآطام : الدور
المسطحة السقوف .
(٢) في الأصل ((تتداعى على ذراه الحمام
ط. دار الكتب .
... والمثبت عن الأغاني ١ : ٢٨
وفي رواية لابن عمار ذي أواش بالشين المعجمة كأنه أراد به أن هذه القصور
موشاة أي منقوشة. و((أواس)) رواية ابن إسحاق، واحدها آس وهو الأصل.
(٣) في الأصل ((وبقومي بدلت لخماً وعكاً)) والشطر الثاني مضطرب والإثبات
عن الأغاني ١ : ٢٨ - عكّ - بفتح أوله - قبيلة يضاف إليها خلاف باليمن - لحم
وجذام : قبيلتان معروفتان ( الأغاني ١ : ٢٨ حاشية رقم ١).
(٤) في الأصل ((أقطع الليل كله ذكريات)). واشتياقاً فما أكاد أنام. وما أثبتناه
عن الأغاني ١ : ٢٩ ط. دار الكتب .
(٥) في الأغاني ط ص ٢٩ «خشية أن يصيبهم عنت الدهر وحرب يشيب منها الغلام.
(٦) إضافة يستقيم بها الوزن .

٢٩٧
لابن شبة
ودموعي على الدُّرى سُجَّامٌ
ففؤادي مِنْ ذِکر قَوْمِي حَزینٌ
أَقْرِ قَوْمِي السَّلَامِ إِنْ جِئْتَ قَوْمي
وَقَلِيلٌ مِنِّي لِقَوْمِي السَّلامُ
وقال :
ثقيلَ التّوالي من مَعِين الأوائلِ
سقّى اللهُ أَكتَافَ المدينةِ مُسيِلاً
سيوفُ ملوكٍ في أَكُفِّ الصياقلِ
أَحِسُ كأَنَّ البرقَ في حُجُزاته
بقيعُ المصلّى أَم يطونُ المَسَابِل
ليالي لاطتنا بوشك التزايل
تُذَكِّر أَيامَ الصبا والخلائل
فقد أبقت الأشجانُ صفوّ الوسائل
ويا ليت شِعْري هَل تَغِيَّر بَعْدَنا
أم الدورُ أكناف البلاط کعهدنا
يُجِدُّ ليَ البرقُ اليماني صيابَةً
فإن تك دار غَرَّبَتْ عن ديارنا
وقال :
إنّ ردّي نحو المدينة طرفي
زَادَنِي ذَاكَ عَبْرَةً واشتياقًا
كُلما أَسهَلت بنا العيس بَيْئًا
ذِكَرُ ما تزال تَتْبَعُ قومي
وقال :
حين أيقنتُ أَنه التوديع
نحو قومي والدهرُ قِدمًا وَلوع
وبدأ من أمامهن مَليع
ففؤادي به لذاك صدوع
بَكَى أُحدُ لِمَا تحَمَّل أَمْلُه
ونرحل نحوَ الشام ليست بأَرْضِنًا
على أَثَر البيضِ الذين تَحَمَّلُوا
فَسَلْعُ فَبَيْتُ العِزِّ عنه تصدعُوا(١)
ولا بُدَّ منها والأُنوف تجَدَّعُ
لمُقْلِيهِمُ مِنَّا جميعاً فَوَدِّعوا
(١) في الأغاني ١ : ٢٧ :
بكى أحد لما تحمل أهله
وبالشام إخواني وجل عشيرتي
قسلح فدار المال أمست تصدّع
فقد جعلت نفسي إليهم تطلع

٢٩٨
تاريخ المدينة المنورة
وقال :
أشهى إلى القلب من أبواب جَيْرون(١)
القَصْرُ فالنَّخْلُ فالجَمَّاءُ بَيْنَهما
دُورٌ نَزَحْنَ عن الفحشاء والهُونِ(٢)
ولا ينالون حتى الموت مكتوني(٣)
مَعَ الرِّجاء لَعَل الدَّهر يُدنِيني(٤)
إلى البلاط فما حازت قَرَائنُه
قد يكْتُمُ الناسُ أَسْرارًا فأَعلمها
(إني مَررت لِما زال مِنّا في شبيبتنا)
وقال :
بكى أُحُدُ إِذ فارق النومَ أَهلُه
مِنَ اجْل أَبيبَكْرٍ جَلَتْ عَنْ بلادها
وقال :
فكيف بذي وَجْدٍ من القوم آلفٍ
أُمَيّة، والأيام ذات تصارف
و إذا جئت يلبناً قبراما
أيها الراكب القحم في السَّـ
أَبلِغِيه عني وإن شطّت الدَّا
مَا أَرى إن سأَلت إنَّ إليهِ
تِلكَ دَارُ الحَبيب في سالف الدَّهـ
رُ بِنَا عَن هَوَى الحَبِيبِ السَّلَامًا
يا خليل لمن بحمص مراما
ر سقّاها الإِلّهِ رَبِي الْغَمَامًا
ن ولَجّ السحاب فيها ودَامًا
زَانَها الله واستَهل بِهَا المُزْ
رَبَّما قد رأيت فيها حسانا
كالتماثيل آنساتٍ كِرَامًا
(١) البيت مضطرب النسخ. والمثبت عن الأغاني ١١:١ ط. دار الكتب. والقصر
الذي عناه في هذا الشعر قصر سعيد بن العاص بالعرصة ، والنخل الذي عناه غزل كان
لسعيد هناك بين قصره وبين الجماء،وهي أرض كانت له كذلك . وأبوابجیرون بدمشق.
(٢) ويروى فيه ((حاذت قرائته)): من المحاذاة. والقرائن: دور كانت لبني سعيد
ابن العاص متلاصقة ، سميت بذلك لاقترانها .
(٢) نزحن : بعدن . المون : الهوان .
فلا ينال طوال الدهر مکتون
(٣) في الأصل: قد یکتم الناس أسراراً وأعلمها
والمثبت عن الأغاني ١ : ١١. والمكنون: المستور الفي وهو مأخوذ من الكن.
(٤) هذا البيت مضطرب الوزن، وقد أثبتناه كما ورد في الأصل (المدقق).

٢٩٩
لابن شهة
- مناف معلقاتٍ وساما
خُصّرات من البهاليل من عبد
وعِتَاقًا مِنَ الخيول صِيَامًا
فاضّ دمعي على ردائي سجاما
وعشاراً من المهاري رقاقاً
وإذا ما ذَكرتُ دَهْرًا تولّى
وقال الوليد بن عقبة :
نزّل المشيب محل غصن شَّاب
طَرِبَ القُؤاد إلى المدينة بَعْدَما
فانهل دمعي واكفَ الأْراب
أحزانه في إثر حب رباب
في مونق جعد الثرى معشاب
بلد يقل مناطق الأصحاب
قبل السّبات وفرقة الأحباب(١)
زمن العقيق ومسجد الأحزاب
ودَعَی الهوی سَلَلُ فداعی ساجعا
سيلاً كما ارفض الجمان أَساله
ذكر الفؤاد مَها برملة حرّة
نزحت بیثرب أن تزار ودونها
[وَلَقد عمرنا ما كان تَفَرِقا]
لا يرجع الحزن الممرّ سفاهه
وقال الوليد بن عقبة :
إذا البرق من نحو الحجاز تعرضت
مَخابله هاجَ الفؤاد المُتَيِّما
بأكتاف سَلْع فالبلاط المُكَرِّما
يمرون لا يأتين مَنْ كان مُحْرِمَا
ويأبين إلاّ عفة وتُكرّمًا
وهَيِّيج أيامًا خَلَت وملاعباً
وَذَكَّرَ بِيضًا كُنّ لا أَهل ريبة
ويبدين حق الودلِلْكُفْءذي الحِجِّى
ذكر حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم
* حدثنا يزيد بن هارون قال ، أَنبأَنا يحيى بن سعيد ، أنه
سمع عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث ، أَن عائشة رضي الله عنها
كانت تحدث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سهر ذات ليلة
(١) هذا البيت مضطرب. وقد أثبتناه كما ورد في الأصل (المدقق) .

٢٠٠
تاريخ المدينة المنورة
وهي إلى جنبه ، قالت فقلت: مالك يا رسول الله ؟ قال : ليت رجلاً
صالحاً من أصحابٍ يحرسني الليلة ، قالت : فبينا نحن كذلك
إذ سمعنا صوت السلاح فقال : من هذا ؟ قال : أنا سعد بن مالك(١).
فقال : ما شأنك ؟ فقال : جئت لأَحرسك يا رسول الله . قالت:
فسمعت غطيط رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومه .
* حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عبد الملك بن أبي سليمان .
عن عطاء ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أنه ذكر صلاة
رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف ، قال جابر رضي الله عنه:
كما يفعل حرسكم هؤلاء لأُمرائهم .
* حدثنا حرمي بن عمارة(٢)، عن محمد بن إبراهيم الهاشمي،
عن إدريس الأُودي ، عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم إذا صلى في الحجر قام عمر بن الخطاب رضي الله عنه على
رأسه بالسيف .
• حدثنا حبان بن هلال قال ، حدثنا عبد الأعلى ( بن
٠
(١) في الأصل سعد بن مالك وهو سعد بن أبي وقاص واسم أبي وقاص: مالك
ابن وهیپ و قیل أهیب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن حرب بن کعب بن لؤي
ابن غالب بن فهر بن النضر بن كنانة القرشي الزهري . أسلم بعد سنة ، وقيل بعد أربعة ،
وهو أحد الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنّة، وأحد الستة أصحاب
الشورى ... قال علي رضي الله عنه: ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أباه وأمه
لأحد إلا لسعد بن أبي وقاص قال له يوم أحد: ارم فداك أبي وأمي . ارم أيها الغلام الخرور
( أسد الغابة ٢ : ٢٩٣).
(٢) حرمي بن عمارة العتكي ، قال ابن معين: صدوق ( الخلاصة
الخزرجي ٦٥).